شرح العروة الوثقى - ج1

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
569 /
1

-

2

المجلد الأول

3

[كلمة الناشر]

نحمده في جميع اموره و نستعينه على رعاية حقوقه، و نصلّي و نسلّم على من أرسله بأمره صادعاً و بذكره ناطقاً، و على آله و أهل بيته الّذين بهم يستعطى الهدى و يستجلى العمى.

و بعد، فإنّ التفقّه في الدين لا يُستغنى عنه مهما طال به الزمن و تقلّبت الأحوال الاجتماعيّة، لأنّه مسلك العبوديّة و أساس تنظيم شئون الحياة الإنسانيّة في جميع أبعادها الفرديّة و الاجتماعيّة، بل ما دام يتعاقب الجديدان تشتدّ عليه حاجة الإنسان بما هو إنسان؛ و لذا خاطبنا ربّنا الرحمن في كتابه القرآن و قال- عزّ من قائل-: «فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» و حثّنا على ذلك النبيّ الكريم و أوصياؤه الهادون (صلوات اللّٰه و سلامه عليهم أجمعين).

فامتثالًا لما ندب إليه لسان الوحي بدأ منذ عصر النبيّ دراسة الفقه و تدوينه، و كان نصيب الإماميّة المتمسّكين بحبل آل الرسول- (صلوات اللّٰه عليهم)- في هذا المضمار هو قصب السبق في جميع جوانبه، و فاقت مدرستهم على سائر المدارس إتقاناً و تدقيقاً و تعميقاً، لعكوفهم على أهل بيت نبيّهم (عليهم السلام) و الأجيال على ذلك متسلسلة و القرون متتابعة، و سطع في سماء الفقاهة في كلّ قرن نجوم مضيئة ينفون بنور علمهم عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.

و من هذه الأنجم: العالم العامل الحاوي لأشتات الفضائل سماحة آية اللّٰه العظمى الحاجّ الشيخ مرتضى الحائريّ نجل استاذ الفقهاء و المجتهدين آية اللّٰه العظمى في الأرضين‌

4

مؤسّس الحوزة العلميّة في مدينة قمّ الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائريّ (قدس سره) و الّذي تربّى في بيت الفقاهة و عُرف بين أقرانه و معاصريه بدقّة النظر و جزالة النبالة؛ فلذا أصبح مجلس درسه مجمعاً للفضلاء من الطالبين و معهداً للأذكياء من المشتغلين.

فكانت حصيلة جهوده العلميّة و دراساته مجموعة من الأبحاث الاصوليّة و الفقهيّة الّتي خطّها بأنامله الشريفة، و منها الكتاب الماثل بين يديكم في شرح «العروة الوثقى» للسيّد الفقيه اليزديّ (رحمه اللّٰه) الّتي أصبحت بعد تدوينه مصبّاً للرشحات الفكريّة الغزيرة، و متناً محوريّاً للشروح و التعاليق الكثيرة، جزى الماتن و الشارح خير الجزاء بفضله و كرمه.

و قد وفّق اللّٰه سبحانه و تعالى سماحة حجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ الشيخ محمّد حسين أمراللّهي- دامت إفاضاته- بتصحيح و تحقيق هذه الأبحاث أداء لحقّ استاذه (قدس سره) بعد أن أذن له إذناً خاصّاً قبل ارتحاله بالإشراف على طبع كتبه و نشر آثاره.

مؤسّسة النشر الإسلاميّ‌

التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المقدّسة‌

صورة إجازة المؤلّف (قدس سره) لتصحيح و طبع تأليفاته‌

5

صورة إجازة آية اللّٰه الحاجّ آقا بزرگ الطهرانيّ للمؤلّف‌

6

صورة الصفحة الاولى من المجلّد الأوّل من نسخة الأصل‌

7

[المقدمة]

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و خاتم المرسلين سيّدنا و نبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد، و آله الطاهرين، و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين.

و بعد، فلا يخفى شرافة علم الفقه و مكانته السامية، فإنّه العلم بأحكام اللّٰه تعالى و طلباته من العباد بما فيها من الواجبات و المحرّمات و المستحبّات و المكروهات. و لا ريب في أنّ هذه الأحكام إنّما شرّعت لأنّ الأفعال الواجبة و المستحبّة مشتملة على مصالح لازمة الاستيفاء أو مستحسنة، و لأنّ الأعمال المحرّمة و المكروهة مشتملة على مفاسد لازمة التجنّب أو مستحسنة، بحيث تكون رعاية هذه الأحكام في مقام العمل موجبةً لوقوع الإنسان في سبيل لا يُبتلى بمفسدة و لا تفوت عنه مصلحة في حياته الدنيويّة و الاخرويّة. و المحرّمات و المكروهات مملوءة من مضارّ. و الواجبات و المستحبّات عبارة اخرى عن مصالح واجبة الاستيفاء أو مستحسنة في حياة الإنسان؛ و لعلّه لمثل ذلك قال اللّٰه تعالى: «قَدْ جٰاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَ كِتٰابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوٰانَهُ سُبُلَ السَّلٰامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (1)، فإنّه لا ريب في أنّ كتاب اللّٰه الكريم يدعو الناس إلى إطاعة اللّٰه و رسوله بسعة الطاعة لإتيان الواجبات و المستحبّات و لترك المحرّمات و المكروهات، بل و إلى الأخلاق الإلهيّة الّتي قال فيها مخاطباً لرسوله العظيم: «وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ» (2).

____________

(1) سورة المائدة: الآية 15، 16.

(2) سورة القلم: الآية 4.

8

فهذه الأحكام و الأخلاق الإلهيّة هي الّتي يهدي اللّٰه إليها بكتابه المبين، و يكون الأثر المترتّب على اتّباعها للّٰه تعالى و لأجل رضوانه أن يقع العبد و يهتدي سبل السلام، فالسلام هو السلامة من كلّ نقص و شين، و اتّباع ما يدعو إليه القرآن يوجب وقوع الإنسان في هذه السُّبل الّتي تهدي إلى السلام.

و هذه السُّبل ما هي؟ لا نعرف الآن نحن حقيقتها، و نسأل اللّٰه تعالى أن يوفّقنا لطاعته و اتّباع أحكامه بغاية رضوانه حتّى نقع في السلام المذكور و نعرف تلك السُّبل.

ثمّ عطف على هذا الكمال قوله تعالى: «يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ»، تدلّ هذه الجملة المباركة على أنّ هنا ظلمات عديدة ربما يكون الإنسان مبتلًى بها و داخلًا فيها، و اتّباع أحكامه بهدف رضوانه يوجب أن نخرج من جميع هذه الظلمات إلى النور الّذي ليست حقيقته إلّا النور.

ثمّ عطف عليه أيضاً قوله تعالى: «يَهْدِيهِمْ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ» فيدلّ بوضوحٍ على أنّ هناك كمالاتٍ و أهدافاً عاليةً يكون إليها صراط، و ربما كان الصراط الّذي يقع العبد فيها ذا اعوجاج و انتقاص، فمن اتّبع ما يهدي الكتاب الكريم إليه فقد وقع في صراطٍ مستقيم لا اعوجاج و لا انحناء له أصلًا، و هو كما قال اللّٰه تعالى في موضعٍ آخر:

صراط اللّٰه، فقد قال تعالى: «كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّٰاسَ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلىٰ صِرٰاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللّٰهِ الَّذِي لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ» (1) و كما قال تعالى في سورة فاتحة الكتاب: صراط من أنعم اللّٰه عليهم، فقد قال تعالى:

«اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ»، و قد فسّر هؤلاء الّذين أنعم اللّٰه تعالى عليهم بقوله: «وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً» (2).

فالفقيه بإذن اللّٰه تعالى باجتهاده و استنباطه و دقّته اللازمة في الأدلّة الأربعة‌

____________

(1) سورة إبراهيم: الآية 1 و 2

(2) سورة النساء: الآية 69.

9

المعتبرة عالمٌ بأحكام اللّٰه تعالى و طلباته بما لها من السعة، فهو نفسه عالمٌ بها، و لا ريب في أنّ له لعلمه بها منزلة رفيعة في الإسلام، كما قال الكتاب الكريم: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ» (1)، فدلّت الآية المباركة بذيلها على أنّ مقتضى العقل و اللبّ أنّه لا يستوي الّذين يعلمون و الّذين لا يعلمون، و على أنّ اولي الألباب عارفون به ذاكرون و متذكّرون به. هذا بالنسبة إلى نفس العالم.

و لا ريب في أنّ العالم يهدي غيره إلى ما يعلمه، سواء كان بتعليمٍ و تدريس، كما هو المتعارف المؤكّد عليه في الحوزات العلميّة الدينيّة المباركة- صانها اللّٰه عن الآفات- أو كان بتأليف ما تعلّم و أفتى به منها في كتابٍ و رسالةٍ عمليّة ليكون تعليماً للفضلاء و الباحثين عن أدلّة الأحكام و إدامةً للتدريس الشفاهيّ لهم في صورة كتاب، و يكون مرجعاً لعامّة المسلمين الّذين يكون سبيلهم إلى تعلّم الأحكام هو الأخذ من المجتهدين العظام و تقليدهم. و من الواضح أنّ تعليم الناس لأحكام اللّٰه تعالى و هدايتهم إليها له ثوابٌ عظيم و فضائل كثيرة.

و عليه، فالفقيه في الإسلام العزيز له مكانة سامية و درجات من الفضل، و قد تهيّأت له بإذن اللّٰه و إنعامه أسباب القرب منه تعالى بجهاتٍ مختلفةٍ مع أنّ نفس علمه يوجب عليه أن يراقب نفسه لكي لا تزلّ قدمه في الحياة الدنيويّة، و لا يقع في خطرات اتّباع هوى النفس و وساوس الشيطان الرجيم أعاذنا اللّٰه تعالى منها.

فبعد ملاحظة عظم علم الفقه و شرفه و كرامة الفقيه في الإسلام العزيز فإنّ أصحابنا الكرام و مشايخنا العظام من زمن حضور المعصومين (عليهم السلام) إلى زماننا هذا قد أتعبوا أنفسهم في حفظ ما وصل إليهم من الأدلّة النقليّة و الروايات المأثورة عن النبيّ و الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، و في تأليف كتب رجاليّة يهتدي بها المتأخّر إلى وضعيّة رواة الحديث لكي يعرف المعتبر منهم من غيره، و قد صرفوا أعمارهم المباركة في‌

____________

(1) سورة الزمر: الآية 9.

10

استنباط أحكام اللّٰه تعالى بالأدلّة الأربعة المعتبرة بكمال الدقّة و ألقوا ما هداهم اللّٰه تعالى- و لا سيّما المتأخّرين منهم- في صورة كتبٍ عميقة استدلاليّة لكي تكون مرجعاً لمن بعدهم، فيكون الرجوع إليها و فهم معانيها سبباً لأن يقف المتأخّرون منهم أيضاً على أدلّة المسائل الفقهيّة و يتجدّد بعد كلّ طائفة منهم طائفة اخرى و يتفقّه الفقهاء أنفسهم في الدين و ينذروا عامّة المسلمين من مخالفة طلبات اللّٰه تعالى كما أكّد عليه في الكتاب الكريم: «فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1).

و من هؤلاء العلماء العظام و الفقهاء الكرام الفقيه المعظّم آية اللّٰه الحاجّ الشيخ مرتضى الحائريّ (قدس سره)، فقد كان من أكبر أساتذة هذا العلم في الحوزة العلميّة المباركة بقمّ المشرّفة، و شهيراً بالتقوى و الإخلاص و بالدقّة في المطالب العلميّة و الاستنباطات الفقهيّة، و كان هو (قدس سره) يكتب ما وصل إليه بعد التأمّل و بعد الإلقاء على حضّار بحثه، و بهذه الجهات صارت مكتوباته ثمرة جهدٍ كثيرٍ قد وقع البحث عنها و تضارب الآراء في كشف الامور العلميّة المسطورة فيها.

نبذة مختصرة من حياة المؤلّف (قدس سره):

و لا بأس بل لا بدّ من الإتيان بكلماتٍ أكثر حول حياته المباركة أداء لبعض حقّه العظيم على الحوزة العلميّة الدينيّة و إن لا نقدر أداء ذاك الحقّ كما هو حقّه جزماً، فنقول:

هو (قدس سره) قد وُلد بمدينة أراك في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجّة الحرام في سنة 1334 ه‍. ق الموافق لسنة 1294 ه‍. ش في بِيئةٍ علميّةٍ فاضلة. و قرّت عيون اسرة المرحوم آية اللّٰه العظمى الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائريّ مؤسّس الحوزة العلميّة المباركة بقمّ المشرّفة بأوّل نجلٍ و شبل، فتربّى في كنَفِ والده الكريم العالم تربيةً دينيّة.

____________

(1) سورة التوبة: الآية 122.

11

و من الواضح أنّ والده المعظّم كان قرير العين جدّاً بهذا الولد حتّى أنّه نذر أن يسافر به لمشهد مولانا الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا عليه و على آبائه و أولاده المعصومين آلاف التحيّة و الثناء، فأتى به مقدّمةً لهذا الهدف المبارك بقمّ المشرّفة في شهر رجب الأصبّ من عام 1340 ه‍. ق المصادف لنيروز سنة 1301 ه‍. ش، و كان قد ناهز خمس سنين و نصف، فاجتمع علماء قمّ لديه و طلبوا منه أكيداً أن يرحل من مدينة أراك إلى قمّ المقدّسة لتأسيس الحوزة العلميّة الدينيّة بها، فقال: إنّي عازم فعلًا للتشرّف بزيارة مشهد الإمام الرضا (عليه السلام)، لأنّي نذرت أن أذهب بمرتضى (مريداً به ولده العزيز) إلى زيارة مشهده، و ليس سفري هذا عذراً و ردّاً لدعوتكم، و بالنهاية أكّدوا عليه دعوتهم حتّى استخار اللّٰه تعالى بالقرآن المجيد، فوافقه اللّٰه تعالى في الارتحال إلى هذا البلد الكريم و جاء جواب الاستخارة هذه الآية المباركة:

«... وَ أْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ» (1). قال سيّدنا الإمام الخمينيّ (قدس سره) عند نقله لهذه الحكاية: إنّ الشيخ المؤسّس عمل بهذه الاستخارة و أتى بأهله أجمعين.

و في هذه القصّة و الحديث المبارك إشارة ما إلى أنّ تأسيس الحوزة العلميّة المباركة بقمّ كان من آثار ولادة هذا المولود المبارك، بلحاظ أنّ العمل بالنذر الّذي نذره والده العظيم أدّى إلى الإتيان به إلى قمّ المقدّسة، و استتبع قبول الارتحال إلى هذا البلد الشريف و تأسيس الحوزة العلميّة بها، تلك الحوزة الّتي أشرقت كلّ الأرض بنور العلم و استضاء منها كلّ مَن هو أهلٌ له. و هذه الحوزة المباركة هي العلّة القريبة لتفجير الثورة الإسلاميّة المباركة الّتي أحيت الإسلام و أحكامه في نفس بلاد إيران بلا واسطة، ممّا أوجب حياة المسلمين حياةً جديدةً في جميع العالم، و نأمل أن تكون مقدّمةً لتهيّؤ العالم كلّه لقيام صاحب الأمر (عجّل اللّٰه تعالى فرجه الشريف).

ثمّ إنّ شيخنا المترجم له قد تربّى في ظلّ والده العالم الماجد الفقيه العدل، و تعلّم‌

____________

(1) سورة يوسف: الآية 93.

12

العلوم الدينيّة بقمّ المشرّفة لدى المدرّسين الأفاضل بها، و وفّق للحضور في درس والده العليم سنوات قليلة، ثمّ بعد وفاته في سنة 1355 ه‍. ق حضر في درس سائر العلماء الفحول حتّى صار عَلَماً من الأعلام و من المدرّسين الكرام العظام في الحوزة المباركة، فدرّس بها السطح العالي و الخارج فقهاً و اصولًا طِيلة سنوات عديدة تدريساً في غاية الدقّة، و بملاحظة دقّته الخاصّة به في تدريسه تعلّم عنده الطلّاب و الأفاضل الّذين كان بناؤهم على أخذ العلوم بكمال الدقّة، و هم- كما هو معلوم- الأصل في قوام الحوزة العلميّة الدينيّة.

و بعد ذلك نقول: إنّ شيخنا المحقّق (قدس سره) كان من حيث التقوى و التوجّه إلى اللّٰه تعالى و الإخلاص انموذجاً يُضرب به المثل، و هذا الإخلاص و عدم التوجّه إلى الدنيا كان سائراً في جميع أعماله حتّى في تدريسه لبحث الخارج، فلم يكن تدريسه أيضاً- بما أنّه عملٌ له و شغلٌ- من مشتهياته و أهوائه، و الشاهد له أنّه (قدس سره) في بعض تلك الأيّام اصيب و انكسرت يده فاجتمع الحضّار و لم يحضر الاستاذ، فقال بعض التلامذة لبعضٍ آخر ممّن كانوا يعدّون من فضلائهم: «قوموا و اذهبوا أو لنذهب معاً إليه و نعرض عليه الحضور للتدريس في الأيّام الآتية، و المرجوّ أن يحصل باجتماعنا و طلبنا منه اشتياق و يجي‌ء من غد». و بعد مدّة- كساعة مثلًا- قد ذهب هذا الجمع عنده و قد جاء لديه أحدٌ من الناس ممّن يُعرف بالصلاح و السداد و قال له: «أرجو من اللّٰه برحمته و فضله أن يمنّ عليكم بالصحّة». فقال شيخنا (قدس سره): «هذا الانكسار ليدي أيضاً من رحمة اللّٰه، فإنّه أوجب لي أن لا أحضر للتدريس و صرت في راحةٍ أيّام هذه الوعكة الصحّيّة؟».

فلينظر المتأمّل في مقاله هذا مع أنّه صادق قطعاً، فإنّه يدلّ على عدم اشتياقه إلى عملٍ من المعمول أنّه مشتاق إليه للناس، و لا يكون هذا إلّا لما قلناه من عموم إخلاصه.

و كان (قدس سره) أيضاً شديد الرقّة بالفقراء و أهل الحاجة، و لهذا كان له في مدينة قمّ جلسة يحضرها جمع من متموّلي المدينة و الأخيار و يقومون برفع حوائج المحتاجين.

13

و كان (قدس سره) شديد الحبّ بل العشق لأهل البيت (عليهم السلام)، و لا سيّما بالإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا عليه و على آبائه و أبنائه المعصومين آلاف التحيّة و الثناء، فهو (قدس سره) في طول أيّام السنة يذهب إلى زيارة مشهده الشريف مهما أمكن علاوةً على أنّه يسافر في أيّام الصيف أيضاً إلى زيارة مشهده أيّاماً عديدة.

و ممّا يكون درساً لنا أنّه (قدس سره) كان يسافر إلى زيارة مشهده بالسيّارات العاديّة الّتي يسافر بها عامّة الناس، و لذلك قال لبعض تلاميذه يوماً ما: إنّي أجتنب تحميل المال على العملة فقد سافرت مرّةً إلى مشهد الرضا و عرض عليَّ سائق السيّارة أن يضيّفني و يؤدّي قيمة غذائي أثناء الطريق فلم أقبل و قلت: إنّي لا أصير كلّاً على العامل و أنت عامل. نعم، بعد اطّلاع أصدقائه بهذه الرويّة جاءوا عنده و التمسوا منه أن يسافر بسيّاراتهم الشخصيّة.

ثمّ إنّ هذا التقوى و الإخلاص لم يكن في مرتبة التحجّر أصلًا، كلّا! فإنّه (قدس سره) مع مكانته العلميّة المعروفة صار بانتخاب الناس له أحد الخبراء في مجلس تدوين الدستور الأساسيّ للنظام الإسلاميّ المبارك في سنة 1357 ه‍. ش؛ فلم يمتنع عن هذا الانتخاب و كان يحضر جلساته.

و كان لهذا المجلس قسمان من الجلسات: أحدهما جلسات خاصّة يحضرها جمعٌ من الخبراء، و الثاني جلسات عموميّة يحضرها الجميع و يبحث ثمّ يصوّب اصول الدستور، و شيخنا المحقّق المترجم له (قدس سره) قد حضر مجلس الخبراء إلى الجلسة العامّة الرابعة و العشرين و قد صوّبت في تلك الجلسات أقلّ من ثلاثين أصلًا، و كانت للخبراء سبعة و ستّون جلسة، إلّا أنّه (قدس سره) تكلّم في بداية الجلسة الرابعة و العشرين و قبل الورود في البحث و اعتذر عن إدامة الحضور في الجلسات التالية مخافة إصابته للسكتة القلبيّة حسب ما قال له الأطبّاء. و لا بأس بذكر بعض ما ذكره في هذا النطق لدلالته على رأيه الأصيل العميق في شأن مثل هذه الجلسات و تأكيده على لزوم الحضور فيها:

14

فقال في أوّل نطقه ما معناه: بسم اللّٰه الرحمن الرحيم. ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير، أعرض عليكم: أنا مسبوق بوعكةٍ صحّيّة، و الآن أيضاً سيّئ الأحوال و المزاج جدّاً، و لو لا أنّي أحسستُ بوجوب عرض مطالب لما أشغلت وقت المجلس، تفكّروا تفكّراً صحيحاً في هذه الامور الّتي أعرضها و تأمّلوا و انظروا نظرةً عقليّةً فإن رأيتموها مطالب صحيحة فاعملوا طبقها. إنّ الحقائق غير ما يستحسنه رسم الأيّام بل إنّ الحقائق امور و مطالب تؤخذ من الأنبياء و تؤخذ من الوحي و تؤخذ من أولياء اللّٰه، إنّي أذكر هذه المطالب الّتي هي من الحقائق بصورة الإجمال. نعم، إنّ بعضها قد صوّب و مضى، إلّا أنّه لمّا جرى كلام في تجديد النظر فيه فإن رأيتم- بينكم و بين اللّٰه- أنّه لا بدّ من تجديد النظر و إبداء نظر جديد فيه فافعلوا. ثمّ ذكر في كلامه اموراً سبعة مهمّة عنده، ثالثها مسألة ولاية الفقيه و أنّها من ضروريّات الإسلام و إن وجب على الفقيه رعاية حدود أحكام الإسلام و أكّد على ملاحظة الخبراء لها. و قال بعد ذلك:

مطلب آخر لي و هو أنّي كنت مبتلًى بمرض السكّر [ديابت] و الآن وصلت نسبته إلى 361، و علاوةً عليه صارت عروق قلبي متصلّبة، و قال لي الطبيب: إنّك في حالة خطرة و لعلّك معرَّض للسكتة القلبيّة. أعرض لكم هذا المطلب حتّى تكونوا على اطّلاعٍ من وضع حالي، أنا متى أمكن أحضر جلساتكم و متى لم يمكن فلا أقدر على الحضور عندكم: «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» «لَيْسَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ» يحتمل أن اصاب بالسكتة و إذا كان هذا الاحتمال فلا يجوز لي شرعاً الحضور في مجلسكم. إنّ هذا الشيخ [آية اللّٰه] الصافي و هكذا السيّد [الدكتور] البهشتي و بيني و بينهما سابقة الودّ كثيراً، فإن كان حضوري للرأي لازماً نبّهاني بالتلفون فأنا أجي‌ء و اظهر رأيي، فأنا بعد ذلك أترخّص من خدمتكم فبعده أنتم توردون على كلّ إيراد شئتم و لا سيّما [فذكر اسم أحد منهم] و السلام عليكم ... (1).

____________

(1) الطبعة الاولى من كتاب مشروح مذاكرات المجلس النهائيّ للبحث الدستور الأساسيّ: المجلّد 1 ص 4- 492.

15

فبالتأمّل في صدر مقاله هذا يعرف شدّة عنايته بمجلس خبراء الدستور الأساسيّ للنظام الإسلاميّ المبارك و بلزوم أن يتفكّر الخبراء بما جعله و أكّد عليه الشرع المقدّس و أنّه ليس للحقّ إلّا ما كان من عند اللّٰه و بيّنه الأنبياء و الأئمّة: و إلّا ما ينتهي إليهم فيجب تصويب اصول الدستور مراعياً لها، و لعرض هذه المطالب رأىٰ على نفسه وجوب عرضها و هو يكشف عن كمال عنايته بالدستور الأساسيّ و بالمطالب اللازمة الطرح فيه.

كما أنّ ملاحظة ذيل نطقه أيضاً تشهد بأنّ المرض و الحرج هما اللذان جوّزا له ترك إدامة الحضور فيه، فهو يرى الحضور بنفسه واجباً إنّما يجوّز تركه مثل هذه الأعذار، و مع ابتلائه المذكور أيضاً قد وعد الخبراء بأنّه إذا كان إظهار رأيه في مورد لازماً فلينبّهوه بالتلفون لكي يحضر و يبدي و يظهر رأيه، و هو أيضاً دليل آخر على شدّة اهتمامه و عنايته بذلك المجلس و بأُصول الدستور الأساسيّ.

و حينئذٍ فمن كان له هذا الاعتقاد بقيمة هذا المجلس و قيمة ما بصدده من اصول الدستور الأساسيّ فمن البيّن أنّه زمن حضوره في كلا قسمي جلساته يعمل بكلّ جدّ و جهد في أن يشتمل الدستور على الاصول الأصيلة القيّمة و إن لم يكن من جدّه هذا أثر في المكتوب من مشروح مذاكرات المجلس الّتي هي مشروح مذاكرات الجلسات العامّة منه، رغم أنّه يوجد من آثار هذا الجدّ في هذا المشروح أثر أصيل ذيل الأصل الرابع من الدستور، فإنّه بعد تدوين و تصويب صدر الأصل الرابع هكذا: «جميع القوانين و المقرّرات- المدنيّة، الجزائيّة، الماليّة، الاقتصاديّة، الإداريّة، التعليميّة، النظاميّة، السياسيّة، و غيرها- لا بدّ و أن تكون على أساس الموازين الإسلاميّة» و تصويبه إلى هنا قد جاء البحث عن تكميله في الجلسة الثالثة عشر من الجلسات العامّة و تصويب الخبراء بكفاية المذاكرات. قال نائب الرئيس (الشهيد الدكتور بهشتي) مخاطباً للخبراء: إنّ الآن من بين التذكّرات عدّة منها يرى أنّها مورد عناية جمع كثير و لها أهمّيّة خاصّة و هو تذكّر أبداه و سلّمه الشيخ الحائريّ، و عدّة آخرون‌

16

من الأصدقاء أيّدوه، و هو أن يزاد و يُكتب في ذيل هذا الأصل: «و هذا الأصل مقدّم و حاكم على جميع إطلاقات و عمومات هذا القانون و القوانين الاخر». فبعد عرض هذا التذكّر و بحث إجماليّ عنه أخذوا رأي الحاضرين الّذين كان جميعهم أربعاً و خمسين نفراً و كان الموافقون سبعاً و أربعين منهم؛ فقال نائب الرئيس: إنّ التصويب النهائيّ لهذا الأصل يحتاج إلى رأي واحد آخر فلم يصوّب هذا الأصل، فنعرض ثانياً لهذا الأصل في الجلسة الآتية المنعقدة يوم الأحد مع تغييرات اخر ربما كانت لازمةً و نأخذ آراء الخبراء (1).

ثمّ تعرّضوا ثانياً للأصل المذكور بنفس ما مضى من العبارة- في الجلسة الرابعة عشر- و زادوا عليها جملة: «و تشخيص هذا الأمر على عهدة فقهاء شورى صيانة الدستور» و أخذوا لمجموعه آراء الخبراء كتبيّةً و أعلن نائب الرئيس نتيجة الآراء المأخوذة هكذا: «عدد الحضّار في الجلسة تسعة و ستّون نفراً، و قد صوّب الأصل الرابع بآراء موافقة لستّة و خمسين نفراً في قبال سبعة آراء مخالفة و ستّة آراء ممتنعة.

فكبر الحضّار لذلك تكبيرات ثلاثاً» (2).

فأنت ترى أنّ جدّه الأكيد و اهتمامه الناشئ عن تعبّده بالإسلام العزيز و تأكيده على لزوم أن يبقى و يعمل بالأحكام الإلهيّة أوجب عليه أن يُبدئ و يسلّم هذه الجملة المباركة لتكون سبباً لكون جميع القوانين و المقرّرات المعمول بها في النظام الإسلاميّ موافقةً للأحكام الإلهيّة. (قدّس اللّٰه تعالى سرّه الشريف) و زاد عنه رضاً.

نكتفي بهذا المقدار القليل في البحث عن الجهة الدينيّة لحياته المباركة.

و أمّا من جهة الغور في المسائل العلميّة و تعليم العلوم الدينيّة فكان من المشهورين عند أرباب العلم بالدقّة و التعمّق، بل كان درسه الخارج في هذه الأواخر‌

____________

(1) كتاب مشروح المذاكرات: المجلّد الأوّل الجلسة الثالثة عشر ص 9- 268 و 171.

(2) المصدر السابق: الجلسة الرابعة عشر ص 297.

17

يعدّ أوّل درس عميق في الحوزة المباركة، و لا سيّما من بعد ابتعاد السيّد الاستاذ الإمام الخمينيّ (قدس سره) عن بلد إيران إلى النجف الأشرف بأمر الحكومة الطاغوتيّة و من بعد وفاة السيّد المعظّم السيّد محمّد المحقّق الداماد (قدس سره) في أواخر سنة 1347 ه‍. ش، و لذلك كان الطلّاب و الأفاضل الطالبون للتعمّق الأكيد في العلوم يحضرون درسيه خارج الفقه و الاصول، فقد كان (قدس سره) يطرح المسألة و الأدلّة النقليّة أو العقليّة ممّا استدلّ بها السلف و ممّا يمكن الاستدلال به و يحكي كلمات العلماء البارزين الماضين و لو بالإجمال و يذكر المناقشات الّتي يراها على كلماتهم مناقشات عديدة و يذكر مختاره بالدليل عليه، و مع ذلك كلّه فكان مجتنباً عن إطالة الكلام أزيد من المحتاج إليه، و لذلك فقد كان الحاضرون من الأفاضل المستعدّون للاستفادة منه واصلين على مبتغاهم و مرتفعين من الجهات العلميّة حدّاً عالياً مطلوباً، و مع ذلك كلّه فقد كان هو (قدس سره) في كمال التواضع للطلّاب بل لجميع الناس ممّن يواجهه.

و أنّه (قدس سره) كان يكتب ما درّسه و ألقاه على تلاميذه بما فيه من المناقشات المطروحة منه أو من الحضّار و الأجوبة الدقيقة عنها فتكون كتبه أيضاً إبقاءً لدرسه العميق، بل ربما كانت أثمر منه، لحذف ما يراه زائداً و ذكر ما رآه صحيحاً بدقّة نهائيّة.

و لكن هذا الرجل العالم المحقّق الزاهد المتّقي الكثير الثمار لبّى داعي الحقّ ليلة الخميس الرابع و العشرين من شهر جمادى الثانية سنة 1406 ه‍. ق المصادفة لليوم الخامس عشر من شهر اسفند سنة 1364 ه‍. ش و ابتليت الحوزة العلميّة المباركة و مدينة قمّ- عاصمة العلم- بل جميع البلاد الإسلاميّة بهذا البلاء، و أثار خبر وفاته موجة الحزن و الأسى في كافّة البلاد، و انهالت الجماهير الكثيرة من داخل مدينة قمّ و من البلاد الاخر إلى تشييع جسده المبارك، فكان يوماً مشهوداً قلّ ما يشهد في هذه المدينة المباركة، اللّهم إلّا في تشييع المراجع الدينيّة، و نقل جثمانه الشريف بمزيدٍ من الأسف و الحزن و الأسى إلى حرم السيّدة فاطمة المعصومة (عليها السلام) فاودع في‌

18

جوارها تحت رجلي والده العظيم (قدّس اللّٰه سرّهما) و زاد اللّٰه عنهما رضاً.

و لقد أعلن السيّد الإمام الخمينيّ (قدس سره) حزنه الأكيد بإعلانٍ عامّ من وسائل الإعلام الرسميّة فكان في رثائه:

«بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، إنَّا للّٰهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إنّ الارتحال المؤسف لحضرة آية اللّٰه الحاجّ الشيخ مرتضى الحائريّ (رحمه اللّٰه) أوجب كمال التأسّف و التأثّر، إنّه بحقّ كان في العلم و العمل خلفاً جليلًا للمرحوم آية اللّٰه العظمى الاستاذ المعظّم حضرة الحاجّ الشيخ عبد الكريم الحائريّ (رحمه اللّٰه) و كفى به شرفاً و سعادةً. إنّني منذ أوائل تأسيس الحوزة العلميّة الكثيرة الثمار بقمّ- الّتي اسّست باليد المباركة لوالده العظيم الشأن و صارت موجبةً لتلك البركات- كنت أعرفه، و بعد مضيّ مدّة صرت معاشراً و صديقاً حميماً له من قريب، و في جميع هذه المدّة الطويلة للمعاشرة له لم اشاهد منه إلّا خيراً و إلّا سعياً و جهداً في إتيان الوظائف العلميّة و الدينيّة. إنّ هذا الشيخ الجليل علاوةً عن مقام الفقاهة و العدالة كان متّصفاً بنحوٍ مطلوب بصفاء الباطن و من أوائل النهضة الإسلاميّة بإيران كان من الأشخاص المتقدّمين في هذه النهضة المقدّسة، جزاه اللّٰه عن الإسلام خيراً» (1).

فكلمات سيّدنا الإمام (قدس سره) مع ما كان عليه من العرفان و الدقّة و التقوى و العلم دالّة على اتّصاف شيخنا المترجم له (قدس سره) بكلا شطري العلم و العمل بأحسن وجه، فرضوان اللّٰه تعالى عليه و على أبيه و على السيّد الإمام.

هذا الكتاب:

قد أشرنا إلى أنّه (قدس سره) كان يكتب حاصل بحثه بعد كلّ درس، و ربما أوجبت هذه العادة الحسنة النظر ثانياً في ما كتبه مرّةً ثانية كما في المباحث الاصوليّة، فإنّه (قدس سره) في الدورة الثانية لتدريسها علّق على ما أفاده و كتبه في الدورة الاولى و صار نوراً على نور.

____________

(1) صحيفة الإمام: المجلّد 20 ص 10 الطبعة الثانية.

19

فهذا الكتاب الّذي بين يديك شرحٌ منه على كتاب العروة الوثقى للسيّد الفقيه اليزديّ (قدس سره) من أوّل مبحث الاجتهاد و التقليد، و الناظر المتأمّل فيه يراه شاهد صدقٍ على ما أشرنا إليه من دقّته التامّة في المسائل العلميّة.

و هو (قدس سره) قبل وفاته بمدّة قد أذن في كتاب خاصّ للعالم التقيّ حجّة الإسلام و المسلمين الحاجّ الشيخ محمّد حسين أمراللّهيّ اليزديّ دامت إفاضاته بالإشراف على طبع كتبه، و هو دام عزّه قد راعى الدقّة التامّة في تصحيح طبعه و في استخراج المصادر للآيات المباركات و الروايات و للإرجاعات و في تطبيق العبارات المنقولة مع مصادره فوفّقه اللّٰه تعالى و أدام عمره و زاد توفيقه في إعداد جميع ما برز من قلم الشيخ المحقّق (قدس سره) ليزداد حظّ الفضلاء و العلماء من جميع كتبه و ليكون صدقةً جاريةً للمؤلّف و المعدّ و سائر مَن يعين على هذا المشروع المبارك إنّه تبارك و تعالى سميع الدعاء قريبٌ مجيب.

محمّد المؤمن‌

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

فصل في الاجتهاد و التقليد

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و إيّاه نعبد و إيّاه نستعين، ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير‌

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا خاتم النبيّين، محمّد و آله الطاهرين، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و على الملائكة المقرّبين،

و رحمة اللّٰه‌

و بركاته.

24

قال (قدس سره) في العروة الوثقى:

[مسألة 1 كلّ مكلّف يجب أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً]

مسألة 1- يجب على كلّ مكلّف في عباداته (1) و معاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلّداً أو محتاطاً.

____________

(1) قيل: إنّ الوجوب المذكور عقليّ و مدركه أمران:

أحدهما: حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل.

ثانيهما: حكمه بوجوب شكر المنعم.

أمّا الأوّل فهو واضح في صورة وجود العلم الإجماليّ في خصوص المسألة (كما إذا علم المكلّف المقيم في بلدٍ عشرةَ أيّام إذا سافر إلى مادون المسافة- من جهة جهله بالمسألة- بأنّه يجب عليه إمّا القصر و إمّا الإتمام) و كذا في صورة تحقّق العلم الإجماليّ الكبير بوجود واجبات و محرّمات في الشريعة.

و لكنّ المدّعى أعمّ من ذلك، فيعمّ صورة عدم تحقّق العلم الإجماليّ من جهة انحلاله إمّا بالاجتهاد أو بالتقليد، فإنّ المدّعى في هذه الصورة أيضاً عدم جريان البراءة أو استصحاب عدم التكليف، بل لا بدّ إمّا من الاحتياط أو التقليد أو الاجتهاد.

و الوجه فيه: احتمال التكليف المنجّز، لعدم المؤمّن للتكليف الإلزاميّ المحتمل في البين، لأنّ المؤمّن ينحصر في الأمرين: الأصل العقليّ و الشرعيّ، و كلاهما غير‌

25

..........

____________

جاريين في المقام. أمّا الأوّل فلأنّ الموضوع فيه عدم البيان الّذي يمكن الوصول إليه بعد الفحص بمقدار يطمئنّ النفس بعدم الظفر بالدليل، و هذا المعنى غير محرز التحقّق في المقام، و هو واضح. و أمّا الثاني فلأنّ ما دلّ على وجوب التعلّم و التفقّه في الدين الآمر بوجوب تحصيل العلم بالحكم الواقعيّ أو الظاهريّ يقتضي تنجّزَ التكليف المتحقّق في البين و عدمَ جريان الاصول النافية للتكليف الفعليّ، و إلّا لما وجب تحصيل العلم أو العلميّ، و هو واضح لا سترة عليه.

و أمّا الثاني فبيانه أنّ العقل يحكم بلزوم شكر المنعم، و شكره ليس منحصراً بصرف العبد جميع ما أنعمه اللّٰه في ما خلق لأجله حتّى يقال: إنّ اقتحامَ العبد في الموضوع المشكوك حرمته أو تركَه للفعل المحتمل وجوبه قبل الفحص عن الحكم الإلزاميّ المحتمل لا يكون منافاته مع شكر المنعم محرزاً، لاحتمال الإباحة و عدم الحرمة أو الوجوب، بل المقصود من التعريف بما ذكر بيان مصداقه الشائع الجليّ، فمفهوم الشكر- الّذي هو موضوع حكم العقل- تقدير نعم المولى و عدم تضييع حقوقه بإهمال أوامره و نواهيه، و هذا أيضاً يقتضي التعرّض لما يحتمل تعلّق الحكم الإلزاميّ به من جانب المولى، فإنّه شكر للمنعم، و اهمالُ تكاليفه المحتملة المنجّزة منافٍ للشكر كما لا يخفى. هذا.

و لكن فيهما نظر:

أمّا الأوّل [و هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل] فلعدم حكم العقل بذلك إلّا بعد العلم بوجوب التعلّم، فإنّه لو لا ذلك لا يحكم العقل بوجوب التعرّض للأحكام الإلزاميّة المحتملة، لوجود المؤمّن من إطلاق حديث الرفع (1) و ما يحكم بحرمة نقض اليقين بالشكّ (2) الدالّ على استصحاب عدم التكليف الإلزاميّ، فوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط ثبت بوجوب التعلّم، حيث إنّ مفاده تحصيل العلم بالطريق لتحصيل المؤمّن، لأنّ وجوبه طريقيّ لم يجعل إلّا لذلك و هو يقتضي إمّا الاحتياط و إمّا الاجتهاد و إمّا التقليد. نعم، بعد ثبوت وجوب التعلّم يحكم العقل أيضاً بوجوب أحد هذه الامور‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 11 ص 295 ح 1 من ب 56 من أبواب جهاد النفس.

(2) مثل ما في وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

26

[مسألة 2- الأقوى جواز العمل بالاحتياط]

مسألة 2- الأقوى جواز العمل بالاحتياط (1) مجتهداً كان أولا، لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط، بالاجتهاد أو بالتقليد.

____________

على سبيل منع الخلوّ، لتحقّق ملاكه و هو احتمال الضرر. و منه يظهر أنّ حكم العقل بعد الحكم الشرعيّ ليس من باب الملازمة بين حكم الشرع و حكم العقل، حيث لا يدرك العقل ملاك حكمه إلّا إجمالًا، بخلاف المقام فإنّه يدرك ملاك حكمه تفصيلًا، فهو كحكم العقل بوجوب الاحتياط في بعض موارد الشبهة البدويّة بعد حكم الشارع به؛ فتحصّل أنّ الوجوب المذكور ليس عقليّاً صِرفاً كما توهّم، بل هو وجوب شرعيّ ثمّ عقليّ.

و أمّا الثاني [و هو حكم العقل بوجوب شكر المنعم] فلأنّ العقل و إن كان حاكماً بحسنه لكنّ الحكم بلزومه خصوصاً بالنسبة إلى اللّٰه تعالى الكامل بذاته غير المستكمل بغيره من الممكنات غير واضح.

و الحاصل: أنّ إطاعة اللّٰه مع قطع النظر عن وجود المصلحة الإلزاميّة و مع غمض النظر عن ترتّب الضرر الأُخرويّ على الترك و مع قطع النظر عن كونه تعالى أهلًا لذلك بل من باب شكر المنعم مع فرض عدم تأثيره بالنسبة إليه تعالى و إن كان حسناً بضرورةٍ من العقل إلّا أنّ لزومه غير واضح عندي.

و بعد وضوح المدرك في المسألة تتّضح امور:

منها: عدم انحصار الحكم بالعبادات و المعاملات بالمعنى الأخصّ، بل المقصود منها- أي من المعاملات- غير العبادات.

و منها: اختصاصه بما يحتمل تعلّق الحكم الإلزاميّ به، و لا وجه للوجوب في ما لا يحتمل الوجوب أو الحرمة.

و منها: أنّ الوجوب ليس تخييريّاً، بل هو على سبيل منع الخلوّ، فلا ينتقض التخيير بالمجتهد، فإنّه غير مخيّر بين الامور الثلاثة بل هو مخيّر بين الاجتهاد و الاحتياط.

و منها: اختلال ما في رسالة الوسيلة للفقيه السيّد الأصفهانيّ (قدس سره) من أنّ «غير البالغ مرتبة الاجتهاد يجب عليه إمّا الاحتياط و إمّا التقليد»، فإنّه يجب عليه إمّا الاجتهاد و إمّا الأمران المذكوران على سبيل منع الخلوّ.

(1) لا شبهة و لا خلاف في جواز الاحتياط بعد تحقّق موضوعه، من غير فرق‌

27

..........

____________

بين العبادات و المعاملات، لأنّ الجواز بمعنى الاكتفاء بالاحتياط في سقوط الأمر الواقعيّ المعلوم أو المحتمل بعد تحقّق الاحتياط- بمعنى الإتيان بمتعلّق الغرض الواقعيّ و ما هو مورد للإرادة الجدّيّة المولويّة- من صغريات إجزاء الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعيّ على وجهه عنه، و هو ضروريّ عند العقل، و لا يحتاج جواز الاحتياط بهذا المعنى إلى التقليد، و لا يكون من المسائل الخلافيّة.

و لم ينقل الخلاف أيضاً في إمكان الاحتياط في غير العبادات ممّا لا يحتاج سقوط أمره إلى قصد التقرّب و الامتثال.

و أيضاً لم يعهد الخلاف في جواز الاحتياط بمعنى عدم حرمته في نفسه، و إن كان مقتضى بعض الوجوه الّتي يذكر لبطلان عبادة المحتاط حرمةَ الاحتياط في التوصّليّات، و مقتضاه أيضاً حرمته في العبادات على تقدير تحقّقه. و سيجي‌ء التنبيه عليه في طيّ ذكر الوجوه الدالّة على بطلان الاحتياط.

و الّذي يكون محلّاً للبحث و الكلام هو جواز الاحتياط بمعنى إمكانه في العبادات، فنقول:

قد استظهر الشيخ المحقّق الانصاريّ في رسالة القطع ثبوت الإجماع على بطلان عبادة من يكرّرها للاحتياط إذا كان متمكّناً من تحصيل العلم التفصيليّ (1)؛ و أمّا في غير صورة التكرار فاستظهر أيضاً ذهاب المشهور إلى البطلان، بل استظهر من عبارة السيّد الرضيّ و تقرير السيّد المرتضى (رضوان اللّٰه عليهما) ثبوت الإجماع عليه أيضاً 2.

و ما يمكن الاستدلال به للبطلان في الصورة الاولى- و هي صورة التكرار- وجوه:

الأوّل: الإجماع، كما تقدّم استظهاره من الشيخ العلّامة الأنصاريّ و حكاه عن بعض 3.

الثاني: كون التكرار لعباً و عبثاً بأمر المولى.

الثالث: إخلاله بقصد الوجه من الوجوب أو الاستحباب، فإنّ القصد المذكور لا يتحقّق إلّا مع الجزم بالوجه، و أمّا مع الشكّ فيه فلا يتحقّق التقيّد المذكور لا بنحو الاتّصاف و لا بنحو الداعي و الغاية.

____________

(1) 1 و 2 و 3 فرائد الاصول: ص 15.

28

..........

____________

الرابع: إخلاله بالتمييز، فإنّ ذكر عدّة من الفقهاء اشتراط التمييز في صحّة العبادة و إن لم يكن دليلًا على الاعتبار إلّا أنّ احتمال الاعتبار كافٍ في وجوب مراعاته عقلًا، لعدم جواز رفع الاحتمال بإطلاق العبادة، فإنّ العلم بالوجوب إنّما يتحقّق في المرتبة المتأخّرة عن الوجوب فلا يمكن أخذه في متعلّق الأمر، و ما لا يمكن أخذه قيداً في متعلّق الأمر لا يمكن التمسّك بإطلاق المتعلّق لنفيه، فإنّ التمسّك بالإطلاق لرفع احتمال قيديّة ما يمكن قيديّته لا ما لا يمكن ذلك كما حقّق في محلّه. و لا يمكن التمسّك بالبراءة العقليّة و لا الشرعيّة لرفعها، كما صرّح بذلك المحقّق الخراسانيّ في التعليقة (1) و في الكفاية (2)، فلا بدّ من تحصيل القيد المذكور، لاحتمال دخالته في الغرض.

الخامس: إخلاله بقصد الأمر، فإنّه و إن لم يعتبر قصد الوجه من الوجوب أو الندب إلّا أنّ قصد الأمر و كونه داعياً للعمل و محرّكاً نحوه ممّا يعتبر في العبادات بلا ريب و لا خلاف، و مع احتمال الأمر لا يكون الداعي إلّا الاحتمال، فإنّ وجود الأمر و عدمه في هذه الصورة سيّان، فليس المحرّك و الداعي إلّا الاحتمال دون الأمر. هذا.

و لكن في الكلّ نظر و إشكال:

أمّا الأوّل فلأنّ المسألة غير معنونة في جميع كتب الفقهاء، فإنّ صاحبي الشرائع و القواعد لم يذكرا في باب الوضوء و الغسل و التيمّم و الصلاة و الزكاة إلّا اشتراط النيّة في العبادة و قصد القربة و إتيانها لوجوبها أو لندبها، و ذكروا في بعض الموارد التعيينَ. و أمّا عدم التكرار بحيث يكون استلزام الاحتياط للتكرار من موانع العبادة فغير مذكور- في ما أعلم- في كتب القوم فكيف يمكن دعوى الإجماع على ذلك؟!

و لعلّ منشأ الوثوق بالإجماع ملاحظة سيرة العلماء بل و المسلمين كافّة على الاجتهاد أو التقليد كما يومئ إليه بعض عبائر الشيخ العلّامة الأنصاريّ، و من المعلوم أنّ السيرة ليست إلّا لمشقّة الاحتياط، و أنّ المجتهد وظيفته الاجتهاد و بيان الحكم للناس، و لا معنى له أن يحتاط أو يأمر بالاحتياط.

مضافاً إلى أنّه على فرض تحقّق الإجماع فلعلّه كان مدرك أكثر المجمعين اشتراط‌

____________

(1) درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: ص 51.

(2) كفاية الاصول: ص 98 و 99.

29

..........

____________

قصد الوجه و دخالته في العبادة، لا أن يكون عدم التكرار شرطاً مستقلّاً في العبادة.

و أمّا الثاني: فإن كان المقصود حرمة التكرار لأجل الاحتياط من باب انطباق عنوان اللعب عليه.

ففيه: أنّه ربما يكون الفحص مستلزماً للمشقّة أو لطول المدّة فيكون التكرار معلولًا لجهة عقلائيّة، فلا ينطبق عليه عنوان اللعب حتّى يكون حراماً؛ مضافاً إلى أنّه لا دليل على حرمة اللعب.

و إن كان المقصود أنّ التكرار مستلزم لكون مورد اللعب أمر المولى، و ذلك هتكٌ بالنسبة إلى المولى، و هو حرام و إن لم يكن اللعب حراماً مطلقاً.

ففيه: أنّ ذلك في ما لم يكن له داعٍ عقلائيّ إلى اختيار تلك الخصوصيّة من طريق الامتثال إلّا اللعب؛ مضافاً إلى أنّ انطباق عنوان المحرّم على العبادة موجب لبطلانها على فرض القول بالامتناع، و أمّا على فرض الاجتماع فالبطلان الّذي هو المبحوث عنه في المقام محلّ منع كما عرفته.

و إن كان المقصود أنّ اللعب مضرّ بعباديّة العبادة من باب احتياج العبادة إلى قصد التقرّب و الإخلاص، ببيان أنّه لو لم يكن للمكلّف مقصود سوى اللعب أو كان قصد الامتثال في طول قصد اللعب فقصد القربة غير متحقّق في العمل، فتأمّل. و إن كان المقصود كلا الأمرين من الامتثال و اللعب فالإخلاص غير متحقّق، فبطلان العبادة حينئذٍ من جهة فقد القربة أو الإخلاص لا من جهة انطباق العنوان المحرّم عليه.

ففيه: ما ذكر سابقاً من عدم قصد اللعب غالباً و إنّما هو صِرف فرضٍ، و على تقدير تحقّقه فإضراره بالعبادة متوقّف على كون اللعب مستقلّاً في الداعويّة بالنسبة إلى أصل العمل الخاصّ، و أمّا لو كان تبعاً لقصد الإطاعة و تكون داعويّته في الرتبة المتأخّرة عن داعويّة الامتثال أو كان مستقلّاً لكن بالنسبة إلى نفس اللعب لا بالنسبة إلى اللعب بهذه الخصوصيّة فإضراره بالعبادة ممنوع؛ بل يمكن أن يقال: إنّه لو كان قصد اللعب مستقلّاً في الداعويّة إلى أصل العمل الخاصّ أيضاً و كان قصد الامتثال مستقلّاً في الداعويّة أيضاً بحيث يصلح كلّ منهما للتأثير في إيجاد العمل فإضراره بالعبادة أيضاً محلّ‌

30

..........

____________

إشكال، كما يستفاد من المصنّف في باب الوضوء (1) و إن أورد عليه الوالد الاستاذ العلّامة (2). و كيف كان، فالإشكال في الاحتياط المستلزم للتكرار من هذه الجهة ضعيف جدّاً.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّه لو كان ملاك الشبهة حرمةَ اللعب مطلقاً أو إذا كان راجعاً إلى أمر المولى فمقتضاه حرمة التكرار، و مقتضى ذلك سراية الإشكال إلى التوصّليّات إذا كان الاحتياط فيها مستلزماً للتكرار، و مقتضاه حرمة الاحتياط فيها تكليفاً و إن كان جائزاً وضعاً كما لا يخفى. و هذا ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ مقتضى بعض الوجوه ببعض التقريبات حرمة الاحتياط لكنّه لم ينقل القول به من أحد من الأعلام.

و أمّا الثالث: فإن كان المقصود من قصد الوجه لحاظ كون العبادة متّصفةً بوجهها من الوجوب أو الندب و إن لم يكن الداعي هو الوجوب في الواجب أو الاستحباب في المندوب بل كان الداعي أصل الأمر.

ففيه أوّلًا: عدم إخلال الاحتياط بذلك، بل يمكن لحاظ اتّصاف أحدهما بالوجوب في صورة العلم الإجماليّ فيأتي بالفردين المتّصف أحدهما بالوجوب، و في صورة عدمه يمكن الإتيان بمحتمل الوجوب مع لحاظ اتّصافه بالوجوب لو كان واجداً للمصلحة الإلزاميّة.

و يؤيّد ما ذكرناه قول العلّامة و المحقّق (رضوان اللّٰه عليهما) في القواعد و الشرائع في باب الزكاة بالنسبة إلى المال الغائب المحتمل وجوده و تلفه بأنّه لو قال: «إن كان مالي الغائب باقياً فهذه زكاته، و إن كان تالفاً فهي نفلٌ أجزأ» (3). و هذا دليل على عدمِ توقّف قصد الوجه على التمييز و عدمِ احتياج العبادة إلى التمييز في نفسها أيضاً.

و ثانياً: عدم الدليل على لزومه؛ و كفاية صِرف الاحتمال في لزوم الإتيان به ممنوعة جدّاً كما يأتي بيانه إجمالًا.

____________

(1) العروة الوثقى: فصل في شرائط الوضوء، الشرط الثالث عشر.

(2) كتاب الصلاة لآية اللّٰه الحائريّ المؤسّس (قدس سره) الشريف: ص 132 و 133.

(3) قواعد الأحكام: ج 1 ص 354. و قريب منه ما في شرائع الإسلام: ج 1 و 2 ص 128.

31

..........

____________

و إن كان المقصود اعتبار قصد الوجوب في مقام الداعي- بأن يكون الداعي للمكلّف في الواجبات الأمرَ الوجوبيّ- فتكون إرادة الفعل معلولةً للحاظ الأمر الوجوبيّ بما هو وجوبيّ لا بما هو أمر، و كذا في المستحبّات.

ففيه أوّلًا: إن كان المقصود من الداعويّة أن يكون الأمر الوجوبيّ بوجوده الواقعيّ داعياً فهذا غير متحقّق حتّى في صورة العلم، و إن كان المقصود أنّ الأمر الوجوبيّ داعٍ بوجوده الإدراكيّ فهذا متحقّق في صورة الاحتمال أيضاً. و الفرق بينهما أنّ الإدراك في الفرض الأوّل تامّ و في الثاني ناقص لكنّهما مشتركان في عدم استناد التحرّك إلى الواقع بل إلى الوجود الذهنيّ الحاكي عن الخارج، و لا دليل على لزوم كون الإدراك تامّاً.

و ثانياً: على فرض الإخلال به لا دليل على لزوم الوجه على هذا النحو أيضاً.

إن قلت- كما قيل-: إنّ احتمال دخالة قصد الوجه في الغرض من الأمر كافٍ في لزوم مراعاته، فإنّه ممّا يأتي من قبل الأمر، و لا يمكن أخذ ما يأتي من قبل الأمر في متعلّقه، و حيث لا يمكن التقيّد لا يمكن الإطلاق أيضاً، لأنّ من مقدّماته إمكان التقيّد.

و لا يمكن التمسّك بالبراءة العقليّة و لو قيل في الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين بها، فإنّ حدود المأمور به فيه مشكوك، بخلاف المقام فإنّ المأمور به بحدوده و قيوده معلوم و مبيّن، و إنّما الشكّ في سقوط الأمر المتعلّق بالمأمور به.

و بعبارة اخرى: الشكّ في مبحث الأقل و الأكثر و إن كان أيضاً في السقوط- لأنّ تعلّق الأمر بالمتيقّن معلوم و سقوطه مشكوك- إلّا أنّه مسبّب عن الشكّ في ثبوت التكليف بالنسبة إلى الجزء المشكوك، و الشكّ في سقوط التكليف إذا كان مسبّباً عن الشكّ في ثبوت التكليف فليس مجرى لقاعدة الاشتغال، و هذا بخلاف المقام، فإنّ الشكّ في السقوط هنا ليس مسبّباً عن تعلّق التكليف بالجزء المشكوك و عدمه، بل هو مسبّب عن دخالة قصد الوجه في الغرض و عدمه، و هو مجرى الاشتغال. و أمّا البراءة الشرعيّة فهي غير جارية أيضاً، من جهة أنّ دخالته في المأمور به مقطوع العدم، فليس الشكّ فيه من هذه الجهة، و أمّا دخالته في الغرض و إن كان غير معلوم إلّا أنّه ليس ممّا يقبل الرفع، لأنّه أمر واقعيّ تكوينيّ لا يرتفع بالرفع التشريعيّ.

32

..........

____________

قلت: قد حقّقنا في الاصول جواز التمسّك بالإطلاق لإثبات عدم دخالة قصد الوجه، و ذلك لما أثبتناه من قابليّة أخذه قيداً في المأمور به، و تفصيله موكول إلى محلّه.

و أمّا الإشكال في جريان البراءة فمدفوعٌ:

أوّلًا بأنّه بعد صلاحيّة أخذه في المأمور به يصير من مصاديق الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين.

و ثانياً بأنّه على فرض عدم الإمكان و احتمال دخالته في الغرض و كون المأمور به ما عدا تلك الامور الآتية من قبل نفس الأمر فلا ريب أنّه لا معنى لبقاء الأمر بعد الإتيان بمتعلّقه، فإنّه من طلب الحاصل، فإن كان الغرض باقياً فلا بدّ من تحقّق أمر آخر، فالشكّ في دخالته في الغرض موجب للشكّ في تعلّق أمر آخر بعد سقوط الأمر الأوّل بالضرورة، و هو مجرى البراءة بلا إشكال.

و ثالثاً بأنّ الشكّ في السقوط و لو كان مسبّباً عن دخالة شي‌ء في الغرض و لكن إذا كان البيان بيد الشارع فالظاهر بل المقطوع جريان قبح العقاب من غير البيان، لأنّ موضوعه غير منحصر بالتكليف بل يجري في كلّ ما يترتّب عليه العقاب و كان بيانه بيد الشارع، فإنّ العقاب على شي‌ء من دون البيان على لزومه و لو في مقام اللبّ قبيح عند العقل كما في المحصّلات الشرعيّة، فإنّ الشكّ في سقوط الأمر المتعلّق بالمحصّل إذا كان مسبّباً عن دخالة شي‌ء في حصوله و كان بيانه بيد الشارع يجري فيه قبح العقاب من غير البيان. هذا بالنسبة إلى البراءة العقليّة.

و أمّا البراءة النقليّة فهي واضح الجريان على فرض إمكان أخذه في متعلّق الأمر و كذا على مسلك عدم الإمكان و الاحتياج إلى أمر جديد على فرض الدخالة في الغرض؛ و أمّا على مسلك المحقّق الخراسانيّ من بقاء الأمر الأوّل فعلى فرض جريان البراءة النقليّة نقول: إنّ دخالته في الغرض الفعليّ مشكوك فهو مرفوع بأثره من إيجاب الاحتياط، فإنّ دخالته في الغرض و إن كان أمراً تكوينيّاً غير قابل لتعلّق الرفع التشريعيّ به إلّا أنّه قابل للرفع بلحاظ أثره الّذي هو إيجاب الاحتياط، فهو نظير جريان حديث الرفع في الموضوع المشتبه و نظير جريان الاستصحاب في الموضوعات. و أمّا على‌

33

..........

____________

فرض عدم جريان البراءة العقليّة و وجوب الاحتياط عند العقل فهو مرفوع أيضاً مستلزم للترخيص، فتأمّل. و يمكن التمسّك ب‍‌

«كلّ شي‌ء هو لك حلال ...»

(1) و قوله (عليه السلام):

«الناس في سعة ما لم يعلموا»

(2) الظاهر في الترخيص المستلزم لعدم جريان الاحتياط العقليّ، فتأمّل فإنّه لا يخلو عن الدقّة.

هذا كلّه لو كان المقصود من قصد الوجه قصد الوجوب توصيفاً أو غايةً و داعياً كما يظهر من بعض الكلمات.

و منه يظهر عدم الإشكال في الاحتياط لو كان المقصود منه قصد المصلحة، كما يظهر من عبارة القواعد إطلاقه على قصد المصلحة، حيث قال في باب الوضوء: «و أن يوقعه لوجوبه أو ندبه أو لوجههما على رأي» (3) فإنّه أقلّ إشكالًا من قصد الوجوب أو الندب كما لا يخفى.

و أمّا الرابع: فإن كان المقصود أنّه شرط مستقلّ في صحّة العبادة في قبال قصد الوجه، ففيه: ما عرفت من عدم الدليل و عدم كفاية الاحتمال في وجوب مراعاته.

و إن كان اعتبار التمييز من جهة دخالته في تحقّق قصد الوجه وصفاً أو غايةً فقد عرفت ما فيه أيضاً.

نعم، يمكن القول بلزوم تمييز العبادة في بعض الموارد إذا لم يكن المأمور به متميّزاً في الواقع بنفسه، كما لو كانت في ذمّة المكلّف صلاة الصبح أداءً و قضاءً، فإن أتى بأصل صلاة الصبح بدون تمييزه من جهة الأداء و القضاء فهو غير متميّز بنفسه في الواقع فلا ينطبق عليه المأمور به الأدائيّ و لا القضائيّ، لعدمِ التعيّن الواقعيّ و استحالةِ الترجّح بلا مرجّح.

و قد يتوقّف على التمييز من حيث الوجوب أو الاستحباب، كما لو كان في ذمّته غنم من باب الزكاة فإنّه لو أدّى الغنم قربةً إلى اللّٰه تعالى من دون قصد الوجوب أو الاستحباب فانطباق العنوان الواجب عليه و كذا المستحبّ مشكل، لعدم الترجيح. هذا لو قلنا بأنّه ليست الزكاة إلّا ما يؤتى به بعنوان الوجوب من دون أن يكون له عنوان خاصّ، فتأمّل.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 12 ص 60 ح 4 من ب 4 من أبواب ما يكتسب به.

(2) عوالي اللآلئ: ج 1 ص 424 ح 109.

(3) قواعد الأحكام: ج 1 ص 199.

34

..........

____________

و الحاصل: أنّ احتياجَ بعض الموارد إلى التمييز من حيث الوجوب أو الاستحباب لعدم التميّز الواقعيّ غيرُ اشتراط العبادة مطلقاً بقصد الوجه و التمييز.

و أمّا الخامس ففيه أوّلًا: أنّه أخصّ من المدّعى، إذ لا يدلّ على البطلان في صورة القطع بتحقّق الأمر و لكن لم يعلم أنّه وجوبيّ أو ندبيّ.

و ثانياً: أنّه لا دليل على اعتبار قصد الأمر، بل قوام العبادة بكونها للّٰه تعالى المتحقّق بداعي الأمر المعلوم و المحتمل.

و ثالثاً: ما عرفت في قصد الوجه غايةً و داعياً: من أنّ الأمر لا يمكن أن يكون داعياً بوجوده الواقعيّ، و أمّا الوجود الإدراكيّ فهو متحقّق في صورة الاحتمال أيضاً.

ثمّ إنّه قد ذكر في تقريرات المرحوم النائينيّ- بعد الاستناد لبطلان العبادة في صورة استلزامه التكرار بما ذكر- أنّه لو شكّ في ذلك فالقاعدة تقتضي الاشتغال، لدوران الأمر بين التعيين و التخيير، فإنّ إتيان الصلاة بداعي الأمر المعلوم مسلّم الصحّة، و أمّا إتيانها بداعي الاحتمال فهو مشكوك، فالأمر يدور بين التخيير بين الأمرين و تعيّن الأمر الأوّل (1).

و فيه: أنّه لو ورد الدليل على صحّة إتيان العبادة بداعي الأمر المعلوم بحيث كانت الخصوصيّة داخلةً تحت الأمر كان الأمر كما ذكره، لكنّه ليس كذلك، بل المتيقّن في العبادات إتيانها على وجه التقرّب إلى اللّٰه تعالى الحاصل بكلا الأمرين، و الشكّ في دخالة خصوص الأمر الأوّل شكٌّ في القيد الزائد و هو مجرى البراءة، لأنّ المقام من صغريات المطلق و المقيّد لا من مصاديق التعيين و التخيير، فإنّ الثانيَ في ما إذا تعلّق الأمر بالخصوصيّة و شكّ في عِدليّة خصوصيّة اخرى، و الأوّلَ في ما إذا تعلّق الأمر بالمطلق و شكّ في دخالة القيد الزائد، و فرقٌ واضح بين المقامين.

ثمّ إنّه لا وجه- على ما ذكره- للتفصيل بين صورة استلزام الاحتياط التكرار و عدمه، لأنّه في جميع موارد الاحتياط يكون الإتيان بالعبادة بداعي الاحتمال حتّى في صورة احتمال دخالة شي‌ء في المأمور به جزءاً أو شرطاً، فإنّ العلم بالأمر و إن كان حاصلًا إلّا أنّه لا يصلح للداعويّة إلّا بالنسبة إلى الأجزاء المعلوم دخالتها، و أمّا الجزء المحتمل‌

____________

(1) فوائد الاصول: ج 3 ص 73.

35

[مسألة 3- قد يكون الاحتياط في الفعل]

مسألة 3- قد يكون الاحتياط في الفعل، كما إذا احتمل كون الفعل واجباً و كان قاطعاً بعدم حرمته، و قد يكون في الترك، كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعاً بعدم وجوبه، و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار، كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام.

[مسألة 4- الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار]

مسألة 4- الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد.

[مسألة 5- في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلّداً]

مسألة 5- في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلّداً، لأنّ المسألة خلافيّة (1).

____________

فيؤتىٰ بداعي الاحتمال، و هو واضح.

هذا تمام الكلام في المسألة، و قد تحقّق بذلك إمكان الاحتياط في العبادات و لو في صورة استلزامه التكرار. و منه يظهر صحّة العبادة الاحتياطيّة في غير الصورة المذكورة أيضاً بالأدلّة، فلا حاجة إلى إطالة الكلام زائداً على ذلك، و اللّٰه تعالى هو العالم.

(1) أقول: قد تحصّل من توضيح القول في المسألة السابقة أنّ جواز الاحتياط بمعنى الاكتفاء عن الواقع المعلوم أو المحتمل مع فرض تحقّق الاحتياط ضروريّ لا يحتاج إلى الاجتهاد أو التقليد و ليس خلافيّاً؛ و أمّا الجواز في مقابل الحرمة فهو أيضاً غير خلافيّ لكنّه ليس ضروريّاً.

و أمّا إمكان الاحتياط ففي التوصّليّات لا إشكال و لا خلاف في تحقّقه، لكنّه ليس من الضروريّات بحيث لا يحتمل العاميّ خلافه في جميع الموارد، ففي الموردين المذكورين لا بدّ من التقليد للعاميّ؛ و أمّا إمكانه في العبادات فلا بدّ فيه إمّا من التقليد أو الاجتهاد، و المسألة خلافيّة أيضاً.

ثمّ إنّ التعليل للاجتهاد و التقليد بأنّ المسألة خلافيّة ليس من جهة «أنّ نفس تلك الجهة علّةٌ للاجتهاد أو التقليد و إذا كانت المسألة إجماعيّةً فلا يجب الاجتهاد أو التقليد» حتّى يورد بأنّ كون المسألة إجماعيّة لا يقتضي عدم وجوب التقليد أو الاجتهاد،

36

[مسألة 6- في الضروريّات لا حاجة إلى التقليد]

مسألة 6- في الضروريّات لا حاجة إلى التقليد، كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما، و كذا في اليقينيّات إذا حصل له اليقين، و في غيرهما يجب التقليد إن لم يكن مجتهداً (1) إذا لم يمكن الاحتياط، و إن أمكن تخيّر بينه و بين التقليد (2).

____________

لأنّ حجّيّة الإجماع تحتاج إلى الاجتهاد أو التقليد، مضافاً إلى أنّه لا بدّ من تحصيل ذلك الإجماع بأحد الأمرين، و كذا لو فرض كون المسألة خلافيّةً و لكن حصل للعاميّ القطع بالحكم؛ بل التعليل المذكور طريق لوجود الشبهة، فالمراد أنّ المسألة خلافيّة فليست من اليقينيّات و الضروريّات.

(1) أقول: بل إن لم يمكن له الاجتهاد، لوضوح أنّ صِرف عدم الاجتهاد مع إمكانه لا يقتضي تعيّن وجوب التقليد عليه.

(2) ما يستدلّ به على حجّيّة قول المجتهد للعاميّ و إن أمكن له الاحتياط أو الاجتهاد بتحصيل مقدّماته امور:

الأوّل: حكم العقل برجوع الجاهل إلى العالم بالفطرة و البداهة. الثاني: الإجماع المحصّل و المنقول. الثالث: سيرة المتديّنين. الرابع: آية النفر (1). الخامس: آية الذكر (2).

السادس: الروايات بطوائفها الآتية.

أقول: أمّا حكم العقل فالظاهر بل المقطوع عندي أنّه بملاك الانسداد المتوقّف على عدم إمكان الاحتياط و الاجتهاد، لوضوح أنّهم لا يعتدّون في مهامّ امورهم بقول الخبرة مع إمكان الاحتياط لهم؛ فدلالته على حجّيّة قول المجتهد في فرض عدم إمكان الاحتياط و عدم الاجتهاد ضروريّة، لعدم جواز إهمال الأحكام إمّا للعلم الإجماليّ و إمّا لعدم جواز إجراء البراءة العقليّة و الشرعيّة، فتأمّل. فلا بدّ من حجّيّة قول المجتهد، لأنّه أقرب من ظنونه إلى الواقع لدى العقل بلا شبهة و لا ريب، فالرجوع إلى الأعلم على هذا الملاك واضح على الحكومة، و كذا على الكشف بناءً على أنّ النتيجة هي الطريق‌

____________

(1) سورة التوبة: 122.

(2) سورة الأنبياء: 7.

37

..........

____________

الواصل بنفسه أو بطريقه لا مطلق الطريق، فتأمّل.

و أمّا الإجماع فتحصيله في المسألة غير المدوّنة في كتب الفقه غير ممكن. و منه يظهر الوهن في نقله؛ مضافاً إلى أنّه لا يكشف عن دليل آخر سوى ما يأتي من الأدلّة حتّى يكون دليلًا آخر على المدّعىٰ، و الإجماع ليس حجّةً في نفسه.

و أمّا السيرة فهي الّتي ينبغي الركون إليها، من جهة اتّصالها بزمان الأئمّة (عليهم السلام) بشهادة الشيخ رحمة اللّٰه عليه المتوفّى سنة أربعمائة و ستّين، الّذي كان عصره قريباً من زمان النوّاب و كان مطّلعاً على وضع الطائفة من الجهات الراجعة إلى الامور الدينيّة.

قال الشيخ (قدس سره) في العدّة: «انّي وجدت عامّة الطائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها و يستفتونهم في الأحكام و العبادات، و يفتونهم العلماء فيها، و يسوّغون لهم العمل بما يفتونهم به، و ما سمعنا أحداً منهم قال لمستفتٍ: لا يجوز لك الاستفتاء و لا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت و تعلم كما علمت، و لا أنكرَ عليه العمل بما يُفتونهم و قد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمّة (عليهم السلام)، و لم يُحكَ عن واحد من الأئمّة (عليهم السلام) النكيرُ على أحدٍ من هؤلاء و لا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوّبونهم في ذلك؛ فمن خالف في ذلك كان مخالفاً لما هو المعلوم خلافه» (1).

و أمّا آية النفر فتقريب الاستدلال بها أنّ «الإنذار» يصدق على الخبر المتضمّن للحكم الإلزاميّ و الفتوى به، سواء كانا متضمّنين للتحذير و الإنذار بحيث كانا مقرونين بهما أولا؛ و كذا يشمل الإنذار و التحذير على العمل أو تركه، بل شموله للأخير أولى، لأنّه أحقّ أن يصدق الإنذار عليه، فلا معنى لخروجه و دخول غيره من الأفراد. و أمّا الإنذار على المعلوم حكمه- بحيث كان صِرفَ التذكّر على ما يعلمون- فغير داخل في الآية الشريفة قطعاً، لأنّه لا يحتاج إلى النفر و التفقّه بل يحتاج إلى البلاغة في الكلام.

و حيث عرفت ذلك نقول: إنّ الآية الشريفة من حيث شمولها للفتوى المستلزم للإنذار و الفتوى مع الإنذار و الإنذار على غير المعلوم صدوره عند المستمع تدلّ على حجّيّة الفتوى، بل قد علم أنّ دلالتها على حجّيّة الفتوى أقوى من دلالتها على حجّيّة‌

____________

(1) العدّة: ج 2 ص 730.

38

..........

____________

الخبر، لأنّ شمولها للإنذار المحض- الّذي ليس إلّا بيان الفتوى و النظر- متيقّن بالنسبة إلى الخبر المحض أو الخبر المقرون بالإنذار و التخويف، فإذا شمله الإنذار و قلنا بوجوب الحذر عند كلّ إنذار كما هو مقتضى غايتيّة الحذر للإنذار الواجب فلا بدّ من كون الإنذار حجّةً و إلّا لما وجب الحذر.

و لكن فيه: منع وجوب الحذر مطلقاً، إذ ذكر «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» بعد الحكم بوجوب الإنذار ليس إلّا في مقام بيان التعليل، و العلّة لوجوب الإنذار إمكان الحذر، لدلالة كلمة «لعلّ»، و لا يدلّ ذكر هذه الجملة في مقام التعليل على حصول هذه العلّة و تحقّقها في كلّ إنذار حتّى ينتج حجّيّة كلّ إنذار لإمكان الحذر عقيب كلّ فرد من أفراد الإنذار؛ بل لعلّ التعليل لبيان أنّ هذا علّة لوجوب الإنذار و أنّ وجوبه لحصول ذلك، من دون أن يكون بصدد بيان أنّ هذه الفائدة الّتي هي علّة للحكم متحقّقة في الجملة في تمام أفراد موضوع الحكم المعلّل، مثل أن يقال: «ادع لحصول الاستجابة» فإنّه غير أن يقول: «ادع لأنّ الدعاء مستجاب».

لكنّ الظاهر ظهورها في تحقّق العلّة المذكورة، و هي علّيّة الإنذار لحصول إمكان الحذر، لكن حيث إنّ مقام التعليل متجافٍ عن التعبّد لا يدلّ على وجود ذلك تعبّداً في جميع الموارد بل تابع لما هو متحقّق في الواقع مع قطع النظر عن التعبّد.

و إن أبيت عن ذلك و قلت: إنّ الظاهر من جملة «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» تحقّق إمكان الحذر لكن نقول: إنّ اطلاقها- بحيث تكون بصدد بيان تحقّق إمكان الحذر حتّى يتمسّك بالإطلاق- ممنوع، فإنّ الآية مسوقة لبيان وجوب النفر و التفقّه و الإنذار مع ذكر فائدة الإنذار، و كونها بصدد بيان أنّ الفائدة متحقّقة في جميع الموارد أو في بعضها غير معلوم، فالآية الشريفة لا تدلّ على إمكان الحذر الواجب عقيب كلّ إنذار حتّى تدلّ على حجّيّته، بل تدلّ على وجوب الإنذار عند ترقّب الإمكان المذكور، فتأمّل.

نعم، هنا إيراد آخر و هو أنّ إمكان الحذر غير وقوعه، و لا يدلّ على علّيّة الإنذار للحذر بحيث ليس له حالة منتظرة إلّا اختيار العبد.

و أمّا آية الذكر فقد وردت في سورة النحل: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ إِلّٰا رِجٰالًا

39

..........

____________

نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ* بِالْبَيِّنٰاتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (1) و وردت أيضاً في سورة الأنبياء:

«وَ مٰا أَرْسَلْنٰا قَبْلَكَ إِلّٰا رِجٰالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ* وَ مٰا جَعَلْنٰاهُمْ جَسَداً لٰا يَأْكُلُونَ الطَّعٰامَ وَ مٰا كٰانُوا خٰالِدِينَ» (2). و قد ورد في تفسيرها بعض الروايات الدالّة على أنّ المقصود من «أهل الذكر» هم الأئمّة (عليهم السلام) (3)، و ردّها بعض المشايخ (4)- كما في رسالة الظنّ من رسائل العلّامة الأنصاريّ- بضعف السند (5).

أقول: يمكن تقريب الاستدلال بها لحجّيّة الفتوى، سواء قلنا بضعف الروايات و وجوب الأخذ بظاهر الآية أو قلنا بصحّة الروايات و تفسيرها بالأئمّة (عليهم السلام).

أمّا على الأوّل فلأنّ مقتضى الظاهر و إن سلّم أنّ المراد من «أهل الذكر» علماء أهل الكتاب العالمين بأنبيائهم و أنّهم كانوا رجالًا يوحى إليهم، لكن على هذا الفرض لا تكون الآية الشريفة إلّا في مقام الاستدلال لا في مقام التعبّد، إذ لا معنى للتعبّد بالنسبة إلى من لا يسلّم النبوّة و يحتمل أو يدّعي لزوم كون النبيّ من غير جنس البشر، و لا شبهة أنّه لا بدّ في الاستدلال أن يكون ما يستدلّ به أمراً مسلّماً عند العقلاء، فلا بدّ أن يكون السؤال عن المتخصّص و أهل الخبرة أمراً مسلّماً مركوزاً عندهم حتّى يكون قابلًا للاستدلال به عند المدّعي و الخصم، فالآية الشريفة تدلّ على كون ذلك معمولًا عند العقلاء قد استدلّ به اللّٰه تعالى فأمضاه.

و أمّا على الثاني (و هو تصحيح الروايات كما ذهب الشيخ العلّامة الأنصاريّ إلى صحّة رواية محمّد بن مسلم (6) و الوشّاء (7) و كون رواية أبي بكر الحضرميّ حسنةً أو موثّقةً (8) و إن كان باقي الروايات ضعيفاً (9)) فلأنّ الظاهر من الروايات نفي كون المراد‌

____________

(1) سورة النحل: 43 و 44.

(2) سورة الأنبياء: 7 و 8 ..

(3) راجع وسائل الشيعة: ج 18 ص 41، الباب 7 من أبواب صفات القاضي.

(4) هو شريف العلماء ((قدس سره)) على ما في حاشية القلائد- ص 62- على الرسائل.

(5) فرائد الاصول: ص 82.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 41 ح 3 من ب 7 من أبواب صفات القاضي ..

(7) وسائل الشيعة: ج 18 ص 43 ح 9 من ب 7 من أبواب صفات القاضي.

(8) وسائل الشيعة: ج 18 ص 44 ح 12 من ب 7 من أبواب صفات القاضي.

(9) فرائد الاصول: ص 82.

40

..........

____________

علماء اليهود و النصارى كما يظهر لمن نظر فيها، و أنّ الانحصار فيهم (عليهم السلام) لأنّهم علماء الإسلام و أهل القرآن أو ذلك محتمل، فيتمسّك بإطلاق الآية الشريفة بعد العلم بعدم كون المقصود علماء أهل الكتاب، فتأمّل.

إن قلت: لا يمكن الأخذ بالروايات و إن كانت صحيحةً، لأنّها من الأخبار المخالفة للكتاب، لظهور الكتاب بل صراحته في الاستدلال على عدم لزوم كون الرسول من غير البشر، و معه لا معنى للإرجاع إلى النبيّ و أهل بيته غير الثابت حجّيّة قولهم، فإنّه دور صريح، فلا بدّ من طرحها و الكشف عن أنّها ممّا لم يقله الإمام كما في الروايات (1).

قلت: كون الآية في مقام التعليل غير ظاهر، بل لعلّ المراد أنّه بعد وضوح أنّ الرسل لم يكونوا إلّا رجالًا يوحى إليهم و أنّهم ليسوا جسداً لا يأكلون الطعام فلا بدّ لكم من الرجوع في أمر الدين إلى أهل القرآن من النبيّ و آله المعصومين و العلماء الراسخين في علم الدين. و يؤيّد ذلك إطلاق الذكر على القرآن في القرآن الشريف، منه قوله تعالى: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ» (2) و منه قوله تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ» (3) و منه ما تقدّم بعد الآية المبحوث عنها (4)، بل ذكر كلمة «الذكر» بعد الأمر بالسئوال عن أهل الذكر لعلّه يوجب الظهور في ذلك.

و ممّا ذكر ظهر أنّ قولهم: «إنّ الآية لا تدلّ على المدّعى، من جهة أنّه لو اخذ بظاهرها فالمراد علماء اليهود و النصارى، و إن اخذ بتفسيرها فالمراد أئمّة الدين (عليهم السلام)» ليس كما ينبغي. نعم، ليست الآية في مقام الأخذ بقول أهل الذكر تعبّداً، بل الظاهر السؤال منهم لحصول العلم، خصوصاً على الفرض الأوّل فإنّه راجع إلى اصول الدين، فتأمّل.

و أمّا الروايات فهي على طوائف:

الاولى: ما دلّ على جواز الإفتاء منطوقاً:

مثل ما عن الشيخ في الفهرست و عن الكشّيّ بالإسناد

أنّه قال أبو جعفر (عليه السلام) لأبان بن تغلب:

«اجلس في مسجد المدينة و أفت الناس، فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك»

(5).

____________

(1) مثل ما في وسائل الشيعة: ج 18 ص 79 ح 15 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) سورة الحجر: 9.

(3) سورة الزخرف: 44.

(4) سورة النحل: 44.

(5) راجع تنقيح المقال في ترجمة أبان بن تغلب.

41

..........

____________

و ما في الوسائل بالإسناد عن معاذ بن مسلم النحويّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟» قلت: نعم و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، إنّي أقعد في المسجد فيجي‌ء الرجل فيسألني عن الشي‌ء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، و يجي‌ء الرجل أعرفه بمودّتكم و حبّكم فأُخبره بما جاء عنكم- إلى أن قال:- فقال لي: «اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع». و رواه الصدوق في العلل (1).

و ما في المستدرك عن نهج البلاغة

في ما كتب إلى قثم بن عبّاس: «و اجلس لهم العصرين، فأفت للمستفتي، و علّم الجاهل، و ذاكر العالم»

(2)

.

تقريب الاستدلال بها أنّ الإفتاء و الاستفتاء لا يتحقّق في الخارج إلّا مقدّمةً للعمل و بلحاظ العمل على طبقه، و لا ريب أنّ جواز الشي‌ء الّذي ليس الملحوظ فيه إلّا ترتّب الأثر عليه هو جوازه مع ترتّب الأثر المرغوب منه. و بهذا البيان قلنا: إنّ حلّيّة البيع تدلّ على ترتّب الأثر عليه، و هذا هو السرّ في الملازمة العرفيّة الّتي أشار إليها في الكفاية (3).

مع إمكان أن يقال: إنّ الحكم بجواز الإفتاء مع أنّ الغالب العمل به يدلّ بالملازمة الشرعيّة على جواز العمل، لأنّه إن كان العمل بالفتوى اثماً فالظاهر أنّ الإفتاء إعانة عليه، فهو إعانة على الإثم، فتأمّل.

و كيف كان، فالظاهر دلالة هذه الطائفة على جواز التقليد في الجملة، و لكن لا تدلّ على الجواز مطلقاً بحيث يمكن التمسّك بها في صورة الشكّ في دخالة بعض الشرائط في المفتي، لأنّها راجعة إلى بعض الأشخاص الخاصّة. نعم، يستفاد منها عدم اعتبار عدم التمكّن من الاحتياط في المستفتي، لأنّ الغالب تمكّنهم من الاحتياط في بعض المسائل.

الثانية: ما دلّ على جواز الإفتاء مفهوماً:

مثل‌

ما في الوسائل عن الكافي بالإسناد عن ابن رئاب عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال:

«من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّٰه لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 108 ح 36 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 315 ح 15 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) كفاية الاصول: ص 541.

42

..........

____________

العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه»

(1). و تقريب الاستدلال بها نظير التقريب المذكور في الاولى من الطوائف. و في إطلاقها بحيث تدلّ على جواز الإفتاء في صورة العلم مطلقاً تأمّل و إشكال، من جهة عدم معلوميّة كون المفهوم تابعاً للمنطوق إطلاقاً و إهمالًا، و الكلام فيه موكول إلى محلّه، و قد ذكرنا بعض الكلام في هذه التعليقة في مباحث المياه، فراجع.

الثالثة: ما دلّ على الإرجاع إلى بعض الرواة:

مثل ما رواه في الوسائل من إرجاع الرضا (عليه السلام) عليّ بن المسيّب الهمدانيّ إلى زكريّا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا (2).

و مثل ما فيه من إرجاع أبي عبد اللّه (عليه السلام) ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم الثقفيّ (3)، و إرجاعه (عليه السلام) أيضاً على ما في الوسائل إلى الحارث بن مغيرة النضريّ 4، و ما فيه أيضاً من الإرجاع إلى يونس بن عبد الرحمن (5).

و تقريب الاستدلال بها أنّ الإرجاع إليهم ليس إلّا لأخذ معالم الدين الشامل لأخذ الفتوى و الرواية، فراجع الروايات (6).

الرابعة: ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الرواة في صورة المخاصمة:

مثل مقبولة عمر بن حنظلة، و فيها:

«ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ...»

(7). و ما رواه أبو خديجة، قال:

بعثني أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: «قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة- إلى أن قال:- اجعلوا بينكم رجلًا قد عرف حلالنا و حرامنا،

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 9 ح 1 من ب 4 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 106 ح 27 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) 3 و 4 وسائل الشيعة: ج 18 ص 105 ح 23 و 24 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 107 ح 33 و 34 و 35 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(6) وسائل الشيعة: ج 18 ص 98، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

(7) وسائل الشيعة: ج 18 ص 98 ح 1 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

43

..........

____________

فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً»

(1). و تقريب الاستدلال بها من وجهين:

الأوّل: أنّ الإرجاع إلى العارفين بالأحكام و إن كان في مورد المخاصمة إلّا أنّ الظاهر أنّ المورد من باب الاحتياج إلى رأي العالم، و ليس موجباً للاختصاص، و ليس الحكم المفروض في هذه الروايات منحصراً بالاختلاف في الموضوعات حتّى يقال بالاختصاص من تلك الجهة، فإنّ مورد رواية عمر بن حنظلة الاختلاف في الحكم، لأنّه الّذي يرجّح بواسطة ترجيح الروايتين اللتين هما مدرك للحكم، و ترتفع الخصومة بواسطة ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى؛ و أمّا الاختلاف في الموضوع فلا يرتفع إلّا بمثل الشهود و اليمين.

الثاني: إطلاق التعليل الوارد في الروايتين، فإنّ مقتضاه جعل العارف بالأحكام قاضياً و حاكماً مطلقاً، من غير فرق بين صورة المخاصمة و غيرها.

الخامسة: ما يحكم بوجوب الرجوع في الحوادث الواقعة إلى رواة الأحاديث، و هو‌

التوقيع المرويّ في إكمال الدين بالإسناد إلى إسحاق بن يعقوب، قال:

سألت محمّد بن عثمان العمريّ أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) و فيه: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّٰه»

(2). وجه الدلالة تعليل الرجوع إليهم في الحوادث الواقعة ب‍ «أنّهم حجّتي عليكم» و ظاهره عرفاً حجّيّة قولهم في ما يقولون عنهم أو عن اللّٰه تعالى بواسطتهم، سواء كان ذلك بنقل الألفاظ الواردة عنهم (عليهم السلام) أو بنقل المعنى و بيان الحكم.

السادسة: ما دلّ على جواز التقليد، و هو‌

الرواية المنقولة في الاحتجاج،

و فيها: «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه»

(3).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 100 ح 6 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 101 ح 9 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(3) الاحتجاج للطبرسيّ: ج 2 ص 511، وسائل الشيعة: ج 18 ص 94 ح 20 من ب 10 من أبواب صفات القاضي.

44

..........

____________

و لكن فيه- مضافاً إلى ضعف السند-: أنّ الظاهر من الصدر هو التقليد في الاصول أو الأعمّ منه و من الفروع، و لا ريب أنّ التقليد بهذا المعنى ليس إلّا العمل بقولهم من باب حصول الاطمينان، لا الأخذ بقولهم تعبّداً، فذلك أجنبيّ عن المبحوث عنه.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ عمدة مدرك جواز التقليد للعاميّ هي السيرةُ المستمرّة إلى زمان الأئمّة (عليهم السلام)، و الأخبارُ الدالّة على جواز الإفتاء و الرجوعِ في المخاصمة و في الحوادث الواقعة إلى العارفين بالأحكام و رواة أحاديثهم (عليهم السلام)، و غيرُ ذلك من الطوائف السابق ذكرها. و هذه الأدلّة كما عرفت تقتضي جواز التقليد للعاميّ و لو مع إمكان الاحتياط، لعدم التقيّد بذلك مع ندرة تحقّق القيد بالنسبة إلى جميع الأحكام.

إن قلت: إنّ الأدلّة المذكورة لا تدلّ إلّا على حجّيّة الفتوى بنحو كانت معمولةً في زمان الأئمّة (عليهم السلام) من نقل معنى الرواية أو ذكر أحد مصاديق ما سمع و اخذ منهم (عليهم السلام)، فإنّ الاجتهادَ المعمول في هذا الزمان المتوقّف على التخصّص التامّ الّذي لا يحصل إلّا للأوحديّ من المستعدّين غيرُ الاجتهاد و الإفتاء الّذي كان في عصر الأئمّة (عليهم السلام)، فإنّ مثل أبان و محمّد بن مسلم كانا يأخذان الفتوى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و يفتيان بها للناس و ينقلان لهم ما سمعاه من الأئمّة (عليهم السلام) بلفظه أو بالمعنى أو بذكر بعض مصاديقه، و ليس ذلك إلّا مثل نقل الفتوى في عصورنا عن المجتهدين، فإنّ ناقل الفتاوى في هذا العصر ليس بمجتهد، و ليست حجّيّة قوله في نقل الفتوى عن الرسالة مستلزمةً لحجّيّة الفتوى الحاصلة عن الاجتهاد الواقع لمن بذل شطراً وافياً من عمره في تحصيل العلوم مع الاستعداد التامّ مع جهد و تأمّل كثير في المسألة المفتى بها، خصوصاً مع وضوح أنّ بعض الفتاوى في زماننا ليس مبنيّاً على النصوص الخاصّة أو العامّة، بل المبنى في كثير من المسائل هو الامور العقليّة، كمسألة وجوب الاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ، و كمسألة وجوب مقدّمة الواجب شرعاً، أو مسألة حرمة الضدّ شرعاً؛ فشتّان بين إفتاء أبان و زكريّا بن آدم القمّيّ و إفتاء علماء هذه العصور، فدلالة الأدلّة على حجّيّة مثل ذلك الإفتاء غير مستلزمة لحجّيّة الإفتاء المعمول في العصور المتأخّرة عن عصر الوحي و المعصومين.

قلت: الّذي يظهر من التتبّع في الروايات أنّ استخراج الحكم في عصرهم (عليهم السلام) لم يكن‌

45

..........

____________

بمثابة نقل الفتوى في هذا العصر، بل كان أشكل منه، فإنّ الروايات كانت في عصر أبي عبد اللّه (عليه السلام) و في العصور المتأخّرة عنه- مثل زمان الحجّة (عليه السلام) و زمان أبي محمّد العسكريّ (عليه السلام)- مختلفةً جدّاً، لوجود الكذّابين و لصدور الأخبار المختلفة عنهم تقيّةً و خوفاً من الخطر على الشيعة و عليهم، و الشاهد عليه ورود الروايات الكثيرة في حكم اختلاف الحديث الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام)، و فيها فرض الاختلاف بين الروايات المشهورة و بيان علاج التعارض بالأخذ من الأعدل و الأفقه، و الأخذ بما وافق الكتاب أو طرح ما وافق العامّة و الأخذ بما خالفهم (1)؛ و لا ريب أنّ علاج التعارض بتلك المراتب المذكورة في الرواية العلاجيّة أقرب بالاجتهاد الصعب المستصعب من نقل الفتوى البسيط الّذي لا يتوقّف على التخصّص و التبحّر، فإنّ معرفة المشهور و معرفة أقوال العامّة و معرفة مخالفة الكتاب و موافقته تتوقّف على التخصّص و التبحّر.

و أيضاً ورد في بعض الروايات:

«إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، و متشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها»

كما عن الرضا (عليه السلام) (2).

و ورد أيضاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال:

«إنّما علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا»

(3)، و نقل عن الرضا (عليه السلام) نظير ذلك (4).

فمن هذه الأخبار يظهر وجود الاجتهاد بأوسع ممّا هو حاصل في نقلة الفتاوى في عصر الأئمّة (عليهم السلام) بحيث يعلم أنّ الملاك في حجّيّة الفتوى حصول العلم أو الاطمينان للمفتي بحسب المدارك الشرعيّة الّتي ثبت في اصول الدين جواز الرجوع إليها من الكتاب و السنّة و القطع الحاصل من الحكم العقليّ القطعيّ؛ فالظاهر حجّيّة قول المفتي الجامع لشرائط الفتوى للعاميّ و لو كان قادراً على الاحتياط أو تحصيل العلم ليحصل له ملكة الاجتهاد. و اللّٰه تعالى هو العالم.

____________

(1) مثل ما في وسائل الشيعة: ج 18 ص 75 ح 1 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 82 ح 22 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 40 ح 51 من ب 6 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 41 ح 52 من ب 6 من أبواب صفات القاضي.

46

[مسألة 7- عمل العاميّ بلا تقليد و لا احتياط باطل]

مسألة 7- عمل العاميّ بلا تقليد و لا احتياط باطل (1).

____________

(1) الظاهر أنّ المقصود بالبطلان هو البطلان الظاهريّ، بمعنى عدم جواز الاكتفاء به في الظاهر، و وجوب إعادته مع مراعاة الاحتياط في صورة بقاء الجهل و عدم كشف تطابقه مع الواقع بانكشاف الواقع علماً أو بقيام الأمارة عليه، كما يقال: إنّ المعلوم نجاسته سابقاً نجسٌ؛ فلا وجه حينئذٍ للتعليق عليه بأنّ «ذلك إذا لم يطابق الواقع» كما في تعليقة السيّد الأصفهانيّ على العروة، هذا. مضافاً إلى أنّه على فرض حسن التعليق كان عليه أن يعلّق به و بما إذا طابق قول المجتهد حين العمل أو حين ترتيب الأثر، فإنّه مثل أن يعلّق على الحكم بالنجاسة في مستصحب النجاسة و أمثاله بأنّ ذلك إذا لم يكن في الواقع طاهراً، فإنّ الحكم الظاهريّ بالبطلان في موضوع الجهل المستفاد من سياق الكلام غير معلّق على شي‌ء. و العجب من السيّد الفقيه الأصفهانيّ حيث علّق هنا و قيّد الحكم بما إذا لم يكن مطابقاً للواقع و أفتى في الوسيلة على نحو الإطلاق بأنّ عمل العاميّ بلا احتياط و لا تقليد باطل عاطل.

و كيف كان، يدلّ على الحكم المذكور وجوه:

الأوّل: ما دلّ على وجوب التعلّم الطريقيّ الّذي مرجعه إلى تحصيل المؤمّن المستلزم لوجوب تحصيل الطريق أو الاحتياط.

الثاني: حكم العقل بوجوب تحصيل المؤمّن إمّا بالاحتياط أو بتحصيل حكم المجتهد الّذي يحصل به الأمن من العقاب.

الثالث: استصحاب بقاء الأمر الأوّليّ و عدم ترتيب الأثر على العمل المشكوك صحّته و بطلانه، المقتضي لوجوب الاحتياط أو رفع الشكّ حقيقةً أو حكماً. و ما اشتهر من عدم جريان الأصل في الشبهة الحكميّة قبل الفحص فإنّما هو في الاصول النافية للحكم، لمنافاتها مع تنجّز الحكم الثابت بدليل وجوب التعلّم، و أمّا الاصول المثبتة للحكم فلا مانع من جريانها، فتبصّر.

و من هنا يظهر أنّ الحكم بالبطلان الظاهريّ ليس بالنسبة إلى جميع الآثار حتّى ينافي التكليفَ الإلزاميَّ المحتمل، فلا يحكم بجواز القطع في الصلاة المشكوكة صحّتها بواسطة استصحاب بقاء الأمر الأوّل المستلزم للبطلان، فإنّ ما يمكن ترتيبه من الآثار هو وجوب‌

47

[مسألة 8- التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن و إن لم يعمل بعد]

مسألة 8- التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن و إن لم يعمل بعد (1)، بل و لو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته و التزم بالعمل بما فيها كفى في تحقّق التقليد.

____________

الإعادة مع مراعاة الاحتياط، و أمّا جواز القطع فلا يمكن إثباته بالاستصحاب، لأنّه قبل الفحص، و لا مانع من التفكيك في الآثار في الاستصحاب كما لا يخفى على المتأمّل.

(1) لا يخفى أنّ مقتضى ما تقدّم من الأدلّة الدالّة على جواز التقليد و حجّيّة قول المجتهد للعاميّ أنّ موضوع الجواز ليس إلّا نفس العمل على طبق رأيه، فإنّ مقتضى الطائفة الاولىٰ و الثانية من الأخبار المتقدّمة الدالّة على جواز الإفتاء هو جواز العمل به بالملازمة العرفيّة، كما أنّ الظاهر من الأخبار الدالّة على إرجاع بعض الشيعة إلى بعض العلماء من الرواة هو الأخذ بقولهم للعمل بدون دخالة الأخذ، كما أنّ الظاهر من الإرجاع إلى الطبيب في العرف ليس إلّا العمل بقوله بدون أن يكون الأخذ تمام الموضوع أو جزءه.

و أوضح من ذلك إطلاق قوله (عليه السلام): «فإنّهم حجّتي عليكم» (1) و قوله (عليه السلام):

«فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» (2) و قوله (عليه السلام): «فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» كما تقدّم 3، فإنّ مقتضى ذلك كلّه حجّيّة رأي المجتهد المستلزم لجواز العمل على طبقه بالمعنى الأعمّ الشامل للوجوب و الرجحان و الإباحة فعلًا أو تركاً بدون دخالة الالتزام أو الاستناد بل و لا العلم في حجّيّة قوله أو في جواز العمل على طبقه.

مضافاً إلى أنّه لا شبهة في حجّيّة قول المجتهد للمقلّد و جواز العمل على طبقه، و حينئذٍ لا يخلو إمّا أن يكون الالتزام أو الأخذ أو الاستناد دخيلًا في حجّيّته و جواز العمل برأيه، و إمّا أن يكون واجباً آخر في عرض حجّيّة قول المجتهد، و إمّا أن لا يكون واجباً أصلًا.

لا يمكن القول بالأوّل، لاستلزامه عدم وجود الحجّة بدون الامور المذكورة المستلزم‌

____________

(1) تقدّم في الصفحة 43.

(2) 2 و 3 في الصفحة 42 و 43.

48

..........

____________

لعدم وجوب التعلّم، و معه لا مانع من جريان البراءة الشرعيّة بل و لا العقليّة، لأنّ المانع منها قبل الفحص ليس إلّا احتمال وجود الحجّة، و مع التقيّد بما ذكر يقطع بعدم وجود الحجّة، و المفروض عدم وجوب الاجتهاد على كلّ أحد، و لا وجه للاحتياط بعد جريان البراءة الشرعيّة و العقليّة.

و لا دليل على الثاني، و مع الشكّ فيه تجري البراءة؛ مع وضوح بطلانه في ذاته، فإنّه لا وجه لوجوب الاستناد و الالتزام وجوباً مستقلًا نفسيّاً في عرض التكليف الواقعيّ و الظاهريّ الثابت للمجتهد و المقلّد.

فيتعيّن الثالث الّذي هو المطلوب.

و ما ذكرناه من إطلاق حجّيّة قول المجتهد و عدم تقيّده بالامور المذكورة حتّى الأخذ و العلم و إن كان بالنسبة إلى مقام الجعل و التشريع إلّا أنّه كذلك أيضاً بالنسبة إلى ترتيب الآثار العقليّة للحجّة و هي التنجيز و الإعذار، فإنّه لو كان رأي المجتهد الواجب تقليده على وجوب شي‌ء و كان المقلّد جاهلًا برأيه من جهة عدم الفحص استحقّ العقوبة، من جهة قيام الأمارة في الواقع على الوجوب و كونه واجباً واقعاً، فإنّه لو لا قيام الأمارة على الإلزام في الواقع لا وجه لاستحقاق العقوبة من جهة عدم البيان واقعاً و لو مع الفحص، فإنّ عدم جريان البراءة العقليّة من باب احتمال البيان على تقدير الفحص، و أمّا على تقدير عدم البيان على تقدير الفحص فالعقل حاكم بقبح العقوبة من دون البيان؛ و كذا بالنسبة إلى الإعذار، فإنّا لو فرضنا واقعاً قيام الأمارة على عدم وجوب صلاة الجمعة و المقلّدُ مع علمه الإجماليّ بوجوب الظهر أو الجمعة ترك الجمعة مع عدم فحصه عن رأي مقلَّده فإنّه لا يستحقّ العقوبة و لو مع وجوب صلاة الجمعة واقعاً، لوجود الإذن المانع من الفعليّة الحتميّة فكيف بالتنجّز. و هذا المعنى جارٍ أيضاً بالنسبة إلى ما بعد الفحص أيضاً، فإنّ وجود الطريق النافي في الواقع مانع عن استحقاق العقوبة لدى العقل.

و ممّا ذكر يظهر الإشكال في الأصل الّذي أسّسه المحقّق الخراسانيّ في الكفاية في مبحث حجّيّة الظنّ من أنّ الشكّ في الحجّيّة الجعليّة الشرعيّة مساوق للقطع بعدم الحجّيّة الفعليّة بمعنى عدم ترتيب الآثار العقليّة المترتبة على الحجّة- من الإعذار‌

49

..........

____________

و التنجيز- عليها، فإنّ الآثار المذكورة مترتّبة على الحجّيّة المعلومة (1)؛ فإنّك قد عرفت ترتّب أثر التنجيز و الإعذار على الحجّة بوجودها الواقعيّ قبل الفحص، و ترتّب الإعذار عليها حتّى بعد الفحص، و أمّا التنجيز فلا يترتّب عليها بوجودها الواقعيّ، لعدم البيان، فإنّ الموضوع في القاعدة عدمُ البيان المعلوم بالفحص، و هو غير حاصل بالفرض؛ فإطلاق كلامه محلّ منع و إشكال.

فقد تحقّق بما ذكرناه أنّ التقليد في قولنا «يجوز للعاميّ تقليد المجتهد» و في قولنا «يكفي له تقليد المجتهد» ليس إلّا العمل بلا دخالة شي‌ء فيه بالضرورة، و أنّ حجّيّة قول المجتهد للعاميّ غير مقيّد بشي‌ء من الالتزام أو الاستناد أو العلم، لا في مقام الجعل و لا في مقام ترتّب الأثر العقليّ؛ و ذلك لا ينافي حكمَ العقل بلزوم العلم بقول المجتهد، فإنّ الإتيان بالصلاة بدون السورة- مع احتمال جزئيّتها- برأي المجتهد و إن كان مجزياً عن الواقع لو كان رأي المجتهد عدمَ وجوبها و لو كان المقلّد جاهلًا كما عرفت، لكن مع فرض جهل المقلّد و احتمال جزئيّتها في الواقع و احتمال قيام الحجّة على جزئيّتها يحكم العقل بأنّه يجب عليه إمّا الاحتياط و الإتيان بها معها و إمّا تحصيل العلم برأي المجتهد و العمل على طبقه؛ و حينئذٍ لو قلنا بأنّه «يجب على المكلّف في اموره إمّا الاجتهاد و إمّا الاحتياط و إمّا التقليد» فلا بدّ أن يراد من التقليد العلم بقول المجتهد و العمل به إن اقتضى وجوبَ العمل، و لو كان المراد منه العمل لا يصحّ إطلاق الوجوب، فإنّ العمل بقول المجتهد لا يكون واجباً إذا لم يقتض الوجوب؛ و كذا التقليد في قولنا «العمل بلا تقليد و لا احتياط باطل»، فإنّ البطلان الظاهريّ- بمعنى عدم الاكتفاء بالعمل في الظاهر- لا ينحصر بما إذا كان العمل غير موافق لرأي المجتهد واقعاً، بل يعمّ ما إذا كان موافقاً له و لم يعلم به العاميّ؛ و البطلان الواقعيّ غير مقصود في المقام، و إلّا فلا بدّ من تقييده بصورة عدم تطابقه للواقع.

و يمكن القول بدخالة الاستناد في الموارد الّتي اخذ هو فيها في موضوع الحكم في كلام الفقهاء، كمسألة العدول و مسألة تقليد الميّت ابتداءً.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 322 و 323.

50

..........

____________

ثمّ إنّه لا فرق في ما ذكرناه من كون التقليد- الّذي يكون موضوعَ الجواز- هو العمل بين ما إذا كان المجتهد الّذي يجوز تقليده واحداً أو متعدّداً و لا بين كون المجتهدين متّفقين في الرأي أو مختلفين:

أمّا في الصورة الاولى فواضح.

و أمّا في الصورة الثانية فلأنّ العمل المطابق لجميع الآراء تقليد بالنسبة إلى الجميع، لأنّه عبارة عن نفس العمل، فهو مقلّد لجميع المجتهدين قصد ذلك أو لم يقصد. و الحاصل:

أنّه لا دليل على لزوم التعيين في صورة التعدّد، فهو كتعدّد الأخبار في المسألة الواحدة.

و أمّا في الصورة الثالثة فقد يقال بدخالة الالتزام في التقليد- كما في المستمسك- من جهة أنّه لا يمكن القول بحجّيّة كلا الرأيين، فيكون كلا العملين مجزيين عن الواقع، لوجود التكاذب و الاختلاف، و لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، لأنّه ترجيح من غير مرجّح؛ و لا يمكن القول بالتساقط و الرجوع إلى غير الفتوى، لأنّه خلاف السيرة و الإجماع، فلا بدّ أن يقال بأنّ الحجّة من الآراء هي ما التزم على العمل به، فالالتزام واجب لتعيين الحجّة (1).

و فيه أوّلًا: أنّ مقتضى القاعدة هو التساقط و الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل في المسألة بشرط عدم خروجه عن الفتاوى المختلفة، و ما هو المخالف للإجماع و السيرة هو الرجوع إلى ما يخالف الفتوى، و هذا رجوع في الحقيقة إلى الفتوى الموافقة للأصل و عملٌ على طبقها.

و ثانياً: لا يتعيّن التعيين بالالتزام، بل يمكن القول بالتخيير.

إلّا أن يقال: إنّه يتعيّن الالتزام من باب دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

و فيه أوّلًا: أنّ ذلك في ما إذا لم يكن في الطرف الآخر جهة اخرى يحتمل الترجيح بها، كالأورعيّة، أو كون رأيه مطابقاً للأصل، أو كونه مطابقاً للشهرة، أو كونه مظنون المطابقة عند المقلّد، أو كون الطرف الآخر أكثر من الطرف الّذي التزم به، أو غير ذلك من الجهات المرجّحة.

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج 1 ص 13.