بلغة الطالب في التعليق على بيع المكاسب

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
214 /
3

(الجزء الأول)

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وصلي الله على أفضل سفرائه المقربين محمد المبعوث رحمة للعالمين ثمّ الصلاة و السلام على آله و عترته الطيبين الطاهرين و اللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين و بعد فان شرف العلم لا يخفى و فضله لا يحصى قد ورثه اهله من الأنبياء و قد فضل الله مداد العلماء على دماء الشهداء فنالوا بذلك الدرجات العلى و ممن ملك بيد السلف الصالح في طلب العلم و الفضيلة فضيلة العلامة تقه الإسلام السيد على نجل العلامة حجة الإسلام السيد نور الدين و حفيد المرحوم المبرور سماحة آية الله السيد محمد هادى الميلاني تغمده الله برحمته فحضر ابحاثنا الفقهية العليا حضور تفهم و تحقيق و تعمق و تدقيق و صرف زهرة شبابه و اتعب نفسه كتبا و ضبطا لمحاضراتنا في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة و قد سرحنا النظر رغم تراكم الأعمال و اشتغال البال في قسم مما دونه في هذا الكتاب (بلغة الطالب في التعليق على بيع المكاسب) للمرحوم المغفور له الشيخ المرتضى الأنصاري اعلى الله مقامه فوجدناه وافيا بالمراد حسن التعبير بديع الأسلوب تبويبا مما يدل على ذكائه و تعمقه فلله تعالى دره و عليه سبحانه اجره و الله تبارك و تعالى اسأل أن يوفقه لمراضيه إنه ولى التوفيق و السلام عليه و رحمة الله و بركاته. غرة ربيع الثاني 1399 ه‍. محمد رضا الگلپايگاني‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين، و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الأولين و الآخرين.

و بعد: فهذه بحوث فقيهة عالية و تحقيقات علمية شامخة، دونتها من المحاضرات التي ألقاها سيدنا الأستاذ الأكبر الفقيه العظيم و المحقق الشهير آية الله العظمى السيد محمد رضا الموسوي الگلپايگاني دام ظله العالي على فضلاء الحوزة العلمية بجامعة العلم الكبرى (قم المقدسة) في كتاب البيع.

و قد تفضل سماحته دام ظله الشريف فلاحظها و أقرها و أبدى رأيه الكريم حولها.

و لما كان عنوان بحثه كتاب المكاسب لعلم التقى و أستاذ الفقهاء الشيخ المرتضى الأنصاري أعلى الله مقامه فقد حررت ما أفاده بطريق‌

6

التعليقة على الكتاب، و سميته ب‍ (بلغة الطالب في التعليق على بيع المكاسب).

و اني إذ أقدم هذه البحوث إلى زملائى الفضلاء و إخواني العلماء ابتهل إلى الله عز و جل أن يمتعنا و الامة الإسلامية بدوام وجود سيدنا الأستاذ و يمن علينا ببركاته انه سميع مجيب.

قم المقدسة على الحسيني الميلاني‌

7

كتاب البيع

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

حقيقة البيع

قال الشيخ(قده):

البيع و هو في الأصل كما عن المصباح مبادلة مال بمال.

أقول: لأبد من الوقوف على معنى البيع و حقيقته في اللغة و العرف، و انه هل له حقيقة شرعية أولا، ليتسنى لنا التمسك بعمومات البيع صحة و فسادا و غير ذلك.

قال في المصباح:" و الأصل في البيع مبادلة مال بمال، لقولهم بيع رابح و بيع خاسر، و ذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنه أطلق على العقد مجازا لأنه سبب التمليك و التملك .. إلخ" فهو يرى أنه قد أخذ في مفهوم البيع كون المال عينا لا منفعة، و ان إطلاقه على العقد مجاز من باب إطلاق المسبب على السبب.

و لقد كثر الكلام حول حقيقة البيع، فعبارة المصباح تفيد أن البيع هو المبادلة بين المالين، بمعنى كون الثمن ملكا للبائع بالبيع‌

10

و صيرورة المثمن ملكا للمشتري. الا أن ظاهر قول البائع" بعت" و قول المشتري" اشتريت" و عملهما هو التبديل، لكن الحاصل من ذلك هو المبادلة و ان لم تكن مقصودة لهما بمعنى تحقق ملكية كل منهما لما كان ملكا للآخر.

و بما ذكرنا ظهر اندفاع ما أورده بعضهم قائلا: ان الاولى أن يقال" تبديل مال بمال"، و ان كان التعريف بالتبديل صحيحا أيضا باعتبار النظر إلى ما هو المقصود من المتبايعين.

و قيل: ان البيع تمليك مال بمال. و أشكل عليه بأن التمليك إيجاد السلطنة و ليس بيعا.

وفية: ان الباء هذه للمقابلة، أي جعل المال ملكا في قبال الأخر، فهو كالتعريف بالمبادلة و لا غبار عليه، و كان الاشكال قد نشأ من توهم تعلق الباء ب‍" تمليك .." و هو خلاف الظاهر.

و الملكية في اصطلاح الفقهاء أمر اعتباري متقوم بالمالك و المملوك، فبالبيع الواحد تتحقق اضافة بين البائع و الثمن من جهة و بين المشتري و المثمن من جهة أخرى. و هى من الوضوح بحيث لو أرسل الصبي إلى السوق لشراء شي‌ء ما فهم ما هو المراد من البيع و الشراء، و هو يعلم ان هذا الثمن سيصبح للبائع في مقابل المثمن الذي سيأخذه منه، فالحاصل من البيع صيرورة مال البائع للمشتري و مال المشتري للبائع، و هذا المعنى يفهمه كل احد.

11

معاني البيع

ثمّ" البيع" يستعمل في فعل البائع و فعل المشتري معا، و في كتب اللغة انه موضوع لكل منهما، فهو من الأضداد. نعم الأكثر استعماله في الأول.

و أما الفقهاء: فتارة يريدون من البيع عمل البائع أي باذل السلعة و أخرى المعاملة الخاصة المتحققة من فعل المتعاملين في قبال المعاملات الأخرى كالصلح و الإجارة .. و هذا هو مرادهم من عنوانهم" كتاب البيع" في الكتب الفقهية، و هو أيضا المراد في قوله تعالى" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ ..". و ثالثة يقصدون من البيع السبب و هو" العقد" المركب من الإيجاب و القبول.

و كان مراد صاحب المصباح هو المعنى الثاني من هذه المعاني و انما عبر ب‍" المبادلة" لأنها عنوان منتزع من جعل كل من المتبايعين العلقة الحاصلة له بالنسبة إلى ملكه للآخر، فتعريفه ناظر إلى هذا الامر الانتزاعي الحاصل من تحقق منشأ الانتزاع كما أشرنا اليه سابقا.

هذا، و الظاهر أن البائع يقصد أولا و بالذات نقل عينه إلى المشتري و انتقال عين المشتري إلى نفسه، و ان المشتري يقبل ذلك و أما السلطنة و الملكية لكل منهما بالنسبة إلى ما للآخر فتحصل بالتبع، فليسا مقصودين بالأصالة، و هذا هو المرتكز العرفي و عليه سيرتهم.

و على هذا فمن عرف البيع ب‍" تمليك مال بمال" فقد نظر إلى‌

12

هذا الحيث البنائي المقصود، كان ان التعريف ب‍" مبادلة مال بمال" ناظر إلى المفهوم المنتزع من فعل المتبايعين و عقدهم كما تقدم، و ان التعريف ب‍" العقد بينهما" ناظر إلى سبب تحقق هذا الموضوع البنائي عند العرف و الشرع بناء على اعتبار الصيغة.

و بما ذكرناه ظهر أن اختلافهم في التعبير و التعريف انما هو لأجل الاختلاف في النظر و اللحاظ، كما علم أن حقيقة البيع هو بناء كل من المتبايعين على إيجاد علقة الملكية بالنسبة إلى ماله للآخر.

تعريف البيع في الكتب الفقهية

هذا، و لقد اختلفت كلمات الأصحاب في تعريف" البيع":

ففي المبسوط" انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي"، و في النافع" الإيجاب و القبول اللذان تنتقل بهما العين المملوكة من مالك إلى غيره بعوض مقدر"، و في جامع المقاصد" و الأقرب أن البيع هو نقل الملك من مالك إلى آخر بصيغة مخصوصة"، و في المستند" نقل الملك بعوض من مالك إلى آخر بعقد مخصوص".

أما الشيخ(قده) فقد عرفه بعد مناقشة تلك الكلمات بقوله‌

" فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال".

و الظاهر أن المراد من" البيع" في قوله تعالى" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" هو المعاملة المتداولة بين الناس، لا خصوص ما يصدر من البائع أو المشتري. و هذا البيع بهذا المعنى يتحقق من اجرائهما العقد المخصوص،

13

ثمّ العرف يعتبره بيعا و يرتب عليه الاثر، ثمّ الشارع كذلك ان كان جامعا للشرائط التي يعتبرها.

و قد ذكر بعضهم: ان المتبادر من قول زيد" بعت داري لعمرو أمس" إجراؤه العقد معه، و ان المراد من قول الفقهاء" كتاب البيع" هو العقد الذي تترتب عليه الإثار فيما اذا كان جامعا لشرائط الصحة و قيودها، فكأن الباب معقود لذكر تلك الشرائط المعتبرة في الإيجاب و القبول المتحقق بهما" البيع" و غير ذلك.

ثمّ المسبب من الإيجاب و القبول فعل آخر، و هو النقل بالمعنى المصدري تارة و الانتقال أخرى، الا اذا أريد من النقل المعنى الاسم مصدري، فانه حينئذ و الانتقال بمعنى واحد.

و على هذا فليس مراد الفقهاء من هذه الكلمات تعريف حقيقة البيع، فالإشكال على" الانتقال" أو غيره في غير محله. و عندنا ان هذه التعاريف كلها صحيحة و قد لوحظ في كل واحد منها جهة من الجهات.

و أما قول الشيخ(قده) بأنه" إنشاء تمليك .." فغير واضح، إذ ليس" بعت" بمعنى" أنشأت التمليك". و لعله(قده) يريد إنشاء تمليك عين بعقد مخصوص، و هذا الإنشاء من البائع يتوقف اعتباره عند العرف على تعقبه بإنشاء من المشتري، ثمّ الشارع يرتب الاثر عليهما ان كانا جامعين لشرائط الصحة المعتبرة. و على هذا فهو كالتعريف بأن" البيع عبارة عن الإيجاب و القبول .. إلخ" اذا الإيجاب و القبول مشروطان بالإنشاء لا محالة.

14

المال و حقيقته

ثمّ انه لم يقيد في جملة من الكلمات بالمال، بل قيدوا بالعين كما في المبسوط من أنه" انتقال عين مملوكة" و ظاهره عدم اشتراطهم المالية في المبيع، فما هو المال؟ و هل المالية شرط؟

لقد قيل: المال ما يبذل بإزائه المال، و لكن هذا لا يفيد مفهوم المال. و قيل: هو ما يعبر عنه في الفارسية ب‍" پناهگاه"، و هذا غير معلوم صحته. نعم لا يبعد تفسيره بالفارسية ب‍" ارزش دار". مثلا: الماء على شاطئ البحر لا يقع عليه البيع لعدم المالية و لكن اذا حاز منه أحد في اناء و ابتعد قليلا عن البحر حصلت له مالية و لذا لا يجوز التوضي به من دون رضا صاحبه الا أن هذه المالية عارضة عليه من قبل غرض التوضي به مثلا فهل يقع البيع عليه حينئذ عرفا؟

قد يقال: ان مالية الأشياء كلها تابعة لآثارها و فوائدها اما بالأصالة و اما بالعرض بالنسبة إلى العرف و العقلاء بصورة عامة، و أما حاجة أحد الافراد اليه لغرض شخصي تعلق به اتفاقا فلا توجب أن يكون الشي‌ء ذا ثمن و ما لا عند العقلاء. و كل شي‌ء لم يعتبره العقلاء مالا لم يصححوا بيعه و شراءه، و حينئذ لا يرتب عليه الشارع الاثر، فيكون البيع باطلا.

فاذن لا بد من اشتراط المالية.

و قد يقال: يكفي في المالية و صحة المعاوضة كون الشي‌ء متعلقا للغرض و لو بنحو الموجبة الجزئية و عليه فلا يشترط المالية و يصح‌

15

تعريف الشيخ(قده) في المبسوط.

قلت: الامر راجع إلى نظر العرف فليتأمل.

المبيع و اختصاصه بالأعيان

ثمّ انه قد استظهر الشيخ(قده) اختصاص المعوض بالعين فقال‌

" و الظاهر اختصاص المعوض بالعين فلا يعم ابدال المنافع بغيرها".

و أما العوض فجوز أن يكون منفعة بلا اشكال قائلا" و أما العوض فلا اشكال في جواز كونه منفعة .." لكن في كلام بعضهم اشتراط كون العوضين عينا، و في كلام آخرين صحة المعاملة حتى اذا كانا منفعة.

أقول: ان الادلة الشرعية منزلة هنا على ما هو الواقع عند العرف، إذ لا حقيقة شرعية للفظ" البيع" و عدم قيام الإجماع على اشتراط" العين" في المبيع .. فليراجع عمل العرف! و قد وردت روايات في بيع سكنى الدار التي لا يعرف صاحبها. (1)

____________

(1) أما رواية بيع سكنى الدار التي لا يعرف صاحبها فهي ما رواه الشيخ (قدس سره) باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن على بن رئاب و عبد الله بن جبلة عن إسحاق بن عمار عن عبد صالح (عليه السلام) قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له و لم تزل في يده وئد آبائه من قبله قد أعمله من مضى من آبائه انها ليست لهم، و لا يدرون لمن هي، فيبيعها و يأخذ ثمنها؟ قال: ما أحب أن يبيع ما ليس له. قلت: فانه ليس يعرف صاحبها و لا يدرى لمن هي، و لا أظنه يجئ لها رب ابدا. قال: ما أحب ان يبيع ما ليس له. قلت: فيبيع سكناها أو

16

و في بيع خدمة العبد المدبر (1) ..

و أجيب عن ذلك بأنه" مجاز بإرادة الإجارة".

وفية نظر، إذ لو كان المراد من" البيع" هو" الإجارة" لردعه الامام (عليه السلام) عن التعبير بلفظ" البيع" في المقام و أمره بالإجارة، بل المنافع تباع و تشترى في العرف كالاعيان، و الروايات مؤيدة لعملهم مكانها في يده فيقول: أبيعك سكناي و تكون في يدك كما هي في يدي؟ قال:

نعم يبيعها على هذا.

وسائل الشيعة 12/ 250 الباب الأول من أبواب عقد البيع من كتاب التجارة.

و هذه الرواية موثقة بإسحاق بن عمار و غيره.

(1) و هى روايات:

(منها) ما رواه الشيخ (قدس سره) باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن ابان عن ابى مريم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن رجل يعتق جاريته عن دبر، أ يطؤها ان شاء او ينكحها أو يبيع خدمتها حياته؟ فقال: أى ذلك شاء فعل.

(و منها) ما رواه عنه عن القاسم بن محمد عن على قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حياته. قال: ان أراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات اعتقت الجارية، و ان ولدت أولادا فهم بمنزلتها.

(و منها) ما رواه الشيخ"(قده) باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى عن ابراهيم بن هاشم عن النوفلي عن السكوني عن جعفر بن محمد عن ابيه عن على (عليه السلام) قال: باع رسول الله (صلى الله عليه و آله) خدمة المدبر و لم يبع رقبته.

____________

(1) وسائل الشيعة 16/ 74 كتاب التدبير، الباب الثالث.

17

و لا وجه لحملها على المجاز. و الفرق بين" الإجارة" و" البيع" حينئذ هوانه في البيع تباع المنفعة رأسا، و أما في الإجارة فيسلط المستأجر على العين لاستيفاء منافعها (1).

الكلام في بيع الكلى

و سواء كان البيع مختصا بنقل الأعيان أو يعم المنفعة و الحق، فانهم قالوا بصحة بيع الكلي سواء كان من قبيل النصف المشاع من الدار مثلا، أو من قبيل الصاع من الصبرة المعينة، أو كان في الذمة كأن يبيع المقدار الكذائي من الحنطة، فانه يصح حتى و ان لم يكن مالكا له حينئذ، بل لا يوجد في الخارج حنطة أصلا حتى زمان التسليم.

و كذا يصح فيما اذا كان المبيع كليا في ذمة الغير و هو" الدين".

و قد أشكل في بيع الكلي مطلقا: بأن الملكية من الاعراض و العرض لا يحتاج إلى المحل و الكلي ليس موجودا فكيف يباع؟

و هذا الاشكال يأتي في الصلح و الإجارة إذا كان مال الإجارة كليا.

و أشكل بالنسبة إلى الكلي في الذمة خاصة: بأن البائع ليس مالكا للحنطة الآن" و ان كانت ذمته معتبرة"، و ليس المبيع موجودا مع أنه‌

____________

(1) قال السيد الأستاذ دام ظله في تعريف الإجارة:" الظاهر ان حقيقتها اعتبار اضافة بين العين و المستأجر مستتبعة لملك المنفعة أو العمل و التسلط على العين لاستيفائهما، و لذا تستعمل ابدا متعلقة بالأعيان و يقال: آجرت الدار مثلا" تعليقة العروة الوثقى.

18

قد تقدم أن البيع مبادلة مال بمال.

و أيضا: انه لأبيع الا في ملك، فكيف يملك الإنسان ما في ذمته؟

و أجيب عن الأول بوجوه أصحها: ان الملكية و ان كانت من الاعراض لكنها ليست كالاعراض الخارجية كالسواد و البياض، بل انها في الحقيقة أمر اعتباري عقلائي. و حينئذ فان من الممكن اعتبار هذا المبيع موجودا، فيعامل معاملة الموجود الخارجي حيث انه في عهدة البائع، و قد تعلقت الملكية بهذا الموجود، و لا يلزم أن يكون متعلق الملكية أمرا متحققا في الخارج.

و أما بناء على ما اختاره بعضهم من أن الملكية أمر واقعي لكنها كسائر الأمور الواقعية التي لا نتمكن من درك مفاهيمها كالنجاسة و الطهارة فالإشكال غير مندفع كما هو واضح.

و قد أجاب المحقق النراقي(قده): بأنه لا يلزم فعلية الملك عند النقل بل اللازم هو فعلية النقل.

وفية: ان النقل أيضا من الأمور ذات الإضافة، فكيف يكون النقل فعليا و المنقول ليس فعليا؟ و أجيب: بأن الكلي موجود بوجود ما يفرض من أفراده.

وفية: ان أريد وجوده في الخارج فربما لا يكون هناك له افراد أصلا، و ان أريد وجوده في الذهن فيرجع إلى الاعتبار و هو الجواب الأول.

و قد أجيب بوجوه اخرى، و هي اما مخدوشة و هي اما مخدوشة و اما ترجع إلى الوجه الأول.

19

و الجواب عن الثاني هو: ان المال في الذمة يعد مالا عند العقلاء و لذا يبذلون بإزائه المال.

و عن الثالث: انه لما يتعهد تسليم الحنطة في حينه يعتبر العقلاء ملكية للمتعهد به و يرتبون عليه الاثر، كما يعتبرون الملكية آنا ما لمن اشترى أحد عموديه لأجل أن ينعتق عليه .. (و لا يشترط تحقق المالية للشي‌ء قبل" البيع" يكفي تحققها بنفس التعهد في حين المعاملة، نظير عمل الحر، فانه كما ذكروا لا مالية له بالذات لكنها تتحقق له بنفس تعهده للعمل).

هذا كله بالإضافة إلى الإجماع القائم على صحة بيع الكلي و الدين.

فتلخص: ان البيع عندهم لنقل الأعيان بخلاف الإجارة فهي لنقل المنافع.

و قد تقدم منا الاشكال فيه. و قد جاء في بعض الروايات وقوع البيع على خدمة العبد المدبر (1)، كما استعمل لفظ البيع في الأراضي الخراجية في طائفة من الروايات (2)، مع ان المنقول منافعها لا أعيانها، و كذا في سكنى الدار التي لا يعلم صاحبها، حيث عبر بالبيع، و قد قال‌

____________

(1) تقدم في الهامش سابقا ذكر روايات في ذلك.

(2) راجع باب حكم الشراء من أرض الخراج و الجزية، و باب احكام الأرضين من كتاب الجهاد من وسائل الشيعة 11/ 118 119 و تجد ذلك ايضا في كتاب احياء الموات و غيره منه.

20

الشيخ(قده) في الجواب عن هذه الروايات" انها مسامحة في التعبير" لكنه دعوى بلا دليل كما تقدم.

و على هذا فلا مانع من أن يكون المبيع حقا أو منفعة، نعم الأكثر كونه عينا كما انه لا مانع من نقل المنافع بالبيع، كأن يقال" بعتك منفعة هذه الدار" و ان كان الأكثر نقلها بالإجارة و تتعلق حينئذ بنفس العين، فيقال مثلا" آجرتك الدار لمدة كذا".

الكلام في عوض المبيع

قال الشيخ(قده):

و اما العوض فلا اشكال في جواز كونه منفعة.

أقول: ان جعل أحدهما عوضا و الآخر معوضا جاء من قبل قولهم" بعتك هذا بهذا"، و الا فان كلا منهما يعطى في مقابل الأخر، فالفارق هو الاعتبار. فهم اعتبروا ما يحصل ملكيته بالإيجاب معوضا و ما يحصل تمليكه بالإيجاب عوضا. و لكن اعتبر اكثر الفقهاء العينية في المعوض و لم يشترطوها في العوض، فيصح عندهم أن يكون منفعة. و لما كانت المنفعة مالا عرفا صح وقوعها عوضا عما يعد مالا، فيصدق حينئذ المبادلة بين المالين، فيقال" بعتك هذا الثوب بالخدمة الكذائية"، الا ان هذا عند العرف قليل، بل الأكثر في مثل ذلك الإجارة لا البيع. لكن ادعي انه لأخلاف بين الفقهاء في صحة هذا البيع كما عن العلامة(قده).

و عن بعضهم اشتراط العينية فيه كذلك. و لعله لندرة وقوع المنفعة عوضا في البيع عند العرف كما هو كذلك.

21

و احتمل الشيخ(قده) كونه من جهة" ما اشتهر في كلامهم من أن البيع لنقل الأعيان" فأجاب بأن" الظاهر ارادتهم بيان المبيع.".

و هذه المنفعة المذكورة يقال لمن يملكها انه ذو مال، كما انه ليس فقير شرعا.

هل يقع عمل الحر عوضا؟

و أما عمل الحر و هو من المنافع فهل يجوز وقوعه عوضا، كأن يقول" بعتك هذا الثوب بخياطة هذا الثوب" أو" بعتك هذا الثوب بكتابة هذا الكتاب"؟

قالوا: ان عمل الحر بعد المعاوضة مال، فتكون خياطة الثوب أو كتابة الكتاب ملكا لصاحب الثوب، و يجوز له حينئذ أن يبيع هذا العمل لثالث في مقابل شي‌ء، و انما الكلام في ماليته قبل المعاوضة.

أقول: ان هذه المسألة تترتب عليها آثار كثيرة في موارد عديدة:

منها: انه ان كان عمله (سواء كان صنعة أو حرفة أو خدمة) ما لألم يجز له الأخذ من الزكاة و تجب عليه الفطرة و ان لم يكن ذا مال بالفعل إذ المفروض أنه يمكنه العمل و تحصيل المئونة. و أما اذا اشترط المالية الفعلية فليس مالكا لشي‌ء، فيصدق عليه عنوان" الفقير" و تترتب الإثار المترتبة عليه.

و منها: مسألة الحج ..

و منها: مسألة الحجر على المفلس، فمن حجر عليه التصرف‌

22

في أمواله لأجل الإفلاس فهل يحجر عليه التصرف و الاستفادة من عمله فيؤجر نفسه و يؤخذ مال الإجارة و يقسم بين الغرماء كسائر أمواله كما هو الشأن في العبد فان عمله لمالكه كنفسه أو ان متعلق حق الغرماء هو أمواله التي كانت له قبل الحجر و أما عمله فلنفسه و الأجرة له؟

و بالجملة: ان كان عمل الحر مالا صح وقوعه عوضا لما تقدم من تحقق المالية له بالتعهد، و الا فلا بناء على اشتراط المالية في العوضين.

و الحق هو الأول، فانه مال كعمل العبد بلا فرق بينهما من هذه الجهة، فكما يبذل المال بإزاء عمل العبد فانه يبذل بإزاء عمل الحر عرفا.

نعم في الحر أحكام توهم الفرق، مثلا لو حبس شخص عبدا ضمن لمالكه عينه و عوض عمله، دون الحر فانه لا ضمان عليه.

لكن لعل عدم الضمان من جهة عدم القدرة على التسلط على عمله بخلاف العبد.

فالحق هو القول الأول (و ان احتمل الإجارة في مثل هذه الموارد دون البيع) فان عمل الحر في حد نفسه مال سواء قبل المعاوضة و بعدها، و مجرد تعهده و التزامه يكفي لصحة المعاملة و يصلح العمل للمالية. و بالجملة: المعاملة صحيحة بناء على صحة وقوع المنفعة عوضا، فانه أي عمل الحر مال بناء على اشتراط المالية في العوضين كما في عبارة المصباح.

نعم، لو قيل ان العمل ليس مالا مطلقا لم يقع عوضا مطلقا.

23

الكلام في الحقوق و أقسامها و وقوعها عوضا

قال الشيخ(قده):

و أما الحقوق الأخر كحق الشفعة و حق الخيار ...

أقول: الفرق بين المعاوضة على" العين" و المعاوضة على" الحق" واضح، ففي الاولى ينتقل إلى المشتري متعلق السلطنة و في الثانية ينتقل اليه نفس الحق الذي صح وقوعه عوضا.

و الحقوق على قسمين كما أشار اليه(قده)، و لا بد أولا من الوقوف على حقيقة" الحق" فنقول:

[الحق] سلطنة:

اما على العين الخارجية التي هي ملك للغير كتعلق حق المرتهن بمال الراهن، فله" حق" استيفاء دينه ببيع مال الراهن فيما اذا لم يؤد الدين عند حلول الأجل المعين.

و اما على مال ليس ملكا لأحد كحق التحجير.

و اما على عين خارجية لا تعد مالا شرعا كالخمر، فان من انقلب خله خمرا له حق الأولوية في التصرف فيه من غيره، فله أن يبقيه حتى ينقلب خلا أو يفعل به ما شاء على قول.

و اما على شي‌ء ليس عينا في الخارج كحق القصاص، قال الله تعالى" وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً." (1).

و اما على غير الشخص كحق الخيار، فانه يتعلق بالعقد، فذو‌

____________

(1) سورة الاسراء: 36.

24

الخيار له أن يفسخ العقد و له ان لا يفسخ.

و ربما يقال في الأخيرين: انه حق متعلق بالعين، و هو الشخص الذي يكون مورد القصاص و المال الذي وقع العقد عليه و اشترط فيه الخيار فيملكه بفسخ العقد. و من هنا قيل: لو أتلف غير ذي الخيار المال ضمنه له ان فسخ العقد، لأنه مال تعلق به حق الغير.

و في حق القصاص تردد فهل هو متعلق بالشخص أو بالمال؟

فان قلنا بجواز تقاص الدائن من مال المدين الممتنع من أداء الدين مع اذن الحاكم أو بدونه على القولين كان حقا متعلقا بالمال، و ان قلنا بعدم جوازه كان متعلقا بشخص المدين.

و أما الحكم بإباحة التصرف في شي‌ء فلا يفيد تعلق حق به، لان الإباحة ترخيص من قبل الشارع، و ليس هناك سلطنة مجعولة و لا يعتبر العقلاء للمباح له حقا، فلا يقال: انه ذو حق بالنسبة إلى الماء المباح له شربه، بخلاف ما تعلق بالاثمار الممرور بها، فانه سلطنة للمار على تلك الأثمار مجعولة من قبل الشارع، و يعبر عنها ب‍" حق المارة".

و نظير المقام ما ثبت من الفرق في مسألة الإنفاق بين الوالدين و الزوجة، فالإنفاق على الوالدين حكم و على الزوجة حق، و تظهر الثمرة في صورة عدم الإنفاق، فلو لم ينفق على الزوجة مدة ضمنه لها، بخلاف نفقة الوالدين فلو لم يؤد لم يضمن و لم يكن مدينا.

الفرق بين" الحق" و الحكم

و الحاصل: ان" الحكم" جعل من الله تعالى من غير أن يكون‌

25

للمكلف سلطنة، بخلاف" الحق". و من آثار ذلك: ان" الحق" يقبل النقل و الاسقاط من قبل المكلف بخلاف" الحكم" فانه لا يتغير. اللهم الا أن يغير موضوعه ليتغير بتبعه، كأن يسافر ليكون حكمه القصر بعد أن كان عليه الإتمام، و أما" الحق" فيمكن تغييره حتى مع عدم تغيير الموضوع، بأن يسقطه أو ينقله إلى غيره.

لكن تشخيص" الحكم" عن" الحق" و التفريق بينهما مشكل، لان بعض" الحق" لا يقبل الاسقاط كالحكم. نعم لو قام الدليل على عدم قبول أمر للاسقاط على وجه العموم كشف عن كونه" حكما" أو قام على الضمان في مورد كشف عن وجود" الحق"، لكن لو دل على" الحق" لم يدل على قبوله للاسقاط.

و بالجملة: فطريق التفريق هو الدليل، و الا فمشكل و لا بد من الرجوع إلى الأصول.

ثمّ ان بعض الحقوق لا يقبل الاسقاط و لا الانتقال و لا المعاوضة عليه بمال أو غيره مثل حق الأبوة.

و بعضها يقبل الاسقاط دون الانتقال، كإسقاط المغتاب حقه عمن استغابه (1). نعم يجوز له أخذ مال في مقابل الاسقاط، لكنه ليس معاوضة الا اذا وسع مفهومها.

و بعضها يقبل الاسقاط و الانتقال دون المعاوضة، كحق القصاص‌

____________

(1) هذا بناء على عدم كفاية النوبة و الاستغفار، و كونه حقا للناس بمعنى وجوب الاستحلال و البراءة، قال الشيخ(قده) بعد أن بحث المسألة بالتفصيل"

و الأحوط الاستحلال ان تيسر و الا فالاستغفار".

26

فانه يجوز لصاحبه إسقاطه كما أنه يورث لكن لا يباع مثلا نعم يجوز المصالحة عليه.

و بعضها يقبل ذلك كله كحق التحجير.

قال الشيخ(قده):

و أما الحقوق الأخر كحق الشفعة و حق الخيار ..

أقول: الظاهر أن كلمة" الأخر" زائدة و ان وجهها بعضهم بناء على صحة النسخة.

و حق الشفعة هو: استحقاق الشريك تملك الحصة المبيعة في شركته بمثل الثمن الذي وقع عليه عقد البيع، و هو لا يقبل المعاوضة بالمال لكن يقبل الاسقاط و ينتقل بموت الشفيع إلى ورثته فيقسم بينهم كسائر الأموال.

قلت: و يمكن أن يقال بتحقق الشفعة للوارث بتملكه للحصة لا بتورثه اياها. فتأمل.

و اذا كان قوام" البيع" هو" المبادلة" بأن يدخل في ملك كل من المتبايعين شي‌ء بإزاء ما يبذله فان الحقوق القابلة للاسقاط دون الانتقال لا يصح وقوع البيع عليها، فلو دفع اليه مالا في مقابل إسقاطه حقا له لم يتحقق بيع لعدم تحقق حقيقة المعاملة و ان لم يكن ذلك لغوا.

و اما ان قيل بعدم شرطية ما ذكر بل يكفي حصول المنفعة لكل من المتعاملين و وجود المصحح العقلائي فلا اشكال.

قال(قده):

لان البيع تمليك الغير.

27

أقول: ان هذا يصح أن يكون علة لعدم جواز جعل المبيع حقا و لكن الكلام في العوض، اللهم الا أن يكون مراده أن البيع تمليك من الطرفين لا من طرف البائع فقط، و حيث ان الحق المزبور لا يقبل التمليك فلا يجوز كونه عوضا كما لا يصح كونه معوضا، و حينئذ يتم التعليل بما ذكر، و قد كان الأحسن التصريح بذلك.

و بالجملة، فيعلم من هذا التعليل مع ما قررناه أن مبناه(قده) في باب البيع هو دخول المبيع في ملك المشتري و الثمن في ملك البائع. فلا يجوز جعل الثمن الكذائي عوضا و ثمنا للمبيع.

هل يباع الدين على من هو عليه؟

ثمّ قال (قدس سره):"

و لا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه، لأنه لا مانع من كونه تمليكا فيسقط ..".

أقول: يرد عليه أن البحث كان في جعل الحق عوضا لأفي جعله معوضا، و بيع الدين على من هو عليه من الثاني. اللهم الا أن يقال بأن الغرض هو التشبيه و التنظير. و بالجملة فقد أجاب الشيخ(قده) عن النقض بالالتزام بكونه تمليكا و عدم مانع منه، و أثر هذا التمليك هو السقوط.

و لكن يمكن أن يقال في مسألة بيع الدين على من هو عليه بأنه ليس من باب بيع ما في ذمة أحد من نفسه، بل هو من بيع الكلي،

28

و حيث أن مثل هذا الكلي كان في ذمة المشتري فلذا يقع التهاتر قهرا.

لا يقال: اذا جاز هذا بالنسبة إلى ما في الذمة فليجز بالنسبة إلى الملكين الخارجيين.

لأنه يقال: ان المشخصات الموجودة في الخارجيين يمنع من التهاتر بينهما، بخلاف ما في الذمة.

و الانصاف: ان القول بالتهاتر لا يرفع الاشكال، لأنهم يصرحون ببيع نفس الدين ممن هو في ذمته، لأبيع كلي آخر مثله حتى يقع التهاتر.

فلنرجع إلى ما ذكره الشيخ في الجواب، فانه قال:

" لا مانع من كونه تمليكا فيسقط"

يعني: ان المشتري يصير مالكا آنا ما و أثره سقوط ما كان عليه، بخلاف جعل الحق عوضا فانه لا يمكن تحقق الملك فيه حتى آنا ما.

ثمّ قال:

" و الحاصل انه يعقل أن يكون مالكا لما في ذمته فيؤثر تمليكه السقوط، و لا يعقل أن يتسلط على نفسه" ثمّ أضاف قوله" و السر ان الحق سلطنة فعلية لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد، بخلاف الملك فإنها نسبة بين المالك و المملوك و لا يحتاج إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه".

أقول: أي فرق بين مالكية الإنسان لما في ذمته و نقل الحق اليه، و ذلك: ان الملكية اضافة بين المالك و المملوك و نتيجتها سلطنته عليه، فالإضافة هنا بين المالك و ماله لا بين المالك و من عليه، بخلاف الحق فان حق القصاص مثلا حق للمولي على من عليه الحق و هو القاتل، فيمكن‌

29

في الملك الإضافة بين زيد المديون بمقدار معين من الحنطة و بين هذا المقدار، فيكون زيد مالكا له، و لا يمكن أن يكون له حق على نفسه.

و بالجملة فحيث أن الإضافة في باب الحق تكون بين الشخصين أحدهما المتسلط و الآخر المتسلط عليه فلذا لا يمكن الاتحاد فيه، بخلاف الملك فان الإضافة فيه بين المالك و المملوك بلا لحاظ و اعتبار الشخص، فلذا يمكن تحققها بين الشخص و ما في ذمته.

و لكن هذا المحذور و هو اتحاد من له الحق و من عليه انما يلزم فيما إذا بيع الحق من خصوص من عليه الحق، و أما لو نقله صاحب الحق إلى ثالث و باعه منه فلا اشكال فيه، كما ترى أن حق التحجير ينتقل إلى الأخر بلا لزوم مثل هذا الاشكال، لأنه اضافة بين الشخص و الأرض الكذائية المعينة بأن يحييها و يتملكها. فهنا يكون الحق قابلا لان يجعل عوضا في البيع و لا يلزم المحذور المذكور.

و أورد المحقق الأصفهاني(قده) بما حاصله: ان معنى السلطنة على الغير كونه تحت يده و متحركا بإرادته، و هذا المعنى جار في سلطنة الإنسان على نفسه، لأنه أولى بنفسه من كل أحد، نظير أن الإنسان عالم بنفسه فهو عالم و معلوم، و الحق أيضا كذلك، فيمكن أن يكون الإنسان مسلطا و مسلطا عليه بلا محذور.

أقول: فيه أنه قياس مع الفارق، فان السلطنة اضافة لوحظ فيها العلو و الاستعلاء، و لازم ذلك وجود شي‌ء آخر يكون مستعلى عليه نظير الفوقية و التحتية، فلا يعقل أن يكون شي‌ء فوق نفسه أو تحت‌

30

نفسه فمن له السلطنة له التفوق على من عليه السلطنة اما من جميع الجهات أومن بعضها، و أما المسلط عليه فهو في مرتبة دانية بالنسبة اليه، و كون الإنسان مسلطا على فعله معناه أن أمر فعله بيده، فهو بنفسه مسلط و فعله الذي هو شي‌ء آخر مسلط عليه، و أين هذا من كونه بنفسه مسلطا و مسلطا عليه؟

فمن كان له التسلط على شخص لأفعل لا يمكن اتحاده مطلقا، فلا يمكن تحقق الإضافة المعتبرة للمسلط للمسلط عليه في آن واحد.

هذا كله في الحقوق غير القابلة للانتقال ..

هل تقع الحقوق القابلة للانتقال عوضا؟

قال الشيخ(قده):

و أما الحقوق للانتقال كحق التحجير و نحوه، فهي و ان قبلت النقل و قوبلت بالمال في الصلح إلا أن في جواز وقوعها عوضا في البيع اشكالا ..

أقول: حاصل اشكاله: ان الظاهر من الفقهاء كون المالية شرطا في ثمن المبيع، و كذا في أجرة الأجير في باب الإجارة، و لذا يقولون" البيع مبادلة مال بمال"، و حيث أن الحق المذكور لا يعلم كونه مالا فلا يمكن الجزم بصحة البيع لو وقع عوضا.

و لكن يمكن الجواب عنه بأن المال هو ما يبذل بإزائه المال و هذا الحق كذلك فهو مال، الا ان يريد(قده) عدم المالية عند أهل العرف، إذ ليس كل ما يبذل بإزائه المال مالا عندهم، أ لا ترى المناصب كالحكومات‌

31

و كذا الوجاهة أن بين الناس مثلا يبذل للوصول اليها المال و ليست مالا .. و بالجملة فلا بعد في عدم كون الحق مالا عرفا مع كون المنفعة مالا عندهم.

و الحاصل: ان الحق ان كان شيئا في مقابل المال و كان اضافة من آثارها السلطنة لم يصح جعله عوضا في البيع، لان البيع مبادلة مال بمال، و ان كان مالا باعتبار أنه يبذل بإزائه المال صح جعله كذلك و نفذ البيع. و التحقيق: الاشكال في صحة هذا البيع للفرق بين الحق و الملك، و ذلك أن ما يقع عليه البيع في" الملك" هو نفس المملوك الخارجي، أعني الدار و العقار و نحو ذلك، لا ملكية الدار مثلا و هذا بخلاف" الحق" الذي صار أحد طرفي البيع، فانه بنفسه يكون متعلق البيع، و هو الملاحظ في مقام البيع، مع أن الحق سلطنة خاصة، و قد ذكرنا ان العقلاء لا يعتبرون بيع السلطنة أصلا. نعم يجوز أخذ شي‌ء و اسقاط الحق فيما اذا كان قابلا له كحق القصاص، و أما بيعه من القاتل أو غيره فهو غير معقول. و وجهه يظهر بالتأمل.

لا حقيقة شرعية للفظ البيع

قال الشيخ(قده):

ثمّ الظاهر أن لفظ" البيع" ليس له حقيقة شرعية و لا متشرعية ..

أقول: أي ان المستعمل فيه هذا اللفظ في الكتاب و السنة و كلمات الأصحاب هو المفهوم الذي يريده العرف منه.

32

لكن قال السيد(قده): يمكن دعوى ان الفقهاء اصطلحوا فيه معنى آخر، و هو العقد المركب من الإيجاب و القبول، و ان مرادهم من قولهم" كتاب البيع" هو كتاب عقد البيع، و من قولهم" شرائط البيع" هو شرائط عقد البيع. و هكذا.

قلت: هذه الدعوى و كذا دعوى صاحب الجواهر(قده) بالنسبة إلى لفظ النكاح ممنوعة، فان ارادة" العقد" من" البيع" و" النكاح" في بعض الأحيان لا يدل على النقل و الاصطلاح، بل ظاهر بعض عباراتهم عدم ارادة غير المعنى العرفي، و القول بمخالفتهم للاصطلاح فيها كما ترى.

فالحق ما ذكره الشيخ(قده).

الكلام حول تعريف البيع

نعم نراهم في مقام تعريف" البيع" يعرفونه بتعاريف مختلفة:

ففي القواعد" البيع عبارة عن انتقال عين من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي" و تبعه عليه جماعة، مع ان" البيع" فعل و" الانتقال" هو الاثر الحاصل منه، و لا يكاد يتبادر إلى الذهن من" باع زيد متاعه" مفهوم الانتقال ..

و من هنا عدل جماعة إلى تعريفه بانه" الإيجاب و القبول الدالان على الانتقال".

و قد أورد عليه الشيخ(قده) بأن هذا من مقولة اللفظ و" البيع"

33

من مقولة المعنى، فهو فعل مسبب عن الإيجاب و القبول.

و اختار آخرون كجامع المقاصد القول بأنه" نقل العين."،

فان أراد من" النقل" المعنى المصدري وافق" البيع" فانه فعل، ثمّ قالوا" بالصيغة المخصوصة.".

لكن أشكل الشيخ(قده) بأن" النقل" لا يرادف" البيع" بل مرادف" البيع" هو" التمليك" و لازمه" النقل". قال:

و لذا صرح في التذكرة بأن إيجاب البيع لا يقع بلفظ" نقلت" و جعله من الكنايات.

أي: و يشترط كون الإيجاب باللفظ الصريح الدال على المقصود بذاته.

و أيضا:" النقل" أعم من" البيع" فيشمل الصلح و غيره.

على أن قوله" بالصيغة المخصوصة" يخرج المعاطاة مع أنها بيع عنده كما سيأتي.

كما ان في التعريف مسامحة من جهة جعله" الصيغة المخصوصة" جزءا للمنشأ، قال الشيخ(قده):

و لا يندفع بأن المرد ان البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة، فجعله مدلول الصيغة اشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل لا أنه مأخوذ في مفهومه حتى يكون مدلول" بعت" نقلت بالصيغة.

لأنه ان أريد بالصيغة خصوص" بعت" لزم الدور، لان المقصود معرفة مادة" بعت"، و ان أريد بها ما يشمل" ملكت" وجب الاقتصار على مجرد التمليك و النقل.

34

قلت: كأنه(قده) يريد من قوله" لا يندفع" أصل الاشكال، لكن الظاهر اندفاعه غير أنه يلزم اشكال الدور.

تعريف الشيخ للبيع

ثمّ ان الشيخ(قده) عرف البيع بأنه‌

" إنشاء تمليك عين بمال" و قال:

" و لا يلزم عليه شي‌ء مما تقدم".

أقول: ان ما أورده(قده) على تعريف جامع المقاصد من أنه اذا كان النقل بالصيغة جزءا من المنشأ فان النقل بالصيغة لا يقبل الإنشاء (و ان أجيب: بأن المنشأ هو النقل لا النقل بالصيغة) هو نفسه وارد على هذا التعريف، و لا يجاب عنه بما أجيب عن ذلك، لان كلمة" الإنشاء" لا يمكن الغض عنها هنا كما أمكن غض النظر عن كلمة" بالصيغة" هناك.

و أيضا: ان هذا التعريف يفيد" البيع" الذي هو في قبال" الشراء" لا الذي يقابل" الإجارة" و غيرها، لأنه يصدق على فعل البائع، و أما المشتري فهو ينشئ" التملك" أو قبول" التمليك".

و قال السيد(قده) ما ملخصه: ان الشيخ(قده) يريد أن البيع تمليك انشائي من الموجب (و ان لم يحصل به الملكية عند العرف كبيع مالا مالية له، و كذا عند الشارع كبيع الخمر) إذ مفهوم البيع متحقق بمجرد إنشاء الموجب في اعتباره .. فهو انما قال" إنشاء" لبيان دخول هذا في التعريف و انه لا يشترط في مفهوم البيع إمضاء‌

35

الشرع أو العرف أو كليهما.

أقول: فالصحيح اذن زيادة كلمة" إنشاء" كما اعترف به السيد(قده) أيضا، لكفاية" التمليك" لأنه أمر اعتباري انشائي، و لو فرض أنه(قده) أراد التصريح بهذه الناحية لكان الاولى أن يقول" البيع تمليك انشائى ..".

و أما ما عن بعضهم: من ان الشيخ(قده) يريد من" الإنشاء" ما يقابل" الاخبار" فانه ليس بيعا.

ففيه ما لا يخفى.

و قال المحقق الخراساني(قده):" ان إنشاء التمليك ليس ببيع كما أنه ليس بتمليك، نعم انما هو جزء سببه.".

أقول: هذا صحيح، فان الإنشاء من البائع و القبول من المشتري هما الجز آن المتحقق بهما البيع.

ثمّ ان بعض الفقهاء يعرف البيع السببى و بعضهم البيع المسببي و ظاهر تعريف الشيخ(قده) هو الأول، فهو اذن كالتعريف ب‍" الإيجاب و القبول." فيرد عليه ما أورده(قده) على تعريفه.

الإشكالات حول تعريف الشيخ

هذا، و قد أورد الشيخ(قده) نفسه على تعريفه بأمور:

منها: أنه موقوف على جواز الإيجاب بلفظ" ملكت" و الا لم يكن مرادفا لها.

36

و أجاب: بأنه الحق كما سيجي‌ء.

أقول: ان الترادف بين" بعت" و" ملكت" بهذا المعنى غير مسلم. فهو ليس كالترادف بين" البشر" و" الإنسان" بل هو أعم من البيع، مثل الترادف بين" الإنسان" و" الحيوان الناطق"، فيكون" ملكت" مع القيود اللاحقة به مرادفا للفظ" بعت"، و بذلك يخرج التعريف عن عمومه و يختص ببيع العين بالمال، فلا يشمل بيع المنفعة بإسقاط الحق مثلا.

و منها: انه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه، لان الإنسان لا يملك مالا على نفسه.

و أجاب: أولا: بإمكان تصوير مالكية الشخص لما في ذمته.

أقول: و ذلك لان كل اضافة تتقوم بطرفيها، و الملكية لا تتحقق الا بالمالك و المملوك كما تقدم أما كون المملوك في الخارج و تشخص المالك .. و نحو ذلك فخارج عن قوام المفهوم الإضافي، و لذا يتحقق البيع بإنشاء الفضولي له. و على هذا فلا ريب في تحقق مفهوم البيع في هذا المقام لصحة تصور طرفي النسبة فيه، و من هذا القبيل ما اذا كان للمدين في ذمة الدائن نفس المقدار الذي في ذمته له.

و ثانيا: بأنه لو لم يعقل التمليك لم يعقل البيع.

و منها: انه يشمل التمليك بالمعاطاة.

و أجاب: بأنه بيع و ان مراد النافين نفي صحته.

أقول: أي هو عندهم من هذا الحيث كالبيع الغررى، فانه و ان‌

37

كان باطلا لكنه بيع عند الكل.

و منها: صدقه على الشراء، فان المشتري بقبوله للبيع يملك ماله بعوض المبيع.

و أجاب: بأن التمليك فيه ضمني، و انما حقيقته التملك بعوض، و لذا لا يجوز الشراء بلفظ" ملكت" تقدم على الإيجاب أو تأخر ..

و فيه نظر، لان تعريفه(قده) يعم التمليك الضمني كذلك.

أقول: يرد عليه الاشكال ببيع السلف، فان الفقهاء أجمعوا على جواز كون الإيجاب فيه من المشتري و القبول من البائع، فيكون تمليك البائع ضمنيا و تمليك المشتري أصليا.

و لا يندفع هذا الاشكال بما ذكره السيد(قده) من أن المراد من كون التمليك ضمنيا أن يكون المتعلق فيه على وجه العوضية، و من كونه أصليا أن يكون على وجه المعوضية، و في السلم و ان كان الإيجاب من المشتري الا انه يملك على وجه العوضية، فكأنه قال" أعطيتك الدراهم عوضا عن تمليك الطعام"، فالمملك الأصلي فيه هو البائع.

وجه عدم الاندفاع: ان الشيخ(قده) لم يذكر في تعريفه سوى ان البيع إنشاء تمليك عين بمال. و هذا يصدق على فعل المشتري هناك، لأنه يملك البائع، و ليس فيه اعتبار كونه على وجه المعوضية حتى يخرج تمليك المشتري في الباب المذكور.

38

كلام المحقق الأصفهاني و ما يرد عليه

هذا و قد استشكل المحقق الأصفهاني في الالتزام بالتمليك في موارد:

منها: بيع العبد على من ينعتق عليه.

أقول: انه لا مانع عقلا و عقلاء من اعتبار الإضافة الملكية بين العبد و من ينعتق عليه، لكن المانع هو الشرع" كما لا مانع تملك الكافر للمسلم الا شرعا فقد منع عنه مطلقا" لكن المتبع هو الدليل، فلا بد من النظر إلى مدى دلالته فهل يمنع عنه مطلقا أو يستثنى" الآن" لعدم صدق" السبيل" المنفي في الكتاب (1) عليه؟ الحق هو الثاني، فالإشكال مندفع.

قال: و أما الالتزام بالملك الحكمي ففيه: انه ليس بيعا حقيقيا، و العبد انما ينعتق في هذه الحالة من ملك البائع لا المشتري، لعدم تحقق الانتقال.

أقول: لقد دل الدليل على عدم امتناع الملك القصير.

قال: و المستفاد من بعض الاخبار أن العتق يترتب على مجرد الشراء، و لازم ذلك عدم الملكية الإنية.

أقول: الانعتاق بمجرد الشراء يعني انه بالشراء يتحقق الملك فالعتق، لا ان العتق معلول للشراء.

____________

(1) قال الله تعالى" وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا" سورة النساء. الآية 141.

39

ثمّ انه(قده) نسب إلى صاحب الجواهر(قده) القول بتقدم الملك على الانعتاق تقدما ذاتيا لا زمانيا. و اعترض عليه بأنه خلاف التحقيق، إذ لا اعتبار للملك الا في الزمان، فالملك لأفي زمان غير معقول ..

لكن صريح كلام صاحب الجواهر وجود الملك في زمان الانعتاق مقارنا له و متقدما عليه ذاتا، و لا يقول بأنه رتبى فقط كما نسب اليه فراجع.

الكلام على الإشكالات الأخرى على تعريف الشيخ

ثمّ قال الشيخ(قده):

و به يظهر اندفاع الإيراد بانتقاضه بمستأجر العين بعين، حيث أن الاستيجار يتضمن تمليك العين بمال أعنى المنفعة.

يعني: ان المستأجر هنا و ان كان بملك العين بمنفعة كسكنى الدار مثلا الا ان الإجارة أولا و بالذات اعتبار الموجر الإضافة بين الدار و مستأجرها التي لازمها صيرورة المنفعة ملكا للمستأجر أو كونه مسلطا عليها، فالإجارة في حد ذاتها هي السلطنة الناقصة في قبال البيع الذي هو السلطنة التامة، و تضمنها أحيانا لتمليك العين من طرف المستأجر لأدخل له بحقيقة الإجارة.

قال:

و منها انتقاض طرده بالصلح على العين بمال و بالهبة المعوضة.

و أجاب بما حاصله:

ان حقيقة الصلح و لو تعلق بعين ليس هو التمليك على وجه المقابلة و المعاوضة، بل معناه الأصلي هو التسالم، و لذا لا يتعدى بنفسه إلى المال. نعم قد يتضمن التمليك اذا تعلق بعين، لكنه ليس تمليكا لما ذكر.

40

أقول: ان الغرض الأصلي من الصلح هو قطع المشاجرة و التراضي بين المتنازعين، قال في مجمع البحرين: وفية" الصلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا" أراد بالصلح التراضي بين المتنازعين، لأنه عقد شرع لقطع المنازعة .. قال بعض الأفاضل:

أنفع العقود الصلح لعموم فائدته، فانه يفيد فائدة سائر عقود المعاوضات من البيع و الإجارة و العارية و نحو ذلك، و يصح على ما في الذمة من غير عوض، لأنه ليس من شرطه حصول العوض، و انما شرع لقطع المنازعة إلخ.

و بالجملة، فالصلح هو التسالم لا بمعنى تسليم كل من الطرفين شيئا للآخر، بل بمعنى التوافق، و هو ما يعبر عنه بالفارسية ب‍" سازش و سازگارى"، و لذا لا تتعدى الصيغة إلى المال بنفسها. فظهر أن الصلح أمر آخر غير البيع. نعم قد يستفاد منه فائدة البيع كما اذا أوقعا البيع بصورة الصلح لأجل سقوط الخيار الخاص بالبيع كخيار المجلس حيث ورد" البيعان بالخيار ما لم يفترقا" صار كل منهما مالكا لما انتقل اليه فور وقوع الصلح، و قد يفيد فائدة الإجارة لو تعلق بالمنفعة، و لو تعلق بالحق أفاد الاسقاط.

و يدل على أن حقيقة الصلح ليست الا التسالم، عدم اعتبار طلب الصلح من الخصم إقرارا بكون الشي‌ء ملكا للآخر، بخلاف ما اذا طلب التمليك فانه يعتبر إقرارا.

قال(قده):

و بالهبة المعوضة ..

41

أقول: المراد من الهبة المعوضة هو أن يهبه الشي‌ء و يشترط عليه الهبة اما بصورة شرط الفعل أو بصورة شرط النتيجة و الأول كأن يقول" وهبتك هذا بشرط أن تهبني كذا"، و الثاني أن يقول" وهبتك هذا بشرط أن يكون ذاك ملكا لي". و أما لو وهبه شيئا و وهبه الأخر شيئا كذلك فهو من باب المقابلة بالإحسان، و لا ينتقض به على التعريف لعدم صدقه عليه أصلا.

و قد أجاب الشيخ عن النقض بالهبة المعوضة: بأن التعويض المشترط في الهبة كالتعويض غير المشترط فيها من حيث كونه تمليكا مستقلا يقصد به وقوعه عوضا، لان أن حقيقة المعاوضة و المقابلة مقصودة في كل من العوضين.

توضيحه: ان البيع حقيقة تمليك مال بمال، و بعبارة أخرى تبديل أحد المالين بالآخر. بخلاف الهبة المعوضة، فإنها و ان أشتمك على العوض إلا انه لم يقع أحد المالين مقابلا للآخر، فان حقيقة الهبة الإعطاء بلا عوض، غير أن لهذا الإعطاء المجاني داع البتة، و الداعي يختلف باختلاف الموارد، فتارة هو طلب رضا الله عز و جل و تحصيل ثوابه، و أخرى أضاء نفسه، و ثالثة علمه بأن هذا الإعطاء بالمجان يدعو الطرف الأخر على أن يهبه شيئا. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فهو من باب الداعي لا المقابلة، و ذكر العوض بهذا النحو غير مناف لمفهوم الهبة.

و قال السيد(قده) ما ملخصه: ان حقيقة الهبة قوامها عدم العوض،

42

و أما الهبة المعوضة فهي عندهم أن يعطي الشي‌ء للموهوب له و يشترط عليه أن يهبه شيئا في مقابل هبته لأفي مقابل العين التي وهبها، و يصح أن يقول" وهبتك كذا بهبتك كذا" من غير اشتراط للعوض. بأن تكون الهبة مقابلة بهبة.

أقول: انه في مورد الاشتراط يتحقق التزامان، فان وفى الأخر بما اشترط عليه و التزم به فهو و الا فان الهبة من جهته صحيحة، و السيد(قده) يصحح أن يقول: وهبتك كذا بهبتك كذا، و يترتب على ما ذكره أنه لو لم يهب الأخر بطلت الهبة من طرفه .. كما صرح به، لكن الصورة التي ذكرها(قده) لا تخلو من الجمع بين المتنافيين، فانه ان كان هبة كيف يجعل في مقابله شي‌ء؟

و قد أوضح(قده) ما ذكره: بأن الهبة تكون تارة بنحو جعل شي‌ء في مقابل شي‌ء و هذا ليس هبة في الحقيقة بل انه بيع، و أخرى يجعل فعله مقابلا لمال يدفعه المتهب. و هذه هبة معوضة.

أقول: هذا مما لا يمكن تعقله، لان إنشاء الهبة معنى و جعل المال في مقابله يحتاج إلى لحاظه بالمعنى الاسمي، و الجمع بين اللحاظين غير معقول.

الكلام في إخراج القرض عن تعريف الشيخ

قال الشيخ:

و بقي القرض داخلا في ظاهر الحد و يمكن إخراجه ..

أقول: قد اخرج القرض بأنه و ان كان تمليكا لا مجانا لكنه‌

43

ليس فيه معاوضة، فلذا يكفي أن يقول" اقرضتك هذا" بلا أن يقول بعده" بمثله أو بقيمته".

فهو يجعل الشي‌ء ملكا للآخر مع ضمانه بدفع عوضه اليه ان لم تكن عينه موجودة، فلو تلفت توجه الضرر اليه لا إلى المقرض.

و من هنا لا يعتبر في القرض الربوي ما يعتبر في البيع الربوي من كونه مكيلا أو موزونا، كما أنه لا غرر في القرض، فلا يعتبر العلم بالوزن أو الكيل أو القيمة، فلا يضر الجهل و يكفي أن يقول" اقرضتك هذا".

أقول: لكن عدم اعتبار العلم إلى هذا الحد مشكل، فمن المستبعد تصحيح العرف و إمضاء الشارع معاملة أو عقدا لا يعلم الطرفان مقدار المال أبدا، فانه يؤدي إلى النزاع و الاختلاف عند الأداء و يلزم الغرر.

نعم لا يضر الجهل بالخصوصيات في حين العقد فيما اذا علم المقترض أو كلاهما بعدئذ بما ينتفي معه الغرر. اللهم الا ان يقال ان هذا جار في الجهل بالوزن أيضا.

نعم ما ذكره(قده) منعدم اعتبار ما يعتبر في الربوي في القرض صحيح، و لكن هذا لا يقتضي التغاير، فلا يخرج به" القرض" عن حد" البيع". نعم ليس القرض تمليك مال بمال، بل هو تمليك مال لأعلى وجه المجان.

المختار في تعريف البيع

و بالجملة، ان تمليك العين بمال هو البيع و ليس صلحا اجارة‌

44

و هبة. و لو علم به و شك في انه هل كان بيعا أو غيره؟ فالأصل هو البيع و تترتب عليه آثاره دون غيره من المعاملات. و المراد من الأصل هنا هو الغلبة.

و لو تلفظ بالبيع و شك هل أراد المعنى العرفي أو معنى مجازيا كالإجارة؟ رتب أثر الأول لأصالة الحقيقة. و أما لو ملك عينا بمال بأن قال" ملكتك كذا بكذا" فشك في انه تمليك بيع أو صلح مثلا؟ فلا معنى للأصل هنا، لان احتمال الصلح ساقط، فلا يقال: الأصل هو البيع، لان تمليك العين بمال هو البيع في الحقيقة و هو حقيقة البيع.

فتلخص: أنه في كل مورد كان تمليك مال بمال فهو بيع.

أقول: و ربما يتبادل الناس فيما بينهم الأشياء و ليس هناك عنوان" العوض" و" المعوض" و عنوان" البائع" و" المشتري"، و هذا ما يقال له بالفارسية" سودا كردن". فظاهر كلام الشيخ(قده) اعتباره بيعا و ترتيب آثاره عليه من الخيارات الخاصة بالبيع.

و ربما يقال بعدم كونه بيعا لفقد بعض شرائطه، فليكن معاملة مستقلة تشملها أدلة الوفاء بالعقود، و تترتب عليها الخيارات العامة مثل" خيار الغبن". و هذا هو الاولى.

هل يشترط وجود العوضين منحازين قبل البيع؟

هذا، و ظاهر عبارة المصباح بل صريحها: وجود الثمن و المثمن منحازين ذهنا او خارجا و بغض النظر عن البيع و الا لم ينعقد البيع،

45

لا انه بيع فاسد. لكن الفقهاء يقولون بفساد بيع" المزابنة" و" المحاقلة"، و المراد من الأول:

تارة: بيع التمر على النخل في مقابل التمر على النخل، و هذا بيع لعدم الاتحاد بين الثمن و المثمن.

و أخرى: بيع رطب هذه النخل بتمرها و هذا ليس بيعا للاتحاد.

و المراد من الثاني: بيع السنبل، و هو على نحوين:

فتارة يباع كله في مقابل حبه.

و أخرى يباع السنبل بنفسه.

فالأول صحيح دون الثاني، للاتحاد و عدم تعقل طرفي الإضافية فيه، إذ لا يعقل بيع الشي‌ء بنفسه.

فالفقهاء: يقولون بتحقق البيع في هذه لكنه فاسد (خلافا لصاحب المصباح حيث يقول بعدم تحقق مفهوم البيع، بل قد استثنوا من تحريم بيع" المزابنة" بيع" العرية" للنص الوارد في ذلك (1).

و لكن الظاهر ان إطلاق" البيع" سواء في الروايات و كلمات الأصحاب على هذه المعاملات مجاز و لا سيما بيع العرية، فكأنه يقول له لك هذا التمر و أعطني كذا تمرا، و يؤيد ذلك التعبير عنها بلفظ" العرية" (2).

____________

(1) وسائل الشيعة 13/ 25 الباب الرابع عشر من أبواب بيع الثمار من كتاب التجارة.

(2) ان كان مأخوذا من الإعارة.

46

قال السيد(قده): الا أن يقال بكفاية التعدد الاعتباري.

أقول: وفية نظر لا يخفى.

معان للبيع ذكرها كاشف الغطاء و الكلام حولها

ثمّ ان الشيخ(قده) نقل عن بعض من قارب عصره أنه قال:

يستعمل البيع في ثلاثة معان:

أولها انه تمليك عين بمال بشرط تعقبه بالقبول. و عن بعض مشايخه انه المراد من" البيع" في كلمات علمائنا، ثمّ قال(قده):

لعله للتبادر.

أقول: ان الشيخ(قده) يرى أن" البيع" يتحقق بنفس التمليك و لا يشترط تعقبه بالقبول، لكن هذا اللفظ ينصرف إلى المتعقب بالقبول عند الإطلاق، باعتبار أنه الفرد المؤثر من البيع، و أما الذي لم يتعقبه فلا تترتب عليه الإثار و ان كان مفهوم" البيع" متحققا به.

قال:

الثاني انه الاثر الحاصل من الإيجاب و القبول أو الأول فقط و هو الانتقال.

و الثالث انه نفس الإيجاب و القبول، أي العقد. و قد ادّعى الاتفاق على أن المراد من قولهم كتاب البيع. الصلح. الإجارة هو كتاب أحكام عقد البيع إلخ،

فما وضعت له هذه العناوين هو" العقد".

قال السيد(قده): شرائط البيع تارة شرط للتأثير فلو لم يتحقق تحقق البيع و الملكية و لكن في اعتبار البائع و لا أثر له شرعا و عرفا،

47

كما اذا باع الخمر أو الحفنة من تراب، فهنا يتحقق البيع لكن لا يترتب عليه الاثر شرعا.

و أخرى شرط لتحقق الملكية، كما اذا خاطب الحائط قائلا بعتك كذا بكذا، فان هذا ليس بيعا حتى عند البائع نفسه، لعدم صحة اعتبار المالكية للجدار، فهنا لم يتحقق البيع أصلا.

أقول: و الأوضح من هذا المثال: انه لو خاطب في الظلام أحدا تخيلا حضوره قائلا" بعتك كذا بكذا" ثمّ لما زالت الظلمة ظهر أنه كان قد تخيل. فانه ليس بيعا و ان تحقق اعتبار التمليك من البائع.

اذن في بعض الموارد ينتفي مفهوم البيع بعدم تعقب الإيجاب بالقبول.

ثمّ أورد السيد(قده) على نفسه: بأنه يلزم على هذا أن يكون" بعت" في مورد الاخبار غيره في مورد الإنشاء، بأن يكون في الأول متعقبا بالقبول و لولاه لم يصدق الخبر دون الثاني، لان القبول ليس بيده حتى يكون موجدا للبيع المتعقب بالقبول، فربما لم يقبل الطرف الأخر.

و أجاب بأنه لا مانع من الالتزام بذلك، فيختلف المعنى بالتعقب و عدمه.

أقول: هذا نفس كلام الشيخ، فانه يقول بتحقق المفهوم حينئذ بغض النظر عن التعقب.

أقول: الحق ان البيع عند العرف أوضح من كل هذه التعاريف.

48

و تعريف الشيخ(قده) كسائر التعاريف لا يخلو عن النظر، غير أنهم لم يكونوا بصدد التعريف الحقيقي كما هو ظاهر.

حول وضع ألفاظ المعاملات

ثمّ هل ألفاظ المعاملات موضوعة للصحيح أو الأعم منه و الفاسد و على الثاني لا أشكال في التمسك بقوله تعالى" أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ" و نحوه من العمومات في مشكوك الصحة، الا اذا قام دليل خاص على بطلان عقد أو معاملة. و على الأول فيه اشكال سيأتي الكلام عليه بالتفصيل.

قال في المسالك: البيع موضوع للصحيح، و لذا لو حلف على بيع شي‌ء و أوقع البيع الفاسد فقد حنث و عليه الكفارة، و كذا الكلام في سائر العقود و العبادات الا الحج لان الفاسد منه يجب المضي فيه.

فلو حلف بترك الصلاة و الصوم اكتفى بمسمى الصحة و هو الدخول فيهما، فلو أفسدها بعد ذلك لم يقع الحنث، و يحتمل عدمه لأنه لا يسمى صلاة شرعا و لا صوما مع الفساد.

و عليه الشهيد الأول(قده) أيضا.

و قد أشكل على المسالك: بأنه اذا كانت" الصلاة" موضوعة للصحيحة و قد كان حلف على الترك فكيف لم يحنث ان أفسدها بعد الدخول فيها؟

و أيضا: لو حلف على الترك لم يجز له الإتيان بمتعلق الحلف، فلا يجوز له الدخول في الصلاة حينئذ، فهي فاسدة من أول الامر.

و أما الحج ففيه قولان: اختار بعضهم صحته، و ذهب آخرون‌

49

إلى فساده كما ذكرنا في محله بالتفصيل و على الثاني فان الامر بالمضي و الإتمام عقوبة لا يستلزم حجا.

و كيف كان، فقد استدل للقول الأول بالتبادر و بعدم صحة السلب عن الصحيح.

أقول: ان تم ذلك بالنسبة إلى الصحيح فلا ينافي كون الفاسد موضوعا له أيضا. و هذا ما أورده في القوانين على المسالك.

و استدل الشيخ(قده) بصحة السلب عن الفاسد.

أقول: وفية نظر، لان البيع الفاسد" بيع" عند العرف، و في الخبر ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن بيع الغرر (1) فهو بيع لكنه فاسد.

و استدل للثاني بصحة التقسيم.

و أجيب: بأنه أعم من الحقيقة و المجاز.

وفية: ان ظاهر التقسيم في كل مورد كونه على الحقيقة، إذ التقسيم لا يناسب التجوز.

____________

(1) قال في مجمع البحرين 3/ 423: و في الخبر" نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر".

و في الوسائل 12/ 266 عن الشيخ الصدوق (قدس سره) عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) في حديث المناهي قال: و نهى عن بيع و سلف، و نهى عن بيعين في بيع، و نهى عن بيع ما ليس عندك، و نهى عن بيع ما لم يضمن.

و انظر ما بعده عن معاني الاخبار.

50

فالحق: أن الالتزام بالقول الأول مشكل.

التمسك بالإطلاق في المعاملات

و على الأول يشكل التمسك بالعمومات و الإطلاقات فيما شك في كونه صحيحا أو فاسدا، كما اذا وقع العقد لا بالعربية مثلا لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

و قد أجاب السيد(قده) عن ذلك بصحة التمسك بها بناء على الصحيح أيضا، في العقود بل العبادات كذلك، إذ ليس المراد من الوضع للصحيح دخل مفهوم الصحة في الموضوع له بنحو الشرط أو القيد، بل المراد ان الموضوع له هو الجامع لشرائط الصحة، فلو شك في عقد بيع مثلا يتمسك بالاطلاقات لأنه بيع، لا أنه ليس بيعا حتى يكون تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية.

أقول: اذا كان موضوعا للجامع لاجزاء الصحة و شرائطها شرعا و عرفا فشك في صحة بيع من جهة شرطية شي‌ء فيه أو جزئيته فقد شك في أنه بيع أولا، فان تمسك بالعام حينئذ كان تمسكا بالعام في الشبهة المصداقية.

فجوابه(قده) غير واضح.

و أجاب الشيخ(قده) بأنه يمكن أن يقال: ان" البيع" عند العرف يستعمل في الصحيح، أي ما كان صحيحا واقعا، لكن ما كان صحيحا عرفا صحيح شرعا تارة و أخرى غير صحيح عنده لعدم جامعيته‌

51

لشرائط الصحة المعتبرة عنده كما أن بيع الهازل ليس بيعا عرفا.

و التمسك بالإطلاق يتم بناء على الصحيح العرفي عند الشك في الصحة الشرعية.

أقول تارة يكون ما وضع له لفظ" البيع" حقيقة واحدة في نظر الشارع و العرف معا، و هو البيع الجامع للاجزاء و الشرائط المعتبرة لدى العرف و الشرع، غير أنه قد يشتبه الامر على العرف في مرحلة التطبيق فيجعل البيع الربوي مثلا من مصاديق هذا البيع و الشرع يردعه عن ذلك و يخطئه في تطبيقه.

و على هذا فالمراد من" البيع" في قوله تعالى" أحل الله البيع" هو الجامع للاجزاء و الشرائط المعتبرة شرعا و عرفا. و حينئذ فان أخطأ العرف في التطبيق ردعه الشارع، و إلا كان المراد من كلامه (أي الشارع) نفس ما فهمه العرف، فالمفاهيم منزلة على نظر العرف ما لم يخطئه.

أقول: و هذا انما يتم بناء على ما ذهب اليه الشيخ(قده) من ان الملكية أمر حقيقي خارجي لا اعتباري جعلي.

و أخرى: يكون للعقود حقيقة شرعية بأن يكون ما وضع له اللفظ عند الشرع غير الموضوع له لدى العرف و عليه، فلا يجوز التمسك بالاطلاقات.

و قد ذهب كثير من الأصحاب إلى أن الملكية أمر اعتباري لا حقيقى، فالعين هي نفسها في يد عمرو كما كانت في يد زيد من حيث الخصوصيات و غيرها، غير أن العقلاء اعتبروا للاختصاص بهذا بعد‌

52

أن كان لذاك أسبابا فيما بينهم حفظا للنظام و دفعا للهرج و المرج.

و من هنا لو ردع الشارع عن بيع كالبيع الربوي (و ان كان بيعا عند العرف) كان بيانا لما هو الموضوع له" البيع" عنده و انه غير الذي وضع له عند العرف. و بعبارة أخرى: يكون للبيع حقيقة شرعية و وضع آخر غير وضع العرف، و على هذا لا يمكن التمسك بالاطلاقات عند الشك في صحة بيع.

فتلخص: انه بناء على الوضع للصحيح يصح التمسك بالاطلاقات عن طريق القول بأن العقد الصحيح عند العرف و الشرع واحد و حقيقة فأرده، غير أن العرف قد يخطأ في التطبيق في مورد ما ثمّ الشارع يردعه الا أن هذا يتم بناء على أن الملكية أمر واقعي.

و أما بناء على انها أمر اعتباري و ان المعتبر عند الشرع غيره عند العرف فيتمسك لان الخطابات الشرعية منزلة على المفاهيم العرفية الا ما خرج بالدليل.

و يرد عليه ما ذكره السيد(قده) من أنه: فما فائدة وضع الشارع حينئذ؟

و يمكن أن يجاب عنه، بأنه اذا كان" بيع" صحيحا عند العرف و هو موضوع للأعم من الصحيح و الفاسد فانه يتمسك بالاطلاقات عند الشك، و أما اذا كان الوضع عندهم للصحيح فقط فانه هو الموضوع له عند الشرع أيضا (فليس الموضوع له الشرعي غير الموضوع له العرفي) غير أنه لأجعل للشارع بالنسبة إلى بعض الافراد التي يرى‌