اللمعات النيرة في شرح تكملة التبصرة - ج2

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
40 /
2

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصلاة

و لها معان منها المعروف بين المتشرعة بل المعروف بين أهل بعض الشرائع السابقة و هو العبادة المخصوصة و مخالفة ما في شرعنا و ما في سائر الشرائع و مباينتهما ليس الا كاختلافها في شرعنا بحسب أنواعها و اختلافها بحسب الأشخاص و حالاتها. و كما لا يوجب ذاك الاختلاف تغير الاستعمال فيها حقيقة و مجازا لا يوجب هذا الاختلاف و ذلك لإمكان تصور جامع لتلك المخالفات و قدر مشترك بين تلك المتباينات يتحقق بها على شتاتها و تباينها و يكون هو الموضوع للفظ الصلاة لا المتباينات. بناء على ما هو الصحيح من كون أسامي العبادات موضوعة للصحيح كما حققناه في الأصول بحثا و كتبا. و كيف كان فهي أشهر من ان يحتاج الى شرحها لفظا بداهة تصور مفهومها إجمالا بدون شرحها كذلك. و اما تصورها تفصيلا و لو بالرسم فهو يتوقف على بيان ما لها من الأجزاء و الشرائط على ما يأتي إنشاء اللّه. كما ان عظم فضلها بين العبادات و كونها‌

3

أهم الطاعات و أحب القربات الى اللّه تعالى في زماننا أظهر من ان يخفى.

و كفاك ما روى الكليني (رحمه اللّه) في الصحيح عن معاوية بن وهب قال:

سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد الى ربهم و أحب ذلك الى اللّه عز و جل ما هو فقال: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة الا ترى ان العبد الصالح عيسى بن مريم صلى اللّه على نبينا و عليه قال: أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا و فيه أبواب الباب‌

الأول في المقدمات

و هي تذكر في فصول

الفصل الأول في أعدادها.

الصلاة الواجبة بالأصل و ان عرضها الاستحباب كالمعادة في كل يوم و ليلة خمس أحدها الظهر و هي أربع ركعات في الحضر مطلقا و في السفر بشرائط القصر ركعتان و بدونها كما في الحضر و ثانيها العصر و هي كذلك اى كالظهر حضرا و سفرا و ثالثها المغرب و هي ثلاث ركعات فيهما أي في الحضر و السفر و رابعها العشاء و هي كالظهر حضرا و سفرا و خامسها الصبح و هي ركعتان فيهما اى سفرا و حضرا و النوافل اليومية أربع و ثلاثون في الحضر مطلقا و في السفر إذا أخل بشرائط القصر كما هو المشهور. بل في المدارك هذا مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا. و نقل فيه الشيخ الإجماع. و عن الدروس عليه فتوى الأصحاب. و يدل عليه أخبار كثيرة. منها ما رواه الكليني و الشيخ عن فضل بن يسار عن ابى عبد اللّه قال: الفريضة و النافلة احدى و خمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالسا يعدان بركعة و النافلة أربع و ثلاثون ركعة. و خبر البزنطي قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ان أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع بعضهم يصلى أربعا و أربعين ركعة و بعضهم يصلى خمسين فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو حتى اعمل بمثله فقال (عليه السلام): واحدة و خمسين ركعة ثمَّ أمسك و عقد بيده الزوال ثمانية و أربعا بعد الظهر و أربعا قبل العصر و ركعتين بعد المغرب و ركعتين قبل عشاء الآخرة و ركعتين بعد العشاء من‌

4

قعود يعدان بركعة من قيام و ثمان صلاة الليل و الوتر ثلاثا و ركعتي الفجر و الفرائض سبع عشر ركعة فذلك احدى و خمسون ركعة و الاخبار المتضمنة للأقل لا دلالة لها على نفى استحباب الزائد و لعل الاقتصار عليه انما كان لتأكد استحبابه كما ربما يظهر من صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا تصل أقل من اربع و أربعين ركعة لظهور النهى عن ترك الأقل في تأكد الاهتمام به مع استحباب الزائد أيضا. و ما دل على نفى استحباب الزائد و انه خلاف السنة مؤول أو مطروح لعدم العمل به فلا يقاوم لمعارضة الأخبار الكثيرة الدالة على الاستحباب و عليها عمل الأصحاب. و تفصيل هذه النوافل ثمان ركعات قبل الظهر للظهر و ثمان ركعات بعدها للعصر. على ما نسب الى ظاهر الأصحاب.

بل في المدارك انه المشهور بين الأصحاب. و عن محكي المهذب البارع ان عليه عمل الطائفة. و عن أمالي الصدوق ان من دين الإمامية الإقرار بأن نافلة العصر ثمان ركعات قبلها. و لكن ليس في الاخبار ما دل على هذا الاختصاص و الإضافة لا فيهما و لا في غيرهما. بل في قول ابى جعفر في صحيح ابن مسلم: و انما أمروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة.

و قوله في صحيحة الآخر انما أمروا بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة. و قول على بن الحسين (عليه السلام) في خبر أبي حمزة الثمالي:

ان اللّه تعالى يتم ذلك بالنوافل. دلالة على ان النوافل انما كانت بجملتها مضافة للفرائض كذلك. فان التتميم و التكميل بها ينافي الاختصاص على النحو المترائى من اختلاف الفرائض بحسبها كثرة و قلة. فإنه يقتضي المساواة و مراعاة عدد ركعاتها و اختصاص النافلة مقدارها كما لا يخفى.

و توزيعها على أوقات الفرائض لا يقتضي الاختصاص. نعم لا بأس بإضافة ما في وقتها إليها لكفاية أدنى المناسبة في الإضافة. و كيف كان ليس تعيين ذلك بمهم بعد إمكان الإشارة إليها و قصد امتثال أمرها و عدم ترتب‌

5

ثمرة مهمة عليه أصلا. و اربع ركعات بعد المغرب لأخبار كثيرة.

منها خبر ابن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلها و لا بعدها شي‌ء إلا المغرب فان بعدها اربع ركعات لا تدعهن في سفر و لا حضر الحديث و ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة لغير واحد من الاخبار. منها ما عن الخصال عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) في حديث شرائع قال:

بعد بيانه الصلوات المفروضة و ان جملتها سبع عشر ركعة و السنة أربع و ثلاثون ركعة. منها اربع ركعات بعد المغرب لا يقصر فيها في السفر و الحضر و ركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة تعدان بركعة الخبر.

و ثمان ركعات صلاة الليل و ركعتا الشفع و ركعة الوتر ففيما روى احمد ابن ابى نصر قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ان أصحابنا يختلفون في صلاة التطوع بعضهم يصلى أربعا و أربعين و بعضهم يصلى خمسين فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو حتى اعمل بمثله فقال: أصلي واحدة و خمسين ركعة ثمَّ قال: أمسك و عقد بيده الزوال ثمانية و أربعا بعد الظهر و أربعا قبل العصر و ركعتين بعد المغرب و ركعتين قبل العشاء الآخرة و ركعتين بعد العشاء من قعود تعدان من ركعة من قيام و ثمان صلاة الليل و الوتر ثلاثا و ركعتي الفجر. و الفرائض سبع عشرة فذلك احدى و خمسون ركعة و بمضمونه غير واحد من الروايات و ركعتا الفجر للرواية السابقة و غيرها و تسقط في السفر مع شرائط التقصير نوافل النهار خاصة دون النوافل الليلية. اما سقوط نوافل الظهرين. فمضافا الى ما في المدارك من انه مذهب الأصحاب و لا نعلم فيه مخالفا. لصحيح عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلا المغرب. و خبر ابي بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء‌

6

إلا المغرب فان بعدها اربع ركعات لا تدعهن في حضر و لا سفر. و غيرهما من الاخبار. و اما عدم سقوط نوافل المغرب لما في الخبرين و غيرهما. و اما عدم سقوط الوتيرة فلعموم اخبار ثبوتها و عموم اخبار سقوط النوافل و ان كان يعمها الا ان بين العمومين عموم من وجه و لا يبعد كون عموم الإثبات أظهر فيخصص به عموم السقوط. هذا مضافا الى ما رواه ابن بابويه عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) قال: انما صارت العشاء مقصودة و ليس تترك ركعتاها لأنهما زيادة في الخمسين تطوعا ليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع. و ضعف سنده لو كان غير ضائر لتسامح الأصحاب في دليل الاستحباب فمع وجود هذا الخاص المعلل لا وجه للتمسك بعموم الأخبار المستفيضة الدالة على سقوطها فلا وجه للسقوط. الا ان ينعقد الإجماع عليه و لا يكاد ينعقد فان الشيخ في محكي النهاية قال: يجوز فعلهما. نعم ظاهر المشهور سقوطها و لذا كان الأولى ان يأتي بالوتيرة رجاء خروجا عن شبهة الخلاف و من الصلاة الواجبة الجمعة و العيدان في حال الحضور و لا تجب صلوتهما حال غيبة الإمام (عليه السلام) على المشهور على ما حكى و الكسوف اى كسوف الشمس و القمر و الزلزلة و الايات و الطواف الواجب و الجنائز أقيم في كل منها المضاف اليه مقام المضاف و النذور و شبهه من العهود و الحلوف و المستأجر عليها أقيم الصفة مقام الموصوف بها و ما عدا ذلك اى الصلوات الواجبة مسنون و مستحب‌

الفصل الثاني في أوقاتها

أي الصلوات الواجبة و النوافل اليومية. أما الصلوات اليومية من الصلوات الواجبة فلكل واحدة منها وقتان. لقول ابى عبد اللّه (عليه السلام) في الصحيح: لكل صلاة وقتان و أول الوقت أفضله. و قوله: في صحيح آخر لكل صلاة وقتان و أول الوقتين أفضلهما و في صحيحة زيد الشحام عن ابي عبد اللّه. و صحيحة زرارة و فضل عن‌

7

ابى جعفر استثناء صلاة المغرب عن هذا الحكم و ان لها وقتا واحدا و وقتها وجوبها. و التوفيق العرفي بين الاخبار و ان كان يقتضي تخصيص عموم لكل صلاة وقتان. بغير المغرب. الا ان اختلاف الاخبار في آخر وقت فضيلتها أو آخر وقت أجزائها في السفر و الحضر و الضرورة و غيرها كسائر الصلوات. يوجب حمل الصحيحتين على ان الوقت الواحد انما هو لا فضل افرادها. هذا مضافا الى ان دلالتهما على ان لها مطلقا وقتا واحدا ليس إلا بالإطلاق. و دلالة قوله لكل صلاة وقتان على ان لها أيضا وقتين بالعموم فيكون أقوى و لا محيص عن حمل الأضعف على الأقوى كما لا يخفى. فاعلم انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و دخول وقتها بزوال الشمس و هو انحرافها عن دائرة نصف النهار بلا خلاف بين أهل العلم كما في محكي المنتهى بل بإجماع العلماء كما في محكي المعتبر. و يدل عليه أخبار كثيرة.

منها صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام). قال: سئلته عما فرض اللّه من الصلاة فقال: خمس صلوات في الليل و النهار فقلت: فهل سماهن اللّه و بينهن في كتابه فقال نعم: قال عز و جل لنبيه (صلى اللّه عليه و آله) «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» و دلوكها زوالها ففيما بين زوال الشمس الى غسق الليل اربع صلوات سماهن و بينهن و وقتهن و غسق الليل انتصافه الحديث. و منها صحيحة أخرى لزرارة عنه (عليه السلام). انه قال: إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر و إذا غربت دخل الوقتان المغرب و العشاء الآخرة. و لا ينافي ذلك صحيح عبد الخالق قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقت الظهر فقال: بعد الزوال بقدم أو نحو ذلك إلا في يوم الجمعة أو في السفر فان وقتها حين تزول. و قريب منه رواية سعيد الأعرج عنه (عليه السلام). فإنه محمول على وقت فضيلته فيما كانت هناك نافلة مراعاتا للنافلة و لذا استثنى الجمعة و السفر حيث لا نافلة فيه و تقدم نافلتها على الزوال فيها كما يشعر بذلك قول ابي جعفر (عليه السلام). في صحيحة زرارة‌

8

أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان قلت: لم جعل ذلك قال لمكان النافلة لك ان تنفل ما بين زوال الشمس الى ان يمضي الفي‌ء ذراعا فاذا بلغ فيئك ذراعا من الزوال بدأت بالفريضة و تركت النافلة و لعل الذراع غاية وقت مزاحمة النافلة وقت الفضيلة و إن كان الأفضل ان لا يزاحم الا بمقدار مضي‌ء القدم عن الزوال. و لا وجه لحمل الصحيح و ما قريب منه من اخبار الذراع على التقية. ثمَّ انه يختص الوقت بها حتى يمضى من الزوال مقدار أدائها و لا يشاركها العصر أصلا بحيث لا يصح لو وقع فيه بحال من الأحوال.

كما هو المحكى عن المشهور. بل في محكي المختلف نسبته إلى علمائنا عدا الصدوق. بل عن محكي ذلك بلا استثناء. بل حكى عن بعض نقل الإجماع عليه من جماعة و يدل عليه مضافا الى ذلك. مرسلة داود بن فرقد المنجبرة بما عرفت عن الصادق (عليه السلام) إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضى مقدار ما يصلى المصلي أربع ركعات فاذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر و العصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلى اربع ركعات فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر و بقي وقت العصر حتى تغيب الشمس و إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلى المصلى ثلاث ركعات فاذا مضى ذلك فقد خرج وقت المغرب و بقي وقت العشاء الآخرة الى انتصاف الليل. و لا يعارضه ما دل من الآية و الرواية على انه إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر و العصر أو انه إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر و العصر جميعا. لصراحة المرسلة بخلافهما لاحتمالهما للحمل على ما يوافقها. و لو سلم ظهورهما في الاشتراك بان يكون المراد من دخول الوقتين على التوزيع و لو لأجل كون العصر مرتبة على الظهر و مشروطة بتقدمها عليها و كونها كالركعة الثانية بالإضافة إلى الأولى. هذا مع انه فيما إذا ظن الزوال و صلى الظهر ثمَّ صار قبل إكمالها بلحظة صح العصر بعدها بلا فصل مطلقا مع وقوعها في وقتها بل في أوله‌

9

إلا تلك اللحظة و صح إطلاق دخول الوقتين بهذه الملاحظة ثمَّ يشترك الوقت بينها و بين العسر الى ان يبقى من الوقت مقدار أداء العصر فيختص ذاك المقدار بها لما عرفت و إذا غربت الشمس و حده اى حد الغروب غيبوبة الحمرة المشرقية و ذهابها دخل وقت المغرب بلا خلاف في كون الغروب أول وقت المغرب بل عن المعتبر و التذكرة و غيرهما دعوى الإجماع عليه و انما الخلاف في انه يتحقق بمجرد استتار القرص و غيبوبته تحت الأفق عن الانظار كما حكى عن جماعة من الأصحاب أو لا بد معه من ذهاب الحمرة المشرقية و منشأ الخلاف اختلاف الاخبار. فما احتج به للأول صحيحة عبد اللّه بن سنان قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول وقت المغرب إذا غربت الشمس و غاب قرصها. و قريب منها غير واحد من الصحاح و غيرها. و مما احتج به للثاني ما رواه الشيخ عن على بن احمد بن أشيم عن بعض أصحابنا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام). قال سمعته يقول وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من الشرق و تدري كيف هو ذاك قلت لا.

قال: لان المشرق مطل على المغرب هكذا و رفع يمينه فوق يساره فاذا غابت هاهنا ذهبت الحمرة من هاهنا. و لو لا ضعف سندها لكان التوفيق بينها و بين الصحيحة و غيرها ان اعتبار الذهاب انما هو لعدم تحقق الغروب قبله لاستلزامه للذهاب كما يظهر من تعليله. و لا يبعد ان يكون الغيبوبة تحت الأفق كذلك و إن كانت الغيبوبة بمعنى الاستتار عن الانظار لم تكن كذلك بل كانت قبله بدقائق يسيرة فتكون شارحة لما أريد من الغروب و الغيبوبة في تلك الاخبار. مع ان ضعف سندها منجبر بعمل المشهور أو الأكثر بها و بأخبار لو لم تكن دالة على اعتبار الذهاب كما احتج عليه بها لكانت مؤيدة لها كما لا يخفى على من راجعها فيكون ما عليه المشهور أو الأكثر أظهر. هذا مع إمكان ان يكون اعتبار الذهاب لأجل كون المدار في الاستتار هو استتار القرص تحت الأفق و هو كثيرا ما يتوهم تحققه‌

10

بمجرد الاستتار من العين مع عدم تحققه و قد كان الاستتار المشاهد بسبب حيلولة الطلال و الجبال في البين فلاهتمام الشارع بحفظ وقت المغرب اعتبر الذهاب و أوجب الاحتياط بالانتظار لئلا تقع في خارج وقتها و لعل ذلك المراد بما في خبر عبد اللّه بن وضاح: فكتب إليه أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك. إذ لا يليق بالإمام (عليه السلام).

الجواب بالاحتياط في الشبهة الحكمية بل عليه رفع دفع الاشتباه ببيان ما هو حكم المسئلة واقعا الا ان يكون هذا التعبير مع كونه في بيان حكمها كذلك لأجل التقية و إيهام أن الانتظار لمجرد الاحتياط لا الاعتبار ثمَّ يمتد وقت المغرب الى ان يمضي مقدار أدائها ثمَّ يشترك بينها و بين العشاء الى ان يبقى لانتصاف الليل مقدار أداء العشاء فيختص بها للمرسلة المتقدمة و لصحيحة عبيد بن زرارة عن ابي عبد اللّه (عليه السلام). كما في المدارك قال و منها صلوتان أول وقتهما من غروب الشمس الى انتصاف الليل الا ان هذه قبل هذه. و لما في الوسائل عنه أيضا عن ابى عبد اللّه (عليه السلام). انه قال إذا غربت الشمس دخل وقت الصلوتين الى نصف الليل و يخرج حينئذ أي حين الانتصاف وقت المختار للخبيرين المارين و اما المضطر لنوم أو نسيان أو حيض فالأظهر بقاء الوقت له الى طلوع الفجر لقول الصادق (عليه السلام) في الصحيح ان نام الرجل و لم يصل صلاة العشاء و المغرب أو نسي فإن استيقظ قبل الفجر قدر ما يصلى كليتهما فليصلهما و ان خشي ان تفوته إحداهما فليبدأ بالعشاء الآخرة. و خبر عبد اللّه سنان إذا طهرت المرية قبل غروب الشمس فلتصل الظهر و العصر و ان طهرت من أخر الليل فلتصل المغرب و العشاء. و رواية ابن حنظلة إذا طهرت المرية قبل طلوع الفجر صلت المغرب و العشاء. و غيرها. و الاشكال في ذلك لمعارضة النصوص بعد ضعف بعضها بما دل على ان لكل صلاة وقتين الظاهر في نفى الثالث فيه ما لا يخفى. ضرورة عدم مقاومته لها دلالة و لزوم‌

11

تخصيصه بها لو سلم ظهوره فيه بداهة. مع ان إمكان المنع عنه بمكان.

لقوة احتمال انه لدفع توهم وحدة الوقت لا نفى الثالث فلا إشكال في المضطر بأحد هذه الثلاثة و اما المضطر لغير ذلك فالأحوط له ان يأتي بهما اى صلاة المغرب و العشاء قبل الفجر و لكنه لا بنية خصوص الأداء لاحتمال عدم بقاء وقته أو خصوص القضاء لاحتمال بقائه بل بنية ما عليه من الأداء أو القضاء. و لا يبعد ان يكون حاله حال المضطر بالثلاثة و ان يكون إتيانه بالصلوتين لأجل بقاء الوقت للمضطر مطلقا لا لخصوص المضطر بها كما لا يخفى و إذا طلع الفجر الثاني و هو البياض المعترض على الأفق دخل وقت صلاة الصبح الى ان تطلع الشمس لأخبار كثيرة دلت على محدودية وقتها بالطلوعين. بلا خلاف في دخوله بطلوع الفجر في البين. و الإجماعات كالنصوص عليه مستفيضة. و انما الخلاف في آخره للمختار و انه ظهور الحمرة المشرقية أو طلوع الشمس.

و ان كان الأقوى امتداده الى طلوعها له كامتداده للمضطر اليه بلا خلاف.

وفاقا للمعظم. لقول ابى جعفر (عليه السلام) وقت صلاة الغداة ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس. و قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) لا تفوت صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. و قوله (عليه السلام) في رواية عبيد بن زرارة لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس و لا صلاة الليل حتى يطلع الفجر و لا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. و غيرها. و لا يقاوم لمعارضتها ما استدل به لانتهائه للمختار بظهور الحمرة و الاسفار ما رواه الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: وقت الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا و لكنه وقت لمن شغل أو نسي أو نام. و ما رواه ابن سنان في الصحيح عنه (عليه السلام) قال: لكل صلاة وقتان و أول الوقتين أفضلهما و وقت الفجر حين ينشق الفجر الى ان يتجلل الصبح السماء و لا ينبغي تأخير ذلك عمدا و لكنه وقت لمن شغل‌

12

أو نسي أو سهى أو نام. لعدم دلالتهما على خروج وقت الاختيار بذلك أولا. بل و دلالتهما على جواز التأخير لمن شغل و هو أعم من المختار ثانيا.

و غاية دلالة لا ينبغي على الكراهة لا التحريم ثالثا. و لو سلم كانت تلك الاخبار في جواز التأخير عن الاسفار للمختار أظهر منهما في عدم جوازه له كما هو واضح فلا بد من حملهما على ما لا ينافيها رابعا. و اما النوافل فوقت نافلة الظهر إذا زالت الشمس و مالت عن دائرة نصف النهار الى ان يصير زيادة ظل كل شي‌ء ذراعا لصحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) انه قال: ان حائط مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان قامة و كان إذا مضى من فيئه ذراع صلى الظهر و إذا مضى من فيئه ذراعان صلى العصر ثمَّ قال: أ تدري لم جعل الذراع و الذراعان قلت: لم جعل ذلك قال: لمكان النافلة لك ان تنتفل من زوال الشمس الى ان يمضي ذراع فاذا بلغ فيئك ذراعا بدأت بالفريضة و تركت النافلة و إذا بلع فيئك ذراعين بدأت بالفريضة و تركت النافلة. و قيل بامتداد وقت نافلة الظهر الى ان تصير الزيادة مثل الشاخص و وقت نافلة العصر مثليه. و في رواية معاوية بن وهب عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: اتى جبريل (عليه السلام) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بمواقيت للصلاة الى ان قال: ثمَّ أتاه من الغد حين زاد في الظل قامة فأمره فيصلي ثمَّ أتاه حين زاد في الظل قامتان فأمره فيصلي العصر الحديث. و قد روى معاوية بن ميسرة عنه (عليه السلام) مثله الا انه ذكر بدل القامة و القامتين ذراعا و ذراعين. و روي مفضل بن عمر عنه مثله الا انه ذكر بدل القامة و القامتين قدمين و أربعة أقدام. و لا يبعد ان يكون المراد من القامة و القامتين الذراع و الذراعين و القدمين و أربعة أقدام و انما عبر بهما في رواية معاوية بن وهب لكون القامة ذراعا لما رواه علي بن حنظلة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: في كتاب على (عليه السلام) القامة ذراع. و لكنه لا يقتضي أن تكون القامة في الصحيحة ذراعا‌

13

و يكون المراد من قوله (عليه السلام): إذا مضى من فيئه ذراع إذا مضى منه مقدار القامة. لوجود قرائن على انها قامة الإنسان ضرورة بعد كون الحائط بمقدار الذراع و صراحة قوله في ذيلها: فاذا بلغ فيئك ذراعا إلخ.

في اعتبار قامة الإنسان. و لا يصغى الى منع صراحته بعد كفاية أدنى الملابسة في الإضافة كما منعها البهبهاني في حاشية المدارك. ضرورة انه ليس ملاك الصراحة عدم إمكان إرادة الغير عقلا بل عدم احتمالها عرفا و لا يكاد يحتمل ارادته (عليه السلام) من قوله: فاذا بلغ من فيئك ذراعا.

فاذا بلغ ظل الشاخص مثله كما هو واضح فاذا صارت كذلك أي زيادة ظل كل شي‌ء ذراعا و لم يصل شيئا من النافلة اشتغل بالفريضة لما في موثقة عمار بن موسى الساباطي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

للرجل ان يصلى من نوافل الزوال الى ان يمضي قدمان فان مضى قدمان قبل ان يصلى ركعة بدأ بالأولى و لم يصل الزوال الا بعد ذلك و للرجل ان يصلى من النوافل العصر ما بين الأولى الى ان تمضى أربعة أقدام فإن مضت الأربعة أقدام و لم يصل من النوافل شيئا فلا يصلى النوافل و ان صلى ركعة فليتم النوافل حتى يفرغ منها ثمَّ يصلى العصر الحديث. هكذا رواها في المدارك و هو نقل بالمعنى المراد منها قطعا كما لا يخفى على من راجعها و لذا ادعى صراحتها فيها حيث لا يخل بها سوء تعبيرها كما هو الغالب في روايات عمار على ما قيل و لا ضعف في سندها لكونها من الموثق و لو كان فهو منجبر بالعمل. ففي الجواهر بلا خلاف أجده سيما بين المتأخرين بل الإجماع عليه في محكي مجمع البرهان و بالموافقة لغيرها مما دل على عدم مزاحمة النافلة للفريضة و عدم التطوع في وقتها و من الموثقة ظهر انه لو تلبس بركعة من النافلة زاحم بها الفريضة و ان وقت نافلة العصر بعد الظهر الى ان يصير ظل كل شي‌ء ذراعين و لو خرج وقتها و قد تلبس بركعة منها زاحم بها الفريضة و الا اشتغل بها و وقت نافلة المغرب

14

بعدها اى بعد صلاة المغرب لغير واحد من الاخبار. منها ما في رواية الحرث النضري عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) و اربع ركعات بعد المغرب يا حارث لا تدعها في سفر و لا حضر. و يمتد وقتها الى ان تذهب الحمرة المغربية لما دل على النهى عن التطوع وقت الفريضة و استثناء الرواتب عن النهى عن ذلك انما هو بالنسبة إلى فرائضها لا بالنسبة إلى فريضة أخرى.

مع انه يظهر من النصوص المعللة لضرب الأوقات للرواتب بأنه لئلا يكون تطوع في وقت الفريضة. انها في وقتها المضروب لها غير مستثناة. و ان النهى عن التطوع في وقت الفريضة انما كان عن التطوع بما لا وقت له أو بما له الوقت في غير وقته و نافلة المغرب حيث لم يضرب لها وقت الا كونها بعد المغرب كما في بعض الاخبار أو كون ركعتين بعد المغرب و ركعتين قبل العشاء الآخرة كما في خبر البزنطي: كان المتيقن من ذلك ضرب ما بين صلاة المغرب و صلاة العشاء في أول وقت أجزائها أو فضيلتها و هو ذهاب الحمرة و قتالها و لا كونه المنساق من الإطلاق بملاحظة أن المعتاد و المتعارف من وقت أدائها في ذاك الزمان هو ذلك أيضا فيكون فعلها فيه في وقتها فلا يكون تطوعا في وقت الفريضة أو مستثنى عن النهى عنه قطعا و منه قد انقدح انه لو ذهبت الحمرة و لم يكملها اشتغل بالعشاء على الأحوط و لا يأتي بها و لا بما بقي منها قبلها و الا كان من التطوع في وقت الفريضة.

و لا دليل هاهنا على المزاحمة لو تلبس بركعة منها الا القياس على نافلة الظهرين مع انه مع الفارق لكون مزاحمتهما لفريضتهما لا لفريضة أخرى كما في مزاحمتها. و لا دليل على حرمة إبطال النافلة لو قيل بانعقادها صحيحة لعدم حرمة التنفل في وقت الفريضة. ثمَّ لا يخفى ان البحث هنا و نظائره من حيث توظيف الوقت لها شرعا و ستعرف البحث من حيث حرمتها و كراهتها في غير وقتها لو كان وقت فريضة و وقت نافلة الوتيرة بعد العشاء و لو اتى بها في آخر وقتها الاختياري لإطلاق أخبارها. و اما لو اتى‌

15

بها في آخر وقتها الاضطراري فلا وقت لنافلتها بل كان فعلها من التطوع في وقت الفريضة و منه انقدح انه انما يمتد وقت الوتيرة بامتداد وقتها الا ان يؤتى بها آخر وقتها. و إطلاق اخبارها معارض بما دل على النهى عن التطوع في وقت الفريضة. مع انه ورد في بيان حكم آخر و هو انها بعد العشاء لا قبلها كنافلة الفجر و الظهرين و وقت نافلة الليل بعد انتصافه كما هو مذهب علمائنا اجمع كما في المدارك. و قد استدل عليه بصحيح فضيل عن أحدهما (عليهما السلام): ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان يصلى بعد ما ينتصف الليل ثلاث عشر ركعة. و صحيح ابن أذينة عن عدة سمعوا أبا جعفر يقول: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلى من النهار حتى تزول الشمس و لا من الليل بعد ما يصلى العشاء حتى ينتصف الليل. و لا يخفى ان الروايتين انما دلتا على ان ما بعد النصف وقت لها لا على انه ابتداء وقتها لاحتمال ان يكون مداومة النبي و الوصي على الصلاة بعد الانتصاف لكونها أفضل. كما دل عليه خبر سماعة عن ابي عبد اللّه قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله الى آخره الا ان أفضل ذلك بعد انتصاف الليل. نعم انما دل على توظيف وقتها بذلك خبر عبد اللّه بن زرارة انه قال أبو جعفر (عليه السلام): وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل الى آخره. مع انه لا يبعد دعوى ظهور الرواية أيضا في ان الامام (عليه السلام) فيها بصدد توظيف الوقت و تعيينه بما يداوم عليه النبي و الوصي من الصلاة بعد الانتصاف ابتداء و كون وقتها الموظف شرعا هو بعد الانتصاف لا ينافي عدم البأس بفعلها و لو لغير عذر قبله. كما دل عليه خبر سماعة لأجل كون صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى اتى بها قبلت كما في بعض الاخبار. و يدل على ذلك رواية القسم بن الوليد انه سئل الصادق (عليه السلام) نوافل النهار كم هي قال: ست عشرة أيّ ساعات النهار شئت ان تصليها صليتها إلا انك إذا صليتها في مواقيتها‌

16

أفضل. و بالجملة لا منافات بين توظيف الوقت للنافلة و دخله في حصول الغرض المرغوب منها بتمامه و كماله و جواز فعلها قبله أو بعده و لو لغير عذر إذا كان بعض الغرض حاصلا بها كما هو الحال في الفريضة أيضا و التوفيق بذلك بين الاخبار أولى عن حمل جميع الأخبار المجوزة لتقديمها على الرخصة في التقديم بعذر كالسفر و الشباب و الشيب و النوم و البرد و نحو ذلك مما في الاخبار من الاعذار لتابى خبر سماعة و بعض الاخبار الأخر من ذلك كما لا يخفى و كلما قرب فعل نافلة الليل من الفجر كان أفضل بلا خلاف معتد به في الجواهر. بل عن صريح جماعة و ظاهر التذكرة الإجماع عليه. لرواية مرازم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له متى أصلي صلاة الليل فقال: صلها آخر الليل إلخ. و ضعف سنده منجبر بما عرفت مضافا الى التسامح في أدلة السنن و لو طلع الفجر و قد تلبس بأربع ركعات من صلاة الليل زاحم بها صلاة الصبح و إلا قضاها كما هو مذهب الأصحاب حسب ما نسب إليهم في المدارك. و دليله خبر ابي جعفر الأحول قال: قال أبو عبد اللّه إذا أنت صليت اربع ركعات من صلاة الليل قبل طلوع الفجر فأتم الصلاة طلع أو لم يطلع. و ضعفه بعمل الأصحاب مجبور. و مضمر يعقوب البزاز قال: قلت له أقوم قبل الفجر بقليل فأصلي أربع ركعات ثمَّ أتخوف أن ينفجر الفجر ابدء بالوتر أو أتم الركعات قال: لإبل أوتر و أخر الركعات حتى تقضى في صدر النهار. و ان كان لا يقاومه لضعف سنده بالإضمار و غيره بلا انجبار الا انه لا بأس بالعمل به تسامحا في أدلة السنن و وقت ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الليل و ان كان ذلك قبل طلوع الفجر الأول. كما ذهب اليه الشيخ في النهاية و ابن إدريس و عامة المتأخرين حسبما في المدارك. لما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد قال: سئلت الرضى (عليه السلام) عن ركعتي الفجر قال: احشوا بهما صلاة الليل. و عن ابى يعفور قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ركعتي الفجر متى أصليها فقال: قبل الفجر‌

17

و معه و بعده. و غيرهما و قضية إطلاق هذه الاخبار و ان كانت جواز حشوهما في صلاة الليل و ان كان صلاها بعد الانتصاف بلا فصل. الا ان خبر محمد بن مسلم دل على ان أول وقتهما سدس الليل الباقي قال: سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن أول وقت ركعتي الفجر فقال: سدس الليل الباقي. نعم: يمكن التوفيق بأن أول وقتهما الموظف شرعا هو السدس الباقي لدخله في حصول تمام الغرض المرغوب و ان كان بعضه يحصل بفعلهما قبل الوقت كما تقدمت الإشارة اليه و لكن تأخيرهما إلى طلوعه اى الفجر الأول أفضل لأنهما من صلاة الليل. كما في صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: سئلته عن ركعتي الفجر فقال: قبل الفجر انهما من صلاة الليل ثلاث عشر ركعات صلاة الليل إلخ. و الأمر بحشوهما فيها في صحيح احمد بن محمد و غيره و قد تقدم انه كلما قرب فعلها من الفجر الثاني كان أفضل. و لقول ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رواية إسحاق بن عمار: صلهما قبيل الفجر و معه و بعده فقلت: متى أدعها حتى أقضيها قال: إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة. و لذلك كان تقديمهما على هذا الفجر أيضا أفضل. و قد أمر في ذيل رواية زرارة بالابتداء بالفريضة بقوله:

إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة. و في رواية أخرى له قال:

قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الركعتان اللتان قبل الغداة أين موضعهما قال:

قبل طلوع الفجر فاذا طلع الفجر فقد دخل وقت الغداة و لو طلع الفجر زاحم الصبح بهما لقول الصادقين في غير رواية: صلهما قبل الفجر و معه و بعده. ثمَّ انه يمتد وقت مزاحمتهما له الى ان تطلع الحمرة المشرقية.

لصحيحة على بن يقطين قال: سئلت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل لا يصلى الغداة حتى يسفر و تظهر الحمرة و لم يركع ركعتي الفجر أ يركعهما أو يؤخرهما قال: يؤخر هما لكن الظاهر ان عدم المزاحمة مع الاسفار و ظهور الحمرة و تأخيرهما حينئذ عن الفريضة انما كان أفضل و اولى و ان‌

18

جاز تقديمها. كما هو ظاهر رواية إسحاق بن عمار حسبما لا يخفى. هاهنا‌

مسائل

الأولى تصلى الفرائض

اليومية و غيرها في كل وقت و لو كان وقت فريضة أخرى أداء و قضاء ما لم يتضيق وقت الحاضرة إجماعا فإن تضيق فاللازم الإتيان بها فلو اتى بغيرها فان كانت شريكتها كالظهر في ضيق وقت العصر أو المغرب في ضيق وقت العشاء لوقعت فاسدة. لما في رواية الحلبي: و ان هو خاف ان يفوته فليبدأ بالعصر و لا يؤخرها فيكون قد فأتاه جميعا. و اما غيرها فالظاهر وقوعها صحيحة. بناء على الصحيح من عدم حرمة الضد و ان كان عاصيا بترك الحاضرة و يصلى النوافل الرواتب قضاء و أداء و غيرها ما لم يدخل وقت الفريضة بلا منع أصلا و اما ان دخل فقد عرفت تفصيل مزاحمة الرواتب لها و اما غيرها و لو كان قضائها ففي جواز مزاحمتها و إتيانها في وقتها و عدم الجواز خلاف. منشأه ما يتراءى من اختلاف الأخبار. فقضية إطلاق الكثر أدلة النوافل و ظاهر خصوص موثقة سماعة قال: قلت سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد و قد صلى امامه أ يبتدى بالمكتوبة أو يتطوع فقال: ان كان في وقت حسن فلا بأس بالتطوع قبل الفريضة الخبر. و عموم بعض أدلة قضائها كما في خبر على بن جعفر عن قرب الاسناد عن أخيه موسى (عليه السلام) سئلته:

عن رجل نسي صلاة الليل و الوتر و يذكر إذا قام في صلاة الزوال قال:

ابتدأ بالظهر فاذا صلى صلاة الظهر صلى صلاة الليل و الوتر ما بينه و بين صلاة العصر أو متى أحب. و خصوص بعضها كذيل هذا الخبر و خبر ابى بصير قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان فاتك شي‌ء من تطوع الليل و النهار فاقضه عند زوال الشمس و بعد الظهر عند العصر و بعد المغرب و بعد العتمة و من آخر السحر. و النصوص المتفرقة في الأبواب و كتب الأدعية في خصوص النوافل في أوقات الفرائض و إطلاق مثل قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) صلاة التطوع بمنزلة الهدية متى اتى بها قبلت فقدم‌

19

منها ما شئت و أخر ما شئت. و قوله (عليه السلام): صلاة النهار ست عشر ركعة أيّ ساعات النهار شئت في اوله و ان شئت في وسطه و ان شئت في آخره. و قوله (عليه السلام) أيضا في رواية القسم بن الوليد في جواب السؤال عن نوافل النهار كم هي: ست عشرة أيّ ساعات النهار شئت ان تصليها صلها إلا انك إذا صليتها في مواقيتها أفضل الى غير ذلك. جواز التطوع وقت الفريضة كما ان قضية الأخبار الناهية عنه أو النافية له أو الإمرة بابتداء الفريضة بعد دخول وقتها عدم الجواز. و لكن لا يخفى ان ظهور هذه في المنع لا يقاوم ظهورها في الجواز سيما بعد ملاحظة ان بنائهم على عدم تقييد المطلقات في باب المستحبات بالنسبة إلى أصل الاستحباب في غير الباب من سائر الأبواب و يحملون ما دل على التقييد من أمر أو نهى أو نفى على تقييدها بالنسبة الى بعض مراتبه. هذا مضافا الى ما في الاخبار من الشهادة على ذلك و كفاك شاهدا رواية القاسم المتقدمة و حسنة محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا دخل وقت الفريضة أتنفل أو ابدء بالفريضة فقال: ان الفضل ان تبدء بالفريضة. مع انه من البعيد جدا جواز فعل سائر المستحبات بل الجائز بل المكروه في وقت الفريضة و عدم جواز التطوع بالصلاة التي هي معراج المؤمن و خير موضوع و قرة عين النبي (صلى اللّه عليه و آله) و خير العمل و غير ذلك مما ربما يوجب القطع بان جواز التطوع في وقتها اولى بالجواز منها كما لا يخفى.

و ليست دعوى القطع بالأولوية كما عن كاشف اللثام مجارفة هذا كله مع انه قد حدد وقت الفريضة الذي لا ينبغي التطوع فيه بما إذا أخذ المقيم في الإقامة كما دل عليه صحيح عمر بن يزيد انه سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي ان يتطوع في وقت فريضة ماحد هذا الوقت قال: إذا أخذ المقيم في الإقامة فقال: الناس يختلفون في الإقامة قال: المقيم الذي يصلى معه. حيث يظهر منه انه لا منع عنه قبل أخذ المقيم‌

20

في الإقامة و المنع عنه في هذا الوقت ليس إلا لأجل مزاحمته درك تمام فضيلة الجماعة التي لا يوجب المنع عنه الا تنزيها لو لم تدرك أصلا بل الا تبعا و عرضا إرشادا إلى إمكان درك تمامها بتركه مع إمكان دركه بعد الفريضة بلا نقيصة. و هذا الخبر له الحكومة على جميع الأخبار الناهية عنه أو النافية له وقت الفريضة. نعم: ربما ينافيه و يعارضه ما دل منها على ان توظيف الوقت بالذراع و الذراعين لنافلة الظهرين انما هو لئلا يتطوع في وقت الفريضة و يمكن الجمع بينهما بان وقت الإقامة غالبا في الصدر الأول وقت فضيلة الفريضة أيضا و قبله لا منع عنه أصلا حيث لا مزاحمة له لا لوقت فضيلة الفريضة و لا لفضيلة الجماعة لتمامها كما لا يخفى.

فان المنع عنه كان لمزاحمته لأحدهما فافهم. و كيف كان فالأحوط ان لا يؤتى بها اى بالنوافل التي لم يقم دليل بالخصوص على جواز إتيانها في وقت الفريضة الإرجاء و بداعي احتمال الأمر لا بداعي الأمر خروجا بذلك عن شبهة الخلاف و ان كان الأظهر جواز إتيانها كذلك كما عرفت‌

الثانية يكره ابتداء النوافل عند طلوع الشمس و عند غروبها

كما هو المحكى عن المشهور بين الأساطين من المتقدمين و المتأخرين بل عليه نقل الإجماع عن غير واحد منهم و كذا يكره ابتدائها أيضا عند قيامها اى الشمس نصف النهار الى ان تزول إلا في يوم الجمعة و بعد الصبح و العصر عدى ذي السبب كما نسب إلى الأكثر و الأصل في ذلك اخبار. منها صحيحة مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: يصلى على الجنازة كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع و سجود انما تكره الصلاة عند طلوع الشمس و غروبها التي فيها الخشوع و الركوع و السجود لأنها تغرب بين قرني شيطان و تطلع بين قرني شيطان. و صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا صلاة نصف النهار الا يوم الجمعة. و غيرهما و إطلاق الاخبار و إن كان شاملا للفريضة و النافلة المبتدئة و غيرها الا انه حمل‌

21

على النافلة المبتدئة لورود الاذن في صلاة الفريضة و في قضاء النافلة في كل ساعة كما قيل. و لا يخفى ان الاذن في ذلك لا ينافي الكراهة ليوجب حمل الإطلاق و تقييده مع بعده جدا في صحيحة محمد بن مسلم لما فيها من العلل الشاملة لافراد الصلاة كلها كما لا يخفى. و كذا إطلاق أدلة شرعية ذوات الأسباب لا ينافي كراهتها عبادة في تلك الأوقات مع استحبابها فيها و استحقاق الثواب عليها و ان كان ثوابها أقل و فعلها في غيرها أفضل كي يئول الأمر إلى تقييد أحد الإطلاقين بالآخر نعم: لو كانت الكراهة غير كراهة العبادة لكان تقييد أحد الإطلاقين بالآخر الأظهر لو كان و الرجوع الى الأصل الغير المنافي لو لم يكن في البين أظهر، لازما و لما كان الأمر في ذلك سهلا لم يقع تغيير في عبادة الأصل تبعا للمشهور و الأكثر‌

الثالثة تقديم كل صلاة في أول وقتها أفضل

اتفاقا نصا و فتوى إلا في مواضع منها المغرب و العشاء للمفيض من عرفه فان تأخيرهما إلى المشعر الحرام أفضل و ان مضى ربع الليل بإجماع أهل العلم كما عن المنتهى لغير واحد من الاخبار بل و ان مضى ثلث الليل لصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا و ان ذهب ثلث الليل. و منها العشاء الآخرة مطلقا فإن تأخيرها الى ان يسقط الشفق الأحمر أفضل لصحيحة الحلبي قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) متى تجب العتمة قال: إذا غاب الشفق و الشفق الحمرة. و صحيحة بكر بن محمد عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أول وقت العشاء ذهاب الحمرة و أخر وقتها الى غسق الليل. لوجوب حملها على وقت الفضيلة جمعا بينهما و بين ما دل على دخول وقتها قبله و منها تأخير الفريضة للتنقل بنافلتها لما تقدم الى غير ذلك من الموارد التي هي مذكورة في أبواب متفرقة و لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها و لا تقديمها و الا لما كان وقتها كما هو واضح.

الفصل الثالث في القبلة

و هي لغة ما يصلى نحوه و الجهة قال في الصحاح‌

22

القبلة التي يصلى نحوها و يقال أيضا ما له قبلة و لا دبرة إذا لم يهتد بجهة أمره و ما لكلامه قبلة أي جهة. و شرعا هي خصوص الكعبة عينا أو جهة للأخبار الدالة على انها القبلة التي حول وجهه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أو صرفه إليها في أثناء الصلاة و غيرها ففي المروي عن قرب الاسناد ان للّه حرمات ثلاث ليس مثلهن شي‌ء. كتابه و هو حكمة و نور و بيته الذي جعله قياما للناس و أمنا و لا يقبل من احد توجها الى غيره. و عترة نبيكم بل الظاهر انه من ضروريات المذهب بل الدين و لا ينافيه الخلاف و ذهاب جماعة إلى كونها قبلة لمن في المسجد و المسجد لمن في الحرم و الحرم لمن خرج منه فان الظاهر انه ليس المسجد و الحرام عندهم بحيالهما قبلة في قبال الكعبة بل لأن المواجهة معهما كانت مواجهة لجهتها و لذا نقل عن بعض هذه الجماعة التصريح بوجوب استقبال عينها للمتمكن من استقبالها مع ان خفاء بعض الضروريات لبعض الشبهات لا ينافي الضرورية و كيف كان فعينها قبلة مع القدرة على استقبالها و قد استدل عليه في محكي المعتبر بإجماع العلماء كافة و نقل عن غير واحد و يدل عليه خبر الاحتجاج عن العسكري في احتجاج النبي (صلى اللّه عليه و آله) على المشركين قال فيه فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعنا ثمَّ أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعنا فلم نخرج في شي‌ء من ذلك من اتباع امره و منه يظهر ان جهتها قبلة مع البعد الموجب لعدم القدرة على ذلك علما و ان اتفق أحيانا و يدل عليه قوله تعالى «فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» و الشرط هو الجانب و الجهة و المراد من المسجد الحرام الكعبة كما يظهر من اخبار الصرف و التحويل و المصلى في جوف الكعبة تصح صلوته و يستقبل اى جدرانها شاء لعدم المرجح لواحد منها اما الصلاة الناقلة فمطلقا إجماعا و اما الفريضة فعلى ما هو المشهور من جوازها كذلك خلافا للشيخ في محكي الخلاف فذهب الى تحريمها اختيارا و تبعه ابن براج و قد استدل بالإجماع‌

23

و بان القبلة هي الكعبة لمن شاهدها فتكون القبلة جملتها و المصلى في وسطها غير مستقبل الجملة و بما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تصلى المكتوبة في الكعبة. و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة. و فيه انه لا إجماع لمخالفة المشهور و هو منهم في أكثر كتبه على ما نقل و المصلى في جوف الكعبة و ان كان غير مستقبل للكعبة عرفا. الا ان موثقة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا حضرت الصلاة المكتوبة و انا في الكعبة أ فأصلي فيها. قال: صل. قد دلت على جواز الفريضة في جوفها و لا يقاوم الصحيحتين لمعارضتها دلالة و حملهما على الكراهة توفيق عرفي كما لا يخفى و المصلى على سطحها يصلى صلاة تامة كما يصلى في جوفها و يبرز بين يديه بعضها ليواجهه فلو لم يبرز بل وقف على الحائط بحيث لا يبقى بين يديه جزء من البيت لكانت صلوته فاسدة و ربما قيل بأنه يصلى الى بيت المعمور مستلقيا على ظهره موميا للركوع و السجود لرواية ضعيفة بلا جابر و كل قوم مع أهالي البلاد البعيدة يتوجهون إلى جهة ركنهم ف‍ الركن العراقي لأهل العراق و من في سمتهم و الركن اليماني لأهل اليمن و من في سمتهم و الركن المغربي لأهل المغرب و من في سمتهم و الركن الشامي لأهل الشام و من في سمتهم و علامة قبلة العراق جعل الفجر اى المشرق محاذيا لمنكبه الأيسر و الشفق اى المغرب لمنكبه الأيمن و الظاهر عدم اختصاص الاعتدالين منهما بذلك و ان لم يكن ما عداهما بمنضبط لسعة الجهة و عدم اختصاصها بما يجعل الاعتدالين كذلك كما يدل عليه خبر محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال سئلته: عن القبلة.

قال: ضع الجدي في قفاك وصل و مع فقد الأمارات الموجبة للعلم بالجهة و لا للظن بها لاعتباره في ما إذا تعذر العلم لصحيحة زرارة قال: قال أبو‌

24

جعفر (عليه السلام) يجزى التحري أبدا إذا لم يعلم اين وجه القبلة و غيرها.

و فقد البينة العادلة لحجيتها شرعا بل لا يبعد حجيتها مع التمكن من العلم أيضا يصلى كل فريضة إلى أربع جهات مع الاختيار على المشهور بل عن غير واحد الإجماع عليه لرواية خراش عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا و أنتم سواء في الاجتهاد فقال: ليس كما يقولون إذا كان كذلك فليصل إلى أربع وجوه. و نحوها مرسلة الكليني بإسقاط قضية المخالفين و تبديل الوجوه بالجوانب. هذا مع انه مقتضى قاعدة الاشتغال للتكليف باستقبال ما هو قبلة الغير المتمكن من مواجهة الكعبة مما بين المشرق و المغرب و هو ظاهرا لا يكاد يدرك في الفرض الا بالصلاة إلى أربع جهات فان المراد من المشرق و المغرب ليس الاعتدالي منهما بل تمام المشارق و المغارب و لا يدرك بالصلاة الى ثلاث جهات كما قيل إذ من المحتملات ان تكون النقطتان اللتان يصلى إليهما إلى طرف المشرق و المغرب و الأخرى على عكس ما بينهما و يصدق حينئذ انه يصلى الى المشرق و المغرب لا الى ما بينهما عرفا. و ان كانت مما بينهما دقة ضرورة أنه الملاك في الخطابات العرفية. و من هنا يمكن ان يناقش في رواية خراش بالإرسال و ضعف المرسل و عدم الجبر لاحتمال ان مستند فتوى المشهور هو الاحتياط لا الرواية و اشتمالها على نفى الاجتهاد في القبلة مع وجوبه و قوة احتمال اتحاد مرسلة الكليني معها مع انها غير قابلة للاستناد إليها و لذا لم يذكرها استنادا كما يظهر من مراجعة الكافي. هذا مع ذهاب جماعة من القدماء كالعماني و ابن بابويه و الكليني و جماعة من المتأخرين على ما حكى عنهم الى الخلاف و كفاية الصلاة الى اى جهة شاء و قد دل عليه اخبار. منها الصحيح عن ابن عمير عن بعض أصحابه عن زرارة قال: سئلت أبا جعفر عليه‌

25

السلام عن قبلة المتحير فقال: يصلى حيث يشاء. و صحيحة زرارة يجزي المتحير أينما توجه إذا لم يعلم وجه القبلة. و غيرهما و لا يخفى انه لا مجال أيضا للاستناد إلى قاعدة الاشتغال في لزوم الصلاة إلى أربع جوانب عقلا لما عرفت من دلالة غير واحد من الاخبار على الاجتزاء بالصلاة الى حيث يشاء و أينما توجه كما لا مجال معها لما نسب الى ابن طاوس من القرعة حسبما هو واضح و لكنه لا ينبغي ترك الاحتياط خروجا عن شبهة الخلاف للرواية و الشهرة و اما مع الاضطرار لضيق الوقت أو عدو أو مرض يصلى الى اى جهة شاء بلا اشكال و لا خلاف في الاجتزاء بصلاة واحدة و اجزائها كما هو قضية تلك الاخبار غايته تخصيصها بخبر خراش بحال الاضطرار و لو ترك الاستقبال الواجب عمدا أعاد الصلاة إجماعا و لو كان ظانا في ما كان الظن باستقبال القبلة معتبرا و هو في ما إذا تعذر العلم و الامارة الشرعية أو تعسر و الا كان تاركا عمدا أو كان ناسيا و كان ما صلى اليه بين المشرق و المغرب فلا اعادة عليه. و قد ادعى في المدارك الإجماع عليه. و حكى عن جماعة و يدل عليه صحيح معاوية بن عمار سئل الصادق (عليه السلام): عن الرجل يقوم في الصلاة ثمَّ ينظر بعد ما فرغ فيرى انه قد انحرف عن القبلة يمينا و شمالا قال: قد مضت صلوته ما بين المشرق و المغرب قبلة. و خبر قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليهم السلام) انه كان يقول: من صلى على غير القبلة و هو يرى انه على القبلة ثمَّ عرف بعد ذلك فلا اعادة عليه إذا كان في ما بين المشرق و المغرب و غيرهما. و يخصص بذلك ما دل بإطلاقه على وجوب الإعادة في الوقت مما يأتي من الاخبار و اما لو كان إليهما أعاد في الوقت لا بعده. و ادعى عليه الإجماع في المدارك و يدل عليه صحيح عبد الرحمن بن ابى عبد عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إذا صليت و أنت على غير القبلة و استبان لك انك صليت و أنت على‌

26

غير القبلة و أنت في وقت فأعد و ان فاتك الوقت فلا تعد. و قريب منه صحيح سليمان بن خالد. و لا تقاوم لمعارضتهما رواية معمر بن يحي قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صلى الى غير القبلة ثمَّ تبينت القبلة و قد دخل في وقت صلاة اخرى قال: يعيدها قبل ان يصلى هذه التي قد دخل وقتها.

لا سندا لضعفها و لا دلالة لصراحتهما في عدم وجوب الإعادة خارج الوقت و غايتها الظهور في وجوبها فتحمل على الاستحباب أو على ما إذا صلى غفلة بدون التحري و الاجتهاد و لو كان مستدبر القبلة أعاد مطلقا على تأمل في خارج الوقت بل منع لإطلاق التفصيل بين الوقت و خارجه في الصحيحين و غيرهما. و قد عرفت عدم مقاومة رواية معمر بن يحي للمعارضة أصلا. و لا دلالة لصحيح زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام):

لا تعاد الصلاة إلا عن خمسة الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود.

على الإعادة إلا إذا أخل بما هو شرط في الحال كما إذا صلى الى غير القبلة بلا اجتهاد غفلة أو بدونها مع البناء على الإعادة لو لم يكن إليها و الا ما أخل بما هو شرط في الحال من الاستقبال الى ما يؤدى إليه اجتهاده.

ففي صحيح ابن خالد: ان كان في وقت فليعد صلوته و ان كان مضى الوقت فحسبه اجتهاده. و في بعض الاخبار فإن القوم قد تحروا. فإنهما كالصريح في ان التحري و الاجتهاد هاهنا على نحو السببية و الموضوعية لا الطريقية كي يظهر الإخلال بشرط الاستقبال و يصدق الفوت الموجب للقضاء و كون الاجتهاد على نحو الطريقية بالنسبة إلى الإعادة في الوقت لا يقتضي كونه كذلك بالنسبة إلى خارج الوقت بل لا بد من ملاحظة دليل اعتباره. و قد دل على انه بنحو السببية بالنسبة إلى القضاء و بالجملة الاجزاء و عدمه يتبع الدليل و لا يصلى شيئا على الراحلة في الاختيار إلا النافلة فيصليها مع الاختيار و الاضطرار. و يدل على عدم جواز الفريضة معه سفرا و حضرا يومية و غيرها. مضافا الى أدلة اعتبار ما لا بد‌

27

معه من الإخلال به من الاجزاء و الشرائط كالركوع و السجود و الاستقبال و الى دعوى المعتبر انه مذهب العلماء. كما نقله في المدارك صحيح عبد الرحمن بن ابى عبد اللّه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يصلى على الدابة الفريضة إلا مريض يستقبل القبلة و يجزيه فاتحة الكتاب و يضع بوجهه في الفريضة على ما مكنه من شي‌ء و يومي في النافلة إيماء. و موثقة عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أ يصلي الرجل شيئا من المفروض راكبا قال: لا الا من ضرورة و يجوز ان يصلى الفرائض عليها مع الاضطرار للموثقة و غيرها من الاخبار المصرحة به. مضافا الى ما دل على ان الصلاة لا تترك بحال. و يدل على جواز النافلة عليها صحيح عبد الرحمن: حيث خصص بالفريضة ثمَّ الظاهر من الفريضة و النافلة ما كان كذلك ذاتا و ان عرض الاستحباب على الفريضة و الوجوب على النافلة كالمعادة و المنذورة لانسباق ذلك من الاخبار كما لا يخفى.

الفصل الرابع في اللباس

يجب ستر العورة شرطا و ان لم يكن هناك ناظر محترم اما بالقطن أو الكتان أو ما أنبتته الأرض من أنواع الحشيش أو بالخز الخالص الغير المغشوش بمثل وبر الأرانب مما لا يؤكل لحمه. و لم يقم دليل خاص على جواز الصلاة فيه اما جواز الصلاة في الخالص. فبإجماع علمائنا على ما حكاه في محكي المعتبر. و يدل عليه أخبار كثيرة. منها صحيح سليمان بن جعفر الجعفري قال: رأيت أبا الحسن الرضى (عليه السلام) يصلى في جبة خز. و اما عدم الجواز في المغشوش فلعموم ما دل من الاخبار الدالة على عدم جواز الصلاة في شي‌ء مما لا يؤكل. مضافا الى ما ورد فيه بالخصوص من قول ابى عبد اللّه (عليه السلام) في خبر الكافي:

فأما الذي يخلط فيه وبر الأرانب و غير ذلك مما يشبه هذا فلا تصل فيه. و بمعناه خبر أيوب بن نوح عن الصادق (عليه السلام) و ضعف سندهما منجبر باشتهار العمل بهما بين الأصحاب و دعوى أكثرهم الإجماع على مضمونهما كما في‌

28

المدارك عن المعتبر. فلا يقاوم لمعارضتهما خبر داود المصري قال: سئلته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الأرانب فكتب: يجوز بعدم انجبار ضعفه أو بالصوف و الشعر و الوبر مما يؤكل لحمه أو جلده مع التذكية و لا تجوز الصلاة في جلد الميتة مما يؤكل لحمه و ان دبغ إجماعا نقلا و تحصيلا لغير واحد من الاخبار. منها صحيح محمد بن مسلم قال: سئلته عن جلد الميتة أ يلبس بالصلاة إذا دبغ قال: لا و لو دبغ سبعين مرة و لا في جلد ما لا يؤكل كل لحمه و ان ذكي و دبغ و في صوفه و شعره و وبره و كل شي‌ء منه و هو إجماعي على ما نقله جماعة كما في المدارك.

و يدل عليه موثق ابن بكير قال: سئل زرارة أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيرها من الوبر فاخرج كتابا زعم انه إملاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ان الصلاة في وبر كل شي‌ء حرام اكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‌ء منه فاسدة لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل اللّه اكله. و غيره واحد من الاخبار و لا في الحرير المحض للرجال مع الاختيار و هو مذهب علمائنا كما ان علماء الإسلام على تحريم لبسه لهم. و يدل عليه أخبار مستفيضة على ما في المدارك. و يدل على عدم جواز الصلاة في الحرير المحض و بطلانها قوله في صحيحة محمد بن عبد الجبار لا تحل الصلاة في حرير محض. و غيرها مما دل بمنطوقه أو مفهومه. و في المدارك اما البطلان فعلى تقدير كونه ساترا للعورة ظاهر لاستحالة اجتماع الواجب و الحرام في الشي‌ء الواحد. و فيه ان لبس الحرير المحض و ان كان حراما على الرجال مطلقا في غير الحرب مع الاختيار الا انه مع عدم الانحصار ليس لبسه مقدمة للتستر به واجبا ليلزم الاجتماع فيه فيكون واجبا غيريا و حراما نفسيا بل حراما محضا و ان التستر به واجب و شرط و حرمة. مقدمته غير سارية اليه. و مع الانحصار في غير الحرب و الاختيار فلا يجب التستر للصلاة حينئذ كي‌

29

تجب مقدمته مع حرمتها كما لا يخفى. ثمَّ ان الاتفاق على عدم جواز الصلاة في الحرير للرجال انما هو فيما عدا ما لا تتم به الصلاة و اما فيه ففيه خلاف الا ان الأظهر جوازه لرواية الحلبي عن الصادق (عليه السلام) انه قال:

كلما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه مثل التكة الإبريسم و القلنسوة و الخف و الزنار يكون في السراويل و يصلى فيه. و سنده و ان كان ضعيفا الا انه مما يوثق به بسبب ان جل القدماء و المتأخرين قد عملوا به و غير العامل به ربما توقف لأجله أو رجح عليه غيره و كل ذلك فرع الحجية كما قيل فيقيد بها إطلاق الاخبار المانعة لو كان لها الإطلاق و لم يكن المنساق منه غير ما لا تتم به الصلاة و يكون قرينة على ان المراد من نفى الحلية في صحيح محمد بن عبد الجبار قال: كتبت الى ابى محمد (عليه السلام) اسئله هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج فكتب:

لا يحل الصلاة في حرير محض. و صحيحة الأخر كتب إليه أيضا يسئله عن الصلاة في التكة المعمولة من الحرير فأجابه بذلك ما هو يعم الكراهة لكونها نصا في جواز الصلاة في التكة و القلنسوة و نحوهما و كونهما ظاهرين في عدمه فلا محيص عن رفع اليد عن ظهورهما في مثل التكة و القلنسوة من حرير محض بصريحها و ربما يدعي زيادة وثوق بها منهما لكونهما مكاتبة و شدة التقية فيها لكثرة احتمال العوارض فيها فتكون أرجح منهما سندا لذلك أيضا و يجوز لبس الحرير المحض مع الاختيار في حال الحرب مطلقا و لو في الصلاة مع حرمته عليهم لا في هذا الحال مطلقا و لو في غير الصلاة أما حرمته كذلك فعليه علماء الإسلام كما في المدارك و الاخبار الواردة بحرمته مستفيضة و اما جوازه في حال الحرب فلموثقة سماعة قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لباس الحرير و الديباج فقال اما في الحرب فلا بأس و ان كان فيه تماثيل و يجوز لبسه للنساء في الصلاة و غيرها في حال الضرورة و الاختيار اما جواز لبسهن‌

30

له في غير الصلاة فهو إجماعي بل ضروري من المذهب بل الدين كما في الجواهر و اما جواز اللبس في الصلاة فهو مشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا على ما في الجواهر و يدل عليه موثق عبد اللّه بن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال النساء تلبسن الحرير و الديباج إلا في الإحرام. و لا يقاوم لمعارضته إطلاق صحيحة عبد الجبار دلالة و ان كان بينهما عموم من وجه فلا بد من تقييد إطلاقها به و لا رواية زرارة قال:

سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء الا ما كان من حرير مخلوط بخز لحمته أو سداه خز أو كتان أو قطن و انما يكره الحرير المحض للرجال و النساء مسندا و دلالة لضعفها بلا جابر إذ لم يعمل به الا الصدوق و لزوم التصرف فيها ضرورة جواز لبس النساء له في غير الصلاة و ليس تقييدا لحرمة بالصلاة بأولى من حمل النهى على الكراهة كما لا يخفى و يجوز للرجال مطلقا و لو في حال الصلاة الركوب عليه و الافتراش له هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب على ما في المدارك لصحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام). قال: سئلته عن فراش حرير و مثله من ديباج يصلح للرجل النوم عليه و الاتكاء و الصلاة قال (عليه السلام) يفترشه و يقوم عليه و لا يسجد عليه. هذا مضافا الى الأصل عقلا و نقلا في غير الصلاة و فيها نقلا و لا تجوز الصلاة في المغصوب مع العلم إجماعا على ما نقل عن جماعة في خصوص الساتر منه بل مطلقا كما عن جماعة التصريح بعدم الفرق بين الساتر و غيره و لا يخفى انه لا اعتماد على نقل الإجماع في مثل هذه المسئلة مما يمكن ان يكون العقل مستند الجل لو لا الكل و توهم أن الصلاة فيه يوجب كون جزئها أو شرطها منهيا عنه بتقريب ان الحركات الصلاتية من القيام و الركوع و السجود فيه تكون تصرفات فيه و هي لكونها في ملك الغير ممنوعة و لا يذهب عليك ان اللبس من مقولة الملك و الجدة و كل من القيام و القعود و الركوع و السجود‌

31

من مقولة الوضع و ليس شي‌ء منها من مقولة الجدة حتى يلزم حرمتها بحرمته و يسرى النهي عنه إليها فالقيام و القعود و غيرهما لا يصير منهيا عنها بالنهي عن التعمم أو التقمص بعمامة أو بقميص مغصوبين مثلا فإنهما من مقولة أخرى لا دخل لهما بها كما لا يخفى على اهله. نعم: لو كان الهوي إلى الركوع أو السجود أو النهوض الى القيام أو القعود من الاجزاء لا من مقدماتها كان كل منهما سببا و محركا للمغصوب و سبب الحرام حرام فتفسد الصلاة بفساد جزئها الا انه لم يثبت ذلك بل ظاهر الأدلة انحصار الاجزاء بغيرهما و لا مضادة بين نزعه و الصلاة غالبا و لو اتفق أحيانا فالأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهي عن الضد قطعا و لو قيل به يختص الفساد بما إذا اتفق التضاد لا مطلقا و ستر العورة و ان كان شرطا في ما إذا لم ينحصر الساتر به الا انه يوجد بالستر به و لا ضير في حرمته بعد عدم اعتبار القربة فيه و ليس الّا من باب الإتيان بالمقدمة المحرمة بسوء الاختيار مع عدم الانحصار و هي غير واجبة شرعا و لا عقلا كي يلزم اجتماع الواجب و الحرام و ان كان يسقط به الواجب و لا مجال لتوهم سراية النهي عنه الى المشروط فلا يكون حال الستر به الا حال الغسل بالماء المغصوب إذا كان بنفسه لا بأثره شرطا للصلاة. و بالجملة لا دليل على بطلان الصلاة بلبس المغصوب لا عقلا و لا نقلا و لا دلالة لما ربما استدل به من الاخبار عليه قطعا و ان كان الاحتياط حسنا. و انقدح بما ذكرنا حال حمل المغصوب في الصلاة و تكره الصلاة في ما يستر ظهر القدم إذا لم يكن له ساق و قيل بعدم جواز الصلاة فيه و لا دليل عليه. و الاستدلال عليه بعدم صلاة النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الصحابة و التابعين في هذا النوع ضعيف جدا لعدم الاطلاع على العدم غير المحصور أولا و عدم دلالته على عدم الجواز لجواز كونه غير معتاد لهم أو كراهة الصلاة فيه. ثانيا كيف و الا يلزم عدم جواز الصلاة في كل ما لم يصل فيه النبي (صلى اللّه عليه و آله) و هو واضح الفساد. و لا دليل‌

32

على الكراهة أيضا إلا المرسل في محكي الوسيلة. و روى ان الصلاة محظورة في الشمشك و النعل السندية بناء على ان المراد كل ما يستر به ظهر القدم و ليس له ساق بجعل الشمشك و النعل السندية مثالا لذلك كما هو غير بعيد لبعد خصوصية فيهما جدا فلا بأس في المصير إلى الكراهة مطلقا تسامحا في دليلها و تكره الصلاة أيضا في الثياب السود إلا العمامة و الخف و الكساء لما في الكافي من انه روى: لا تصل في ثوب اسود و اما الكساء و الخف و العمامة فلا بأس. و ضعفه بالإرسال مع انجباره بالعمل لكون الحكم في المستثنى مما لا يوجد فيه خلاف بل عليه دعوى الإجماع ظاهرا من بعض و صريحا عن آخر على ما حكى. و في المستثنى منه في محكي المعتبر نسبته إلى الأصحاب. و في محكي المنتهى الى علمائنا غير ضائر في باب الكراهة و الاستحباب و ربما استدل على الحكمين بالأخبار الدالة على كراهة السواد إلا في الثلاثة. و على حكم المستثنى منه بما دل على النهى عن لبس السواد مطلقا. و لا يخفى عدم دلالتهما على ذلك الا بدعوى اتحاد الكونين و قد عرفت بطلانها في الصلاة في المغصوب و ان كلا منهما من مقولة أخرى و يكره أيضا ان يأتزر فوق القميص وفاقا للمشهور على ما في محكي الحدائق لقول ابى عبد اللّه (عليه السلام) في خبر ابى بصير المروي في الكافي لا ينبغي ان تتوشح بإزار فوق القميص و أنت تصلى و لا تتزر فوق القميص إذا أنت صليت. و اتزار ابى جعفر (عليه السلام) فوق القميص في الصلاة كما في خبر البجلي. و قول الرضا (عليه السلام) في جواب السؤال عنه بلا بأس كما في خبر موسى بن عمرو بن بزيع لا يعارضانه لكون نفى البأس لو لم يكن ظاهرا في الكراهة لم يكن ظاهرا في نفيها و اتزار الامام (عليه السلام) لعله لأجل خصوصية موجبة لاستحبابه أو رفع كراهته ضرورة ان الفعل يمكن ان يقع على وجوه من غير دلالة له على وجه من الوجوه. و الاقتصار في التهذيب‌

33

على التوشح و هو غير الاتزار غير قادح بعد نقل الكافي الذي هو أضبط للرواية مشتملة على الاتزار. نعم: فيها و في غير واحد من الروايات دلالة أيضا على كراهة التوشح في الصلاة و يكره أيضا ان يستصحب الحديد ظاهرا بل و لو كان مستورا لإطلاق بعض النصوص الناهية عن الصلاة فيه مثل قول الصادق (عليه السلام) في خبر البختري في الحديد انه حلية أهل النار الى ان قال: و جعل الحديد في الدنيا زينة الجن و الشيطان محرم على الرجل المسلم ان يلبسه في الصلاة الا ان يكون قبال عدو فلا بأس به قال قلت: فالرجل يكون في السفر معه السكين في جفنه لا يستغنى عنها أو في سراويله مشدودا و المفتاح ان وضعه ضاع أو يكون في وسط المنطقة من حديد قال: لا بأس بالسكين و المنطقة للمسافر في وقت ضرورة و كذا المفتاح إذا خاف الضيعة و النسيان و لا بأس بالسيف و كل آلة السلاح في الحرب و في غير ذلك لا تجوز الصلاة في شي‌ء من الحديد فإنه نجس مسوخ. و قول الصادق (عليه السلام): في مرسل المدائني لا يصلى الرجل و في تكته مفتاح حديد. و لا ينافي كراهة استصحابه و لو كان مستورا ما أرسله في الكافي بعد هذا الخبر انه روى إذا كان المفتاح في غلاف فلا بأس فان نفى البأس لو لم يكن ظاهرا في الكراهة في الجملة لم يكن ظاهرا في نفيها فيوفق بين المرسلين بحمل الأول على مطلق الكراهة في حمل المفتاح في الصلاة مطلقا. و الثاني على عدم كراهة شديدة في حمله مستورا و ان كان لا يخلو عن الكراهة رأسا اللهم الا ان يكون إجماع على عدم الكراهة في مستورة و لم يثبت. ثمَّ ان الاخبار الناهية عن الصلاة في الحديد لضعفهما قاصرة عن إثبات الحرمة سيما مع ملاحظة ان الشهرة و الإجماعات المنقولة و الاخبار الدالة على جواز الصلاة في السيف و غيره على خلافها و لا بأس بإثبات الكراهة بها تسامحا في دليلها و يكره أيضا اللثام للرجل وفاقا لما نسب الى المشهور بل عن الخلاف الإجماع عليه. لصحيح‌

34

ابن مسلم: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أ يصلي الرجل و هو متلثم فقال:

اما على الأرض فلا فاما على الدابة فلا بأس و النهي فيه لا يصلح دليلا الا على الكراهة بعد كونها مما عليها المشهور أو مجمعا عليها. و صحيح ابن سنان:

سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام): هل يقرأ الرجل في صلوته و ثوبه على فيه فقال:

لا بأس بذلك. و غير واحد نحوه من الاخبار كما ان نفي البأس فيه لا دلالة له على نفى الكراهة بتلك المرتبة التي كانت على الأرض و يكره أيضا الصلاة في القباء المشدود و في المدارك. هذا الحكم مشهور بين الأصحاب و لم أقف له على مستند. و نقل فيها عن الشهيد في الذكرى انه حاول الاستدلال عليه بما رواه العامة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه قال:

لا يصلى أحدكم و هو متحزم. و أورد عليه بأنه فاسد لان شد القبا غير التحزم. و فيه ان الظاهر ان يكون التحزم كناية عن شد الوسط إنما كني لكونه المتعارف و المعتاد في شدة بين العرب و لعله مع الاشتهار كاف في الحكم بالكراهة في غير حال الحرب لاختصاص اشتهارها بهذا الحال. و انصراف إطلاقه الى غير ذلك لا أقل من كونه المتيقن منه حال التخاطب و يكره أيضا اشتمال الصماء في الصلاة بلا خلاف فيه بل الإجماع بقسميه عليه. بل المحكى منهما مستفيض أو متواتر كما في الجواهر و لعله كاف في الكراهة من حيث الصلاة. و الا فصحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام): إياك و التحاف الصماء قلت: و ما التحاف الصماء قال: ان تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد. تدل على كراهته. مطلقا و يشترط في الثوب الذي يلبسه في الصلاة ساترا كان أو غيره الطهارة إلا عما عفى عنه مما تقدم في كتاب الطهارة و الملك أو حكمه من اباحة المالك أو الاستعارة أو الاستيجار منه و عورة الرجل التي يجب سترها شرطا في الصلاة مطلقا و لو لم يكن هناك ناظر أصلا و نفسيا عن الناظر المحترم و لو في غير الصلاة‌

35

قبله و هو القضيب و دبره و هو نفس المخرج وفاقا للأكثر. و خلافا لما عن ابى الصلاح فإنه جعلها من السرة الى نصف الساق. و لما عن ابن البراج فإنه جعلها من السرة إلى الركبة. و يدل على ما اخترنا قول ابى الحسن الماضي (عليه السلام) في مرسلة أبي يحي الواسطي: العورة عورتان القبل و الدبر و الدبر مستور بالأليتين فإذا سترت القضيب و البيضتين فقد سترت العورة. و رواية محمد بن حكيم عن ابي عبد اللّه (عليه السلام): الفخذ ليس من العورة. مضافا الى أصالة عدم وجوب ستر غيرهما نفسيا و البراءة عنه عقلا و نقلا و أصالة البراءة النقلية عن وجوبه شرطا و ان كان العقل لولاها كان حاكما بالاحتياط كما حققناه بحثا و كتبا بلا قاطع لهما و بدن المرية كله عورة يجب سترة في الصلاة الا انه يسوغ لها كشف الوجه و اليدين اى الكفين و القدمين اما كون بدنها عورة يجب ستره فيها.

فلصحيحة زرارة قال: سئلت أبا جعفر (عليه السلام) عن ادنى ما تصلى فيه المرية فقال: درع و ملحفة تنشرها على رأسها و تجلل بها. اما جواز كشف هذه الأعضاء فللأصل كما عرفت. و صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: و المرية تصلى في الدرع و المقنعة إذا كان الدرع كثيفا.

وجه الدلالة ان الدرع و هو القميص لا يستوعب الكفين و القدمين و المقنعة لا تكون إلا للرأس. و قد اجتزأ بهما لها في الصلاة و كون بدن المرية كله عورة بمعنى وجوب ستره عن الرجال غير المحارم لو سلم غير مستلزم لوجوب ستره في الصلاة بوجه كما لا يخفى و ان كان الأحوط لها ستر باطن القدمين لاستتاره في حال القيام بالوضع على الأرض و في غير هذا الحال يمكن ستره بالدرع بل غالبا كان مستورا به بخلاف ظاهرهما الا ان يقطع بعدم الفصل بينهما و للأمة الغير المبعضة و الصبية كشف الرأس لعدم اشتراط صلواتهما بستر الرأس اتفاقا نصا و فتوى. و كان نقل الإجماع عليه مستفيضا مع اشتراط ستر سائر ما يشترط في المرية.

36

و عدم وجوب الصلاة على الصبية لا ينافي وجوب الستر عليها في الصلاة كسائر شرائطها و اجزائها. و قضية إطلاق بعض النصوص و معاقد الإجماعات في الأمة عدم الفرق بين القن و غيرها و المزوجة و غيرها و أم الولد و غيرها.

نعم صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) تدل بالمفهوم على وجوب ستر الرأس على أم الولد مع حياة ولدها قال: قلت له الأمة تغطي رأسها فقال: لا و لا على أم الولد ان تغطى رأسها إذا لم يكن لها ولد.

و بهذا المفهوم يقيد ما أطلق منهما و لكن ظهورها في وجوب التغطى على أم الولد مع حياة ولدها ليس بمثابة ظهور إطلاقهما في عدم وجوبه عليها كما لا يخفى. فلا محيص عن حملها على الاستحباب و اما المبعضة فهي كالحرة نصا و فتوى لشمول الإطلاقات لها و خروجها بذلك عن المقيدات و صحيح حمزة بن حمران انه سئل أحدهما عن الرجل أعتق نصف جاريته الى ان قال: قلت فيغطي رأسها من حين أعتق نصفها قال: نعم و تصلى و هي مخمرة الرأس و يستحب للرجل لا سيما إذا أم الرداء لصحيح عبد اللّه بن سنان: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل ليس معه الا سراويل قال يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه و يصلى الحديث. و صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما إذا لبس السراويل فليجعل على عاتقه شيئا و لو حبلا. و صحيح سليمان بن خالد قال: سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام). عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رداء فقال: لا ينبغي الا ان يكون رداء و عمامة يرتدي بها الى غير ذلك من الاخبار بل نسب الى المشهور بل لعل عليه الإجماع كراهة ان يؤم بغير رداء و ربما يكون لا ينبغي. في صحيح سليمان و لا يصلح. في خبر على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) ظاهرا فيها كما ان الصحيح و غير واحد من الاخبار ظاهر في استحباب الرداء أيضا و يستحب للمرئة ثلاثة أثواب قميص و درع و خمار على ما قيل و القائل هو العلامة و في رواية ابن عمير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال تصلى المرية في ثلاثة أثواب‌

37

إزار و درع و خمار. و في رواية ابن عمير عن جميل بن دراج قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام). عن المرية تصلى في درع، خمار فقال عليها ملحفة تضمهما عليها و التوفيق بينهما و الاخبار الدالة عليه الاجتزاء بثوبين يقتضي حملهما على الاستحباب و زيادة الفضل و الثواب كما عن الشيخ و الظاهر ان المراد من الدرع في المتن هو الإزار و الملحفة في الروايتين و لو لم يجد المصلى ساترا يستر به عورته و لو كان حشيشا طلبى بالطين و نحوه على الأحوط بل الأقوى لو لم يكن فيه عسر أو حرج و صلى صلاة المختار كما قطع به المحقق و العلامة (قدس سرهما) لحصول ما هو الشرط به من الستر. و الظاهر عدم تعلق غرض بخصوص ساتر و ذكر الثوب في الاخبار انما هو لكونه المتعارف في التستر و لم يرد خبر باشتراط الساتر كي يدعى انصرافه الى الثواب و لو سلم فهو قضية قاعدة الميسور و ان لم يجد الطين أو وجد و كان في التستر به عسر صلى قائما بالإيماء للركوع و السجود ان أمن اطلاع غيره و الأصلي قاعدا موميا لهما لما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن مسكان عن بعض أصحابه عن ابي عبد اللّه السلام في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة قال: يصلى عريانا قائما ان لم يره احد و ان يراه صلى جالسا. و به يوفق بين ما دل على وجوب القيام مطلقا و ما دل على وجوب الجلوس كذلك و الرواية مع كونها صحيحة الى ابن مسكان و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح خبره منجبرة بالشهرة فلا وجه للتخيير بين القيام و الجلوس توفيقا كما عن المحقق استضعافا للرواية هذا ان لم يجد حفيرة و نحوها يلج فيها و الا فالأحوط ان يصلى صلاة المختار فيها أيضا كما قيل لمرسلة أيوب بن نوح عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّه انه قال العاري الذي ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها فسجد فيها و ركع و المرسلة لضعفها بلا جابر و ان كانت غير مقاومة لتقييد المطلقات إلا رعاية لها و خروجا عن شبهة الخلاف لا ينبغي ترك الاحتياط بما ذكرنا.

38

الفصل الخامس في المكان

و هو الفضاء الذي لا يتبدل و عليه يتبدل غيره من الأجسام كفضاء الحوض الذي يتبدل عليه الماء و التراب و الهواء و ربما يراد به ما يستقر عليه و لو بالوسائط كل مكان مملوك عينا و منفعة أو منفعة أو مأذون فيه ممن له الاذن يجوز فيه أو عليه الصلاة و تبطل في المغصوب مع العلم بالغصب و الاختيار قطعا لو كان كون من اكوانها تصرفا فيه أو كان مستلزما للتصرف فيه و كان التصرف فيه فعلا حراما لما حققناه تحريرا و تقريرا من امتناع اجتماع الأمر و النهى فإذا وقع محرما فعلا فلا يكاد يمكن التقرب به و قد اعتبر في صحته نعم: لو فرض غلبة جانب الأمر على النهى بحيث وقع فعلا محبوبا لصحت الصلاة فيه كما في حال غير الاختيار في الجملة و اما إذا لم يكن كون من أكوانه تصرفا فيه بل مقارنا له كما إذا قام مثلا بسوء الاختيار في فضاء غصبي فتكون هناك له هيئة محاطية للفضاء المحيط به و هي أين و هيئة أخرى من نسبتين نسبة الاجزاء بعضها مع البعض و نسبتها الى خارج و كون الصلاة هو هذه الهيئة لا الهيئة الاولى و لا دخل لإحداهما بالأخرى و ان كانت مقارنة لها في العروض على موضوع واحد اللهم الا ان يدعى ان القيام و غيره من أكوان الصلاة و ان كان غير التمكن في ذاك المكان الا انه لما كان تصرفا فيه عرفا كان النهى عن الغصب نهيا عنه حقيقة فيحرم فتبطل الصلاة و ليس هذا لو سلم من الخطأ في التطبيق إذا الفرض ان مفهوم خطاب لا تغصب لمكان عرفا تحريم مثل القيام و القعود و نحوهما فيه على التحقيق و لذا يمثل لاجتماع الأمر و النهى بصل و لا تغصب و لا يناقش فيه و ان كان من الممكن ذلك لئلا يناقش في المثال فتأمل جيدا. هذا كله مع العلم بالغصبية و الاختيار و اما مع عدم العلم بها فلا إشكال في صحة الصلاة فيه و اما مع عدم الاختيار كما إذا كان محبوسا فيه أو دخل فيه جهلا ثمَّ علم بها في ضيق الوقت فالصلاة كانت فيه في الجملة صحيحة كما إذا صلاها بلا زيادة تصرف‌

39

فيه على المقدار الذي لا بد من كونه فيه و يشترط طهارة خصوص موضع الجبهة من المكان للإجماع المحكي مستفيضا أو متواترا على ما قيل خلافا لما نقل عن الراوندي و صاحب الوسيلة و قد مال اليه بعض متأخري المتأخرين لإطلاق بعض الاخبار و عدم تحقق الإجماع مع الخلاف الا ان يقال لا يبقى وثوق بالإطلاق مع ذهاب المشهور الى الاعتبار فإنه يكشف عن كونه من الأمور التي هي لضرورتها مستغنية عن تظافر النصوص بها و السؤال عنها كما ربما ادعى أو عن ظفرهم بما يقيد الإطلاق و الا فكيف ذهبوا الى الاعتبار مع كون الأصل و الإطلاق على عدمه فتأمل جيدا‌

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا آخر ما سمع به قلمه الشريف و للّه درّه و درّ باريه و تعالى جدّ من انطقه بالحكمة و أظهر دلائل الإعجاز فيه فإنه لم يأجهد و لم ينفك مجتهدا مجدا يتطلب العزلة و الخلوة بنفسه و لم يشغله ما في يومه و اسمه عن جمع شوارد تلك الفرائد الأبكار و اقتطاف ثمار تلك الأفكار اليانعة الثمار على ما هو فيه من المحن التي لا يقوم بها جلد و لا صبر و لا يقوى عليها كأهل الدهر مع تقلب الزمان و انقلابه و تشتت البال و اضطرابه على قلة الناصر و فقد المساعد و كثرة المعاند و الحاسد لا تأخذه لومة لائم. و لا يملك سمعه عذل في دفاع الكفر و جهادهم بالنفس، و المال و الأهل مع علمه بترصدهم له بالغوائل و القتل مستعينا باللّه معتصما بحبله حتى عاد الجبابرة أطوع له من نعله مشمرا عن ساعد الجد و الاجتهاد لإصلاح أمور المسلمين في كل صقع و بلاد خصوصا في إطفاء نائرة أم الفتن إيران و ما ادراك ما إيران و ما تلك الفتن التي عنها نطاق البيان يضيق و ناهيك بتلك الفتن التي منها ان القوم فريقان فريق و فريق ثمَّ اعصوصب الأمر و تفاقم الخطب فيها من تغلب الكفر عليها و تعرضهم لإعراض المسلمين و سبى ذراريها‌

40

فاستغاث به المسلمون من كل ناحية و اختلفت عليه البرقيات من كل شاك و شاكية فلا تسمع غير صوت مرنة و لا ترى غير باك و باكية و هو على انه يرعاها بعين مستيقظ و يسمعها بإذن واعية يزداد بتلك الوثبات صبرا و ثبات و لم تكدر منه الخطوب صفا و لم تصدق من حمله صفات و لم يأنس بغير البحث و التدريس و لم يتخذ غير الكتاب سميرا و جليس ثمَّ لما لم يجد بدا من النهوض و القيام للدفاع و الحماية عن بيضة الإسلام قام فخطب الناس و وعظهم و استنفرهم و استنهضهم فاجابوا دعوته سامعين و نشر البرقيات في سائر الجهات فلبوا ندائه طائعين حتى تمَّ له ما يريد لو ساعده القدر من تألب جيش للمسلمين طلائعه النصر و الظفر فبات المسلمون ليلتهم باجتماع اولى العزم و النجدة بأكمل عدد و أحسن عدة فرحين مستبشرين ان سوف يفتح اللّه لهم و هو خير الفاتحين بسياسية مأمون السياسة إلا حق بولاية الأمر و الرئاسة فبيناهم مستبشرون ينتظرون داعيه إذ صك إسماعهم صوت ناعيه بمفاجأة القدر عميد تلك السرية و اما الفرقة الاثنى عشرية فتاة الناس في ظلمات من الأحزان و غرقوا في بحار من الأجفان و ظنوا ان الساعة بغتتهم و الصيحة شملتهم لا يدرون إلى أين يذهبون و على من يعولون و الى اى ملجأ يلجئون فلا ادرى ما أقول و المصاب به كافة المسلمين و عامة أهل الدين و قد أيقنوا انهم شيعوا الإسلام بتشييعه و ودعوا شريعة سيد المرسلين بتوديعه فيا لها من صبيحة تكشفت عن سرور المشركين و استبشارهم و محو رسوم المسلمين و دثور آثارهم و عن موت العالم و يتم العلماء و بأس أبناء الرجاء و انقطاع الأرامل و الفقراء و لقد أكثر الشعراء بالتعزية و الرثاء و بذلوا جهدهم جزاهم اللّه خير الجزاء و لكن هيهات ان يبلغوا بالكثير القليل أو ان يحيطوا ببعض صفاته بالقيل و من أحسن ما قيل فيه تاريخ بعض متعلقيه:

للّه زرء عمت نوافذه * * *فلم يكن قلب مسلم سالم

يفقد انصى الرجا مؤرخه * * *في فقد باب الحوائج الكاظم

سنة 1329 هجرية‌