اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة - ج1

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
129 /
1

-

2

الجزء الأول

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

حمدا لك اللهم على ما عرفتنا من دلائل الاحكام. و فقهتنا في الدين.

و فهمتنا من معالم الحلال و الحرام. و علمتنا من مقاصد الشرع المبين.

و الصلاة و السلام على من أرسلته على فترة. رحمة للعالمين. و شرحت له صدره. و فضلته على المرسلين. فصدع بالرسالة ناهضا بأعباء التبليغ.

بكرة و أصيلا. و أوضح الدلالة. بالخطاب البليغ. هاديا و دليلا. و نشر لواء التوحيد بشيرا و نذيرا. و طوي بساط الشرك فلم يدع منه إفكا و زورا. و على آله مصابيح الدين القويم. و مناهج الهداية إلى الصراط المستقيم. الذين أذهبت عنهم الرجس و طهرتهم تطهيرا. و جعلتهم ائمة.

و عصمتهم من الزلل أولا و أخيرا. و نصبتهم اعلاما للأمة. أنزلت فيهم الكتاب المبين تبصرة و ذكري. و أمرت بمودتهم باية قل لا أسئلكم عليه أجرا. فأحيوا سنن الإرشاد. بالبرهان الجلي. و اما تو أبدع الإلحاد.

و صيروا الحق بمقام على. و شيدوا قواعد الملة البيضاء. بمعارف البيان.

و رفعوا منارها. و احكموا دعائم الشريعة الغراء. بإيضاح التبيان. و أظهروا آثارها. و شكرا لك على ما أنعمت علينا باتباعهم. و جعلتنا من اتباعهم.

3

مستمسكين من سلسلتهم بالعروة الوثقى. و معتصمين من حبل ولائهم بما هو خير و ابقى. و بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربه العبد الجاني محمد كاظم الخراساني انه لما كان علم الفقه مناهج الشريعة الاحمدية. و معرفة مسالك السعادة الأبدية. جدّ فيه علماؤنا و اجتهدوا برد الفروع إلى الأصول.

و هذبوا مداركه بتنقيح التحرير فأدركوا غاية المأمول. و أنفقوا نفائس أعمارهم. في إيضاح مشكلاته. و سددوا هواجس افكارهم. لكشف معضلاته فحروا مبانيه. بإشارات واضحة المقاصد. و ابانوا معانيه.

بعبارات جامعة الفوائد. جعل اللّه سعيهم مشكورا. و لقاهم نضرة و سرورا.

غير ان كتاب تبصرة المتعلمين. الذي صنفه آية اللّه في العالمين. مروج الدين بتحريره النافع. و كاشف اليقين بتنقيحه المهذب البارع. شيخنا العلامة. الحسن بن المطهر أعلى اللّه مقامه. قد حوى على صغر حجمه. أسنى الفوائد. و اشتمل ببديع نظمه. على أبهى الفرائد. جامعا بين الإيجاز و الاعجاز. و متخذا في الحقيقة سبيل الرموز ضربا من المجاز فسئلنى بعض من لا يسعني اجابته بالرد. ان الحق به تكلمة توقف رسمه على الحد.

و اضيفها إليه إضافة معنوية. معراة عن الأفعال الناقصة. و أعرب موصول مصادره بتصريفات جلية. مبتنية على الدلائل الخالصة. و اشرحه شرحا يشير الى مفاتيح الاحكام. باجلى اشارة. و يوضح منه غاية المرام. بأحلى عبارة. مفصلا عقود فرائده في سلك البيان. بآيات معجزة. و كاشفا لثام إبهامه عن وجوه الإتقان. بعبارات موجزة خالية من التعقيد المخل. و الحشو الممل. فاستخرت اللّه تعالى متوكلا عليه. و مقدما رغبتي إليه. فجاء بحمد اللّه تعالى على ما يراد. و غاية المراد. و سميته باللمعات النيرة في شرح تكلمة التبصرة. جعلته تذكرة لمن تبصر. و تبصرة لمن تذكر. و اسئله من فضله الجسيم و منه القديم ان ينفعنا به يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من اتى اللّه بقلب سليم.

4

كتاب الطهارة

و فيه أبواب

الباب الأول في المياه

الماء على ضربين مطلق و مضاف و المراد منه هاهنا ما يعم غيره مجازا و الا فهو بمفهومه الحقيقي لا يصلح لكونه مقسما للضربين اما المطلق فهو ما يستحق إطلاق اسم الماء عليه عرفا و لا يمكن سلبه عنه الا بنحو من العناية و اما المضاف فهو بخلافه لا يستحق إطلاقه عليه الا بذلك‌

و المطلق

حكمه بحسب أصل خلقته انه طاهر و مطهر للحدث و الخبث حسبما يأتي تفصيله و باعتبار ملاقاته للنجاسة يختلف و لا يظهر الا بعد ان يقسم أقساما ثلاثة‌

الأول الجاري

و هو عرفا و ان كان السائل عن مادة الا ان المراد هاهنا هو النابع عنها و ان لم يكن سائلا لاتحاد غير السائل معه حكما و حكمه انه لا ينجس و لو كان قليلا بملاقاة النجاسة ما لم يتغير لونه أو طعمه أو رائحته بها لعموم خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلا ما غير إلخ. و التعليل في صحيحة ابن بزيع: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير ريحه أو طعمه فينزح حتى يذهب الريح و يطيب الطعم لان له مادة و الاستدلال به بناء على رجوعه إلى الفقرة الأولى واضح. و اما بناء على رجوعه إلى الفقرة الثانية. فلان الاتصال بالمادة إذا كان موجبا لارتفاع النجاسة كان موجبا لاندفاعها بطريق اولى كما لا يخفى. و خصوص المرسل:

الماء الجاري لا ينجسه شي‌ء. و عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام). قال في الماء الجاري يمر بالجيف و العذرة و الدم يتوضأ و يشرب و ليس ينجسه شي‌ء ما لم تتغير أوصافه طعمه و لونه و ريحه. و لا يعارضها مثل إذا بلغ الماء قدر كذا إلخ. و ان كانت النسبة بينهما عموما من وجه لوضوح أنها أظهر في كون الجريان عن المادة أو الاتصال بها علة تامة لعدم الانفعال بالملاقاة من عمومه لما له مادة نابعة. مع انه يدور الأمر بين إلقاء ظهورها في علية الجريان من المادة و الاتصال بها رأسا و إلقاء الإطلاق و تقييده‌

5

بغير الجاري و هذا اولى مع إمكان دعوى الانسباق اليه. و لا أقل من دعوى عدم الظهور في الإطلاق لكونه القدر المتيقن منه كما لا يخفى.

هذا مضافا الى دعوى الإجماع من غير واحد على عدم الفرق بين قليلة و كثيرة و ان أبيت إلا عن مقاومة أدلة الكرّ لها و عدم اعتبار دعوى الإجماع. فالأصل عدم الانفعال بناء على كون الأصل مرجعا في تعارض المتكافئين بالعموم من وجه لا الترجيح أو التخيير مع ان الترجيح مع أدلة عدم انفعال القليل من الجاري لندرة القول به. فتأمل. و كيف كان فان تغير أحد أوصافه تغيرا حسيا بملاقاتها نجس المتغير خاصة لأنه الظاهر من الاخبار الدالة على الانفعال إذا تغير ضرورة ان التغير التقديري ليس بتغير سوآء كان عدمه لعدم المقتضى كالملاقاة للبول الصافي. أو لأجل المانع عن ظهور أثرها عليه كما إذا اتصف بصفتها لوضوح انه يمنع عن اتصافه بمثلها كيف و إلا لزم اجتماع المثلين و هو في الاستحالة كاجتماع الضدين كما ان الظاهر منها اختصاص النجاسة بالمتغير دون ما قبله و هو واضح و دون ما بعده إذا كان متصلا بالمادة بغير المتغير أو كان كرّا و الا ففيه اشكال لانقطاعه عن المادة بالماء النجس الا ان يقال بعدم انفعال القليل بملاقاة المتنجس و ان قيل بالانفعال بملاقاة النجس كما هو المختار حسبما يأتي استظهاره من الاخبار. هذا مع احتمال كفاية اتصاله بالمادة و عدم انقطاعه عنها في الحكم بعدم انفعاله بالملاقاة و لو قيل بانفعال القليل بملاقاة المتنجس كالنجس و ذلك لان تنجس المتغير لا يمنع عن كونه سببا لاتصال غيره بها. و ليس دليل انفعال القليل أظهر شمولا له من دليل الجاري و بينهما عموم من وجه. فالأصل يقتضي عدم انفعاله بناء على انه المرجع في تعارض العامين كذلك كما أشرنا إليه آنفا و حكم ماء الغيث حال نزوله و ماء الحمام إذا كانت له مادة كان المجموع منه. و منها مقدار الكرّ على الأحوط حكمه فلا ينجسان مطلقا بالملاقاة ما لم يتغير. لقوله‌

6

(عليه السلام) في ماء الغيث سبيله سبيل الجاري. و الصحيح في ماء الحمام هو بمنزلة الجاري. و الخبر انه كماء النهر يطهر بعضه بعضا. و رواية قرب الاسناد ماء الحمام لا ينجسه شي‌ء. و اما تقييد ذلك بما إذا كانت له مادة فلرواية بكر بن حبيب ماء الحمام لا بأس به إذا كانت له مادة و ضعفها لو كان ينجبر بالعمل. ثمَّ ان مقتضي إطلاق أخباره عدم اعتبار الكرّية أصلا و لو في المجموع من المادة و الحوض. و لا وجه لمنع إطلاقها لغلبة الكريّة في المادة حتى في أواخر أوقات نزح الناس من الحياض الصغار لكثرة عروض القلة على المجموع فضلا عن أحدهما كما لا يخفى. و لو كانت الكريّة أغلب منها. مع انه لو كانت غالبة ليست مما يلتفت إليها كي يوجب انصراف الإطلاق إليها أو كانت قدرا متيقنا في مقام التخاطب. و بدون ذلك كان الإطلاق محكما كيف و هو ظاهر الخبر الدال على التقييد. إذ لا معنى مع اعتبار الكريّة و لو في المجموع للتقييد بالمادة أصلا بناء على ما هو التحقيق من عدم اعتبار تساوى السطوح في اعتصامه و كفاية تواصل أبعاضه لوحدته معه حقيقة و عرفا. و التعدد المترائى انما هو بحسب محاله كما لا يخفى على من تأمل. بل لا بد من التقييد بالكريّة كسائر المياه الواقفة بلا خصوصية له. مع ان ظاهر اخباره ان له ذلك كما لا يخفى. نعم كان اعتبارها في المادة أو المجموع أحوط‌

الثاني الواقف

كمياه الحياض و الأواني ان كان مقداره كرا و حد الكرّ ألف و مائتا رطل على ما هو المشهور بل بلا خلاف كما عن صريح بعض بل عليه الإجماع كما عن الغنية. لمرسلة ابن ابي عمير المنجبر إرسالها بالإجماع المدعى على قبول عموم مراسيله. و عن المعتبر في خصوص هذه المرسلة: و على هذه عمل الأصحاب لا اعرف رادا لها. و قضية الجمع بينها و بين صحيحة ابن مسلم ان الكرّ ستمائة رطل ان يكون ذلك بالعراقي لحمل الرطل فيها على العراقي و في الصحيحة على المكي و هو ضعف العراقي مع ان الظاهر‌

7

الاتفاق على ان المراد منه فيها ليس العراقي و لا المدني فيتعين كونه مكيا فيكون وحده دليلا على ذلك أو كان كل واحد من طوله و عرضه و عمقه ثلاثة أشبار و نصف شبر مستوى الخلقة على المشهور كما قيل و عن الغنية الإجماع عليه. و اعلم ان الأصحاب اختلفوا في حده بحسب المساحة و منشأه اختلاف الاخبار و اختلاف الانظار في الاستظهار و لا دلالة في ما يعتبر منها على هذا التحديد نعم رواية الحسن بن صالح كما عن الاستبصار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام). إذا كان الماء في الركي كرّا لم ينجسه شي‌ء. قلت و ما الكرّ قال ثلاثة أشبار و نصف طولها في ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها. و ان كانت صريحة الا ان عدم تعرضها في الكافي و التهذيب للطول ربما يخل لوضوح عدم وثوق بثبوته فيها كما لا يخفى. و بدونه لا دلالة لها عليه. و ما قيل من ان تحديد العرض بذلك يستلزم تحديد الطول به أو بأزيد منه و إذ لا قائل بالزيادة تعينت المساواة فيه. ان العرض فيها ليس ما يقابل الطول بل بمعنى السعة كما في قوله تعالى عَرْضُهٰا كَعَرْضِ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ. و قد صرح بلفظها في صحيحة إسماعيل بن جابر في الماء الذي لا ينجسه شي‌ء. قال (عليه السلام) ذراعان عمقه و ذراع و شبر سعته. فيكون كل واحدة من الرواية و الصحيحة و غيرهما مما لا تعرض فيها للابعاد الثلاثة ظاهرة في السطح المستدير. كما عن الوحيد البهبهاني (قدس سره) في شرح المفاتيح و المحدث الأسترابادي استظهاره. لا المربع كما استظهره المشهور و يقرب مكسرة من تحديده الوزنى على ما اختبر فان مكسرة على الرواية يكون ثلاثة و ثلاثين و كسرا الحاصلة من ضرب نصف القطر. و هو شبر و ثلاثة أرباع في نصف المحيط و هو خمسة و نصف في ثلاثة و نصف العمق على ما هو القاعدة في ضرب الدائرة. و دعوى الإجماع بسيطا أو مركبا على انه ليس بكرّ في مثل هذه المسئلة مجازفة غايته عدم القول به لا القول بعدمه.

8

و من الغريب صدور هذه الدعوى من شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه.

و أغرب منه دعواه إمكان إخراجه بأن الظاهر من الرواية كون مجموع الثلاثة و نصف من العمق ثابتا في تمام سطح الكرّ لا في خط منه فتخرج الدائرة كما لا يخفى ضرورة انه كذلك في السطح المستدبر. و انما لا يكون كذلك في السطح المحدب أو المقعر ثمَّ انه لا يكاد يوافق تحديد من تحديداته المساحية في اخبارها لتحديده الوزنى. مع وضوح ان له حدا واحدا لا يختلف باختلاف اختباره مساحة أو وزنا و اختلاف المياه خفة و ثقلا. مع كونه ليس بمقدار الاختلاف بينهما يقتضي اختصاص كل بأحد الحدين لا كون كل واحد حدا مطلقا. كما هو قضية إطلاق النص و الفتوى. لا يقال. نعم و لكنه لا بأس في المخالفة إذا كانت من باب مخالفة العلامة و الامارة مع ذي الإمارة. فإنه يقال انما ذلك في ما كانت المخالفة أحيانا و لم تكن بدائمية كما كانت هاهنا بل و لا غالبية. فلا مجال لما قيل من التخيير بين التحديدين فله الاختبار بما يختار. و قصارى ما يمكن ان يقال توفيقا بين الاخبار ان مقدار الكرّ حسب مراتب الطهارة و النجاسة و النزاهة و الدناسة يختلف. فيكون اقله مقدارا مما يعتصم به الماء عن الانفعال بالنجاسة و ان انفعل ببعض مراتبها الغير المانعة عن استعماله في ما يعتبر في استعماله الطهارة و كان المقدار الزائد عليه عاصما عن الانفعال بذلك أيضا. فكان للكثرة العاصمة عرض عريض حسب مراتب النجاسة و الدناسة شرعا كما هو كذلك بالإضافة الى ما يوجب التنفر طبعا. و يشهد بذلك التفاوت الفاحش بين التحديدات في الروايات و عدم توافق الاثنين منها مع الوثوق بل القطع بصدور غير واحد منها بينها كما لا يخفى. و معه لا محيص عما ذكرنا من التوفيق كما وفق بنظير ذلك بين روايات منزوحات البئر و عليه فلا حاجة الى الترجيح بين المعتبر منها. ثمَّ انه إذا شك في ما هو أقل ما حدد به لإجمال دليله و تردده بين ان يكون التكسير‌

9

بلحاظ تربيع السطح أو التدوير مثلا. فقضية عموم رواية خلق اللّه الماء طهورا لا ينجسه شي‌ء إلّا ما غير إلخ. عدم انفعال غير ما علم انه لم يبلغ الكرّ كما هو قضية استصحاب الطهارة و قاعدتها عموما و خصوصا في الماء.

قال الصادق (عليه السلام) على ما في الوسائل: كل ماء طاهر الّا ما علمت انه قذر. و ما قيل من ان الأصل مدفوع بما ثبت من علية الكرية لعدم الانفعال الدالة على ان الملاقاة بنفسها مقتضية للانفعال و لا يتخلف عنها الّا لمانع و المانع مدفوع بالأصل. و اما العموم فبعد تسليم الرواية و الإغماض عن الطعن عليها بعدم ورودها في أصول أصحابنا. فهو لأجل الجمع بينه و بين قوله (عليه السلام) إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجسه شي‌ء الدال على علية الكرّية لعدم التنجيس مقيد بالكرّ و انه لا ينجسه شي‌ء انما هو باعتبار كرّيته فتكون الكرية قيدا للموضوع و هو الماء الذي لا ينجسه شي‌ء.

فكل ما شك في كريته فلا يجوز عليه الحكم بعدم التنجيس بمقتضى العموم لأنه شك في موضوع العام لا في ما خرج عنه فافهم. ففيه ان كون الملاقاة مقتضية للتنجيس و كون الكرية مانعة عنه لا يدفع بها أصالة الطهارة و لا قاعدتها ما لم يثبت عدم الكرية بنحو و لو بالأصل و لا مثبت في محل الفرض أصلا. و لا أصل يرفع به المانع إذا شك فيه ما لم يكن مسبوقا بالعدم لا عقلا و لا شرعا لعدم دليل على قاعدة المقتضى و المانع شرعا و لا مما جرت عليه سيرة العقلاء قطعا في ما كان هناك منشأ عقلائي مع ان دليل الأصل. و القاعدة رادع عن السيرة عليها لو كانت كما لا يخفى. و انه لا مجال للطعن في الرواية بعد استناد الأساطين إليها في كتبهم. و تقييدها بأدلة الكرّ لا يقتضي إلّا تقييدها بما علم خروجه من عمومها لا كون الموضوع هو الكرّ لانفصال المقيد المجمل. و قضية التقييد بالمجمل المنفصل الاقتصار على التقييد بما علم خروجه به و الرجوع في المشكوك الى العموم. و ارتفاع إجماله به فيحكم ببقاء مرتكب الصغيرة‌

10

تحت عموم أكرم العالم إذا قيد بدليل منفصل مثل لا تكرم العالم الفاسق إذا شك في ان مرتكبها فاسق أو ليس بفاسق. و بالجملة الكرية و ان كانت قيدا للموضوع الا انها بمعنى الأقل المحتمل من مثل قوله: إذا كان قدر كر لعدم دلالته عليه أو على الأكثر. و وضوح لزوم العمل بالعموم في ما لا دليل على خلافه لبقائه على ظهوره و عدم سراية إجمال المقيد اليه كما حقق في الأصول. هذا و قد ظهر ان التحديد بمكسر ثلاثة أشبار و نصف في السطح المربع لم ينهض عليه دليل و لكنه أحوط. و بالجملة إذا كان بمقدار الكرّ لم ينجس بوقوع النجاسة فيه أو ملاقاته لها للأصل و القاعدة و منطوق غير واحد من مثل إذا بلغ الماء إلخ. ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة فإن تغير أحدها تغيرا حسيا لما عرفت نجس إجماعا لرواية خلق اللّه الماء إلخ و غيرها و يطهر باتصاله بالكر مع امتزاجه حتى يزول التغيير أو بغيره مما يعتصم كالجاري و الغيث حال نزوله بل و الماء القليل بناء على عدم انفعاله مطلقا أو بملاقاة المتنجس. و ان انفعل بملاقاة عين النجس لو كان وجه التطهير بالامتزاج هو الإجماع على عدم اختلاف أبعاض ماء واحد بحسب الطهارة و النجاسة. فلا بد من طهارة الكل أو نجاسته و الثاني باطل لأدلة الاعتصام و عدم الانفعال. و الأول هو المطلوب.

و المفروض ان القليل المتحد مع الماء النجس لا ينفعل بملاقاته فلا بد ان يطهر ذاك الماء بامتزاجه. نعم لو كان وجه تطهيره الإجماع على الطهارة تعبدا في صورة الامتزاج بالكر و نحوه مما لا ينفعل اتفاقا. فلم يكن وجه للقول بالطهارة بالامتزاج مع القليل فإنه بلا دليل. بل لا بد من الاقتصار بالإلقاء الدفعى كما هو المترائى من التقييد بالدفعة في كلام غير واحد من الاعلام لو لا القطع بأن الإلقاء كذلك انما هو لحصول الامتزاج به أو لحفظ عمود الماء المعتصم لا لاعتباره تعبدا. و لذا اكتفينا بالامتزاج و لو كان بالعلاج. ثمَّ انه لا ريب في انه لا يطهر ما لم يزل تغيره و لو كان‌

11

الماء الممتزج به لم ينفعل بذلك لدليل اعتصامه ما لم يتغير. بل و ان تغير لعدم الدليل على النجاسة بالتغير إذا لم يكن بملاقاة عينها. فان الظاهر من قوله لا ينجسه شي‌ء إلخ. لا ينجسه عين من الأعيان النجسة بالملاقاة الا ما غيره. و ان أبيت عن ظهوره فيه فلا أقل انه القدر المتيقن فلا دلالة له على نجاسته بسبب تغيره بملاقاة الماء المتغير بها كما لا يخفى و ان كان الماء الواقف أقل من كرّ ينجس بوقوع النجاسة فيه و ان لم يتغير أحد أوصافه على المشهور بين الأصحاب. بل عليه دعوى الإجماع من غير واحد و قد دل عليه أخبار كثيرة منطوقا أو مفهوما خلافا لابن ابى عقيل. و تبعه الكاشاني و الفتوني. و بعض آخر فذهبوا الى عدم انفعاله بملاقاتها ما لم يتغير أحد أوصافه بها مستدلا مضافا الى الأصل. و عموم الرواية المشهورة بين الفريقين خلق اللّه الماء إلخ. بروايات كثيرة ظاهرة بل بعضها صريحة في عدم الانفعال. منها ما عن قرب الاسناد و كتاب المسائل لعلي بن جعفر قال سئلته عن جنب أصابت يده جنابة فمسحه بخرقة ثمَّ ادخل يده هل يجزيه ان يغتسل من ذاك الماء قال: ان وجد ماء غيره فلا يجزيه ان يغتسل و ان لم يجد غيره اجزئه. و منها رواية أبي مريم الأنصاري قال: كنت مع ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حائط له فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركيّ له فخرج عليه قطعة من عذرة يابسة و اكفأ رأسه و توضأ بالباقي.

و منها خبر زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قلت رواية من ماء فسقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة قال: ان تفسخ فيها فلا تشرب و لا تتوضأ و صبها و ان كان غير متفسخ فاشرب منه و توضأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طرية. و كذلك الجرة و حب الماء و القربة و أشباه ذلك من أوعية الماء.

و منها صحيح على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) سئلته عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضأ منه للصلاة. قال لا الا ان يضطر إليه. الى غير ذلك من الاخبار. و لا يخفى ان هذه الاخبار لا يعارضها ما دل‌

12

في مثل مواردها على خلافها من الأمر بالاراق و الإهراق أو النهي عن الشرب و التوضي و الاغتسال. لاحتمال ان يكون على الاستحباب أو للكراهة لما أشرنا إليه من كون كل من الطهارة و النجاسة ذات مراتب شرعا. يختلف حكمهما بحسب ما لهما من المراتب اختيارا و اضطرارا كما يشهد به خبرا على بن جعفر أو كراهة أو استحبابا. كما هو قضية التوفيق بين خبر ابى مريم و مرسلة على بن حديد عن بعض أصحابه قال كنت مع ابى عبد اللّه (عليه السلام) في طريق مكة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام ابى عبد اللّه (عليه السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام).

ارقه فاستقى أخر فخرج فيه فارة فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام). ارقه فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شي‌ء قال صبه في الإناء. فصبه في الإناء ضرورة احتمال كون الإراقة لا للنجاسة المانعة من جواز الاستعمال بل للتنزه و استقذار الطبع مما فيه الميتة و رجحان استعمال غير الملاقي لها سيما في رفع الحدث أو كراهة استعمال الملاقي. و ربما لا يجوز استعمال الماء مع طهارته في رفع الحدث كالمستعمل في رفع الخبث. و بالجملة لو لا مخافة مخالفة الإجماع كان التوفيق بين ما دل على الانفعال خصوصا أو عموما منطوقا أو مفهوما و بين ما دل على عدم الانفعال كذلك. بحمل الأول على الانفعال بما يوجب الاجتناب عنه تنزيها و استحبابا أو اختيارا. و حمل الثاني على عدم انفعاله بما لا يجوز استعماله معه في رفع الحدث أو الخبث مطلقا و في مثل الشرب اختيارا بمكان من الإمكان لكونه من قبيل حمل الظاهر على النص أو الأظهر. و يشهد به بعض الاخبار و يؤيده اختلافها في تحديد الكرّية المانعة عن النجاسة اختلافا فاحشا لا تكاد ترتفع غائلته الا بان ذلك لتفاوت مراتب النجاسة و الطهارة. و اختلاف مراتب كثرة الماء و منع كل مرتبة منها عن الانفعال بمرتبة من النجاسة كما مرت إليه الإشارة. ثمَّ ان وجه تخصيص الحكم بأنه ينجس بملاقاة عين النجاسة انه لا إجماع على الانفعال‌

13

بملاقاة المتنجس. و لا خبر دل عليه خصوصا أو عموما منطوقا أو مفهوما لاختصاص الأخبار الخاصة بعين النجاسة و انسباقها من الشي‌ء في الاخبار العامة. كما ادعى في خبر خلق اللّه الماء فلا يوجب تغيره بالمتنجس نجاسته.

و لا أقل انه القدر المتيقن منه و لو سلم شمول المنطوق له فلا عموم في المفهوم فان الظاهر ان يكون مثل إذا بلغ الماء لتعليق العموم لا لتعليق كل فرد من افراد العام فيكون مفهومه إيجابا جزئيا و نجاسته لشي‌ء و المتيقن منه عين النجاسة لا إيجابا كليا و نجاسته بكل نجس أو متنجس. و لو سلم عدم ظهوره في تعليق العموم فلا ظهور له في تعليق افراد العام فلا يكون دليلا على الانفعال الا بعين النجاسة. فيكون عموم خلق اللّه مرجعا و دليلا على الطهارة مضافا الى استصحابها و قاعدتها كما لا يخفى. و يطهر على تقدير نجاسته بالملاقاة بامتزاجه بالكرّ و غيره مما يعتصم كالجاري و نحوه إجماعا‌

الثالث ماء البئر

و هي واضحة عرفا مفهوما و مصداقا. و ما اشتبه انه منها يمكن القول بعدم انفعال القليل منه بملاقاة النجاسة. و لو قيل به في البئر بدعوى عدم شمول أدلة انفعال القليل له لأجل كون المنصرف من الماء فيها أو المتيقن منه هو غير ذي المادة. و لو سلم شمولها له لكان خلق اللّه الماء إلخ. في شموله أظهر من شمولها له فلا يخصص بها و ان كانت أخص كما لا يخفى و حكمه انه ان تغير بوقوع النجاسة فيه نجس نصا و فتوى و يطهر بزوال التغيير بالنزح أو بنفسه مع امتزاجه بما ينبع جديدا من المادة. لما عرفت في تطهير غيره و لما في صحيحة بن بزيع الاتية و الا يتغير فهو على أصل الطهارة لأصالتها و عموم خلق اللّه إلخ و خصوص صحيح ابن بزيع ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء الا ان يتغير فينزح حتى يذهب اللون و يطيب الطعم إلخ. و صحيحة على بن جعفر عن أخيه عن ماء بئر وقع فيه زنبيل من عذرة يابسة أو رطبة أو زنبيل من سرقين أ يصلح الوضوء منه قال لا بأس. و صحيحة معاوية بن عمار لا يغسل الثوب و لا تعاد‌

14

الصلاة مما يقع في البئر الا ان تنتن و صحيحته الأخرى في فارة تقع في البئر فتوضأ منه و صلى و هو لا يعلم أ يعيد صلوته و يغسل ثوبه قال لا يعيد صلوته و لا يغسل ثوبه الى غير ذلك من الاخبار الظاهرة في عدم الانفعال و فيها الصحاح. و لا يعارضها ما دل على ان النزح لا بد منه بعد وقوع النجاسة فيه ليطهره ضرورة ان ظهورها في انفعاله بحيث لا يجوز استعماله في ما يعتبر فيه الطهارة ليس بمثابة تلك الأخبار فإنها ان لم تكن نصّا في عدم انفعاله كذلك لكانت أظهر منه في الانفعال كذلك فان الحكم فيها بعدم إعادة الصلاة و عدم غسل الثوب عما يقع فيه من النجاسة لا يكاد يكون الا لعدم انفعاله بوقوعها بخلاف مثل قوله (عليه السلام). يجزيك ان ينزح منها دلاء. فان ذلك يطهره في جواب السؤال عن البئر تقع فيه الحمامة أو الدجاجة أو الفأرة أو الكلب. ضرورة انه يمكن ان يكون المراد التطهير مما يستقذره بوقوع أحدها طبعا أو عن مرتبة من النجاسة غير مانعة عن استعماله الا تنزيها بل لا محيص عن ذلك و الا لكان الواجب الاستفصال عن ان غير الكلب خرج حيا أو ميتا كما هو واضح.

هذا مضافا الى شهادة ما في اخبار المنزوحات من الاختلاف زيادة و نقيصة في شي‌ء واحد على عدم وجوب النزح. و انه على نحو الاستحباب لرفع القذارة طبعا أو لرفع مرتبته منها شرعا فيوفق بين الخبرين المختلفين في شي‌ء واحد بان يحمل ما دل على نزح الكثير. على انه لرفع تمام ما حدث من المرتبة و ما دل على القليل على انه لرفع بعض مراتبه تأمل تجد فيها شواهد على ما قلناه و مع ذلك جماعة من أصحابنا حكموا بنجاستها بوقوع النجاسة فيها و ان لم يتغير مائها و قد عرفت عدم نجاستها و أوجبوا نزح الجميع بوقوع المسكر و لا وجه له في غير الخمر منه عدا ما دل على تنزيله منزلتها. و قد ورد فيها نزح الجميع مع وضوح انه في خصوص حرمتها. و قد ورد نزح عشرين فيها أيضا و ثلثين في المسكر أو بوقوع الفقاع و لا وجه له‌

15

أيضا إلا ما ورد انه خمر. و قد عرفت انه ظاهر الاختصاص بالحرمة أو يقال بنزح الجميع فيما لا نص فيه أو بوقوع المني أو دم الحيض أو الاستحاضة أو النفاس فيها لما عن السرائر و الغنية من الإجماع عليه و لولاه لكان اللازم الأخذ في الدماء الثلاثة بما ورد في قليل الدم و كثيره. و دعوى الانصراف الى غيرها مجازفة أو موت بعير فيها بلا خلاف. بل عن محكي السرائر و الغنية الإجماع عليه و في رواية ابن سنان ان مات فيها ثور و نحوه نزح كله و ان تعذر نزح الجميع لغلبة الماء و لو بتجدد النبع تراوح أربعة رجال عليها مثنى يوما لما في خبر عمار: فان غلب الماء فلينزف يوما الى الليل ثمَّ بقام عليها قوم يتراوحون اثنين اثنين فينزفون يوما الى الليل و قد طهرت. و الظاهر عدم البأس بالاشتغال بالمقدمات القريبة في اليوم مثل شد الدلو بالحبل و إرساله و نحوهما. و عدم لزوم تهيئتها قبله لصدق التراوح يوما معه عرفا و نزح كرّ لموت الحمار لما في رواية عمر بن سعيد بن هلال قال سئلت أبا جعفر (عليه السلام). عما يقع في البئر ما بين الفارة و السنور إلى الشاة كل ذلك يقول سبع قال حتى بلغت الحمار فقال كرّ من ماء البئر و لموت البقر و شبههما و لعله لما ربما يستفاد من رواية سعيد من ان المراد من الحمار أمثاله مما كان قريبا من جثته و نزح سبعين لموت الإنسان لخبر عمار الساباطي عن الصادق (عليه السلام). إذ قال فيه و ما سوى ذلك مما يقع في البئر فيموت فأكبره الإنسان ينزح منها سبعون و اقله العصفور ينزح منها دلو و ما سوى ذلك فيما بين هذين و عن الغنية دعوى الإجماع عليه و ظاهر لفظ الإنسان يعم الصغير و الأنثى بلا خلاف. و كذا الكافر كما هو المشهور فاذا دل الخبر بإطلاقه على ان الكافر إذا وقع فيها حيا فمات لم يوجب الا نزح سبعين. فقد دل على كفاية ذلك إذا خرج حيا بالفحوى ضرورة انه لو لم يوجب بموته شيئا آخر لما أوجب نقصا كما لا يخفى. قيل ببقاء نجاسة الكفر به حال موته أو ارتفاعها و عروض النجاسة بالموت و احتمال ان‌

16

السبعين انما كانت واجبة من حيث نجاسته بالموت لا من حيث نجاسة كفره في غير محله فان الحكم من جهة دون اخرى انما يصح فيما أمكن الانفكاك بينهما. و لا يمكن بينهما في مورد الرواية. نعم لو لم يكن لوقوعه حيا دخل في الحكم بنزحها بل كان تمام السبب له هو ملاقاته ميتا كما انه ليس ببعيد كله كان للاحتمال مجال فتأمل جيدا و نزح خمسين للعذرة الذائبة على المشهور و لا شاهد له من الاخبار الا رواية أبي بصير.

سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العذرة تقع في البئر قال (عليه السلام):

ينزح منها عشرة دلاء فان ذابت فأربعون أو خمسون. بناء على كون الترديد من الراوي. و الاستصحاب يقتضي الأخذ بأكثر الاحتمالين قيل بوجوب النزح أو الاستحباب لكن الظاهر ان لفظ أربعون أو خمسون من الامام (عليه السلام) فيكون تخييرا بين الأقل و الأكثر الأفضل. ثمَّ ان الظاهر ان تكون العذرة خصوص عذرة الإنسان لكونها حقيقة فيها أو للانصراف أو المتيقن من إطلاقها و كذا خمسين في الدم الكثير غير دماء الثلاثة على المشهور بل عن الغنية الإجماع عليه فان تمَّ و الا فليس في الاخبار أثر. و في صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) إشعار بأن فيه نزح ما بين ثلاثين إلى أربعين كما عن الشيخ في الاستبصار و الفاضلين في بعض كتبهما و غيرهم العمل به. و الحكم بالتخيير بين الثلاثين و الأربعين و ما بينهما. و قد تقدم الكلام في الدماء الثلاثة و نزح أربعين لموت الكلب و السنور و الخنزير و الثعلب و الأرنب و بول الرجل لما عن المعتبر من كتاب الحسين بن سعيد عن القاسم عن على عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن السنور فقال أربعون و للكلب في شبهه. و قوله (عليه السلام) في خبر سماعه و ان كانت سنورا أو أكبر منها نزحت منها ثلاثون أو أربعون. و في خبر على السنور عشرون أو ثلاثون أو أربعون. و في بعض الاخبار في الكلب نزح دلاء. و في بعضها‌

17

لنزح الكل الى غير ذلك من الاخبار الدالة على غير ذلك. و لما في خبر على بن حمزة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) من نزح أربعين في بول الرجل.

و قد ورد في البول نزح دلاء و نزح الكل و نزح ثلاثين. و لا يخفى ان في اختلاف الاخبار في النزح دلالة واضحة على ان ذلك لتفاوت مراتب الدناسة و النجاسة و كذا مراتب النزاهة و الطهارة و كذا نزح عشرة للعذرة اليابسة و الدم القليل لرواية أبي بصير المتقدمة في العذرة. و ليس في الاخبار في الدم القليل على اختلافها في إطلاق الدلاء أو توصيفها باليسيرة أو تحديدها بالثلاثين خبر دل على تعيين العشرة أصلا الا ان تعينها مشهور بل و قد نقل عليه الإجماع و نزح سبع لموت الطير و الفأرة إذا تفسخت أو انتفخت و بول الصبي و اغتال الجنب و خروج الكلب منها حيا بغير واحد من الاخبار على السبع في الطير و الفارة كما ان تقييد الفارة بالتفسخ في غير واحد منها و ليس في الاخبار الدالة على السبع فيها تقييدها بالانتفاخ. و انما التقييد به من جماعة. و لما في رواية منصور بن حازم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال ينزح سبع دلاء إذا بال فيه الصبي إلخ.

و لكن في صحيحة معاوية نزح الكل و لرواية أبي بصير عن الرجل يدخل في البئر فيغتسل منها قال ينزح سبع دلاء. و صحيحة ابن مسلم إذا دخل الجنب البئر ينزح منها سبع دلاء و لرواية أبي مريم عن ابى جعفر (عليه السلام) إذا مات الكلب في البئر نزحت و قال إذا وقع فيها ثمَّ خرج حيا نزحت سبع دلاء و نزح خمس لذرق الدجاج الجلال لعدم نجاسة ذرق غيره و لم نعثر على دليل الا ان الإجماع على عدم وجوب الزائد على الخمس على ما قيل أوجب الاقتصار عليها و لو قيل بغيرها في ما لا نص فيه. و نزح ثلاث دلاء للفأرة و الحية لما في صحيحة معاوية بن عمار من نزح ثلاث دلاء للفأرة و الوزغة. و لرواية الحلبي إذا مات في البئر حيوان صغير فانزح دلاء و لكن في رواية ابن سنان للدابة الصغيرة سبع و ان‌

18

كانت غير معمول بها فلتعمل على الاستحباب أو على زيادته و نزح دلو للعصفور و شبهه و بول الرضيع لرواية عمار أقل ما يقع في البئر فيموت فيه العصفور ينزح له دلو واحد. و لرواية على بن حمزة عن بول الصبي الفطيم قال ينزح له دلو واحد بناء على كون الفطيم يعبر به في الاخبار عن الرضيع كما عن محكي المهذب البارع و عندي ان ذلك كله مستحب و لو من باب التسامح في أدلة الاستحباب بناء على الاكتفاء فيه بنقل الإجماع و الشهرة و الا ففيما لا خبر و لا إجماع محقق لا استحباب الا من باب الاحتياط و ذلك لما عرفت ان قضية التوفيق بين الاخبار هو حمل الأخبار الدالة على وجوب النزح على الاستحباب. و انه انما كان لرفع الاستقذار طبعا كما يشهد به الأمر به لوقوع ما ليس بنجس قطعا و الجمع بينه و بين النجس في مقدار النزح أو لرفع النجاسة بمرتبة لا تكون مانعة عن الاستعمال في ما يعتبر فيه الطهارة إلا تنزيها كما يشهد به إطلاق التطهير عليه في بعضها فتأمل جيدا.

الرابع أسئار الحيوان

و هي جمع سئور و هو لغة كما عن جماعة البقية من كل شي‌ء و المراد هاهنا خصوص الماء الملاقي لجسم حيوان و كلها طاهرة إلّا سوء الكلب و الخنزير و الكافر إذا كان قليلا على المشهور من انفعال القليل حيث لا دليل على نجاسة سوءها الا الدليل على انفعال القليل. هذه تمام أقسام لماء المطلق‌

و اما المضاف

و هو المعتصر من الأجسام أو المحصل بالتصعيد أو الممتزج بها مزجا يسلبه الإطلاق بشرط صحة إطلاق الماء عليه مجازا لعلاقة المشابهة فخرج ما لا يصح إطلاقه عليه كذلك و ان أطلق عليه أحيانا مبالغة في ميعانه و المصعد كماء الورد و الممتزج كماء المرق فينجس بكل ما يقع فيه أو يلاقيه من النجاسة أو المتنجس بها سواء كان الماء المضاف قليلا أو كثيرا و لا يجوز رفع الحدث به مطلقا و لا حكمه من مثل من به السلس أو المستحاضة بلا‌

19

خلاف بين الطائفة كما عن المبسوط. و بين المحصلين كما عن السرائر و لا ينافيه ما عن بعض أصحاب الحديث منا من جواز الوضوء و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد لاحتمال ان يكون هذا منه لأجل منع كون خروج الماء عن الإطلاق بالتصعيد أو باكتساب ريح الورد بل عليه الإجماع. هذا مضافا الى عدم دليل على رفع الحدث أو حكمه به و الأصل بقائه و لا يجوز ازالة الخبث به و ان كان طاهرا على المشهور للأصل و لا دليل على خلافه سوى دعوى إطلاقات الغسل و ان الأصل جواز الإزالة بكل مزيل و خبر غياث الدال على عدم البأس بغسل الدم بالبصاق. و الإطلاق منصرف الى ما هو المتعارف من الغسل بالماء و لا أقل من انه القدر المتيقن منه و الأصل و ان كان جواز الغسل تكليفا الا انه لا يكاد يفيد إذا كان الأصل عدم جوازه وضعا لعدم دليل على ان غير الماء مزيل شرعا. و خبر غياث مع ضعفه متروك قطعا‌

و هاهنا مسائل

الأولى الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر طاهر

قطعا ضرورة من المذهب و مطهر للحدث و الخبث إجماعا و المستعمل في الأكبر طاهر بلا خلاف بل إجماعا و كذا مطهر للخبث كذلك و لا يرفع به الحدث على الأحوط لما في رواية عبد اللّه بن سنان: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضأ منه و أشباهه إلخ. و غيرها مما دل على النهى عن الاغتسال بغسالة الحمام معللا باغتسال الجنب الا انه من القريب جدا ان يكون المنع عن التوضي بماء الغسل في الرواية و عن الاغتسال بغسالة الحمام في غيرها انما كان لأجل تلوث بدن الجنب بالنجاسة. فإن الغالب إزالتها عند الغسل بخلاف الوضوء في الإناء النظيف فيكون مقابلة ماء الوضوء له في الرواية من حيث النظافة و عدمها لا من حيث الاستعمال في رفع الحدث الأصغر و الأكبر. و لو شك في جهة النهي فقضية الإطلاقات هو الرفع و لو منع عن صحة‌

20

الاستناد إليها فاستصحاب جواز استعماله في رفع الحدث و كونه طهورا محكم فالرفع ليس ببعيد. و ان كان عدمه أحوط‌

الثانية الماء المستعمل في إزالة النجاسة نجس

سواء تغير بالنجاسة أو لم يتغير في الغسلة المزيلة للعين اى عين النجاسة لملاقاته لها. و قد عرفت انفعال القليل بملاقاتها و لو لم يتغير بها و في غيرها على الأحوط الأولى لما عرفت من عدم دليل على الانفعال بملاقاة المتنجس. مع إمكان ان يقال كما قيل بعدم الانفعال في الغسالة و لو قيل به بملاقاته مطلقا أو في خصوص الغسلة المطهرة بدعوى اختصاص عموم دليل الانفعال بانفعاله بما يكون نجسا حين ملاقاته أو بما يكون غير متأثر من ملاقاته لا ما يكون الملاقاة مؤثرا في طهارته و لا يهمنا اطناب الكلام في المقام كما صدر من غير واحد من الاعلام بعد ما عرفت من عدم الدليل على انفعال القليل بالمتنجس بل الدليل على عدم الانفعال به. ثمَّ انه لا إشكال في عدم كون المستعمل في إزالة الخبث مزيلا للحدث على القول بانفعاله. و اما على القول بعدم الانفعال ففيه اشكال و ان قيل ان المعروف بين الأصحاب و عن المعتبر و المنتهى الإجماع عليه و عن محكي المعالم دعوى الإجماع على عدم ارتفاع الحدث بماء الاستنجاء.

فالمقام كما قيل أولى إذ لعله لمعروفية القول بالانفعال و معه لا وثوق بدعوى الإجماع كما لا يخفى. و منه ظهر حال دعوى الإجماع في ماء الاستنجاء لاحتمال ان يكون مع انفعاله عفوا لا طاهرا. مع انه لو سلم فلا يكون المقام أولى إذ لعله لملاقاته لعين النجاسة و المخالطة معها. و ربما استدل عليه برواية عبد اللّه بن سنان المتقدمة. و قد عرفت الإشكال في دلالتها مع ان الغالب في الثوب النجس كون عين النجاسة فيه فالماء الذي يغسل به ينفعل بملاقاته فلا يجوز استعماله في رفع الحدث و حكمه لذلك و مع ذلك الاحتياط عدم استعماله في رفع الحدث و حكمه ثمَّ ان الحكم بانفعال الماء المستعمل في الغسلة المزيلة انما يكون في ما عدا ماء الاستنجاء فإنه‌

21

لا بأس به كما عن بعض. و معفو عنه كما عن المنتهى. و لا ينجس الثوب و البدن كما عن المقنعة. بل هو طاهر كما في الشرائع. و عن القواعد و اشتهر بين المتأخرين. و قد نقل عليه الإجماع عن غير واحد. و دل عليه الاخبار الدالة على نفي البأس بوقوع الثوب فيه و عدم تنجسه به بملازمة ذلك عرفا لطهارته و مساوقة عدم التنجس به مع طهارته. و عدم انسباق العفو في الأذهان مع نجاسته فيخصص بها دليل انفعال القليل مضافا الى ما عرفت من عدم ثبوت العموم في المفهوم و ليس مفاده الا انفعاله بملاقاة النجس في الجملة و المتيقن منه غير المقام. و لكنه بشرط عدم التغير بتمامه أو بغالبه لا بما لا بد منه غالبا. و ذلك الانفعال متغيرة كذلك إجماعا مضافا الى عموم دليل انفعال المتغير بالنجاسة بلا مخصص. فإن إطلاق أخبار الباب لا يعم هذه الصورة فإنها نادرة و لو سلم عمومه لها كان إطلاق دليل انفعال المتغير أظهر في الشمول لها من إطلاقها كما لا يخفى. و كذا بشرط عدم التعدي للنجاسة بما هو خارج عن المتعارف المعتاد بخروجه بذلك عن ماء الاستنجاء المحض و مخالطته لغيره بخروج المستعمل في إزالة الخبث من غير موضع المعتاد عن ماء الاستنجاء و عدم شمول إطلاق الاخبار له فيكون شمول دليل الانفعال بالنجاسة له كشموله بغيره بلا تفاوت أصلا و إطلاق الاخبار لا يشمله لما عرفت من خروجه من ماء الاستنجاء و ان كان مخلوطا به أحيانا‌

الثالثة غسالة الحمام طاهرة

إلا إذا علم ملاقاتها لعين النجاسة لعدم دليل على نجاستها في غير هذه الصورة و لا دليل على اعتبار الظن بملاقاتها لها لكونها معرضا لذلك و قد ورد فيها مثل مرسلة الواسطي عن بعض أصحابنا عن ابى الحسن (عليه السلام) انه سئل عن مجمع الماء في الحمام من غسالة الناس قال لا بأس‌

الرابعة الماء النجس لا يجوز استعماله في الطهارة

و ازالة الحدث مطلقا و حكمه و لا في إزالة النجاسة و لا في الشرب إجماعا إلا مع الضرورة إلى شربه فيجوز

22

الشرب منه حينئذ بل ربما يجب لحفظ النفس عن الهلاك أو ما بحكمه بدونه.

الباب الثاني في الوضوء

و فيه فصول

الفصل الأول في موجبه خاصة

لا ما يوجبه مع الغسل وجوبا أو استحبابا على القولين و لذلك انما يجب بالستة لا بغيرها و الظاهر ان كونها موجبة انما هو بلحاظ ان الإنسان قبل التكليف بل قبل التمييز يحدث منه جلها لو لا كلها فإطلاق الموجب أو السبب عليها بهذا اللحاظ لا دلالة له أصلا على انه لو فرض مكلف لم يحدث منه حدث لم يجب عليه الوضوء و جاز له الدخول في الصلاة فالحدث أمر وجودي و الطهارة عدمه عمن من شأنه وجوده فيه كما افاده شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه. و كيف تكون الطهارة أمرا عدميا و هو نور و قابل للاشتداد كما دل عليه ما ورد في الوضوء التجديدي انه نور على نور و النور أمر وجودي يقوى و يضعف. فالظاهر ان التقابل بين الحدث و الطهارة تقابل الضدين لا ثالث لهما بحسب حال المكلف خارجا لا يكاد يخلو من كليهما و ان كان يمكن خلوه فرضا كما يمكن خلو الإنسان منها خارجا. و لا دلالة لتفسير الحدث بالحالة المانعة الا على كونه وجوديا لا على كون الطهارة أمرا عدميا. و كيف كان فالمهم تفصيل الستة الموجبة له. الاثنان منها يجب بخروج البول و الغائط من الموضع المعتاد أصلا أو عارضا أو من غير المعتاد إذا خرج على حسب خروجه من المعتاد و ان لم ينسد المعتاد و لم يصر بمعتاد و ذلك مضافا الى إطلاقات الحسن كالصحيح عن علل الفضل عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام): انما وجب الوضوء مما يخرج من الطرفين خاصة و من النوم دون سائر الأشياء لأن الطرفين هما طريق النجاسة و ليس للإنسان طريق تصيبه النجاسة من نفسه الا منهما فأمروا بالطهارة عند ما يصيبهم تلك النجاسة من أنفسهم. فإن الظاهر من قوله فأمروا بالطهارة ان الموجب انما هو إصابة النجاسة التي كان طريق اصابتها المعتاد هو الطرفان من دون اعتبار كون الإصابة منهما كما لا يخفى. و انما اعتبرنا‌

23

ان يكون خروجه على حسب الخروج من المعتاد كما ذا خرج من ثقب بعلاج لانصراف الإطلاقات و كذا إطلاق الإصابة عما إذا لم يكن كذلك لا أقل من كون غيره متيقنا و الثالث خروج الريح الخارج من المعتاد و لو عارضا لأنه المنصرف إليه إطلاق الريح في خبر زكريا بن آدم و إطلاق ما يخرج و خرج في غير واحد من الاخبار فلا عبرة بالريح الخارج من القبل اى قبل المرية قطعا لكونه غير معتاد له أصلا نعم لو حدث فيه طريق الى مخرجه المعتاد فخرج منه حسب خروجه من المعتاد لا يبعد كونه ناقضا و الرابع النوم الغالب على السمع و البصر نوعا إذ لا يبعد دعوى ان غير الغالب على الحاستين ليس بنوم حقيقة و ان أطلق عليه أو على ما يعمهما مجازا لعلاقة المشارفة أو غيرها فيكون وصفا توضيحيا دفعا لتوهم العموم.

و ان أبيت فقد قيد في صحيحة زرارة بنوم العين و الاذن و القلب و في موثقة ابن بكير بعدم سماع الصوت. و في صحيحة أخرى لزرارة و غيرها بذهاب العقل. و إذهاب العقل لا يكون إلا بالغلبة على الحاستين و الخامس ما في معناه اى النوم و هو كلما أزال العقل أو غطاه و قد نقل عليه الإجماع من غير واحد. و عن بعض انه من دين الإمامية و عن أخر ان عليه إجماع المسلمين و ربما يشعر به ما قيد فيه النوم بإذهابه العقل في اخباره أو يدل بناء على ان المفهوم منه عرفا ان إذهاب العقل هو الملاك لنا قضيته من دون دخل بخصوصية فتأمل. و السادس الاستحاضة القليلة الدم للأخبار المستفيضة الدالة على انها غير موجبة لغيره فلا يعبأ بخلاف العماني في انها لا يوجب شيئا و لا بخلاف الإسكافي في أنها توجب غسلا في اليوم و الليلة حسبما حكى عنهما و اعلم انه يستفاد من الاخبار حصر الموجبات له في الستة و انه لا يجب مطلقا بغير ذلك من وذي و مذي و ودى و دم غير دماء الثلاثة و غيرها مما يخرج من احد السبيلين غير ما ذكر أو لا يجب وحده بل مع الغسل كما في الدماء الثلاثة غير القليلة من الاستحاضة‌

24

الفصل الثاني في آداب الخلوة

و هي ثلاثة الأول انه يجب في حال التخلي كما في غيره ستر العورة على طالب الحدث عن الناظر المحترم عدا الزوج و الزوجة و المولى و أمته التي جاز له الاستمتاع منها إجماعا كتابا و سنة. قال اللّه تبارك و تعالى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ الى أخرها.

و قد فسر حفظ الفرج بحفظه من النظر اليه و في صحيحة حريز لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه و غيرها من الاخبار الناهية من دخول الحمام بلا ميزر. ثمَّ ان العورة هو خصوص القبل و الدبر لما في مرسلة أبي يحيى و الواسطي العورة عورتان القبل و الدبر. و الدبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة. و في بعض الاخبار دلالة على عدم كون الفخذ منها و الاخبار الدالة على خلاف ذلك محمول على استحباب الستر أو كراهة الكشف. كما ان سترها هو حفظها عن خصوص النظر الى بشرتها لأنه المنصرف من سترها فلا يحرم النظر الى حجمها من وراء ثوب رقيق يحكي الحجم و ان كان الأحوط تركه. ثمَّ انه قيل لا يعتبر في الناظر البلوغ لإطلاق آية الحفظ و رواية لعن المنظور اليه. و مرفوعة سهل بن زياد: لا يدخل الرجل مع أبيه في الحمام فينظر الى عورته. و مرسلة محمد بن جعفر عن بعض رجاله عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يدخل الرجل مع أبيه في الحمام. و قال ليس للوالد أن ينظر إلى عورة الولد و ليس للولد ان ينظر إلى عورة الوالد. و قال لعن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). الناظر و المنظور إليه في الحمام بلا ميزر. قلت لا يخفى انه لا إطلاق في الآية فإن الظاهر ان الحفظ انما يجب عمن يجب عليه الغض و لا في الرواية لوضوح ان المراد لعن المنظور اليه بنظر من يجب عليه الحفظ عن النظر اليه لا مطلق المنظور اليه و المرفوعة المرسلة ظاهرتان في الآداب فلا حاجة معه بتخصيص الابن بالمميز مع ما هما عليه من الضعف بلا جابر و الثاني انه يحرم عليه استقبال القبلة عينا و جهة بمقاديم بدنه‌

25

و استدبارها بها كذلك في الصحاري و البنيان لإطلاق الاخبار و عن بعض الأصحاب المحرم هو الاستقبال بالفرج دون المقاديم فلو استقبل و حرفه لم يكن عليه بأس و قد علل بأنه المفهوم من قوله (صلى اللّه عليه و آله) لا يستقبل القبلة ببول و لا غائط. و فيه ان الظاهر ان الباء هاهنا ليس باء التعدية بل بمعنى في أي لا يستقبل في حال البول كما يشهد به خلو سائر الاخبار عنها. و ربما قيل بان الاستقبال بالعورة كالاستقبال بالمقاديم في الحرمة لفهمه من فحوى الأدلة فإن منافات الاستقبال بالعورة للتعظيم ما هو أعظم من الاستقبال بالمقاديم و فيه ما لا يخفى. و الثاني انه يستحب له أمور أحدها تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء و اليمنى عند الخروج و لا حجة على استحبابه من الاخبار الا ذكر الشيخ و بعض الأصحاب على ما عن المحقق في المعتبر الاعتراف به و لو لا شمول أدلة التسامح لمثل ذلك لا وجه أصلا للفتوى بالاستحباب كما لا يخفى. و ثانيها تغطية الرأس اتفاقا كما عن غير واحد و في مرسلة الفقيه كان الصادق (عليه السلام). إذا دخل الخلاء يقنع رأسه و يقول في نفسه بسم اللّه و باللّه و لا إله إلا اللّه ربي اخرج عني الأذى سرحا بغير حساب و اجعلني لك من الشاكرين إلخ و ثالثها التسمية للاتفاق كما قيل و لما في المرسلة السابقة و رابعها الاستبراء من البول و الفتاوى كالاخبار في كيفيته مختلفة و يمكن ان يكون ذلك من جهة ان كل واحد منها مستحب بمرتبة من الاستحباب و يمكن ان يكون لأجل ان المستحب هو الاستظهار بحيث يقطع بعدم تخلف شي‌ء من اجزاء البول في المخرج و ذلك يختلف باختلاف الأشخاص و المحال و كيف كان فالظاهر الاكتفاء فيه بما ورد في صحيح محمد بن مسلم و هو أصح ما ورد فيه كما قيل قال. قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل بال و لم يكن معه ماء قال يعصر أصل ذكره الى طرفه ثلاث عصرات و ينتره و خامسها الدعاء عند الدخول و الخروج و الاستنجاء

26

و الفراغ بالمأثور و سادسها الجمع بين الأحجار و الماء لما في مرسلة ابن عيسى.

جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار و يتبع بالماء. و لما عن الجمهور عن على (عليه السلام) انكم كنتم تبعرون بعرا و اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الأحجار و الثالث انه يكره عليه أيضا أمور منها الجلوس للبول أو الغائط في الشوارع و هي الطرق النافذة و المشارع و هي موارد الماء في نهر أو غيره و تحت الأشجار المثمرة و في‌ء النزال لصحيح عاصم عن السجاد و موضع اللعن (عليه السلام). في جواب من سئله أين يتوضأ الغرباء فقال: يتقى شطوط الأنهار و الطرق النافذة و تحت الأشجار المثمرة و مواضع اللعن قيل اين مواضع اللعن. قال أبواب الدور. قول ابي عبد اللّه (عليه السلام). في مرفوعة على بن إبراهيم اجتنب أفنية المساجد و شطوط الأنهار و مساقط الاثمار و منازل النزال و غير ذلك من الاخبار و منها استقبال قرصي الشمس و القمر بمقاديم بدنه أو بفرجه للمرسل لا يستقبل الشمس و لا القمر و في رواية السكوني نهى النبي (صلى اللّه عليه و آله). ان يستقبل الرجل الشمس و القمر بفرجه و في حسنة الكاهلي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام). انه قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يبولن أحدكم و فرجه باد للشمس و القمر يستقبل و منها البول في الأرض الصلبة لرواية عبد اللّه بن مسكان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أشد الناس توقيا عن البول كان إذا أراد البول يعمد الى مكان مرتفع من الأرض أو مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية ان ينضح عليه البول و منها البول في مواطن الهوام و في الماء لغير واحد من الاخبار المشتملة على النهى عن البول في الماء مع التعليل في بعضها بان للماء أهلا و منها استقبال الريح به و لعل الوجه خوف ان ينضح عليه البول و منها الأكل و الشرب و لا دليل على الكراهة إلا الرواية الحاكية لوجدان الامام للقمة خبز في الخلاء. و لا دلالة لها على الكراهة لأكل الخبز و لو سلم فلا دلالة أصلا على كراهة غير اكله لاحتمال‌

27

الخصوصية في أكله كما لا يخفى و منها السواك للمرسلة عن الفقيه: ان السواك في الخلاء يوجب البخر و منها الكلام الا بذكر اللّه تعالى أو للضرورة للنهى عن الكلام في غير واحد من الاخبار و دلالة غير واحد منها على ان ذكره تعالى حسن على كل حال و منها الاستنجاء باليمين و باليسار و فيها خاتم فيه اسم اللّه تعالى أو أحد أنبيائه أو الأئمة (عليهم السلام) لما في غير واحد من الأخبار أن الاستنجاء باليمين من الجفاء و كذا في غير واحد منها الأمر بتحويل الخاتم الذي فيه اسم اللّه من اليد التي يستنجي بها أو النهي عن الاستنجاء بها و وجه إلحاق اسم الأنبياء أو أحد الأئمة لضرورة ان في ذلك نحو اهانة لا ينبغي صدورها بالنسبة إلى حضراتهم و اعلم انه يجب عليه أي المتخلي وجوبا شرطيا الاستنجاء إذا وجب عليه المشروط بطهارة بدنه كالصلاة و هو شرعا غسل مخرج البول بالماء خاصة لما في صحيحة زرارة و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار و اما البول فلا بد من غسله بالماء. و قد اختلف الأصحاب في أقل ما يجزى من الماء في طهارته. و قضية الأصل و إطلاق دليل اعتبار مرتين في غسل البول بغير الجاري هو أقل ما يمكن به غسل مخرجه مرتين و لعلهما المراد من قوله (عليه السلام) في رواية نشيط بن صالح: مثلا ما على الحشفة من البلل. في جواب سؤال الراوي: كم يجزى من الماء في الاستنجاء من البول. بان يكون البلل كناية عن القطرة العالقة بها التي ينقطع عنها بنفسها أو بعلاج لا الرطوبة التي هي عرض كما هو واضح و لا الاجزاء اللطيفة المائية التي يعبر عنها بالرطوبة و يكون المثلان كناية عن المرتين لكفاية المثل بمعنى القطرة في الغسل مرة لكن الإنصاف ان الرواية لا تخلو عن إجمال فالمستند في اعتبار المرتين هو ما أشرنا اليه و كذا غسل مخرج الغائط بالماء خاصة مع التعدي على الأحوط و ان كان الأقوى كفاية الأحجار في المخرج و انما يجب غسل خصوص الموضع المتعدى اليه و ذلك لإطلاق دليل الأحجار و لا وجه لدعوى الانصراف‌

28

إلى صورة عدم التعدي لعدم ندرة صورة التعدي في غالب الأشخاص و عدم كفايتها في تطهير الموضع المتعدى اليه انما هو لكون تطهيره خارجا عن الاستنجاء و للإجماع عن غير واحد على انه لا يجزى في الصورة غير الماء فان المتيقن من الإجماع لو تمَّ هو عدم اجزاء غير الماء في إزالة النجاسة بتمامها و لا دلالة لمفهوم قوله يكفي ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة على أزيد من ذلك. و مع هذا عدم الاجتزاء في المخرج بغير الماء أحوط مع التعدي و اما بدونه يجزي ثلاثة أحجار طاهرة بلا اشكال و لا خلاف نصا و فتوى. ففي صحيحة زرارة يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار. و مثلها اخبار آخر في الدلالة عليه و في بعضها دلالة على ان مثلها في ذلك اى الاجزاء ثلاثة من كل جسم قالع كما هو المشهور و ان أثم باستعمال المحترم و الروث و العظم من تلك الأجسام كما يشهد به استثنائهم الثلاثة عما يجوز الاستنجاء به لكن الظاهر ان عدم جواز الاستنجاء بها انما كان تكليفا لا وضعا فإن العلة في رواية الليث المرادي سئلته عن استنجاء الرجل بالعظم و البعر و العود فقال اما العظم و الروث فطعام الجن و ذلك مما اشترطوا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). لا يقتضي الّا حرمة الاستنجاء أو كراهته لا عدم حصول الطهارة كما لا يخفى.

و قد انقدح من ذلك ان حرمة المحترم و ان كان مقتضيا لكون الاستنجاء به محرما الا انه لا يقتضي عدم حصول الطهارة بالاستنجاء به هذا. و لكن الاحتياط عدم الاجتزاء باستعمالها لاحتمال عدم حصول الطهارة بذلك كما هو صريح بعض الاخبار الضعيفة في العظم و الروث. ثمَّ الظاهر عدم كفاية حجر واحد ذي شعب ثلاث لظاهر الاخبار في اعتبار ثلاثة أحجار و هي غير الواحد ذي الشعب و ظهورها في اعتبارها أقوى من ظهور إطلاق بعض الاخبار في عدم التحديد للاستنجاء الا بنقاء مأثمه و إطلاق بعض اخبار الاستجمار كما لا يخفى.

الفصل الثالث في كيفيته

أي‌

29

أفعال الوضوء و شروطه‌

و يجب فيه سبعة أشياء

أحدها‌

النية و هي الداعي على إتيانه للّه تعالى

على الصحيح لا الصورة المخطرة المقارنة لغسل الوجه و المراد بالداعي هاهنا هو الإرادة المنبعثة عن تصوره بفوائده و مفاسد تركه و التصديق بذلك فالصورة المخطرة كسائر المبادي الاختيارية. و ان كانت لا بد منها عقلا في حدوثها كما لا يخفى. الا انها قبل العمل غالبا بمدة على اختلاف الاعمال فيها بوجوه لا تخفى. و هذه الإرادة المنبعثة منها القائمة بالنفس المحركة له نحو العمل لا تكاد تحدث ثانيا مقارنة له و ان تصورها ثانيا في هذا الحال لاستحالة حصول الحاصل.

فالنزاع في ان النية المعتبرة هل هي تلك الإرادة المنبعثة منها التي لا بد منها في كل فعل اختياري عبادة كان أو معاملة غاية الأمر أنه لا بد في العبادة ان تكون منبعثة عن داعي قربى الهى بخلاف المعاملة أو هو تصور العمل و إخطاره مضافا الى تلك الإرادة في العبادات. و لا دليل على اعتبار شي‌ء فيها غير ان يكون الداعي فيها امرا قريبا إليها و لذا ليس في الاخبار عين و لا اثر من النية فيها غير بيان كونها عبادة. و بالجملة لا دليل على اعتبار غير الداعي القربى في العبادات. و هو كما لا بد منه في الشروع و الابتداء لا بد من بقائه حقيقة إلى الختم و الانتهاء بأن يؤتى بكل جزء منه بذاك الداعي فلا يبقى مجال للاستدامة الحكمية أصلا.

ثمَّ الظاهر انه لا يعتبر في صحة الوضوء غير الداعي إلى إتيانه قريبا و للّه تعالى فيترتب عليه ما هو أثره من رفع الحدث في الرافع منه و الاستباحة في غيره. و لا قصد التوصل به الى المشروط به لأنه بنفسه راجح و عبادة فإنه نور و المجدد نور على نور كما في الاخبار. و ليست عباديته لأجل كونه مقدمة للعبادة كي لا يقع قربيا و عبادة الا إذا اتى بها بذلك القصد. نعم ربما لم ينهض دليل على انه يكون كذلك إلا إذا اتى به في وقت العبادة المشروطة به كالتيمم. و بالجملة قصد التوصل بمقدمة الواجب أو المستحب.

30

و ان كان موجبا لعباديتها و وقوعها قربيا الا انه لا يمكن ان يكون معتبرا في مقدميته و صحته كما لا يخفى. اللهم الا ان يكون الغرض من ذي المقدمة لا يحصل إلا بإتيانها قربيا بقصد التوسل بها اليه. لكنه لا يخفى ان اعتبار قصد القربة في الطهارات انما هو لاعتباره في صحتها قطعا بحيث لا يكون بدون ذلك مقدمة إجماعا فتأمل جيدا. ثمَّ انه لا يعتبر في صحته و لا في صحة غيره من العبادات قصد الوجه من الوجوب أو الندب توصيفا و لا غاية إذ لا وجه لاعتباره لا عقلا و لا شرعا لاستقلال العقل بكفاية قصد القربة المطلقة في صيرورته عبادة و ليس في الاخبار منه عين و لا اثر مع ان مثله لو كان لا محالة لبان لكثرة الابتلاء بالعبادات و شدة الاهتمام بها كما لا يخفى. نعم ربما لا بد من قصد في ما إذا لم يكن للمأمور به ما يشير اليه المكلف و يميزه عما عداه سواه‌

و ثانيها‌

غسل الوجه

إجماعا كتابا و سنة و هو لغة ما يواجه به و لم يثبت له حقيقة شرعية و لكن الواجب شرعا غسله هو ما من قصاص شعر الرأس و هو منتهى منابت الشعر في مقدم الرأس إلى طرف الذقن و هو مجمع اللحيين طولا و ما اشتملت عليه الإبهام و الوسطى عرضا من متناسب الأعضاء و ان لم يكن مستوى الخلقة بلا خلاف يعرف بل عليه الإجماع من الشيخ و السيدين و انه مذهب أهل البيت عن المعتبر و المنتهى. و انه القدر الذي غسله النبي و رواه المسلمون و الأصحاب عن الذكرى. و هو المستفاد مما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة. انه قال لأبي جعفر (عليه السلام) أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ الذي قال اللّه عز و جل فقال الوجه الذي قال اللّه و أمر اللّه عز و جل بغسله الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه ان زاد لم يؤجر و ان نقص اثم. ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما مرّت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه فقال الصدغ من الوجه فقال لا. و رواه الكليني‌

31

بزيادة لفظة السبابة مع الوسطى و عن مكاتبة مهران الى الرضا (عليه السلام).

قال كتبت الى الرضا (عليه السلام) اسئله عن حد الوجه فكتب من أول الشعر الى آخر الوجه و كذا الجبينين. فان المنساق عرفا من الصحيحة تحديد العرض بما أحاط به الإصبعان. و اشتمل عليه انفراجهما. و لا ينافي الإنفاق على التحديد بما هو المنساق من الصحيحة اختلافهم في دخول بعض المواضع و خروجه. فإنه ربما يكون للاشتباه في الاختيار أو لتفاوت التناسب بين الوجوه و الأصابع بما لا يخرجهما من التناسب بين الأعضاء أو للاختلاف في ما أريد مما اختلف في دخوله و خروجه فيكون النزاع لفظيا. و بالجملة لم يظهر خلاف بينهم في حكم ما اتفقوا على دخوله في الخبر أو خروجه عنه كما لم يظهر دخول الخارج قطعا أو خروج الداخل كذلك. و توهم ان النزعتين داخلتان في الحد مع خروجهما إجماعا فاسد فان التحديد انما هو لما اشتبه انه من الوجه فلا يعم ما هو خارج عنه قطعا كي يشكل به التحديد و يعدل عنه الى تحديد آخر و يدعي سلامة التحديد به عن القصور. و دلالة الصحيحة عليه في غاية الظهور و هو ان كلا من طول الوجه و عرضه هو ما دار عليه الإبهام و الوسطى كما عن شيخنا البهائي (قدس سره) مع غرابته بحسب فهم أهل العرف كما يشهد به انه خلاف ما فهمه الأصحاب بل لم يحمله احد منهم و عدم سلامته عن محذور خروج الداخل و دخول الخارج كما هو واضح لن له ادنى نظر و تأمل فتأمل. ثمَّ ان المشهور بين الأصحاب وجوب الابتداء من أعلى الوجه بل عليه دعوى الإجماع و يدل عليه ما عن البحار عن قرب الاسناد عن ابى حريز الرقاشي قلت لأبي الحسن (عليه السلام) موسى (عليه السلام): كيف أتوضأ قال: لا تعمق في الوضوء و لا تلطم وجهك لطما و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله. و ضعفه مجبور بالعمل و هو كما دل على وجوب الابتداء بالأعلى دل على انه لا بد ان يكون على النحو المعهود و المتعارف من الشيعة في زماننا‌

32

و في الأزمنة السابقة الصادق عليه انه الغسل من أعلى الوجه إلى أسفله. و هو ظاهر الوضوآت البيانية فلو عكس فابتدء بالأسفل أو ابتدء بالأعلى.

و لكن لم يأت بغسل باقي الوجه على الوجه المتعارف بان نكس فلم يجزه‌

و ثالثها‌

غسل اليدين

كتابا و سنة بلا خلاف بين المسلمين كما لا يكون خلاف معتد به بيننا في انه لا بد ان يكون من المرفقين إلى أطراف الأصابع و في انه لو عكس أو ابتدء بغسلهما و لم يغسل الباقي على ما هو المتعارف بيننا معاشر الشيعة بان نكس الغسل فيه أو في بعضه لم يجزه إجماعا و يدل عليه ما ورد في تفسير الآية. و في بيان وضوء النبي (صلى اللّه عليه و آله) من الاخبار ثمَّ الظاهر منها و معاقد الإجماعات وجوب غسل المرفقين أصالة لا مقدمة عليه كما لا يخفى. و لا ينافي ذلك فتوى جماعة من الأعاظم في الأقطع بعدم وجوب غسل طرف العضد.

لإمكان ان يكون المرفق عندهم منتهى الذراع أو مقدار المتداخل منه مع عظم العضد لا مجموع العظمين المتداخلين منهما. فاذا قطع سقط فرض الغسل بفوات المحل رأسا. و انما وجب غسل موضع تداخل العظمين في غير الأقطع لمكان كونه موضع جزء من الذراع لا لكونه موضعهما. ثمَّ انه لما كان المرفق غير مبين في الاخبار. و ليس ببين لاختلاف كلمات الأصحاب و اللغويين في بيان معناه كان المرجع هو الاحتياط عقلا لما حققناه في الأصول في انه المرجع في المركب الارتباطي لو لا شمول مثل حديث الرفع له و شرحه لدليله في ما أجمل أو أهمل. و لو قيل بان الشرط هو الطهور الحاصل بسببه لا نفسه و لم نقل بأنه بنفسه شرط لسبب اثاره و انه الطهور المشروط به الصلاة و غيرها كما أطلق عليه في الرواية و أمر به في الآية لا بأثره‌

و رابعها كتابا و سنة‌

مسح بشرة مقدم الرأس أو شعره

بلا خلاف كما قيل للأخبار المستفيضة الدالة على ان المسح في مقدم الرأس المقيدة لما أطلق فيه مسح بعض الرأس. و لو لا عدم الخلاف في‌

33

المسئلة كان اللازم حمل التقييد على الاستحباب توفيقا بين اخباره و الاخبار المصرحة بجواز المسح على المؤخر و حملها على التقية مع إمكان الجمع بينها و بين ما يعارضها لا وجه له أصلا كما لا يخفى. ثمَّ ان ظاهر النصوص كبعض الفتوى. و ان كان وجوب مسح الناصية ففي صحيحة زرارة: ثمَّ تمسح ببلة يمناك ناصيتك. الا انه لا ينهض لتقييد إطلاق المقدم في غير واحد منها لقوة احتمال ان يكون التخصيص بالناصية لأجل ان الغالب مسحها أو لكون المسح عليها أفضل مع انه لم يعلم كونها غير المقدم كما عن البيضاوي تحديدها بربع الرأس و عن غيره تفسيرها بشعر مقدمه.

و كيف كان فالواجب ان يكون المسح بالبلل الباقي من الماء المستعمل وجوبا أو استحبابا في اليد أو في غيرها مطلقا كما هو قضية إطلاق مثل قوله (عليه السلام) في خبر على بن يقطين: و امسح بمقدم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك. أو إذا لم يبق في اليد نداوة. لتقييد الأخذ من غيرها في بعض الاخبار و بعض الفتاوى و حيث كان كل من الإطلاق و التقييد يمكن ان يكون لأجل عدم الحاجة مع نداوة اليد إلى الأخذ من غيرها. فكما يمكن ان يكون الإطلاق منزلا على ما هو الغالب من عدم الأخذ من الغير مع نداوة اليد. كذلك يمكن ان يكون التقييد كذلك كان الإطلاق محكما لو لا منع الإطلاق لذلك. و لو لم يكن في البين مقيد و منع حمد التقييد على ذلك لو لم يكن هناك قرينة أخرى على الحمل فان ظهوره بالوضع بخلاف ظهور المطلق في الإطلاق.

فالأحوط لو لم يكن أقوى مراعاة الترتيب بين المسح بنداوة اليد و المسح بنداوة غيرها كما لا يخفى. و كيف كان فلا بد ان يكون المسح بالبلل من غير استيناف ماء جديد للأمر في الاخبار بإعادة الوضوء أو بالانصراف و الإعادة. ثمَّ انه يكفي ان يكون المسح بأقل ما يقع عليه اسم المسح لإطلاق الكتاب و السنة لكن بشرط ان يكون من

34

غير نكس على الأحوط لمنع جماعة من الفحول عنه بل عن بعض دعوى الإجماع عليه. و عن بعض انه مما انفردت به الإمامية و ان كان الأقوى جوازه كما ذهب إليه جماعة لإطلاق الكتاب و السنة. و صريح الخبر الصحيح: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا و كون المروي في موضع آخر اضافة المسح الى الرجلين. لا يكاد يقدح في صحة الاستناد الى ذاك الصحيح الصريح و لا يعتنى باستبعاد تعدد الرواية و لا يمنع عن الاستناد اليه ما لم يوجب وهنه نوعا مع ان الاستبعاد في غير محله. كالقول بأن الإقبال و الادبار في المسح يناسبان القدم دون الرأس لوضوح ان في هبوطه إقبال إلى بقية البدن و في صعوده ادبار عنها كما في القدم. و لو سلم عدم مناسبتهما لمسح الرأس فإنما هو إذا أريد وحده لا ما إذا أريد الجامع بينه و بين الرجلين. و الوضوءات البيانية لا تصلح لتقييد الإطلاقات لوضوح ان وقوعه على النحو المتعارف لا دلالة له على انه بنحو الوجوب للزوم ان يقع على نحو و ان لم يكن بلازم. نعم يمكن منع الإطلاق لوروده في غير مورد البيان أو على ما هو المتعارف بناء على ان المسح مقبلا متعارف أو انه المتيقن و المرجع عليه هو حديث الرفع كما عرفت فافهم‌

و خامسها‌

مسح بشرة الرجلين

إجماعا بل من ضروريات مذهبنا. و يدل عليه ظاهر الكتاب و لو على قراءة و أرجلكم بالنصب ضرورة ظهور كونه عطفا على محل رءوسكم و هو شائع و يبعد كونه عطفا على وجوهكم مع الفصل بينهما بجملة مستقلة جدا مع انه ورد في صريح النص الصحيح انه على الخفض و به قرء حمزة و ابن كثير و أبو عمرو و عاصم برواية أبي بكر عنه. هذا مع تواتر الاخبار بوجوب المسح عن النبي و الأئمة الأطهار صلى اللّه عليه و عليهم من المخالف و المؤالف بحيث لا يبقي مجال للإنكار ثمَّ انه يشترط في مسحهما ان يكون مع عدم تقديم اليسرى على اليمنى لما رواه الطبرسي في الاحتجاج من مكاتبة الحميري‌

35

إلى الحجة (عجل اللّه فرجه) يسئله عن المسح على الرجلين أ يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا. فخرج التوقيع يمسح عليهما جميعا و ان بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبدأ إلا باليمين و به يقيد إطلاق الآية و الرواية. و ليت اخبار الوضوء البياني إلا ظاهرة في عدم الترتيب بينهما كاليدين و جواز مسحهما معا بخلافهما و كذا لا يعارضه ما ربما يحتج به على وجوب الترتيب من خبر محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام): امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن. و ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا توضأ أحدكم للصلاة فليبدأ باليمين قبل الشمال من جسده. و ما عن النبي (صلى اللّه عليه و آله): إذا توضأ بدأ بميامنه. لصراحته في جواز المسح معا و ظهورها لو سلم في وجوب الترتيب فلا بد من حملها عليه كما لا يخفى. و اعراض المشهور عنه غير ثابت لاحتمال عدم العثور أو ترجيح المطلقات على دلالتها على جواز الابتداء باليسار عليه في دلالته على عدم جوازه. ثمَّ ان محل مسحهما عندنا من رءوس الأصابع إلى الكعبين لا بطنهما و لا صفحتهما لظاهر الآية و الاخبار المحددة و صريح اخبار الوضوء البياني. و صريح قول أمير المؤمنين (عليه السلام): لو لا انى ما رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يمسح ظاهر قدميه لظننت ان باطنهما اولى بالمسح من ظاهرهما.

هذا مضافا الى دعوى الإجماع عليه من جماعة و ما دل على وجوب مسح باطنهما و ظاهرهما قاصر عن معارضتها من وجوه لا تخفى. ثمَّ ان جماعة من الأصحاب و ان أطنبوا الكلام في تحقيق المراد من الكعبين في المقام بذكر كلمات اللغويين من الطائفتين و كلمات الفقهاء و أهل التشريح و الاخبار. الا انه ما انتهى الى محكم غير انه ليس الكعبان هما الثابتين في يمين الساق و يساره قطعا إجماعا منقولا و محصلا. و غير ان المشهور بين الأصحاب انهما قبتا القدمين امام الساقين ما بين المفصل و المشط دون المفصل بين الساق و العقب كما عن العلامة حسبما اشتهر عنه بين من تأخر. و دون‌

36

العظم المائل إلى الاستدارة الموضوع في ملتقى الساق و العقب كما اختاره البهائي. و قد نزل عليه كلمات الأصحاب مع صراحة بعضها و ظهور الأخرى في غيره كما لا يخفى على من راجعها بلا ضرورة ملجئة الى ذلك أصلا. و الأظهر ما عليه المشهور لما عرفت انه الأصل شرعا في الدوران بين الأقل و الأكثر و دعوى الأساطين عليه الإجماع. و ظهور غير واحد من الاخبار. منها صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) سئلته عن المسح على القدمين كيف هو فوضع كفه على الأصابع إلى الكعبين الى ظهر القدم. لوضوح كون ظهر القدم تفسيرا للكعبين و ظهر الشي‌ء لغة ما ارتفع منه لا المفصل بين الساق و القدم ضرورة انه ليس بظهر القدم كما انه ليس العظم الموضوع في ملتقى الساق و العقب. لا يقال نعم: و لكنه يمكن ان يكون المراد من ظهر القدم ما يقابل بطنه لا خصوص ما ارتفع منه فإنه. يقال لا يمكن هاهنا إذ لا معنى لجعله بهذا المعنى غاية سيما إذا قلنا بخروج الغاية عن المغيى كما لا يخفى و يجوز مسح القدمين منكوسا من الكعبين إلى الأصابع لصحيح حماد: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا. و صحيحة الآخر لا بأس بمسح الرجلين مقبلا و مدبرا. و غيره من الروايات. و ربما قيل بعدم جواز النكس مستدلا مضافا الى قاعدة الاشتغال بظهور الى في الآية في انتهاء المسح و صحيح احمد بن محمد سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن مسح القدمين كيف هو فوضع كفه على الأصابع ثمَّ مسحها الى الكعبين.

و لا يخفى انه لا مجال لقاعدة الاشتغال لورود حديث الرفع عليها. و الى لتحديد الممسوح كما في المرافق لا لانتهاء المسح. مع انه لا محيص عن الحمل عليه و لو سلم الظهور توفيقا بينه و بين الصحيحتين و لا دلالة للصحيح المزبور الّا على كفاية المسح على تلك الكيفية التي بينها لا على اختصاص الكيفية بها و لا يلزم عليه الا بيان ما يجزى لا بيان جميع الكيفيات المجزية. و لو سلم فلا بد من حمله على ذلك جمعا بينه و بينهما.

و سادسها‌

37

الترتيب

بين أفعاله على نحو ما قلناه من غسل الوجه ثمَّ غسل اليمنى ثمَّ اليسرى ثمَّ مسح الرأس ثمَّ مسح الرجلين للإجماعات المنقولة عن الأساطين حد الاستفاضة. و النصوص الموسومة بالتواتر فما يعارضها بظاهره كصحيح على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) عن رجل توضأ و نسي غسل يساره يغسل يساره وحدها و لا يعيد وضوء شي‌ء غيرها. مؤوّل أو مطروح. مع إمكان منع ظهوره لقوة احتمال ان يكون و لا يعيد وضوء شي‌ء إلخ. تأكيدا لقوله يغسل يساره وحدها فيكون المعنى و لا يعيد غسل شي‌ء مما يغسل غيرها كما لا يخفى.

و سابعها‌

الموالاة

و هي متابعة الأفعال بعضها ببعض من غير تأخير يوجب جفاف الأعضاء السابقة فلو لم يتابع و قد جفت الأعضاء السابقة استأنف لصحيح ابن عمار: ربما توضأت فبعد الماء فدعوت الجارية فأبطأت علىّ بالماء فيجف وضوئي. فقال أعد.

و موثق ابى بصير إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك فأعد وضوئك فإن الوضوء لا يبعض. فظاهرهما بطلان الوضوء بالجفاف في صورة التأخير و عدم التتابع في أفعاله. و اما لو تابع و قد جف لقلة ما استعمله من الماء أو لعلة أخرى أو لم يتابع و لم يجف فلا اعادة عليه و لو لعدم دليل عليها للأصل الوارد على قاعدة الاشتغال كما مرت إليه الإشارة غير مرة. و ربما استدل على وجوب المتابعة بوجوه غير ناهضة كما لا يخفى على من راجعها. ثمَّ انه يظهر من تقييدهم عدم الجفاف باعتدال الهواء انه لو جف في الهواء الحار شديد الحر لما ضر و لا وجه له مع إمكان التتابع قبل الجفاف و مع التتابع لا يضر الجفاف مطلقا لما عرفت من الأصل الوارد و عدم دليل على خلافه. هذا كله فيما يجب في الوضوء.

و اما ما‌

يستحب فيه

فأمور منها‌

غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء

مرة من حدث النوم و البول و مرتين من الغائط و ثلثا من الجنابة لصحيح الحلبي أو حسنه: سئلته عن الوضوء كم يفرغ الرجل على يده اليمنى‌

38

قبل ان يدخلها في الإناء قال واحدة من حدث البول و اثنتان من حدث الغائط و ثلاثة من الجنابة. و مرسل الصدوق عن الصادق (عليه السلام):

اغسل يدك من النوم مرة. و مرسلة الآخر عنه (عليه السلام) اغسل يدك من البول مرة و من الغائط مرتين و من الجنابة ثلاثا. و ذكر البول مع الغائط في خبر حريز بغسل اليد من النوم مرة و من الغائط و البول مرتين و من الجنابة ثلاثا لا ينافي ما في غيره مما تقدم لاختلاف مراتب الاستحباب‌

و منها‌

وضع الإناء على اليمين و الاغتراف بها

لما عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه كان يحب التيامن في ظهوره و شغله و في شأنه كله‌

و منها‌

التسمية

عند غسل الوجه أو عند وضع اليد في الماء أو قبل الوضع حسب اختلاف الاخبار و الجمع بينها باستحباب الجميع أو بالتخيير و ان كان كل منهما لا يلائمه بعض الاخبار. الا ان الأمر فيه سهل بعد القطع باستحبابها و عدم الاعتناء بما يظهر من مرسلة ابن ابى عمير عن الصادق (عليه السلام) ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) أمر من توضأ بلا تسمية بإعادة الوضوء و الصلاة ثلاث مرات حتى سمى من وجوبها. و حملها على تأكد الاستحباب و استحباب اعادة الوضوء و الصلاة مع تركها و لا بأس به من باب التسامح في أدلته‌

و منها‌

المضمضة و الاستنشاق

للأخبار المستفيضة و الإجماعات المنقولة و قول ابى جعفر (عليه السلام) في رواية زرارة: ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنة معناه انهما ليسا من الواجب في الكتاب و لا في السنة. و يستحب ان يكونا ثلاثا ثلاثا أو يستحبان بهذا العدد استحبابا مؤكدا. كما هو قضية التوفيق بين مطلقات أخبارهما و المقيدات بالعدد بناء على ما هو المعروف من عدم حمل المطلق على المقيد في باب المستحبات. و اما بناء عليه فالمستحب ما كان بهذا العدد و ما ليس كذلك ليس بمستحب‌

و منها‌

الدعاء عند كل فعل

بالمأثور هذا بعض سننه‌

[المكروهات]

[الأول التمندل]

و يكره التمندل كما عن الذكرى‌

39

و غيرها حكايته عن المشهور لقول الصادق (عليه السلام) المروي في البحار من توضأ و تمندل كتبت له حسنة و من توضأ و لم يتمندل كتبت له ثلاثون.

و لما عن بعض الاخبار من انه يكتب للمتوضئ الثواب ما دام بلله باقيا.

و لكن اقصاهما استحباب إبقاء البلل لا كراهة التمندل كما لا يخفى. الا ان يتسامح في المكروهات كالمستحبات و كان في فتوى المشهور كفاية في ذلك و الا كان في اخبار كثيرة تمندل الامام (عليه السلام) بخرقة أو بقميصه أو انه لا بأس بالتمندل و غير ذلك مما دل على عدم الكراهة بل على الاستحباب.

هذا مع إمكان حملها على ما لا ينافي كراهته أو استحباب إبقاء البلل فراجع و تأمل.

و يكره أيضا‌

الاستعانة

و لو بان يقبل اعانة الغير و ان لم يطلبها لغير واحد من الاخبار الدالة على ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) لا يحب ذلك و هي في الدلالة على الكراهة أظهر من خبر الوشاء المتضمن لاستناد الامام (عليه السلام) الوزر الى نفسه الشريفة لو قبل الإعانة على الحرمة لوضوح ان الكراهة بالنسبة إلى جنابة كالوزر كيف و حسنات الأبرار سيئات المقربين. و لا ينافي كراهتها دلالة بعض الاخبار على قبوله الإعانة لكون الفعل يمكن معه ان يقع على بعض الوجوه الراجحة و ان كان ذاتا مكروها‌

و يحرم التولية

في الوضوء و لو في بعضه تشريعا و لا يجزى بلا خلاف بل عن المعتبر و المنتهى انه قول علمائنا اجمع لظهور الخطاب في المباشرة و عدم قرينة على إرادة الأعم منها و من التسبيب لانسباقها من إطلاقه. و لو قبل بعدم وضعه لخصوصها. و لو سلم عدم انسباقها فلا أقل من انها القدر المتيقن من الإطلاق و لم ينهض دليل على إرادة الأعم. هذا إذا كانت التولية بنحو التسبيب. و اما إذا كانت بنحو الوكالة و النيابة عن المكلف بالوضوء فظهور الخطاب في المباشرة و ان كان لا يأبى عنها إذا كان هناك دليل دل على ان مباشرته المستفادة من الخطاب أعم من مباشرته الحقيقية و التنزيلية. الا انه لا دليل هاهنا‌

40

يخص المقام و لا يعم غير المقام و ان ورد في غير مقام كما في الحج و أفعاله و الصلاة و الصيام دليل لا يعم غيرها. ثمَّ ان قضية اعتبار المباشرة لذلك و ان كان سقوط الوضوء عند عدم التمكن منها و عدم جواز التولية أصلا إلا ان الإجماع قام على عدم سقوطه و وجوب التولية فيما يتعذر بل يتعسر فيه المباشرة. و لو لا قيامه لما كان وجه لما عن المعتبر من الاستدلال على وجوبها بأنها توصل إلى الطهارة بقدر الممكن لعدم دليل على انها توصل إليها في هذا الحال. و رواية عبد الأعلى لا دلالة لها الا على ارتفاع حكم ما فيه الحرج فان الظاهر ان معنى هذا و أشباهه يعرف إلخ. هو ارتفاع الحكم الحرجي لا إثبات الحكم لشي‌ء أخر ليس بحرج لوضوح انه لا يكاد يعرفه مثل السائل بل من كان فوقه فلو لا حكمه (عليه السلام) بالمسح على المرارة لما كان يعرفه السائل بعد التنبيه بان هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه فكيف الامام (عليه السلام) أحال معرفته الى الكتاب. نعم: لا بأس بالاستدلال عليها أيضا بما ورد من وجوب التولية في تيمم المجدور و التوبيخ على ترك ذلك و على تغسيله الموجب لموته‌

و هاهنا‌

مسائل

الاولى لا يجوز للمحدث

و هو غير المتوضي بوضوء رافع أو مبيح مس كتابة القرآن لصحيح ابي بصير أو موثقه قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمن قرء من المصحف و هو على غير وضوء قال لا بأس و لا تمس الكتاب و مرسل حريز انه (عليه السلام) قال لولده إسماعيل بابني اقرء المصحف فقال انى لست على وضوء قال لا تمس الكتاب و مس الورق. و عن الشيخ في الخلاف دعوى الإجماع مع عدوله الى الخلاف في محكيّ مبسوطه و ربما استدل عليه بقوله تعالى «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» فان مرجع الضمير و ان كان هو القرآن كما لا يخفى على العارف الا بوجوده الذي كان بذاك الوجود فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ و بذاك الوجود لا يكاد يناسبه الا المس بمعنى الإدراك و استشهاد الامام (عليه السلام) به على المنع عن المس على غير طهر و لا جنبا و عن مس خطه‌

41

و تعليقه في رواية عبد الحميد تقريب للمنع فإنه إذا كان بهذا الشأن فبالحري ان لا يمس دركه و لا خطه و لا يعلق بوجوده الكتبي لما في أنحاء وجوداته من نحو من الاتحاد‌

الثانية لو تيقن الحدث

في زمان و شك في الطهارة بعده تطهر لاستصحاب الحدث و بالعكس لا تجب الطهارة لاستصحابها‌

الثالثة لو شك في شي‌ء من أفعال الوضوء

و انه اتي بها أو لا أو اتي بها صحيحة أولا و هو على حاله غير فارغ عنه اتى به و بما بعده ما لم يجف ما قبله و الا استأنف للاستصحاب و مفهوم قوله انما الشك في شي‌ء لم تجزه المقتضى للالتفات الى الشك و عدم إلغائه شرعا المقتضى للزوم الإتيان بالمشكوك عقلا لاستقلال العقل بلزوم الموافقة قطعا و لو انصرف و فرغ عنه لم يلتفت لقاعدة الفراغ المستفادة من غير واحد من الاخبار في الوضوء و غيره المخصصة لاخبار الاستصحاب المقتضية للالتفات و البناء على العدم في هذا آل حال كحال الاشتغال‌

الباب الثالث في الغسل

و يجب وجوبا غيريا بأصل الشرع بالجنابة و الحيض و الاستحاضة و النفاس و الموت و مس الأموات بعد بردهم بالموت و قبل تطهيرهم بالغسل و يستجب لما يأتي فهاهنا فصول

الفصل الأول في الجنابة

و هي لغة البعد و المراد بها هاهنا حدث خاص و حالة مانعة‌

[تحصل الجنابة]

[بإنزال الماء الدافق]

تحصل بإنزال الماء الدافق غالبا و هو المنى مطلقا و لو من الأنثى أو الخنثى للأخبار الصحيحة الصريحة في ان الغسل على المرية إذا أنزلت في المنام أو في اليقظة و الاخبار الواردة بعدم ثبوت الغسل عليها بإنزالها غير قابلة لمعارضتها لما فيها من الدلالة على ان كتمان وجوب الغسل بالإنزال عليها مع ثبوته انما هو لحكمة رفع المفسدة المترتبة عليه و هي وسيلة وقوعها في الفاحشة كما أشار الإمام (عليه السلام) إليه في صحيحة أديم بن الحر قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام). ترى المرية في منامها ما يرى الرجل في منامه عليها الغسل قال نعم و لا تخبروهن فيتخذنه علة حيث فهي عن إخبارهن بوجوبه بعد حكمه به. و لا يخفى ان قضية ذلك عدم‌

42

كون وجوب الغسل عليها بالإنزال فعليا بل اقتضائيا فإن المصلحة و ان كانت مقتضية له الا ان المفسدة مانعة عنه و لذا صرح الامام (عليه السلام) في مرسلة نوح بن شعيب بأنه ليس عليهن في ذلك غسل. اللهم الا ان يقال أقصى دلالة الصحيحة عدم وجوب الاخبار بوجوبه و تبليغه مع وجوبه فعلا بحيث لو علمت به و تركت لعصت و فسدت عبادتها المشروطة بالطهارة و ان كانت المرسلة أبيه لكنه لا بأس بمخالفتها لضعفها و عدم الجابر لها و احتمال التقية فيها. ثمَّ ان الظاهر ان البحث في مخرجه هو البحث في محرج البول و الغائط فراجع‌

و الجنابة كما تحصل بالإنزال تحصل‌

بالجماع في الفرج حتى تغيب الحشفة سواء القبل و الدبر و ان لم ينزل

اما القبل فاتفاقا كتابا و سنة. و اما الدبر من المرية فعلى الأصح و هو المشهور بل المجمع عليه بين المسلمين كما عن السرائر بل عن السيد بعد دعواه إجماع الكل دعوى انه معلوم بالضرورة من دين الرسول (صلى اللّه عليه و آله) انه لا فرق بين الفرجين في هذا الحكم لمرسلة حفص ابن سوقة عمن أخبره قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلف قال هو أحد المائتين فيه الغسل و ضعفها منجبر بما عرفت و يؤيدها ما يستفاد من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) أ توجبون عليه الحد و لا توجبون عليه صاعا من ماء من الملازمة بين الحد و الغسل و الاخبار الدالة على انه لا يوجب الغسل و لا ينقض الصوم قاصرة عن المعارضة لها بعد اعراض المشهور عنها و عدم العمل بها مع وضوح دلالتها و تعددها و اما الدبر من الذكر فلا دليل على إيجاب وطئه الجنابة إلا دعوى السيد الإجماع عليه و ما عن العلامة و الفخر و الشهيد من دعوى الإجماع المركب و ما تقدم من الملازمة بين الحد و الغسل لكنها قاصرة عن إثبات ذلك كمطلقات الكتاب و السنة لكون المتيقن منها الوطي في القبل لو لم تكن منصرفة اليه. و لو قيل بعدم اختصاصها كما لا يخفى فلا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل للمحدث و للمتوضئ و للمغتسل للغسل‌

43

و إذا حصلت الجنابة بالإنزال أو الجماع يجب بها الغسل إذا وجب ما يشترط بالطهارة‌

و تجب فيه

النية

إجماعا و هي الداعي على إتيانه للّه كما مر في الوضوء لا الاخطار‌

و كذا يجب فيه‌

استيعاب الجسد

بالغسل

و كذا يجب فيه مقدمة‌

تخليل ما لا يصل اليه الماء الا به

مما كان تحت الشعر خف أو كثف أو تحت حائل كما عن صريح بعض أو ظاهر أخر الإجماع عليه لظهور مثل قوله (عليه السلام) في رواية سماعة ثمَّ يفيض الماء على جسده كله و مثل قول أحدهما في خبر محمد بن مسلم ثمَّ تصب على سائر جسدك مرتين فما جرى عليه الماء فقد طهر. و قوله (عليه السلام) في رواية زرارة ثمَّ تغسل جسدك من لدن قرنك الى قدميك ليس قبله و لا بعده وضوء و كل شي‌ء مسه الماء فقد أنقيته. و في الاستيعاب و النبوي تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر و انقوا البشرة. و لصحيح محمد بن زائدة عن الصادق (عليه السلام). من ترك شعرة من الجنابة متعمدا فهو في النار.

فان الظاهر منه ارادة مقدار شعرة من البشرة بقرينة من الجنابة لعدم تعلقها بالشعرة بل بما تحت كل شعرة. و لا يقاوم ما ذكر ما ربما يتخيل ظهوره في الاكتفاء بالظاهر و العفو عما تحت الشعور أو عدم قدح بقاء يسير من البدن مما دل من الاخبار على اجزاء غرفتين للرأس أو ثلاثة لأجل ان هذا المقدار لا يصل تحت كل شعرة سيما إذا اكثف شعر الرأس كالأعراب و النسوان. أو على عدم البأس بما إذا بقي أثر الخلوق و الطيب و غيره لوضوح ان خبر اجزاء الغرفتين انما هو لبيان أنهما أقل ما يجتزى به بحسب المتعارف لا بصدد انهما يجزيان مطلقا و ان عدم البأس ببقاء اثر الخلوق و غيره لعله كما هو الظاهر انما هو لعدم حجب الأثر يقينا. مع ان احتمال حجبه بعد الفراغ لا يضر لقاعدة الفراغ‌

و كذا يجب‌

البدئة بالرأس مع الرقبة ثمَّ بالجانب الأيمن ثمَّ بالجانب الأيسر

هذا بالنسبة إلى البدئة بالرأس مع الرقبة للإجماعات المنقولة و صحيح ابن مسلم و حسن حريز عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) من اغتسل‌

44

من جنابه و لم يغسل رأسه لم يجد بدا من اعادة الغسل. و غيره من الاخبار الظاهرة في الترتيب بينه و بين سائر الجسد و الظاهر ان تبعية الرقبة للرأس مما لا ريب فيه و قد نقل عليه الإجماع و اتفاق الفقهاء و نفى خلاف يعرف بين الأصحاب مضافا الى ظهور غير واحد من الاخبار في ان مبدء غسل سائر البدن هو الكتف و صريح حسن زرارة في الصب على المنكب الظاهر انه مبدء الغسل فلا إشكال في لزوم البدئة بالرأس معها. و اما بالنسبة إلى الجانب الأيمن فعلى المشهور بل نقل الإجماع عليه مستفيض. و قد استدل عليه بوجوه.

أقواها ما دل من الاخبار المعتبرة المصرحة بإيجاب الترتيب في غسل الميت بضميمة الأخبار الدالة على مشاركته لغسل الجنابة في الكيفية مثل قول ابى جعفر (عليه السلام) قال: غسل الميت مثل غسل الجنب و ان كان كثير الشعر فرد عليه الماء ثلاث مرات. و فيه ان وجه المشاركة و المثلية حسبما يظهر هو الاقتصار على أقل الغسل فيه كغسل الجنابة بقرينة قوله و ان كان كثير الشعر إلخ. و ان أبيت فلا أقل من عدم ظهوره في المشاركة في الكيفية إذ لعله في استيعاب الغسل لتمام الجسد المشترك بين قسمي غسلها. و يناسبه أيضا قوله و ان كان كثير الشعر إلخ. كما لا يخفى هذا مع ان قضية الإطلاقات الواردة في مقام بيان الكيفية عدم اعتباره بين الجانبين بل في بعضها اشعار أو دلالة على عدم اعتباره و الاجتزاء بصب الماء على الجسد بلا ترتيب في البين. لكنه ربما كانت في الشهرة و الإجماعات المنقولة و مراعاة الاحتياط في العبادة كفاية في عدم الاجتزاء على المخالفة للمشهور.

هذا في الغسل بغير الارتماس و يسقط وجوب الترتيب فيه مع الارتماس اتفاقا نصا و فتوى بلا خلاف فيه بل عليه الإجماع من غير واحد من الأعاظم لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة لو ان رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة اجزئه ذلك و ان لم يدلك جسده. و حسن الحلبي عنه (عليه السلام) إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة اجزئه ذلك عن‌

45

غسله و غيرهما من الأخبار و الظاهر من ارتماسة واحدة ان يكون انغمار البدن و انغماسه بتمامه في الماء مرة واحدة قبالا لما إذا أدخل بعضه و أخرجه ثمَّ ادخل بعضه الآخر الى ان يغمر فيه كل أبعاضه لا لما إذا انغمر تمامه تدريجا بلا تخلل الإخراج بعد الإدراج. كما حكى عن المشهور بل عن بعض نسبته إلى الأصحاب. و لعلهم فهموا من ارتماسة واحدة ان يكون دفعة مع ان الانغمار بالتأني و التدريج بلا نخلل الإخراج. و لا سيما مع عدم الوقوف عن الإدراج ارتماسة واحدة. هذا مع احتمال ان يكون قيد الوحدة انما هو لبيان عدم اعتبار التعدد في الارتماس لا لبيان اعتبارها فيكفي الانغماس الواحد بأي نحو اتفق و هو غير بعيد. و اما احتمال ان يكون المراد انغمار البدن في الماء و إحاطته عليه دفعة حقيقية في آن حكمي أو دفعة عرفية فليس من الغسل ما ينغسل قبل الانغمار التام و لا بعده خلاف الظاهر قطعا بل الشروع فيه شروع في الغسل عرفا. و لا ينبغي ترك الاحتياط بقصد ما هو واقعه و الارتماس دفعه من دون تعيين نحو خاص.

و كما يجب في الغسل ما ذكر‌

يستحب فيه

أمور أحدها:

الاستبراء بالبول إذا كانت الجنابة بالإنزال

لصحيح البزنطي سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غسل الجنابة قال: تغسل يديك و تبول ان قدرت على البول ثمَّ تدخل يدك الإناء. وجه الاستدلال به انه لو لا ظهوره في الاستحباب فلا أقل من عدم ظهوره في الإيجاب لعدم وضع الجملة الخبرية له و كثرة استعمالها في الاستحباب أيضا فيكون دليلا عليه و لو بضميمة التسامح في أدلة السنن. مع ان قضية أصالة البراءة عن الوجوب و دلالته على الرجحان على اى حال هو الاستحباب عملا و ان لم يكن دليلا على الفتوى به شرعا. ثمَّ انه لا إطلاق له لما إذا لم يكن هناك إنزال إذ هو المنساق منه لكونه الشائع و اختصاص حكمته به كما لا يخفى.

و منها‌

المضمضة و [الاستنشاق]

منها الاستنشاق لقول ابى عبد اللّه (عليه السلام)

46

في رواية زرارة و رواية أبي بصير ثمَّ تتمضمض و تستنشق.

و منها‌

الغسل بصاع فما زاد

لقول ابى جعفر (عليه السلام) في حديث على ما رواه زرارة و من انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع و قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يغتسل بصاع.

و منها‌

تخليل ما يصل اليه الماء

بإمرار اليد على الجسد لصحيح على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) و سئلته عن الاغتسال بقطر المطر فقال ان كان يغسله اغتساله بالماء اجزئه. الّا انه ينبغي ان يتمضمض و يستنشق و يمر يده على ما نالت من جسده و قول الصادق (عليه السلام) في خبر الساباطي قال في جملة الجواب عن السؤال عن المرية تغتسل و قد امتشطت بقرامل ثمَّ تمر يدها على جسدها كله.

و اما حكم الجنب ف‍‌

يحرم عليه قبل الغسل

قراءة العزائم

و هي السور الأربع الم تنزيل و حم السجدة و النجم و اقرء و عن جماعة من الأعاظم دعوى الإجماع على حرمة قرائتها لموثق ابن مسلم عن الباقر (عليه السلام) الحائض و الجنب يفتتحان المصحف من وراء الثياب و يقرءان من القرآن ما شاءا إلا السجدة. و موثق ابن مسلم و زرارة أو صحيحيهما عن ابى جعفر (عليه السلام) قلت له هل يقرءان شيئا قال نعم: إلّا السجدة.

ثمَّ هل يعتبر في حرمة قراءة السورة إتمامها أو لا بل يحرم قراءة شي‌ء منها اشكال و خلاف. و قد يقل الشهيدان عليه الإجماع في الذكرى و المقاصد و الروض على ما حكى عنهما. و لكن يحرم قرائته لا سيما قراءة آية السجدة على الأحوط بل الأقوى فيها أي آية السجدة لقوة احتمال ان يكون السجدة في الخبرين آية السجدة لا سورتها. مع انه لو كان المراد سورتها لا يبعد ان يكون قراءة السورة صادقة على قراءة بعضها.

و يحرم على الجنب‌

مس كتابة القرآن

و قد حكى عن جماعة من الأعاظم دعوى الإجماع عليه و يدل عليه ما تقدم في مس المحدث بالأصغر و يجرى فيه أكثر ما تقدم هناك فراجعه.

و مما يحرم‌

47

عليه مس‌

اسم اللّه تعالى

على ما نسب في محكي المنتهى و غيره إلى الأصحاب بل عن الغنية دعوى الإجماع عليه لموثق عمار عن الصادق (عليه السلام) لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه تعالى و لعمل المعظم به و قبولهم له لا يقاومه ما دل بظاهره من الاخبار على جواز مس ما عليه اسم اللّه منهما و لولاه لكان حمله على الكراهة متعينا فتأمل.

و كذا مما يحرم عليه مس‌

أسماء الأنبياء أو أحد الأئمة (عليهما السلام) على الأحوط الأولى

لما ربما فيه من خلاف تعظيم الشعائر.

و قال اللّه تبارك و تعالى وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ.

و مما يحرم عليه‌

اللبث في المساجد

بل مطلق الدخول فيها الا الاجتياز فيما عدا مسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله) للأخبار المستفيضة المشتملة على الرخصة في الاجتياز فيما عدا الحرمين. منها صحيح زرارة و محمد بن مسلم قلنا له الحائض و الجنب يدخلان المسجد أم لا قال: لا يدخلان المسجد الا مجتازين ان اللّه تبارك و تعالى يقول وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ و منها صحيح ابن مسلم عن الباقر (عليه السلام): الجنب و الحائض لا يقربان المسجدين الحرامين. و لا يقاومها خبر محمد بن القاسم سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجنب ينام في المسجد فقال: يتوضأ و لا بأس ان ينام في المسجد و يمر فيه للضعف و عدم الجبر للعمل من المعظم‌

و مما يحرم عليه‌

الدخول لوضع شي‌ء فيها

اى المساجد مطلقا. لصحيح محمد بن مسلم و زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) و صحيح عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) المشتملين على ان الجنب و الحائض لا يصنعان في المسجد شيئا‌

و يكره

له‌

قراءة ما زاد على سبع آيات من غيرها

اى من غير العزائم وفاقا للأكثر كما حكى عنهم. و هو قضية التوفيق بين الاخبار الدالة على جواز قراءة ما شاء أو باستثناء السجدة. و مضمرة سماعة قال سئلته عن الجنب هل يقرأ القرآن قال: ما بينه و بين سبع آيات. ضرورة ان ظهور الأخبار المجوزة‌

48

في جواز ما زاد على السبع أقوى من ظهور المضمرة في عدم جوازه كما لا يخفى. فلا تقاومها فلتحمل على الكراهة. و اما ما روى من وصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) انه قال: يا علي من كان جنبا في الفراش مع امرئته فلا يقرأ القرآن فإني أخشى ان تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما. فلا محيص عن تخصيصه في الجملة إجماعا. و قد دل غير واحد من الاخبار على جواز قراءة غير العزائم فلا بد من تخصيص النهي بقراءتها‌

و مما يكره له‌

مس المصحف

كما هو قضية التوفيق بين رواية عبد الحميد المتقدمة عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: المصحف لا يمسه على غير طهر و لا جنبا و لا يمس خطه و لا يعلقه ان اللّه تعالى يقول لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ و بين قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) لابنه إسماعيل:

يا بنى اقرء المصحف فقال اني لست على وضوء فقال: لا تمس الكتابة و مس الورق و اقرأه‌

و مما يكره له‌

الأكل و الشرب الا بعد المضمضة و الاستنشاق

و غسل الوجه و اليد بل بعد ما يتوضأ لاختلاف الاخبار المنزل على مراتب الكراهة و الفضل كما دل عليه قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) بعد السؤال منه عن أكل الجنب قبل ان يتوضأ إنا لنكسل و لكن ليغسل يده. فالوضوء أفضل‌

و مما يكره‌

النوم الا بعد الوضوء

لصحيح الحلبي سئل الصادق (عليه السلام) عن الرجل ينبغي له ان ينام و هو جنب فقال: يكره ذلك حتى يتوضأ و لا يقاومه ما دل على الكراهة مطلقا ما لم يتطهر أو يتيمم إذا لم يجد الماء فليقيد به و لا بأس بحمله على مرتبة من الكراهة و لا ينافيه نوم الامام (عليه السلام) الى الصبح على الجنابة كما أخبر به في حديث أنا أنام على ذلك حتى أصبح. فإنه ربما يزاحم ما كان رعايته اولى‌

و مما يكره‌

الخضاب

للنهى عنه في غير واحد من الاخبار مع نفى البأس عنه ضريحا في غير واحد منها الموجب لحمل النهى على الكراهة لا محالة‌

[فروع]

و لو أحدث بالأصغر في أثناء الغسل اعاده على الأحوط‌

49

بقصد ما هو الواقع من إتمام الغسل الأول به على تقدير عدم بطلانه بما حدث أو انه تمام الغسل على تقدير بطلانه و قد نسب ذلك الى المشهور تارة و الى الأكثر أخرى و توضأ للصلاة و غيرها على الأحوط مما يعتبر فيه الطهارة لاحتمال عدم كفاية مثل ذاك الغسل مع صحته عن الوضوء كما هو أحد الأقوال. و ان كان الأقوى كما نسب إلى جماعة من الأعاظم عدم وجوب الإعادة و الوضوء إذ لم يقم دليل على اعتبار عدم حدوثه فيه. و مثل حديث الرفع دل على عدم اعتباره كما مر غير مرة و إطلاق ما دل على انه لا وضوء مع غسل الجنابة يقتضي كفايته و موجب الأصغر إنما يوجبه فيما إذا أثر و لا يؤثر مع الجنابة شيئا و ما رواه الصدوق عن الصادق (عليه السلام) انه قال بعد تجويزه تفريق اجزاء الغسل. فإن أحدثت حدثا من بول أو غائط أو منى بعد ما غسلت قبل ان تغسل جسدك فأعد الغسل. و ان كان ظاهرا في وجوب الإعادة. الا انه ضعيف السند بلا جابر و مجرد موافقة فتوى الأكثر بمضمونه لو سلم غير جابر. لاحتمال ان يكون المستند للكل أو الجل غيره من الوجوه الغير الناهضة التي ذكرت لذلك.

مع ان استناد الأكثر إليه لو سلم لا يحبر إلا إذا كان كاشفا عن الظفر بما لو ظفرنا به لالتزمنا به و انى له هذا الكشف لا سيما مع الخلاف بين المعظم من القدماء و المتأخرين. و كيف كان فلا ينبغي ترك الاحتياط بما ذكر‌

الفصل الثاني في الحيض

و هو لغة السيل مطلقا أو بقوة أو سيلان الدم أو غير ذلك و شرعا بمعنى المراد منه في موارد بيان احكامه. الدم الذي تعتاده النساء و يقذفه الرحم الذي‌

في الأغلب دم اسود غليظ يخرج بحرقة و حرارة

و ان كان ربما يتخلف و يكون ما ليس بتلك الصفات حيضا و محكوما بأحكامه شرعا و ما ليس بحيض متصف بها فلا يحكم بالحيضية بمجرد وجودها. إذ لا دليل على اعتبارها امارة تعبدا فإنها و ان ذكرت في الاخبار على اختلافها الا ان الظاهر انها انما ذكرت لبيان‌

50

رفع الاشتباه بها غالبا لا لبيان حكم الاشتباه و رفعه تعبدا كما لا يخفى.

نعم ظاهر المرسلة كون إقبال الدم و إدباره أمارة تعبدية على حيضيته و استحاضته لكنه في خصوص استمرار الدم مع عدم كونهما عبارة عن وجدان الصفات و فقدانهما لتحققهما بعروض الشدة و الضعف على ما عليه الدم من الصفة سوآء كانت تلك الصفة صفة الحيض أو الاستحاضة.

ثمَّ ظاهر النص و الفتوى ان للحيض قيودا شرعا بحيث لو لم يكن الدم بتلك القيود لما كان محكوما بأحكام الحيض شرعا و ان كان حيضا واقعا و هي أمور أحدها ان يكون الدم قبل يأس المرية بلا خلاف بين أهل العلم كما في محكي المعتبر بل بإجماع من الأصحاب كما في المدارك.

و انما الخلاف في حد اليأس انه هو خمسون مطلقا أو ستون كذلك أو خمسون في غير القرشية أو غيرها و غير النبطية و ستون في القرشية أو فيها و في النبطية على حسب اختلاف الاخبار. و مرسلة ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بلغت المرية خمسين سنة لا ترى حمرة الا ان تكون أمرية من قريش. توجب الجمع بين الاخبار. و تقييد إطلاق الخمسين بغير القرشية و تقييد الستين. و ان كان هاهنا وجه آخر للجمع ذكرناه في الرسالة التي عملناها في الدماء ثانيها ان يكون بعد بلوغها التسع و هو مذهب العلماء كافة كما عن المنتهى لغير واحد من الروايات‌

و قضية اعتبار الأمرين ان‌

ما تراه المرأة بعد خمسين سنة ان لم تكن قرشية أو بعد ستين سنة ان كانت قرشية

و مثلها النبطية على اشكال فيها أو قبل تسع سنين مطلقا قرشية كانت أو غيرها فليس بحيض

و ثالثها ان‌

اقله ثلاثة أيام

بلا خلاف بل إجماعا منقولا مستفيضا بل محصلا لأخبار كثيرة. إنما الخلاف في ان الأيام الثلاثة لا بد أن تكون متواليات أولا فعن الأكثر بل المشهور اعتبار التوالي فيها لانسباقه من إطلاقها. و لو لا الانسباق فلا أقل من كونه المتيقن من الإطلاق. و لظهور ثلاثة أيام لبيان أقل‌