تنقيح مباني الأحكام - كتاب القصاص

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
338 /
3

-

4

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين

إنّ علم الفقه هو العلم المرتبط ارتباطا وثيقا بحياة الفرد و استقرار المجتمع، فهو العلم الذي يهتمّ بتنظيم علاقة الإنسان بربّه من خلال أحكام العبادات و هو الدخيل في حفظ صحة الإنسان و سلامة بدنه من خلال أحكام الاطعمة و الاشربة و أحكام الطهارة و النجاسة، و هو العلم الذي يرعى علاقة الإنسان بمجتمعه من خلال أحكام المعاملات، و هو الكفيل أيضا بتنظيم العلاقة البيتية و الأسرية من جهة أحكام النكاح، و بيان حقوق الزوج و الزوجة و الأولاد، و هو العلم المتكفل بتأمين حياة المجتمع و استقراره من خلال أحكام القضاء و الحدود و الديات، و من أهم هذه الأبواب باب القصاص الذي عبّر عنه الذكر الحكيم بقوله: وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ لما له من الدخل الواضح في حياة النوع الإنساني بسدّ أبواب الجريمة و محو الظلم و الاعتداء.

و نظرا لأهمية هذا الباب فقد بحثنا فيه و استوعبنا مسائله و أحكامه لمدة سنين في الحوزة المباركة في قم المشرّفة، و هذه خلاصة تلك المباحث، نسأل اللّه تعالى أن ينفع بها طلاب الحوزات العلمية و فضلائها، و أن يتقبّله منّا بأحسن القبول، إنّه سميع الدعاء قريب مجيب.

5

[كتاب القصاص]

[القسم الأول في قصاص النفس]

و هو قسمان (1):

القسم الأول في قصاص النفس و النظر فيه يستدعي فصولا:

[الفصل الأول في الموجب]

الفصل الأول في الموجب و هو إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمدا عدوانا، و يتحقق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل، بما يقتل غالبا. و لو قصد القتل بما يقتل نادرا، فاتفق القتل، فالأشبه القصاص، و هل يتحقق مع القصد إلى الفعل الذي يحصل به الموت، و إن لم يكن قاتلا في الغالب، إذا لم يقصد به القتل، كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف؟ فيه روايتان، أشهرهما أنه ليس بعمد يوجب القود.

____________

(1) القسم الأول من مباحث كتاب القصاص يرجع إلى مباحث قصاص النفس.

و القسم الثاني إلى مباحث قصاص الطرف.

6

..........

____________

و قد جعل الماتن (قدس سره) للمباحث الراجعة إلى قصاص النفس فصولا و تعرّض في كل فصل لجانب من جوانبه و تعرّض في الفصل الأول لموجب القصاص، يعني الموضوع لجواز القصاص الذي يأتي أن جوازه حقّي، فيكون لوليّ القصاص إسقاطه مع العوض أو بلا عوض، و حيث أن حرمة قتل إنسان لا يلازم ثبوت حق القصاص كما في قتل الحرّ عبدا أو المسلم كافرا ذمّيا أو الأب ابنه، ذكروا في تحديد الموضوع للقصاص أنه إزهاق النفس المعصومة المكافئة عمدا عدوانا. و المراد أنّ الموضوع لثبوت حقّ القصاص القتل الخاص و هو أن يقتل شخصا يكون لدمه حرمة، كحرمة دم قاتله و أن يقع القتل مع التعمّد فيه و بقصد العدوان عليه بأن يكون ظلما لا قصاصا أو دفاعا.

و ما يدلّ على اعتبار هذه القيود في ثبوت القصاص يأتي في ضمن مباحث شروط القصاص.

و القيدان الأولان- أي المعصومة المكافئة- راجعان إلى النفس، و الأخيران- أي عمدا و عدوانا- راجعان إلى الإزهاق.

و يخرج بقيد العمد، القتل الصادر عن المجنون و الصبي؛ لأنّ عمدهما خطأ على ما يأتي.

ثم إنّ القتل عمدا كما ذكر و إن كان موضوعا لجواز القصاص في مقابل القتل خطأ محضا و القتل خطأ شبيه العمد، فإنّ الثاني موضوع للدّية على العاقلة، و الثالث موضوع للدية على القاتل إلا أنه يقع الكلام في بعض الموارد في القتل في أنه من القتل عمدا الموضوع للقصاص أم لا؟ فإنه‌

7

..........

____________

لا خلاف في تحقّقه فيما إذا قصد القتل بفعل يكون قاتلا عادة، أي غالبا و نظيره ما إذا قصد نفس الفعل الذي يكون قاتلا غالبا و إن لم يكن الداعي إلى ذلك الفعل قصد القتل، كما إذا ضرب على رأسه بحديدة و إن لم يكن الداعي إلى الضرب المزبور قصد قتله، و الوجه في كونه من القتل عمدا انّ قصد ما يكون قاتلا كذلك من قصد القتل تبعا.

و يدلّ على كون القتل بما يكون قاتلا نوعا يحسب عمدا و إن لم يكن فاعله قاصدا القتل موثّقة أبي العباس و زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتل مثله، و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله، و الخطأ الذي لا شك فيه أن يتعمد شيئا آخر فيصيبه» (1).

و معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «جميع الحديد هو عمد» (2).

و في صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: «إذا ضرب الرجل بالحديدة فذلك العمد. قال: و سألته عن الخطأ الذي فيه الدية و الكفّارة أ هو أن يضرب الرجل فلا يتعمّد قتله؟ قال: نعم. قلت: فإذا رمى شيئا فأصاب رجلا؟ قال: ذلك الخطأ الذي لا يشك فيه، و عليه كفّارة و دية» (3).

و الظاهر أنه يدخل في القتل عمدا ما إذا قصد القتل بفعل يغلب عليه‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 13: 21.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 14: 27.

(3) من لا يحضره الفقيه: ج 4، باب القود و مبلغ الدية، الحديث 5195؛ الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9.

8

..........

____________

عدم ترتّب القتل بأن يكون الداعي إلى ذلك الفعل قصد قتله كما إذا ضربه بالعصا و لم يرفع حتى مات فإنّ الضرب المزبور و إن لا يترتب عليه القتل نوعا يعني غالبا، إلّا أنه حيث كان داعيه إليه قصد قتله يكون القتل الواقع عمديا و إن ناقش في كونه عمدا بعض الأصحاب على ما قيل.

و الوجه في كونه قتلا عمديا هو أنّ الفعل العمدي ما صدر عن الفاعل بالقصد و المفروض وقوع الفعل و كون الضارب قاصدا له. و يشهد لذلك صحيحة الحلبي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «العمد كلّ ما اعتمد شيئا فأصاب بحديدة، أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد» (1).

و في صحيحة الحلبي و أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات، أ يدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم، و لكن لا يترك يعبث فيه و لكن يجيز عليه بالسيف» (2).

و لو فرض إطلاق هذه بالإضافة إلى الضرب بالعصا بقصد القتل أو عدمه فيحمل على صورة قصد القتل بما تقدم في صحيحة الفضل بن عبد الملك من قوله: (و سألته عن الخطأ الذي فيه الدية و الكفّارة أ هو أن يتعمد ...).

و مما ذكرنا يظهر أنّه لا يحسب القتل عمدا ما إذا قصد الفعل الذي لا يكون قاتلا غالبا و لم يكن الداعي له إلى الفعل المزبور قصد قتله و لكن‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 24.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 24.

9

..........

____________

اتفق الموت كما لو ضرب رجلا بعصا و عود خفيفين على رأسه بمرّات فاتفق موته به من غير أن يكون قاصدا قتله، حيث ذكر (عليه السلام) في موثّقة أبي العباس و زرارة «و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله» (1).

و في موثقة أخرى لأبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قلت له: أرمي الرجل بالشي‌ء الذي لا يقتل مثله؟ قال: هذا خطأ، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها، قلت: أرمي الشّاة فأصيب رجلا؟ قال: هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه و العمد الذي يضرب بالشي‌ء الذي يقتله بمثله» (2).

ثم لو فرض الاطلاق في بعض الروايات الدالة على كون القتل عمدا فيما لو قصد الفعل الذي لا يقتل غالبا و لو مع عدم قصد القتل، يرفع اليد عن الاطلاق بالتقييد بقصد الفعل في الموثّقة الأولى و التصريح بكونه خطأ في الموثّقة الثانية كما أشرنا إلى ذلك في روايات الضرب بالعصا و أنه لم يقلع الضرب حتّى مات المضروب.

و أمّا صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج الوارد فيها «انّ من عندنا ليقيدون بالوكزة و إنما الخطأ أن يريد الشي‌ء فيصيب غيره» (3)، فلا تنافي ما ذكرنا؛ لأنّ المفروض في صدرها وقوع الفعل بقصد القتل و القتل بالوكزة مع قصده عمد كما تقدّم.

و قد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنه إن قصد القتل بفعله و ترتّب عليه‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 13: 27.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 11: 26.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 24.

10

[ثم العمد قد يحصل بالمباشرة و قد يحصل بالتسبيب]

[أمّا المباشرة]

ثم العمد قد يحصل بالمباشرة و قد يحصل بالتسبيب، أمّا المباشرة فكالذبح و الخنق، و سقي السم القاتل و الضرب بالسيف و السكين و المثقل و الحجر الغامز و الجرح في المقتل و لو بغرز الابرة (1).

____________

القتل فهو تعمد في القتل، بلا فرق بين كون ذلك الفعل مما يترتب عليه القتل نوعا أم لا، بأن يكون ترتّب القتل عليه نادرا أو أمرا محتملا يساوي احتمال عدم ترتّبه.

و كذا يحسب القتل تعمديا فيما إذا أراد الفعل دون القتل و لكن كان الفعل مما يترتب عليه القتل نوعا.

و أما إذا لم يكن الفعل مما يترتّب عليه القتل نوعا و لم يكن قاصدا إلى القتل بل المقصود كان نفس الفعل فاتفق الموت يحسب القتل شبه العمد و أما إذا لم يقصد الفعل و لا القتل بمن وقع عليه الفعل أصلا أو قصدهما أو قصد أحدهما بشي‌ء فوقع على غيره فقتل فهذا خطأ محض في الثاني بلا كلام، و في الأول أيضا، على إشكال يأتي التعرّض له.

(1) ثم إنه يذكر في كلمات الأصحاب أنّ التعمد في القتل تارة يحصل بالمباشرة، و أخرى بالتسبيب، و يذكرون للتعمّد في التسبيب مراتب:

المرتبة الأولى: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف.

و المرتبة الثانية: أن ينضمّ إليه فعل المجني عليه.

و المرتبة الثالثة: أن ينضم إليه مباشرة حيوان.

و المرتبة الرابعة: ما ينضم إليه مباشرة إنسان آخر؛ و المراد من مباشرة حيوان أو إنسان آخر فعلهما.

11

..........

____________

و التأمل في كلماتهم في التفرقة بين التعمّد الحاصل بالمباشرة و التعمّد الحاصل بالتسبيب بالمرتبة الأولى هو أنّه إذا لم يتوسّط بين زهوق الروح و فعل الجاني شي‌ء يصحّ معه إسناد القتل إليه أيضا، بأن كان فعل الجاني من السبب الأخير، و العلّة التامّة للموت عرفا و إن كان فعله بالآلة، فهو من التعمّد الحاصل بالمباشرة كما إذا قتله بذبحه أو خنقه بيده أو سقي السم القاتل بإيجاره في حلقه و ضربه بالسيف في عنقه أو السكين أو المثقل و الحجر، أو جرحه في موضع يقتل بجرحه فيه أو بغرزة الابرة فيه، بخلاف التسبيب فإنّه يتوسط بين فعل الجاني و زهوق روحه ما يصح إسناد القتل إليه كما إذا رماه بسهم في قلبه فمات، حيث يصحّ أن يقال قتله السهم أو رماه بحجر المنجنيق حيث يقال: إنّ حجره قتله.

و لكن في بعض الأمثلة التي ذكروها للتعمّد بالتسبيب تأمّل، كما لو خنقه بحبل لم يرخ عنه حتّى مات فإنه لا فرق بينه و بين الخنق بيديه أو ذبحه بالسكين أو غيره.

و على كلّ تقدير، فالتفرقة بين التعمد الحاصل بالمباشرة أو بالتسبيب بالمرتبة الأولى غير مهمّ في المقام؛ لأنّ الموضوع للقصاص قتل النفس المحترمة المكافئة عمدا و عدوانا سواء كان ذلك القتل بالمباشرة أو بالتسبيب كما أنّ الموضوع للدية هو القتل خطأ و يكون القتل خطأ في القتل بالمباشرة كما إذا رأى في الظلمة شيئا فاعتقد أنه سبع فقدّه نصفين بالسيف ثم بان أنه كان إنسانا محقون الدم.

و على كلّ، نتعرّض في المقام لصور القتل بالتسبيب بمراتبه الأربع و الصور التي ذكرها الماتن (قدس سره) لكلّ منها.

12

[و أمّا التسبيب فله مراتب:]

و أمّا التسبيب فله مراتب:

[المرتبة الأولى: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف و فيه صور]

المرتبة الأولى: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف و فيه صور:

[ (الأولى): لو رماه بسهم فقتله، قتل به]

(الأولى): لو رماه بسهم فقتله، قتل به (1)؛ لأنه مما يقصد به القتل غالبا، و كذا لو رماه بحجر المنجنيق. و كذا لو خنقه بحبل و لم يرخ عنه حتّى مات، أو أرسله منقطع النفس أو ضمنا حتّى مات.

____________

(1) لا كلام في حصول القتل عمدا فيما إذا رماه بسهم يريد قتله فإنّ القتل بما لا يقتل مثله مع قصد القتل يوجب القصاص كما تقدم فضلا عما يقصد قتله بما يكون مما يقتل بمثله، بل يمكن كما ذكرنا سابقا أنّه لو قصد رميه بسهم و لكن لا يريد قتله بأن أراد إصابة رجله أو غيره مما لا يكون إصابته فيه قاتلا، فأصاب في مقتله فقتله، يثبت القصاص فإنّ رمي السهم مما يقتل بمثله، و في موثقة أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أرمي الرجل بالشي‌ء الذي لا يقتل مثله. قال: هذا خطأ، ثم أخذ حصاة صغيره فرمى بها» (1)، فإنّ ظاهر فعله (عليه السلام) أنّ الخطأ فيما كان الرمي بمثل الحصاة. و على الجملة الرمية القاتلة إنما يكون خطأ فيما إذا أراد رمي شي‌ء فلم يصبه بل أصاب إنسانا فقتله فإنه يدخل في الخطأ الذي لا شكّ فيه، فتكون الدية على العاقلة.

و مما ذكرنا يظهر الحال في الرمي بحجر المنجنيق و نحوه مما يقتل بإصابته و لو فيما إذا أصاب في مقتل.

و أما لو خنقه بحبل حتى مات فقد تقدم أنه من التعمد بالقتل مباشرة، و لا فرق بينه و بين ما ورد في صحيحة الحلبي و أبي الصباح الكناني جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألناه عن رجل ضرب رجلا بعصا فلم يقلع‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 7: 26.

13

..........

____________

عنه الضرب حتّى مات، أ يدفع إلى وليّ المقتول فيقتله؟ قال: نعم، و لكن لا يترك يعبث به و لكن يجيز عليه بالسيف» (1).

و على الجملة، إذا أراد القتل بفعله، فوقع القتل يكون القتل تعمديا سواء كان ذلك الفعل بما يقتل بمثله كرمي السهم أم لا كالضرب بالعصا.

و كذا يكون القتل تعمديّا فيما إذا لم يقصد القتل بل قصد الفعل و لكن كان بما يقتل مثله كالضرب بالحديدة و الرمي بحجر المنجنيق. و من هذا القبيل ما لو خنقه بحبل و لكن أرسله منقطع النفس أو ضمنا حتّى مات بأن أوجب الخنق المزبور بلاء في بدنه حتّى مات، فإنه إن قصد بذلك قتله فالأمر ظاهر و إن لم يقصد قتله فالمصرّح به في كلمات بعض الأصحاب عدم الفرق بين قصد القتل و عدمه و بين كون حدوث الضمن و المرض بسدّ موضع النفس أو الخنق مع إرساله غير مقطوع النفس أمرا اتفاقيا نادرا أم لا.

بل ينسب ذلك إلى ظاهر المشهور كما هو ظاهر الماتن أيضا حيث جعل إرساله ضمنا عدلا للإرسال منقطع النفس و عقّب ذلك قوله أما لو حبس نفسه يسيرا لا يقتل مثله غالبا ثم أرسله فمات ففي القصاص تردّد، و الأشبه القصاص إن قصد القتل، و الدية إن لم يقصد أو أشبه القصد، حيث أنّ مقتضى هذا التعقيب بعد جعل الإرسال ضمنا عدلا للإرسال منقطع النفس، أنه لا يعتبر في كون الإرسال ضمنا عمدا قصد القتل أو حدوث المرض بالخنق المزبور أمرا عاديّا.

و قد يقال في وجه دخوله في القتل عمدا أنّ المرض مع الخنق المزبور‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 24.

14

..........

____________

يعدّ من الفعل القاتل عادة و إن لم يقصد الجاني القتل.

و فيه أن الملاك في كون القتل عمديّا الموجب لثبوت القصاص إمّا قصد القتل، و لو لم يكن الفعل مما يترتّب عليه القتل إلّا نادرا، أو قصد الفعل القاتل نوعا او احتمالا متعارفا و إن لم يقصد القتل، و شي‌ء منهما في الفرض غير متحقّق؛ لأنّ المرض الحاصل بالفعل أو دخالته فيه لم يكن مقصودا للجاني، و إن ترتّب على فعله اتفاقا.

نعم، لو كان الخنق المزبور مما يوجب البلاء عادة يكون القصد إلى الخنق و سدّ موضع النفس قصدا إلى تحقيق البلاء في بدنه و اعتبار كون الفعل المزبور دخيلا في حدوث البلاء بهذا النحو لم يذكر في كلامهم.

و اختار صاحب الجواهر (قدس سره) (1) ثبوت القصاص في موارد حدوث المرض بالفعل، و إن كان حدوثه بدخالة الفعل أمرا نادرا، و قال هذا الثبوت باعتبار الفرق بين العمد إلى القتل و القتل عامدا، و الموضوع للقصاص في لسان الأدلة هو الثاني، و القتل عامدا يصدق عرفا في موارد ترتّب القتل و اتّفاقه على الفعل المقصود، غاية الأمر إذا ترتّب القتل على الفعل اتفاقا و على وجه الندرة و لم يكن قصد الجاني القتل، يرفع اليد عما دلّ على ثبوت القصاص بالقتل عامدا بالروايات الدالة على عدم القصاص فيما إذا صدر من الجاني الفعل غير القاتل و لكن اتفق القتل، و لكن لا يرفع اليد عنه في مورد حدوث المرض بالفعل المزبور بل بقي هذا الفرض- أعني تعقب المرض- تحت أدلة القصاص، و لو لعدم الجابر للنصوص المخرجة في هذا الفرض المؤيّد عدم‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 42، ص 24.

15

..........

____________

خروجه عن أدلّته بنصوص ضمان سراية الجرح غير القاتل مثله.

أقول: القصاص فيما كان المقصود الفعل بلا قصد القتل و لم يكن الفعل مما يترتّب عليه المرض المميت، إلا بوجه الاتفاق و الندرة، و لم يكن الجاني قاصدا لحصول المرض المزبور، مشكل بل ممنوع، لمثل قوله (عليه السلام) في موثّقة أبي العباس و زرارة «و الخطأ أن يتعمّده و لا يريد قتله، يقتله بما لا يقتل مثله» (1).

فإنّ الفعل الصادر في الفرض لا يقتل مثله و حدوث المرض ليس من فعله المقصود.

و في صحيحة أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن الخطأ الذي فيه الدّية و الكفّارة أ هو أن يتعمد ضرب رجل و لا يتعمد قتله؟ فقال:

نعم ...» (2). حيث لم يذكر الإمام (عليه السلام) في الجواب قيدا بما إذا لم يتّفق بالضرب المزبور مرض ترتّب عليه الموت. و على الجملة الموضوع لثبوت القصاص بحسب الروايات بملاحظة ما ورد في الخطأ شبه العمد، هو التعمد إلى القتل أو التعمّد إلى الفعل القاتل عادة، و لو بحسب حال المضروب من حيث الصغر و الضعف و المرض و حرارة الهواء أو برودتها كما تقدّم.

و أمّا ما ادّعاه (قدس سره) من أنّ عدم خروج فرض تعقّب المرض عن أدلّة القصاص مؤيّدة بنصوص ضمان سراية الجرح غير القاتل مثله، فلم يتّضح مراده (قدس سره)، فإن كان المراد سراية الجرح غير القاتل بالإضافة إلى‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 13: 27.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 11 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 9: 26.

16

أمّا لو حبس نفسه يسيرا لا يقتل مثله غالبا ثم أرسله فمات ففي القصاص تردّد و الأشبه القصاص إن قصد القتل (1) و الدّية إن لم يقصد أو أشبه القصد.

[ (الثانية): إذا ضربه بعصا، مكرّرا ما لا يحتمله مثله]

(الثانية): إذا ضربه بعصا، مكرّرا ما لا يحتمله مثله بالنسبة إلى بدنه و زمانه، فمات فهو عمد (2) و لو ضربه دون ذلك، فأعقبه مرضا و مات، فالبحث كالأولى و مثله لو حبسه و منعه الطعام و الشراب، فإن كان مدّة لا يحتمل مثله البقاء فيها فمات فهو عمد.

____________

ضمان الدية يعني دية النفس، كرواية ذريح قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل شجّ رجلا موضحة و شجّه آخر دامية في مقام واحد فمات الرجل؟ قال: عليهما الدية في أموالهما نصفين» (1) فلا تأييد فيه للمقام، بل ما ذكرنا في المقام يأتي في الجرح أيضا، فإنه إن قصد الجرح الذي يترتّب عليه الموت غالبا أو مساويا أو قصد بالجرح القتل، فيثبت الموضوع للقصاص و إلا يثبت الدية في مال الجاني؛ لكون القتل خطأ شبه العمد كما نذكره في الصورة الرابعة، و إن ذكر الماتن و غيره فيها، بل عن المشهور أنّ السراية عن جناية العمد، توجب القصاص، و إن لم تكن الجناية عمدا مما قصد به القتل و لا ممّا يترتّب عليه القتل غالبا أو احتمالا مساويا.

و إن كان المراد سراية الجرح غير القاتل يوجب القصاص نفسا فلم نجد ما يدلّ عليه من رواية فضلا عن الروايات.

(1) لما تقدّم من ثبوت القصاص مع التعمد إلى القتل و لو لم يكن الفعل قاتلا عادة و أنه إذا لم يقصد القتل يثبت الدية في مال الجاني فإنه من القتل شبه العمد.

(2) اتّصاف الفعل بأنه يقتل مثله أو لا يقتله مثله يختلف بحسب حال‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 42 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1: 211.

17

[ (الثالثة): لو طرحه في النار فمات، قتل به]

(الثالثة): لو طرحه في النار فمات، قتل به، و لو كان قادرا على الخروج (1)

____________

من يقع عليه الفعل من حيث القوّة و الضعف و المرض، و من حيث زمان الفعل من حيث حرارة الهواء و برودتها ففي أيّ مورد اتّصف الفعل بأنّه يقتل مثله يكون القتل عمديّا سواء قصد الجاني القتل أم لا، و فيما لا يكون قاتلا فإن قصد الجاني القتل فهو عمد و إلا خطأ شبه العمد.

و ما في كلام الماتن (قدس سره) في المقام لو ضربه بما دون ذلك فأعقبه مرضا و مات، فالبحث فيه كالأول ظاهره ما تقدّم فيما إذا أرسل المخنوق ضمنا فمات فإنّه من القتل عمدا فيوجب القصاص و إن احتمل بعضهم أن يكون المراد ما تقدّم فيما إذا حبس نفسه يسيرا ثمّ أرسل من ثبوت القصاص مع قصد القتل و ثبوت الدية مع عدمه و لكن هذا الاحتمال لا يناسب ما تقدّم منه و من غيره في الإرسال ضمنا.

و ما ذكر في وجه ثبوت القصاص من كون الفعل مع المرض الحادث به من صدور الجناية القاتلة بلا قصد القتل، لا يمكن المساعدة عليه؛ لأنّ الفعل و إن يحدث المرض به، و لكن المرض غير مقصود و ليس الفعل مما يكون حصول المرض به أمرا نوعيّا ليكون قصد الفعل من قصد إحداث المرض. و على الجملة الفعل لم يقصد به القتل و ليس مما يقتل بمثله فلا موضوع للقصاص.

و مما ذكرنا يظهر حكم ما لو حبسه و منعه من الطعام و الشراب فمات فإنّه إن كان مثل الحبس و المنع عن الطعام و الشراب المفروض مما يقتل به مثل الإنسان المزبور أو قصد بفعله قتله، ثبت موضوع القصاص؛ و إلّا يكون القتل شبه عمد فعلى القاتل الدية في ماله.

(1) مراده (قدس سره) أنه لو طرحه شخص في النار فمات بذلك الطرح فيها، يقتل ذلك الشخص قصاصا حتى فيما لم يقصد بطرحه فيها‌

18

لأنه قد يشده و لان النار قد تشنّج الأعصاب بالملاقاة فلا يتيسر له الفرار. أما لو علم أنه ترك الخروج تخاذلا، فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه. و ينقدح أنه لا دية له أيضا

____________

قتله؛ لأنّ الإلقاء في النار يحسب مما يقتل بمثله، و هذا لا يفرق فيه بين أن يكون في البين مانع من خروجه عن النار أو لم يكن؛ لأن مجرّد عدم المانع عن الخروج لا يوجب تمكّنه من الخروج عنها؛ لأنّ المطروح قد يشده أي يدخل فيه الشّدة يعني الدهشة، و هو التحيّر و زوال الفهم؛ و لأنّ النار قد تشنّج أعصابه فلا يتمكّن على الخروج منها.

نعم، لو أحرز أنّه كان متمكّنا على الخروج منها و مع ذلك ترك الخروج تخاذلا، فلا موضوع للقصاص؛ لأنّ المطروح أعان على نفسه و لا تثبت الدية أيضا، كما هو الحال في جميع من يكون قاتل نفسه.

و على الجملة، كما أنّ القصاص يثبت فيما إذا أحرز عدم تمكّنه من الخروج عن النار، كذلك يثبت فيما إذا احتمل عدم تمكّنه على الخروج لدهشة حصلت له بإلقائه في النار أو تشنّج أعصابه بملاقاة النار أو غير ذلك. و إنّما ينفى القصاص بل الدية أيضا فيما أحرز أنّه تخاذل و ترك الخروج بالاختيار.

و بما أنّ الأصحاب ذكروا أنّه لو جرحه شخص و ترك المجروح مداواة جرحه، فسرى الجرح بترك المداواة فمات يثبت القصاص على الجارح مطلقا أو فيما كان الجرح بحيث يسري لو لا مداواته و يقتل، تصدّى (قدس سره) لبيان الفرق بين ترك الخروج من النار حيث قالوا بسقوط القصاص بل و عدم ثبوت الدية أيضا، كما عن جماعة، و لعلّه المشهور، و بين ترك المداواة فإنّ تركها لا يوجب سقوط القصاص، و قال في وجه الفرق إنّ النار لا تقتل الشخص بمجرد الوقوع فيها بل تقتل بالمكث فيها، و بما أن المطروح في النار‌

19

لأنّه مستقل باتلاف نفسه. و لا كذا لو جرح، فترك المداواة فمات، لأنّ السراية مع

____________

قد مكث في النار باختياره فهو قاتل نفسه، و هذا بخلاف ترك المداواة، فإنّ القتل مع ترك المداواة أيضا يستند إلى الجرح و سرايته؛ و لذا يكون الجرح و سرايته مضمونا فيثبت القصاص، و على الجملة المداواة على المجروح كانت واجبة و قد عصى بتركها فإنّه يجب على الشخص حفظ نفسه عن الهلاك إلّا أنّ عصيانه بتركها لا ينافي استناد القتل إلى الجرح الساري الذي هو فعل الجاني.

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأول: في أن الإلقاء في النار و ترتّب الموت عليه مع عدم خروج المطروح عنها و الشك في أنّ عدم خروجه كان تخاذلا أو تهاونا هل يوجب الضمان على الذي طرحه فيها أم لا؟

و الثاني: في الفرق بين ما ذكروا في المطروح في النار أو الماء من أنّه إذا مكث في النار أو الماء باختياره مع تمكّنه من الخروج عنها لا يثبت على الذي ألقاه فيها لا قصاص و لا دية؛ لأنّ المطروح أعان على نفسه و بين ما ذكروا من أنّه إذا جرح شخصا و ترك المجروح مداواة جرحه، فسرت إلى نفسه و مات يثبت على الجاني القصاص.

أمّا الكلام في المقام الأول، فلا بدّ من التفصيل بين النار التي يكون الإلقاء فيها و لو بلا مكث فيها قاتلة نوعا و لو بالسراية و الخروج عنها لكثرتها و اشتعالها أو لعدم التمكن من الخروج عنها نوعا، فالإلقاء فيها يوجب القصاص سواء قصد الملقي بالكسر بالإلقاء، قتله أم لا لأنّه يصدق أنّه قتله بما يقتل مثله و إن لم يقصد قتله فإنّ هذا موضوع للقصاص كما تقدّم.

و يلحق بذلك ما إذا كانت النار غير قاتلة بالإلقاء فيها بل يموت الشخص‌

20

ترك المداواة من الجرح المضمون، و التلف من النار ليس بمجرّد الالقاء، بل بالإحراق المتجدّد الذي لو لا المكث لما حصل.

____________

بالمكث فيها، و لكنّ الخروج عنها لم يكن ممكنا؛ لكونها في وهدة أو كان مانع آخر عن خروجه عنها.

و أمّا إذا لم يكن في البين مانع عن الخروج عنها و لم يخرج فمات بالمكث و لكن لم يعلم أنه ترك الخروج مع تمكّنه عليه تخاذلا أو تهاونا أو لم يتمكّن لطريان الدهشة أو تشنّج أعصابه بملاقاة النار و نحو ذلك، ففي ثبوت القصاص في الفرض تأمّل بل منع حتى لو كان قصد الملقي من الإلقاء قتله؛ لأنّ الفعل القاتل في الفرض هو المكث في النار المزبورة، و من المحتمل أن يكون المكث فيها من الفعل الاختياري للمطروح فيكون هو المعين على نفسه.

و على الجملة، لم يحرز استناد القتل إلى من ألقاه فيها ليقال إنه كان الفعل بقصد القتل، و مقتضى الأصل- يعني الاستصحاب- عدم استناد الفعل و القتل إلى الملقي فينتفي الموضوع للقصاص و لا يعارض بأصالة عدم استناد الفعل القاتل إلى اختيار المطروح و إرادته و عدم كون المطروح قاتل نفسه، فإنها غير جارية حيث لا يثبت بها تعيين القاتل في الملقي و كون فعله هو القاتل كما هو الموضوع للقصاص؛ و لذا ذكر بعض الأصحاب عدم ثبوت القصاص في الفرض و لكن يثبت الدية على الملقي.

و لكن في ثبوت الدية أيضا تأمّل، حيث إنه لم يثبت أنّه القاتل حتى يلتزم بالقصاص أو بالدية. نعم، الأحوط على الملقي- بالكسر- إعطاء الدية و المصالحة مع أولياء المقتول.

و أمّا المقام الثاني، و هو الفرق بين ترك المجروح مداواة جرحه حتى مات بالسراية و بين ترك الخروج عن الماء أو النار حتّى هلك بالمكث فيهما‌

21

و كذا البحث لو طرحه في اللجّة، و لو فصده فترك سدّه أو ألقاه في ماء فأمسك نفسه تحته مع القدرة على الخروج فلا قصاص و لا دية.

____________

فغاية تقريبه أنّ القتل يستند عرفا إلى من أوجد السبب، يعني المقتضي و التمكّن فيمن وقع عليه السبب على إيجاد المانع من سراية أثره لا يوجب سلب استناد القتل إلى فاعل السبب و الأمر في ترك مداوة الجرح الساري إلى النفس كذلك، و هذا بخلاف صورة الإلقاء في النار أو الماء، فإنّ السبب القاتل لم يحصل بفعل الجاني، يعني الملقي- بالكسر-، بل سبب القتل و هو المكث في الماء أو النار حصل بفعل المطروح و اختياره.

و على الجملة أنّ المطروح و إن ترك الواجب عليه بترك مداواة نفسه و خالف وجوب حفظ نفسه عن الهلاك إلّا أنّ ذلك لا ينافي استناد القتل إلى غيره فيكون نظير المريض الذي يترك مداواة نفسه فلا يقال إنّه قتل نفسه، و لكن يقال إنّه ترك حفظ نفسه عن الهلاك و نظير ما إذا هاجمه غيره مع تمكّنه على الدفاع و لكن ترك الدفاع فقتل، فإنّ تمكّنه على الدفاع لا يوجب أن لا يصدق على مهاجمه أنّه قاتله، و لكن تركه الدفاع و تخاذله كان حراما لوجوب حفظ نفسه عن الهلاك.

و لكن ربما يتبادر إلى الذهن أنّه لو كان الفرق بما ذكر صحيحا، فلا يصح ما ذكره (قدس سره) بعد ذلك أنّه لو فصده فترك المفصود شدّ موضع الفصد فمات بخروج الدم و نزيفه، لا يكون ضمان على الفصّاد لا القصاص و لا الدية، سواء كان المراد الفصد عدوانا أو مداواة.

و ما في الجواهر من أنّ الكلام في المقام في الفصد عدوانا و عدم شدّ المفصود موضع الفصد نظير المكث في النار تخاذلا (1) لا يمكن المساعدة‌

____________

(1) جواهر الكلام: ج 42، ص 28.

22

[ (الرابعة): السراية عن جناية العمد، توجب القصاص مع التساوي]

(الرابعة): السراية عن جناية العمد، توجب القصاص مع التساوي (1)، فلو قطع يده عمدا فسرت، قتل الجارح، و كذا لو قطع اصبعه عمدا بآلة تقتل غالبا فسرت.

[ (الخامسة): لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمدا]

(الخامسة): لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمدا، و كان الوقوع (2) مما

____________

عليه؛ و ذلك فإن القتل في مسألة الطرح في النار كان مستندا إلى المكث و كان المكث من الفعل الاختياري للمطروح، بخلاف نزيف الدم فإنّه مترتّب على فعل الفصّاد، غاية الأمر بما أنّ الفصد حتى مع عدم شدّ موضعه لا يقتل عادة و لم يكن من قصد الفصّاد قتله، ينتفي القصاص و لكن يثبت الدّية كما تقدّم انّ الأمر في الجرح غير القاتل و غير الساري أيضا كذلك من انتفاء القصاص و ثبوت الدية.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنه إذا تعمد الجارح في جنايته فسرت تلك الجناية فمات المجني عليه يثبت القصاص بلا فرق بين كون جراحته ممّا تسري و يموت الشخص بسرايتها نوعا أو كانت سرايتها اتفاقية كما صرّح به كثير من الأصحاب و هو المنسوب إلى المشهور، و لكن تقدّم أنّ هذا فيما إذا قصد بالجرح قتله أو كانت الجراحة قاتلة نوعا و لو بسرايتها.

و أمّا إذا لم يكن في البين شي‌ء منهما فاتفقت السراية و الموت فالثابت الدية على القاتل، و لعلّ ما في كلام الماتن من أنه «لو قطع اصبعه بآلة تقتل غالبا فسرت» من تقييد الآلة بكونها قاتلة يناسب ما ذكرنا، و إلّا فلا موجب للتقييد.

(2) الوقوع على إنسان من علو، على صورتين:

الأولى: أن لا يحسب وقوعه على إنسان فعلا اختياريّا للواقع كما إذا دفعته الريح العاصفة أو دفعه الغير فوقع على إنسان فقتله.

23

يقتل غالبا، فهلك الأسفل، فعلى الواقع القود، و لو لم يكن يقتل غالبا،

____________

الثانية: أن يكون وقوعه من فعله الاختياري بأن ألقى نفسه من علوّ على إنسان فقتله.

ففي الصورة الثانية التي تدخل في صورة القتل بالتسبيب إن كان قصده من إلقاء نفسه عليه، قتل من يقع عليه أو كان إلقاء نفسه عليه مما يقتله، يثبت القصاص، و أمّا إذا لم يقصد من إلقاء نفسه عليه قتله، و لم يكن الإلقاء عليه مما يقتل الواقع عليه نوعا، فلا قصاص بل إنّه من خطأ شبه العمد، فيثبت الدية المغلّظة.

و في جمع فروض الصور الثانية لو مات الملقي نفسه بإلقاء نفسه يكون دمه هدرا؛ لأنّه قاتل نفسه و لو خطأ، بل لو كان موته لفعل من وقع عليه دفاعا عن نفسه فالأمر كما ذكر.

و أمّا الصورة الأولى: فإن كان وقوعه على إنسان بغير دفع الغير بل لإطارة الريح و نحوه من الأمور الاتفاقية و قتل بوقوعه على شخص ذلك الشخص، لم يثبت عليه قود و لا دية لا في مال الواقع و لا في عاقلته. كما يشهد بذلك عدّة روايات: منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يسقط على الرجل فيقتله؟ فقال: لا شي‌ء عليه، و قال: من قتله القصاص فلا دية له» (1).

و ظاهر نفي الشي‌ء- خصوصا بملاحظة نفي الدية فيمن قتله القصاص- نفي الدية أيضا كنفيه فيمن قتله القصاص.

و في معتبرة عبيد بن زرارة قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما قال: ليس على الأعلى شي‌ء‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 41.

24

كان خطأ شبيه العمد، فيه الدّية مغلّظة، و دم الملقي نفسه هدرا.

[ (السادسة): قال الشيخ: لا حقيقة للسحر]

(السادسة): قال الشيخ: لا حقيقة للسحر (1) و في الأخبار ما يدل على أنّ

____________

و لا على الأسفل شي‌ء» (1).

و في صحيحه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل وقع على رجل فقتله، فقال: ليس عليه شي‌ء» (2). و ظاهرها كظهور ما قبلها، الوقوع بلا اختيار، و أمّا إذا كان وقوعه عليه بدفع الغير، فإن كان دفعه على الغير مما يقتل أو قصد الدافع من دفعه قتل من يقع عليه، يثبت القصاص على الدافع، و إلّا تكون الدية على المدفوع يدفعها إلى أولياء من وقع عليه و يرجع بها إلى دافعه، خلافا للمشهور حيث جعلوا الدية ابتداء على الدافع و ذكروا أنّه ليس على المدفوع دية، و استندوا في ذلك إلى استناد القتل إلى الدافع.

و ما ذكروه و إن كان على القاعدة لعدم صدور فعل اختياري عن المدفوع إلّا أنّه لا بد من رفع اليد عن القاعدة لصحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل دفع رجلا على رجل فقتله، قال: الدية على الذي دفع على الرجل فقتله لأولياء المقتول. قال: و يرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه. قال: و إن أصاب المدفوع شي‌ء فهو على الدافع أيضا» (3).

و قد عمل بها الشيخ، و حكي عن غيره أيضا، فلا موجب لطرحها.

و هذه الصورة كما أشرنا خارجة من صور القتل بالتسبيب.

(1) المراد من نفي الحقيقة للسحر أنّ السحر لا تأثير له في شي‌ء و منه موت الإنسان و نفي التأثير عنه بنحو التأثير المادي ظاهر و النفي عنه التأثير‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3: 41.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 40.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 20 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1: 40.

25

له حقيقة، و لعلّ ما ذكره الشيخ قريب، غير أنّ البناء على الاحتمال أقرب. فلو سحره فمات، لم يوجب قصاصا و لا دية على ما ذكره الشيخ، و كذا لو أقرّ أنه

____________

بنحو خرق العادة بأن يكون إرادة الساحر و قصده عند سحره أو بسحره مؤثّرا نظير إيجاد الشي‌ء أو إزالته بخرقها بإرادة من بيده المعجزة عند استعمالها أو باستعمالها فلو مات إنسان عند سحر ساحر فالموت غير مستند إلى سحره و لا إرادة الساحر فلا يكون على الساحر قصاص بل و لا دية حتى ما لو أراد موته بل لو اعتقد الساحر أنه قتله بسحره و اعترف بأنّي قتلته بسحري فلا قيمة لإقراره؛ لأنّ الإقرار مع العلم بخطإ المقرّ لا قيمة له، فيكون نظير ما إذا قال شخص أنا قتلت زيدا بدعائي، أو قال: قتلته بحدّة عيني من حدّي عليه.

و يستدلّ على عدم الحقيقة للسحر بقوله سبحانه: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ (1) و قوله تعالى: فَلَمّٰا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ (2) و قوله: وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ (3).

و يستفاد من المحكي عن التبيان وجه آخر أيضا لنفي حقيقته حيث قال:

كلّ شي‌ء خرج عن العادة الجارية، لا يجوز أن يتأتى من الساحر و من جوّز إتيان الساحر بشي‌ء من ذلك فقد كفر؛ لأنّه لا يمكنه العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوّة لأنّه أجاز مثله من جهة الحيلة و السحر.

أقول: لا أحتمل أن يلتزم أحد بأنّ السحر لا يكون له حقيقة و لا يوجب الخيال في المسحور بنحو تشويش باله و اضطراب نفسه حتى يتخيّل أنه في‌

____________

(1) سورة طه: الآية 66.

(2) سورة الأعراف: الآية 116.

(3) سورة البقرة: الآية 102.

26

قتله بسحره و على ما قلناه من الاحتمال يلزمه الاقرار، و في الأخبار يقتل الساحر، قال في الخلاف: يحمل ذلك على قتله، حدّا لفساده لا فودا.

____________

وسط نار مشتعلة أو في البحر الذي يغرقه مائه أو يهاجم عليه من كل جانب ليقتلوه إلى غير ذلك من التخيّلات كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه:

يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ (1)، و قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ (2)، و على ذلك فإن أوجب التخيّل المستند إلى سحر الساحر الخوف في نفس المسحور بقصد هلاكه، فهذا المقدار يوجب صحّة استناد القتل إلى الساحر فيكون موجبا للقصاص.

و كذا فيما يكون الخوف المزبور في مثل المسحور المذكور قاتلا و إلّا يثبت الدية في ماله.

و على الجملة، ثبوت القصاص أو الدية على الساحر لا يبتني على ثبوت الحقيقة الواقعية للسحر بل ذكرنا في مبحث حرمة السحر من المكاسب المحرمة أنّه يظهر من بعض الأخبار و كذا من قوله سبحانه: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمٰا مٰا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ (3) أنّ الحاصل خارجا يعدّ من فعل الساحر و يستند إلى سحره و إنّ له مرتبة من خرق العادة حيث إنّ العقد و إن فرض استناده إلى التخيّل بعضا إلّا أنّ الحلّ لا يناسب التخيّل و كذا فيما قيل من السحر على النبي (صلى اللّه عليه و آله).

و على أيّ تقدير فلو اعترف بأنّي قتلته عمدا بسحري يقتل، و إن اعترف بأنّي قتلته خطأ بسحري يقع عليه الدية حتّى لو فسّر الخطأ بالخطإ‌

____________

(1) سورة طه: الآية 66.

(2) سورة الأعراف: الآية 116.

(3) سورة البقرة: الآية 102.

27

[المرتبة الثانية: أن ينضمّ إليه مباشرة المجني عليه و فيه صور]

المرتبة الثانية: أن ينضمّ إليه مباشرة المجني عليه و فيه صور:

[ (الأولى): لو قدّم له طعاما مسموما]

(الأولى): لو قدّم له طعاما مسموما (1) فإن علم و كان مميّزا فلا قود و لا دية و إن لم يعلم فأكل و مات فللوليّ القود؛ لأنّ حكم المباشرة سقط بالغرور و لو جعل

____________

المحض لما يأتي من أنّ الدية لا تثبت على العاقلة بإقرار الجاني.

(1) للمرتبة الثانية من القتل بالتسبيب و هو ما كان ترتّب القتل على فعل الجاني لانضمام فعل المجني عليه، صور ذكرها في ضمن فروع:

الأولى: ما إذا قدّم للمقتول طعاما مسموما فمات بأكله و للتقديم فروض:

(الأول) أن يعلم الآكل أنّ في الطعام سمّا فأكله باختياره و إرادته مع تمييزه ففي هذا الفرض لا قود و لا دية على مقدّمه فإنّ الآكل في الفرض هو قاتل نفسه، و بتعبير آخر تقديم الطعام للآكل في الفرض و إن يكن محرّما نظير تقديم السكين لمن يريد قتل نفسه حيث أنّه إعانة على ظلم الظالم لنفسه و هو محرّم كإعانة الظالم للغير في ظلمه، إلّا أنّ القتل يستند إلى المباشر فلا يكون في ناحية التقديم غير الإعانة عليه.

(الثاني) أن يكون الآكل المزبور جاهلا بأنّ في الطعام سمّا فقدّم العالم بالحال الطعام المزبور له ليأكله. و في هذا الفرض يثبت القود على مقدّمه فيما كان تقديمه بقصد قتل الآكل أو كان السم المزبور مما يقتل الشخص به.

و كذا إذا لم يكن مما يقتل الشخص بمجرّده و لكن يوجب المرض القاتل.

و أمّا إذا لم يكن بقصد القتل و لا مما يقتل به و لو بحدوث المرض فاتّفق الموت فيدخل القتل حينئذ في الخطأ الذي يشبه العمد. و على الجملة القتل و إن ترتّب في هذا الفرض على فعل مقدّم الطعام و آكله إلّا أنّ جهالة الآكل‌

28

السم في طعام صاحب المنزل، فوجده صاحبه فأكله فمات، قال في الخلاف و المبسوط: عليه القود، و فيه إشكال.

____________

بالحال توجب استناد القتل إلى مقدّمه العالم بالحال و إلى ذلك أشار الماتن المحقق (قدس سره) بقوله: «لأنّ حكم المباشرة سقط بالغرور».

(الثالث) أن يكون مقدّم الطعام أيضا جاهلا بالحال كالآكل، و هذا الفرض و إن يخرج عن المرتبة الثانية و داخل في المرتبة الرابعة من التسبيب كما يأتي، إلّا أنّ المقدّم مع جهله بالحال يكون مثل الآكل الجاهل بالحال في عدم استناد القتل إليه، بل يكون الضمان حينئذ على من جعل السم في الطعام المزبور كما إذا أضاف صاحب المنزل شخصا و هيّأ له الطعام و جعل فيه السمّ و قال للجاهل بالحال قدّمه إلى الضيف. فما يظهر من كلام مجمع الفائدة و البرهان من ثبوت الدية على المقدّم في الفرض أيضا لا يمكن المساعدة عليه.

نعم لو كان المقدّم عالما بالحال يكون القصاص عليه لا على جاعل السمّ فيه؛ لأنّ المباشر إذا كان مساويا للمسبّب يستند الفعل إلى المباشر كما في الفرض الأول و المقدّم بالإضافة إلى جاعل السمّ كالمباشر فمع علمه بالحال يكون الضمان عليه.

و لا يرد النقض على ما ذكرنا من أنّ مع تساوي المباشر و فاعل السبب يستند الفعل إلى المباشر لا إلى فاعل السبب بمسألة ضمان الطبيب حيث أنّ المبيض مع احتماله كون الدواء ضارّا و تناوله باختياره يكون الضمان على الطبيب، فإنّ الضمان المزبور على تقدير تماميّته للنص.

نعم ما ذكرناه من عدم ضمان المقدّم مع جهله بالحال بل يكون الضمان على جاعل السمّ فيه إنّما هو فيما إذا قال الجاعل للمقدّم خذه و قدّمه إلى‌

29

..........

____________

الضيف، و أمّا إذا أخذ الجاهل بالحال من عنده إعانة لصاحب المنزل فقدّمه للضيف فأكل فمات فلا يبعد أن يقال إنّ القتل حينئذ يستند إلى فعلهما معا، غاية الأمر الاستناد إلى جاعل السمّ يحسب تعمّدا و إلى المقدّم خطأ.

(الرابع) أن يكون الطعام مسموما من غير فعل شخص آخر و من غير التفات من مقدّمه للغير بل كان المقدّم كالآكل جاهلا بالحال. و في هذا الفرض يثبت الدية على المقدّم لأنّ تقديمه في نفسه تسبيب غاية الأمر لغفلته عن حال الطعام يحسب قتله به خطائيّا.

لا يقال: استناد القتل في الفرض إلى مقدّم الطعام دون المباشر ينافي ما تقدّم من أنّ مع تساوي فاعل السبب و المباشر يستند الفعل إلى المباشر.

فإنّه يقال: ما تقدّم إنّما هو في صورة تساويهما في العلم، و أمّا مع جهلهما فالمتّبع الاستناد العرفي؛ و لذا ذكر جماعة أنّه لو حفر بئرا عميقا في داره و نسي حفره و أمر الغير في ظلمة بالمرور على الموضع فوقع فيه، فالدية على الحافر الآمر مع أنّ فاعل السبب كالماشي المذكور غافل حيث أمره و لو مع غفلته عن حفره يعتبر تسبيبا عرفا يستند الفعل إليه، و كذا الحال في تقديم الطعام المسموم من الغافل.

و بالجملة، الغفلة عن كون الفعل قاتلا توجب الانتقال إلى الدية، و كذلك الغفلة عن كونه قاتلا غير من يريد قتله كما إذا أراد قتل غير الآكل المزبور فقدّمه إلى الآكل المزبور باعتقاد أنّه من يريد قتله لظلمة أو نحوها.

و هذا مثله و إن لم يدخل في ضابط خطأ شبه العمد الذي تقدّم إلّا أنّه لا يحتمل الفرق في ثبوت الدية على الجاني بين مثل الموارد المزبورة و ما يدخل في ذلك الضابط بعد خروجه عن ضابط قتل العمد حيث إنّ ضابط قتل‌

30

..........

____________

العمد أن يصيب القتل أو الفعل القاتل بمن أراده كما هو ظاهر قوله (عليه السلام):

«العمد أن يتعمّده فيقتله بما يقتله مثله».

و نظير تقديم الطعام المسموم إلى غير من يريد قتله اشتباها ما إذا أراد قتل أحد فقتل شخصا آخرا باعتقاد أنّه الذي يريد قتله بحيث لو كان ملتفتا إلى أنّه غيره لما كان يقتله أصلا فإنّ هذا الفرض أيضا غير داخل في قتل العمد الموجب للقود فإنّ قتل العمد أن يصيب من يقصده و في الفرض لم يصبه.

و لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فإن كان مع علم الجاعل بأنّه السم القاتل أو جعل بقصد أن يقتل صاحب المنزل، يثبت القود عليه إذا أكل صاحب المنزل الطعام فمات حيث إنّ جعل السم القاتل من أحد الأسباب الذي يقتل الشخص بمثله و ما عن الماتن المحقق (قدس سره) من الإشكال في ثبوت القصاص؛ لأنّ صاحب المنزل هو المباشر للأكل الموجب لموته و لم يحصل من الجاعل التقديم و لا إجباره على أكله، لا يمكن المساعدة عليه بعد ما ذكرنا من أنّ جعل السمّ في طعام صاحب المنزل مع غفلته عن الحال مما يقتل الغير بمثله.

نعم لو التفت صاحب المنزل إلى جعل السمّ فأكله فمات، لم يكن على الجاعل قصاص و لا دية؛ لأنّه المعين على قتل نفسه. نعم الفعل المذكور من الجاعل حتّى مع التفات صاحب المنزل حرام؛ لأنّه تعدّ و إعانة على قتل النفس.

و لو فرض أنّ صاحب المنزل و الجاعل كلاهما غافلان تثبت الدية على الجاعل؛ لأنّ الجعل بحسب الفرض التسبيب، و قد تقدّم الجواب عن شبهة‌

31

[الثانية: لو حفر بئرا بعيدة في الطريق و دعا غيره]

الثانية: لو حفر بئرا بعيدة في الطريق و دعا غيره (1) مع جهالته فوقع فمات فعليه القود؛ لأنّه مما يقصد به القتل غالبا.

____________

ما إذا تساوى المسبّب و المباشر، يستند القتل إلى المباشر، حيث قلنا إنّ التسوية في موارد العلم و الالتفات.

و لو جعل الشخص السمّ في طعامه في منزله و دخل شخص آخر فأكله بغير إذن من صاحب المنزل، لا يوجب ذلك على صاحب المنزل قصاصا و لا دية؛ لأنّ أكل الداخل حيث وقع عدوانا على صاحب المنزل يستند القتل إلى الآكل فهو قاتل نفسه حتّى فيما إذا علم صاحب المنزل أنّ الداخل قد يأكله طمعا في الطعام المزبور.

نعم، لو لم يكن جعله دفاعا عن نفسه و ماله يكون فعله حراما حيث يجب عليه التحفّظ على نفس الغير من التلف.

و مثله ما إذا ادخل الطعام المسموم معه في منزل الغير و جعل الطعام المزبور في كيس و نحوه بحيث لا يشتبه على صاحب المنزل أنّه مال الداخل و لا يجوز التصرف فيه بلا إذنه و مع ذلك أكله صاحب المنزل بلا إذنه فمات فلا يكون على الداخل قود و لا دية؛ لأنّ التعدي وقع من صاحب المنزل حيث أكله بلا إذنه فهو القاتل لنفسه. نعم إدخاله و لو مع احتماله وقوع الأكل عدوانا، كان محرّما عليه حيث يجب التحفّظ على نفس الغير من الهلاك.

(1) الظاهر عدم الحاجة إلى التقييد بالدعوة فيما إذا حفر البئر المزبورة في الطريق الذي معرض مرور الناس و كان البئر بنحو يجهل المارّة حفرها، فإنّه إذا سقط فيها أحد فمات، فإن كانت بنحو تقتل الواقع فيها أو كان القصد من حفرها القتل، يثبت القصاص.

32

[الثالثة: لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي]

الثالثة: لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي (1)، فإن كان مجهزا فالأول جارح و القاتل هو المقتول فلا دية له و لوليّه القصاص في الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص، و إلّا كان له أرش الجراحة و إن لم يكن مجهزا و كان الغالب فيه السلامة، فاتفق فيه الموت، سقط ما قابل فعل المجروح، و هو نصف الدّية و للوليّ قتل الجارح بعد ردّ نصف الدّية.

____________

و إن لم يكن الوقوع فيها قاتلا إلّا بنحو الاتفاق و لم يقصد القتل بحفرها، يكون عليه الدّية على قرار ما تقدّم.

نعم، إذا حفر البئر المزبور في ملكه أو في غير الطريق المزبور و دعا غيره المرور عليه أو كان المارّ غافلا أو مثل الصبي غير المميّز، يثبت القصاص مع كون الوقوع فيه قاتلا عادة أو قصد القتل به و إلّا يكون عليه الدّية نظير ما تقدّم في جعل السمّ في طعام الغير.

(1) إذا جرح شخصا فداوى المجروح جرحه بدواء سمّي بحيث كان الدواء المزبور مجهزا بحيث يستند القتل إلى ذلك الدواء خاصّة، فالمجروح هو قاتل نفسه و لا يكون على الجارح قصاص أو دية. نعم لوليّ المقتول قصاص الجراحة إن كان في الجرح المذكور قصاص و إلّا يطلب من الجارح أرش الجناية.

و أمّا إذا لم يكن الدواء السمّي مجهزا بل يكون الغالب فيه السلامة و لكن استند الموت في الفرض إلى جرح الجارح و المداواة معا، ففي الفرض يسقط ما قابل فعل المجروح يعني نصف الدية فيكون للوليّ قتل الجارح بعد ردّ نصف الدية، كما أنّ له مطالبة نصف الدية على الجارح و الاغماض عن القصاص لما سيأتي من أنّ كلّ مورد يكون لولي الدم القصاص بردّ بعض الدّية، يجوز له القصاص ...

33

و كذا لو كان غير مجهز و كان الغالب معه التلف، و كذا البحث لو خاط جرحه في لحم حي فسرى منهما سقط ما قابل المجروح و هو نصف الدّية و كان للوليّ قتل الجارح بعد ردّ نصف ديته.

____________

و كذا الحال فيما لم يكن الدواء السمّي مجهزا و لكن يكون الغالب فيه التلف فإنّه في الفرض أيضا يسقط نصف الدية و يجوز لولي المقتول القصاص من الجارح بعد ردّ نصف الدّية أو مطالبة نصفها و الاغماض عن القصاص فيما إذا استند الموت إلى كلا الأمرين من الجرح و المداواة.

أقول: لا بدّ من تقييد كلّ ذلك بما إذا كان الجارح قاصدا قتل المجروح و إلّا فلا موضوع للقصاص، بل يؤخذ منه نصف الدية، و لم يظهر وجه الاطلاق في كلام الماتن المحقق (رحمه اللّه) حتى القول بالقصاص في سراية الجرح غير القاتل فإنّ الموت في الفرض لم يستند إلى سرايته و لذا يسقط نصف الدية، كما صرّح به الماتن، فإنّ سقوط نصف الدية شاهد أكيد على عدم استناد الموت إلى السراية.

و مما ذكرنا يظهر الحال فيما إذا جرحه الجارح و خاط المجروح الجرح المزبور فمات بسراية الجرح و الخيط، فإنّه مع استناد موته إليهما معا، يسقط نصف الدّية، فإن كان من قصد الجارح قتله فلوليّ المقتول القصاص بردّ الدّية و إلّا يكون على الجارح نصف الدية. و يأتي إن شاء اللّه أنّ الدية تقسّط على الجانبين و لا ينظر إلى قوة جناية أحدهما و ضعف الآخر أو إلى تعدّد جناية أحدهما و وحدة جناية الآخر.

و على الجملة يجري في الفرض أيضا ما إذا كان جرح الجاني بقصد القتل أو كان جرحه قاتلا نوعا و إلّا فلا موجب للقصاص بل يكون عليه نصف الدية مع استناد القتل إلى كلا الأمرين كما هو المفروض في المقام.

34

[المرتبة الثالثة: أن ينضمّ إليه مباشرة حيوان. و فيه صور]

المرتبة الثالثة: أن ينضمّ إليه مباشرة حيوان. و فيه صور:

[ (الأولى) إذا ألقاه في البحر فالتقمه الحوت قبل وصوله، فعليه القود]

(الأولى) إذا ألقاه في البحر فالتقمه الحوت قبل وصوله، فعليه القود (1)؛ لأنّ الإلقاء في البحر إتلاف بالعادة، و قيل: لا قود؛ لأنّه لم يقصد إتلافه بهذا النوع و هو قوي. أمّا لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود؛ لأنّ الحوت ضارّ بالطبع فهو كالآلة.

____________

(1) بلا فرق بين أن يقصد قتله بالإلقاء أم لا، فإنّ الإلقاء في البحر يكون من الفعل القاتل عادة، و معه لا فرق أن يموت بالغرق في البحر أو التقام الحوت أو بإصابة رأسه بالحجر في البحر، و قد ذكر جماعة من الأصحاب أنّ على ملقيه القود؛ لأنّ الإلقاء في البحر في نفسه فعل قاتل غاية الأمر يكون الموت فيه غالبا بالغرق و تخلّف ذلك لا يوجب خروج فعله عن كونه مما يقتل بمثله.

و نظير ذلك ما ألقاه من مكان شاهق فمات في الأثناء قبل الوصول إلى الأرض من خوفه فإنّ الغالب فيه و إن يكون الموت بالوقوع على الأرض إلّا أن تخلّف ذلك لا يكون خروج فعله عن كونه قاتلا.

و ما عن الماتن (قدس سره) من منع القصاص في الفرض لا يمكن المساعدة عليه و لا فرق بين ما ذكر و بين ما يذكر بعد ذلك من إلقائه على الحوت فالتقمه فعليه القود؛ لأنّ الحوت ضارّ بالطبع فهو كالآلة.

و على الجملة، الإلقاء في البحر كالإلقاء إلى الحوت فعل قاتل عادة، و التخلّف في الفعل القاتل المقصود، يعدّ من التخلّف في آلة القتل و لا يقاس ذلك بما إذا ألقاه من شاهق إلقاء قاتلا، و لكن قتله الغير قبل وقوعه على الأرض برمية قاتلة فإنّ هذا من قبيل الاشتراك في القتل مع استناده إلى كلا الفعلين أو إلى الغير الرامي فإنّ فعل إنسان آخر لا يعدّ آلة لفعل الملقي.

35

[ (الثانية): لو أغرى به كلبا عقورا فقتله]

(الثانية): لو أغرى به كلبا عقورا فقتله (1)، فالأشبه القود؛ لأنّه كالآلة، و كذا لو ألقاه إلى أسد بحيث لا يمكنه الاعتصام فقتله سواء كان في مضيق أو بريّة.

[ (الثالثة): لو انهشه حيّة قاتلة فمات، قتل به]

(الثالثة): لو انهشه حيّة قاتلة فمات، قتل به، و لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فهلك، فالأشبه وجوب القود؛ لأنّه مما جرت العادة بالتلف معه.

[ (الرابعة): لو جرحه ثم عضّه الأسد و سرتا]

(الرابعة): لو جرحه ثم عضّه الأسد و سرتا (2)، لم يسقط القود و هل يرد

____________

(1) ممّا ذكرنا في الصورة الأولى يظهر الحكم في الصورة الثانية و هي ما إذا أغرى به كلبا عقورا بأن كان مما يقتل بعقره عادة أو قصد أن يقتله بعقره فإنّه يكون على مغريه القود في كلتا الصورتين حيث إنّ عقر الكلب يعدّ آلة بالإضافة إلى فعل مغريه.

و نظير ذلك ما إذا ألقاه إلى أسد لا يمكن له الفرار عنه فقتله فإنّ على الملقي القود، حيث إنّ افتراسه لو لم يكن أقوى من عقر الكلب العقور فلا ينبغي التأمّل في أنّه لا يقصر عنه. نعم لو أمكن له الفرار فامتنع عنه لا يكون على الملقي قود و لا دية؛ لأنّه القاتل و المعين على نفسه، و قد تقدّم أن نفي القود أو الدية عن الملقي لا يستلزم جواز فعله و عدم تعلّق التعزير عليه.

و كذا يظهر الحال فيما يذكره في الصورة الثالثة من إنهاشه حيّة قاتلة بأن قبض الحيّة و ألقمها من جسده فإنّ الانهاش فعل يقتل بمثله فيكون عليه القود نظير ما طرح عليه حيّة فنهشه فمات.

(2) و لو جرحه بقصد قتله أو بجرح قاتل و عضّه الأسد فمات بسرايتهما يكون على الجارح القود؛ لأنّ المفروض أنّه بقصده القتل أو كون جرحه قاتلا، متعمّد في القتل غاية الأمر بما أنّ الموت مستند إلى أمرين أحدهما فعله و الآخر فعل الأسد، يثبت القصاص للوليّ عنه بردّ فاضل‌

36

فاضل الدّية؟ الأشبه نعم، و كذا لو شاركه أبوه أو اشترك عبد و حرّ في قتل عبد.

[ (الخامسة): لو كتّفه و ألقاه في أرض مسبعة]

(الخامسة): لو كتّفه و ألقاه في أرض مسبعة، فافترسه الأسد اتفاقا، فلا قود و فيه الدّية.

____________

الدّية أي نصفها، نظير ما إذا قتل الابن اثنان أحدهما أبوه و الآخر الأجنبي، فإنّ القصاص يتعلّق على الأجنبي حيث لا يقتصّ من الأب، و لكن يردّ نصف الدّية على الأجنبي.

و كذلك فيما قتل العبد اثنان أحدهما حرّ و الآخر عبد يتعلّق القصاص على العبد و يردّ نصف قيمته على مولاه.

و دعوى الفرق بين اشتراك الأب و الأجنبي في قتل الولد أو قتل العبد باشتراك الحرّ و العبد و بين عضّ الأسد فإنّ جناية الأسد غير مضمونة بخلاف جناية الأب و الحرّ، لا يمكن المساعدة عليها فإنّ جناية الأسد كما أنها غير مضمونة بالإضافة إلى الغير كذلك غير مضمونة بالإضافة إلى الجارح بعد صدق استناد القتل إلى جرحه و عضّ الأسد، بل ربما يقال إنّه لو نهشته بعد عضّ الأسد حيّة فمات بحيث استند موته إلى جرح الجاني و عضّ الأسد و نهش الحيّة، يرد عليه الثلثان من الدّية فإنّ الفرض كاشتراك ثلاثة في قتل واحد و لا يبعد أن يكون الأمر كذلك بعد فرض الاستناد المزبور.

و لا يخفى أنّه يكون القصاص من الجارح في فرض قصده القتل أو كون جرحه قاتلا نوعا، و إلّا يكون عليه نصف الدّية أو ثلثه لا القصاص كما أنّ الأمر في مقدار الدّية كذلك لو أغمض الولي عن الاقتصاص و طالبه بالدية.

و لا يخفى أيضا أنّ الكلام في المسألة ما إذا لم يكن عضّ الأسد و نهش الحيّة مستندا إلى فعله بإلقاء المجني عليه في أرض مسبعة و إلّا يكون الحال‌

37

[المرتبة الرابعة: أن ينضمّ إليه مباشرة إنسان آخر،]

[و فيه صور]

المرتبة الرابعة (1): أن ينضمّ إليه مباشرة إنسان آخر، و فيه صور:

[ (الأولى): لو حفر واحد بئرا فوقع آخر بدفع ثالث]

(الأولى): لو حفر واحد بئرا فوقع آخر بدفع ثالث، فالقاتل الدافع دون الحافر، و كذا لو ألقاه من شاهق، فاعترضه آخر فقدّه نصفين قبل وصوله إلى

____________

فيها كالحال في الصورة الخامسة التي ذكرها بقوله «و لو كتّفه و ألقاه في أرض مسبعة ...» أي أرض يوجد فيه السباع، فإنّه لو كان إلقائه فيها بقصد قتله بافتراس السبع أو كان السباع فيها بنحو يكون الافتراس فيه أمرا غالبيا يتعلّق على الملقي القود مع تحقّق الهلاك و إن كان وجود السبع و افتراسه أمرا نادرا و لم يكن من قصده قتله، يكون عليه الدّية و يظهر وجه ذلك كلّه مما تقدّم، كما يظهر وجه الخلل فيما ذكره الماتن (قدس سره) من نفي القود، إلّا أن يكون مراده عدم كون القصد بالإلقاء قتله.

(1) المرتبة الرابعة: ما إذا كان فعل إنسان آخر دخيلا في تحقّق القتل من القاتل و لهذه المرتبة صور:

(و الصورة الاولى): ما إذا كان فعل المباشر بحيث يستند القتل إليه و إن كان فعل الآخر دخيلا في تحقّق القتل من المباشر، كما إذا حفر بئرا و وقع فيه إنسان بدفع آخر فمات الواقع، فإنّ القتل يستند إلى الدافع و إن يكن حفر البئر دخيلا في تحقّقه بحيث لو لا حفرها لما كان الدافع قاتلا.

و نظير ذلك ما إذا ألقاه من شاهق و قبل أن يصل إلى الأرض اعترضه آخر فقدّه نصفين بسيفه فإنّ القتل يستند إلى من قدّه نصفين و إن كان يقتل لو لا القدّ، بالوقوع على الأرض.

نعم، إذا كان المعترض له يعدّ كالآلة كما إذا ألقاه في دار المجانين فاعترضه مجنون فقتله، يكون القود على الملقي فيما إذا كان إلقائه فيها بقصد قتله أو كان الإلقاء فيها قاتلا عادة كما تقدّم نظيره في الإلقاء في البحر‌

38

الأرض، فالقاتل هو المعترض. و لو أمسك واحد و قتل آخر فالقود على القاتل دون الممسك، لكنّ الممسك يحبس أبدا، و لو نظر إليهما ثالث لم يضمن، لكن تسمل عيناه، أي تفقأ.

____________

فالتقمه الحوت قبل وقوعه في الماء.

و من قبيل ما ذكر من استناد القتل إلى المباشر ما لو أمسكه واحد و قتله الآخر فإنّ القود على القاتل دون الممسك، نعم يحبس الممسك أبدا حتّى يموت و لو كان في البين ثالث ناظرا أي: مراعيا لهما في إتمام فعلهما لم يضمن كالممسك إلّا أنّه تسمل عيناه أي تفقأ و تشقّ.

و يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى عليّ (عليه السلام) في رجلين أمسك أحدهما و قتل الآخر، قال: يقتل القاتل، و يحبس الآخر حتى يموت غمّا، كما حبسه حتّى مات غمّا» (1) و نحوها مرفوعة سماعة (2).

و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) واحد منهم أمسك رجلا و أقبل الآخر فقتله و الآخر يراهم فقضى في (صاحب) الرؤية أن تسمل عيناه و في الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه و قضى في الذي قتل أن يقتل (3).

و قد ذكر بعض الأعلام أنّ الممسك يحبس بعد ضرب جنبيه و يجلد كلّ سنة خمسين جلدة، و استشهد لذلك بمعتبرة عمرو بن أبي المقدام «أنّ رجلا قال لأبي جعفر المنصور و هو يطوف: يا أمير المؤمنين إنّ هذين الرجلين‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 17 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 19، الباب 17 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.

(3) الوسائل: ج 19، الباب 17 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.

39

[الثانية: إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر دون الآمر]

الثانية: إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر دون الآمر (1) و لا يتحقق الإكراه في القتل و يتحقق فيما عداه. و في رواية عن علي بن رئاب يحبس

____________

طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله فلم يرجع إليّ، و و اللّه ما أدري ما صنعا به، فقال لهما: ما صنعتما به؟ فقالا: يا أمير المؤمنين كلّمناه ثم رجع إلى منزله- إلى أن قال- فقال لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعفر بن محمد اقض بينهم- إلى أن قال- فقال: يا غلام اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كلّ من طرق رجلا بالليل فأخرجه من منزله فهو ضامن إلّا أن يقيم عليه البيّنة إنّه قد ردّه إلى منزله يا غلام! نحّ هذا فاضرب عنقه للآخر، فقال:

يا ابن رسول اللّه و اللّه ما أنا قتلته و لكنّي أمسكته، ثم جاء هذا فوجأه فقتله، فقال: أنا ابن رسول اللّه، يا غلام نحّ هذا فاضرب عنقه للآخر فقال: يا ابن رسول اللّه ما عذّبته و لكنّي قتلته بضربة واحدة، فأمر أخاه فضرب عنقه، ثمّ أمر بالآخر فضرب جنبيه و حبسه في السجن و وقع على رأسه «يحبس عمره و يضرب في كلّ سنة خمسين جلدة» (1).

و لكن لا يخفى أنّها واردة فيمن أخرج المقتول من منزله ليلا، و من المحتمل أن يكون ضرب جنبيه و ضرب خمسين كلّ سنة من جهة إخراجه المقتول من منزله ليلا و لا يمكن تسرية هذا الحكم إلى مطلق الممسك، و اللّه العالم.

(1) ظاهر كلامه (قدس سره) أنّه إذا أكرهه المكره على قتل شخص لا يجوز للمأمور قتله فإن قتله يجري عليه القود و يحبس الآمر بقتله حتّى يموت و يقال مع ذلك بعدم تحقّق الإكراه في القتل؛ لأنّه مع علم المأمور بأنّه على تقدير العمل بأمر الآمر يقتل قصاصا؛ لأنّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فلا يكون‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 18 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

40

الآمر بقتله حتى يموت. هذا إذا كان المقهور بالغا عاقلا و لو كان غير مميّز كالطفل و المجنون فالقصاص على المكره لأنّه بالنسبة إليه كالآلة.

____________

موافقة أمر الآمر توقية لنفسه عن الهلاك.

و المعتبر في موارد تحقق الإكراه أن يكون الموافقة على إكراه المكره بالكسر- توقية لنفسه من الضرر الأعظم و لذلك ذكر الماتن (قدس سره) تحقق الإكراه في غير القتل كما إذا أمره بجرح الآخر أو قطع عضوه كيده و إلّا- أي إن خالف المأمور أمره- يقتله، فإنّه يتحقق الإكراه المجوّز.

و يلزم على ذلك أنّه لو أمره بقطع يد غيره أو جرحه مثلا، فإن لم يقطع أو لم يمتثل أمره يقطع يد المأمور و إن لم يجرحه يجرح الآمر المأمور، فلا يتحقق الإكراه المجوّز؛ لأنّه ليس امتثال أمره توقية لنفسه من الضرر الأعظم، بخلاف ما إذا قال إن لم تقطع أو لم تجرح قتلتك فإنّه يتحقق في هذه الصورة الإكراه المجوّز، و لكن لا يخفى أنّ رفع الإكراه امتنانية و كما لا ترفع الحرمة فيما إذا أكرهه على قتل الغير كذلك لا ترفع في موارد القطع و الجرح و إن كان الضرر المتوعّد به قتل المكره- بالفتح-.

و على الجملة، لا حكومة لرفع الإكراه في هذه الموارد مما يكون الرفع فيها خلاف الامتنان على الغير بل يكون هذه الموارد داخلا في عنوان التزاحم بين حرمة الجناية على الغير و بين وجوب حفظ النفس عن الهلاكة و التلف و الجناية.

و الحاصل: أنّ المشهور عدم جواز قتل الغير بالإكراه عليه و يتعلّق على المكره- بالفتح- القود و يحبس الآخر.

و يدلّ عليه صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل أمر رجلا بقتل رجل فقتله فقال: يقتل به الذي قتله و يحبس الآمر بقتله في الحبس‌

41

..........

____________

حتى يموت» (1).

فإنّ هذه الصحيحة لو لم تكن ظاهرة في خصوص الإكراه فلا أقلّ من إطلاقها.

و صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنّما جعل التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية» (2)، و نحوها موثقة أبي حمزة الثمالي (3)، فإنّ قتل الغير بالتقيّة التي داخلة في الاضطرار إذا كان غير مشروع فلا يجوز فعله بالإكراه عليه، بل يمكن التمسّك بما دلّ على حرمة قتل النفس المحترمة بعد بيان عدم رافعيّة الإكراه و الاضطرار حرمته فيكون المقام نظير ما إذا كان إنسان يموت جوعا إلّا أن يقتل إنسانا آخر فيأكل لحمه، و كما أنّه لا يتحقّق الاضطرار الرافع في المثال فكذا الإكراه في مفروض الكلام.

و لكن ذكر بعض المحقّقين (قدس سره) (4) أنّه لو أكرهه على قتل شخص و كان ما توعّد به من الضرر دون القتل فلا يجوز قتل الشخص المزبور، فلو قتله المكره- بالفتح-، كان عليه القود و على المكره- بالكسر- الحبس المؤبّد، و أمّا إذا كان الضرر المتوعّد به هو القتل فلا يبعد الالتزام بأنّه يجوز للمكره قتله، و لكن يتعلّق عليه الدّية و يحبس المكره- بالكسر- مؤبّدا.

و الوجه في هذا التفصيل أنّ حديث رفع الإكراه و إن لا يرفع حرمة‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 13 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

(2) الوسائل: ج 11، الباب 31 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الحديث 1.

(3) الوسائل: ج 11، الباب 31 من أبواب الأمر و النهي و ما يناسبهما، الحديث 2.

(4) مباني تكملة المنهاج: ج 2، ص 13.

42

..........

____________

قتل النفس في الفرض لاختصاص الرفع بموارد الامتنان في الرفع إلّا أنّ حرمة قتل الغير مع وجوب حفظ النفس و عدم تعريضه للهلاك من المتزاحمين و حيث لا ترجيح في البين، فلا مناص من الالتزام بالتخيير و عليه يكون القتل سائغا و غير صادر عن ظلم و عدوان، فلا يترتّب عليه القصاص، و لكن يثبت الدّية على القاتل؛ لأنّ دم امرئ مسلم لا يذهب هدرا و لا يقاس بمسألة الاضطرار إلى قتل الغير و أكل لحمه؛ لأنّ في حفظ النفس في هذا الفرض ارتكاب محرّمين قتل الغير و أكل لحمه.

أقول: ما يمكن لنا من إحراز التساوي هو تساوي ملاك قتل النفس مع ملاك قتل الغير، و أمّا تساوي صلاح التحفّظ على النفس من هلاكتها مع ملاك حرمة قتل النفس المحترمة فلا سبيل لنا إلى إحرازه و من المحتمل جدّا أن يكون فساد قتل المؤمن متعمّدا أكبر من صلاح التحفّظ على نفسه كما لا يبعد استفادة ذلك من قوله (عليه السلام) «إنّما شرع التقية ليحقن به الدم و إذا بلغ الدم فلا تقية» و عليه فوجوب التحفّظ على النفس منوط على جواز ما يتوقّف عليه و مع شمول الاطلاق فيما دلّ على حرمة قتل المؤمن متعمّدا، لقتل الغير إكراها، ينتفي وجوب التحفظ على النفس لعدم التمكن عليه لحرمة مقدّمته.

هذا كلّه إذا كان المكره- بالفتح- بالغا عاقلا، و أمّا إذا كان مجنونا أو صبيّا غير مميّز يتعلّق القود على الآمر حيث أنّ المجنون و الصبي غير المميز يحسب آلة للآمر.

و إذا كان الصبي مميّزا فلا يتعلّق عليه القود بل يتعلّق الدّية على عاقلته، لما دلّ على أنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة كما يأتي، و يتعلّق‌

43

..........

____________

بالآمر يعني- المكره- بالكسر ما تقدّم من أنّه يحبس مؤبّدا. و الوراد في صحيحة زرارة المتقدّمة و إن كان فرض الآمر رجلا و كذا المأمور، إلّا أنّ المتفاهم أنّ ذكر الرجل من باب المثال.

و لو أمر امرأة بقتل الغير فقتلته، يتعلّق القود بالمرأة و يحبس الآمر.

و على الجملة لكلّ من يتصدّى لقتل الغير بإكراه المكره و كان المتصدّي فاعلا مختارا يتعلّق بالمكره الحبس عقوبة على ما أكرهه، كما يتعلّق القود بالمتصدّي إلّا فيما إذا كان غير بالغ؛ لأنّ عمد الصبي و خطأه سيّان.

بقي في المقام أمران:

أحدهما: ما أشار إليه الماتن المحقق (قدس سره) من أنّ الصبي المميّز يقتصّ منه إذا بلغ عشر سنين على ما ذكره بعض الأصحاب.

و لعلّه لما ورد في الصبي البالغ عشر سنين أنّه يصحّ وصيّته و تصدّقه و يحمل عليه ما ورد في معتبر السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل و غلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه و إذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضى بالدية» (1).

و فيه أنّ ما ورد في نفوذ وصيّته إذا بلغ عشر سنين مع اختصاصه بقسم من الوصية كما ذكر في محلّه، لا يوجب جواز الاقتصاص، و المعتبرة معارضة بما دلّ على أنّ عمد الصبي و خطأه سيّان حيث أنّ ظاهره الصبي المميّز، و إلّا فلا عمد لغير المميّز؛ فإنّه كالآلة كما تقدّم فيرجع إلى ما دلّ‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

44

و يستوي في ذلك الحرّ و العبد (1)، و لو كان مميّزا عارفا غير بالغ و هو حرّ فلا قود، و الدّية على عاقلة المباشر، و قال بعض الأصحاب: يقتصّ منه إن بلغ

____________

على رفع القلم عن الصبي بعد اختصاص كلّ منهما بالمميّز كما لا يخفى.

ثانيهما: ما ربما يتبادر إلى الذهن أنّه يجوز للإنسان قتل الغير في مورد إكراهه على قتله مع كون الضرر المتوعّد به القتل بعنوان الدفاع عن النفس.

و لكنّه وهم محض، فإنّ الجائز في مورد الدفاع عن النفس، قتل المتعدي و المهاجم عليه و هو في الفرض المكره- بالكسر- لا الغير.

و أمّا دعوى جواز قتل الغير للاضطرار عليه فقد تقدّم أنّ الاضطرار لا يوجب جواز قتل الغير كما هو المستفاد من نفي التقيّة بإراقة الدم و نحوه.

نعم لو قام في مورد دليل على جوازه كما في تترّس الكفّار في قتالهم ببعض المسلمين فذلك أمر آخر يلتزم فيه بالجواز‌

(1) المشهور بين الأصحاب أنّه لا فرق فيما تقدّم بين كون المكره بالفتح- حرّا أو عبدا فيتعلّق القود بالعبد و يحبس سيّده الآمر عبده بقتل الغير مؤبّدا.

قال الماتن (قدس سره) في النافع و لو كان المأمور عبده قولان أشبههما أنّه كغيره. و ظاهر ذلك وجود القائل بعدم تعلّق القود بالعبد بل يتعلّق القود بالسيد و يحبس العبد، و لكن هذا غير منقول إلّا عن الاسكافي، و قيل مال إليه صاحب الوافي لموثقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله قال: فقال: يقتل السيّد به» (1).

و في معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1.

45

عشرا و هو مطرح و في المملوك المميّز تتعلّق الجناية برقبته فلا قود. و في الخلاف:

إن كان المملوك صغيرا أو مجنونا سقط القود و وجبت الدّية و الأوّل أظهر.

____________

في رجل أمر عبده أن يقتل رجلا فقتله، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): و هل عبد الرجل إلّا كسوطه أو كسيفه، يقتل السيد و يستودع العبد السجن» (1) و رواها الصدوق باسناده إلى قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).

و نقل العلامة في المختلف عن الشيخ في الخلاف أنّه قال اختلف روايات أصحابنا في أنّ السيد إذا أمر عبده بقتل غيره فقتله فعلى من يجب القود؟ فروى بعضها أنّ على السيد القود و في بعضها على العبد القود و الوجه في ذلك أنّه إن كان العبد مخيّرا عاقلا يعلم أنّ ما أمره به معصية فإنّ القود على العبد و إن كان صغيرا أو كبيرا لا يميّز و اعتقد أنّ جميع ما يأمره به سيّده واجب عليه، كان القود على سيّده.

و قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد نقل الخبرين: «قال محمد بن الحسن هذان الخبران قد وردا ما أوردناهما و ينبغي أن يكون العمل على الخبر الأول (يعني الخبر الأول قبل الخبرين الدالّ على الاقتصاص من مباشر القتل) لأنّه موافق لظاهر كتاب اللّه و الأخبار الكثيرة التي قدّمناها؛ لأنّ القرآن قد نطق أنّ النفس بالنفس، و قد علمنا أنّه ما أراد إلّا النفس القاتلة، و الأخبار التي قدّمناها فيمن اشترك بالرؤية و الإمساك و القتل تؤيّد ذلك أيضا؛ لأنّ القصاص فيها إنّما أوجب على القاتل و لم يوجب على الممسك و لا على الناظر و قد علمنا أنّ الممسك أمره أعظم من الآمر و إذا كان الخبران مخالفين للقرآن و الأخبار فينبغي أن يلغى أمرهما و يكون العمل بما سواهما‌

____________

(1) الوسائل: ج 19، الباب 14 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2: 33.

46

..........

____________

على أنه يحتمل الخبران وجها و هو أن يحملا على من تكون عادته أن يأمر عبيده بقتل الناس و يغريهم بذلك و يلجئهم إليه، فإنّه يجوز للإمام أن يقتل من هذه حاله لأنّه مفسد في الأرض» انتهى (1).

أقول: لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) أوّلا إنّ حمل الروايتين على صورة اعتياد المولى بأمر عبده أو عبيده بقتل الناس لكونه مفسدا في الأرض، ينافي الأمر بحبس العبد القاتل حتّى يموت حيث أنّ مقتضى الحمل المزبور أن يقتل العبد قصاصا و مولاه لكونه مفسدا، كما أنّ حمل الروايتين على صورة كون العبد صغيرا، لا يمكن فإنّه مع كون العبد صغيرا بمنزلة الآلة له لا موجب لحبسه حتّى يموت.

و ثانيا: ما ذكره (قدس سره) من أنهما تخالفان الكتاب العزيز و الروايات، غير تامّ، حيث أنّ غاية ما يمكن أن يقال هو أنّ مقتضى إطلاق الآية الاقتصاص من المباشر حتّى فيما كان عبدا قتل نفسا بأمر مولاه، فيرفع اليد عن هذا الاطلاق بالروايتين كسائر الموارد التي يرفع اليد عن اطلاق الآية أو عمومها بالخبر المقيّد أو الخاص و شي‌ء من الروايات لم يرد في الاقتصاص عن العبد القاتل بأمر مولاه غاية الأمر مقتضى الاطلاق في بعض الروايات كصحيحة زرارة المتقدمة جريان القصاص على العبد فيرفع بهما عن إطلاقها أيضا. هذا كلّه في المملوك البالغ العاقل.

و أمّا إذا كان صغيرا فيكون الصغير كسوط المولى و سيفه بالفحوى و لذا يتعلّق على مولاه القود و مع خطائه في أمره يتعلق عليه الدية، كما لا يخفى.

____________

(1) التهذيب: ج 10، ص 220.

47

[فروع]

[الأول: لو قال اقتلني و إلّا قتلتك لم يسغ القتل]

فروع الأول: لو قال اقتلني و إلّا قتلتك (1) لم يسغ القتل؛ لأن الاذن لا يرفع الحرمة و لو باشر لم يجب القصاص؛ لأنّه كان مميّزا أسقط حقّه بالاذن فلا يتسلّط الوارث.

____________

و قد ذكر الماتن (قدس سره) أنّه لو كان المأمور مميّزا عارفا غير بالغ و هو حرّ فلا قود لا على الآمر و لا على المأمور لصغره، بل تكون الدية على عاقلة الصبي كما هو مقتضى ما ورد من أنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.

و أمّا إذا كان المأمور عبدا مميزا تتعلق الجناية برقبته و لا قود عليه و لا على مولاه و كأنّه إذا كان غير مميّز يكون الدية على المولى الآمر.

و لكن مقتضى ما ذكرنا أنّه لا فرق في المميز و غيره في أنّ القود على مولاه و مع خطأ المولى يكون عليه الدية بلا فرق بين كون العبد بالغا أو صغيرا.

(1) أقول: إذا قال شخص لآخر: اقتلني و إلّا اقتلنّك، ففي هذا صورتان:

إحداهما: أنّ المكره يعلم أو يطمئن بأنّه لو لم يقتله لما توجّه إليه الضرر المتوعّد به فلا ينبغي التأمّل في أنّه لا يجوز له قتل الآخر، حيث أن إذنه في قتله لا يوجب ارتفاع الحرمة.

و ما قيل من أنّ قتله و إن كان محرّما إلّا أنّه لا يتعلّق على المأمور القاتل القود؛ لأنّ المقتول بأمره أسقط ضمان النفس كما إذا أمره باتلاف ماله بإلقائه في البحر فإنّه و إن لم يجز للمأمور إلقائه في البحر؛ لأنّه تضييع و تبذير للمال إلّا أنّه إذا ألقاه فيه لم يكن عليه ضمان.

و لكن لا يخفى ما في القياس فإنّ ضمان المتلف مال الغير إنّما هو من‌

48

..........

____________

جهة حرمة ماله و إذا أسقط المالك حرمة ماله بالاذن لإتلافه بلا عوض فلا يبقى موجب للضمان و للمالك سلطنة على ذلك و هذا لا ينافي عدم جواز الاتلاف بالمباشرة أو بالتسبيب تكليفا بانطباق عنوان محرّم عليه من تضييع المال أو غيره، و هذا بخلاف إتلاف النفس و العضو، فإنّه ليس للإنسان سلطنة على إتلافهما أو إسقاط حرمتهما ليكون إذنه للغير في الاتلاف إسقاطا لاحترامهما.

و على الجملة، القصاص نفسا أو طرفا ليس عوضا للتالف بل هو حقّ للجزاء على الجناية جعله الشارع لوليّ المقتول أو المجني عليه و لا يسقط إلّا بالعفو عنه من وليّ القصاص بعد فعليّة الحقّ و ما في كلام الماتن و جماعة عدم القصاص في الفرض؛ لأنّه أسقطه بالإذن فلا يتسلّط الوارث، لا يمكن المساعدة عليه.

و مما ذكرنا، ظهر أنّه لا ينفذ إذن الإنسان لغيره، لقلع عينه أو قلبه أو كليته للترقيع إلى بدن مريض بالعوض أو مجانا مع حياته أو بعد موته لما ذكرنا من عدم سلطنة الشخص على قتل نفسه أو الجناية عليها بقطع عضوه لا حال حياته و لا بعد مماته ليجوز الجناية مع إذن صاحب العضو.

نعم يقال لا بأس بالترقيع يعني العملية الجراحية لمن يتصدّى لها مع إذن صاحب العضو بنحو الوصية أو بدونها، و فيما كان العضو من الحي مع عدم كون المقطوع منه من الأجزاء الرئيسة فإنّ الجناية على الميت أو قطع العضو من الحي و إن لم يكن في نفسه عملا جائزا إلّا أنّه في مقام التزاحم بينه و بين وجوب إحياء النفس الذي في معرض التلف يجوز لأنّ إحياء النفس أهمّ فلا أقلّ من احتمال الأهميّة أو الأقل من عدم احتمال الأهمية في ناحية قطع العضو من الحي أو الميت.

49

[الثاني: لو قال اقتل نفسك]

الثاني: لو قال اقتل نفسك (1) فإن كان مميّزا فلا شي‌ء على الملزم و إلّا فعلى الملزم القود. و في تحقّق إكراه العاقل هنا، إشكال.

____________

و لكن لا يخفى أنّه لا سبيل لنا إلى إحراز وجوب إحياء النفس المنحصر مقدمته في المحرم الذي يعدّ جناية على الحي أو الميت بل مقتضى حرمة الجناية عدم التكليف بوجوب الاحياء، و الاستدلال على أهمية الإحياء بجواز الجناية على الغير حفظا للنفس كما إذا قال: اقطع يد زيد و إلّا أقتلك، غير تام؛ لأنّ حرمة الإلقاء في الهلكة أهمّ أو محتمل الأهمية من قطع عضو الغير و نحوه، بخلاف إحياء النفس المشرفة على الموت بالمرض، حيث أنّ وجوب إحيائها المتوقف على الجناية على الغير غير معلوم فضلا عن أهميته، و اللّه سبحانه هو العالم.

(1) لو قال اقتل نفسك فإن كان المأمور مميّزا أو بالغا عاقلا فقتل نفسه لم يتعلّق بالمكره قود و لا دية بل يحبس إلى أن يموت لما تقدّم. و إن كان غير مميّز يتعلّق بالمكره القود.

و قد يقال بتحقّق الإكراه المجوّز لقتل النفس فيما إذا كان ما توعّد به من القتل من نوع أصعب (1).

و لكن هذا غير صحيح لعدم جواز قتل النفس بوجه و إلّا جاز قتل النفس اضطرارا فيما إذا كان مرضه المهلك موجبا لتحمّل الزجر مدّة طويلة، و أمّا إذا لم يكن في البين إلّا مجرّد الأمر من دون توعّد فقد ذكر الماتن (قدس سره) عدم شي‌ء على الملزم فيما إذا كان المأمور مميزا.

و لكن لا يبعد جريان الحبس عليه لعدم احتمال الفرق بين الأمر بقتل الغير أو بقتل نفسه كما لا يخفى.

____________

(1) مباني تكملة المنهاج: ج 2، ص 17.

50

..........

____________

ينبغي التعرّض في المقام لأمر و هو أنّه إذا علم المكلّف بأنّه لو لم يقتل نفسه يبتلى بالمحذور الأشدّ و ما فيه وزره أعظم كما قد يتّفق ذلك للأسير بيد أعداء الدين حيث قد يعلم أنّه لو لم يقتل نفسه لم يتحمّل ما يفعله الأعداء من الزجر و العذاب؛ لأن يكشف لهم أسرار المسلمين و مكان قوّتهم و لا يجد عند زجرهم أيّ وسيلة لكتمان ما يريدون منه و مع الكشف عن أسرار المؤمنين و مكان قوّتهم تقع هزيمة يصعب عليهم تحمّلها و لا ينبغي التأمّل في أنّه إذا أحرز مؤمن حال الأسير و عدم تحمّله زجر الأعداء و يكشف لهم ما فيه ضرر عظيم و صدمة شديدة على المؤمنين يجب عليه التسبيب إلى قتله بيد الأعداء لو أمكن و إلّا يباشر قتله لكون ما يترتّب على ترك قتله أشدّ و أعظم بمراتب من قتله و لكن لا يجوز للأسير المزبور المطلع على حاله و عدم تحمّله الزجر قتل نفسه بل يجب عليه الكتمان و عدم الكشف عن أسرار المؤمنين و مكان قوّتهم و غير ذلك و لو عند الزجر بأيّ مرتبة.

نعم، إذا علم من حاله عدم التحمّل و أنّه يكشف الأسرار أثناء الزجر يكون قتل نفسه جائزا لإرشاد العقل إلى اختيار أقل الوزرين نظير ما ذكر في توسّط الغاصب في أرض مغصوبة من اختيار التصرّف الخروجي من باب أنّه ارتكاب بما فيه الوزر الأقل.

و على الجملة قد تقدّم ما يظهر منه عدم جواز قتل الإنسان نفسه لا بالإكراه و لا بالاضطرار في حال، كما لا يجوز له قتل مؤمن من غير حقّ لا بالإكراه و لا بالاضطرار إلّا في مورد توقّف التحفظ على المصلحة الأهم و دفع الصدمة الشديدة المتوجّهة على الحوزة الإسلامية و المؤمنين عليه. و في مورد الجواز أو الوجوب كما ذكرنا يسقط القود على القاتل و ينتقل الأمر إلى الدّية لاحترام دم المؤمن و أنّه لا يذهب هدرا، و اللّه العالم.

51

[الثالث: يصحّ الإكراه فيما دون النفس]

الثالث: يصحّ الإكراه فيما دون النفس، فلو قال: اقطع يد هذا أو هذا و إلّا قتلتك، فاختار المكره أحدهما ففي القصاص تردّد (1) منشأه أنّ التعيين عري عن الإكراه و الأشبه القصاص على الآمر لأنّ الإكراه تحقّق و التخلّص غير ممكن إلّا بأحدهما.

____________

(1) مراده (قدس سره) أنّ الإكراه على الجناية على الغير يوجب ارتفاع حرمتها كما إذا قال: اقطع يد هذا و إلّا قتلتك، فله قطع يده و إذا قطعها يكون القصاص على المكره- بالكسر-؛ لأنّ السبب مع جريان الاكراه أقوى من المباشر و لا يكون على المكره- بالفتح- شي‌ء. و كذا ذكروا أنّه لو أكرهه على إتلاف مال الغير يكون ضمان إتلافه على المكره- بالكسر- و لا يجوز للمالك الرجوع إلى المكره- بالفتح-.

و لكن ما ذكروه من ثبوت القود على المكره- بالكسر- بدعوى أنّ استناد القطع إليه أولى و أقوى من استناده إلى المباشر لا يخفى ما فيه؛ لأنّه يصحّ أن يقال إنّه لم يقطع يده بل قطعه فلان بإكراه منه، و لذا استشكل في القواعد فيما ذكروه بل المتعين في الفرض ثبوت الدية على المكره- بالفتح- لفرض جواز قطعه الموجب لارتفاع الجناية ظلما و عدوانا. نعم للمكره بالفتح- الرجوع إلى المكره- بالكسر- فيما خسره من الدية حيث أنّه أتلفها عليه بإكراهه.

و بهذا يظهر الحال فيما لو قال له اقطع يد هذا أو ذاك و إلّا قتلتك فإنّه لا يتعلّق بالمكره- بالفتح- إلّا الدية، و ليس على المكره- بالكسر- إلّا التعزير مع عدم كونه مفسدا في الأرض، و ذكر أيضا في الإكراه على إتلاف المال ضمان المكره- بالفتح- غاية الأمر يرجع إلى المكره لإتلافه عليه بإكراهه.

52

[الصورة الثالثة: لو شهد اثنان بما يوجب قتلا كالقصاص]

الصورة الثالثة: لو شهد اثنان بما يوجب قتلا كالقصاص، أو شهد أربعة بما يوجب رجما كالزنا، و ثبت أنهم شهدوا زورا بعد الاستيفاء لم يضمن الحاكم و لا الحدّاد و كان القود على الشهود (1)؛ لأنّه تسبيب متلف بعادة الشرع.

____________

و أيضا ظاهر الماتن و غيره أنّ جواز الجناية لقاعدة رفع الإكراه و ذكرنا فيما تقدّم عدم جريان الإكراه في موارد يكون رفع التكليف فيها خلاف الامتنان و إنّما يجوز الجناية على الغير في طرفه أو ماله للمزاحمة بين حرمة إضرار الغير و الجناية عليه و بين وجوب التحفظ على نفسه و لو لم يكن الثاني أهمّ فلا أقلّ من احتمال كونه أهم.

و تظهر الثمرة بين جريان الإكراه و بين ملاحظة التزاحم فيما لو قال:

اقطع يد فلان و إلّا قطعت يديك فإن قيل بجواز القطع لرفع الإكراه جاز قطع يده لأنّ الضرر المتوعّد به على تركه، أكثر من اضراره بخلاف ما إذا قلنا أنّ الجواز للتزاحم فإنّ حرمة الجناية على الغير بقطع يده مع وجوب التحفظ على يديه متزاحمان و لا سبيل لنا إلى إحراز الأهميّة في وجوب التحفظ على يديه بل و لا احتمال الأهمّية فيه من دون احتمالها في ناحية حرمة قطع يد الغير.

(1) الصورة الثالثة من المرتبة الرابعة التي يكون انضمام فعل إنسان آخر دخيلا في تحقّق القتل، ما إذا شهد اثنان بما يوجب قتلا كما إذا شهدا بموجب القصاص أو شهد أربعة بما يوجب الرجم كالزنا و ثبت أنّهم شهدوا بالموجب زورا و بهتانا فإنّه لا خلاف في ضمان الشهود و أنّه يتعلّق عليهم القود، لما ذكرنا في بحث الشهادة من اعتبار الشارع شاهد الزور متلفا في الأموال و غيرها.

و في معتبرة مسمع كردين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المروية في الفقيه «في‌