شرح العروة الوثقى - ج2

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
591 /
3

-

4

المجلد الثاني

[تتمة أحكام النجاسات]

و إيّاه نعبد و إيّاه نستعين، ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير‌

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيّدنا خاتم النبيّين، محمّد و آله الطاهرين، و على جميع الأنبياء و المرسلين، و على الملائكة المقرّبين،

و رحمة اللّٰه و بركاته.

5

[فصل في اشتراط طهارة البدن و اللباس في صحّة الصلاة]

فصل

[في اشتراط طهارة البدن و اللباس في صحّة الصلاة]

يشترط في صحّة الصلاة- واجبةً كانت أو مندوبةً- إزالة النجاسة عن البدن (1)،

____________

(1) أقول: حيث إنّ أصل الحكم من المسلّمات حتّى في زمن صدور الروايات فقلّما يتّفق بين الروايات الواصلة بأيدينا أن تكون روايةٌ متكفّلةً لأصل اشتراط الصلاة بطهارة البدن و اللباس حتّى يؤخذ بإطلاقها و يُسدّ به جميع ثغور الحكم و يستكشف به حكم جميع الموارد، فلا بدّ في استفادة الحكم من التأمّل في بعض الروايات الواردة في الموارد الخاصّة ثمّ إلحاق ما لا يشمله النصّ بإلقاء الخصوصيّة عند العرف.

إذا عرفت تلك المقدّمة فنقول: أمّا وجوب إزالة النجاسات العينيّة عن الثوب و البدن فقد وردت (1) الروايات في المنيّ يصيب الثوب و البدن (2)، و في البول يصيب الثوب و البدن (3)، و في العذرة تصيب الثوب (4)، و في الدم يصيب الثوب و البدن (5)، و في الخنزير يصيب الثوب و البدن (6)، و في عرق الجنب من الحرام إذا كان في الثوب أو‌

____________

(1) المقصود هو أعمّ ممّا ورد في الأعيان النجسة و المتنجّسات بها، إذ يعرف منه حكم النجس بالأولويّة. (منه (قدس سره)).

(2) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1005، الباب 7 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1001، الباب 1 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1034، الباب 26 من أبواب النجاسات.

(5) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1026، الباب 20 من أبواب النجاسات.

(6) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1017، الباب 13 من أبواب النجاسات.

6

..........

____________

البدن (1)؛ و قد ورد النهي عن الصلاة في ثياب الكفّار (2) و عن ثوب أصابه خمر (3).

و لا شبهة أنّ العرف بعد ذلك لا يفرق بين ما ذكر و ما لم يذكر من النجاسات العينيّة، و إذا ورد بالنسبة إلى بعض النجاسات وجوب إزالة النجاسة عن الثوب فلا ريب في إلحاق البدن به بالأولويّة. هذا في النجاسات.

و أمّا المتنجّسات فقد عرفت ورود الرواية بالنسبة إلى المتنجّس بالخنزير بدناً و ثوباً، و كذا وردت الرواية بالنسبة إلى المتنجّس بالمنيّ، بل يمكن استفادة حكم المتنجّس من صحيحة زرارة المعروفة (4)، لأنّ عدم وجدان النجاسة دليل على زوال عين الدم.

و أمّا المتنجّس بالمتنجّس فيمكن استفادة حكمه من امور:

منها: ما تقدّم من رواية سماعة في مسألة المتنجّس الواردة في إناءين أصاب أحدهما القذر (5)، فإنّه لو لا الابتلاء باستصحاب نجاسة البدن الموجبة لعدم جواز الصلاة لم يكن وجه للإهراق بإطلاقه حتّى في ما كان أحدهما وافياً لتطهير مواضع الوضوء و التوضّي.

و منها: ما ورد في الخمر عن سهل بن زياد عن خيران الخادم، قال:

كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر و لحم الخنزير أ يصلّى فيه أم لا؟

فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلّ فيه فإنّ اللّٰه إنّما حرّم شربها، و قال بعضهم: لا تصلّ فيه. فكتب (عليه السلام): «لا تصلّ فيه فإنّه رجس ...» (6).

فإنّ التعليل يدلّ على عدم جواز الصلاة في كلّ ما صدق عليه الرجس الشرعيّ، و منه المتنجّس بملاقاة المتنجّس، خصوصاً بناءً على إرجاع ضمير «فإنّه» إلى الثوب كما هو ظاهر إفراده، و تقتضيه وحدة سياقه مع قوله: «لا تصلّ فيه»، و يقتضيه أيضاً الجمع بين الروايات الواردة في الخمر الحاكم بعضها بطهارته و جواز الصلاة في الثوب الملوّث به.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1037، الباب 27 من أبواب النجاسات.

(2) مثل ما في وسائل الشيعة: ج 2 ص 1020 ح 10 من ب 14 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1054، الباب 38 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1061 ح 1 من ب 41 من أبواب النجاسات.

(5) وسائل الشيعة: ج 1 ص 113 ح 2 من ب 8 من أبواب الماء المطلق.

(6) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1055 ح 4 من ب 38 من أبواب النجاسات.

7

وجه الخصوصيّة أنّه اطلق الرجس في المورد على المتنجّس، و عليه فلا يمكن أن

حتّى الظفر و الشعر (1) و اللباس ساتراً كان أو غير ساتر، عدا ما سيجي‌ء من مثل الجورب و نحوه ممّا لا تتمّ الصلاة فيه.

____________

يكون المراد هو الرجس العرفيّ، مضافاً إلى أنّ شموله للمتنجّس بالمتنجّس حينئذٍ يكون أظهر؛ بل يمكن الاستفادة المطلوبة منها و لو حُملت على التقيّة أو حُمل النهي فيها على أصل الزجر بواسطة الروايات المعارضة، أمّا على الأوّل فلأنّ التقيّة هي في الحكم بعدم جواز الصلاة فيه و الحكم بنجاسته، أمّا تفريع الحكم المذكور على النجاسة فيؤخذ بظاهره، و أمّا على الثاني فلما مرّ في هذه التعليقة مراراً من أنّ أصل توجّه الأمر أو النهي حجّة على الوجوب و التحريم عند العقلاء.

لكن مع ذلك لا يخلو عن المناقشة، فإنّ فيه- مضافاً إلى ضعف السند بسهل بن زياد- أنّ التعليل غير واضح، فلعلّ الحكم بعدم جواز الصلاة فيه علّة للنجاسة، لأنّها منتزعة من مثل الحكم المذكور، و ذكر التفريع المذكور لعلّه من باب التأكيد، فتأمّل.

و منها: ما رواه في الوسائل بسند معتبر عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:

«لا صلاة إلّا بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنّة من رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أمّا البول فإنّه لا بدّ من غسله» (1).

فإنّ ذكر الاستنجاء بعد ذلك دليل على شمول الطهور للطهارة من الخبث، و التنكير لعلّه بلحاظ نوع المطهّر.

و يستفاد منه على الظاهر وجوب الغسل و تطهير البدن عن جميع ما يصدق عليه النجس أو الحدث و يحتاج إلى التطهير لكن لا يستفاد منه حكم اللباس؛ لكنّ الظاهر عدم الفرق عند العرف بين المتنجّس بالنجس و المتنجّس بالمتنجّس بعد فرض النجاسة، فتأمّل. هذا.

مضافاً إلى تسلّم الأصحاب و عدم احتمال خلاف عندهم.

(1) و يدلّ على ذلك بالتقريب المتقدّم قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (2)؛ مضافاً إلى إمكان استفادة ذلك من بعض الروايات، مثل ما رواه في الوسائل في باب «أنّه إذا‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 222 ح 1 من ب 9 من أبواب أحكام الخلوة.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ب 1 من أبواب الوضوء ص 256 ح 1 و 6.

8

و كذا يشترط في توابعها من صلاة الاحتياط (1) و قضاء التشهّد و السجدة المنسيّين (2)، و كذا في سجدتي السهو على الأحوط (3)، و لا يشترط في ما يتقدّمها من الأذان و الإقامة و الأدعية الّتي قبل تكبيرة الإحرام، و لا في ما يتأخّرها من التعقيب. و يلحق باللباس على الأحوط اللحاف الّذي يتغطّى به المصلّي مضطجعاً إيماءً (4)، سواء كان متستّراً به أو لا، و إن كان

____________

تنجّس موضع من الثوب وجب غسله خاصّة» عن كتاب عليّ بن جعفر، قال:

سألته عن الرجل يعرق في الثوب و لم يعلم أنّ فيه جنابة كيف يصنع، هل يصلح أن يصلّي قبل أن يغسله؟

قال: «إذا علم أنّه إذا عرق فيه أصاب جسده من تلك الجنابة الّتي في الثوب فليغسل ما أصاب جسده من ذلك، و إن علم أنّه أصاب جسده و لم يعرف مكانه فليغسل جسده كلّه» (1).

و يدلّ على اشتراطها في الظفر ما رواه في الوسائل في باب نجاسة الخنزير عن سليمان الإسكاف، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخرز به، قال: «لا بأس به و لكن يغسل يده إذا أراد أن يصلّي» 2.

(1) و ذلك لوجهين:

أحدهما: أنّها صلاة، و لا فرق بين صلاة و صلاة بالضرورة في اشتراطها بالطهارة.

ثانيهما: أنّ المستفاد من دليلها أنّها لا بدّ أن تكون صالحةً لتتميم الصلاة الفريضة، و لا تصلح إلّا أن تكون واجدةً لجميع شرائط الفريضة.

(2) لظهور مادّة القضاء في لزوم كون المقضيّ واجداً لجميع الشرائط عدا الظرف الّذي صار به قضاءً.

(3) سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى في محلّه، و كذا الكلام في الإقامة.

(4) فيه إشكال من وجهين:

____________

(1) 1 و 2 وسائل الشيعة: ج 2 ص 1007 و 1017 ح 10 و 3 من ب 7 و 13 من أبواب النجاسات.

9

الأقوى في صورة عدم التستّر به بأن كان ساتره غيره عدم الاشتراط.

و يشترط في صحّة الصلاة أيضاً إزالتها عن موضع السجود (1) دون المواضع الاخر، فلا بأس بنجاستها إلّا إذا كانت مسريةً إلى بدنه أو لباسه.

____________

أحدهما: عدم كون الصلاة واقعةً فيه مع فرض الإيماء القائم بالوجه و الرأس.

ثانيهما: عدم كونه ثوباً و لا ملحقاً بالثوب بإلقاء الخصوصيّة إلّا إذا كان البدن محتفّاً به، و معه لا فرق بين وجود ستر آخر و عدمه.

(1) أقول: في المسألة أربعة أقوال:

الأوّل: ما نسب إلى المشهور و هو الّذي اختاره في المتن.

الثاني: ما نسب إلى السيّد المرتضى من اشتراطها في مكان المصلّي.

الثالث: ما نسب إلى أبي الصباح الكنانيّ من اشتراطها في موضع المساجد السبعة.

الرابع: ما نسبه في مصباح الفقيه إلى بعض متأخّري المتأخّرين من الميل إلى عدم اشتراط مسجد الجبهة بالطهارة (1) فضلًا عن سائر مواضع السجود أو مكان المصلّي.

و المستفاد من المصباح 2 أنّ دليل المشهور صحيحة ابن محبوب، قال:

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثمّ يجصّص به المسجد، أ يسجد عليه؟ فكتب إليّ بخطّه: «إنّ الماء و النار قد طهّراه» (3).

و موثّقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

سئل عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشمس، و لكنّه قد يبس الموضع القذر، قال: «لا يصلّى عليه ...» (4).

وجه الدلالة: إطلاق عدم جواز الصلاة على الموضع القذر الشامل لمسجد الجبهة، بل لا بدّ من حمله عليه بالخصوص جمعاً بينه و بين ما دلّ من الروايات المستفيضة على جواز الصلاة في المكان النجس. و الشاهد على الجمع بين الطائفتين المتباينتين هو‌

____________

(1) 1 و 2 مصباح الفقيه: ج 11 ص 91.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1099، الباب 81 من أبواب النجاسات.

(4) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1042 ح 4 من ب 29 من أبواب النجاسات.

10

..........

____________

صحيحة ابن محبوب (1) الواردة في خصوص السجدة.

أقول: توضيح الدليل المذكور يتوقّف على أمرين:

الأوّل: دفع الإشكالات الّتي يتوهّم ورودها على الصحيحة حتّى تصير بذلك مورداً للإعراض:

فمنها: الحكم بأنّ النار مطهّرة.

و منها: الحكم بأنّ الماء الّذي ليس إلّا ما يعجن به الجصّ على الظاهر مطهّر مع أنّه قليل و مضاف.

و منها: الحكم بجواز السجدة على الجصّ.

و كلّ ذلك مدفوع:

أمّا الأوّل فلأنّ الظاهر أنّ المقصود كونه سبباً لاستحالة أجزاء النجس إلى الرماد، فالأجزاء الرماديّة الموجودة في الجصّ طاهرة بواسطة الاستحالة المتحقّقة بالنار.

و أمّا الثاني فقد ذكرنا سابقاً أنّ المحتمل بيان تطهّره بالماء الّذي يرشّح عليه من الخارج- من المطر و غيره- أو الماء الّذي يعجن به من جهة كونه سبباً لتطهّره بواسطة جفافه بالشمس. و الأوّل أولى؛ مضافاً إلى إمكان الالتزام بحصول طهارة المتنجّس بالماء القليل إذا لم يصر مضافاً. و صيرورته مضافاً في أوّل ملاقاته مع الجصّ سيّما بالنسبة إلى تمام أجزاء الجصّ غير واضح.

و أمّا الثالث فلا مانع من الالتزام بذلك، إذ ليس مخالفاً للإجماع و لا للدليل القطعيّ أو ما بحكمه، فراجع و تأمّل.

الثاني: أنّ وجه كون الصحيحة شاهدةً للجمع هو انقلاب النسبة، من جهة أنّ نسبة الصحيحة مع المستفيضة الدالّة على الجواز المطلق هي الخصوص المطلق فتخصّص بها، و بعد التخصيص تصير النسبة بين المستفيضة و بين رواية عمّار و أمثالها هي الخصوص المطلق بعد ما كان تبايناً.

إن قلت: ملاحظة نسبة الدليلين إنّما هي بالنسبة إلى ما هو الظاهر منهما لا بالنسبة إلى الظاهر الحجّة، و لذا إن ورد عامّ و خاصّان بينهما عموم و خصوص من وجه أو بينهما‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1099، الباب 81 من أبواب النجاسات.

11

..........

____________

عموم و خصوص مطلق يخصّص العامّ بكلا الخاصّين مع أنّه لو كان الملاك لملاحظة النسبة هو الظاهر الحجّة فلا ريب أنّ العامّ بعد التخصيص ليس ظاهراً في العموم المطلق، بل ينقلب نسبته مع الخاصّين في مقام الحجّيّة إلى العموم من وجه، و على ذلك بنى صاحب الكفاية و قال: إنّ الملاك لملاحظة النسبة هو الظهور لا الحجّة (1).

قلت: ما بنى (عليه (رحمه اللّٰه)) مخالف لبناء العقلاء في المتباينين اللذين قد خصّص أحدهما بالمخصّص كما في المقام و في العامّين من وجه اللذين قد اخرج مادّة الافتراق من أحدهما، فإنّ ملاحظة التباين في الأوّل و ملاحظة العموم من وجه في الثاني المستلزم للحكم بالتساقط مستلزم لدوران أمر العرف بين طرح أحد الدليلين رأساً أو الجمع بالأخذ بالدليل المخصّص في غير مورد التخصيص و الأخذ بالدليل الآخر في غير ما يخصّص بالدليل المخصّص؛ و هو ممّا يقطع بعدمه.

و كذا لازم المبنى المذكور أنّه لو أخرج المخصّص مادّة الاجتماع من أحد الدليلين اللذين بينهما العموم من وجه كان التعارض على حاله؛ و لا يمكن من أحد الالتزام به؛ مضافاً إلى وضوح أنّ الظاهر الّذي ليس بحجّة غير معتبر وجداناً، فإنّه لا موضوعيّة للظهور لدى العرف بل هو طريق إلى كشف المراد.

إن قلت: فما هو الجواب عن العامّ الّذي ورد فيه مخصّصان بينهما عموم من وجه كما اشير إليه؟ و أيضاً فما الوجه في تقدّم المخصّص الوارد على العامّين من وجه و في الحكم بالتخصيص أوّلًا و إخراج مادّة الافتراق منه ثمّ الحكم بانقلاب النسبة و الحكم بكون العامّ المخصَّص الباقي تحته مادّة الاجتماع مخصِّصاً للعامّ الآخر المشتمل على مادّة الاجتماع و الافتراق و إخراج مادّة الاجتماع منه مع إمكان العكس، من جهة الحكم بالتساقط في مادّة الاجتماع و الحكم بعدم حجّيّة العامّين في مادّة الاجتماع الموجب لانقلاب النسبة بين المخصّص و العامّ بالتباين، لسقوط مادّة الاجتماع عن الحجّيّة، فلم يبق تحته إلّا مادّة الافتراق المعارض فيها مع الخاصّ؟

قلت: أمّا الوجه في الأوّل فامور:

منها: أنّه لا يمكن أن يحكم العرف بعدم التخصيص أصلًا، لأنّه طرحٌ لدليلين نصّين،

____________

(1) كفاية الاصول: ص 515.

12

..........

____________

و لا يمكن أن يكون التخصيص متفرّعاً على حجّيّة العامّ في العموم بالنسبة إلى مورد المخصّص الآخر، لأنّه مستلزم للدور، فإنّه لو كان التخصيص متوقّفاً على عدم تخصيص العامّ بالمخصّص الآخر توقّف وجود الشي‌ء على عدم مانعه تَوقَّفَ عدم التخصيص الآخر على ذاك التخصيص توقّف عدم الشي‌ء على وجود مانعه بعد تماميّة المقتضي المفروض كونه تامّاً من جميع الجهات، و ليس وجه لعدم التخصيص إلّا ذاك التخصيص، فتخصيص كلّ واحد من المخصّصين يتوقّف على التخصيص، و هذا دور، و لازم ذلك أنّ التخصيص و إن كان متوقّفاً على الظاهر الحجّة إلّا أنّ المتوقّف عليه هو الحجّة الّتي يمكن أن تقع في الرتبة السابقة و يتوقّف عليها التخصيص، لا ما لا يمكن حفظها إلّا في الرتبة اللاحقة.

و منها: أنّه لا يمكن أن يحكم العرف بعدم التخصيص بالمخصّصين أصلًا، لما عرفت من لزوم طرح النصّين لظاهر واحد؛ و لا يمكن أن يكون التخصيص متوقّفاً على الحجّة المعلولة لعدم التخصيص بمخصّص آخر، لأنّ مثل ذلك التوقّف موجود في المخصّص الآخر، فيلزم من التخصيص مع فرض التوقّف المذكور عدم التخصيص، و هو خلف.

و منها: أنّ النسبة بعد التخصيص و إن كانت منقلبةً إلى العامّين من وجه إلّا أنّه لا يمكن أن يحكم عليه بالتساقط، إذ يلزم منه عدم كون النسبة كذلك، فيلزم عدم صحّة الحكم بالتساقط، فيلزم من الحكم بالتساقط عدمه و يلزم من انقلاب النسبة عدمه، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الملاك لملاحظة النسبة و إن كان هو الظاهر الحجّة إلّا أنّ المقصود من الحجّة ما يمكن أن يتوقّف الحكم المتوقّف على ملاحظة النسبة عليه، فافهم و تأمّل.

و أمّا ما أُشير إليه من الإيراد الثاني فالجواب عنه أنّ حكم العرف بالتخصيص بالمخصّص لا يتوقّف على الحجّة التعيّنيّة، بل يكفي فيه وجود الحجّة غير المعيّنة القابلة للتعيّن بواسطة نفس الحكم بالتخصيص في ما يتوقّف عليه الحكم بالتخصيص، و هو الحجّة غير المعيّنة القابلة للتعيّن بواسطة نفس الحكم المحقّقة بالفعل؛ و هذا بخلاف موضوع الحكم بالتساقط الّذي ليس موضوعه إلّا عدم تعيّن الحجّة في البين، المرتفع بالمخصّص المفروض المعيِّن لما هو الحجّة بإخراج مادّة الافتراق و حصر موضوع العامّ بمادّة الاجتماع الموجب للتعيّن بنظر العرف.

13

..........

____________

ثمّ إنّه ظهر ممّا ذكرناه في وجه تخصيص العامّ بكلا المخصّصين اللذين بينهما العموم من وجه أنّ ذلك إنّما هو في ما إذا لم يكن بين نفس المخصّصين ترتّب، و إلّا (كما لو ورد «أكرم العلماء» و ورد «لا تكرم الصرفيّين» و ورد أيضاً أنّه «على تقدير حرمة إكرام الصرفيّين يحرم إكرام النحويّين») فإنّ المخصّص الثاني لا يقتضي حكماً مخالفاً للعامّ إلّا بعد اقتضاء المخصّص الأوّل، فالمخصّص الأوّل في اقتضائه التخصيص بلا مزاحم، و المخصّص الثاني إنّما يرد على العامّ بعد المخصّص الأوّل، و لذا لا بدّ من الحكم بكون النسبة هي العموم من وجه، فافهم و اغتنم.

هذا كلّه الكلام في المسألة الاصوليّة الّتي لا بدّ من ذكرها في باب تعارض الأدلّة، و إنّما ذكرناها في هذا الشرح لعدم حصول التوفيق لنا من كتابة ذلك في تعليقة الكفاية.

و اللّٰه المستعان لكلّ شأن و في كلّ آن. هذا.

و لكن في التقريب الّذي نقلناه عن المصباح و أوضحناه نظر من وجوه:

منها: أنّه لا يمكن أن يكون صحيح ابن محبوب شاهداً للجمع بالتقريب المذكور فيخصّص ما دلّ على المنع بخصوص مسجد الجبهة، لأنّ ما ذكره دليلًا للمنع ليس إلّا موثّقة عمّار (1) و موثّقة ابن بكير (2)، و هما لا يصلحان للجمع المذكور:

أمّا الثانية فلأنّ «الشاذ كونه» ليس ممّا يصحّ عليه السجود غالباً حتّى يحمل النهي فيها على مسجد الجبهة.

و أمّا الاولى فلأنّ ذيل رواية عمّار أي قوله (عليه السلام): «و إن كانت رجلك رطبةً و جبهتك رطبةً أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ على ذلك الموضع حتّى ييبس» (3) صريح في أنّ النهي ليس من جهة المكان بل من جهة تلوّث البدن، فلا تنافي بينها و بين المستفيضة الدالّة على الجواز المطلق.

نعم، ما رواه في المستمسك (4) عن زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن البول يكون على السطح أو في المكان الّذي يصلّى فيه، فقال: «إذا جفّفته الشمس فصلّ عليه فهو‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1042 ح 4 من ب 29 من أبواب النجاسات.

(2) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1044 ح 6 من ب 30 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1042 ح 4 من ب 29 من أبواب النجاسات.

(4) مستمسك العروة الوثقى: ج 1 ص 490.

14

..........

____________

طاهر» (1) خالٍ عمّا تقدّم من الإيراد، إلّا أنّ دلالته على اعتبار الطهارة بالمفهوم، و قد مرّ منّا مراراً في هذا الشرح أنّه لا إطلاق في المفهوم، بل يكفي في ثبوت المفهوم وجود تفصيل مورد للاعتبار عند انتفاء الشرط، و لذا لا يتوهّم منها دلالتها على عدم مطهّريّة المطر أو الماء الطاهر بمفهوم «إذا جفّفته الشمس».

و منها: أنّ صحيحة ابن محبوب معارضة مع موثّق عمّار، حيث إنّ الظاهر منه أنّه إذا يبس الموضع الرطب من الرجل أو الجبهة فلا إشكال في السجود على الموضع القذر، فتأمّل.

و لعلّه أظهر في عدم الاشتراط من الصحيح المستدلّ به على الاشتراط، لإمكان حمل الصحيح على الكراهة أو التلوّث بواسطة رطوبة الجبهة أو الأرض، خصوصاً مع فرض كون دلالتها بالمفهوم، فإنّ المنطوق يدلّ على جواز السجود مطلقاً، لحصول الطهارة بالماء و النار. و يكفي في ثبوت المفهوم عدم الجواز في الجملة و لو من جهة رطوبة أحد المتلاقيين.

و من هنا يعلم أنّ دلالة الصحيحة محلّ إشكال فكيف بتكافئها في مقام الجمع! فكيف بأظهريّتها من موثّق عمّار!.

و منها: أنّه على فرض الغضّ عمّا ذكر و فرض رواية مطلقة دالّة على النهي عن الصلاة على المكان النجس بحيث كان إطلاقه صالحاً لشمول مكان الجبهة أيضاً فلا ريب أنّ حمل الإطلاق المفروض على خصوص مسجد الجبهة أولى من الحمل على الفرد النادر بالنسبة إلى سائر ما يحتاج إليه المصلّي من المكان من مساجده السبعة و غيرها.

و منها: أنّه على فرض وجود الإطلاق و إمكان الحمل لكنّ التخصيص إنّما هو من باب النصوصيّة أو الأظهريّة، و رجحان التخصيص في المقام على الحمل على الكراهة في مسجد الجبهة و سائر ما يحتاج إليه المصلّي من المكان أو على الحمل على الإرشاد إلى حفظ طهارة البدن و اللباس غير معلوم، خصوصاً مع ما تقدّم من رواية عمّار و لا سيّما مع معهوديّة اشتراط الصلاة بطهارة البدن و اللباس عند السائلين.

و من التأمّل في جميع ما ذكرناه يظهر أنّ مقتضى التأمّل في الأخبار عدم دلالتها على الاشتراط إن لم تدلّ على عدم الاشتراط، لكن حيث لم ينقل الخلاف من أحد من القدماء‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1042 ح 1 من ب 29 من أبواب النجاسات.

15

[مسألة 1- إذا وضع جبهته على محلّ بعضه طاهر و بعضه نجس صحّ]

مسألة 1- إذا وضع جبهته على محلّ بعضه طاهر و بعضه نجس صحّ (1) إذا كان الطاهر بمقدار الواجب، فلا يضرّ كون البعض الآخر نجساً، و إن كان الأحوط طهارة جميع ما يقع عليه. و يكفي كون السطح الظاهر من المسجد طاهراً و إن كان باطنه أو سطحه الآخر أو ما تحته نجساً؛ فلو وضع التربة على محلّ نجس و كانت طاهرةً و لو سطحها الظاهر صحّت الصلاة.

[مسألة 2- يجب إزالة النجاسة عن المساجد]

مسألة 2- يجب إزالة النجاسة عن المساجد (2)،

____________

لا محيص عن الاحتياط الّذي هو طريق النجاة، خصوصاً مع وجود السيرة على ملاحظة الطهارة في موضع الجبهة. و اللّٰه وليّ التوفيق و به الاعتصام.

(1) وجه ذلك أمران:

أحدهما: عدم دلالة المفهوم المستفاد من صحيحة ابن محبوب على فرضها إلّا على اشتراط الطهارة في موضع الجبهة، و أمّا كيفيّة الاشتراط فهي ساكتة عن ذلك.

ثانيهما: أنّه على فرض الإطلاق في المفهوم بحيث كان بمنزلة أن يقال: «يشترط في موضع الجبهة الطهارة» أو بمنزلة أن يقال: «إنّه لا يجوز السجود على المكان النجس» فلا ريب في احتمال ذلك لأمرين: أحدهما أن تكون طهارة كلّ قطعة من الأرض شرطاً في صحّة السجود على تلك القطعة، بأن يكون مع النجاسة كالعدم، كما في الشرائط و الموانع بالنسبة إلى الصلاة، فإنّ المعروف أنّ كلّ جزء من أجزاء الصلاة مشروط بالطهارة و لا بدّ أن لا يوجد في الميتة أو غير المأكول أو الحرير، و كما في موضع الجبهة بالنسبة إلى ما يصحّ السجود عليه و ما لا يصحّ. ثانيهما أن تكون طهارة المجموع شرطاً لجواز السجدة عليه؛ و لو لم يكن الأوّل أظهر بالنسبة إلى الشروط القابلة للتجزئة فلا أقلّ من الاحتمال المضرّ بالاستدلال.

(2) أقول: يستدلّ عليه و على حرمة التنجيس بوجوه:

منها: الآية الشريفة: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» (1) بضمّ عدم‌

____________

(1) سورة التوبة: 28.

16

..........

____________

القول بالفصل بينه و بين سائر المساجد.

و منها: موثّقة الحلبيّ، قال:

نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:

«أين نزلتم؟» فقلت: نزلنا في دار فلان، فقال: «إنّ بينكم و بين المسجد زقاقاً قذراً» أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقاً قذراً، فقال: «لا بأس، إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً». قلت: و السرقين الرطب أطأ عليه؟ فقال: «لا يضرّك مثله» (1).

و منها: ما عنه أيضاً بطريق آخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال:

قلت له: إنّ طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه و ليس عليّ حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: «أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟» قلت:

بلى، قال: «فلا بأس، إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً»، قلت: فأطأ على الروث الرطب؟

قال: «لا بأس، أنا و اللّٰه ربما وطئت عليه ثمّ اصلّي و لا أغسله» 2.

و منها: النبويّ: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (3).

و منها: الروايات الواردة في الكنيف يتّخذ مسجداً، مثل صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكان يكون حشّاً زماناً فينظّف و يتّخذ مسجداً، فقال:

«ألق عليه من التراب حتّى يتوارى، فإنّ ذلك يطهّره إن شاء اللّٰه» (4).

هذا. و لكن في الكلّ نظر:

أمّا الأوّل فلما فيه أوّلًا: ما سبق منّا من عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة للنجس في زمان نزول الآية الشريفة، فلعلّ المراد منه القذر العرفيّ.

و ثانياً: أنّه على فرض ثبوت الحقيقة الشرعيّة لا يمكن القطع بوصولها إلى حدّ لا يتبادر منه المعنى العرفيّ، فلعلّ المقصود هو الأعمّ من العرفيّ و الشرعيّ كما ذهب إليه صاحب المصباح (قدس سره) (5)، و عليه لا يكون النهي مستعملًا في التحريم بل هو مستعمل في أصل الزجر.

____________

(1) 1 و 2 وسائل الشيعة: ج 2 ص 1047 و 1048 ح 4 و 9 من ب 32 من أبواب النجاسات.

(3) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

(4) وسائل الشيعة: ج 3 ص 490 ح 4 من ب 11 من أبواب أحكام المساجد.

(5) مصباح الفقيه: ج 8 ص 46.

17

..........

____________

و لكن فيه: أنّ ذلك يكفي في إثبات التحريم على مسلكه أيضاً.

و ثالثاً: أنّ مقتضى الجمع بين الآية الشريفة و ما في سورة الحجّ: «وَ إِذْ بَوَّأْنٰا لِإِبْرٰاهِيمَ مَكٰانَ الْبَيْتِ أَنْ لٰا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (1) هو أنّ النهي عن دخول النجاسة في البيت من باب اشتراط الطواف و الصلاة بالطهارة، و تطهيره يكون للطائفين و القائمين و الركّع السجود، و المعروف أنّ الدليل المشتمل على التعليل حاكم على الدليل المشتمل على أصل الحكم.

و رابعاً: أنّه قد مرّ في الاستدلال أنّه محتاج إلى ضمّ الإجماع، فالآية لا تدلّ على المدّعىٰ، و الإجماع ثابت مع قطع النظر عن الآية الشريفة.

لا يقال: تقيّد الآية الشريفة بخصوص المسجد الحرام ربما يشعر باختصاص ذلك به فتدلّ بالمفهوم على عدم منعٍ من دخولهم سائر المساجد.

فإنّه يقال: لعلّ التقيّد من باب أنّ مورد الابتلاء هو المسجد الحرام من باب توجّه المشركين إليه، و أمّا سائر المساجد فلم يكن مورداً لتوجّه المشركين، و هو واضح.

و أمّا الثاني فدلالتها على ثبوت البأس مع عدم طهارة ما تنجّس منه بالمشي في الزقاق النجس إنّما هو بالمفهوم الكافي فيه ثبوت البأس في بعض أفراده الّتي منها أن يكون الرجل بلا حذاء و كان مريداً للصلاة في المسجد؛ مضافاً إلى عدم بُعد اتّحاد الروايتين، و يأتي ما في الرواية الثانية من وجود القرينة على أنّ المقصود هو حصول الطهارة للصلاة.

و أمّا الثالث فذيلها ربما يدلّ على أنّ المقصود حصول الطهارة حتّى يجوز أن يصلّي؛ و لا أقلّ من الإجمال المخلّ بالاستدلال.

و أمّا الرابع ففيه مع ضعف السند: عدم معلوميّة المراد، لاحتمال كون المقصود موضع الجبهة. نعم، لو لم يعلم من الخارج وجوب إزالة النجاسة عن موضع الجبهة أمكن الاستدلال به، للعلم الإجماليّ الحاصل منه إمّا بوجوب اجتناب موضع الجبهة عن النجس و لو لم يكن مسجداً و إمّا بوجوب اجتناب المسجد عن النجس لكنّه خلاف المشهور.

و أمّا الخامس فالاستدلال به يتوقّف على امور غير واضحة:

____________

(1) سورة الحجّ: 26.

18

..........

____________

منها: أن يكون المقصود من قوله (عليه السلام): «فإنّ ذلك يطهّره إن شاء اللّٰه» أنّه يحصل بواسطة إلقاء التراب سطح طاهر للمسجد، و هو خلاف الظاهر كما أنّ حمله على النظافة العرفيّة أيضاً خلاف الظاهر، و حمله على معناه الظاهر خلاف الضرورة، فإنّ التراب ليس مطهّراً للأرض الّتي تنجّست.

و منها: أن يحمل قوله (عليه السلام) في رواية أبي الجارود: «يطرح عليه من التراب حتّى يواريه فهو أطهر» (1) على أنّ المقصود من الأطهريّة كون السطح مجمعاً للطهارة الشرعيّة و النظافة العرفيّة، أو يحمل قوله: «ثمّ ينظّف» على التنظيف الشرعيّ، و إمّا أن جعل لحاظ الأطهريّة بالنسبة إلى النظافة العرفيّة قرينةً على أنّ المراد من «الأطهر» هو الأنظف، فيصير ذلك الذيل قرينةً على باقي الأخبار فيحمل على الطهارة العرفيّة.

و منها: حمل قوله (عليه السلام) في رواية عليّ بن جعفر: «إذا نُظّف و اصلح فلا بأس» (2) على التنظيف الشرعيّ، و إلّا يصير ذلك قرينةً على حمل الأمر بإلقاء التراب على الاستحباب، فيكون المحصّل من المجموع دالّاً على خلاف المطلوب، فتحصّل عدم دليلٍ خالٍ عن المناقشة على المطلوب.

لكنّ الظاهر تحقّق الإجماع على وجوب الإزالة و حرمة التنجيس في الجملة، لكن لا يعلم أنّ الحكم هو وجوب تجنّب المسجد عن تعدّي النجاسة و ليس لوجود النجس في المسجد دخلٌ في الحرمة بنفسه بل النهي عنه بملاحظة عدم حصول التعدّي، أو الحكم هو وجوب تجنّبه عن دخول النجس فيه بحيث لا دخالة للتعدّي، فلا بدّ من الاحتياط، لحصول العلم الإجماليّ بواسطة الإجماع المشار إليه.

لا يقال: إدخال النجاسة الموجبة للتعدّي حرام قطعاً، و الباقي مشكوك فيجري الأصل.

فإنّه يقال: ليس العنوان المذكور مسلّمَ الحرمة، بل هو مشتمل على الحرام قطعاً، و بالنسبة إليه غير معلوم أنّ المتّصف بالحرمة هل التعدّي أو الإدخال، فالإجمال باقٍ بحاله، ضرورة أنّ الجمع بين جزءٍ من كلا طرفي العلم لا يوجب الانحلال، فافهم و تأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّه إذا ثبتت حرمة التنجيس بالإجماع أو الدليل اللفظيّ ثبت وجوب‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3 ص 490 ح 3 من ب 11 من أبواب أحكام المساجد.

(2) وسائل الشيعة: ج 3 ص 491 ح 7 من ب 11 من أبواب أحكام المساجد.

19

داخلها و سقفها و سطحها و الطرف الداخل من جدرانها (1)، بل و الطرف الخارج على الأحوط، إلّا أن لا يجعلها الواقف جزءاً من المسجد، بل لو لم يجعل مكاناً مخصوصاً منها جزءاً لا يلحقه الحكم.

و وجوب الإزالة فوريّ (2)، فلا يجوز التأخير بمقدار ينافي الفور العرفيّ.

و يحرم تنجيسها أيضاً (3)؛ بل لا يجوز إدخال عين النجاسة فيها و إن

____________

الإزالة بالاستصحاب، فإنّ وجود النجاسة كان سابقاً مبغوضاً عند الشارع، و الآن كما كان، و لازمه وجوب الإزالة.

و من ذلك يظهر الدليل على الفوريّة، لأنّ الاستصحاب يحكم بمبغوضيّة وجود النجاسة من كلّ أحد في كلّ آن.

(1) أقول: لعلّه لإطلاق معقد الإجماعات المنقولة و إطلاقِ ما تقدّم من الأدلّة اللفظيّة.

و في كليهما نظر.

و منه يظهر الإشكال في حرمة تنجيس الطرف الخارج من الجدار، فإنّه أولى بالإشكال حتّى مع فرض الإطلاق، للانصراف.

بل يمكن الإشكال في الجميع حتّى مع وجود الإطلاق بلا احتياج إلى دعوى الانصراف، من جهة أنّ المسجد هو الّذي جعل لأن يصلّي فيه المسلمون، و السقف و الجدران- داخليّاً كان أو خارجيّاً- لا يصلح أن يكون وقفاً لذلك، بل الجدار وقفٌ لأن يكون سقف المسجد عليه مثلًا، و السقف وقفٌ لحفاظة المصلّي عن الحرّ و البرد.

(2) قد عرفت وجهه ممّا تقدّم في تتمّة ما علّقناه على أوّل المسألة.

و يمكن الاستدلال له بناءً على الغضّ عن المناقشات المتقدّمة بقوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» (1)، لشهادة العرف بأنّ المستفاد منها مبغوضيّة وجود النجس في المسجد الحرام، و مقتضاها مبغوضيّة كلّ مصداق من مصاديق وجود النجس في المسجد.

(3) قد مرّ الكلام فيه فراجع ما علّقناه أوّل المسألة.

____________

(1) سورة التوبة: 28.

20

لم تكن منجّسةً إذا كانت موجبةً لهتك حرمتها، بل مطلقاً (1) على الأحوط.

و أمّا إدخال المتنجّس فلا بأس به ما لم يستلزم الهتك.

[مسألة 3- وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائيّ]

مسألة 3- وجوب إزالة النجاسة عن المساجد كفائيّ (2). و لا اختصاص له بمن نجّسها أو صار سبباً، فيجب على كلّ أحد.

____________

(1) لما قد عرفت من أنّه طرف العلم الإجماليّ الحاصل من الإجماع.

و تدلّ عليه الآية المتقدّمة بناءً على الغضّ عن المناقشات المذكورة. هذا.

لكنّ القدر المتيقّن من الدليلين حرمة إدخال النجاسة العينيّة بالاستقلال، و أمّا لو فرضنا كونها تابعاً لجسم آخر كالدم الموجود في الجسم بل جلد الميتة الّذي يكون مع الوارد فلا دليل على حرمة إدخالها؛ مضافاً إلى ما يقال من دلالة بعض النصوص على الجواز.

(2) فإنّه المستفاد من الآية الشريفة على فرض الدلالة على حرمة التنجيس و وجوب الإزالة.

و يدلّ عليه الاستصحاب المشار إليه، فإنّ وجود تلك النجاسة الحاصلة كان مبغوضاً مطلقاً، و الآن كما كان.

لا يقال: كما أنّ مقتضى الاستصحاب أنّ وجودها مبغوض من كلّ أحد كذلك مقتضاه بالنسبة إلى النجاسة الموجودة هو استحقاق خصوص من نجّسها للعقوبة.

فإنّه يقال: استحقاقه للعقوبة بالخصوص بالنسبة إلى أوّل الوجود من جهة عدم مدخليّة الغير لحصولها، و هذا بخلاف بقاء النجاسة، فإنّ من نجّسها و غيره سيّان في التأثير في بقاء النجاسة. هذا.

و لكنّ الإنصاف: أنّه لو لم يكن إطلاق في البين- كما اشير إليه أنّه الأصحّ و كان الدليل على المسألة هو الاستصحاب المذكور- اشكل الأمر، من جهة أنّ المحرّم في ابتداء وجود النجاسة هو إيجادها من كلّ أحد، لا اتّصافه بعنوان المبغوضيّة من كلّ أحد، كأن يقدر على عدم وجودها حتّى يستحقّ العقوبة بالنسبة إلى أوّل الوجود من نجّسها و من كان قادراً على دفع المنجّس أو دفع النجاسة، فإنّ المسلّم هو استحقاقه بالخصوص للعقوبة دون من كان قادراً على دفعه، و مقتضى ذلك حرمة إبقاء النجاسة على الموجد،

21

[مسألة 4- إذا رأى نجاسةً في المسجد و قد دخل وقت الصلاة]

مسألة 4- إذا رأى نجاسةً في المسجد و قد دخل وقت الصلاة يجب المبادرة إلى إزالتها مقدّماً على الصلاة مع سعة وقتها، و مع الضيق قدّمها.

و لو ترك الإزالة مع السعة و اشتغل بالصلاة عصى، لترك الإزالة. لكن في بطلان صلاته إشكال (1)، و الأقوى الصحّة. هذا إذا أمكنه الإزالة، و أمّا مع عدم قدرته مطلقاً أو في ذلك الوقت فلا إشكال في صحّة صلاته. و لا فرق في الإشكال في الصورة الاولى بين أن يصلّي في ذلك المسجد أو في مسجد آخر. و إذا اشتغل غيره بالإزالة لا مانع من مبادرته إلى الصلاة قبل تحقّق الإزالة.

____________

لأنّه الموجد البقائيّ دون من يكون قادراً على الإزالة، فإنّ القاتل أو المتلف من يتصدّى للقتل أو الإتلاف دون من يقدر على إيجاد المانع. و كذا لو هيّأ أحد بئراً لإلقاء أحد فيه، فإنّ القاتل أو الضارّ هو الحافر للبئر، لا من اطّلع على الأمر و كان في وسعه إيجاد المانع و لم يوجد المانع؛ فتحصّل أنّ الجزم بكون وجوب الإزالة كفائيّاً مشكل فلا بدّ من الاحتياط، فتأمّل.

(1) أقول: كون تلك المسألة مبتنيةً على «مسألة اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن الضدّ، و أنّ الصحيح عدم الاقتضاء» من الامور المعروفة.

و لكن لي فيهما نظر و إشكال:

أمّا بالنسبة إلى عدم الاقتضاء فإنّ عمدة الوجه الّذي ذكروه في الاصول أمران:

أحدهما: أنّ توهّم الاقتضاء ليس إلّا من باب مقدّميّة ترك الضدّ لفعل ضدّه الواجب من باب توقّف الشي‌ء على عدم مانعه، و هي محال، لأنّه لو كان عدمه دخيلًا في وجود الضدّ الواجب من باب عدم المانع لكان وجود ذلك الضدّ ممّا يصلح أن يستند إليه عدم الضدّ الآخر من باب استناد عدم الشي‌ء إلى وجود مانعه، فإنّ استناد عدم الضدّ إلى وجود ضدّه و إن لم يكن فعليّاً لاستناده إلى عدم المقتضي- و هو عدم تعلّق الإرادة الأزليّة- لكن صِرف صلاحيّة الاستناد كافٍ في التقدّم الرتبيّ المستلزم للاستحالة من باب كون الشي‌ء في الرتبتين.

22

..........

____________

و بالجملة: الاستناد الفعليّ المدّعىٰ- و هو استناد وجود الضدّ إلى عدم ضدّه- مستلزم للاستناد الشأنيّ، و هو محال، لأنّ الاستناد و إن كان شأنيّاً إلّا أنّ تقدّم رتبة المستند إليه فعليّ، فلا بدّ حينئذٍ من إنكار الاستناد.

ثانيهما: أنّه لو كان وجود الضدّ الواجب متوقّفاً على عدم ما هو الضدّ للواجب و مقدّماً عليه في الرتبة بملاك التضادّ لكان وجود ما هو الضدّ للواجب متوقّفاً على عدم الضدّ للواجب و مقدّماً عليه في الرتبة، و بما أنّ النقيضين في الرتبة الواحدة يلزم توالي فاسدة: منها: كون كلّ ضدّ مقدّماً على الضدّ الآخر في الرتبة و مؤخّراً عنه كذلك. و منها:

تقدّم رتبة كلّ واحد من عدم الضدّين على عدم الآخر في الرتبة و تأخّره عنه كذلك.

و منها: تقدّم رتبة وجود أحد الضدّين بالنسبة إلى عدم الآخر و تأخّره عنه في الرتبة، و هو محال بالضرورة.

هذا تحرير الدليلين مع مراعاة الاختصار. و هما مخدوشان:

أمّا الأوّل فلأنّ التقدّم الرتبيّ ليس إلّا استناد المعلول إلى العلّة أو بعض أجزائها فعلًا، و أمّا صلاحيّة الاستناد فليست إلّا صلاحيّة التقدّم في الرتبة، فالاعتراف بعدم كون التوقّف فعليّاً مع كون التقدّم الرتبيّ فعليّاً متناقضان، فإنّا لا نتصوّر تقدّماً رتبيّاً وراء استناد المعلول إلى العلّة، فإذا فرض عدمه فعلًا فهو مساوق لفرض عدم التقدّم الرتبيّ فعلًا، فوجود الضدّ متوقّف على عدم ضدّه، فهو مقدّم عليه في الرتبة، بخلاف عدم الضدّ، فإنّه ليس متوقّفاً على وجود الضدّ فليس متقدّماً عليه في الرتبة.

و الحاصل: أنّ صِرف صلاحيّة الاستناد لا تصلح لانتزاع التقدّم الرتبيّ فعلًا كي يلزم كون الشي‌ء في الرتبتين. كيف! و لو كان كذلك لكان اللازم إنكار الاستناد في المثال المعروف و هو علّيّة حركة اليد لحركة المفتاح و علّيّتها لفتح الباب، فإنّ فتح الباب متوقّف على حركة المفتاح مع أنّه يصلح أن يكون حركة المفتاح متوقّفةً على فتح الباب إذا كان المفتاح مفتاحاً منحصراً في البيت المغلق، بل الحكم بالاستحالة في المثال أولى، لأنّ الاستناد بالعكس ممكن الوقوع، بخلاف استناد عدم الضدّ إلى وجود الضدّ الآخر، لاعتراف المستدلّ بعدم إمكان ذلك وقوعاً، إذ مع وجود الضدّ الآخر يكون عدم الضدّ مستنداً إلى عدم المقتضي دائماً حتّى في ما إذا كان المتصدّي لإيجاد الضدّين‌

23

..........

____________

شخصين مختلفين كما في الكفاية (1).

إن قلت: ما ذكرته و إن كان كذلك بزعم صاحب الكفاية إلّا أنّه يمكن تقريب الاستحالة بنحو يسلم من المناقشة.

و هو أن يقال: إنّ استناد عدم الضدّ إلى وجود الضدّ الآخر على تقدير التمانع فعليّ أيضاً، لأنّ استناد عدم الضدّ إلى عدم المقتضي دائماً ممنوع، بل على فرض وجود المانع يكون العدم مستنداً إلى كلا الأمرين من عدم المقتضي و وجود المانع، إذ لا وجه لتوهّم تقدّم عدم المقتضي على وجود المانع، إلّا أنّ المانع لا يتّصف بالمانعيّة الفعليّة إلّا على فرض وجود المقتضي، فمع عدم المقتضي لا يكون المانع الفعليّ موجوداً.

و هو مدفوع أوّلًا بأنّ عدم المقتضي بوصف كونه مستنداً إليه عدمُ المقتضى- بالفتح- بنحو الانحصار يتوقّف أيضاً على عدم المانع، و إلّا فالمدّعىٰ استناده إليه أيضاً، فمنشأ التوهّم مقلوب على المتوهّم.

إن قلت: لا محذور في توقّفه على عدم المقتضي الفعليّ و وجود المانع الفعليّ، فبعد أخذ الفعليّة في كلا الأمرين نرى أنّ الأوّل مقدّم عليه في الرتبة كما مرّ في بيان التوهّم.

قلت: ما يترتّب عليه العدم هو عدم المقتضي، فإن فرض قيد الفعليّة في المانع فلا بدّ من فرضها في نفس العدم لا في متعلّق العدم، و الاشتباه المذكور صار منشأً للمغالطة؛ مع أنّ ما هو من أجزاء علّة الوجود هو المقتضي الشأني، لما سيجي‌ء من أنّ المقتضي الفعليّ بوصف كونه كذلك لا يمكن أن يكون من أجزاء العلّة؛ مع أنّه كذلك لا يحتاج إلى عدم المانع، لأنّ المقتضي الفعليّ الّذي ليس له حالة منتظرة هو العلّة التامّة، فلا معنى لجعله من أجزاء العلّة، فعلى هذا يكون عدم المقتضي الشأني علّةً للعدم؛ مع أنّ عدم المقتضي الفعليّ له فردان بحسب الخارج: أحدهما عدم المقتضي الشأنيّ. ثانيهما وجود المانع، فلا يكون بكلا فرديه مقدّماً على وجود المانع، للزوم تقدّم الشي‌ء على نفسه.

و ثانياً بأنّ العدم متوقّف على عدم المقتضي أو وجود المانع بالذات لا بوصف المؤثّريّة في العدم، فإن توقّف العدم على ذات عدم العلّة لا مع وصف كونه مترتّباً عليه العدم فإنّه يتوقّف على ترتّب العدم خارجاً، فلو كان العدم متوقّفاً عليه لزم الدور المصرّح،

____________

(1) كفاية الاصول: ص 162.

24

..........

____________

و كذلك الأمر في ناحية الوجود.

فاتّضح أنّه لا وجه لما في الكفاية من أنّ العدم دائماً مستند إلى عدم المقتضي بل مع وجود المانع يستند إلى كلا الأمرين، فحينئذٍ لو قلنا بأنّ الضدّ الّذي هو واجب متوقّف على عدم ما هو ضدّ للواجب توقّف الشي‌ء على عدم مانعه لَتَوقّف عدم الضدّ المذكور على الضدّ الواجب توقّف الشي‌ء على مانعه توقّفاً فعليّاً لكن لا بنحو التعيّن و الانحصار بل على نحو التخيير، فإنّ العدم مترتّب على عدم العلّة للوجود الّذي يمكن الانطباق على عدم المقتضي و يمكن الانطباق على وجود المانع و يمكن الانطباق على كليهما.

قلت: إنّه لا مانع من القول بأنّ وجود الضدّ الواجب متوقّف على عدم ضدّه، لكون التوقّف ضروريّاً بلا محذور، و لا مانع من الاعتراف بأنّ ذلك التوقّف من باب توقّف المعلول على عدم مانعه مع إنكار ترتّب عدم الضدّ على وجود ضدّه، لعدم الصلاحيّة فعلًا، لا من باب عدم كونه مانعاً، بل من جهة أنّ وجوده آتٍ من ناحية عدم ضدّه، فلا يمكن أن يكون دخيلًا في عدم ضدّه مع كونه مانعاً. أ لا ترى أنّه لو توقّف فتح الباب على مفتاحين أحدهما موجود في الغرفة المغلّقة و متوقّف على فتح الباب و الثاني موجود فهل يمكن أن يحكم بإنكار الاقتضاء و الآليّة في المفتاح الموجود في الغرفة رأساً؟!.

نعم، لا يمكن استناد فتح الباب إلّا إلى المفتاح الآخر، و هو واضح بعد التأمّل.

هذا كلّه بالنسبة إلى البرهان الأوّل.

و أمّا الثاني فلأنّ نقيض الوجود في الرتبة المتأخّرة و العدم في الرتبة المتقدّمة ليس العدم في تلك الرتبة و الوجود فيها، بل نقيضها عدم ما هو في الرتبة، فوصف التقدّم و التأخّر الرتبيّ كسائر الأوصاف من الزمان و المكان و العوارض الاخر لا ينتقل إلى النقيض، و إلّا لكان نقيض «زيد الكاتب» عدم زيد المتّصف بالكتابة، و هو واضح البطلان؛ فالوجهان المذكوران لاستحالة التوقّف لا يمكن الاستناد إليهما.

إلّا أن يقال: إنّه لو توقّف وجود الضدّ على عدم ضدّه توقّف الشي‌ء على عدم مانعه لاقتضى التمانع المذكور توقّف العدم على وجود ضدّه توقّفاً فعليّاً انحصاريّاً في ما لو كان المقتضي للضدّين- الّذي هو إرادة وجودهما- موجوداً، لأنّ أقوى الشخصين الّذي يريد إنفاذ إرادته و هو قادر على ذلك يرى أنّ إيجاد الضدّ الّذي هو مراده يتوقّف على‌

25

..........

____________

إعدام الضدّ الآخر، و هو يتوقّف على إيجاد ذلك الضدّ المراد، و لازم التوقّف المبنيّ على التمانع استحالة إيجاد الضدّ الّذي هو مراد القادر، و هو واضح البطلان بالضرورة، فيكشف ذلك عن عدم التوقّف.

إن قلت: وجود الضدّ في الفرض مستند إلى العدم، و لكنّ العدم مستند إلى عدم المقتضي، و هو عدم قدرة المغلوب الضعيف على إنفاذ إرادته في قبال القادر على ما في الكفاية (1)، لأنّ العدم دائماً مستند إلى عدم المقتضي كما في الكفاية (2)، أو لأنّ وجود المانع لا يصلح أن يكون مستنداً إليه، بخلاف عدم المقتضي أعني عدم قدرة المغلوب.

قلت: من الواضح البيّن عدم استناد العدم في الفرض إلّا إلى وجود المانع، لوضوح أنّ نفس ضعف المغلوب لا يصلح للعدم، و إلّا لصار معدوماً قبل إيجاد الضدّ من قبل القادر الغالب، بل ما هو مؤثّر فعلًا بالوجدان هو إيجاد الضدّ من طرف القويّ، فيقوى إشكال الدور الفعليّ، و ليس ذلك إلّا لفرض التمانع، فلا بدّ من إنكار التمانع كما استقرّ عليه رأي المحقّقين من المتأخّرين و عليه جرت مدّة متمادية.

أقول: التحليل المذكور لا يقتضي إنكار التوقّف رأساً، بل في المقام عدم الضدّ يتوقّف على وجود الضدّ الآخر لاحتياجه إليه، لكن إيجاد الضدّ الّذي هو مراد القويّ منهما لا يحتاج إلى عدم الضدّ، لحصوله بنفس إيجاد الضدّ، فالإيجاد لا يحتاج إلى العدم بل العدم يحصل به، و هذا بخلاف ما لو كان وجود الضدّ محتاجاً إلى عدم ضدّه و لم يكن وجود الضدّ كافياً لعدمه، كما في البياض فإنّ وجود البياض في الجسم يحتاج إلى عدم السواد، و ليس نفس إيجاده كافياً في عدم البياض.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه أنّ وجود الضدّ متوقّف على عدم ضدّه في ما إذا لم يكن وجود الضدّ كافياً لدفع الضدّ الآخر؛ فالأمر بالشي‌ء مقتضٍ للنهي عن الضدّ في بعض الموارد و غير مقتضٍ له في البعض الآخر، ففي المسألة نفس وجود الإزالة كافٍ لعدم الصلاة، فلا يحتاج وجودها إلى عدم الصلاة بل يحصل العدم بنفس وجود الإزالة.

ففي المقام يمكن أن يقال بعدم الاقتضاء، بخلاف ما لو كان حجر ثقيل في المكان المنحصر لإيقاع الصلاة فيه و لم يمكن الصلاة على الحجر لوجود الانحدار الكثير،

____________

(1) كفاية الاصول: ص 162.

(2) كفاية الاصول: ص 162.

26

..........

____________

فالصلاة في المكان المفروض مضادّ مع كون الحجر فيه إلّا أنّ نفس وجود الضدّ ليس كافياً لإعدام الضدّ عن المكان فلا بدّ من دفعه أوّلًا ثمّ الصلاة فيه، ففي مثل ذلك الفرض لا يمكن القول بعدم التوقّف و عدم وجوب رفع الحجر عن المكان.

هذا كلّه بالنسبة إلى الأمر الأوّل.

و أمّا الأمر الثاني- و هو عدم ابتناء الصحّة على عدم اقتضاء الأمر للنهي عن الضدّ- فلوجوه:

منها: أنّه لو قلنا بالاقتضاء مطلقاً أو بالتفصيل الّذي عرفت فلا ريب أنّه من باب مقدّميّة ترك الضدّ لفعل الضدّ الّذي هو واجب، فلو قلنا باختصاص الوجوب المقدّميّ بالمقدّمة الّتي لو أتى بها لرتّب عليها الواجب النفسيّ بنحو كانت تلك القضيّة الشرطيّة قيداً للوجوب- لا قيداً للواجب- فترك الصلاة إذا لم يكن ممّا يترتّب عليه الإزالة و لم يكن المكلّف بحيث لو أتى به يمتثل الواجب النفسيّ ليس بواجب ففعلها لا يكون حراماً فلا مانع من صحّتها بناءً على ما سيجي‌ء من وجود المقتضي للصحّة أيضاً.

و أمّا إجمال القول في باب «المقدّمة الموصلة» فنقول: لا يمكن القول بأنّ الواجب مطلق المقدّمة بالوجوب المطلق، لوضوح عدم كون المقدّمة الّتي لا يترتّب عليها الغرض النفسيّ بمطلوب أصلًا، فإنّه يستحيل أن يكون الغرض من الوجوب هو التمكّن الأعمّ من الموصل و غيره بعد فرض كون الوجوب غيريّاً.

و لا يمكن القول بكون الإيصال الخارجيّ قيداً للواجب بنحو الشرط المقارن أو المتأخّر، لوضوح أنّ ذات المقدّمة لا تتّصف بوجوبين أحدهما يكون مترشّحاً من الآخر؛ مع أنّه لو كان الواجب هو المقدّمة بوصف الإيصال فذات المقدّمة إمّا أنّها واجبة بدون قيد الإيصال إلى المقدّمة بوصف الإيصال لزم الخلف، و إمّا أن تكون واجبةً كذلك فيلزم التسلسل، فتأمّل.

و لا يمكن القول بأنّ الواجب هو العلّة التامّة للواجب، لأنّ ما هو المتعلّق للغرض هو العلّة التامّة الموصلة، فإن لوحظ في متعلّق الإرادة خالياً عمّا هو دخيل في الغرض- و هو قيد الإيصال- لم يتعلّق به الإرادة، و إن لوحظ مقيّداً يرجع إلى السابق.

و لا يمكن القول بأنّ الواجب هو المقدّمة في حال الإيصال لا بقيده، فإنّ الإهمال‌

27

..........

____________

الثبوتيّ غير معقول، لأنّه إن كان الإيصال دخيلًا في الواجب أو الوجوب فهو قيد، و إلّا فالواجب و الوجوب مطلق.

إن قلت: كما أنّ العلّة المؤثّرة في المعلول ليست من جهة كونها مؤثّرة في المعلول مطلقةً، لأنّه لا يعقل أن يكون الأعمّ من المؤثّر و غير المؤثّر مؤثّراً، و لا مقيّدةً، لأنّ المؤثّر في المعلول هو الذات لا بوصف كونها كذلك، فالعلّة في مقام المؤثّريّة لا مطلقة و لا مقيّدة و لكن لا تنطبق إلّا على المقيّد، كذلك يمكن أن يكون متعلّق الوجوب هو المقدّمات الّتي ترتّب عليها المقدّمة لكن لا بنحو الإطلاق و لا بنحو التقييد و لكنّه ليس الواجب إلّا المقيّد.

قلت: عدم الإطلاق و التقيّد بالنسبة إلى ثبوت العوارض الخارجة غير مقام ما هو الدخيل في تحقّق شي‌ء أو تعلّق شي‌ء بشي‌ء، فالقيام في الخارج أو المؤثّريّة فيه لا يتعلّق إلّا بالموضوع الخاصّ الّذي لا إطلاق فيه و لا تقيّد فيه أيضاً.

لكن لا يمكن أن يقال: إنّ دخالة زيد- مثلًا- في حصول القيام ليس بنحو التقيّد و لا يكون القيام بالنسبة إليه مطلقاً، فإنّ وجود زيد إمّا أن يكون دخيلًا في تحقّق القيام في الخارج فيكون قيداً بالنسبة إليه، و إمّا أن لا يكون كذلك فيكون القيام بالنسبة إليه مطلقاً.

مع أنّ ذلك إنّما هو بالنسبة إلى المحمول المترتّب على الموضوع، و ذلك غير مربوط بالمقام، فإنّ عدم الإطلاق في ناحية ترتّب المعلول على العلّة لا يقتضي عدم الإطلاق في مقام تعلّق الوجوب. نعم، بالنسبة إليه يقال: إنّ المقدّمة الأعمّ من كونها واجبةً و غيرَ واجبة لا تتّصف بالوجوب، و ذلك لا يقتضي التقيّد من حيث الإيصال و عدمه.

و لا يمكن أن يقال: إنّ الإيصال بوجوده الخارجيّ أو على نحو الشرط المتأخّر قيد للوجوب، لأنّه على فرض الإيصال أو كون المكلّف موصلًا فالمقصود حاصل فالبعث في فرض حصول المبعوث إليه لغو؛ فانحصر الأمر في ما ذكرناه، فإنّه الّذي لا إشكال فيه بحسب الظاهر من جهة من الجهات و يساعده الوجدان، فراجع ما ذكرناه في أوّل ذلك البحث الاصوليّ و تأمّل، و لعلّه ممّا ينبغي أن يغتنم، و اللّٰه المستعان و هو وليّ التوفيق.

ثمّ لا يخفى أنّ صحّة الصلاة و لو بناءً على الاقتضاء من جهة القول بالمقدّمة الموصلة إنّما هي لو فرض كون الإيصال بأحد المعاني الثلاثة المتقدّمة قيداً للوجوب، و أمّا بناءً‌

28

..........

____________

على كونه قيداً للواجب فالإيصال واجب في المسألة و تركُ الصلاة أيضاً واجب و لو لم يتّصف بالإيصال، فإنّه يجب عليه الترك و الإيصال، و لا يرتفع الوجوب عن الترك مع عدم تحقّق قيده، كما في الصلاة مع الطهارة فإنّها مع عدم الطهارة مورد للأمر.

و منه يظهر ما في الكفاية: من «الاعتراف بالثمرة مع كون مفروضه وضوح عدم كون الإيصال قيداً للوجوب» (1)، فإنّه لو كان قيداً للواجب فالترك واجب، فنقيضه الّذي هو الفعل حرام.

و لا يمكن أن يقال: إنّ الواجب هو الترك الموصل، و نقيضه الحرام هو ترك الترك الموصل و هو حرام، و أمّا الفعل و الترك المجرّد عن ذي المقدّمة فغير متّصف بالحرمة، لعدم كونه بنفسه نقيضاً، بل هما لازمان لما هو النقيض و هو ترك الترك الموصل؛ فإنّك قد عرفت على الفرض المذكور أنّ الترك بذاته حرام أيضاً و لو ضمناً، و الفعل نقيض الترك كما اعترف به في الكفاية، و هو حرام، فراجعها و تأمّل.

و منها: أنّه لو فرض الاقتضاء و أنّ مطلق المقدّمة واجب فيمكن القول بالصحّة، من جهة أنّه قد اجتمع في الصلاة أمرٌ مقرّب و نهيٌ مبعّد، و لا مانع من قصد التقرّب بما يكون مبعّداً من جهة.

إن قلت: ليس الضدّ الواجب بنفسه و الحرام من باب كونه ضدّاً للواجب الآخر الأهمّ من صغريات مسألة الاجتماع بناءً على القول به، لأنّ ما هو الضدّ هو ما بالحمل الشائع كذلك، فليس عنوان كونه ضدّاً مورداً للنهي، بل النهي متعلّق بذات الموجود الخارجيّ كما صرّح بذلك في الكفاية بالنسبة إلى المقدّمة في مواضع عديدة.

قلت: لا بدّ من كون الضدّيّة في باب الضدّ و المقدّميّة في بابها ملحوظتين في مقام تعلّق الإرادة، و إلّا لم تتعلّق بهما الإرادة الغيريّة، و هذا هو معنى القيديّة، لكنّه ليس قيداً للواجب، فإنّه لم يجعل المقدّميّة و الضدّيّة مورداً للبعث، بل جعل ذلك الموضوع المقيّد المفروض وجود وصفه على تقدير الوجود مورداً للبعث، و هذا كافٍ في مسألة الاجتماع، لأنّ الملاك هو اختلاف الموجود الذهنيّ، فتأمّل فإنّه دقيق.

و منها: أنّه بناءً على الامتناع يمكن أن يقال بصحّة الصلاة من باب وجود الملاك‌

____________

(1) كفاية الاصول: ص 151.

29

[مسألة 5- إذا صلّى ثمّ تبيّن له كون المسجد نجساً]

مسألة 5- إذا صلّى ثمّ تبيّن له كون المسجد نجساً كانت صلاته صحيحة (1)، و كذا إذا كان عالماً بالنجاسة ثمّ غفل و صلّى.

____________

و صلاحيّته للتقرّب مع وجود الجهة المبعّدة.

و لكن لا يخفى أنّ الحكم بالصحّة على فرض عدم الاقتضاء و على الفروض الثلاثة المبنيّة على فرض الاقتضاء يتوقّف- مضافاً إلى رفع المانع من جهة المضادّة بأحد الوجوه الأربعة- على إحراز المقتضي للتقرّب و العباديّة؛ و هو إمّا من باب الأمر الترتّبيّ الجاري على فرض عدم الاقتضاء مطلقاً أو في المورد الّذي لا يوصل الترك إلى الواجب، و إمّا من باب تعلّق الأمر العرضيّ بالصلاة في الفرضين من جهة أنّ جواز اجتماع الأمر و النهي يقتضي جواز ذلك بالأولويّة، و إمّا من باب تعلّق الأمر العرضيّ بناءً على الاقتضاء المطلق من باب جواز الاجتماع، و إمّا من باب الأمر الترتّبيّ بناءً عليه أيضاً من جهة ترتّب الأمر على عصيان النهي المتعلّق بتلك العبادة المأمور بها. و أمّا على فرض عدم جواز اجتماع الأمر و النهي حتّى بنحو الترتّب مع فرض اقتضاء الأمر للنهي عن ضدّه مطلقاً فصحّتها تتوقّف على كشف الملاك مع عدم وجود الأمر، و هو مشكل.

فتلخّص أنّه مع فرض عدم الاقتضاء (كما هو الحقّ في المقام) يمكن كشف المقتضي- و هو الملاك- بأمرين: أحدهما الأمر الترتّبيّ و الثاني الأمر العرضيّ على اختلاف المباني.

و أمّا كشف الملاك بدون ذلك من جهة تعلّق الأمر بالأفراد الفارغة عن المزاحم فمشكل جدّاً؛ مع أنّه على فرض الاستكشاف التقرّبُ به لا يخلو عن الإشكال، من جهة أنّ قصد المصلحة غير مقرّب إلى المولى.

و أمّا الترجّح النفسانيّ- كما تفوه به بعض من عاصرناه (رحمه اللّٰه تعالى) و تبعه بعض تلاميذه أدام اللّٰه أيّامه- فتصويره بالنسبة إلى اللّٰه تعالى مشكلٌ جدّاً على ما هو المعروف من أنّ إرادته هي العلم بالصلاح.

و كيف كان، فقد تحصّل أنّ لصحّة الصلاة مع فوريّة الإزالة وجوهاً عديدةً قابلةً للاعتماد فلا ينبغي الإشكال فيها.

(1) هذا واضح بناءً على ما عرفت من صحّتها في ظرف التوجّه إلى التكليف الفعليّ بوجوب الإزالة.

30

و أمّا إذا علمها أو التفت إليها في أثناء الصلاة فهل يجب إتمامها ثمّ الإزالة أو إبطالها و المبادرة إلى الإزالة؟ وجهان أو وجوه (1)، و الأقوى وجوب الإتمام.

____________

و أمّا لو بنينا فيه على الفساد فيمكن أن يقال فيه بالصحّة لوجوه:

منها: أنّه يمكن أن يدّعى أنّ المانع عنها حين العلم بالوجوب من باب اقتضاء الأمر بالشي‌ء للنهي عن الضدّ مع امتناع اجتماع الأمر و النهي و تغليب جانب النهي أو قلنا: إنّه على فرض الاجتماع أيضاً لا تصحّ الصلاة من جهة عدم إمكان قصد التقرّب بما هو معلوم المعصية. و هذا المانع مفقود في المقام لفرض الغفلة، و حيث إنّها متعلّقة بالموضوع تكون عذراً، فالأمر بالصلاة فعليّ فيكشف عن المقتضي و الملاك أيضاً.

ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى الوجه المذكور صحّة الصلاة مع الغفلة عن المعصية و لو لم يكن معذوراً بناءً على كشف الملاك كما هو المفروض في مسألة الاجتماع. و هو غير بعيد، إذ وجود شرط آخر في العبادة غير الإتيان بأصل العمل مع قصد القرب- و هو عدم كونه مبغوضاً فعليّاً- غير معلوم، فيجري فيه البراءة مطلقاً أو الشرعيّ منها.

و منها: أنّه على فرض اشتراط شرط آخر في العبادة- و هو اشتراطها بأن لا يكون مبعّداً فعليّاً- فلا ريب أنّ الشرط حاصل في المقام بعد فرض كون المكلّف معذوراً، و الملاك منكشف بوجود الأمر الفعليّ، لعدم تزاحمه مع النهي غير الفعليّ.

و منها: أنّه لو فرضنا أنّه لا بدّ من كون العبادة من حيث الملاك أقوى بحسب المصلحة فلو كانت في مقام الملاك متساوي الملاكين أو كانت مفسدتها أقوى من المصلحة فلا يصحّ عقلًا أن يتقرّب بها بل لا يصحّ الأمر، فالملاك غير محرز أيضاً، فنقول: أيضاً إنّ المفسدة قد تزاحم مع مصلحة عدم إيجاب التحفّظ حتّى لا يحصل النسيان فالمصلحة راجحة لا محالة؛ مع أنّ المفسدة الّتي لا تؤثّر في الإرادة لا تؤثّر في القبح، فالعمل حسنٌ قابلٌ للتقرّب و الأمر، فكما أنّه لو لم تؤثّر المفسدة الموجودة في إيجاد الكراهة الفعليّة بالنسبة إلى نفس الفاعل فتؤثّر المصلحة الكامنة كذلك يصحّ الأمر، فإنّ الأمر تابع للإرادة الفاعليّة، فتأمّل.

(1) أقول: أمّا وجه تقديم حرمة القطع و وجوب الإتمام الّذي قوّاه الماتن فيمكن أن يكون اموراً ثلاثة:

31

..........

____________

منها: ادّعاء الإطلاق لدليل وجوب الإتمام، و عدم إطلاق لدليل وجوب الفوريّة في الدلالة حتّى في صورة المزاحمة مع واجب فعليّ فوريّ.

و منها: أنّه على فرض التزاحم يرجع إلى استصحاب وجوب الإتمام الفعليّ.

و منها: أنّه على فرض عدم الإطلاق في الدليلين- كما هو أقرب إلى الواقع- يرجع إلى الاستصحاب المذكور.

و الإشكالُ في الاستصحاب تارةً ب‍ «أنّه لا شكّ في وجوب الإتمام لبقاء ملاكه، و اخرى بأنّه لا يجري لأنّ المستصحب حكم عقليّ كما في المستمسك» (1) مدفوعٌ بأنّ بقاء الملاك لا يجدي لرفع الشكّ، و بأنّ الحكم السابق شرعيّ، لوضوح أنّ وجوب الإتمام ليس من الأحكام العقليّة. نعم، وصوله إلى مرحلة الفعليّة من باب حكم العقل بعدم المانع عنها، و لو كان ذلك المقدار موجباً لكون الحكم عقليّاً فجميع الأحكام الفعليّة الشرعيّة عقليّة على هذا.

و أمّا وجه وجوب الإزالة فوراً فيمكن أن يكون اموراً:

منها: ادّعاءُ إطلاق دليلها و عدمُ الإطلاق لدليل حرمة القطع.

و منها: التزاحم.

و منها: فرض عدم الإطلاق في الدليلين، فيرجع في كلا الفرضين إلى استصحاب كون وجوب الإزالة فوريّاً فعليّاً على تقدير العلم بوجود النجس في المسجد و الآن كما كان- و الإشكالُ بأنّ التعليق ليس شرعيّاً ليس في محلّه بعد ما كان المعلّق حكماً شرعيّاً و كان نفس القضيّة التعليقيّة قابلةً للجعل في الآن اللاحق- و إلى استصحاب عدم تعلّق الأمر الفعليّ بالصلاة على فرض وجود النجس في المسجد و العلم به. و الاستصحاب الأوّل و إن لم يكن حاكماً على استصحاب التمام لتعدّد الموضوع فيهما إلّا أنّ الاستصحاب التعليقيّ الثاني مقدّم و حاكم على استصحاب وجوب الإتمام، لكونه رافعاً للشكّ المأخوذ في استصحاب وجوب الإتمام، بخلاف العكس، و قد تقدّم تحقيقه في مبحث العصير.

لكنّ الأقوى عدم جريان الاستصحاب الثاني من الأصلين التعليقيّين، من جهة أنّ موضوع المستصحب في الآن المتيقّن هو الصلاة الّتي لم يشرع فيها و في الآن المشكوك هو‌

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج 1 ص 502- 503.

32

[مسألة 6- إذا كان موضع من المسجد نجساً لا يجوز تنجيسه ثانياً بما يوجب تلويثه]

مسألة 6- إذا كان موضع من المسجد نجساً لا يجوز تنجيسه ثانياً بما يوجب تلويثه (1)،

____________

الصلاة الّتي قد شرع فيها، و القيدان موجبان للتعدّد في المفهوم الّذي لم يوجد في الخارج بعد، و هذا بخلاف الاستصحاب الأوّل، فإنّه و إن كان شريكاً معه في كون الموضوع في القضيّة المتيقّنة هو المفهوم غير الموجود في الخارج إلّا أنّ الفرق بين القضيّتين أنّ المتيقّنة في ظرف اتّصاف مزاحمة الموضوع بالوجوب الموسّع و المشكوكة في ظرف اتّصافه بالوجوب المضيّق، و هذان الوصفان ليسا من عوارض نفس الموضوع قطعاً.

و منه يعلم قاعدة كلّيّة اصوليّة، و هي أنّ الوحدة بين القضيّتين في باب الاستصحاب إمّا من جهة وجود الموضوع في الخارج كما في العنب و الزبيب فهو الحافظ للوحدة حتّى بنظر العقل، و إمّا من جهة عدم كون الاختلاف بينهما في الوصف الراجع إلى الموضوع عرفاً كما في المقام بالنسبة إلى استصحاب وجوب الإزالة فوراً و فعلًا على تقدير العلم بوجود النجس في المسجد.

ثمّ إنّه على فرض الجريان فالحكومة في المقام لا تخلو عن إشكال، من جهة أنّ مفاد الأصل المتوهّم حكومته ليس إلّا عدم تعلّق الأمر الفعليّ بإتمام هذه الصلاة لا الأمر الواقعيّ الإنشائيّ، و لا ريب أنّ استصحاب الإتمام أيضاً يرفع الشكّ في مقام الفعليّة عن الأصل المذكور و يحكم بأنّ العلم بوجود النجس في المسجد لا يصير سبباً لرفع الأمر الفعليّ، فإنّه اللازم الأعمّ للظاهريّ و الواقعيّ، فتأمّل فإنّه مورد للنظر، فالأقوى كونه حاكماً على تقدير الجريان إلّا أنّه ليس بجارٍ.

و من ذلك كلّه يظهر أنّ أقوى الوجوه هو التخيير و إن كان الأحوط وجوب الإتمام ثمّ الإزالة مراعاةً للاستصحاب الفعليّ.

و منه يظهر أنّ الوجه هو التخيير أيضاً في ما لو شرع في الصلاة مع العلم بوجود النجس في المسجد؛ لكنّ الأحوط فيه الإزالة و قطع الصلاة، لأنّ مقتضى الاستصحاب الفعليّ كون الإزالة واجباً فوريّاً فعليّاً. و اللّٰه المتعالي هو العالم بحقائق الامور.

(1) يمكن أن يقال في وجهه: إنّ الإجماع قائم بنحو الإهمال على وجوب تجنّب المساجد عن النجاسة، فإنّ أقوال الأصحاب مختلفة، فبعضهم قد منعوا من حرمة‌

33

..........

____________

إدخال النجس في المسجد، و بعضهم اشترطوا فيه التعدّي و التلويث، فهل المقصود من الاشتراط المذكور أنّ الدخول حرام مع التعدّي أم لا بل التعدّي بنفسه حرام، و التعدّي حرام من باب تنجيس المسجد أو تلويثه؟.

فعلى فرض حجّيّة الإجماع المزبور- كما هو المفروض في المقام بعد ما تقدّم من عدم وفاء الأدلّة اللفظيّة بذلك- يدور متعلّق الحرمة بين امور ثلاثة: إدخال النجس في المسجد، و تنجيس المسجد، و تلويثه؛ فالحرام إمّا جميع تلك الامور أو بعضها فلا بدّ من الاحتياط.

و أمّا الأدلّة اللفظيّة فالمستفاد من الآية على تقدير الدلالة على الحكم و غضّ البصر عمّا تقدّم من المناقشات إنّما هو حرمة كون النجس في المسجد.

و أمّا المستفاد من رواية الحلبيّ فعلى تقدير الدلالة لا تدلّ إلّا على عدم جواز تنجيس المسجد بقرينة قوله (عليه السلام): «أ ليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة؟» قلت: بلى. قال (عليه السلام):

«فلا بأس إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً» (1)، فإنّه لو كان المقصود عدم تلويث المسجد لم يكن لقوله: «أ ليس تمشي» و قوله في مقام التعليل: «إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً» وقعٌ، فإنّ عدم تلويث المسجد في الفرض لا يتوقّف على المشي في الأرض اليابسة و لا يتوقّف على حصول التطهير.

و أمّا ما تقدّم من الروايات الواردة في الكنيف فلا تدلّ على حرمة التلويث بنفس ذاته أعني في ما لم يكن تنجيساً (كما في المقام) و لم يستلزم الإدخال في المسجد- كما في تلويث جدرانه- أو كان وجود النجس في المسجد ممّا لا بدّ منه.

و ممّا ذكرنا تظهر المناقشة في المتن، لأنّه إن كان المدرك في جميع الأحكام الثلاثة هو الإجماع بالتقريب المتقدّم فلا بدّ من الفتوى في جميع الموارد مع أنّه صرّح بالاحتياط بالنسبة إلى إدخال النجاسة في المسجد إذا لم يستلزم الهتك، و إن كان الأدلّةَ اللفظيّةَ فلا تدلّ على حرمة التلويث بما هو كذلك.

و يمكن أن يوجّه بأنّ ملاك حرمة التلويث هو بعينه ملاك قوله: «و كذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية أشدّ و أغلظ» من جهة أنّ التلويث مستلزم لوجوب إزالة ما يحصل به التلويث، فيصدق بلحاظ ذلك الأثر تنجيس المسجد، و سيأتي الكلام فيه.

ثمّ لا يخفى أنّ ما ذكرناه من الاتّكاء على الإجماع فقط و إنكار الدليل اللفظيّ مبنيّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1048 ح 9 من ب 32 من أبواب النجاسات.

34

..........

____________

على تبعيّة بعض الأصحاب، و إلّا فيمكن القول بوجود الإطلاق اللفظيّ في أصل المسألة، و هو ما روي عنه (صلى الله عليه و آله و سلم): «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1)، فإنّ خلاصة المناقشات الّتي اوردت عليه أو يمكن إيرادها وجوه:

منها: الإرسال و عدم روايته في كتب الأصحاب.

و منها: اشتراك المسجد بين الجبهة و ما يقع عليه الجبهة و المسجد الموقوف للصلاة، و حيث إنّ وجوب تطهير الأوّلين مفروغ عنه فينحلّ العلم الإجماليّ الحاصل من الرواية.

و منها: احتمال كون المقصود من النجاسة هو القذارة العرفيّة، لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة في زمان صدوره منه (صلى الله عليه و آله) على تقدير الصدق، و حيث إنّ تجنّب المساجد منها ليس بواجب قطعاً فلا بدّ أن يحمل الأمر على الاستحباب.

و منها: أنّه مع فرض الدلالة التامّة على المدّعىٰ لا بدّ من حمله على أنّ وجوب التطهير من باب حفظ طهارة بدن المصلّي أو لباسه، لما تقدّم في صدر المسألة من قوله تعالى:

«وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» (2)، فإنّ التعليل على ما هو المعروف مقدّم على الدليل المشتمل على أصل الحكم، لحكومته عليه.

و منها: ما في كلام العلّامة الأنصاريّ (قدس سره) من المناقشة في الإطلاق من جهة إجمال المراد أنّه هل هو المصدر فيشمل المتنجّس أو اسم المصدر فيكون ظاهراً في الأعيان النجسة (3).

و يمكن الجواب عن الكلّ:

أمّا الأوّل فلأنّه لا يبعد أن يقال بانجباره بعمل الأصحاب.

و يؤيّد ذلك امور: منها: كون العنوان المذكور معقداً للإجماع المنقول عن الشهيد (4).

و منها: أنّ العلّامة أعلى اللّٰه مقامه في المنتهى قد استدلّ به و لم يستدلّ بشي‌ء آخر (5). و منها:

أنّ صاحب الجواهر (قدس سره) صرّح بكونه مشهوراً عملًا و روايةً (6). و منها: أنّ صاحب المستند صرّح بانجباره (7). و منها: أنّ صاحب الوسائل (قدس سره) أسند روايته إلى جماعة من الأصحاب في كتب الاستدلال (8).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

(2) سورة الحجّ: 26.

(3) الطهارة للشيخ الأنصاريّ (قدس سره): ج 5 ص 223.

(4) جواهر الكلام: ج 6 ص 93 و 94.

(5) منتهى المطلب: ج 6 ص 325.

(6) جواهر الكلام: ج 6 ص 93 و 94.

(7) مستند الشيعة: ج 4 ص 426.

(8) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2.

35

..........

____________

و أمّا الثاني فنقول: إنّ الظاهر كون لفظ «المساجد» مردّداً بين احتمالين، لعدم احتمال كون المقصود هو الجبهة بحسب الظاهر، إذ لا خصوصيّة لها فإنّه لا بدّ من طهارة جميع بدن المصلّي و لباسه في الصلاة، فيدور الأمر بين مسجد الجبهة و الموقوف للمسجديّة؛ فمضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّه ظاهر في الثاني من جهة أنّ ما هو واجب تجنّبه بحسب الفتوى مطلقاً و يكون وجوبه نفسيّاً مطلقاً هو الثاني- فعلى تقدير كون المراد هو الثاني يكون الوجوب نفسيّاً مطلقاً، و على تقدير الحمل على الأوّل يلزم كون الوجوب إرشاديّاً غيريّاً و مقيّداً بحال الصلاة فتأمّل- و من جهة أنّ إضافة المساجد إلى العموم و التعبير بصيغة الجمع أقرب بالنسبة إلى الثاني- فإنّ الحمل على الأوّل ملازم مع فقد عناية واضحة في الأمرين المذكورين- يمكن أن يقال: إنّ الترديد المذكور إذا لم يكن لفظ المسجد في المصداقين مستعملًا بجامع واحد، و هو في ما كان المبدأ في أحد الاستعمالين فعليّة السجدة و في الآخر تهيئته لها، و هو بعيدٌ في محاورات العرف.

و أمّا لو كان المستعمل فيه فيهما واحداً و هو المحلّ الفعليّ للسجدة الفعليّة و كان إطلاقه على المكان المتهيّئ لذلك من باب ادّعاء كونه كذلك و صار من جهة كثرة الاستعمال من المعاني الحقيقيّة الّتي لا تحتاج إلى رعاية التنزيل و الادّعاء، أو كان المستعمل فيه فيهما هو المحلّ المضاف إلى السجدة الفعليّة و كان الاختلاف بين الاستعمالين في ما هو المحقّق للإضافة كما هو الأقرب، فلا إشكال في شموله لكلا المسجدين و الحكم فيهما بوجوب التجنّب عن النجاسة.

و أمّا الثالث: فلأنّ الظاهر عدم ترادف النجاسة و القذارة في العرف، بل المستفاد من اللغة أنّ النجاسة العرفيّة هي المرتبة الشديدة من القذارة الّتي يلزم الاجتناب عنها في غير مورد الضرورة، فإذا حكم الشارع بوجوب الاجتناب عن شي‌ء فلا يشكّ العرف في كونه داخلًا في مفهوم النجاسة، و إطلاق لفظ النجاسة في العرف على ما ليس بنجس شرعيّ غير ثابت و إن ثبت- كما عن القاموس- بالنسبة إلى عظام الموتى من جهة عدم الفرق عندهم بين من غُسّل و غيره؛ فبعد حكم الشارع بأنّ من غُسّل طاهر لا يشكّ العرف في خروجه عن مفهوم قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1) بناءً على ما‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

36

بل و كذا مع عدم التلويث إذا كانت الثانية أشدّ و أغلظ من الاولى (1)، و إلّا ففي تحريمه تأمّلٌ بل منعٌ إذا لم يستلزم تنجيسه ما يجاوره من الموضع الطاهر، لكنّه أحوط.

____________

احتملناه قويّاً من كون مفهوم النجاسة في العرف عبارةً عمّا يلزمون الاجتناب عنه، فمفهوم النجاسة لدى العرف نظير مفهوم الملكيّة و المالكيّة، فكما أنّه يندرج في المفهوم المذكور ما يوجد من الأفراد الّتي لم تكن مورداً للاعتبار حين صدور استعمال المفهوم المذكور كذلك الأمر بالنسبة إلى مفهوم النجاسة.

و إن أبيت عن ذلك كلّه و قلت: إنّ النجاسة مرادفة للقذارة و كان ما بين مفهومها العرفيّ و الشرعيّ من النسبة هو العموم من وجه فلا ريب في دلالة الرواية على البعث إلى تجنّب المسجد عن النجاسة، و البعث حجّة على الوجوب كما اشير إليه في هذه التعليقة مراراً، و قد خرجنا عن تلك الحجّة بالنسبة إلى القذارة العرفيّة الّتي ليست بشرعيّة، لكن نأخذ بها في مجمع العنوانين، و يلحق به الخارج عن مفهومه العرفيّ من جهة أنّ جعله الشارع نجساً ظاهر في تنزيله منزلة النجاسة العرفيّة بناءً على المفروض، فإنّ حصول الحقيقة الشرعيّة ليس إلّا من باب تكرّر الاستعمال التنزيليّ، فإنّ الوضع التعيينيّ مقطوع العدم، و لا ريب أنّ التنزيل المذكور متضمّن للبعث المترتّب على القذر العرفيّ، و قد عرفت أنّ البعث حجّة على الوجوب، فتأمّل فإنّ كلّاً من التقريبين لا يخلو عن الدقّة.

و أمّا الرابع فلأنّ كون وجوب التطهير في زمن إبراهيم (عليه السلام) من باب حفظ الطائفين و القائمين عن النجاسة لا يدلّ على ذلك في شريعتنا، و الاستصحاب لا يقاوم الإطلاق الدالّ على وجوب الاجتناب.

و أمّا الخامس فلأنّ اسم المصدر إنّما هو عبارة عن وصف النجاسة، و هو أجنبيّ عن الأعيان النجسة، فإنّها الذوات المتّصفة بتلك الصفة.

و ممّا ذكرنا يظهر قوّة القول بأنّ المحرّم هو التنجيس؛ و إدخال النجاسة و كذا التلويث الخالي عن التنجيس غير معلوم التحريم لا تفصيلًا و لا إجمالًا.

(1) أقول: لعلّه من باب صدق التنجيس على الثاني بعد ما كان له أثر زائد، فإنّ الأمر الاعتباريّ قابل للإيجاد الثاني أو لمرتبة منه إذا كان له أثر كما في الخيار‌

37

[مسألة 7- لو توقّف تطهير المسجد على حفر أرضه]

مسألة 7- لو توقّف تطهير المسجد على حفر أرضه جاز بل وجب، و كذا لو توقّف على تخريب شي‌ء منه (1).

____________

الوارد على العقد الخياريّ.

و لكنّ الحكم بالحرمة يتوقّف على مقدّمات أربع:

منها: صلاحيّة النجاسة لأن توجد في الموضوع المتّصف بها. و قد عرفت ذلك.

و منها: وجود الدليل على كون ملاقاة المتنجّس للنجس موجبةً للتنجيس ثانياً.

و هو محلّ منع، إذ وجود الدليل على أنّ ملاقاة البول- مثلًا- موجبةٌ لتعدّد الغَسل لا يقتضي اعتبار مفهوم النجاسة، لإمكان انتزاع مفهوم النجاسة من وجوب الغَسل في الجملة.

إن قلت: استصحاب كون ملاقاة البول منجّسةً يقتضي التحريم.

قلت: الظاهر أنّ النجاسة أمر انتزاعيّ، و المترتّب على ذلك الأمر الانتزاعيّ هو الحكم الشرعيّ التكليفيّ في الحقيقة، و انتزاع النجاسة من الأمر بالغسل الثاني مشكوك من أوّل الأمر.

و منها: وجود اطلاق لدليل تجنّب المساجد عن النجاسة حتّى عن النجاسة بعد النجاسة. و قد عرفته.

و منها: كون وجوب التجنّب سريانيّاً. و هو واضح.

فالأحوط التجنّب عن مثل ذلك العمل بالنسبة إلى المسجد.

و ممّا ذكرنا يظهر عدم الإشكال في الشقّ الثالث من المسألة، و هو ما بيّنه بقوله: «و إلّا ففي تحريمه تأمّلٌ بل منعٌ ...»، فإنّ اعتبار النجاسة أو انتزاعها ثانياً غير معقول بعد عدم الأثر، و لا يمكن أن يكون بلحاظ حرمة التنجيس. نعم، لو كان متعلّق الحرمة ملاقاةَ المسجد مع النجس أو المتنجّس أمكن اعتبار ذلك بلحاظه، فتأمّل.

لا يقال: مقتضى الاستصحاب حرمة الملاقاة الثانية.

فإنّه يقال: الملاقاة المتيقّن حرمتها هي الملاقاة المترتّب عليها عنوان التنجيس، و حيث إنّه ليس موجوداً في الخارج لا يمكن إلقاء ذاك القيد؛ و مع ذلك فالاحتياط هو التجنّب عنه أيضاً.

(1) أقول: لا إشكال في ذلك إذا لم يكن مزاحماً مع حقّ الموقوف عليه و لم يكن‌

38

..........

____________

منافياً للوقف، كما لو اعيد جميع الأجزاء الّتي حفرت و طهّرت.

و أمّا لو كان الحفر أو التخريب مخالفاً للوقف من جهة المزاحمة لحقّ الموقوف عليهم أو من جهة استلزامه لتلف بعض أجزاء العين الموقوفة و عدم عوده إلى محلّ الوقف فيشكل وجوب الحفر و التخريب بامور:

منها: وضوح الإطلاق في جانب حفظ الوقف من جهة «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» (1) و عدم وضوح إطلاق يقتضي وجوب التطهير حتّى في ما إذا كان مخالفاً لمقتضى الوقف.

و فيه: وجود الإطلاق كما عرفت في المسألة السابقة، فراجع و تأمّل.

و منها: أنّه مع فرض الإطلاق من الطرفين مقتضى الاستصحاب في صورة التزاحم هو حرمة التخريب.

و منها: أنّه لو فرض الإطلاق و غُضّ البصر عن الاستصحاب فمقتضى القاعدة هو الجواز لا وجوب التخريب للتطهير.

و الجواب: أنّ مقتضى التتبّع في كتب الأصحاب و فتاواهم أنّ العقود و الإيقاعات الّتي منها الوقف لا تزاحم مع الأحكام الشرعيّة، فالعمل بمقتضاه في طول الأحكام الشرعيّة، و إلّا لأمكن الإتيان بالمحرّمات الشرعيّة إذا كان ذلك مقتضى عقد أو ايقاع، و لذا قالوا بعدم جواز الإجارة في المحرّمات أو إذا استلزمت محرّماً كإجارة الجنب لكنس المسجد ما دام جنباً، و قالوا في «العبد الموقوف» بالقصاص بلا نقل خلاف.

و هذه قاعدة فقهيّة لا بدّ أن تكون في ذكر من يتصدّى البحث عن المسائل و الأحكام الشرعيّة.

و الوجه فيها على ما يسنح بالبال عاجلًا حتّى يقع النظر و التأمّل فيها أمران:

أحدهما: أنّ اعتبار الملكيّة و حرمة الجري على مقتضاها متنافيان، فالحرمة الشرعيّة دليل عرفيّ على عدم اعتبار الملكيّة لمن تصدّى العقد أو الإيقاع بالنسبة إلى ما يستلزم مخالفةً للشرع، و الملكيّة شرط لصحّة العقد أو الإيقاع؛ فوجوب الجري على الوقف في ما نحن فيه يتوقّف على صحّته بالنسبة إلى اقتضاء بقاء المسجد على الوجه غير المشروع،

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 13 ص 295 ح 2 من ب 2 من أبواب الوقوف و الصدقات.

39

و لا يجب طمّ الحفر و تعمير الخراب (1). نعم، لو كان مثل الآجر ممّا يمكن

____________

و صحّته كذلك تتوقّف على مالكيّة الواقف ذاك النحو من التصرّف حتّى يحكم بمقتضاه بعدم الجواز، و دليل لزوم التطهير ينفي مالكيّة الواقف لذلك، فمقتضى دليل لزوم التطهير تنجيزيّ، بخلاف دليل الوقف فإنّه معلّق على الملكيّة المنفيّة بدليل لزوم التطهير.

ثانيهما: أنّ دليل الشروط الّذي قد شرط النفوذ بما إذا لم يكن محرِّماً للحلال أو محلِّلًا للحرام شامل لجميع العقود و الإيقاعات بناءً على كونه هو الالتزام الأعمّ من البدويّ أو الضمنيّ كما أصرّ عليه السيّد الفقيه المعظّم الطباطبائيّ في تعليقه على ما هو ببالي؛ و على تقدير الاختصاص بالضمنيّ فيمكن إلقاء الخصوصيّة في مثل الاشتراط المذكور كما هو واضح لدى العرف.

فتحصّل أنّ ما أفاده في المتن ينطبق على القاعدة.

و مع الغضّ عن ذلك لا يمكن التمسّك له بصحيحة عبد اللّه بن سنان الواردة في «بناء مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و تخريبه مرّة بعد مرّة للتوسعة على المصلّين» (1) من جهة الأولويّة.

لما فيه أوّلًا: أنّ الصحيحة غير ظاهرة في صورة إتلاف بعض الأجزاء الأوّليّة الموقوفة للمسجد.

و ثانياً: لعلّ الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) شرط في ابتداء الوقف ذلك حتّى لا يكون إشكال في صورة الاحتياج إلى التخريب.

و منه يظهر أنّ تخريب المسجد للتوسعة بدون أن يكون ذلك للإلزام الشرعيّ و لا بمقتضى شرط الواقف في غاية الإشكال، بل المنع عن التخريب قويٌّ جدّاً كما هو مقتضى عبائر كثير من القدماء و المتأخّرين، فإنّ جواز التخريب بمقتضى عبائرهم منحصر بصورة الانهدام، و هو على وفق القاعدة؛ فاستدلال صاحب الجواهر (2) و كذا السيّد الطباطبائيّ اليزديّ طاب ثراه على جواز التخريب للتوسعة بصحيحة عبد اللّه بن سنان 3 خالٍ عن السداد.

(1) لعلّ الوجه فيه قاعدة الإحسان، فإنّ التخريب وقع لمصلحة المسجد، و «مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» (4).

____________

(1) 1 و 3 وسائل الشيعة: ج 3 ص 487 ح 1 من ب 9 من أبواب أحكام المساجد.

(2) راجع جواهر الكلام: ج 14 ص 83.

(4) سورة التوبة: 91.

40

ردّه بعد التطهير وجب (1).

[مسألة 8- إذا تنجّس حصير المسجد]

مسألة 8- إذا تنجّس حصير المسجد وجب تطهيره (2) أو قطع موضع النجس منه إذا كان ذلك أصلح من إخراجه و تطهيره (3) كما هو الغالب.

[مسألة 9- إذا توقّف تطهير المسجد على تخريبه أجمع]

مسألة 9- إذا توقّف تطهير المسجد على تخريبه أجمع- كما إذا كان الجصّ الّذي عمّر به نجساً، أو كان المباشر للبناء كافراً- فإن وجد متبرّع بالتعمير بعد الخراب جاز، و إلّا فمشكل (4).

____________

لكنّ الأحوط الطمّ و التعمير، لقاعدة الضمان- الّتي هي مورد بناء العقلاء- و مقتضى عموم «على اليد ...» بل و محتملِ قاعدة الإتلاف، و عدمِ وضوح قاعدة الإحسان حتّى تكون حاكمةً على ما يقتضي الضمان، لأنّ الآية الشريفة راجعة بحسب الظاهر إلى عدم وجوب الجهاد على من يعتذر مع حسن سابقتهم من جهة الإيمان و العمل الصالح، فكون الشخص محسناً كاشف و دليل شرعيّ على صحّة عمله و اعتذاره، لا أنّه سبب لعدم الضمان. و الكلام فيها موكول إلى محلّه.

(1) لأنّه مقتضى «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها» (1) مع عدم ما يزاحم ذلك، فإنّ الجمع بين غرضي المولى من التطهير و حفظ الوقف على ما كان عليه ممكن فيجب؛ و قاعدة الإحسان لا تقتضي عدمَ وجوب ردّ الأموال إلى أوليائها من الأشخاص أو المصارف.

(2) لأنّه مقتضى قوله (صلى الله عليه و آله)- على ما هو المشهور كما عرفت-: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (2)؛ و عرفت أنّ معقد الإجماع أيضاً مطابق المفهوم له؛ مضافاً إلى ما قيل من عدم نقل الخلاف من أحد مع ذكر الأكثر ذلك.

(3) قد ظهر وجهه ممّا تقدّم في تخريب المسجد للتطهير، لكن في قوله «كما هو الغالب» إشكال.

(4) لعلّ وجه الإشكال (مع ما تقدّم من أنّ مقتضى القاعدة وجوب التخريب‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 13 ص 295 ح 2 من ب 2 من أبواب الوقوف و الصدقات.

(2) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

41

[مسألة 10- لا يجوز تنجيس المسجد الّذي صار خراباً]

مسألة 10- لا يجوز تنجيس المسجد الّذي صار خراباً (1) و إن لم يصلّ فيه أحد، و يجب تطهيره إذا تنجّس.

____________

للتطهير، و لا فرق في مقتضى الدليل بين البعض و الكلّ) أمران:

أحدهما: انصراف قوله: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1) عمّا يستلزم عرفاً ذهاب الموضوع.

و فيه: أنّ العرصة باقية، فالانصراف ممنوع.

ثانيهما: توهّم التزاحم بين دليل وجوب التطهير و حرمة تخريب الوقف، و كون الثاني هنا أهمّ أو محتمل الأهمّيّة.

و فيه: ما عرفت من أنّه ليس المقام من باب التزاحم؛ و على فرضه فإحراز أهمّيّة طرفٍ في مقام و طرفٍ آخر في مقام آخر في غاية الإشكال بالنسبة إلى من يتصدّى لما يستفاد من الأدلّة، فمقتضى القاعدة جواز التخريب بل وجوبه.

فرعان:

أحدهما: أنّه لو شرط التخريب حتّى في صورة عدم إمكان عود الأجزاء إلى المسجد في ضمن الوقف و لكن جعله وقفاً بعد الخروج لانتفاع كافّة المسلمين- مثلًا- لا إشكال فيه بل لا يحتاج إلى ما تقدّم من التقريب المتوقّف على مقدّمات كثيرة، لكن لو شرط التخريب في الصورة المذكورة و تحديد الوقفيّة إلى أن يصير خراباً كلّاً أو بعضاً فبناءً على لزوم التأبيد في الوقف يبطل وقفه.

ثانيهما: أنّه لعلّ الأحوط أو الأقوى الاستيذان من المتولّي إن كان مجعولًا من جانب الواقف، لأنّه الظاهر من جعل التولية. نعم، لو كان المتولّي هو الحاكم الشرعيّ فالظاهر عدم لزوم الاستيذان منه، لأنّ القدر الثابت من توليته هو الامور الّتي يعلم من الشارع أنّه أراد وجودها و لم يعلم أنّ المكلّف به هل هو جميع الناس أو العدول أو الحاكم فهو القدر المتيقّن، فتصرّف الباقي خلاف الأصل؛ و أمّا ما كان مقتضى الإطلاق توجّه التكليف إلى كافّة الناس فلا وجه للرجوع إلى الحاكم الشرعيّ.

(1) أقول: هو واضح في غير ما إذا سقط بالخراب عن انتفاع الموقوف عليهم و في‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

42

..........

____________

غير المسجد الّذي بني في الأرض المفتوحة عنوة.

و أمّا فيهما فإشكال:

أمّا الإشكال في الفرض الأوّل- و هو المسجد الّذي سقط بالخراب عن انتفاع الموقوف عليهم- فلأنّه مع الفرض لا معنى لبقاء الوقف على وقفيّته كما صرّح بذلك السيّد الفقيه اليزديّ في الملحقات (1) و كان مقتضى كلام صاحب الجواهر الّذي نقله الشيخ الأنصاريّ طاب ثراه في باب بيع الوقف (2)، فإذا بطل وقفيّته بطل مسجديّته أيضاً، لأنّ المسجديّة ليست شيئاً وراء الأرض الموقوفة للمسجد.

و الجواب: أنّ المُنشأ في الوقف ليس صِرف الإيقاف للانتفاع من دون أن يستحقّ الموقوف عليهم الانتفاعات الّتي جعلت لهم، و إلّا انتقلت المنافع إلى ورثة الواقف أو كانت باقيةً على ملك الميّت و كانت العين موقوفةً عن النقل و الانتقال الاختياريّ أو القهريّ، بل أصل الوقف هو تسبيل المنافع للموقوف عليهم في بعض الجهات أو في جميع الجهات، و إيقاف العين يكون مقدّمةً لتسبيل المنافع عليهم؛ فبالوقف يكون للموقوف عليه حقّ الانتفاع، سواء كان قادراً على الانتفاع أم لا، لوضوح أنّ العجز عن انتفاع ذي الحقّ من حقّه الّذي جعل له لا يسقط حقّه ما دام يكون لاعتباره أثر من الآثار؛ و هذا هو السرّ في قيام بدل الوقف الّذي سقط عن الانتفاع مقام مبدله في استحقاق الموقوف عليهم الانتفاع.

و الحاصل: أنّه في الفرض لم يبطل المُنشأ في الوقف بجميع شئونه، بل ما ليس قابلًا للبقاء و النفوذ في الخارج هو الإيقاف للانتفاع، و أمّا تسبيل الانتفاع و كون الموقوف عليهم ذا حقّ في الانتفاع بالموقوفة فباقٍ بعدُ على حاله. نعم، لو لم يكن أثر لبقاء حقّهم أصلًا سقط الوقف عن الوقفيّة بجميع شئونه المنشأة؛ لكن في ما كان لبقاء حقّهم أثر و لو كان ذلك عصيان الغاصب المخرّب للمسجد الّذي جعله شارعاً عامّاً أو مركزاً للمعامل لا وجه لخروج الوقف عن الوقفيّة بجميع شئونه المنشأة، فحينئذٍ إذا كان المسجد هو الأرض الّتي كانت مورداً لاستحقاق المسلمين بالوقف للصلاة و التعبّد فيه فهو باقٍ قطعاً، و إذا كان ما يكون موقوفاً عن النقل و الانتقال الاختياريّ و غيره فالأرض المذكورة‌

____________

(1) ملحقات العروة: ج 1 ص 247 م 27.

(2) المكاسب: ص 164.

43

..........

____________

ليست بمسجد قطعاً، فلا يمكن مع الشكّ المذكور التمسّك بعموم «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1)، و لا باستصحاب المسجديّة، لعدم الشكّ في الخارج بل الشكّ في المفهوم، لكن لا مانع من استصحاب وجوب تجنّب تلك الأرض المشكوك مسجديّتها عن النجاسة المستلزم لحرمة التنجيس و وجوب التطهير.

فتحصّل أنّ مقتضى الاستصحاب في الفرض الأوّل هو حرمة التنجيس و وجوب التطهير أيضاً.

و أمّا الإشكال في الثاني- و هو المسجد الّذي بني في الأرض المفتوحة عنوةً ثمّ خرب- من جهة عدم بقاء مسجديّته بعد الخراب و زوال الأثر فهو مبنيّ على صحّة كونها مسجداً و زوال مسجديّتها بالخراب.

و صحّة المبنى المذكور مبنيّة على أحد امور ثلاثة:

منها: ما صرّح به في المسالك و نسبه إلى جماعة من الأصحاب و قال: «عليه العمل» من أنّ الأرض المزبورة تصير ملكاً لمن في يده ما دام منه أثر فيها، فإذا زال الأثر زالت الملكيّة (2).

و منها: ما ذهب إليه العلّامة الأنصاريّ في المكاسب من أنّ المتيقّن ثبوت حقّ اختصاص لمن بيده ما دام الآثار باقيةً فيها (3).

و لا يخفى أنّ صحّة الوقف بناءً عليهما تتوقّف إمّا على كفاية كون إنشاء الوقف مبنيّاً على الدوام من باب أنّ الواقف كان في تصوّره بقاء الأثر إلى الأبد، و إمّا على أنّ المراد بالدوام هو عدم التحديد من طرف الواقف و إن كان محدوداً بنفس ذاته من جهة القصور في الملكيّة، و إمّا على أنّه لا يتوقّف حصول عنوان المسجديّة على الوقف بل يكفي فيه الحبس؛ و على الوجه الثاني لا بدّ من فرض أنّ الوقف لا يتوقّف على ملكيّة الرقبة، بل يكفي في صحّته مالكيّة الانتفاع أو المنافع.

و منها: البناء على عدم حصول أيّ حقّ لمن بيده الأرض، فهي كسائر الأملاك يتوقّف حصول الحقّ أو الملكيّة على الاشتراء ممّن ولّاها، لكن من تقبّلها بنحو المصالحة إلى‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

(2) مسالك الأفهام: ج 3 ص 56.

(3) المكاسب: ص 163.

44

..........

____________

بقاء الآثار يصحّ له الوقف بأحد الفروض المتقدّمة، و لا يتوقّف الوقف على الملك و لا على استحقاق في العين مع قطع النظر عن المصالحة بل يمكن وقف ما استأجره المستأجر.

و أمّا الإشكال من جهة اعتبار الدوام في الوقف فمدفوعٌ بأحد الفروض المتقدّمة، أو يقال- كما تقدّم-: إنّه لا يتوقّف حصول عنوان المسجديّة على الوقف بل يكفي فيه الحبس، فعلى جميع التقادير يتحقّق موضوع المسألة؛ و أمّا لو قلنا بأنّه لا يكفي في حصول عنوان المسجديّة الحبس و الوقفُ يتوقّف على مالكيّة الرقبة فلا يصحّ جعلها مسجداً حتّى يصير مورداً للإشكال بعد الخراب؛ و كذا لو قلنا بصحّة الوقف أو كفاية الحبس في حصول عنوان المسجد لكن لم يكن وقفه أو حبسه معلّقاً على بقاء الأثر بل على انتهاء مدّة الإجارة أو المصالحة فموضوع المسألة غير متحقّق أيضاً، لأنّه لا دخالة لخراب المسجد في حصول الإشكال.

و كيف كان، لو فرضنا صحّة جعلها مسجداً و فرضنا زوال عنوانه بالخراب فهل لا بدّ من الحكم بجواز التنجيس و عدم وجوب التطهير لأنّ المفروض زوال عنوان المسجديّة عنها بعد زوال الأثر، أم يحكم بحرمة التنجيس و وجوب التطهير عملًا بالاستصحاب، أو يفصّل بين حرمة التنجيس فيحكم بها بخلاف وجوب التطهير على فرض التنجيس فلا يحكم به، لكون الاستصحاب بالنسبة إلى الأوّل فعليّ بخلاف الثاني فإنّه تعليقيّ؟ وجوه.

و الّذي ينبغي أن يقال: هو الحكم بعدم وجوب التطهير و جواز التنجيس، لا من جهة القطع بزوال عنوان المسجد، لاحتمال بقاء الحكم بملاك سبق المسجديّة و لو مع القطع بعدم كونه مسجداً فعلًا. و لا يمكن المناقشة في الاستصحاب من جهة تغيير الموضوع، لأنّ موضوع المستصحب مأخوذ من العرف من حيث الاستصحاب- لا من لسان الدليل- فإنّه كان موضوع استصحاب وجوب تجنّب المسجد عن النجس حدوثاً و بقاءً موجوداً، بل من جهة محكوميّة الاستصحاب المشار إليه باستصحاب جواز التنجيس و عدم وجوب التجنّب على تقدير عدم كون الأرض مسجداً، فإنّه في الزمان المتيقّن- و هو زمان عدم جعل الأرض الخاصّة مسجداً- كان يجوز تنجيسها فعلًا و كان يجوز تنجيسها على تقدير عدم المسجديّة، لكن كان التقدير حاصلًا و بعد جعلها مسجداً ينقض المتيقّن بوجوده الفعليّ، لكنّ الملازمة المحقّقة في الزمان المتيقّن مشكوك الزوال‌

45

[مسألة 11- إذا توقّف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن أمكن إزالته بعد ذلك]

مسألة 11- إذا توقّف تطهيره على تنجيس بعض المواضع الطاهرة لا مانع منه إن أمكن إزالته بعد ذلك (1)، كما إذا أراد تطهيره بصبّ الماء و استلزم ما ذكر.

____________

فيستصحب. و هذا من فروع الاستصحاب التعليقيّ غير المذكور في الاصول فلا بدّ من الإشارة إليه.

و إن أبيت عن الحكومة فلا أقلّ من التعارض فتجري أصالة البراءة عن الحرمة و الوجوب.

و منه يظهر ما لو خرب المسجد المبنيّ في الأرض المملوكة للشخص و سقط عن الانتفاع و لم يكن لبقاء الحقّ أثر أصلًا و إن كان فرضه نادراً، فإنّ حكمه حكم الفرض المبحوث عنه.

فتلخّص أنّه لا بدّ من الحكم بوجوب التجنّب عن النجس مطلقاً في المسجد الّذي عرض له الخراب إلّا في ما زال عنه عنوان المسجديّة قطعاً، و له فرضان: أحدهما المسجد المبنيّ في الأرض المفتوحة عنوةً على بعض المسالك. ثانيهما ما لو لم يكن لبقاء حقّ الموقوف عليهم أثر حتّى يكون الحقّ أو الحكم قابلًا للبقاء. و اللّٰه المتعالي هو العالم، و لا علم لنا إلّا ما علمنا أنّه هو الحكيم العليم.

(1) أقول: و ذلك لوقوع التزاحم بين وجوب تجنّب المسجد عن النجس بالنسبة إلى النجس الموجود في جميع الآنات و وجوب التجنّب عنه بالنسبة إلى إيجاد النجاسة الجديدة الّذي هو من لوازم تطهير النجاسة القديمة، و حيث إنّ الثاني مزاحم أيضاً مع وجوب التجنّب عن النجاسة القديمة بالنسبة إلى آنٍ من آنات بقاء النجاسة و من أجل ذلك يحكم بجواز ارتكاب النجاسة الجديدة فيحكم حينئذٍ بوجوبه بلحاظ الآنات الاخر المتصوّرة بالنسبة إلى النجاسة القديمة؛ فالمقام ليس من باب التزاحم بين الأهم و المهمّ، بل من باب تزاحم أحد المتساويين و الحكم بالجواز، ثمّ الحكم بالوجوب من جهة عدم التزاحم بعد فرض الجواز.

و هذه قاعدة كلّيّة اصوليّة لا بدّ من ذكرها في مبحث التزاحم.

46

[مسألة 12- إذا توقّف التطهير على بذل مال وجب]

مسألة 12- إذا توقّف التطهير على بذل مال وجب (1)، و هل يضمن من صار سبباً للتنجّس؟ وجهان (2) لا يخلو ثانيهما من قوّة.

____________

و إن شئت قلت: إنّ المكلّف لا يكون قادراً على تجنّب المسجد عن النجس إلى آن انفصال الغسالة عن المكان الجديد المتنجّس بها، فالأمر بالتجنّب يسقط لكنّ الأمر بالتجنّب بالنسبة إلى سائر الآنات باقٍ بحاله فلا بدّ من امتثاله بذلك، فافهم و تأمّل.

(1) أقول: و ذلك لأنّ تجنّب المسجد عن النجس واجب مطلق فتجب مقدّمته.

إن قلت: وجوب التجنّب هنا محكوم بعموم «لا ضرر و لا ضرار» (1).

قلت: قد أوضحنا في حديث «لا ضرر» أنّ المستفاد منه نفي الإضرار بالغير و أنّه ليس في الإسلام حكم يتشبّث به للإضرار على الغير، و ليس المنفيّ حكماً يلزم منه الضرر من ناحية الشارع على المكلّف حتّى يرد عليه ما اورد من تخصيص الأكثر. و تمام الكلام موكول إلى محلّه. نعم، ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يصل المال إلى حدّ الحرج.

(2) أقول: أمّا وجه الضمان فأمران:

أحدهما: أنّه السبب للتكليف المستلزم للضرر فصار سبباً للضرر.

و فيه: أنّه ليس في البين دليل يقتضي ضمانَ من صار سبباً بذلك المعنى للإضرار أو الإتلاف، بل لعلّ القدر المتيقّن المستنبط من الموارد المختلفة هو ما إذا اسند الإتلاف إلى السبب دون المباشر، و هو في ما لم يكن للمباشر اختيار. كذا في المستمسك (2).

و لكن فيه نظر، إذ وردت الروايات العديدة في ضمان شاهد الزور؛ مع أنّ الحاكم مختار في حكمه لكن يجب عليه الحكم. و إبداء الفرق بينه و بين ما نحن فيه مشكل جدّاً، إلّا أن تحمل على التعبّد الصرف في خصوص المورد، فالمسألة من تلك الجهة تحتاج إلى التتبّع و التأمّل.

ثانيهما: ما أشار إليه السيّد الفقيه الطباطبائيّ البروجرديّ دام ظلّه في تعليقته على الكتاب:

قال عند قول المصنّف «لا يخلو ثانيهما ...»: «بل أوّلهما لما ذكرنا ...»؛ و ما ذكره هو‌

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17 ص 340، الباب 12 من أبواب إحياء الموات.

(2) ج 1 ص 508.

47

..........

____________

الّذي نبّه عليه في المسألة الثالثة عند قول المصنّف «و لا اختصاص له بمن نجّسها» بقوله: «بل له جهة اختصاص به أيضاً مضافاً إلى وجوبه الكفائيّ على الكلّ، فإنّ بقاء النجاسة فيه بقاء لعمله الّذي كان محرّماً عليه حدوثاً و بقاءً، فعليه إعدام عمله و للناظر إلزامه به و أخذ مئونته منه؛ و كذا المصحف».

و قال في المسألة الثامنة و العشرين عند قول المصنّف «بل قيل باختصاص الوجوب به»: «تقدّم أنّه الأقوى، لا بمعنى نفي الكفائيّ بل بمعنى ثبوت الجهتين أو ثبوت الكفائيّ مرتّباً على امتناعه».

أقول: في ما اختاره نظر:

أمّا أوّلًا فلأنّه ليس لنا دليل يدلّ على الوجوب الكفائيّ تارةً و على العينيّ اخرى أو عليه مرتّباً على امتناعه، بل المستفاد من الآية الشريفة و ما تقدّم من قوله: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1) وجوب حفظ المسجد عن النجاسة حدوثاً و بقاءً، فالوجوب بالنسبة إلى الحدوث أيضاً متعلّق بالجميع، و يترتّب عليه أنّه لو كان شخصٌ حين إحداث النجاسة عالماً بذلك و قادراً عن الحفظ عنه يجب عليه ذلك؛ فإن نجّس المنجّس و لم يدافع القادر فالعصيان متوجّه إلى كلٍّ منهما من دون ترجيح لأحدهما على الآخر، فالبقاء و إن كان تابعاً للحدوث في الحكم إلّا أنّ وجوب التجنّب بالنسبة إلى الحدوث أيضاً متعلّق بالجميع، و ليس في البين حكمان أحدهما حرمة التنجيس المتعلّق بنحو العينيّة بكلّ واحد من المكلّفين و ثانيهما وجوب التطهير المتعلّق بهم بنحو الكفائيّ.

و ثانياً: على فرض وجود دليل بهذا التفصيل فاستفادة حرمة البقاء بعد حصول أصل الوجود غير واضح، فلعلّ الحرام هو العمل الّذي وُجد و انعدم كما في التصوير المحرّم، فإنّ المشهور قائلون بحرمته لكن وجوب كسر الصورة خصوصاً على من صوّرها محلّ إشكال و ترديد.

و ثالثاً: على فرض الوجوب على خصوص من نجّس المسجد فاقتضاء ذلك الضمانَ غير ظاهر، فالظاهر أنّه لا إشكال في المسألة من تلك الجهة، إنّما الإشكال من الوجه الأوّل من جهة ما أشرنا إليه من بعض الروايات.

____________

(1) تقدّم في ص 43.

48

[مسألة 13- إذا تغيّر عنوان المسجد]

مسألة 13- إذا تغيّر عنوان المسجد- بأن غصب و جعل داراً أو صار خراباً بحيث لا يمكن تعميره و لا الصلاة فيه و قلنا بجواز جعله مكاناً للزرع- ففي جواز تنجيسه و عدم وجوب تطهيره (كما قيل) إشكال (1)، و الأظهر عدم جواز الأوّل بل وجوب الثاني أيضاً.

____________

هذا وجه ضمان من صار سبباً.

و أمّا وجه عدم الضمان فهو متوقّف على عدم تماميّة الوجهين المذكورين للضمان.

(1) أقول: قد ظهر ممّا ذكرناه في المسألة العاشرة أنّه لو كان قابلًا للانتفاع الصلاتيّ فهو مسجد و لا يحتاج إجراء حكم المسجد عليه إلى الاستصحاب، و إن لم يكن قابلًا للانتفاع و لكن كان لبقاء حقّ انتفاع الموقوف عليهم أثر فبقاء المسجديّة محتمل يستصحب آثاره، و أمّا إذا زال ذلك أيضاً فقد مرّ أنّ الظاهر عدم ترتّب أحكام المسجديّة عليه.

فعليه ففي الفرض الأوّل لو كان قابلًا للانتفاع الصلاتيّ فبقاء مسجديّته مقطوع و إن صار داراً، و إلّا فحيث يكون لبقاء حقّ المسلمين أثر شرعيّ عقلائيّ فبقاء مسجديّته مشكوك فيستصحب آثاره.

و أمّا الفرض الثاني المفروض فيه عدم إمكان الصلاة فيه فإن كان عوده إلى نحو يمكن الصلاة فيه مرجوّاً فالظاهر بقاء مسجديّته، و إلّا- و إن كان الفرض غيرَ متحقّق بعد إمكان الزرع- فبقاء المسجديّة مشكوك فيستصحب الآثار.

و الحاصل: أنّه إن كان المقصود من التغيّر القطعَ بزوال المسجديّة فهو يتوقّف على ما ذكرناه و لا ينطبق على المثالين، و إن كان المقصود تحقّقَ عنوان آخر و انطباقَه عليه مع عدم كونه فعلًا تحت يد المسلمين لإقامة الصلوات فمن الظاهر أنّ ذلك لا يوجب زوال عنوان المسجديّة.

ثمّ إنّ الفرق بين جواز التنجيس و وجوب التطهير على تقدير النجاسة كما في تعليقة النائينيّ طاب ثراه لعلّه من جهة أنّ الحكم بعدم جواز التنجيس فعليّ فيستصحب؛ و أمّا وجوب التطهير فهو تعليقيّ، و الاستصحاب التعليقيّ غير جارٍ عنده.

و فيه: أنّ الحكم هو وجوب حفظ المسجد عن النجس في جميع الآنات، و هو فعليّ‌

49

[مسألة 14- إذا رأى الجنب نجاسةً في المسجد]

مسألة 14- إذا رأى الجنب نجاسةً في المسجد فإن أمكنه إزالتها بدون المكث في حال المرور وجب المبادرة إليها، و إلّا فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغسل، لكن يجب المبادرة إليه حفظاً للفوريّة بقدر الإمكان، و إن لم يمكن التطهير إلّا بالمكث جنباً فلا يبعد جوازه بل وجوبه، و كذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتكَ حرمته (1).

____________

فيجري و لو بناءً على عدم جريان التعليقيّ.

(1) أقول: في ما ذكره طاب ثراه في هذه المسألة مواقع للنظر:

الأوّل: أنّ مقتضى إطلاق مثل قوله: «يكفيك الصعيد عشر سنين» (1) و قوله: «إنّ اللّٰه جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً» 2 بدليّة التراب عن الماء في كلّ ما يتوقّف على الطهارة و لا يمكن تحصيل الطهارة المائيّة، فقوله: «فالظاهر وجوب التأخير إلى ما بعد الغسل» و قوله: «و كذا إذا استلزم التأخير إلى أن يغتسل هتكَ حرمته» مورد للنظر و الإشكال.

الثاني: أنّه لو فرضنا عدم قيام التيمّم مقامه أو فرضنا عدم إمكان التيمّم- كما لو كان المسجد في أرض أحاط بها الثلج- فمقتضى الجمع بين الفرضين الموجب لانتقال التكليف في الواجب المخيّر إلى المعيّن إذا كان بعض أفراده معنوناً بالعنوان المحرّم هو صَرف التكليف إلى غيره ممّن يقدر، عصى أم لم يعص، فتأمّل.

الثالث: على فرض التزاحم و عدم الانتقال إلى التيمّم فوجه تقديم جانب حرمة المكث إذا تزاحمت مع الفوريّة و تقديم جانب وجوب تطهير المسجد إذا تزاحم مع حرمة المكث لا يخلو عن الخفاء؛ إلّا أن يقال: إنّ الوجه في الفرق هو القاعدة الّتي مرّت في المسألة الحادية عشر، فإنّ حرمة المكث من أجل تزاحمها مع وجوب التطهير فوراً و احتمالِ تساويها معه و احتمالِ الأهمّيّة في كلا الجانبين تزول و يصير المكث بملاحظة وجوب حفظ المسجد عن النجس بالنسبة إلى باقي الآنات واجباً، لكن مقتضى ذلك: الحكم بالتخيير في المقام الأوّل و الحكم بوجوب التطهير في المقام الثاني.

إلّا أن يقال في وجه الفرق: إنّ الدليل على الفوريّة هو الإجماع فلا يشمل ما نحن‌

____________

(1) 1 و 2 وسائل الشيعة: ج 2 ص 995 و 994 ح 4 و 1 من ب 23 من أبواب التيمّم.

50

[مسألة 15- في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى إشكال]

مسألة 15- في جواز تنجيس مساجد اليهود و النصارى إشكال (1)، و أمّا مساجد المسلمين فلا فرق فيها بين فِرقهم (2).

[مسألة 16- إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءاً من المسجد]

مسألة 16- إذا علم عدم جعل الواقف صحن المسجد أو سقفه أو جدرانه جزءاً من المسجد لا يلحقه الحكم من وجوب التطهير

____________

فيه إذا كان التأخير بمقدار الغسل الواجب؛ فتقديم الغسل من جهة عدم قيام دليل واضح على الفوريّة، لا من باب التزاحم؛ و أمّا تقديم وجوب التطهير في ما إذا تزاحم أصل التطهير مع حرمة المكث فللقاعدة المشار إليها. هذا.

لكن قد عرفت وجود الدليل اللفظيّ على الفوريّة؛ مضافاً إلى إطلاق معاقد الإجماعات، و لو لم يكن إطلاق في البين لضاق الأمر في كثير من الموارد، فلعلّ الظاهر مع التزاحم- كما إذا لم يمكن التيمّم- التخيير في المقام الأوّل و تعيّن التطهير في المقام الثاني. و اللّٰه العالم.

(1) أقول: وجه ترتيب آثار المسجديّة عليها أنّها مساجد حقيقةً، لأنّ المسجد هو المكان الموقوف للعبادة الصحيحة، و هي كذلك، و الوقف على عباداتهم الباطلة من باب الخطأ في التطبيق. و أمّا الإشكال بأنّ الواجب تجنّب مساجد المسلمين عن النجاسة لقوله: «جنّبوا مساجدكم النجاسة» (1) و لعدم إطلاق للآية الشريفة يشمل المورد، فمندفع بأنّه يكفي في صدق الإضافة كون المسلمين مستحقّاً للعبادة فيها.

و دعوى: «أنّ الواقف إنّما وقف على أهل مذهبهم للعبادة الباطلة، فالوقف باطل أو صحيح من باب وجوب ترتيب الأثر على معاملتهم فلا بدّ من ترتيب الأثر الّذي يرتّبونها» مندفعة بإمكان إصلاح جميع ذلك من باب الخطأ في التطبيق.

لكن فيه: أنّه وقف على كلّ من يتعبّد عبادةً صحيحةً، و كون الخطأ في التطبيق غير معلوم؛ و على فرض العلم بذلك فصدق الإضافة بصِرف استحقاق العبادة من دون أن يكون بيدهم و تحت اختيارهم غير واضح.

(2) هذا واضح إن كان المسجد تحت تصرّف جميع الفرق من المسلمين، و إلّا ففيه إشكال، لاحتمال عدم التعميم في الوقف، و معه لا تصدق الإضافة أو هو محلّ ترديد.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3 ص 504 ح 2 من ب 24 من أبواب أحكام المساجد.

51

و حرمة التنجيس (1)، بل و كذا لو شكّ في ذلك، و إن كان الأحوط اللحوق.

[مسألة 17- إذا علم إجمالًا بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد]

مسألة 17- إذا علم إجمالًا بنجاسة أحد المسجدين أو أحد المكانين من مسجد وجب تطهيرهما (2).

____________

(1) لعدم المقتضي.

إن قلت: ما الفرق بينه و بين فرش المسجد؟

قلت: الفرش الموقوف للمسجد تابع له عرفاً، فهو بمنزلة الآجر الّذي فُرش به المسجد، لوضوح عدم الفرق في اعتبار الواقف بين الفرش المتّصل الملصق و غير الملصق؛ و لذا لا يحكم بحرمة تنجيس الفرش المملوك الّذي في المسجد.

و ما ذكره صاحب المستمسك دام ظلّه في مقام الفرق في المقام من قوله: «إنّ تنجيس الفراش إدخال للنجاسة إلى المسجد، لأنّ الفضاء الّذي يشغله الفراش جزء من المسجد، و ليس كذلك المقام، لأنّ خروجها عن المسجديّة بمعنى خروج الفضاء الّذي تشغله عن المسجديّة» (1) موردٌ للمناقشة من وجوه:

منها: أنّ لازم ما ذكره من الملاك عدمُ الإشكال لو أدخل المتنجّس في المسجد و تنجّس به الفرش، لأنّ الحرام إدخال النجاسة لا إدخال المتنجّس.

و منها: أنّ تنجيس الفراش إدخالٌ للنجاسة إذا كان عين النجاسة باقيةً في الفراش، و إلّا ليس إلّا جعل الشي‌ء الّذي في المسجد متنجّساً.

و منها: أنّ مقتضى الملاك المذكور: عدم جواز تنجيس الشي‌ء الخارجيّ الّذي يؤتى به في المسجد، لجريان البيان المذكور فيه، فلا يجوز تنجيس اللباس و لا الكتاب في المسجد مع أنّه لا يقول به أحد.

و منها: أنّه قد يكون تنجيس السقف و الجدران إدخالًا للنجاسة في فضاء المسجد بالمعنى المراد منه في المقام، و إلّا فالتنجيس حتّى بالنجاسة العينيّة الباقية في الفضاء غير الإدخال، و الإدخال غير معلوم الحرمة أيضاً، فالظاهر أنّ الوجه في الفرق ما ذكرناه. و اللّٰه العالم.

(2) أقول: هو واضح بناءً على ما هو المحرّر في الاصول.

____________

(1) مستمسك العروة الوثقى: ج 1 ص 513.

52

[مسألة 18- لا فرق بين كون المسجد عامّاً أو خاصّاً]

مسألة 18- لا فرق بين كون المسجد عامّاً أو خاصّاً (1)، و أمّا المكان الّذي أعدّه للصلاة في داره فلا يلحقه الحكم.

[مسألة 19- هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكّن من الإزالة؟]

مسألة 19- هل يجب إعلام الغير إذا لم يتمكّن من الإزالة؟ الظاهر العدم (2) إذا كان ممّا لا يوجب الهتك، و إلّا فهو الأحوط.

[مسألة 20- المشاهد المشرّفة كالمساجد في حرمة التنجيس]

مسألة 20- المشاهد المشرّفة كالمساجد في حرمة التنجيس (3)،

____________

فرع: لو حصل العلم لشخص بعد تطهير أحد المكانين فهل لا يجب عليه التطهير، لعدم العلم الإجماليّ بل هو شكٌّ بدويّ، أم يجب؟ من جهة استصحاب بقاء النجاسة في أحد المكانين المثبت لكون النجس ذاك المكان المشكوك، لأنّه اللازم من الجعل الظاهريّ، و ما لا يترتّب على الاستصحاب من اللوازم هو اللوازم غير الشرعيّة المترتّبة على واقع المستصحب لا المترتّبة على الأعمّ أو على خصوص الجعل الظاهريّ؛ و هو الأقوى.

(1) في المسجد الخاصّ إشكال يظهر وجهه ممّا مرّ في المسألة الخامسة عشر.

(2) أقول: الوجه فيه أنّ العالم بنفسه غير متمكّن، و المتمكّن غير مكلّف، فلا دليل على إعلامه حتّى يتوجّه إليه التكليف.

لكن لا يخفى أنّ هذا الوجه جارٍ في ما إذا كان أحد العالمين بتنجّس المسجد قادراً على إعطاء الماء و عاجزاً عن إزالة النجاسة عنه و ثانيهما قادراً على الإزالة و لم يكن قادراً على تحصيل الماء، فإنّه ما الدليل على وجوب إعطاء الماء حتّى يقدر على امتثال التكليف مع أنّه لو لم يعط الماء ليس التكليف منجّزاً عليه؟

و الحلّ: أنّ الواجب الكفائيّ متعلّق بالجميع، فواجديّة الجميع للشرائط العقليّة كافية في شرائط التكليف، فاللّٰه تعالى أراد من المسلمين حفظ المسجد عن النجس، و المفروض أنّ المجموع قادر على ذلك، فيجب عليهم الامتثال المستلزم لتعلّق التكليف بمن يقدر أوّلًا على إيجاد المقدّمة ثمّ بالثاني و هكذا حتّى يحصل التكليف، فتأمّل.

(3) لم نقف على دليل صريح في إلحاق الامور المقدّسة المذكورة في تلك المسائل- كالمشاهد و ما يتعلّق بها، و المصحف الشريف، و التربة الحسينيّة- بالمسجد في وجوب التطهير و عدم جواز التنجيس.