بحوث فقهية

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
324 /
9

مقدمة الطبعة الثانية

ما كنت متوقعا يوم قدر لهذا الكتاب ان يرى النور في عام 1383 هجرية أن ينال مثل هذا الإقبال الذي حصل عليه فقد نفذت كافة نسخة في فترة قصيرة، و هذا إن دل على شي‌ء فإنما يدل على مزيد عناية أولاها طلاب الفضيلة، و رواد العلم لمثل هذه البحوث التي فرضتها حاجة العصر، و طبيعة المجتمع المتطور.

و كان على الفقيه- و الحالة هذه- أن يضع لها أحكاما نتيجة إعمال ملكته الاجتهادية، و حسبما لديه من القواعد، و الأدلة الفقهية.

و لقد أضفت للكتاب بحثا جديدا يتناول عملية اليانصيب حيث أصبح هذا الموضوع في الوقت الحاضر مثار نقاش لدى علماء المسلمين في تصحيح حكمه الشرعي نظرا لأنه من الأمور التي شاع استعمالها في المجتمع الإسلامي إلى درجة اضطرت الفقيه ان يتوجه لها بمنظاره الفقهي و يستخرج حكمها الشرعي.

و لم يكن هذا البحث بالجديد على أخواته من البحوث التي ضمها الكتاب إنما كان تأخره نتيجة احتمال ان يكون نواة للجزء الثاني منه و لكن ظروف استأذنا المعظم الصحية منعته من الاستمرار بالبحث لذا قررت إضافته إلى الكتاب عند اعادة طبعه.

كما و سوف يرى القارئ الكريم بعض الزيادات و الايضاحات و الشروح المقتضية، و أرجو أن لا أكون أثقلت الكتاب بها‌

10

و ختاما: املي وطيد بأن أكون قد أديت واجبا جديرا بعناية و اهتمام القراء.

و من اللّه وحده أطلب التوفيق النجف الأشرف في 27/ رجب/ 1393 عز الدين السيد على بحر العلومى‌

11

مقدمة الطبعة الأولى

لم تكن الشريعة الإسلامية كبقية الشرائع السماوية السابقة محددة من حيث الزمن، أو هي مختصة بأمة من الناس. بل هي خاتمة الرسالات الإلهية إلى البشر حتى يختار اللّه لهذا الكون نهايته المقدرة، و لهذا فهي كفيلة باسعاد المجتمع، و معالجة مشاكله، و إكمال نواقصه. فهي في حقيقتها قانون إلهي للإنسان، فلا بد من تطبيق أحكامها، و رعاية مفرداتها، و هي في الوقت نفسه أحكام توقيفية لا تخضع للتبدل الطارئ من تعاقب القرون فحلال محمد (ص) حلال الى يوم القيامة، و حرامه حرام الى يوم القيامة.

و لما كانت مقتضيات العصر المتخيلة لبعض المشرعين قد استدعت تشريع أحكام حسب ما استحدث من الوقائع كان من اللازم عرض هذه الأحكام على واقع الدين الإسلامي، و أحكامه الكلية المتسعة لكل زمان، و مكان و معرفة ما إذا كانت ملائمة لها أم لا؟ و بيان أوجه المفارقة فيها ان كانت و الشريعة المقدسة- كما أسلفنا- لم تكن مختصة بطبقة خاصة، أو بأجيال معينة، بل هي رسالة السماء إلى أبناء الأرض في جميع الأزمنة مهما امتد عمر الأيام، و لذا لا بد من معالجة ما يحدث و يجد من أمثال هذه المواضيع. و تقع مهمة المعالجة على عاتق رجال الفقه فهم السلطة التشريعية، و لهم الكلمة الفصل فيها.

و شعورا بهذه الحاجة تقدمت مع عدد من إخواني طلاب العلم و المعرفة إلى سماحة شيخنا الأكبر آية اللّه العظمى الشيخ حسين الحلي- (دام ظله)- نلتمس‌

12

منه التفضل بإبداء رأيه في البحوث في اطار البحث و التدريس ليقول كلمته فيها على ضوء ما تقرره الشريعة المقدسة.

و استجاب شيخنا الكبير لهذه الرغبة الملحة، و ألقى في شهر رمضان 1381 محاضراته في هذه المواد التي أبسطها بين يدي القارئ:

و رغبة مني في تعميم هذه المواضيع، و نشرها بين يدي الناس رأيت من اللازم عليّ أن أدعم هذه البحوث بشي‌ء من النظريات الحديثة من مصادرها العصرية و آراء أهل الخبرة من الفنيين فيها.

ثم رأيت أن بعض المواضيع- و هي من مواضيع الساعة أيضا و حاجة المجتمع إليها كبيرة- لم يبحثها- (دام ظله)- باعتبار أن الوقت المحدد لأمثال هذه الدروس قد انتهى، و حرصا على الاستفادة منه تتبعت آراءه عن طريق المذاكرة و الاستفتاء.

و أخرجتها بعد هذا كله للقراء حيث أضعها بين أيديهم عساني أن أكون قمت بخدمة دينية لإخواني ممن يهمهم الوقوف على هذه الحقائق.

و اللّه من وراء القصد النجف الأشرف:

في 8 ذي الحجة 1383 عز الدين السيد على بحر العلومى‌

13

التأمين

حقيقة التأمين و حاجة المجتمع اليه، ما هو التأمين؟

تاريخ التأمين، عقود التأمين، الشروط الأولية و الأركان المطلوبة في عقود التأمين، الإيجاب و القبول، المؤمن عليه، مبلغ التأمين، بيان الخطر. أقساط التأمين، مدة العقد تاريخ ابتدائه و انتهائه، التأمين عقد رضائي، وثيقة التأمين «البوليصة»، طبيعة هذه العملية من الناحية الدينية، عرض التأمين على المعاملات الشرعية، ما هو الضمان؟ الضمان في اللغة، في اصطلاح الفقهاء، أقسام الضمان، ضمان اليد، ضمان التلف، ضمان الديون، ضمان الأعيان المغصوبة، ضمان الامانة، ضمان الأعيان الشخصية، الضمان الإنشائي في الأعيان، الخارجية، الخلاصة، الهبة بشرط تحمل الخسارة. عرض التأمين على القواعد العامة، عرض التأمين على الأصول العملية، تنبيهات التأمين بالتقابل، التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح. موقف الشريعة من الفوائد الربوية في التأمين، اعادة التأمين.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

من المعاملات المستحدثة و التي لم تكن في معرض التداول على عهد المشرّع الإسلامي عملية التأمين (البيمة) و البحث عن هذا الموضوع من ناحيتين:

1- حقيقة التأمين و حاجة المجتمع اليه.

2- طبيعته من الناحية الدينية و رأي شيخنا الحلي- (دام ظله)- فيه.

حقيقة التأمين و حاجة المجتمع اليه:

كل شي‌ء في هذه الحياة معرض الى الخطر بأوسع ما تشتمل عليه كلمة- كل شي‌ء- من الأموال، و النفوس، و غيرهما.

و الإنسان مدفوع بدافع خفي من غريزته الى تحاشي الخطر و بذل أقصى ما يمكن في سبيل تبعيد الاخطار عنه و عن ممتلكاته.

و لذا كانت فكره التأمين من جملة الأشياء التي تبعد شبح الأخطار عن الإنسان- سواء في نفسه، أو ممتلكاته- من غرق، أو حريق، أو سرقة، أو وفاة، و ما شاكل هذه من الحوادث مما يؤمن له، أو لأفراد عائلته قسطا وافرا من المال، و الراحة بحيث تكون بمثابة التعويض عما يلحق الفرد من الخسائر و الإضرار في تلك المناسبات.

ما هو التأمين

؟ لا يخرج التأمين في حقيقته عن كونه تعويضا للإنسان عن نتائج ما يقع عليه، أو على الغير بواسطة حادثة من حوادث القضاء، و القدر، و ذلك بمقتضى‌

16

نظام تعاوني يقوم على القوانين، و الاحصائيات الحديثة. و لهذا عرف:

بأنه اتفاق بين المؤمن- الشركة- من جهة و بين شخص، أو عدة اشخاص يعبر عنهم بالمؤمن له، أو لهم- طالب التأمين- من ناحية أخرى، و بمقتضى هذا الاتفاق يتعهد المؤمن- الطرف الأول- بأن يدفع له- الطرف الثاني- مبلغا معينا من المال، أو ما يساويه بمجرد وقوع حادث معين مبين في وثيقة العقد في مقابل أن يدفع المؤمن له، أو يتعهد يدفع مبلغ يتفق عليه الطرفان يسمى بقسط التأمين. (1)

تاريخ التأمين:

و التأمين بنظرته البدائية لم يكن وليد الأيام المتأخرة بل هو موجود من زمن بعيد و إن لم يكن معروفا لدى العامة كفكرة لها قوانينها و نظمها الخاصة و لنأخذ لذلك مثلا، فان هذه المساعدات التي تصل إلى الإنسان من أقاربه و أصدقائه عند مرضه، أو حلول كإرثه به لهي نفسها فكره التأمين بشكلها البدائي.

و كذلك العادات العشائرية القاضية بجمع الدية لذوي القتيل لو صدر اعتداء من أحد أفراد العشيرة على الغير هي نفسها فكره التأمين أيضا، و ضمان حياة القاتل من القتل الذي يكون بمثابة الاقتصاص منه. هذا، و أمثاله أنواع أخر من أمثلة التأمين بشكله البدائي.

____________

(1) نظم هذا التعريف على ضوء التعاريف الواردة في القوانين المدنية لعملية التأمين فقد نصت المادة (983) من القانون المدني العراقي على ما يلي: (التأمين عقد به يلتزم المؤمن ان يؤدي الى المؤمن له أو الى المستفيد مبلغا من المال أو إيرادا مرتبا أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده و ذلك في مقابل أقساط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمن له للمؤمن) التأمين علما و عملا، لأحمد بديع سيفي، ص 37.

و هذا التعريف يقابل نص المادة (747) مدني مصرى كما جاء في: التأمين نظرية و تطبيقا لجليل قسطو، ص 16.

17

و الى غير ذلك من الالتزامات التي يلتزم بها الناس المؤدية لنفس النتائج التي تؤديها فكره التأمين من دون أن يطلق عليها هذا الاسم، أو تجعلها خاضعة لقوانين منظمة كما هي عليه اليوم كافة شركات التأمين.

و قد ذهب المتتبعون من الذين و أصلوا البحث عن تأريخ هذه الفكرة إلى دعوى وجودها من أيام الاغريق حيث وجدت جماعات من ملاك العبيد كانوا يدفعون أقساطا معينة عن عبيدهم إلى الجمعيات التي كانت قد أنشئت لهذا الغرض في مقابل أن تدفع الجمعية لهم ثمن العبد لو هرب من سيده.

«و في بلاد الاغريق وجدت جماعات من ملاك العبيد يدفعون أقساطا عن عبيدهم فاذا هرب أحد العبيد من صاحبه عوضته الجمعية ثمن العبد كما أسس الرومان جمعيات تعاونية لنقل الموتى، و الغرض من تأسيس هذه الجميعات هي أن تقوم بدفع مصاريف الجنازة كلها في مقابل أن يدفع كل عضو مبلغا ضئيلا من المال كل أسبوع و هذه الجميعات لم تزل موجودة إلى الآن في إنجلترا» (1).

عقود التأمين

. و من ناحية عقود التأمين فإن قدمها يكشف لنا عن تنظيم هذه الجمعيات بشكل يخضع الى الأنظمة الخاصة من ذلك الوقت.

و أقدم عقد ايطالي للتأمين صدر في سنة 1347 ميلادية. و محتمل أن يكون هناك أقدم منه.

____________

(1) محاضرات ألقاها الأستاذ محمود عزمي مدير شركة التأمين المصرية على طلبة الصف الثاني في كلية التجارة و الاقتصاد العراقية.

و قالت بعض المصادر «ان البابليين في العراق القديم أول من عرف عقد التأمين بشكله الابتدائي، و كان عندهم عبارة عن عقد قرض ساعد على ازدهار التجارة ما بين (4000- 3000) قبل الميلاد» جليل قسطو في التأمين نظرية و تطبيقا، ص 11.

18

و أقدم قضية للتأمين البحري يرجع تاريخها إلى سنة 1361 م.

و أول شركة لتأمين الحريق تأسست في لندن سنة 1666 م.

أما تأمين الحوادث فهو أحدثها عهدا و أول صورة من صوره كان ضد الحوادث الشخصية سنة 1845 م» (1).

أنواع التأمين

. ليس من الممكن حصر التأمين في أنواع معينة ما دام الإنسان عرضة للاخطار فهي تزداد مع مرور الزمن، و كلما دعت الحاجة الى أنواع جديدة منه و يمكننا أن نذكر قسما منها و التي توفرت لدينا أسماؤها:

التأمين- على الحياة.

التأمين- على الحريق، السرقة، و ما شاكل.

التأمين- على النقل البحري، البري، الجوي.

التأمين- على حوادث السيارات، الطائرات، المراكب، و غيرها.

و هناك أنواع كثيرة منه تتشابه، و لكن بالإمكان إرجاع بعضها الى البعض الآخر فلا داعي إلى التطويل (2).

الشروط الأولية و الأركان المطلوبة في عقد التأمين:

عملية التأمين تشمل على أركان و شروط لا بد من استكمالها في هذه المعاملة.

____________

(1) نفس المصدر السابق، و قيل أن تأمين الحريق جاء في أعقاب الحريق الهائل الذي وقع في لندن يوم الجمعة الثاني من أيلول عام 1666 م و الذي استمر أربعة أيام بلياليها، و أتى على 85% من مباني المدينة كما دمر ممتلكات هائلة، لا حظ التأمين علما و عملا لأحمد سيفي ص 7.

(2) بعض المصادر المختصة بالموضوع تقسيم التأمين إلى قسمين: تأمين خاص، و تأمين اجتماعي.

و لدى التحقيق وجدنا هذه الأقسام المذكورة كلها داخلة تحت عنوان التأمين الخاص، أما التأمين الاجتماعي فيقصد به: «التأمين الذي فرضته الحاجة الاجتماعية لحماية مستقبل الطبقة العاملة و هو الذي تمارسه الدول و تجعله إلزاميا»، جليل قسطو في: التأمين نظرية و تطبيقا، ص 33.

19

أركانها:

1- الإيجاب و القبول.

2- المؤمن عليه: شخص، ثروة مرض، و ما شاكل.

3- مبلغ التأمين: الذي تدفعه الشركة عند حدوث الخطر و ما يدفعه طالب التأمين إلى الشركة من المال (1).

شروطها:

1- بيان الخطر المؤمن ضده: حريق، وفاة سرقة، عجز، مرض.

2- القسط الذي يدفعه طالب التأمين إلى الشركة لو أراد التقسيط و كيفية تسديد الأقساط المرتبة على المؤمن له.

3- مدة العقد: تأريخ ابتدائه، و انتهائه.

هذه هي أهم الشروط المطلوبة في عقد التأمين بين الطرفين.

و لا بد لنا من دراسة لهذه الأركان و الشروط توضيحا لها عما يكتنفها من الغموض.

[الأركان]

1- الإيجاب و القبول:

و هما ركن في عملية التأمين.

الإيجاب: و يتم من قبل طالب التأمين بعد أن تقدم الشركة له استمارة‌

____________

(1) ذكرت بعض المصادر الحديثة للتأمين هذه الأركان الثلاثة و لكن بشكل آخر من التسمية يعبر عن معنى الإيجاب، و القبول (بركن التراضي) فقالت «و أما وجود التراضي فيتحقق بالتعبير عن الإرادتين بالإيجاب و القبول.

و عن المؤمن عليه: عبرت (بركن المحل) حيث جاء «و محل التأمين في القانون العراقي هو ما نصت عليه الفقرة (1) من المادة 984 من القانون المدني إذ قالت: يجوز أن يكون محلا للتأمين كل شي‌ء مشروع يعود على الشخص بنفع من عدم وقوع خطر معين».

و عن الركن الثالث (مبلغ التأمين) عبرت (بركن السبب) فجاء «و السبب هو الدافع أو الباعث الذي يدفع كلا من طرفي العقد على إبرامه و على الالتزام بالآثار التي تترتب عليه. و لقد نص القانون على ركن السبب و قضى بأن يكون العقد باطلا إذا التزم المتعاقدون دون سبب أو لسبب ممنوع قانونا أو مخالف للنظام العام أو للآداب»، لاحظ التأمين علما و عملا ص 32- 33

20

تحتوي على بيان النوع الذي يؤمن الشخص عليه: ثروة أو نفسا أو ما شابه و على القسط الذي يتفق عليه الجانبان ليدفعه المؤمن له مرتبا، و على مبلغ التأمين الذي يجب على الشركة دفعه كتعويض عند حلول الخطر المؤمن عليه إضافة إلى بقية الشروط المتفق عليها بين الشركة و بين طالب التأمين. و يكون توقيع هذه الاستمارة من قبل طالب التأمين إيجابا منه بذلك.

القبول: و يكون بتصدير الوثيقة التي تؤدي وجود التعاقد بين الجانبين و مصدر هذه الوثيقة- عادة- الشركة لتدفعها الى طالب التأمين. و بهذا يتم الركن الأول من الأركان المطلوبة في عملية التأمين (1).

المؤمن عليه:

و بيان المؤمن عليه من أساسيات التأمين حيث تتوقف عليه المعاملة التأمينية إذ يختلف المؤمن عليه: فمرة- يكون حياة طالب التأمين، و ثانية- بعض الطواري العارضة عليه، و ثانية- أموال الشخص، و ممتلكاته و لكل من هذه خصوصياته، و أوضاعه و لا بد للشركة من تقدير ظروف كل من هذه الخصوصيات و ملاحظة ما تدفعه إزاء ما يؤمن عليه و عند عدم ذكره لا تتحقق عملية التأمين إذ تقف شركة التأمين مكتوفة اليد فعلى أي شي‌ء ترتب دفع الأموال.

3- مبلغ التأمين:

و هذا أيضا من أركان عملية التأمين فاننا لو أغضينا النظر عنه لما تمت العملية المذكورة، إذ لا يكون في البين داع لأن يؤمن الشخص على حياته أو ماله بعد ما أغفل هذا الركن من البين، فلا بد من وجود هذا الركن، و بيان ما‌

____________

(1) يراجع بصورة موضحة لعملية الإيجاب و القبول المذكورة هنا جليل قسطو في التأمين نظرية و تطبيقا (ص 39- 40) حيث يتم الإيجاب من قبل طالب التأمين، و القبول من الشركة، أو الجمعية.

21

تدفعه الشركة إلى الذي يريد التأمين على حياته أو ممتلكاته. و من الجهة الثانية لا بد من حصول بيان ما يدفعه الشخص تأمين الشركة بالمبلغ الفلاني على نفسه، أو أمواله لئلا تكون المعاملة خالية من الاعتبار فبازاء أي شي‌ء تقدم الشركة لو لم يؤخذ بنظر الاعتبار هذا الموضوع من جهتيه: ما تعوضه الشركة عند حدوث الخطر المتفق على التعويض بإزائه و ما يقصد طالب التأمين من المبلغ ليكون بإزاء ذلك التعهد الصادر من شركة التأمين (1).

[الشروط]

4- بيان الخطر:

و بيان الخطر من شروط معاملتنا التأمينية لاختلاف أنواع الخطر من حيث تقدير المبالع التي تعوضها الشركة لطالب التأمين، فإن التأمين له شروطه الخاصة، و تختلف الخصوصيات المترتبة عليه عن خصوصيات حلول المرض أو العجز أو الشيخوخة. و هذا كله يختلف اختلافا كليا عن حوادث السرقة فلكل من هذه الجوانب خصوصية تنفرد بها عملية التأمين.

5- اقساط التأمين:

و يختلف الحال في أقساط التأمين باختلاف النسب، و المبالغ: فتارة- يدفع ما عليه مرة واحدة إلى الشركة، و ثانية- يرغب في تقسيط المبلغ و لا بد من حصول الاتفاق بين الطرفين على كيفية تسديد المبالغ.

6- مدة العقد، تاريخ ابتدائه، و انتهائه:

و من الشروط المطلوبة أن يذكر الجانبان مدة التأمين، و هل انها تبقى‌

____________

(1) مما تقدم يبدو أن المصلحة أو الفائدة المؤمن عليها هي ركن من أركان أي نوع من أنواع التأمين فكل عقد لا يتوفر فيه هذا الركن يصبح لا قيمة له قانونا و لأطراف العقد التمسك بانعدام الفائدة. أو المصلحة في عقد التأمين لإبطال العقد. كما أن هذا الركن يفرضه القانون فرضا، فللمحكمة عند استعراض القضية إن وجدت انعدام الفائدة أو المصلحة في عقد التأمين فمن واجبها أن تعتبر العقد باطلا» التأمين نظرية و تطبيقا، ص 51- 52.

22

نافذة المفعول إلى الأخير أو يرغب طالب التأمين بإجراء عقد لمدة معينة؟ و لا يجوز ان يبقى هذا الشرط مجهولا إذ على بيان هذا الشرط يتوقف مبلغ التأمين من الجانبين ما تدفعه الشركة و ما يدفعه طالب التأمين من الاقساط.

التأمين عقد رضائي:

تعتبر أنظمة التأمين هذه العملية من عقود المعاوضة (1) و التي يتم فيها الإيجاب و القبول بينما أخذت المعاوضة بعين الاعتبار من قبل القوانين الوضعية عامة، ذلك لأن كلا طرفي المعاملة مأخوذ بنظره ما يعطي.

فالشركة تتعهد بدفع المبلغ المؤمن عليه في مقابل الحصول على مقدار من المال يتفق الطرفان على طريقة استحصاله. و طالب التأمين يدفع الاقساط المعينة عليه في قبال الحصول على المبلغ المؤمن عليه، سواء في وقت معين كأن يفرض التأمين إلى وقت يحدده الطرفان أو يكون لورثته عند حدوث الوفاة أو ما يتلف من ممتلكاته.

وثيقة التأمين (البوليصة):

أما الوثيقة التي تثبت وجود التعاقد بين الطرفين فإنها تعتبر رصيدا ضخما لصاحبها تبعا لضخامة المبلغ المؤمن عليه، و لهذه الوثيقة اهميتها التجارية في‌

____________

(1) لدى إعادة النظر فيما كتبناه عن شيخنا تحت هذا العنوان لم نجده مطابقا لما يرمز اليه و لم يكن تطابق بين العنوان و المعنون موجودا، فالعنوان يرمز الى كون التأمين لا بد فيه من توفر عنصر الرضا من الطرفين، بينما الشرح يوضح كون هذه العملية عملية معاوضة و فرق بين المصطلحين و لذلك لا بد لنا من الفصل بين هذين الموضوعين فنقول: عملية التأمين لا بد لها كعقد من العقود الجارية بين الطرفين من حصول كافة الشروط التي لا بد منها في المعاملات العقدية، و من تلك الشروط الرضا بما يقدم عليه كل طرف من الأطراف المعنية في هذه المعاملة، و أن لا يكون أحدهما مكرها على إجراء مثل ذلك العقد، هذا ما يعود الى العنوان المذكور من كون التأمين عقدا رضائيا. و أما الشرح فلا بد لنا أن نعنونه بما يلي: التأمين عقد معاوضي فإنه من العقود التي يتم إلخ.

23

نظر العرف التجاري، فان الدائن لا يجد الحرج في إقراض صاحبها المال حيث يجد من الشركة خير معوض لدينه لو مات الغريم. و كذا التاجر ينظر إلى البضاعة المستوردة من الخارج بغير النظرة التي ينظر بها الى البضاعة غير المؤمنة مكفولة من قبل الشركة و هي ملزمة بإيصال المال اليه، و عند حدوث التلف مستعدة لتعويضه عن الإضرار التي حلت ببضاعة.

ثانيا- طبيعة هذه العملية من الناحية الدينية:

أن شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- يرى التأمين:

«اتفاق بين الطرفين المؤمن- الشركة- أو من يقوم مقامها، و بين المؤمن له- طالب التأمين أو المأذون من قبلة- نتيجته ان المال إذا تلف تكون خسارته على المؤمن في قبال أن يدفع المؤمن له مبلغا من المال يتفق عليه الطرفان من حيث القدر، و التسديد».

و حيث كانت هذه المعاملة مستحدثة لعدم وجود لها على عهد المشرع الإسلامي كما هي عليه اليوم، فلا بد لمعرفة حكمها الشرعي من اتباع الطرق الآتية:

أولا- عرض هذه المعاملة على المعاملات الشرعية التي كانت قائمة في ذلك الوقت لعلنا نجد من بين تلك ما يماثل ما نحن فيه من معاملة التأمين.

ثانيا- تطبيق إحدى القواعد العامة على معاملتنا التأمينية لو لم نجد لها ما يماثلها في عهد المشرع الأعظم.

و بعد العجز عن هذين الطريقين فلا بد من الانتقال.

ثالثا- إلى الأصول العملية.

و سنذكر موجزا لتعريف الأصول العملية و متى نحتاج إليها.

عرض التأمين على المعاملات الشرعية:

إذا عرضنا عملية التأمين على باب الضمان نرى انه يستفاد من ملاحظة‌

24

التأمين، و تعاريفه وجود ما يشبه الضامن، و المضمون و على هذا فيلزمنا البحث عن حقيقة المعاملة الضمانية، و كيفية تصوير الضمان بالنسبة الى كل من النفوس و الأعيان الخارجية، و مدى التقائه مع معاملتنا هذه، و بتمامية ذلك يكون التأمين من صغريات باب الضمان و يجري على التأمين ما يجري على الضمان.

و مما سبق عرفت: أن الأركان التي تتألف منها عملية التأمين هي:

الإيجاب و القبول.

المؤمن عليه.

مبلغ التأمين.

فإن كانت معاملات الضمان تشمل على مثل هذه الأركان تمكنا من إدراج التأمين في باب الضمان.

ما هو الضمان؟

و لا بد أن نبحث مصطلح الضمان من الناحيتين اللغوية، و الفقهية.

الضمان في اللغة:

اختلفت كلمات اللغويين في الضمان:

فذهب البعض: إلى أنه مأخوذ من ضمم، و معناه ضم شي‌ء إلى آخر بينما ذهب آخرون الى أن الضمان مأخوذ من ضمن، و معناه إدخال الشي‌ء في العهدة، و الحيازة فإذا قال: ضمنت ثوبك، فمعناه أني أدخلت الثوب في عهدتي و حيازتي، و ضمني.

و الى هذا الرأي الثاني ذهب صاحب القاموس حيث قال: «ما جعلته في و عاء فقد ضمنته إياه» (1). و قال ضمن الشي‌ء و به كعلم ضمانا، و ضمنا فهو ضمين كفله.

____________

(1) القاموس: مادة ضمن.

25

و في تاج العروس قال: «و يقال: ضمن الشي‌ء بمعنى تضمنه، و منه قولهم:

مضمون الكتاب كذا و كذا- الى قوله- و ناقة ضامن و مضمان حامل» (1).

و في لسان العرب قال: «و ضمن الشي‌ء إذا أودعه إياه كما تودع الوعاء المتاع و الميت القبر و قد تضمنه هو قال ابن الرقاع يصف نافة حاملا.

أوكت عليه مضيقا من عواهنها * * *كما تضمن كشح الحرة الحبلا

(2)

و من هذا العرض لآراء اللغويين نعرف ان الضمان مأخوذ من الضمن لا من الضم. فاذا قال: ضمنت مالك، فمعناه أني أدخلت في حيازتي، و عهدتي لا أنني ضممت مالك إلى مالي لما يرد على هذا الرأي من أنه لو كان أصل ضمن هو ضم بالميمين فلا وجه لتجريده من أحد ميميه و إبدالها بالنون فالمتعين ان ضمن أصل برأسه.

في اصطلاح الفقهاء:

فان الضمان هو إدخال المضمون في عهدة الضامن، و القيام من جانبه بكافة ما يترتب على هذا الإدخال، و الجعل من أحكام. و بهذا يكون قريبا من مفهومه اللغوي (3).

____________

(1) تاج العروس: مادة ضمن.

(2) لسان العرب: مادة ضمن.

(3) الاصطلاح المذكور للضمان ذهبت إليه الشيعة الإمامية. قال الشهيد في المسالك: «الضمان عندنا مشتق من الضمن لأنه يجعل ما كان في ذمته من المال في ضمن ذمة أخرى، أو لأن ذمة الضامن تتضمن الحق فالنون فيه أصيلة بناء على أنه ينقل المال من الذمة إلى الذمة» كتاب الضمان.

و أما فقهاء العامة: فالغالبية منهم لا يرون هذا الرأي، بل يرون الضمان مأخوذا من الضم و النون فيه زائدة، و يتحصل من ذلك الفرق بين المصطلحين كالآتي:

أن فقهاء الشيعة: يرون الضمان ناقلا للدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن بحيث تفرغ ذمة المضمون عنه من المال، و الى مثل هذا ذهبت بعض المذاهب المهجورة منهم. كأبي ليلى، و ابي ثور، و داود حسبما جاء في كتاب رحمة الأمة بهامش الميزان للشعراني 1/ 194.

أما بقية المذاهب: فحيث أخذوا الضمان مشتقا من الضم فإنهم لا يرونه ناقلا بل إنما يفيد اشتراك الذمتين الضامن و المضمون عنه في المطالبة أمام المضمون له لا النقل فالدين باق على ذمة المضمون عنه و إنما للمضمون له المطالبة لأي منهما شاء الضامن و المضمون عنه، قال في رحمة الأمة: «اتفق الأئمة على جواز الضمان و أنه لا ينتقل الحق عن المضمون عنه الحي بنفس الضمان بل الدين باق في ذمة المضمون عنه لا يسقط عن ذمته بالأداء. رحمة الأمة بهامش الميزان: 1/ 194 نعم، ذهبت الحنفية إلى الترديد بين التشريك في أصل الدين، أو المطالبة و لكنهم رجحوا التشريك في المطالبة. قال عالمگير بادشاه الحنفي في الكفالة: «قيل هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، و قيل في الدين، و الأول أصح» الفتاوى الهندية 3/ 252، طبعة ديار بكر تركيا.

و معنى القول الثاني هو أن الضامن يكون شريكا في المضمون في تحمل الدين، و لكنه كما في بقية مصادر الفقه الحنفي رجح القول الأول، و هو التشريك في المطالبة بمعنى إعطاء الصلاحية للمضمون له في مطالبة أي من هذين شاء الضامن و المضمون عنه. أما الدين فهو باق على ذمة المضمون عنه.

26

أقسام الضمان:

ينقسم الضمان بحسب النظر الأولي الى قسمين:

الأول- ما كان تحققه متوقفا على فعل خارجي. كضمان اليد، و التلف.

الثاني- ما كان محتاجا في حصوله على الإنشاء. كضمان الديون.

ضمان اليد:

حيث يتحقق الضمان بمجرد وضع اليد على شي‌ء، فان على اليد ما أخذت حتى تؤدى (1) كفيلة بلزوم إرجاع ذلك الشي‌ء الى صاحبه لو كانت العين باقية أو أداء بدله من المثل، أو القيمة (2) لو تلفت العين قبل إرجاعها، و يكون‌

____________

(1) راجع الحديث النبوي في كتب الشيعة المستدرك: كتاب الغصب- باب 1-، و من كتب السنة السنن للبيهقي: ج 6، ص 9.

(2) التدرج المذكور من أداء العين أولا، أو المثل عند تعذرها، أو القيمة عند انتفاء المثل أمر يوحي به العقل و العرف ذلك: لأن من استولى على شي‌ء مخاطب برد ذلك الشي‌ء إلى مالكه و التخلي عنه. و في صورة تلف العين، أو عدم إمكان ردها لا بد من الانتقال إلى أداء الشي‌ء الذي يماثل العين المذكورة لو كان لها مثلا. أما لو تعذرت المثلية فإن الانتقال يكون حتميا إلى أداء المالية و هو المعبر عنه في لسان الفقهاء بالقيمة.

و من الواضح أن التمكن من أداء المثل لا يفقد من الشي‌ء إلا الجهات الشخصية الكامنة في العين و في هذه الصورة لا معنى لأداء المالية لتمكن الشخص من أداء ما يحافظ على الجهات النوعية الكامنة في المثل- نعم- لو تعذر الحصول على الجهتين الشخصية و النوعية كانت المالية هي التي توجب تفريغ ذمة المكلف بعد انشغالها بواسطة الاستيلاء.

27

وجوب الأداء من آثار كون العين في عهدة من وضع يده عليها من دون توقف إلى إنشاء من أحد الطرفين.

و يلحق بذلك:

ضمان التلف:

فإن قاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن (1). قاضية بأداء البدل لو كان لذلك التالف بدل أو القيمة لو كان قيميا (2)، و لا حاجة في هذا النوع من الضمان إلى إنشاء من أحد الطرفين بل نفس الفعل الخارجي من ضع و اليد أو الإتلاف، و ما شاكل يكون موجبا لتحقق الضمان.

و هذا كله من النوع الأول الذي يتوقف تحققه على فعل خارجي.

و إذا انتقلنا الى النوع الذي يحتاج في حصوله إلى الإنشاء نرى ما يكون أحد الطرفين موجبا، و الطرف الآخر قابلًا بذلك الإيجاب، و هذا القسم لو لا لاحظناه لرأينا منه ما هو مسلم تحقق الضمان فيه عند الفقهاء بينما وقع الخلاف في القسم الآخر.

أما ما كان مسلم تحقق الضمان فيه عند الفقهاء فهو:

____________

(1) هذه القاعدة بهذا النص تستفاد من خلال كلمات الفقهاء، و قد اتفقت كلماتهم عليها و استدل عليها بآيات من الكتاب الكريم من قوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ»، و قوله تعالى جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا.

و من الأخبار فقد وردت بهذا المضمون أحاديث كثيرة في كثير من الأبواب الفقهية من طرق الطرفين فراجعها.

(2) تصدى الفقهاء لتعريف كل من البدلين المثلي و القيمي فعرفوا المثلي: «بأنه ما تتساوى أجزاؤه من حيث القيمة، و المراد بأجزائه ما يصدق عليه اسم الحقيقة و المراد بتساويها من حيث القيمة تساويها بالنسبة بمعنى كون قيمة كل بعض بالنسبة إلى قيمة البعض الآخر كنسبة نفس البعضين من حيث المقدار» المكاسب ص 105، طبع إيران.

و يمثل لذلك بالحنطة- مثلا- فإن نصف الكيلو منها تساوي من حيث القيمة النصف الثاني من الكيلو الواحد من الحنطة المعينة.

و يقابل هذا القيمي: فإن أجزاؤه لا تتساوى من حيث القيمة فإن نصف الشاة لا يمكن اعتبار قيمته مساوية لنصفها الآخر كما هو واضح. و قد عرفوا المثل و القيمة بتعاريف عديدة كلها تحوم حول هذا المعنى.

28

ضمان الديون:

و يتحقق هذا بضمان ما في الذمم كما لو كان لزيد بذمة عمرو مبلغ قدره خمسون دينارا فيأتي شخص ثالث ليضمن لزيد مسألة بذمة عمرو فيقبل الدائن بذلك الضمان، و يكون تصوير ذلك بقوله: ضمنت مالك بذمة عمرو، و بقبول الدائن بهذا العرض ينتقل الدين من المضمون عنه الذي هو عمرو إلى ذمة الضامن و بهذا المقدار لم يخالف أحد من فقهائنا.

إلا أن البعض منهم حصر الضمان الإنشائي في هذا النوع و هو ضمان الديون و لم يجر الضمان الإنشائي في غيره من الأعيان، و النفوس.

قال المحقق- رحمة اللّه- في الشرائع: «الثاني في الحق المضمون و هو كل مال ثابت في الذمة» (1).

و عقب الشيخ صاحب الجواهر- (رحمه اللّه)- على ذلك بقوله: «و مرجعه الى ما في القواعد من أن شرطه المالية و الثبوت في الذمة و ان كان متزلزلا كالثمن في مدة الخيار، و المهر قبل الدخول. بل قيل أن على الأول الإجماع معلوم و محكي في ظاهر الغنية و غيرها. بل منها، و غيرها أيضا الإجماع صريحا على الثاني.

و في محكي التذكرة: لو قال لغيره: مهما أعطيت فلانا فهو على لم يصح إجماعا.» (2).

و إنما لم تصح هذه الصورة الأخيرة بالإجماع لأن الذمة حين الإنشاء لم تكن مشغولة بشي‌ء ليتحقق الضمان. و أما ما اختلفت كلمة الفقهاء فيه بالنسبة إلى الضمان، فهو:

____________

(1) الشرائع ص 127، كتاب الضمان.

(2) الجواهر ص 408، كتاب الضمان.

29

ضمان الأعيان المغصوبة:

و تصويره بأن يغصب شخص ثوب آخر فيأتي شخص آخر ليضمن ذلك الثوب من الغاصب.

و قد وقع الخلاف في هذا النوع من الضمان، فأجازه جماعة، و منهم المحقق في الشرائع حيث قال: «و الأشبه الجواز» (1).

و منعه آخرون: و منهم صاحب الجواهر حيث علق على عبارة المحقق هذه بقوله: «للعمومات و لأنه مال مضمون على المضمون عنه» (2) ثم أشكل عليه بما حاصله: إنكار العموم (3) و ما يروي عن النبي- ص- من (أن الزعيم غارم) ليس من أخبارنا (4)، فلا يكون حجه عندنا و أن (عموم الوفاء بالعقد) لا يمكن انطباقه على ما نحن فيه على مذهبنا من كون الضمان موجبا للانتقال من ذمة المضمون، منه، الى ذمة الضامن إذ ليست العين من المال في ذمة الغاصب فلو طبقناه على ما نحن فيه لكان مقتضاه كون الضمان ضم ذمة إلى أخرى و نحن لا نقول به (5).

____________

(1) الشرائع ص 167، كتاب الضمان، و نقل الجواز عن علمائنا المتقدمين كالشيخ المفيد و الشيخ الطوسي و العلامة الحلي. راجع مفتاح الكرامة: 5/ 372. أما فقهاء السنة فقد أجاز الأحناف ضمان الأعيان المغصوبة حيث قال عالمگير بادشاه الحنفي: تجوز الكفالة بتسليم المبيع و بالديون و بالأعيان المضمونة كالمغصوب و المهور في يد الزوج. الفتاوى الهندية: 3/ 254.

و قال ابن قدامة الحنبلي: «و يصح ضمان الأعيان المضمونة كالمغصوب، و العارية، و به قال أبو حنيفة و الشافعي في أحد القولين» المغني لابن قدامة: 4/ 484.

(2) نفس المصدر ص 409.

(3) الذي استند اليه المحقق في قوله و الأشبه الجواز.

(4) ذكره ابن قدامة في المغني: 4/ 480 و قال عنه: «رواه أبو داود و الترمذي و قال:

حديث حسن».

(5) و قد منع الشافعي ضمان الأعيان المغصوبة في أحد قوليه معللا ذلك «بان الأعيان غير ثابتة في الذمة، و إنما يضمن ما يثبت في الذمة، و وصفنا له بالضمان إنما معناه: انه يلزمه قيمتها إن تلفت و القيمة مجهولة» المغني لابن قدامة: 4/ 484.

30

و حاصل ما أفاده شيخنا- (دام ظله)- في هذا المقام هو: إمكان القول بأن ضمان العين المغصوبة يوجب انتقال ضمانها من الغاصب الى الضامن- و حينئذ فلو انتقل الضمان فيكون بقاؤها بيد العاصب من قبيل الأمانة، غايته أنه يجب على الغاصب إعادة العين الى مالكها فورا، و في هذه الأثناء لو تلفت العين يكون ضمانها على الضامن الجديد لا على الغاصب. نعم لو لم يرجع العين كانت يده الجديدة البقائية يد ضمان و عليه فيكون ضامنا من جديد و لو تلفت في هذا الدور كان عليه بدلها.

و قد يعترض على المانعين من جريان الضمان في الأعيان المغصوبة بأنه ما الفرق بين ضمان الدين فأجيز و كان موجبا لانتقال الضمان من ذمه المديون إلى ذمة الضامن، و بين ضمان العين المغصوبة فمنع، و لم يكن موجبا لانتقال الضمان من ذمة الغاصب إلى ذمة الضامن.

و قد أجاب شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- عن ذلك: بأن الدينار الكلي الذي لزيد في ذمة عمرو يكون من قبيل الكلي في المعين، فاذا جاء الضامن ليضمن ذلك الدينار كان محصل ضمانه هو: أن يكون الدينار الكلي في عهدة الضامن، و ذمته، و لا بد أن يكون وجوده في ذمة الضامن من قبيل الكلي في المعين كالأصل حيث كان في ذمة المدين. و حينئذ- فيكون المضمون الذي في ذمة المدين غير الذي في ذمة الضامن. و إذا كان الأمر كذلك فلا يمكن القول بأن الدائن يملكهما معا، الدينار الذي في ذمة المدين، و الذي هو في ذمة الضامن.

و لا مخرج لنا إلا القول بأن ذلك الدينار الكلي الذي كان لزيد في ذمة عمرو يكون بواسطة الضمان قد انتقل من ذمة عمرو إلى ذمة الضامن. هذا في ضمان الدين، و أما في ضمان العين المغصوبة فلا يتحقق هذا المعنى ليحصل الضمان و ذلك لأن ضمان المغصوب لا يخرج عن أن تلك العين في عهدة الضامن كما هي في عهدة الغاصب، و المالك لم يتبدل ملكة من عين إلى أخرى، كما تبدل مملوكة‌

31

الكلي من كلي إلى كلي آخر. و أقصى ما في البين: أن هذه البين التي هي ملكه كانت في عهدة الغاصب فصارت في عهدة الضامن فكان المملوك له شيئا واحدا و توارد عليه الضمانان بخلاف ضمان الكلي في الذمة، فكان المملوك الكلي الذي هو في ذمة المديون قد انطبق على هذا الكلي الذي هو في ذمة الضامن و يكون المملوك للدائن هو ما في ذمة الضامن، و سقط ماله في ذمة المديون.

و إن شئت فقل: أن الضامن يسحب الكلي الذي في ذمة المديون الى ذمته و ضامن العين و ان سحب العين الى ذمته إلا أن ذلك لا ينافي بقاء نفس العين التي هي في يد الغاصب على ملك مالكها، و إن صارت أيضا بعهدة الضامن فكان الضامن، و الغاصب من قبيل توارد الأيدي.

و لو تنزلنا و قلنا: أن ضمان الكلي في ذمة المديون لا يزيد على ضمان العين الشخصية التي هي في عهدة الغاصب فلا يكون موجبا لكون الضامن الثاني مسقطا للضمان عن الأول سواء كان ضمان الثاني باليد. أو بالجعل أن جوزناه إلا أن الإجماع، و الأخبار الشريفة قضت بالانتقال في خصوص ضمان الدين دون ضمان العين، فلا بد لنا من التفرقة بين الضمانين، و جعل ضمان الدين موجبا للانتقال دون ضمان العين المضمونة.

و على أي حال نعود الى القول: بأن ممن أجاز ضمان الأعيان المغصوبة هو السيد الفقيه الطباطبائي- (قدس سره)- حيث قال:

«اختلفوا في جواز ضمان الأعيان المضمونة كالغضب، و المقبوض بالعقد الفاسد، و نحوهما على قولين ذهب الى كل منها جماعة و الأقوى الجواز» (1).

و مما وقع الاختلاف فيه من حيث الضمان هو:

ضمان الأمانة:

حيث يضمن الشخص الوديعة التي عند الشخص الآخر. و قد منعه كثير‌

____________

(1) ضمان العروة الوثقي مسألة: 38.

32

من الفقهاء متمسكين على ذلك بالإجماع، و قد نسبه في التذكرة إلى علمائنا أجمع (1).

و قال المحقق- (رحمه اللّه)- في الشرائع: «و لو ضمن ما هو أمانة كالمضاربة، و الوديعة لم يصح لأنها ليست مضمونة بالأصل» (2).

و هكذا نرى العلامة- (قدس سره)- يمنع منه في قواعده (3) أو كذا جامع المقاصد، و المسالك و غيرهم.

أما السيد الطباطبائي فقد قال في عروته ما يلي: «و أما ضمان الأعيان غير المضمونة كمال المضاربة، و الرهن، و الوديعة قبل تحقق سبب ضمانها من تعد أو تفريط فلا خلاف بينهم في عدم صحته (4)، و الأقوى بمقتضى العمومات صحته أيضا» (5).

و ربما كان الوجه في منع الضمان في الأمانة هو عدم وجود المضمون عنه في هذه الصورة، و حيث لا بد من وجوده كما في ضمان الدين، فان فيه أركانا أربعة و هي:

____________

(1) و بذلك قال الأحناف معللين عدم ضمان الأمانة بأنها غير مضمونة لا عينها، و لا تسليمها الفتاوى الهندية: 3/ 254. و أما الحنابلة فقد فصل فيها في المغني: بأن الأخذ ان ضمنها من غير تعد فيها لم يصح ضمانها لأنها غير مضمونة على من هي في يده فكذلك على ضامنه و ان ضمنها إن تعدى فيها فظاهر كلام أحمد يدل على صحة ضمانها، المغني: 4/ 484.

(2) شرائع الأحكام. كتاب الضمان في الحق المضمون.

(3) حيث يقول: «و لا ضمان الأمانة كالوديعة، و المضاربة». و علق عليه في مفتاح الكرامة قائلًا: كما في الشرائع، و التحرير، و الإرشاد، و جامع القاصر، و المسالك، و مجمع البرهان و الكفاية» مفتاح الكرامة/ كتاب الضمان ص 371.

(4) استند المانعون من فقهاء المسلمين الى أن الأمانة غير مضمونة العين و لا مضمونة الرد و إنما الواجب على الأمين التخلية فقط، و عليه فحيث لم تكن العين مضمونة على ذي اليد فكذا ليست مضمونة على الضامن.

(5) العروة الوثقى: كتاب الضمان مسألة (38)، و إنما قوى السيد هذا النوع من الضمان في الودائع لنفس ما استند اليه في الجواز في ما تقدم منه في المسألة (37) من جواز ضمان مال الجعالة قبل الإتيان بالعمل لقوله تعالى «وَ لِمَنْ جٰاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ» سورة يوسف الآية 72.

33

المضمون له، و هو الدائن.

و المضمون عنه، و هو المدين.

و المضمون، و هو الدين.

و الضامن، و هو الشخص الجديد.

و من أجاز الضمان في الأعيان المغصوبة ربما كان نظره الى أن الضمان في الأعيان المغصوبة توجد فيه نفس هذه الأركان الأربعة، و هي:

المضمون له، و هو صاحب العين.

و مضمون عنه، و هو الغاصب.

و مضمون، و هو نفس المغصوب.

و ضامن، و هو الشخص الجديد.

و لذلك يقال: لا بد فيه من انتقال الضمان من الغاصب الى الشخص الجديد اما ضمان الأمانة فيفتقر الى أحد هذه الأركان حيث لا يوجد فيه المضمون عنه، بل يشتمل على أركان ثلاثة، و هي:

مضمون له، صاحب الأمانة.

و مضمون، و هو نفس الأمانة.

و ضامن، و هو الشخص الجديد.

أما المضمون عنه: فليس بموجود لأن من بيده العين أمين و لا علاقة له بالعين ليكون شخص ضامنا عنه، و حيث لم توجد الأركان الأربعة بكاملها لم يكن الضمان في الأمانة جاريا.

و قال شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- معقبا على هذا الوجه بأن: وجود الركن الرابع و هو المضمون عنه غير ضروري في حقيقة الضمان، بل المدار في الضمان و تحققه هو وجود الأركان الثلاثة، و هي: الضامن، و المضمون له و المضمون، على أنه- (دام ظله)- عقب على الموضوع بقوله‌

34

«على أننا يمكننا القول بأن ضمان الأعيان المغصوبة لا يشتمل على وجود المضمون عنه، لإمكان القول بأن ضمان العين المغصوبة لا يكون ضمانا عن الغاصب بل هو ضمان ابتدائي لا عن الغاصب بل عن المالك، و ما هو إلا من قبيل ضمانك للعين التي هي في قعر البحر لصاحبها بأن تتعهد بها، إما بإخراجها أو بأداء بدلها في عدم الاحتياج الى المضمون عنه. و لأجل ذلك لو أقدم شخص و غصب العين في يد الغاصب يكون ضامنا لنفس العين لكنه ضمان ابتدائي منه لا عن الغاصب، و- حينئذ- يكون الحاصل أن ضمان العين مطلقا لا يدخل في حقيقة الضمان عن ضامن، و ان ذلك انما هو في ضمان الدين فقط فان الضامن يضمن الدين الذي في ذمة الدائن بخلاف ضمان العين التي هي في ضمان الغصب، فان ضمانها لا يكون عن الغاصب فلا يكون موجبا لانتقال الضمان من الغاصب الى الضامن».

ضمان الأعيان الشخصية:

و المقصود من الأعيان الشخصية هي الأعيان التي بيد أصحابها من دون أن تكون أمانة أو مغصوبة، أو مقبوضة بالعقد الفاسد، و منها- أموال الناس في متاجرهم و لم يتعرضوا لهذا النوع لا نفيا، و لا إثباتا. و لا بد لنا من ملاحظة هذا النوع، و هل هناك مانع من جريان الضمان فيه أو لا؟

و على توسعة باب الضمان إلى أمثال هذا النوع يتوقف اندراج مبحث التأمين في باب الضمان و إلا فلو اقتصر الضمان على ما في الذمم، أو الأعيان المضمونة كالغصب و العقد الفاسد فلا مجال لكون التأمين من أفراد الضمان.

و قد عرفت أن عد التأمين من صغريات الضمان يتوقف على توسعة الضمان و شموله لكل فرد سواء كان المضمون دينا أو عينا بيد الغاصب، أو أمانة أو عينا شخصية خارجية بيد صاحبها، أو نفسا سواء كانت مملوكة أو غير مملوكة.

35

الضمان الانشائي في الأعيان الخارجية:

و هذا النوع من الضمان على نحوين:

الأول: ان لا يكون في مقابل الضمان من الضامن تعويض بشي‌ء، بل يقدم الشخص على الضمان لغرض من الأغراض فيقبل المضمون له بذلك العرض و تنتهي المشكلة.

الثاني: أن يكون في البين شي‌ء يكون عوضا عن هذا الضمان، يدفعه المضمون له الى الضامن.

و تصوير ذلك: بأن يقول الضامن لصاحب العين ضمنت مالك لمدة عشرة سنين على أن تعوضني دينارا عن كل شهر، فيقبل المضمون له أو يكون الأمر بالعكس كأن يقول المضمون له: ادفع لك كل شهر دينارا على أن تضمن مالي لمدة عشرة سنوات، و يقبل الضامن بهذا العرض.

و بتصحيح هذا النحو الثاني من الضمان الإنشائي في الأعيان الخارجية يتم لنا ما نريده من إدراج عملية التأمين في باب الضمان حيث توجد في هذا النحو نفس الأركان الموجودة في التأمين و هي:

الإيجاب و القبول.

و المؤمن عليه- و هو معبر عنه هنا بالمضمون، و الذي هو العين الخارجية أو النفس.

و مبلغ التأمين- و هو موجود هنا حيث يجعل المضمون له تعويضا يدفعه الى الضامن- كما بيناه في المثال المتقدم.

و بحصول هذه الأركان في عملية الضمان أمكننا إدراج التأمين في معاملة الضمان من هذه الجهة، و يبقى علينا البحث عن تصحيح الضمان الإنشائي في الأعيان الخارجية، و النظر الى أن الضمان مقتصر على موارد خاصة كالضمان على الديون و بعض ما اختلف فيه كالمغصوب و غيره، أو أنه ليس بمقتصر على ذلك، بل يشمل جميع الإفراد؟.

36

قال شيخنا- (دام ظله)- أن منطقة الضمان العقدي أوسع من الاقتصار على فرد دون آخر، فكما يجري في الديون كذلك يجري في الأعيان الخارجية من الأموال، و العقارات، و غيرها من النفوس مملوكة و غير مملوكة. فيمكن للشركة- حينئذ- أن تضمن هذه الأشياء لأن الضمان- كما بيناه- ليس إلا التعهد و إدخال الشي‌ء في العهدة، و هو اعتبار يقره العقلاء، حيث يدخل الضامن المضمون في عهدته، و حيازته.

و لإكمال ما ندعيه من هذه التوسعة لا بد من ملاحظة أمرين:

الأول: الإجماع المدعى على أن يكون الحق المضمون مالا ثابتا في الذمة أما الإجماع فقد تقدم تفصيل الكلام فيه فيما نقلناه عن العروة و غيرها.

الثاني: أن لا تكون في البين سفاهة ليكون ممنوعا عنها.

و من الواضح أنه لا سفاهة في معاملة التأمين، لأن القائمين بهذا النوع من المعاملات لا يقدمون على ذلك إلا بعد حساب الاستفادة من التجارب، و استفادة النتائج الناشئة من الحسابات الدقيقة التي تجريها تلك الشركات، و بعد تقدير ظروف الشخص و ممتلكاته فلا يكون الاقدام من جانب الشركات سفهيا، و في الوقت نفسه لا يكون إقدام الشخص من الطرف الآخر فيه شي‌ء من السفاهة، ذلك لأن إقدامه على تأمين نفسه، أو ممتلكاته يبعث في النفس الاطمئنان على أن هناك من يعوضه عند حصول قدر يؤدي الى تلف بضاعته أو يعوض الأسرة المنكوبة لو حدث به ما يؤدي الى موته، و هذا المقدار من الطرفين (طالب التأمين) من جهة (و الشركة) من جهة ثانية يعتبر عملا عقلائيا.

و بذلك تتم معاملة التأمين، و انها من جملة ما يندرج في باب الضمان لما بيناه من أن الضمان لا يخرج عن كونه تحمل للمسؤولية، و إدخال الشي‌ء في حيازة الضامن من غير فرق بين الديون و الأعيان الخارجية، و النفوس الحرة و المملوكة فبإمكان الشركة أن تضمن أموال الشخص، أو نفسه أو عبده على نحو ما بيناه في الضمان، و أن الأركان واحدة في كلتا المعاملتين الضمان و التأمين.

37

و قد يعترض على ذلك بأن هذا النحو من المعاملات لا يخرج عن كونه معاملة إيقاعية لحصولها من طرف واحد، و هو الضامن «الشركة» لإقدامه على تحمل المسؤلية، و إلقائها على عاتقه.

و قد تصدى شيخنا الأستاذ- حفظه اللّه- للإجابة عن ذلك بأن هذا النوع من المعاملات ليس بمعاملة ايقاعية. بل انها معاملة واقعة من الطرفين لأنها حاوية على الإيجاب من طرف، و القبول من الطرف الآخر.

إذ أن توقيع (طالب التأمين) على ورقة العقد المقدمة له من قبل الشركة لإملائها و التوقيع عليها هو عبارة عن القبول منه للمعاملة، و تصدير الشركة لوثيقة التأمين، و توقيعها هو عبارة عن إيجاب تلك المعاملة و حينئذ يكون محصل هذه المعاملة هو الضمان العقدي بشروط، و منها دفع المضمون له الاقساط و حينئذ تكون الشركة بتوقيعها الورقة، و تسليمها للمضمون له هي الموجبة و يكون المضمون له بأخذه الورقة، و توقيعها هو القابل على خلاف ما تقدم سابقا من كون الشركة هي القابلة و طالب التأمين هو الموجب لنستريح بذلك من كون شرط طالب التأمين الضمان على الشركة هل هو من قبيل شرط النتيجة أو شرط السبب (1)، و بذلك تخرج عن الإيقاعات فلا يكون الشرط في ضمنها من قبيل الشرط في الإيقاع الذي هو محل الاشكال، بل تكون من العقود مؤلفة من الإيجاب من ناحية الشركة، و القبول من ناحية المضمون له إذ لو نزلناها على مجرد الإيقاع لكان الموقع لها هو الشركة، و لا وجه على كل حال لكون الابتداء من ناحية المضمون له لأن المنشأ هو الضمان، و انما ينشئه الضامن دون المضمون له، و لو قلنا: بتحمل الإيقاع الاشتراط لأمكننا القول به هنا، و يكون المجعول هو ضمان الشركة بالشروط فان قام المضمون له بالشروط‌

____________

(1) سيمر علينا تعريف موجز لهذين المصطلحين: شرط النتيجة، و شرط السبب، عند التعرض للبحث عن اعمال البنوك، و المصارف في البحث عن بيع العين المرهونة.

38

كان اللازم على الشركة الوفاء بالضمان الذي أخذته على عاتقها، و ان لم يقم المضمون له بالشروط فليست الشركة ملزمة بالضمان و لكنه لا يخلو عن اشكال لانحلاله الى تعليق الضمان على الشروط، و التعليق باطل في المعاملة، فلا بد من تنزيل هذه المعاملة على ما عرفت من الضمان العقدي ليكون الاشتراط فيها من قبيل الالتزام في ضمن الالتزام، كما هو الشأن في الشروط المأخوذة في المعاملة بين الطرفين من أحدهما على الآخر نعم لا نحتاج الى لفظ مخصوص بكل يكفي فيها كل ما هو موجد لها.

و من المعلوم ان الإنشائيات من الأمور الاعتبارية التي لها تحقق في وعاء الاعتبار و معنى إنشائها هو جعلها و إيجادها في عالم الاعتبار و بأي سبب و أي لفظ أراد أن يوجدها الإنسان توجد، و لا تتوقف على لفظ خاص كبعث و ما شاكل بل تصح بكل لفظ يؤدي هذا المؤدى.

الخلاصة:

إذا مما تقدم عرفت أن معاملتنا التأمينية قابلة للاندراج في باب الضمان ليجري عليها ما يجري على الضمان من أحكام و لكن لو أبيت عن اعتبارها ضمانية لشبهة أن الضمان لا يكون إلا على ما في الذمم، و قد وقع الخلاف في بعض الموارد الأخر، و ليس منها ضمان الأعيان الخارجية، فإن علينا عرض ما نحن فيه- أعني التأمين- على بقية المعاملات التي كان لها وجود على عهد المشرع الإسلامي، لنرى مدى انطباقها عليها، حتى يمكن تجويزها لنا.

الهبة بشرط تحمل الخسارة:

لا الهبة بشرط الضمان و إلا جاء الاشكال السابق في صحة ضمان الأعيان بل ان الشرط هو تحمل الخسارة التي تعرض للمضمون له الذي هو الواهب.

و يتصور هذا الوجه بأن تتحمل الشركة الخسارة من مالها أو مما يجتمع‌

39

عندها بحيث تتكفل بالخسارة إن حدث حادث بالمال أو النفس فيقول طالب التأمين:

و هبتك كذا مقدارا من المال شهريا على أن تتحمل كذا مقدارا من المال خسارة لمدة عشر سنوات- مثلا- لو حدث حادث بمالي، أو نفسي، و يأتي دور الشركة لتقبل بهذه الهبة، و تسجل على نفسها ما اشترطه الواهب من تحمل الخسارة المذكورة فتكون الهبة من طالب التأمين إيجابا منه، و موافقة الشركة تقريرا على نفسها بقبول هذه الهبة المشروطة، و ليس هذا الشرط من الشرط المخالف ليبطل الشرط، و تقع الهبة غير مشروطة، بل هو شرط سائغ لا مانع فيه، و لو لاحظنا هذه الهبة المشروطة لرأيناها حاوية على نفس أركان التأمين لاشتمالها على الإيجاب و القبول، و المؤمن عليه: و هو النفس أو المال و مقدار الخسارة، و هو مبلغ؟ التأمين.

و عليه فينزل التأمين على الهبة و يكون من صغريات هذه المعاملة و يجري عليه ما يجري عليها من الأحكام.

الصلح بشرط تحمل الخسارة:

و من جملة ما نعرض عليه معاملة التأمين هو باب الصلح حيث يتصالح الطرفان على أن يتحمل أحدهما، و هو الشركة الخسارة التي تحل بالطرف الآخر بشرط ان يدفع الطرف الآخر المقدار المعين من المال، و من الممكن أن يكون الصلح واقعا على أن يدفع طالب التأمين إلى الشركة مقدارا معينا من المال في كل شهر مثلا على أن تدفع الشركة خسارته لو حدث حادث بماله، أو كذا مقدارا من المال لو حل به موت أو تلف لعضو من أعضائه.

و بهذه الطريقة أمكننا أن نهرب من الضمان و إشكالاته فكان تحمل الخسارة هو المصحح لمعاملتنا التأمينية.

و ليس هذا بجديد فقد ذكر السيد الطباطبائي (قدس سره) لتصحيح‌

40

ما لو اشترط ضمان العين المستأجرة على المستأجر بواسطة تحمل الخسارة، و منعوا من تصحيح ذلك بالضمان فقد قال: «العين المستأجرة في يد المستأجر أمانة فلا يضمن تلفها أو تعيبها، إلا بالتعدي أو التفريط، و لو شرط المؤجر عليه ضمانها بدونها، فالمشهور عدم الصحة لكن الأقوى صحته، و أولى بالصحة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيب لا بعنوان الضمان» (1).

و من الواضح أن هذه الطرق المذكورة من الهبة أو الصلح لا يفرق فيها بين أن يكون الموضوع دينا أو عينا خارجية أو نفسا لعدم وجود ضمان في البين لتأتي الإشكالات السابقة فيه هذا كله في الطريق الأول.

و هو عرض المعاملة التأمينية على المعاملات التي كانت موجودة في الزمن السابق ليؤخذ حكمها من تلك المعاملات.

عرض التأمين على القواعد:

و هل هناك وجه يصحح لنا ما نحن فيه؟ و ذلك بأن نعتبر هذه المعاملة عقدا مستقلا مؤلفا من إيجاب و قبول، كما هو الحال في باقي المعاملات الإنشائية فتكون حينئذ مشمولة للعمومات الكتابية القاضية بالوفاء بالعقد. كقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2).

أو قوله عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ (3). بناء على أن أوفوا بالعقود لا يكون مختصا بالعقود الموجودة سابقا، بل هو جار في كل ما يتعاقد عليه الطرفان ما لم يكن فيه خلل ممنوع من قبيل الربا، و نحوه مما منعه الشارع‌

____________

(1) العروة الوثقى، كتاب الإجارة، في العين المستأجرة بيد المستأجر.

(2) المائدة: آية 1

(3) النساء: آية 29

41

المقدس، لأن القاعدة في كل عقد لزومه، و وجوب الوفاء، و ان لم يكن راجعا الى العقود الموجودة.

و لا يفرق في البين بالنسبة إلى الالتزام بألفاظ خاصة حيث تنشأ بها المعاملة سواء في الإيجاب أو القبول و لا داعي الى ذلك لأنك قد عرفت مما تقدم عدم اشتراط ذلك، و لا داعي للاقتصار على لفظ خاص بعد أن كان للمنشي‌ء أن يبرز ما في نفسه بأي مبرز كان.

و لعل هذا الوجه هو أصح الوجوه المتقدمة، و الذي يعتبر من قبيل المعاملة الشخصية لأنا نرى التاجر يتطوع بطيب نفسه لتسجيل أمواله، و يوقع وثائق عديدة في هذا الصدد، و تنظم. الشركة له كشوفا على المال لو كان المؤمن عليه ما لا و يمكن مشاهدته أو على النفس لو كان نفسا و يقر الطرفان و يعترفان بالتعاقد بينهما بموجب وثيقة تصدرها الشركة لهذا الغرض، و تذكر فيها جميع الشروط المطلوبة فتشتمل المعاملة حينئذ على الإيجاب و القبول و الرضا من الطرفين، و في الوقت نفسه تخرج المعاملة عن كونها معاملة سفهية لأن كلا من الطرفين لا يقدم إلا بعد أن يضمن النفع لنفسه.

كما إنها ليست بمعاملة غررية لو قلنا أن قوله (ع) نهى النبي عن بيع الغرر (1) شامل لهذا النوع من المعاملات لعدم وجود أى خطر فيها على المتعاملين.

____________

(1) روي هذا الحديث بلسانين: أحدهما- بلسان النهي عن بيع الغرر و ثانيهما النهي عن الغرر اما الأول: فجاء من طرف الشيعة في الوسائل باب/ 40 من أبواب آداب التجارة/ حديث- 3-، و في المستدرك: باب/ 31 من نفس الأبواب حديث- 1-، و أرسله العلامة في التذكرة في القسم الثالث من أقسام البيوع المنهي عنها، و من طرق السنة فقد قال عنه في منتقى الاخبار بهامش نيل الأوطار للشوكاني/ 5/ 166: رواه الجماعة إلا البخاري و كذلك في صحيح الترمذي/ 5/ 237، و كنز العمال/ 2/ 229 حديث 4920- و 4923، و أما الثاني فقد روته الشيعة جاء في التذكرة في المسألة الثانية من الركن الثالث من الفصل الثاني من الإجارة، و من طرق العامة ذكره ابن الأثير في نهايته مادة- غرر-

42

عرض التأمين على الأصول العملية:

حيث يكون عرض معاملة التأمين عليها و طبيعي أن البحث في هذه المرحلة لا يتعدى كونه تشقيق المسألة من الوجهة العلمية لأن الأصول العملية ليست إلا وظائف مقررة يرجع إليها الشاك عند العجز عن تحصيل الدليل الاجتهادي و نحن قد صححنا هذا النوع من المعاملات بالوجوه السابقة فلا تصل النوبة حينئذ إلى التماس الحكم من الأصل العملي إلا أنا- كما بينا- لو أردنا ملاحظة المسألة من الوجهة العلمية لرأينا الأصل العملي لا يصحح لنا هذا النوع من المعاملات لأن أصالة الفساد ههنا تقتضي عدم ترتب الأثر على المعاملة المذكورة لأنا لو بقينا نحن و المعاملة مع عدم وجود ما يصححها فلا ندري أنها صحيحة ليترتب الأثر عليها، أو باطلة فلا يترتب عليها الأثر المطلوب، و في مثل هذه الحالة يكون المرجع هو أصالة عدم ترتب الأثر على المعاملة المذكورة.

تنبيهات:

و لا بد لنا و نحن على أبواب الختام من التعرض لملاحظات توضيحية تبين لنا بعض الملابسات في هذا المقام، لذلك لا بد من التنبيه على أمور:

1- التأمين بالتقابل:

عرفنا مما مر علينا أن عملية التأمين من الأعمال التجارية و التي تكون مشمولة لعمومات الوفاء بالعقد، شأنها في ذلك شأن المعاملات الأخر مما ينطبق عليها التجارة عن تراض على نحو ما مر من الأعمال التي يقوم بها الطرفان الشركة من جهة، و طالب التأمين من الجهة الثانية.

و الى ذلك أشار الأستاذ صالح حمود علوش بعد ما ذكر تعريفا للتأمين قائلًا:

«و التعريف المذكور أعلاه ينطبق على التأمين في مقابل أجرة معينة و بعبارة أخرى مقابل جعل يدفعه طالب التأمين للمؤمن، و غالبا ما يدفع الجعل على‌

43

هيئة اقساط، و يقع التأمين عادة لدى إحدى الشركات، و هو من جانب الشركة عمل تجاري، أما من جانب طالب التأمين فقد يعتبر عملا تجاريا أو مدنيا على حسب الأحوال» (1).

و قد عرفنا حكم هذا النوع من التأمين و لا غموض فيه و لكن هناك نوعا آخر من التأمين أشار إليه المؤلف المذكور بقوله:

«و قد يكون التأمين بالتقابل تفاديا لكارثة قد تلم بأحد أطراف التأمين و صورة ذلك أن تتفق جماعة من التجار على تكوين رأس مال مشترك لتعويض ما يحيق بأحدهم من الخسارة، و ظاهر أن هذا النوع من التأمين يعد تجاريا أيضا لأنه يؤدي الى تجنب الخسائر» (2).

و نحن مع هذا النوع من التأمين الذي يذكره المؤلف للفرق بينه و بين ما ذكرناه من تصحيح صورة التأمين سابقا لأن ما سبق بيانه هو أن تتحمل الشركة الخسارة بإزاء أن يدفع طالب التأمين مبلغا معينا من المال يتفق عليه الطرفان، أو يخرج ذلك على الصلح، أو العقد المستقل المشمول للعمومات الكتابية في الوقت الذي لا تكون هناك علاقة بين طالب التأمين و الشركة غاية ما في البين أن طالب التأمين عميل جديد، أمن عند الشركة على ماله أو نفسه بمبلغ متفق عليه بينهما ففي الحقيقة طالب التأمين أجنبي عن الشركة و أعضائها، و أما هذا النوع الجديد و الذي يكون التأمين فيه بالتقابل فإنه لا يتعدى عن كونه تضامن من أعضاء الشركة فيما بينهم على توزيع الخطر الذي عرض لمال أحدهم، أو نفسه فيما بينهم بنسبة خاصة تابعة لمقدار مال كل منهم و مقدار الرسم الذي يدفعه إلى الجمعية.

اما وجهة نظر شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- في تصحيح هذا التأمين فتنحصر بتخريجه على الصلح الجاري في كل تعاقد و تعاهد، أو يكون تصحيحه مبنيا‌

____________

(1) التأمين لصالح حمود علوش ص 11

(2) التأمين لصالح حمود علوش ص 11

44

على أساس كون ذلك التعاقد منهم داخلا في عمومات الوفاء بالعقود و العهود و يكون المال المجموع من تلك الرسوم مشاعا بين الجمعية، و يكون ريعة للجميع سواء كان ما يتلافى به الخطر الطارئ على أحدهم من نفس ذلك المال المشترك بينهم، أو كان من أموالهم الخاصة.

2- التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح:

و يتضمن بيان نوع آخر من التأمين على الحياة، و هو الاشتراك في الأرباح التي تحصل عليها الشركة من الاستفادة بتلك المبالغ المتجمعة من المشتركين كما جاء في كتاب التأمين على الحياة الصادر من شركة مصر للتأمين تعريفة 3 ما يلي: «التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح يدفع مبلغ التأمين عند وفاة المؤمن عليه، أو عند انتهاء مدة التأمين، و تدفع الأقساط لغاية الوفاة، و على الأكثر حتى انتهاء مدة التأمين، و للمؤمن الحق في الاشتراك و الاشتراط في الأرباح بناء على نتيجة عملية تقدير الأرباح، و يضاف نصيب كل وثيقة في الأرباح إلى مبلغ التأمين، و يدفع مع مبلغ التأمين عند استحقاقه سواء بالوفاة أو عند انتهاء التأمين».

و قد قرر شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- أن دفع المال في هذه الصورة من من قبل طالب التأمين إلى الشركة لم يكن الظاهر منه أنه على نحو القرض منه لها ليكون ما تدفعه الشركة له فوائد ربوية بل هو نحو من المضاربة و التي هي عبارة عن أن صاحب المال يدفع الى الآخر مقدارا من المال ليعمل فيه بالبيع و الشراء، و الربح على حساب ما شرطاه على تفصيل، و شروط مبينة في محلها.

و على هذا التنزيل يكون هذا النوع من التأمين باطلا لعدم توفر الشروط المطلوبة في المضاربة فيه إذ من جملة الشروط المطلوبة فيها أن يكون المدفوع من الذهب أو الفضة المسكوكين و طبيعي أن ذلك لا يتوفر غالبا في هذا النوع من المعاملات.

45

نعم يمكن تصحيح ذلك بما قدمناه في تأمين البضائع من القول بكون المدفوع من قبل- طالب التأمين- هبة منه لهم إزاء قيامهم بهذه الشروط المذكورة و التي يمليها الطرفان في وثيقة العقد فيصح ذلك، و يكون من قبيل الهبة المشروطة، و عند تخلف الشرط للواهب فسخ الهبة و استرجاع ما دفعه إليهم.

3- موقف الشريعة من الفوائد الربوية في التأمين:

تقدم أن بينا فيما سبق أنه من الصعب حصر أنواع التأمين في إفراد معينة و المهم هنا بيان أننا نتمكن أن نتخلص من ملاحظة تلك الأنواع ان كثيرا منها لا تترتب عليه فوائد تدفعها الشركة لطالب التأمين فمثلا في التأمين على الأموال التجارية تستعد الشركة بدفع مبلغ التأمين المتفق عليه بين الطرفين عند حدوث الخطر المؤمن ضده، كالحريق، و الغرق، أو السرقة، و ما شابه و لكن هناك في بعض الأنواع الأخر تقوم الشركة بدفع فوائد سنوية أو شهرية اضافة الى مبلغ التأمين المتفق على تسليمه الى طالب التأمين عند حدوث الخطر.

و على سبيل التوضيح: نمثل لذلك مثالا فنقول:

رجل أمن على حياته عند شركة التأمين لمدة عشرين سنة على مبلغ قدره الف دينار فإن الشركة تستوفي منه أقساطا شهرية قدرها خمسة دنانير في قبال دفعها المبلغ المذكورة عند حدوث قدر عليه في ضمن المدة إلى ورثته أو دفعه له عند انتهاء المدة المذكورة و بهذا المقدار لا تختلف شركات التأمين.

و انما الاختلاف في أن بعض الشركات ترغيبا منها لما تقوم به من التأمين تلتزم بدفع بعض المبالغ اضافة الى مبلغ التأمين، و حينئذ فلا بد من معرفة حكم هذه الزيادة، و هل انها فائدة ربوية أو لا؟

46

و يؤيد ذلك ما جاء في اختيار رقم «1» لدفع الفوائد (1).

«تدفع فائدة سنويا أو نصف سنوي، أو ربع سنوي أو شهريا بمعدل 3% بالنسبة على المبلغ الذي تحتفظ به الشركة، و يكون أول دفعة من الفائدة في نهاية السنة أو نصف السنة، أو ربع السنة، أو ربع الشهر حسب طريقة دفع الفوائد المختارة، و عند وفاة المستحق يدفع المبلغ الذي تحتفظ به الشركة مع ما يكون قد تجمع عليه من فائدة إلى القيمين على تركته، أو منفذي وصيته ما لم ينص إشعار الاختيار على خلاف ذلك».

و كثير من مصادر التأمين صرحت بوجود أمثال هذا النوع من التأمين.

و يرى شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- أن هذه الزيادات المدفوعة ما هي إلا فوائد ربوية، لأن هذا النوع من المعاملات منزل على القرض الربوي حيث يكون دفع المال من قبل المؤمن له، و الذي هو طالب التأمين قرضا إلى الشركة و تكون دفع الفوائد إنما هي في قبال المال الذي أقرضه إلى الشركة.

و طبيعي أن هذا النوع من التأمين يكون مشكلا من الوجهة الشرعية و لا يمكن توجيهه ما دام ان المعاملة نزلت على صورة القرض، و أخذ الفائدة في قبال ذلك فان هذه المعاملة ربوية، و لا طريق الى تصحيحها بإحدى الطرق الشرعية و التي تسوغ مثل هذه المعاملات فرارا من الربوية. (2)

____________

(1) من نموذج لبوليصة صادرة من الشركة الاميركية للتأمين على الحياة

(2) و طبيعي أن هذا انما يكون بالنسبة إلى الشركات الأهلية حيث يكون أخذ الفائدة ربا.

و أما لو كانت الشركات حكومية فالمسألة تبتني على القول بمالكية الدولة. فمن لا يرى من الفقهاء مالكيتها لما تحت يدها من الأموال فإن المأخوذ منها بعنوان الفوائد انما هو من المال

المجهول المالك، و يعود أمر التصرف به الى الحاكم الشرعي، و بالإمكان تصحيحه بأخذ الإجازة منه للتصرف بذلك المال أما من يرى مالكية الدولة فان الشركات الأهلية، و غيرها من هذه الجهة على حد سواء، و يكون أخذ الفوائد منها من مصاديق الفوائد الربوية.

47

4- اعادة التأمين:

و يتضمن هذا التنبيه البحث عن موضوع اعادة التأمين فقد أخذت بعض شركات التأمين تقوم بإعادة التأمين لدى شركات أوسع منها، و إنما تلجأ شركات التأمين الى هذا النوع من الإعادة لتوزيع الخطر على عدة أشخاص دون الاقتصار على جماعة معينة و لتتوزع الخسارة فيما لو حدث الخطر المؤمن ضده.

و لم ير شيخنا الأستاذ- (دام ظله)- بأسا في هذه الإعادة لأن ما بيناه من الوجوه السابقة لتصحيح معاملة التأمين تجري هنا أيضا فتكون شركة التأمين بمنزلة طالب التأمين و الشركة الجديدة هي المؤمن الجديد في هذه المعاملة الجديدة و هكذا الحال فيما لو تعددت الشركات في الإعادة فكل معاملة يشملها (الوفاء بالعقود) و تصحح ما تعاقدت عليه جديدا، أو أنها تكون من تحمل الخسارة بالطرق التي تقدم ذكرها، راجع ص 33. (1)

____________

(1) عملية اعادة التأمين لم تكن جديدة، و مستحدثة بل قد تحدثت بعض المصادر التأمينية بأن أقدم وثيقة لإعادة التأمين ترجع الى عام (1370) ميلادية و في أوائل القرن التاسع عشر بدأت اعادة التأمين تمارس بطريقة منظمة مستندة على تأسس؟، و قواعد فنية، و قد ظهرت اتفاقات اعادة التأمين و كان أول اتفاق عقد صدر في (سنة 1821) ميلادية، و من ثم توسع نطاق التعامل بالاتفاقات و في عام (1853) تكونت أول شركة مستقلة متخصصة في إعادة التأمين، و كانت شركة المانية هي شركة (كولونيا) لإعادة التأمين. راجع لذلك التأمين علما، و عملا: 523 و تسمى هذه العملية بالاصطلاح الذي تنظمه المصادر التأميلية (إعادة التأمين)، أو (التأمين المضاعف).

و في الحقيقة لا تختلف هذه العملية عن عملية التأمين في كافة مراحلها و على نفس المبادئ التي قامت عليها شركات التأمين من الأخذ بمبدإ توزيع الخسائر و تحمل الأخطار تقوم فكره إعادة التأمين حيث تتسع رقعة المسؤولية فتشمل أكبر عدد في هذا المضمار، و يكون ذلك عاملا مهما في زيادة عدد الشركات التأمينية حيث تخف نسبة الخسارة عن المجموع. فكما أن الفرد يجد من يقف بجانبه عند حلول الخطر لو تعاقد مع شركة تأمينية، فكذلك شركة التأمين تجد من يأخذ بيدها لو حصلت المخاطر، و الكوارث لتوزع الخسارة على أكثر عدد ممكن. و لا يختلف عقد إعادة التأمين من الناحية الفقهية عن نفس عملية التأمين و من جهة كل الأخطار أو جزئها لا يختلف الحكم لو حصل التعاقد بين الشركتين بعد أن صححت بشمول الوفاء بالعقود لها أو الهبة بشرط تحمل الخسارة فان حجم المعقود عليه سعة و ضيقا لا يؤثر في المعاملة بعد القول بصحتها.

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

اليانصيب

اليانصيب حقيقته، اليانصيب غير المعوض، اليانصيب المعوض، بذل المال بإزاء البطاقة، صلاحية أخذ الأموال المجموعة، حلية الجوائز في عملية اليانصيب الوجوه المتصورة لفساد هذا النوع من المعاملات الوجه الأول الآيات الكريمة، الوجه الثاني الروايات الشريفة، الوجه الثالث اعتبار هذا النوع من المعاملات سفهيا، الوجه الرابع اعتبار هذا النوع معاملة غررية الوجه الخامس كون هذه المعاملة قمارية، الوجه السادس اعتبار هذه المعاملة من الاستقسام، النتيجة الخلاصة.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

اليانصيب حقيقته:

- اليانصيب- عملية يتوخى من ورائها جمع المال أو تفريقه لغرض ما عن طريق بيع أو توزيع رقاع تحمل بعضها، أو يحصل على جائزة معينة بطريقة خاصة تعين بمواضعة أو عرف خاص.

و هو على نوعين:

غير معوض.

و معوض.

1- اليانصيب غير المعوض:

فهو ما كان يصنعه بعض الناس في المناسبات حيث تكتب أوراق صغار تحمل أسماء بعض الجوائز، و توضع بين الأوراق الخالية البيضاء أو تكون الأوراق كلها قد كتب عليها جوائز تختلف في حد ذاتها و يقام لذلك حفل خاص يعقد لأجل تلك المناسبة من زفاف أو ميلاد أو ما شاكل من مناسبات الأفراح و تنثر الأوراق على الجالسين ليأخذ كل نصيبه.

و قد ذكر المؤرخون لذلك قضايا عديدة:

منها- ما صنعه المأمون حينما عقد ولاية العهد للإمام علي بن موسى الرضا (ع).

و منها- ما حصل في عصر الدولة الفاطمية سنة (500) و ما حولها من نثر الفستق الملبس بالذهب، أو مقدار من المال، و يسمى (بافطن له) لان بعض الخدم أشار الى بعض الحاضرين بالأخذ منه بقوله: (افطن له) أي التفت‌

52

اليه، و خذ منه فان فيه من الذهب و المال و من الواضح أن هذا النوع من اليانصيب لا يقابله شي‌ء يدفعه الطرف الآخر بل هو تبرع من الشخص بما يملكه لآخرين.

و النظر فيه من الوجهة الشرعية تتوقف على معرفة حقيقة القمار، و هل أن هذا النوع من التبرع يكون مشمولا له أو لا؟

و سيظهر لنا ذلك من ثنايا ابحاثنا الآتية إن شاء اللّه.

اليانصيب المعوض:

و اليانصيب المعوض: قد شاع أخيرا في هذه العصور و تصويره: أن تتألف لجنة خاصة تأخذ على عاتقها طبع عدد معين من (البطاقات) تحمل كل بطاقة رقما خاصا، و يحدد سعر البطاقة و تعرض في الأسواق فيقبل الناس على شرائها بعد أن تضع اللجنة جوائز خاصة لمن يخرج السحب الأول، و الثاني و الثالث، أو أكثر على رقمه.

و طبيعي أن اللجنة تحدد تاريخ السحب و موعده، و بقية ما يتعلق بهذه العملية من شئون.

و لا تقتصر الجوائز على النقد بل قد تكون بضاعة فهناك بعض من يجري عملية اليانصيب على سيارة، أو حاجة أخرى عينية فيجعلها جائزة لمن يربحها بعد أن يحدد البطاقات التي يبيعها لهذا الغرض.

و المهم: في هذا البحث هو معرفة الوجهة الشرعية لهذا النوع من المعاملات المستحدثة، و هل أن الشارع المقدس يصحح ذلك أم لا؟ فنقول أما الإشكال الذي يدور في الأذهان حول عدم شرعية هذا النوع من المعاملات فيقع في جهات اربع، و هي:

الاولى- في بذل المال بإزاء البطاقة، و ما يقابل المدفوع.

الثانية- في صلاحية اللجنة لأخذ الأموال المجتمعة من ثمن البطاقات.

53

الثالثة- في حلية المال لمن يخرج السحب على رقمه، و جواز تصرفه فيه الرابعة- في الوجوه المذكورة لفساد هذا النوع من المعاملات.

بذل المال بإزاء البطاقة:

الجهة الاولى: و التي هي بذل المال بإزاء البطاقة و ما يحصله الدافع للمال في مقابل هذا الدفع و الإعطاء ففيه وجوه.

الوجه الأول

- أن يكون بذل المال بإزاء نفس البطاقة و يكون البيع و الشراء واقعا على هذه الأوراق، و لكنه مشروط بالسحب اي اجراء عملية السحب و يكون كل من الطرفين قد دفع شيئا في قبال ما أخذ فصاحب المال قد دفع المال بإزاء هذه الورقة، و التي يترتب عليها حق الدخول في جملة من يجري السحب على أرقامهم.

و البطاقة و ان كانت في حد نفسها لا قيمة لها الا انها مما يترتب عليها شي‌ء له أهميته عند العقلاء، و هو ما بيناه من حق الدخول في عملية السحب و نفس ترتب هذا الأثر على هذه الأوراق يكسبها قابلية مبادلتها بالمال بنحو الصلح أو البيع أو غيرهما من أنواع المعاوضات. و ليس هذا بغريب فرب شي‌ء لا يكون بنفسه قابلًا للمبادلة الا ان قابليته لذلك انما تكون نظرا الى ما يترتب عليه من الآثار المعتد بها عند العقلاء، و ان كان ذلك يجعل من ظالم- و مثال ذلك- (طوابع البريد) و (طوابع المالية) فإن هذه من حيث هي أوراق لا أهمية لها إلا أن أهميتها بالنظر الى الأثر المترتب عليها من إيصال رسائل أو إعطاء الصفة الرسمية للاوراق التي تلصق عليها.

و هكذا إجازات الاستيراد التي تمنحها الحكومة إلى التجار حيث تخول حاملها من استيراد البضاعات المختلفة من الخارج.

و يأخذ الشخص الممنوح له تلك الإجازة ليبيعها الى الآخرين، و تكون تلك الورقة قابلة للمعاوضة عليها بالمال نظرا لما يترتب عليها من الأثر المرغوب لدى‌

54

العقلاء فيستورد هذا الشخص الكميات المسموح له بنقلها من خارج البلاد بينما يحرم غيره من هذا النفع.

و لهذا لو تخلف البائع أو اللجنة في مقامنا هذا من اجراء السحب كان للمشتري سلوك أحد طريقين:

الأول- إلزام اللجنة بالسحب بأي صورة كانت.

الثاني- فسخ تلك المعاملة البيعية، أو الصلحية، و استرجاع ماله من المال و هذا الشرط و أعني به الدخول في السحب، و ان لم يصرح به في متن العقد إلّا انه من قبيل الشروط الضمنية المستفادة من القرائن الحالية، أو من تباني العقلاء المتعاملين على ذلك بدرجة توجب المفروغية عن اعتباره و عند التخلف يكون حاله حال تخلف المشروط عليه عن الشرط.

الوجه الثاني

- أن يكون نفس الأثر المذكور طرفا للمعاوضة لا البطاقة المترتب عليها الأثر فيبذل الإنسان المال بإزاء ذلك الحق الذي يخوله من الدخول في عداد من يجري السحب على أرقامهم.

و لا منافاة في ذلك فان هذا المقدار من الحق جهة اعتبارية قابلة لبذل المال بإزائها- كما عرفته- في الوجه الأول، و تكون الورقة بمثابة الرمز المادي لهذا الحق لمن يخرج السحب على رقمه.

الوجه الثالث

- و يتصور ذلك فيما لو كان هدف الجمعية مشروعا خيريا كبناء مستشفى، أو دار للأيتام، أو مكتبة عامة، أو ما شاكل هذه من المشاريع التي تعود على أبناء المجتمع بالنفع.

و في هذه الصورة يمكن تصور ان الباذل يجعل المال امانة بيد الجمعية تتصرف فيه لصالح ذلك المشروع مع بقائه على ملكه حتى يطرئه الاستهلاك إذ لم يكن هم الباذل في هذه الصورة إلا المساعدة الصرفة لتلك الجمعية من دون ان ينتظر من وراء ذلك الحصول على الجائزة.

55

و في الوقت نفسه لا يمتنع عن قبولها لو خرج السحب على رقمه.

الوجه الرابع

- نفس الوجه الثالث إلا أن المال يدفعه الباذل الى اللجنة كصدقة منه بأيديهم يتصرفون بها لصالح المشروع الخيري و هناك بعض الآثار المترتبة على هذين الوجهين الثالث، و الرابع نتعرض لهما في الجهة الثانية- إن شاء اللّه.

الوجه الخامس

- و يتصور في اليانصيب الذي يجريه البعض على بضاعته كداره، أو سيارته حيث يريد بيعها بطريقة اليانصيب ففي هذه الصورة من الممكن ان لا تكون في البين معاوضة بين المال و البطاقة بل يمكن تنزيله على أن الشخص يقدر القيمة التي يريدها ثمنا لحاجته فيعتبر (السيارة) الف حصة و بسعر الحصة دينارا واحدا فتكون كل بطاقة معبرة عن حصة واحدة بنسبة الواحد إلى الألف و بعد بيع تمام (البطاقات) تكون السيارة مشاعة بين الجميع و هم أولئك الألف و تكون البطاقة بيد كل منهم كسهم يعبر عن مالكية حاملها لحصة واحدة من ألف حصة من هذه السيارة و تكون اعمال اليانصيب بالكيفية الخاصة كشرط من الدافعين على صاحب السيارة حينئذ فتكون تلك البضاعة بتمامها بعد الشرط المذكور ملكا لمن يخرج السحب على رقمه و تسقط حصص الباقين بنحو التباني من الجميع على ذلك بما فيهم أصحاب البطاقات و صاحب السيارة.

و هذه الوجوه الخمسة، و ربما تصورنا غيرها هي التي تصحح لنا بذل المال بإزاء البطاقة و لعل أهمها الوجهان الأولان و عليهما ينزل نوع بناء المتعاملين في معاملات اليانصيب المتداولة، و الوجوه الأخر فروض يمكن تنزيل بعض معاملاته عليها و هي نادرة نسبيا.

صلاحية أخذ الأموال المجموعة:

الجهة الثانية: و قد عرفت ان البحث فيها يكون في صلاحية أخذ تلك‌

56

الأموال المجموعة من ثمن البطاقات، و ما هي الصفة التي تخول الآخرين باستلام تلك المبالغ؟:

و الكلام في هذا البحث انما يتأتى إذا كان طرف المعاملة في اليانصيب جهة أو هيئة، اما إذا كان الطرف الثاني فردا كما في مثال السيارة المتقدم الذكر فالأمر فيها هين لان الفرد بعد صحة المعاملة لا شبهة في صحة تسلمه المال المذكور، و تملكه إياه.

و يتصور البحث في هذه الجهة على وجوه:

الوجه الأول: ان نقول بمالكية الجهة و أن الجهات، تملك

كما يملك الفرد فالجهة حينئذ تتصرف في ذلك المال كيف تشاء حسبما تقتضيه المصلحة المأخوذة بنظرها و هذا انما يتم مع فرض أن المتولي منصوب من قبل الحاكم الشرعي نظير الوقف كما هو التحقيق في ذلك.

الوجه الثاني: أن يكون المبلغ المدفوع لهم كأمانة بأيديهم للتصرف به

لو كان المشروع خيريا- كما مثلنا به سابقا- فيبقى الدينار المدفوع الى اللجنة امانة بيد الجمعية و تتصرف فيه حسب وكالتها عنه فهو ملكه و هم مأذنون عنه في التصرف لصرفه في تلك الجهة الخيرية فيبقى الدينار، أو ما تشتريه اللجنة من المواد بذلك الدينار ملكا لدافعة الى ان يطرأ الاستهلاك عليه كما يستهلك المأكول.

و يتنقل هذا الحق إلى الورثة لو مات الدافع قبل تحقق الاستهلاك، و لكل من الدافع، أو الورثة الحق في الرجوع لغرض كون المال امانة بيد الجمعية أو اللجنة.

الوجه الثالث: أن يكون استلامهم للمال كصدقة بأيديهم

فيتصدق الإنسان بدينار لهذه الجهة الخيرية، و لا يكون من قبل الوقف بل للجمعية التسلط على تبديله بما تشاء على أن يحافظ الدينار، أو ما يقابله من المثمن على عنوان الصدقة الى ان يطرء الاستهلاك.

57

و يحتاج القبض من اللجنة لمثل هذه الصدقات الى الاذن من الحاكم الشرعي بحيث يخولهم باستلام هذا النوع من الصدقات.

و حيث صححنا دفع المال بإزاء البطاقة، و صححنا استلام اللجنة المشرفة على اليانصيب لتلك الأموال فلا بد من البحث عن:

حلية الجوائز في عملية اليانصيب:

و الجهة الثالثة: و هي حلية المال الموضوع جائزة لمن يخرج السحب على رقمه. و الظاهر انه لا مانع فيه لان حال هذا يكون حال من قرر على نفسه ان يجعل مقدارا من المال في ظرف، و يخلطه بين عشرين من الظروف الخالية و يدفع لكل شخص ظرفا فمن خرج عنده الظرف الذي فيه المال فهو له، و يكون هذا من قبيل الوعد، أو الشرط الابتدائي حيث يخرج من خالص ما له كذا مقدار ليهبه لواحد من هؤلاء العشرين على أن تكون الهبة بهذا النحو الخاص، و لا اشكال فيها لأنها هبة معاطاتية بمعنى انه عند خروج الجائزة على رقمه يدفع المال له و يعطيه إياه مجانا.

و ليس المراد انه يهبه الجائزة قبل السحب ليقال ببطلان هذه الهبة لعدم تعيين المتهب فيها كما انه ليس المراد من هذه الجائزة المالية أن تكون ملكا لمن يخرج رقمه أولا على نحو شرط النتيجة بحيث يكون الشخص مالكا لتلك الجائزة بمجرد خروجها على رقمه من دون حاجة الى تمليك جديد ليقال: انه قمار لكونه من قبيل «ان عرفت ما في يدي زوجا أو فردا فهو لك»، أو من قبيل اعمال اداة اليانصيب المسماة (بالفرارة) في انها ان وقفت على الحاجة الفلانية يكون أحد الطرفين مالكا على الآخر تلك الحاجة، بل المراد انه يملكه هذه الجائزة ان خرج السحب على رقمه بنحو شرط السبب و انه قبل السحب ليس له الا الوعد الابتدائي بالهبة على نحو الكيفية الخاصة، و ان‌

58

وقوع الهبة خارجا إنما يكون عند خروج الورقة المرسوم عليها نفس الرقم الموجود عنده.

و اعلم ان هذا المعنى الذي سميناه وعدا، أو شرطا ابتدائيا لا إشكال في صحته لو أخذناه شرطا في ضمن عقد البيع للورقة بالدينار ان نزلنا دفع الدينار عند أخذ الورقة على ذلك، أو جعله شرطا في ضمن العقد للهبة ان نزلنا دفع الدينار على الهبة المشروط بإن يملكه الجائزة ان خرج رقمه في السحب الأول.

و لا يضر ذلك في الاشتراط كون البيع، أو الهبة من قبيل المعاطاة لأن ذلك الشرط مما قرره الملتزم على نفسه بالسحب عند إعلانه بذلك بأن يكون محصل ذلك الإعلان انه من اشتري مني ورقة بدينار، أو وهبني الدينار فله علي أن أدخله في جملة من يجري السحب على ارقامهم، و أملكه الجائزة لو خرجت على رقمه.

و لنا أن لا نلتزم بكون هذه المعاملة من قبيل الصلح أو غير ذلك و لو من جهة أن الداخلين في هذه المعاملات لا يتصورون و لو إجمالا عند أخذ الورقة و دفع المال ما ذكرناه من التسالم.

بل نقول ان دفع المال بإزاء ذلك الحق على التفصيل الذي ذكرناه و بهذا يمكننا تصحيح هذه المعاملة و اعتبارها معاملة بيعية بنحو جديد، و ان لم تكن من المعاملات المعروفة في البيع لاشتمالها على الإيجاب و القبول.

إيجابها نفس الإعلان المذكور.

و قبولها أخذ الدينار و دفع البطاقة بالشرط المذكور و هو تقرير الملتزم على نفسه بإدخال المشتري في عملية السحب.

و يمكن التمسك على صحتها بعمومات الوفاء بالعقود و التجارة عن تراض إذ لا يعتبر في التجارة عن تراض تحقق معاوضة من ناحية الملكية كالبيع بل‌