الحاكمية في الإسلام

- السيد محمد مهدي الخلخالي المزيد...
896 /
5

كلمة المجمع

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الحمد للّه رب العالمين و أفضل الصلاة على أفضل بريّته محمّد و آله المطهّرين.

طرحت في العقود الأخيرة- و تأثرا بالتطورات الفكرية و الاجتماعية في الساحة الإسلامية- دراسات حديثة اتّسمت بالجمع بين الجانب النظري و التطبيقي.

و من أبرز تلك الدراسات ما يتعلق بالنظرية السياسية في الإسلام، حيث تمثلت في الفقه الشيعي بنظرية ولاية الفقيه و تبلورت عمليا بعد استقرار نظام الجمهورية الاسلامية في إيران.

حظت هذه النظرية باهتمام عديد من الدراسات و البحوث الفكرية لشرحها أو انتقادها في أسسها و تفاصيلها.

و من جملة البحوث القيّمة في هذا المجال ما كتبه الأستاذ المحقّق آية اللّه السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي تحت عنوان «الحاكمية في الإسلام» و شرح فيه تفاصيل نظرية ولاية الفقيه بأبعادها الواسعة و المتنوعة و انتقد الشبهات الدائرة حولها.

8

فتطرّق الكتاب أولا إلى دراسة أركان الحكومات و أنواعها، بعدها طبيعة الحكومة الإسلامية، ثم تلتها سائر الفصول.

و لعلّ البحث الأهم فيه هو الدراسة المفصلة عن المراحل العشر لولاية الفقيه و بيان حدود كل واحد منها استنادا إلى القرآن الكريم و السنة الشريفة.

فجاء الكتاب وافيا بمقصوده، متميّزا في طرحه و استيعابه، شاملا لأصول الموضوع و فروعه، و هنا نقدّم جزيل شكرنا إلى سماحة السيد المؤلف حفظه اللّه و إلى فضيلة الأستاذ الشيخ جعفر الهادي الذي ترجم الكتاب من الفارسية إلى العربية. و ندعو اللّه لهما بالسداد و التوفيق لخدمة الدين الحنيف.

كما نقدّم هذا الجهد الثمين إلى المفكرين و المثقفين من أبناء أمتنا الإسلامية ليكون فاتحة موفّقة لاستكمال البحث في اطروحة ولاية الفقيه بأبعادها النظرية و العملية.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين‌

مجمع الفكر الاسلامي‌

ربيع الثاني/ 1425 ه‍‌

9

المقدّمة

لفضيلة العلّامة السيد مرتضى الحكمي‌

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

بين التشريع و الاجتهاد. الكتاب العزيز. السنة الشريفة. مكانة العقل في التشريع. أدوار النص عند الإمامية. مشكلة الاجتهاد. نسبة الاجتهاد الى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). الاجتهاد في عصر الرسالة. فتح الاجتهاد المبكر و غلقه. الاجتهاد السياسي المرفوض. واقع الإمامة و العصمة. مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). الشريعة الكاملة. دور النيابة العامة. شمولية الولاية العامة للفقيه. وحدة النيابة و الولاية. مناقشات حول الولاية المطلقة.

كيف أقيمت ولاية الفقيه. بين الحكومة الإسلامية و حاكمية الإسلام.

تساؤلات حول مواضع. علاقه الإمامة بالزعامة. شبهات حول حاكمية الإسلام. نقد على نقد. ترسيم نظام الحكم في الإسلام. معالم حكومة النبي. سيماء حكومة الإمام علي (عليه السلام). ترهيب العمال و ترغيبهم. مكانة المؤلف. قيمة الكتاب.

12

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و صلى اللّه على سيدنا محمد خاتم النبيين، و على آله الميامين.

يسرّني أن أضع هذه المقدمة بين يدي القارئ المسلم لكتاب (الحاكمية في الإسلام) متوخيا فيها عرض المفاهيم الإسلامية التي أكّدت حاكمية الإسلام كدين سماوي ختمت به الأديان، يأخذ بالأمة إلى طريق الخير و السعادة، و كدولة توفّر لهم الحياة الحرة الكريمة.

و قد استند المؤلف الكريم في محاولاته التحليلية و أدلته الإثباتية إلى الدلائل الشرعية و العقلية و القانونية، و إلى الطرق الاجتهادية، و إلى العناوين الأولية و الثانوية، استقاها من الكتاب و السنة و العقل و الإجماع، و المباني العلمية و الأصول العملية.

و لذلك: يحق لنا أن نبدأ المقدمة بالعرض الشامل لمباني التشريع، و وجوه الاجتهاد فيها.

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

بين التشريع و الاجتهاد:

و أهم ما يرتكز عليه الاجتهاد هو الكتاب و السنة، وحيا من اللّه و بلاغا من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و ضرورة من العقل و إجماعا من الفقهاء. فكان الدين شرعة للعمل و منهاجا للسلوك و منطلقا للحق.

وحي الكتاب:

و قد حفّت بالعصمة في المراحل الأربع من النزول، و البلاغ، و الإيداع، و الاستحكام:

1- مرحلة النزول: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ* إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

2- مرحلة البلاغ: وَ مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ* (2).

3- مرحلة الإيداع: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (3).

4- مرحلة الاستحكام: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ مِنْهُ آيٰاتٌ مُحْكَمٰاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتٰابِ وَ أُخَرُ مُتَشٰابِهٰاتٌ (4).

5- مرحلة الاستقرار و المتابعة لٰا تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ... فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (5).

____________

(1) سورة النجم: 3.

(2) سورة العنكبوت: 18.

(3) سورة النساء: 83.

(4) سورة آل عمران: 7.

(5) سورة القيامة: 16 و 18.

15

6- مرحلة الجمع و البيان إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ ... ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ (1).

و قد وضع للتفسير أصولا، لئلا تتغير به معاني الوحي، و هي:

1- أن يتبع الظواهر التي يفهمها العربي الصحيح.

2- أن يتبع ما حكم به العقل الفطري الصحيح.

3- أن يتبع ما ثبت عن المعصومين (عليهم السلام) فإنهم مرجع الدين (2).

وحي السنة:

و هو عدل آخر للوحي: مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (3).

و قد بلّغ الإسلام بالسنة كما بلّغ بالكتاب، فكان منها المحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، و العام و الخاص، و المطلق و المقيد، و المجمل و المبين.

و لهذه الملابسات يواجه المعنيون بالاجتهاد في الكتاب و السنة مصاعب جمّة تحوجهم إلى التماس كثير من الأصول و القواعد، و العلوم الرجالية و الحديثية، تعينهم على استخراج الفروع من الأصول في استنباط الأحكام و تخريجها.

ثم إنه قد يعترض سبيل المجتهدين من الأحاديث المأثورة ما يدعوهم إلى التثبت في أسانيدها و رجالها و معارضاتها، كما ورد في هذا النص: «الكتب المشتملة على أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) الموجودة لدينا، منها: أحاديث صحيحة و سقيمة، و متشابهة و غير متشابهة. و منها أحاديث متعارضة.

____________

(1) سورة القيامة: 17 و 19.

(2) البيان في تفسير القرآن للإمام الخوئي: 422.

(3) سورة الحشر: 70.

16

و عليه فالرجوع إلى هذه الكتب، و أخذ الحديث منها، و العمل على طبقه بحاجة إلى تمييز الصحيح منها و السقيم، و المتشابه من غيره، و علاج المعارضة و دفعها إن كان له معارض. و من المعلوم أن كل ذلك ميسور للمجتهد دون غيره» (1) و قد عالج هذه المواضيع بالضوابط التي طرحها في مقدمة كتابه (2).

و من المعتقد أن ولاية التشريع يعني أنّ ما يصدر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصيائه من قول أو فعل أو تقرير وحي و تشريع يصدر عن النبوة و الإمامة، و الرسالة الالهية.

و دليلها هي الآيات التشريعية في وجوب الأخذ بها:

1- إبلاغاته: وَ مٰا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ* (3).

2- تصرفاته: لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (4).

3- موافقاته، و هو قبوله و إقراره، و إمضاؤه لكل ما كان من الأعراف و السنن و التقاليد و التعامل بين الناس، شهدها و رضي بها، و لم ينه عنها.

و لم تتم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) هذه المنزلة الإلهية إلّا بفضل اللّه، قال عنه الإمام الصادق (عليه السلام): «إن اللّه تبارك و تعالى أدّب نبيه، فانتهى به إلى ما أراد، قال: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ، ففوض إليه دينه، فقال: مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (5).

____________

(1) مسائل و ردود- الجزء الأول من فتاوى الإمام الخوئي و آرائه.

(2) معجم رجال الحديث و طبقات الرواة.

(3) سورة العنكبوت: 18.

(4) سورة الاحزاب: 21.

(5) البحار 17: 5- 6.

17

مكانة العقل في التشريع:

الواقع: أن المتبع من أمر الدين هو ما أصابه الوحي، و عجز عنه العقل البشري- دين اللّه لا يصاب بالعقول- عدا المستقلات العقلية التي يحكم بها العقل كما يحكم بها الشرع، من استحسان العدل و الإحسان، و استهجان الظلم و العدوان.

و أن الإنسان بكل ما أوتي من عقل- مطبوع أو مكتسب- لا يستطيع أن يميّز به ما هو من العدل أو الظلم، بمعايير من إدراكاته و ميوله.

و أما الدين، فهو الرؤية الإلهية التي تصيب كبد الواقع، من دون أن يتخطاه في أحكامه و تشريعاته في موارد العدل و الظلم، و مصاديقهما، و هو يدرك فوق ما يدركه العقل البشري المحدود.

و بتعبير آخر: أن العقل الكلي لا يمكن أن يحيط به أفراد الناس مهما رجحت عقولهم. و أما العقل الجزئي، فلا يمكن أن يدرك به الإنسان واقع الأمور و متسعاتها أو يحيط بها، فإذا حكم الشرع في أمر فمن شأنه أن يتعبّد به الإنسان و إن خالفه عقله، إلّا أن ينتهي ذلك إلى قضايا عقلية ضرورية، و هي التي لا يخالفها الدين.

و في هذا المورد يقول الإمام الخوئي: «لا ريب أنّ الأحكام الشرعية مجعولة طبق المصالح و المفاسد الواقعية، و ليست مجعولة جزافا، إلّا أن عقولنا القاصرة لم تسعها أن تدرك تلك المقتضيات- و دين اللّه لا يصاب بالعقول- فلأجله يتعين علينا أن نتعبد بالأدلة الشرعية السمعية، من الكتاب و السنة. نعم، قد يدرك العقل البشري أمورا ضرورية واضحة، لا يعتريها أي شك و شبهة، كحسن العدل و الإحسان، و قبح الظلم و العدوان. و لكن الظاهر أن كل ما هو من هذا القبيل قد ورد فيه شاهد و معاضد من الأدلة السمعية، و هناك أحكام عقلية أخرى‌

18

يستفاد منها في بعض المباني الأصولية، و القواعد العامة الاستنباطية في أبواب علم الأصول، كباب اجتماع الأمر و النهي و غيره، كلها- أيضا- تنتهي إلى قضايا عقلية ضرورية، كاستحالة اجتماع النقيضين و الضدين و أمثالهما» (1).

و الحاصل: أن تعيين مصاديق العدل و الظلم هو بيد الشارع الذي يضع أحكامها و تشريعاتها، و هو غير هذه المقولة: «الحسن ما حسّنه الشارع، و القبيح ما قبّحه» (2) بل القبيح ما قبحه العقل، و الحسن ما حسنه من الضروريات العقلية.

أدوار النص عند الإمامية:

و هي عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و على امتداد حياة الأئمة الأطهار من بعده، و هم ورّاث علمه، و حاملو شريعته. غير أنهم تركوا هذا الأمر من بعدهم إلى محدثيهم و رواتهم، بشروط معينة و أصول أصّلوها لهم، و عند ذلك استقلت الإمامية بالاجتهاد المطلق و العام، بعد انقضاء أدوار النص الممتدّة بامتداد حياة الأئمة الهداة، و هم عترة الرسول الذين خلّفهم في أمته عدلا للقرآن، و إلى جانبه، و حينئذ فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه، بعيدا عن التأثيرات السياسية للحكّام في جميع العصور.

مشكلة الاجتهاد:

و ثم تعقيد آخر: و هو في تلقي الكتاب و السنة و الأخذ بهما من الناحية التحليلية و الاستنتاجية، و فهم النص، و الأخذ بالظواهر، و توفر شروط الاجتهاد و أنواعه.

____________

(1) مسائل و ردود 1: 5- 6.

(2) و هو قول الأشاعرة و عقيدتهم.

19

و للخوض في هذا الموضوع يحق لنا أن نعرف أن الكتاب هو النص الإلهي، و أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) هو النص الآخر للوحي، و هو حامل الرسالة و مستودعه، و من بعده الأئمة الأطهار، علماء الأمة الذين ورثوا علم النبي و حكمته، و بذلك لم يحتاجوا معه الى الاجتهاد، و إلّا لأمكن نقضهم و الخروج عليهم، و لم يكن ردهم ردا على اللّه أو الاجتهاد في مقابل النص بل المساغ هو الاجتهاد في معرفة نصوصهم.

نسبة الاجتهاد إلى الرسول:

و تعني هذه النسبة: نسبة الخطأ إليه، لأن كل مجتهد يمكن أن يخطأ و يصيب، و عصمة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تقتضي تنزيهه عن الاجتهاد. و قد استحدث هذا الادعاء على الرسول ذريعة إلى تصحيح اجتهاد من خالفه في السيرة و السنة، فقالوا باجتهاد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و اجتهاد من خالفه فيها بالتكافؤ. قال القوشجي: «فإن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه، فإن مخالفة المجتهد لغيره من المسائل الاجتهادية ليس ببدع» (1).

ثم إن الاجتهاد لو لم ينته إلى نص أو دليل فلا معنى للاجتهاد في الأدلة و النصوص إن كان كلها اجتهادا يمكن نقضه، حتى سنة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). و هل يمكن أن يتحكم الاجتهاد في تغيير السنة النبوية أو نسخها، و هي وحي لا يأتي عليه الاجتهاد بحال من الأحوال؟!

و قد نصّ اللّه على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيما يتصل بالوحي بقوله: مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2).

____________

(1) شرح التجريد (للقوشجي) المقصد الخامس- في الإمامة.

(2) سورة الحشر: 7.

20

الاجتهاد في عصر الرسالة:

و الاجتهاد المدعى- في عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)- إن كان يقتصر على معرفة الخاص من العام، و المقيد من المطلق، و المنسوخ من الناسخ، و المجمل من المبين، و المتشابه من المحكم، و الظاهر من الباطن، و تخريج أحدهما من الآخر، و وضع كل منها في محله و موضعه، فليس هذا من الاجتهاد المصطلح الذي سار عليه الفقهاء من بعده، و إن الاجتهاد لم يكن- يوم ذاك- على قاعدة «تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية، و الوظائف العملية شرعية و عقلية» (1) فلا مندوحة له و فيهم الرسول، و هو الحجة البالغة، و لما يكتمل الوحي، و لما ينقطع عنه، و لربّما يأتي اللّه به أو يأتي به الرسول.

و ما روي عن النبي أنه قال لمعاذ بن جبل حين بعثه قاضيا إلى اليمن:

«فإن لم تجد في سنة رسول اللّه، و لا في كتاب اللّه؟ قال: أجتهد رأيي و لا آلو ...

قال الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه» (2).

ففي هذه الرواية فجوات من الضعف المزدوج، في سندها و مدلولها (3) لما فيها من:

1- تعرض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لنقص الكتاب و السنة، و إكمالها بالرأي الذي لا يستند إليهما.

2- اختلاف القضاء عن الفتوى و الاجتهاد، و منه قضاء التحكيم، فيما يرضى به الطرفان المتنازعان. و لعله لمثل هذا أجاز له القضاء.

____________

(1) مصباح الأصول 1: 434، تقرير أبحاث الإمام الخوئي الاجتهادية للشهيد السّعيد السيّد سرور الأفغاني. و نقله العلّامة السيّد محمد تقي الحكيم في كتابه الأصول العامة للفقه المقارن: 563.

(2) إرشاد الفحول: 302.

(3) الأصول العامة للفقه المقارن: 339.

21

3- أن معاذا لم يكن ليستوعب الكتاب و لا السنة بأكملها، و لم يكن هو كل الصحابة في حفظه و استيعابه ليعمل برأيه في الاجتهاد فيهما.

4- أن هذا الإذن لا ينهض بالحجة لكل أحد، إذ يمكن أن يكون خاصّا به، كما كانت الشهادة الواحدة خاصة بذي الشهادتين.

و للرسول أمثال في ذلك. إذ قال علي (عليه السلام): «بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى اليمن فقلت: يا رسول اللّه تبعثني و أنا شاب؟ فضرب بيده في صدري، و قال: اللهم أهد قلبه و ثبت لسانه. فو اللّه الذي فلق الحبة ما شككت بعد في قضاء بين اثنين».

و قوله لعلي (عليه السلام)- أيضا- لما بعثه. «اذهب فإن اللّه سيهدي قلبك و يثبت لسانك» (1). و كان هذا هو سيرة النبي في فقه القضاء.

فتح باب الاجتهاد المبكر و غلقه:

و من هذا المنطلق من حكومة النص: سبقت العامة الإمامية في البدء بالاجتهاد، بعد انقطاع الوحي و انتهاء عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و مع أنّ العامة قد بكّرت في الاجتهاد و وضع المباني الأصولية و تدوينها، فإنها قد بكرت- أيضا- في غلق باب الاجتهاد على عامة الفقهاء و حظره على المجتهدين، و تقليص المبادئ الأصولية و الامتناع عن الفتوى، إلّا بالاجتهاد في المذاهب.

الاجتهاد السياسي المرفوض:

و كان يستخدم هذا الاجتهاد لتركيز قواعد الحكم للحكام، ذريعة لحكمهم و شرعية سلطانهم. و من هذا المنطلق جرى الأمر على جرّ الدين وراء السياسية،

____________

(1) فرائد السمطين 1: 438.

22

و تعليقه عليها دون أن يكون سياسة دينية، تبعث على وحدة السياسية و الدين أو لصالحه، أو أن يبعث على سلطته عليها. و لم تتخذ الإمامية هذا الاجتهاد المرفوض سبيلا إلى إمامة أئمّتهم، أو دعما للنيابة العامة و الولاية المطلقة من قبلهم. بل ركنوا إلى نصوص الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و وصاياه في أمر الإمامة و الخلافة و تخطيطاته و التزاماته.

على أنّ الإمامية لم تكن لتفصل الدين عن السياسة في أئمتها و قادتها. فكانت للتشيع منذ فجر التاريخ رؤية سياسية مناوئة للحكم المتسلط، لا تنفك عن الدين، إذ إن مذهب التشيع لا يرى حكومة السياسة على الدين، إلّا أن تكون سياسة دينية.

واقع الإمامة:

الواقع أنّ حقيقة الإمامة في الإمام: هي الإفاضة الإلهية الخارقة التي تتمثل في إمامة العلم و العقل و الإيمان، و كل محامد الفضيلة و مكارمها، ليكون علمه إماما لكل علم، و عقله إماما لكل عقل، و إيمانه إماما لكل إيمان، كما قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في حق علي: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله» (1) و لئلّا تأتم به الأمة، دون أن تأتم بخصائصه و خوارقه هذه.

و اما أن يكون الإمام زعيما و حاكما لا تخضع له القلوب و العقول، فيكاد يكون هذا الانطباع انطباعا ماديا، و هبوطا بالإمامة عن عالم التجرد و المثالية و التحليق.

و لا معنى أن يكون للناس حق اختيار شخص غير من يختاره اللّه للإمامة، و لا معنى- أيضا- لإعطائه الزعامة و الرئاسة و الحكومة، إلّا أن يكون ذلك التماسا‌

____________

(1) سيرة المصطفى (لهاشم معروف الحسني)، نقلا عن ابن أبي الحديد.

23

لإمامته التي نصبه اللّه لها: وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (1) بل الناس مخيرون حينئذ بين الطاعة و العصيان: طاعة بالقبول أو عصيان بالرفض، ثم إن عليهم أن يعقدوا البيعة بما فرضه اللّه عليهم، و لذلك فلا معنى لانتخاب غير من ينتخبه و ينصبه إماما على الأمة و واليا لها، إلّا انتخاب الطاعة منهم. و كان هذا هو شأن النبي و الإمام، كما ستأتي دلائله في آيات تشريعية صريحة.

و أما الإمامة عند إخواننا- أهل السنة- فهي تصرح في انتخاب الناس للإمام و تعيينه. و المدعى أنه ليس هناك نص من اللّه أو الرسول على نصب الخليفة، أو وصية بتعيينه، أو مواصفات صدرت في شأنه أو شروط عامة تصدق على أحد من الخلفاء، و هو القول بسكوت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك (2) مما أدى إلى ترشيح الخليفة الأول ببيعة اثنين من المهاجرين له و رضوخ المسلمين لذلك. و اعتبر الكثير من النصوص الصريحة مجرد فضائل لعلي، لا تعني الخلافة و لا الإمامة.

مع أنها صريحة في أن النبي لم يترك الأمة بلا راع يرعاها و زعيم يتولاهم.

هل سكت النبي عن الخلافة:

هناك مذهبان:

الأول- سكوت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الخلافة لرشد آنسه في الصحابة و المسلمين- كما يعلّلون- فترك أمرهم إليهم ليختاروا طريقهم إلى الحكم و الخلافة.

الثاني- اهتمام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) المتزايد بمن يخلفه بمواصفات ذكرها في حقه و وصايا عناه بها، و مواقف نص عليه فيها، و بالمآل نصبه خليفة عنه.

____________

(1) سورة الأحزاب: 36.

(2) الحاكمية في الإسلام- موضوع: حكومة الأوصياء، و ولاية أهل البيت (عليهم السلام).

24

و أما القول بسكوت النبي عن الخلافة فهو بمعنى أنه لم يجد في الصحابة من يصلح لها، أو من يسانخه و يشاكله، و إلّا لنص عليه ليقوم مقامه، و لذلك لم يقدم شيئا و لم يؤخر.

و على هذا فلم يحق للمسلمين أن يفرضوا عليه خليفة لم يأذنهم به، و إن اختاروه فهو خليفتهم و حاكمهم، و إلّا لاختاره خليفة لنفسه، و قد أعرض عن ذلك لما عللوا، و لما عللنا.

و الحق: أن النبي لم يسكت عن الخلافة، بل أسكت عنها بوسائل شتى:

1- تأويل أقواله و محاولاته و تعييناته طيلة حياته.

2- منعه عن ذلك في آخر لحظة من حياته تحجيرا عليه، فأسكت عليها:

بالمنع و الانكار، و التأوّل.

و اسطورة الرشد المدعى في الصحابة و المسلمين، ظهر خلافها من خلال اختلاف الأمة، و خوضها في كثير من المهاترات، و الملاحم و الفتن، التي سالت فيها الدماء.

و قد روّج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لإمامة أهل بيته- عليّ و بنيه- و هم يؤدون عنه، و ينهلون من نبوته و وحيه و رسالته، و ذلك لحرصه على تماسك الأمة و التفافها حول سيرته و سنته و سياسته.

و قال علي (عليه السلام) في معنى الخلافة لأبي بكر و عمر حين أخذ للبيعة: «... نحن أحق منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، و العارف بسنن رسول اللّه، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنها الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية. و اللّه إنه لفينا، فلا تتبعا الهوى فتزدادا من الحق بعدا» (1).

____________

(1) دائرة معارف القرن العشرين (للأستاذ فريد وجدي) 3: 759، مادة (خلف).

25

تاريخ الإسلام أم المسلمين:

كان لا بدّ لنا من أن نفرّق- في غضون التاريخ العام- بين تاريخ الإسلام و تاريخ المسلمين، و قد نشأ الخلط بينهما للطعن بالإسلام، فيما يمكن أن يكون طعنا بالمسلمين، للتعتيم على تاريخ الإسلام المشرق:

1- تاريخ الإسلام: و هو كل ما يرجع إلى بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و نزول الوحي و الدعوة إلى الإسلام و هجرة الرسول و غزواته، و ما حصل من تشريعات و هدايات، و سنة و سيرة و سياسة مضى عليها نبي الإسلام، و الأئمّة الميامين من بعده.

2- تاريخ المسلمين: هو كل ما انتاب حياتهم السياسية من فتن و ملاحم، و تناحر على السلطة أو تناوب على القيادة، و فيما اختلفوا فيه و تنازعوا عليه.

إذ كل ما حان لأحد من الخلفاء أو الحكام أن يتولي أمر المسلمين- منذ فجر الإسلام- قامت معه فتنة، و كل ما قارب أن تنتهي خلافة أحدهم ظهرت بوادر فتنة أخرى شملت رقعة جديدة من تاريخهم. و كانت مواقفهم و اتجاهاتهم هي التي تقوّم تاريخهم، إلّا ما كان جهادا في سبيل اللّه أو حربا مع الأعداء أو نصرة للدين.

و الحق: أن كل ما كان من الهدى كان من تاريخ الإسلام، و كل ما كان من الهوى كان من تاريخ المسلمين، كما قال علي (عليه السلام) «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى» (1).

إلّا أن المؤرخين خلطوا بين تاريخ المسلمين و الإسلام و لم يفرقوا بينهما، فحسبوا فتنة خلق القرآن و اندحار الأمويين أمام العباسين و حرب المأمون مع‌

____________

(1) نهج البلاغة، الخطبة 138.

26

الأمين من تاريخ الإسلام، للطعن فيه و التقييم الباطل له، فملئوا به الكتب التاريخية، و اعتبروا كل ذلك تاريخا للإسلام، و هي الأحداث التي وقعت في مسيرة المسلمين و مصير تاريخهم فحسب.

الإمامة و العصمة:

و لما كانت الإمامة امتدادا لشئون النبوة و حاكميتها، يجب أن يكون بين النبوة و الإمامة شبه من المشاكلة و المسانخة، في صفات العصمة، و الطهارة لتكون الإمامة حافظة للرسالة، كما هو الواقع، و إلّا لحمّلت الأمة الخطأ، و كان الإمام مصدر خروج عن عاصمية الرسالة، و أصالتها و بهذا يفرق بين الإمامة و الخلافة.

قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية: أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إن اللّه- تعالى- أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ... لا بد أن يكون معصوما عن الخطأ. و إن لم يكن معصوما عن الخطأ، كان بتقدير اقدامه على الخطأ، يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل الخطأ. و نحن نعلم بالضرورة إنّا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ... و إذا كان ذلك: علمنا إن المعصوم الذي أمر اللّه بطاعته، وجب أن يكون ذلك هو أهل الحل و العقد في الأمة (1).

و في أقواله هذه فجوات من التأوّل و التساؤل و التحليل:

1- كان من ارتكازاته: أنه يستحيل على اللّه أن يأمر باتباع غير المعصوم بأدلة قاطعة أقامها.

____________

(1) الحاكمية في الإسلام- موضوع ولاية الأمر، أو الزعامة و القيادة السياسية- نقلا عن تفسير الفخر الرازي 10: 144.

27

2- ثم إنّه كان في تأوّله للمعصوم، و عجزه عن معرفته- في زمانه- أن اختار أهل الحل و العقد من بعض الأمة بديلا له.

3- و لم يثبت الرازي- كذلك- من الذي ولّاهم على الأمة، و أعطاهم هذه المنزلة الالهية، و ما الذي نزّههم و عصمهم من الزلل، و الخطأ في القول و العمل، و خوّلهم البت في مصير هذه الامة.

4- و لم يذكر معنى العصمة، هل هي من الكبائر أو الصغائر، أو أنها تشمل الغفلة و النسيان أم لا (1).

5- و يعني تقرير ما قاله: إن من يجب أن يكون مفترض الطاعة لا يجب أن يكون معصوما إذا ما اختاره من له العصمة (و هم أهل الحل و العقد) و هو نقيض ما أراد اثباته من اتباع المعصوم، الذي لا يخطأ. و قد اختاروا من لم يكن معصوما للإمامة، فخرجوا بذلك عن حد العصمة فيما اختاروا. و كان من العصمة أن لا يجمعوا- و قد وصفوا بالعصمة- إلّا على المعصوم ذاته، إلّا أنه لم يفعلوا ذلك، فبقي الوصول الى المعصوم أمرا متعذرا أيضا.

مدرسة أهل البيت (عليهم السلام):

و طريقة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن مذهبا ينشأ عن اجتهاداتهم، بل هي واقع الإسلام، و مدرسته. و الإمامية إذ تقول بسنة أهل البيت (عليهم السلام) لأنها هي سنة الرسول، المودعة عندهم، و لأنها تعتقد:

____________

(1) العصمة- عند الشيعة: (ملكة تقتضي عدم مخالفة التكاليف اللزومية عمدا أو خطأ مع القدرة على الخلاف. (دلائل الصدق) لآية اللّه الشيخ محمد حسن المظفر 1: 753، ط. القاهرة و ورد ذلك في (دراسة علمية عن الدلائل) للكاتب.

28

1- أن سنتهم إنما هي سنة الرسول، تلك التي ضاعت بين السنن و المذاهب و الاجتهادات. و قد أكدها أهل بيته، و مضوا عليها- علما و عملا- من دون أن يكون لهم رأى، أو اجتهاد على خلافها.

2- أن أهل البيت (عليهم السلام) لم يختلفوا فيما بينهم، عما ورثوا عن النبي من مكنونات الكتاب، و كنوز السنة، كما اختلف غيرهم فيما بينهم و بين الرسول في سنتهم، و سيرتهم و سياستهم، و اجتهاداتهم.

الشريعة الكاملة:

و يمتاز الاجتهاد عند الإمامية عنه عند غيرهم، إذ إنها تتعامل مع الشريعة الكاملة، تلك التي لا تحتاج في تشريعاتها و أحكامها الى ما يتممها، بعد أن اكتملت: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... (1).

أما العامة، فيقول قائلها: «... و النصوص إذا كانت متناهية. و ما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى» (2).

و على ذلك اقتضت الحاجة- عندهم- الى الأخذ بالقياس، و الذوق، و الاستحسان، و سد الذرائع و فتحها، و ما شاكل ذلك.

و فرض هذا المبنى على الشريعة، اقتضى إقحام الظنون في إكمال الشريعة، و تعويض نقصها بذلك، و اعتبار مظنّة العلة علة، و فرضها أصلا، تتفرع عليه أحكام فرعية كثيرة تلحق به في الحكم و هو قول بلا دليل.

____________

(1) سورة المائدة: 3.

(2) سلم الوصول- لعمر بن عبد اللّه: 295- و نقله كتاب (الأصول العامة للفقه المقارن): 353.

29

و قد عارضها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و قالوا: (السنة إذا قيست محق الدين) (1).

بينما ترى الإمامية كفاية المفاهيم الكلية، و الأصول العامة، و عمومات الأدلة، و اطلاقاتها، المتواجدة في الكتاب و السنة، و هي تستوعب جميع الحوادث الواقعة، و المسائل المستحدثة، و الوقائع المستجدّة. و ما يستند إليه العامة يقتضي نقص الدين، و تحديده، و هو طعن في الشريعة، و تحريف للفقاهة، و الاجتهاد السليم.

دور النيابة العامة:

و بعد انقراض دور النيابة الخاصة بالنواب الأربعة في الغيبة الصغرى، للإمام الثاني عشر بدأ دور النيابة العامة في الغيبة الكبرى، لتغطية الإمامة لها. و كانت قد صدرت تواقيعه الشريفة في تقرير مصير الأمة و الإمامة: على غرار المرجعية العليا، لإحاطة المسلمين بالولاية، في عامة شئونهم و أوضاعهم:

1- «و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، و أنا حجة اللّه عليهم» (2).

و قد أعطوا هذه النيابة من دون استقلال عن الإمام الغائب، و هو الحجة عليهم، و لم ينتزع ولايته المطلقة ليخلعها عليهم، غير أنه لم يمنع من انتقال الولاية إليهم على حدّ الزعامة الكبرى، في مختلف شئونها و لوازمها (3).

____________

(1) تفسير البرهان 1: 381.

(2) الحاكمية في الإسلام- موضوع الحكومة و ولاية الفقيه. نقلا عن وسائل الشيعة 27: 140، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9، و إكمال الدين 2: 122.

(3) نفس المصدر- موضوع الحكومة و ولاية الفقيه.

30

2- «مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه، الأمناء على حلاله و حرامه» (1).

بما فيها التصدي للحكم في شئون المسلمين.

3- «و أما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه» (2).

هذا المنصب القيادي الخطير.

شمول ولاية الفقيه العامة:

و هل تنتقل هذه الولاية- على اطلاقها- الى الفقيه الجامع للشرائط، أم يحدد عليه بعض التحديد، و يذهب معظم الفقهاء الى أن ولاية التصرف في النفوس و الأموال مختصة بالإمام المعصوم (3).

و يذهب آية اللّه المؤلف الى أن للولي الفقيه أن يتصرف في الأموال و النفوس بالعناوين الثانوية، عند اقتضاء الضرورة، و لا يأتي دور هذه العناوين، إلّا بعد تبدل الموضوع، و يكون- عند ذلك- موضوع جديد يتطلب حكما جديدا كذلك، و لا يحق له أن يتصرف بالنفوس و الأموال بالعناوين الأولية، المختصة بالإمام المعصوم.

و سأل الإمام الخوئي سائل عن مدى سعتها و شموليتها للفقيه فأجاب على ذلك بقوله: (في ثبوت الولاية المطلقة للفقيه الجامع للشرائط خلاف،

____________

(1) مستدرك الوسائل 17: 315، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 16.

(2) وسائل الشيعة 25: 131، الحديث 19.

(3) المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري: 153، و كتاب البيع للإمام الخميني 2: 489.

31

و معظم فقهاء الإمامية تقول بعدم ثبوتها، و تثبت في الأمور الحسبية فقط) (1).

و يحتمل أن يعنى بذلك اختصاص التصرف في النفوس و الأموال بالإمام الأصل كما مر.

و هو و ان لم يرجح احد القولين في هذا المقام، الا انه اتسع في الامور الحسبية الى حد الولاية المطلقة عن طريقها، حتى شملت الجهاد البدوي (2) الذي لم يجوز ذلك أكثر الفقهاء، و منهم الإمام الخميني (3) فضلا عن وجوب إقامة الحدود.

«إن إقامة الحدود إنما شرعت للمصلحة العامة، دفعا للفساد، و انتشار الفجور و الطغيان بين الناس. و هذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان. و ليس لحضور الإمام دخل في ذلك قطعا، فالحكمة المقتضية لتشريع الحدود تقضي بإقامتها في زمان الغيبة، كما تقضي بها زمان الحضور» (4) و من الأمور الحسبية إقامة حكم إسلامي للمسلمين.

وحدة النيابة و الولاية:

و لا جدوى من انتقال النيابة العامة، دون انتقال الولاية العامة لها، بل هي نفسها- للتحرّز من عزل الإمام عن الأمة، و الحد من زعامته في كل الأجيال، و امكان استظلال المسلمين بظله. و قد شرعت ولاية النبي و الأئمة بهذه الآيات التشريعية الصريحة:

____________

(1) مسائل و ردود 1: 5، و فقه الشيعة- مباحث الاجتهاد و التقليد: 260، لآية اللّه المؤلف.

(2) منهاج الصالحين- قسم العبادات- كتاب الجهاد: 365.

(3) تحرير الوسيلة للإمام الخميني 1: 463.

(4) مباني تكملة المنهاج للإمام الخوئي 1: 242، مسألة 177.

32

1- النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (1).

2- إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ (2).

3- أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (3) و أولي الأمر هم الذين عندهم علم الكتاب، و القدرة على استنباط ما اختلف على الأمة: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (4) و لم يكن من الخلفاء من يستطيع ذلك. و كان مختصا بالعترة الطاهرة، و هم أعلم أهل الأرض في كل زمان.

4- ولاية الفقيه. و ليست للنيابة العامة- تلك التي مرت نصوصها- أي معنى، إلّا بانتقالها الى الفقيه الجامع للشرائط، حيث قال الإمام الحسين (عليه السلام): «مجارى الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه، الأمناء على حلاله و حرامه» (5) و هي من مدلول قوله تعالى: إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ (6).

مناقشات بشأن الولاية المطلقة:

يذهب الفقهاء: الى أن ولاية النبي و الأئمة ولاية مطلقة، تشمل التصرف في النفوس و الأموال. إلّا أن بعضهم يشترط في ذلك مصلحة المسلمين (7).

____________

(1) سورة الأحزاب: 6.

(2) سورة المائدة: 55.

(3) النساء: 59.

(4) سورة النساء: 83.

(5) الحاكمية في الإسلام- موضوع ولاية التصرف في النفوس و الأموال و في الأمور الاجتماعية: 548.

(6) سورة فاطر: 28.

(7) الحاكمية في الإسلام، موضوع ولاية التصرف في النفوس و الأموال، نقلا عن المحقق الإيرواني، حاشية المكاسب: 155.

33

و الواقع: أن ذلك قيد لا مبرر له: فلأنهم لا يتوخون من ولايتهم شيئا غير مصلحة المسلمين و هي مقتضى إمامتهم و ولايتهم. لأن ولاية اللّه على عباده- على اطلاقها- هي التي تنتقل الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على مستوى نبوته، والى الأئمة على حدّ إمامتهم، ما دامت في نفس هذه الولاية مصلحة المسلمين، ما فوقها مصلحة. و لا يمكن انتقال ذلك إليهم مقيدا بالمصلحة في التصرف بعد أن كانت نفس الولاية هي المصلحة بذاتها- كما أكدنا- فكما لا يمكن تقييد ولاية اللّه بمصلحة العباد، كذلك لا يمكن تقييد ولايتهم المتخذة من ولاية اللّه بمصلحة التصرف فيهم، و هي نفسها نوع آخر من ولاية اللّه التي لا يمكن أن تحدّ أو تقيد، و ليس شيئا آخر.

نعم يمكن أن يكون هناك أمر آخر يناط به، و هو ضرورة التصرف، و اقتضاؤها في مواردها، و هي التي تغني عن كل قيد أو شرط لا طائل تحته.

و من الوهن بالنبي، و الأئمة المعصومين أن يمنعوا من التصرف، إلّا عن مصلحة- نراها نحن- و ذلك بعد أن كانت مصلحة المسلمين أن تكون عليهم هذه الولاية المطلقة.

و يفرق العلامة بحر العلوم بين ولاية التصرف بمعنى نفوذ تصرف النبي و الإمام في نفوس الرعية و أموالهم، فله ذلك، و بين أن يكون له انحاء التصرف فيهم، حسبما تتعلق به إرادته، لعدم نهوض الأدلة عليه (1) و ذلك بمعنى الفرق بين فعلية النفوذ و شأنيته، و يشير بذلك الى اقتضاء التصرف و ضرورته- كما قلنا- و حينئذ تلزم اطاعته.

و يذهب مؤلف هذا الكتاب الى أبعد من ذلك: و هو أن ولاية رسول اللّه محددة بعدم الاضرار بالنفس (2)، قياسا على تسلط الإنسان على نفسه و ماله؟!

____________

(1) بلغة الفقيه 3: 217، نقله الحاكمية في الإسلام، موضوع الولاية في المنابع الإسلامية.

(2) الحاكمية في الإسلام، موضوع ولاية التصرف في النفوس و الأموال الاجتماعية و السياسية.

34

كيف أقيمت ولاية الفقيه:

و هذه الولاية أمر اعتقادي، قبل أن تكون أمرا فقهيا. و لو لا هذه الولاية للإمام المعصوم، و إمكان انتقالها الى نوابه، بدلائل مرّ تفصيلها، لما أمكن اعطاؤها لأحد من دون اللّه: آللّٰهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّٰهِ تَفْتَرُونَ (1) و كانت هذه الولاية نقطة تحول في مصير الأمة، استهدفت رعاية مصالحهم الدينية، و السياسية، و الاقتصادية، و الثقافية، و العقيدية، و غيرها:

1- المصالح الدينية، و قد تضمنتها التشريعات الاجتهادية، و الفتاوى الشرعية، فيما يجري من حوادث و أحداث، و توجيه المسلمين الى السلوك السوى في حياتها، و تحركاتها.

2- التحولات العلمية في أداء رسالة الإسلام، و تطوير العلوم الإسلامية و تحويرها، في الحوزات العلمية، وفق متطلبات العصر و حاجاته، لإعداد المجتهدين، و اعلام الدين، و رجال المرجعية، و القادة لمستقبل المسلمين.

3- الاتجاهات السياسية، و دعوة المسلمين الى الوقوف صفا واحدا وراء الولاية و المرجعية التي تكافح من أجل مستقبل أفضل للمسلمين، و الحفاظ على منعتها و كرامتها، و تحسين أحوالها، و تحصينها من أخطار الطامعين، و المتآمرين على سحق مقدساتهم و مقدراتهم.

4- الحركات الوقائية و الدفاعية، في مواجهات الهجمات الثقافية، و الفكرية الهدامة و قمع المبادئ التي تثير النعرات الطائفية، و النزاعات القبلية و القومية، التي تضر بالإسلام و وحدة الأمة.

5- تدويل أموال المسلمين من الطبقة المرفهة و المترفة، و اعطاؤها للطبقات‌

____________

(1) سورة يونس: 59.

35

المستضعفة، و صرف الوجوه الشرعية، في مواردها المخصصة لها، تلك التي أعطيت ولايتها للفقهاء الجامعي لشرائط المرجعية و الزعامة.

6- اقامة حكم إسلامي باسم (الجمهورية الإسلامية) التي شملت جميع هذه المكتسبات، على أساس تركيز مبادئها و مثلها و ولايتها.

و قد كافح الفقهاء الظلم و التعسف في كل زمان، حتى انتهت الى الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني في إيران، و الى الثورة الشعبانية بقيادة الإمام الخوئي في العراق، دفاعا عن الإسلام و متطلبات المسلمين.

بين الحكومة الإسلامية و حاكمية الإسلام:

إنّ الحاكمية الإسلامية لا تنفك عن شئون النبوّة و الإمامة، و عن تعرّش الفقهاء على الحكم إلّا أنها تحتاج إلى اطر معينة، لتأخذ شكلية الحكم، و محتواه:

1- البنية الشكلية: و تتقوم بالسلطات الثلاث، التنفيذية، و التشريعية، و القضائية في عصرنا الحاضر، و على ما استقرت عليه الحكومات في العالم.

2- البنية الأساسية: و تتقوم بالأهداف العقيدية، و المثل الإسلامية، و هذا هو الفارق بين حاكمية الإسلام كعقيدة، و الحكومة الإسلامية كنظام قائم، إلّا أن حاكمية الإسلام هي الهدف، و الحكومة الإسلامية هي الوسيلة للوصول اليها.

تساؤلات حول مواضع:

استعرض المؤلف الكريم موضوع الإمامة و الزعامة، و انتهى الى القول بأن الحكومة الإسلامية قامت على أساس طريقة الاختيار، و الانتخاب الشعبي الجماهيري.

36

علاقة الامامة بالزعامة:

1- يرى المؤلف الكريم: أن الإمامة لا تلازم الزعامة السياسية، و قد يكون إماما، و لا يكون زعيما سياسيا. و الإمامة- عنده- هي المرجعية الدينية و الروحية. و الزعامة هي السلطة، و التسنم على الحكم، و إن اجتمعا في الإمام فهو ولي الأمر الحاكم، كما يرى الفصل بين مسئوليتيهما (1).

و إن كان في مكان آخر يقول (كما أن لرسول اللّه كان له مقام النبوة، و حق الحاكمية و الزعامة من قبل اللّه كذلك كان للأئمة الاثنى عشر من آل الرسول هذا الحق من اللّه و ليس من الناس) (2).

و الحقيقة: أن زعامة الأمة و ولايتها لا تنفكان عن إمامتها من حيث الشأن و المنزلة، و إن لم تتحقق فعلية ما يلازم الإمامة، من مباشرة الحكم و الإمرة، و هذه الشأنية و المنزلة هي التي لو قدر للأئمة أن يحكموا الأمة لما احتاجوا- معها- الى من يمنحهم الزعامة بعد أن أهلهم اللّه.

على أنه لا تختلف هذه الشأنية عن شأنية الإسلام نفسه، آمنوا به أم لم يؤمنوا:

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ (3) وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.

و لا يضر بذلك فعلية الإمامة، و شأنية الزعامة و الولاية، و تنفيذ الزعامة على بيعة الأمة و طاعتها، و الوفاء بها.

و يرد على تفسير البيعة هذا التساؤل، هل هي بمعنى انتخاب القيادة و الزعامة، أوانها بمعنى الطاعة لمن تجب طاعته، و الانقياد له، و الوفاء بعهده؟

____________

(1) الحاكمية في الإسلام- موضوع الولاية و الامامة: 300.

(2) نفس المصدر موضوع: حديث مع اخواننا السنة.

(3) سورة آل عمران: 19.

37

و الواقع: ان من المتعذر على العقول البشرية ان تنتخب الأصلح للإمامة و الزعامة، إلّا بنصب من اللّه، و تعيين منه، فتكون البيعة- حينئذ- البيعة مع اللّه: إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ (1) و لا تكون ذات البيعة مع اللّه بمعنى الاختيار، أو الانتخاب بحال من الأحوال.

و لم يؤثر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن أخذ البيعة من الأمة بالاقرار بالنبوة، ثم أخذ منهم البيعة للإقرار بالزعامة، و إلّا لاختلف الايمان بالرسالة، عن الايمان بالقيادة، و فصل بينهما.

قال الإمام علي (عليه السلام) في حقيقة البيعة: «أيها الناس أن لي عليكم حقا، و لكم عليّ حق فأما حقكم عليّ: فالنصيحة لكم، و توفير فيئكم عليكم، و تعليمكم كيلا تجهلوا، و تأديبكم كيما تعلموا و أما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، و النصيحة في المشهد و المغيب، و الاجابة حين أدعوكم، و الاطاعة حين آمركم» (2).

و ليست البيعة إلّا العهد بالتمكين و التسليم، و الالتزام بالطاعة و الانقياد، و ليس فيها أي مفهوم للانتخاب و الاختيار، أو اعطاء الزعامة الى جنب الإمامة، إن كان النصب من اللّه. و إنما تكون البيعة- بعد فرض الإمامة- بمعنى رجوع الأمة الى الانقياد للإسلام.

ما ذا يعنى الأفقه في الزعامة:

2- و تساءل المؤلف الكريم نفسه: عما إذا دار الأمر بين الأفقه في الاستنباط، و الأفقه في الأمور الاجتماعية (3) فأجاب على ذلك: بتقديم الأفقه في الأمور الاجتماعية على غيره زعيما للمسلمين باعتبار أن زعامة المسلمين تتطلب ذلك.

____________

(1) سورة الفتح: 10.

(2) نهج البلاغة- الخطبة 34.

(3) الحاكمية في الإسلام: 678.

38

و يمكن مناقشته: بأن عامة الأمور- سواء منها الأمور الاجتماعية أو غيرها، إنما تأخذ اعتبارها و مشروعيتها من منطلق الفقاهة، و العلم بالشريعة، و هي المعيار لها، دون سواها.

و للمجتهد أن يبني أفقهيته في الأمور الاجتماعية المتشعبة على قاعدة التشاور، مع ذوي الخبرة و الدراية في تشخيص الموضوعات و أصلحيتها.

و أما الأفقه في الشريعة، فلا يجوز له أن يستمد آراءه الفقهية من الفقهاء الآخرين، اتباعا لهم، أو تقليدا منهم، لحرمة رجوع المجتهد الى غيره بعد الفراغ من اجتهاده في الأمور.

و لذلك يتعين تقديم الأفقه في الاستنباط على غيره. و ليس من المحظور عليه أن يبني قراراته- في مختلف الموضوعات- على آراء ذوى الخبرة و الدراية و الاختصاص. بل قد يجب عليه ذلك، كما يجب على الأعلم في الأمور الاجتماعية- أيضا- الرجوع إليهم، و الاعتماد عليهم.

و الفارق بينهما: أن الأفقه في الأمور الاجتماعية- بمعنى الأعرف بها- قد يعوزه شي‌ء من الأفقهية في الاستنباط، لا يطمئن الى شرعية ما يتخذه من قرارات يفتي بها، فلا يكون حكمه الحكم المنجز في حق المكلفين، و المعذر لهم.

يقول الإمام الخوئي في أعقد المسائل المرتبطة بمصير الأمة- و هو الجهاد الابتدائي- ما نصه: (... و على الفقيه أن يشاور في هذا الأمر المهم أهل الخبرة و البصيرة من المسلمين، و بما أن عملية هذا الأمر المهم في الخارج يحتاج الى قائد و أمير، يرى المسلمون نفوذ أمره عليهم، فلا محالة يتعين ذلك في الفقيه الجامع للشرائط ...) (1).

____________

(1) منهاج الصالحين 1: 365.

39

و في الحقيقه: أن الفقر في المعلومات الاجتماعية لا يضر بالفقيه الجامع للشرائط، كما يضرّ به الفقر في الأمور الفقهية بالضرورة.

و قد امر النبي أن يشاور المسلمين في الأمور ما أمكن- على أنه كان صاحب شريعة و وحي، و رؤية الهية، و اختصاص بالأرجحية في العلم و العقل على كل البشرية، و ذلك لأن من حق المجتمع أن يدلي برأيه في الأمور الاجتماعية- صوابا كان أو خطأ- كما كان الأمر في التراتيب الإدارية، و إدارة الحروب المخولة إليهم، و في التحرك العام (1).

قيمة الأكثرية:

3- و ذكر في معرض تقييم الأكثرية في الإسلام: كان النبي يشاور الصحابة في الأمور الاجتماعية و قد اجتمعت الأكثرية على الخروج من المدينة لمحاربة الكفار، فوافقهم رسول اللّه على ذلك و خالف الأقلية، الذين كانوا يرتأون نشوب الحرب داخل المدينة.

و الحقيقة: أنّ مشورته في الأمور العامة كانت لحكم ذكر الطقطقي (2) منها: استمالة قلوبهم، و تحريضهم على القتال، طوع رغبتهم، و للاستيناس برأيه و عزمه.

و ما نقله المؤلف الكريم، من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) شاور أصحابه حينما أغار الكفار على المدينة فأشار عليه الأكثرية بالخروج منها (3). فإن الأكثرية التي قررت‌

____________

(1) يراجع كتاب التراتيب الإدارية- نظام الحكومة النبوية.

(2) في 1: 39، و في المتن: 137.

(3) الحاكمية في الإسلام: 117- الأبحاث التمهيدية-.

40

الخروج من المدينة لم تكن عاملا مؤثرا في عزم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على ذلك، لمجرد آرائهم في مقابل آراء غيرهم، إن لم يكونوا أكثرية المقاتلين؛ لأن طبيعة الحرب اقتضت أن يشاور معظم المقاتلين طلبا للنصر على الكفار.

تقبيل يد العامل:

4- و ذكر أن النبي قبّل يد العامل، أو سعد الأنصاري (1). و يبدو أن هذا الأمر موضوع على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و هو من أخبار العامة، التي أريد بها التقليل من قيمة تقبيل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يد فاطمة (عليها السلام) كلما لقيها، و فرض شريك لها في هذه المكرمة النبوية التي تفردت بها.

خضوع الحكّام:

5- كما نقل أنه كان لعامة المسلمين الحريه الكاملة في أن يعترضوا على خلفائهم، إن قصروا في أمور الدين (2)، و هي إشادات يراد منها التغطية على تسلطهم، و إن صحّ ذلك فهي قضية في واقعة.

المنصب الالهى- الشعبي:

6- و ذكر: أن للإمام المعصوم منصبا الهيا و منصبا شعبيا (3) كما مرّ. و الواقع أن هذا المنصب الشعبي- إن صح هذا التعبير- فهو يرجع الى المنصب الالهي، بما‌

____________

(1) نقلا عن أسد الغابة في معرفة الصحابة 2: 279.

(2) الحاكمية في الإسلام- موضوع حقوق الأقلية.

(3) نفس المصدر- موضوع الولاية و الإمامة و ينحو هذا النحو العلّامة الدكتور الشيخ مهدي الحائري.

41

أمر الناس ببيعتهم و اطاعتهم و على هذا قرر الإمام الغائب (عليه السلام) في غيبته الكبرى الإنابة عنه، و إلّا لما صحت النيابة عنه. و للناس بعد ذلك أن يتخيروا بين مراجع التقليد، إذا ساوت بينهم الشرائط.

الأوامر الشخصية:

7- و ذكر المؤلف الكريم: أن للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) من بعده أوامر شخصية (1)، تلزم طاعتها، لشمول هذه الآية لها أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ إلّا أنه لم يستشهد بشاهد لوضوح ذلك بل نظّر ذلك باطاعة الأولاد لوالديهم، إجلالا لهما، من دون أن يكون أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر.

شبهات بشأن حاكمية الإسلام:

يحاول بعض المفكرين المعاصرين (2) أن ينتقد التثقيف الإسلامي من أساسه.

و هو يقول: إن الإسلام حين يستقر في الفكر الإنساني يفقد مسحته الالهية، فيتحول الى تفكر بشري عن الإسلام.

و الحقيقة: أن الدين هو الوحي الالهي المجرد، الذي يوحي الى الأنبياء، و هو فوق الفكر الإنساني، و مكتسباته العلمية و العقلية.

و اما التفكر الإسلامي، فهو نوع من التعقل الديني، في تقييم الإسلام، و التعرف على مبانيه بالأدلة المنطقية و العقلية و الكلامية.

____________

(1) نفس المصدر- موضوع ولاية الاطاعة في الأوامر العرفية.

(2) نظرية القبض و البسط في الشريعة (للأستاذ عبد الكريم سروش) و هو يطرح في عامة كتابه هذا الخط الفكري- باللغة الفارسية.

42

و من أجل أن نعرف أي المقولتين: الفكر أو الدين من شأنه أن يذوب في الآخر، و أي منهما يتماسك في ذاته، دون أن يذوب، نقول:

1- على الفرض الأول: أن الدين حين يلتقي بالإنسان، على صعيد الفكر الإنساني، ينطبع به، و يتحول الى مجموعة من تأملاته، و إدراكاته، و أطره الفكرية.

2- و على الفرض الثاني: أن للدين فاعلية التماسك، و القدرة على تحوّل الفكر الإنساني و انطباعاته الى قناعات دينية واقعية، و الى فهم جديد للعقيدة و الحياة.

و يعني المذهب الأول: أن الدين ليس له دور فاعل و ايجابى. و إنما القدرة و الفاعلية هي في جانب الفكر الإنساني الخلّاق، و محتوى تأملاته، و انطباعاته عن الدين.

و يعني المذهب الثاني: أن الدين هو القدرة الخارقة التي تبعث الإنسان بعثا جديدا في فكره و ثقافته، و رؤيته الى الحياة و الوجود، يختلف عما كان عليه من الفهم، و النظر و المعرفة، و العقيدة و التحول.

فان من يذهب الى إذابة الدين و تمييعه، و تراجعه أمام الفكر الإنساني، فإنه لا يدرك واقع الدين و ماهيته، و دوره الفاعل في بناء الإنسان، و خلق المعرفة و النور، و الايمان و الهداية، و التحول الإنساني الذي يقوم به.

و إذ يحفز القرآن الكريم الإنسان على التفكر و التدبر في الآفاق و الأنفس، يحدد له مسيرته الفكرية، و الهدف من التفكير و الرؤية، و هو أن يدرك بذلك عظمة الخالق في خلقه، حيث لا يرى فيه من فطور فيوقن باتقان الصنع، ما يقوّي به ايمانه، و يتماسك في توحيده.

و إذ يهدي الإنسان يستعين في ذلك بدخائله، و ذخائره، الى تهذيبه، و اصلاحه، و العروج به الى الآفاق بتجرد و مثالية.

43

خلّاقية الدين:

يتميز الدين الإسلامي بأنه دين فطرة و وجدان، و عقل و برهان، يستمد معارفه من معين الوحي، و يستقي مبادئه من المثل الانسانية، و تنطلق عطاءاته من قواعد التحليل، و تتأصل هداياته من منطق الدليل.

و كلما تماسك معه الإنسان المسلم تكاملت فيه طاقاته الفطرية، و تمرست في نفسه قدراته الفكرية، و تأملاته العقلية، و ركائزه الذاتية.

و الدين الإسلامي يرسم للإنسان المسلم كيانا ذاتيا متكاملا، و يجعل له فكرا واعيا يجنح الى المعرفة، و قلبا ذكيا يفقه الحقيقة، و بصيرة نافذة تدرك الهداية، و سمعا مرهفا يلتقط الخير، و لسانا مهذبا ينطق بالحق، و مقومات ذاتية تتكامل بها شخصيته الروحية المرهفة.

و هكذا يصنع الإسلام من أصوله الخمسة الإنسان المسلم كائنا حيا سويا، يجعل من ايمانه بالمبدإ عقله الذي يتدبر العظمة الإلهية، و يخلق من عقيدته بعد له قلبه الذي يزن معايير الوجود، و يصنع من تصديقه بالنبوات و الخلائف سمعه الذي يعى أحسن الأمور، و يعدّ من يقينه بالمعاد عينه التي تبصر حياته الأبدية الخالدة.

و هذه هو خلّاقية الإسلام و فاعليته و عطاءاته تتحرك في خلقه و سيرته كما تدب الحياة في شراشر وجوده.

ثم هل انّ التحول الإنساني العام هو الذي كان يبعث على تدرج الأديان من شريعة الى شريعة، أم أن تحولات الأديان- في ذاتها- هي التي كانت تتدرج بالإنسان من حضارة الى أخرى.

44

و الحق: أن الأديان بفعل رسالاتها السماوية هي التي كانت تتحول بالبشرية من نطاق حياتها الضيقة المقفلة الى الأكمل و الأمثل من تحولاتها الحضارية، و ذلك لقدرة الأديان على تكييف ثقافاتها و مثلها عبر التاريخ (1).

نقد على نقد:

انتقد أحد الأعلام المفكرين في رسالته المسماة ب‍ (الحكمة و الحكومة) باللغة الفارسية (2) تحت عنوان ولاية الفقيه، ما ترجمته: (الولاية بمعنى القيمومة و من حيث الماهية و المفهوم تختلف عن مفهوم الحكومة، و الحاكمية السياسية؛ لأن ولاية التصرف لولي الأمر في الأموال و الحقوق مختصة بالمولّى عليهم بسبب من أسباب: عدم البلوغ، و الرشد العقلاني، أو الجنون، و غير ذلك، لحجره عن التصرف في حقوقه و أمواله، و حرمانه منها. و الحال أن الحكومة، أو الحاكمية السياسية، بمعنى إدارة الحكم، و تدبير أمور المملكة، لمن هم يتمتعون بصلاحيات التدبير، و الوعي، و العلم بالأمور و الحوادث التي تنتاب حياتهم، إلّا أنهم يفوضون أمورهم الى غيرهم. على أنهم هم الحاكمون على وطنهم. فهو نوع من أنواع الوكالة من قبل الشعب لفرد، أو لأفراد، على أساس أن يتم التعاقد بينهم).

و يصح هذا الأمر، إذا كان الحكم شعبيا، غير شرعي، و لم تكن- هناك- حكومة إسلامية لا تختلف عن حاكمية النبوة و الإمامة، و ولايتهما على الأمة.

____________

(1) سلسلة: أصول العقائد بدأها من (اللّه بين الفطرة و العقل) للحجة الشيخ محمد حسن آل يس، أنظر مقدماتها بقلم السيّد الحكمي.

(2) للعلّامة الدكتور الشيخ مهدي الحائري اليزدي: 175.

45

ثم إنه لم تكن تلك الأمور المذكورة علة موجبة للأهلية الشرعية على المولى عليهم من قبل الوليّ الفقيه، دون غيره، إن لم تثبت له هذه الأهلية- في الأمور الحسبية الضرورية التي يعجز عن القيام بها غيره، و التي منها اقامة حكومة إسلامية- عند القدرة عليها- بأدلة أخرى توجب له هذه الولاية النسبية، أو المطلقة، دون عدول المؤمنين.

و إذا كان له حق الولاية على الأيتام و القصر، و المحجّر عليهم، و القيمومة على أموالهم و حقوقهم، بما فيه مصلحتهم، لرفع الحيف و الحرمان عنهم، فالدليل الشرعي الذي يدلّ على ولاية الفقهاء و حاكميتهم في هذه الأمور هو الدليل الحاكم نفسه على تولّيهم مما هو الأهم منها في الحفاظ على حقوق الناس، تحرزا من وقوعهم في الحيرة من أمرهم، و ضياع حقوقهم، و حرمانهم في الحياة الحرة السليمة، بعيدة عن الخلط و الفوضى، فلا بد- اذن- من أن يشملهم هذا اللطف الأكبر في سلامة دينهم و دنياهم، و نظم أمورهم.

و إذا كان من حق الشارع أن يأذن للفقهاء بذلك، فله أن يمنحهم صلاحية ما هو الأجدر بهم، من تملك الأمور: بشرط التمكين، و الانقياد من الأمة، و التزامهم بما ألزموا به، من التبعية الشرعية و الطاعة.

و الحقيقة: إذا كان للولي الفقيه: ولاية الفتوى، و ولاية الحكم، حفظا للنظام، و تحصنا لرقعة الإسلام.

و إذا كان- أيضا- له الأخماس و الأنفال و الزكوات و سائر الأمور التي خلّفه الإمام المعصوم عليها.

فما معنى اعتباره وكيلا فيما يرجع إليه من هذه الأمور، و هو المولّي عليها، عن الإمام المعصوم- عصر الغيبة- دون غيره.

46

بل هو الذي يستطيع أن يأذن من يشاء- ممن تتوفر فيه الشروط- في انجاز هذه الحقوق و التكاليف، و يتخذه وكيلا على تمشيتها.

و الحكمة من بعث الرسل، و فرض طاعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أولى الأمر من بعده: هي لزوم و ضرورة هذا التصرف في شئونهم في كل عصر و زمان، حراسة لحقوقهم كاملة غير منقوصة.

فان الأنبياء ما فتئوا يجاهدون أممهم في الايمان بهذه القيمومة، و الولاية، و الحاكمية و التمكين منها، بعد أن نصب اللّه عليهم من هو الأصلح لهم، حيث منحهم العصمة عن الخطأ، و الطهارة من الرجس، و العلم بالمكنونات الالهية، ليتولوا أمر هذه الأمة و زعامتها، و هي الغاية القصوى من تبليغ الدين و ما أنزل على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من وحي و رسالة.

و يذهب صاحب الرسالة في معرض نقده للعلّامة النراقي- الى التفصيل في معنى الفقيه (1) و شموله لأرباب الفلسفة و العرفان و الكلام، و كل من يتفقه في الدين، و لزوم ولايتهم- جميعا- من دون أن يختص بالفقهاء، من أهل الاستنباط، و الاجتهاد، و الفتوى، و العلم بالشريعة.

و الواقع أن اطلاق الفقيه قد خصّص بالفقهاء: العلماء بالشريعة، دون غيرهم و ذلك بدلالة هذه الرواية: (مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه، الأمناء على حلاله و حرامه) (2) و هم العلماء باللّه و بالشريعة المقدسة حلاله و حرامه، عن رأي و استنباط، يجعلون ذلك في أيدي الناس، ليعملوا به و ليهتدوا بهديه، في ما جريات حياتهم و شئونهم، و روابطهم و تعاملهم فيما بينهم.

____________

(1) الحكمة و الحكومة: 177، و ما بعدها.

(2) مستدرك الوسائل 3: 188.

47

و ليس للفلاسفة أي دور يذكر في ذلك، كما ليس لهم أن يتبجحوا في هداية الناس، للجهل بفلسفاتهم في معرفة اللّه، و تعقيد لغتهم و أسلوبهم.

و قد آمن الناس بفطرتهم: فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا (1) إذ لم يأنس الناس استيعاب ما تقوله الفلاسفة في المبدأ و المعاد، و الوحدانية، و الايمان بالنبوة و الإمامة، و العدل الالهي، و اتباع الإسلام.

و قال كبيرهم الفيلسوف العظيم ابن سيناء في المعاد: إنه آمن به ايمانه بالرسول، دون الايمان به بالفلسفة الذي كان من أمهر الفلاسفة و أدقهم فيها.

و قد أخذ الناس معالم دينهم من الفقهاء، العلماء بالشريعة من أرباب الاجتهاد و الفتوى في المجال العلمي، و السلوك الديني و تطبيق الإسلام.

و قد دلّ القرآن الكريم في تعيين مرجع الأمة- أولئك الذين يستنبطون ما يرد في الشريعة من اختلاف في الاستنباط بقوله- تعالى-: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (2).

ثم إن كلمات العرفاء الدعاة الى اللّه لا يسانخ أكثرها معارف القران، و لا السنة و لا الأحاديث القدسية، و لا خطب الإمام علي (عليه السلام) في التوحيد، و لا الصحيفة السجادية في التضرع الى اللّه، و لا الأدعية المأثورة في الثناء عليه، و لم يصفوا اللّه في كلماتهم بما وصف به نفسه.

و العرفاء يصفونه كما يشاءون، و يتوسلون اليه بالعشق الالهي، بديلا من مبدأ الخوف و الرجاء، يصفونه كما يصفون المعشوقين.

____________

(1) سورة الروم: 30.

(2) سورة النساء: 83.

48

ثم إنه لا معنى للولاية على عقائد الناس: لٰا إِكْرٰاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (1) بل يكون هذا الولاء في سلوك الناس، و أعمالهم، و تنظيمها طبقا للشرع، عبر الأحكام الفرعية التي يصل إليها الفقهاء المجتهدون الأمناء على حلاله و حرامه، ليصل الناس الى العمل بالشريعة هداية لهم، و نجاة من الهلكة.

ترسيم نظام الحكم في الإسلام:

و كان يستحسن من المؤلف الكريم- في شمولية هذه الأطروحة- أن يرسم صورة مشرقة لنظام الحكم الإسلامي في عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام علي (عليه السلام) لاتباعه خطي الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في الحكم و الولاية، كما تعرض لحكومة الجمهورية الإسلامية بكل أبعادها.

معالم من حكومة النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

و كان نظام الحكم في عصره الذهبي الشريف أن وضع: الامارة على الحج و الجهاد، و تشغيل المعلمين و المعلمات للتثقيف، و انتخاب القضاة لفض الخصومات، و تعيين كتاب السر و الرسائل الى الملوك، و تنظيم عهود الصلح، و بعث السفراء و الرسل، و انتشار العسس للحراسة، و فتح السجون للحيلولة دون المخاطر، و فرض العقوبات على المتجاوزين، و نفيهم من البلد، و تنظيم الجيش، و تنصيب القادة و العرفاء، و رؤساء الاجناد، و العيون، و المتجسسون، و تقسيم المواريث، و أخذ الجباية و العشار و الخراج، و ارسال عمال الزكاة، و تقسيم الغنائم، و النظارة على الوقف، و الرقابة على الصلاة، و تخطيط العمليات الحربية،

____________

(1) سورة البقرة: 250.

49

و النظر في المظالم، و أخذ الشهادات (1) كل ذلك كان بتنظيم خاص، و تراتيب إدارية، تعبر عن نظام حكومة الرسول و ماهيتها، بما يناسب ذلك العصر، كأساس لاتساع الحكومة الإسلامية على امتداد التاريخ. و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إذا وجّه جيشا فاتّهم أميرا بعث معه من ثقاته من يتجسس عليه.

سيماء حكومة الإمام علي (عليه السلام):

و قد جاء في عهد مالك الأشتر سيماء هذه الحكومة، فكتب فيما عهده إليه من أمور و سياسات: «و اعلم أن الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلّا ببعض ... فالجنود- بإذن اللّه- حصون الرعية ... ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور ... ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ... ثم اسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم ... و ابعث العيون من أهل الصدق و الوفاء عليهم ... و تفقد أمر الخراج بما يصلح أهله ... ثم اللّه، اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم ... ثم إن للولي خاصة و بطانة ... و الزم الحق من لزمه من القريب و البعيد. و إياك و المنّ على رعيتك بإحسانك» (2).

ترهيب العمّال و ترغيبهم:

1- «و إني اقسم باللّه- عزّ و جلّ- قسما صادقا، لئن بلغني أنك خنت من في‌ء المسلمين شيئا صغيرا، أو كبيرا لأشدّن عليك شدّة، يدعك قليل الوقر، ثقيل الظهر، و السلام» (3).

____________

(1) يراجع كتاب التراتيب الإدارية- نظام الحكم في الإسلام.

(2) عهد مالك الأشتر، نهج البلاغة، الكتاب: 53.

(3) أنساب الأشراف 2: 162.

50

«أما بعد فقد و فرت على المسلمين فيأهم، و أطعت ربك و نصحت إمامك» (1).

«لعمرى فقد أحسنت الولاية، و أديت الأمانة فأقبل إليّ غير ظنين و لا ملوم» (2).

مكانة المؤلف و نشأته الصالحة:

هو من الشخصيات العلمية الخصبة، التي استطاع أن يزود الحوزات العلمية بنتاجه العلمي، في أهم العلوم الإسلامية العالية:

و قد اجتاز- في عنفوان شبابه- مراحل الدروس الاجتهادية العالية، على يد أستاذه الإمام الخوئي (قدّس سرّه) و نال درجة الاجتهاد- في حاضرة النجف الأشرف- بالجهد العلمي العميق.

نشأ آية اللّه السيد الخلخالي في بيئة دينية علمية نشأة صالحة، جعلته اليوم مرجعا للعلم و الفضيلة، و الجهاد الإسلامي.

ولد سماحته عام (1344 ه‍. ق) في بلدة رشت، و غادرها بعد وفاة والده آية اللّه السيد فاضل الموسوي الخلخالي (قدّس سرّه) عام (1348 ه‍. ق) و هاجر الى النجف الأشرف مع والدته، و أقام فيها برعاية عمه آية اللّه السيد محمد الموسوي الخلخالي (قدّس سرّه) و كان من أبرز علماء النجف الأشرف.

و بعد أن اجتاز مرحلة الدروس الابتدائية التحق بالحوزة العلمية، و جدّ في تحصيل العلوم الدينية، و استوعب مقدمات العلوم الحوزوية، كالنحو و الصرف و المنطق، و علوم البلاغة، ثم درج الى دروس السطوح العالية في علم الأصول و الفقه- كالكفاية و المكاسب- على أيدي أقطاب الحوزة العلمية، من أمثال‌

____________

(1) نفس المصدر: 158.

(2) نفس المصدر: 159.

51

آية اللّه الشيخ مجتبى اللنكراني (قدّس سرّه) و كان من خيرة تلامذة آية اللّه العظمى المحقق النائيني (قدّس سرّه) و أمثال آية اللّه الشيخ ميرزا حسن اليزدي، و هو من أبرز تلامذة آية اللّه العظمى الشيخ ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه).

و التحق سماحته عام (1370 ه‍. ق) بالأبحاث العالية في الفقه و الأصول، على أيدي أساطين العلم و الفقاهة، و قد حضر عند آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم- طاب ثراه- و آية اللّه العظمى الشيخ حسين الحلي- نوّر اللّه مضجعه- و الأستاذ الأعظم آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي- (قدس اللّه نفسه الزكية)- و تمحض في الدراسة عنده و حضر عنده دورتين كاملتين في الأصول، كما حضر خارج المكاسب، و شطرا كبيرا من الأبحاث الفقهية التي تدور حول العروة الوثقى.

و قد تتلمذ عليه في علم التفسير، و قرر جميع دروسه في شرح العروة الوثقى و قد طبع منها مجلدات تحت عنوان (دروس في فقه الشيعة) و منها الاجتهاد و التقليد، و المجلدات الأخرى جاهزة للطبع.

و وفق سماحته أن يحشّي أقساما من كتاب (العروة الوثقى) و كان من حسن الحظ أن طلب إليه- بإلحاح- أن يطبع سلسلة أبحاثه الأصولية التي زوّدت بتقريظ أستاذه الأعظم الإمام الخوئي (قدّس سرّه) و هي في طريقها الى الطباعة.

و طبع كذلك تقريرات أستاذه الأعظم في فقه الرضاع للإمام الخوئي (قدّس سرّه) بالاشتراك مع سماحة آية اللّه الشيخ محمد تقي الإيرواني، و هو من خيرة تلامذة الإمام الخوئي الأقدمين، و قد أعيد طبعه بزيادات مع مقدمة حررناها هناك و كان في عام (1385 ه‍. ق) ورد إيران لزيارة الإمام الرضا (عليه السلام) و اللقاء بأرحامه الكرام، فطلب إليه جمع من المؤمنين أن يستوطن إيران- مع ضرورة بقائه في حوزة النجف العلمية و قد أسف لذلك زعيم الحوزة العلمية أستاذه‌

52

الأعظم السيّد الخوئي (قدّس سرّه) إلّا انه قدر له أن يقطن طهران ليؤم المؤمنين في (مسجد صدرية) و قد أسدى الى هذا المسجد خدمات جلى من تجديد البناء، و تأسيس مكتبة عامة فيه.

كما وفق الى ممارسة تدريس الدروس العالية في الفقه و الأصول، و اعداد جمع من الفضلاء يتوسم فيهم النبوغ و التفوق. و لا يزال يتابع جهوده العلمية بكل جدّ و اجتهاد و قد أوسع حياته المباركة بالدعوة للإسلام، جهدا في وعي المسلمين في العالم، و تحصينهم بالإيمان و المعرفة بالإسلام.

و هو اليوم من علماء الشيعة المبرزين، الذين يشار إليهم بالبنان، و ممن تعقد عليهم الآمال الجسام بما يليق بمقامه العلمي المنيع.

و تمتاز شخصيته بالنزعة الإسلامية، و هو يتحرق على الإسلام، دعما لحكومته العالمية، مما بعثه الى تأليف هذه الأطروحة الفريدة.

قيمة الكتاب:

و من تأليفه القيّم كتاب (الحاكمية في الإسلام) في موضوع الحكومة الإسلامية استوعب جميع أقسام ولاية الفقيه، و هذا هو بين أيدي القراء و المحققين و الفقهاء.

و يبحث الكتاب عن أخطر موضوع، جابهه المسلمون، منذ فجر التاريخ الإسلامي، صراعا فيما بينهم، حاول فيها نشدان الحق من دون لبس و خلط أو تعصب، و ذلك بقوة الدليل، و عمق الحجة، خاض موضوعاتها بالطريقة الاجتهادية، في تقويم الأدلة، و تمحيص النصوص، و التماس الحجج، من حيث السند و الدلالة، و الثوابت التاريخية، لضرورة الأخذ بها، و قبول حاكميتها، على مسارب النظرية، و على صعيد التطبيق.

53

و هكذا خاض هذه الأطروحة (أطروحة الحكومة الإسلامية) التي أخذت مشروعيتها من حاكمية الإسلام، في مراحلها العشر، و هي حاكمية اللّه على عباده.

و قد بدأ بولاية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ولاية الائمّة الأطهار (عليهم السلام)، مستندة الى تشريعات الكتاب و السنة و العقل الضروري، و الفطرة السليمة، بتفصيل لم يسبق له نظير.

ثم عقبها بولاية الفقيه في ما يقوم به الإمام المعصوم في زعامة الأمة و قيادتها، و صيانة حقوقها و مصالحها.

و انتهى في ذلك الى الولاية القائمة في القانون الأساسي و مفهوم الجمهورية الإسلامية، التي أسسها الإمام الخميني (قدّس سرّه) و خلفه في الزعامة آية اللّه السيّد الخامنئي. و حصّن ذلك بمعالجة الشبهات و التخرصات التي ترد من حولها.

و أثبت بذلك فاعلية و قابلية الحكومة الإسلامية الشاملة على كل أبعاد الحياة و حلولها.

فهو كتاب فريد، مثقل بالفقاهة، و الاستدلال العقلي، المستوعب الذي أحاط بموضوع الحاكمية السياسية و الاجتماعية، بكل جوانبها و أبعادها و أركانها.

و اثبت بذلك- أيضا- أن الإسلام دين و تمدين، و عقيدة و حياة، و قانون، و منهاج للعمل، و وسيلة الى بلوغ المنعة و السعادة، و الاستقلال و الكرامة للشعوب.

و اللّه نسأل أن يوفق سيّدنا الأستاذ آية اللّه السيّد الخلخالي لخدمة الإسلام، في مقامه المرجعي، لما فيه خير الأمة الإسلامية و صلاحها.

و أن يرضى بذلك ولي اللّه الأعظم الحاكم القائم من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و اللّه ولي التوفيق. و هو يهدي الى سواء السبيل.

مرتضى الحكمي‌

صفر المظفر 1418 ه‍. ق‌

طهران‌

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}