نظام الطلاق في الشريعة الإسلامية الغراء

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
412 /
3

-

4

[مقدمات التحقيق]

[مقدمة] بقلم شيخنا المحاضر- دام ظله

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله الّذي رفع درجات العلماء، و فضّل مدادهم على دماء الشهداء، و جعل موطأ أقدامهم، أجنحة ملائكة السماء، و الصلاة و السلام على خاتم الأنبياء الّذي برسالته ختمت رسالات السماء، و على آله الطيّبين النجباء، كهوف الورى، و أعلام التقى، و مصابيح الدجى صلاة دائمة باقية.

أمّا بعد: فانّ الشريعة الإسلامية شريعة كاملة اغنت المجتمع البشري عن أيّ تشريع آخر، بشريّ شرقي أو غربي، و من معظم مباحثها، الأحوال الشخصيّة المتمثلة في نظام الأُسرة و أحكامها و حقوقها.

و يتمثّل نظام الاسرة عندنا في ايجادها بالنكاح أو حلّها بالطّلاق و الموت و الفسخ و الانفساخ، و حقوق الاسرة في حال الحياة و الممات كالميراث و الوصية.

غير انّ هذا المصطلح جديد بين علماء الحقوق و القانون، و أوّل من استخدمه في بداية هذا القرن هو الفقيه المصريّ محمد قدر باشا و قد وضع مجموعة فقهيّة سمّاها «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» و لكن الحقوقيين يستعملون تلك اللفظة في معنى أوسع ممّا ذكرنا ( (1)) و لا مشاحة في الاصطلاح.

و لمّا كان هذا الموضوع من أهمّ المباحث الفقهية. و قد ورثنا من علمائنا‌

____________

(1). لاحظ شرح قانون الأحوال الشخصيّة للدكتور عبد الرحمن الصابوني: 11.

5

القدامى و المتأخرين دراسات عميقة و أبحاث مفصّلة في ذلك المجال، عمدنا إلى معالجة هذه الأبحاث بالقائها بصورة استدلالية في صورة تلائم روح العصر، و تلبي حاجة طلّاب المنهج.

فألقينا محاضرات حول أحكام النكاح و الطلاق و الميراث، على ثلّة من فضلاء الحوزة العلمية مرّة تلو أُخرى، و قد دوّنت و نظّمت مجموعة هذه المحاضرات بوساطة الفضلاء ممن حضر هذه البحوث، و ممن دوّن هذه الابحاث و ضبطها أحسن ضبط الفاضل النبيل حجّة الإسلام الشيخ سيف الله اليعقوبي الاصفهاني- دامت إفاضاته-.

و قد قرأنا و راجعنا ما كتب، و ما دبجته يراعته فألفيناه كافلًا لما ألقيناه و مستوعباً لما أردناه- فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء و جعل عقباه خيراً من دنياه-.

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الحوزة العلمية- قم

جعفر السبحاني

24 شعبان المعظم 1414 ه‍-

6

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد الأنبياء و خاتم المرسلين أبي القاسم محمد و آله الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين.

و بعد لمّا كانت الأحوال الشخصية من أهم المباحث الفقهية إذ في ظلّ القوانين المرتبطة بها، يقوم نظام الاسرة و يستقيم أمرها، و تحلّ المناكح، طلب حضار بحوث العلّامة الفقيه المحقّق آية الله الشيخ جعفر السبحاني- دام ظلّه- أن يلقي محاضرات استدلالية في هذا المجال، فلبّى سماحته- مشكوراً- دعوتهم، و كنت ممن حضر هذه الدروس، و توفّق لكتابتها و تدوينها و تأكيداً للصحة عرضتها على سماحته- دام ظلّه- فشرفني بمطالعتها و تصحيح ما لزم تصحيحه فيها، و ها أنا اقدّمها لطلاب الفقه و محبي فقه أهل البيت (عليهم السلام) أملا أن يستفيدوا منها منهجاً و محتوى، و طريقة و موضوعاً، و الله الموفق.

و كتابنا هذا يشمل على مقدمة و فصول خمسة.

سيف الله اليعقوبي الاصفهاني

7

[كتاب الطلاق]

المقدمة في تعريف الطلاق

النكاح عقد بين الزوجين و عليه يبنى صرح الاسرة و يصان به العرض و يتحفظ على العفّة، و الطّلاق حلّ ذلك العقد، فإذا كان الأوّل أحبّ الأُمور عند الشارع كما في الروايات ( (1)) يكون الطلاق أبغضها، و لكنّه ربّما تقتضي الضرورة قطع العُلقة و فكّ العقدة، و قد شرّعه الإسلام في ظروف خاصّة، ربّما لا يكون عنه محيص. و في الوقت نفسه وصفه بأبغض الأشياء.

روى صفوان بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): تزوَّجوا و زوِّجوا، ألا فمِن حظّ امرء مسلم إنفاق قيمة أيّمة، و ما من شي‌ء أحبُّ إلى اللّه- عزّ و جلّ- من بيت يعمر بالنّكاح، و ما من شي‌ء أبغض إلى اللّه- عزّ و جلّ- من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة» يعني الطّلاق. ( (2)) و بهذا المضمون روايات أُخر فراجع.

إنّ حكم الطّلاق في الإسلام دليل على كمال تشريعه و تقنينه إذ لم يترك تلك الناحية الحيويّة سدى، و ليس تحريم الطّلاق في النصرانيّة دليلًا على العناية بالمرأة و احترامها، فإنّ تفسير الحرمة بهذا الوجه خداع و ضلال، بل تحريم‌

____________

(1). قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من التزويج. الوسائل 14: الباب 1 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.

(2). الوسائل 15: الباب 1 من أبواب مقدّماته و شرائطه، الحديث 1.

8

الطّلاق لغاية الانتقام من الزّوج لارتكاربه ذنباً لا يغفر و هو تأهّله و تزوّجه، و خروجه عن الاقتداء بالمسيح (عليه السلام)، فحكم عليه بحرمة الطّلاق، تعذيباً و إيلاماً له حتّى لا تفكّ رقبته من هذا القيد، فالتحريم آية الهوان للمرأة، لا آية التكريم.

و على كلّ تقدير فالطّلاق لغةً: هو حلُّ القيد كقيد الأسير، يقال: أُطلقا لأسير إذا حُلَّ من القيد، و ربّما يستعمل في الإرسال و التّرك، يقال: ناقة طالقة، كما يقال: طلَّق القوم: تركهم. و لا يخفى قرب المعنيين و إمكان تصوير جامع بينهما.

ثمّ إنّ لفظ الطّلاق مصدر للفعل المجرّد، و اسم مصدر للمزيد فيه، فلو قال: طلقت (بتخفيف اللّام و فتحها و ضمّها) طلاقاً فهو مصدر، و لو قال على تشديد اللّام، طلّقت، فهو اسم مصدر. و المصدر التّطليق نظير: السّلام و الكلام و التّسليم و التكريم حرفاً بحرف ( (1)).

ثمّ إنّ الطّلاق من الأُمور العرفيّة الاعتباريّة الرائجة بين العقلاء إلّا فرقة واحدة من المسيحيين، أعني الفرقة «الكاثوليكيّة». و قد أمضاه الإسلام بشروط كما ستوافيك. و هل هو اسم للسبب، أي إنشاء فراق المرأة بلفظ أو فعل، أو للمسبّب، أعني الأثر الحاصل من الإنشاء، فيه خلاف كالخلاف الموجود في جميع ألفاظ المعاملات.

و قد عرّف الطّلاق ب‍- «إزالة قيد النّكاح»، و الأولى تعريفه ب‍- «حلِّ العقدة» اقتداءً بقوله سبحانه: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكٰاحِ) ( (2))

____________

(1). لاحظ للسان و المجمع مادة طلق.

(2). البقرة: 237.

9

و أُشكل على التّعريف بعدم صدقه على الطّلاق الرّجعيّ، فإنّه لا تُرفع فيه عقدة النّكاح، بشهادة أنّه يجوز الرّجوع فيه لفظاً و عملًا مع القصد و غيره، فلو جامع الزوج المطلّقة الرّجعيّة لا بقصد الرّجوع، يزول أثر الطّلاق و ترجع إلى حبالته.

و يمكن الجواب عنه بأنّه لا فرق بين البائن و الرّجعيّ، غير أنّه يجوز العود إلى النّكاح مجدداً في الثاني دون الأوّل.

و إن شئت قلت: إنّ تحقّق الطّلاق في الرّجعيّ حقيقةً مشروط بشرط متأخّر و هو عدم تحقّق الرجوع من الزّوج قولًا و عملًا مع القصد و عدمه، فالرفع في كليهما فعليّ، لكنّه في البائن مطلق و في الرجعيّ مشروط، و كلّ ما يقال في الشرط المتأخّر جار في المقام أيضاً إشكالًا و جواباً، و ربّما يعرّف الطّلاق (لأجل إدخال الرجعيّ فيه) بأنّه: إزالة النّكاح أو نقصان حلِّه بلفظ مخصوص. و المراد من قوله «نقصان حلّه» هو نقص عدد الطّلاق الذي يترتّب عليه نقص حلّ الزّوجية، و هذا إذا طلّقها طلقةً رجعيةً فإنّها تنقص حلّها ... و لا يملك إلّا طلقتان مع أنّه كان في السابق يملك ثلاث طلقات. ( (1))

يلاحظ عليه: بأنّه لو قيل بعدم الإزالة في الرجعيّ كما هو مقتضى التقابل في التعريف، لزم منه عدم تحقّق الطّلاق فيما إذا لم يرجع بعد الطّلاق و خرجت عن العدّة و هو كما ترى. و أقصى ما يترتب عليه هو نقصان حلِّه و هو غير إزالة النكاح.

أركانه:

إنّ للطّلاق إضافةً إلى المطلِّق، و إلى المطلّقة، و إلى الصيغة التي بها يتحقَّق، فطبيعة الحال تقتضي كون الأركان في الطلاق ثلاثة، غير أنّه لمّا اشترط في‌

____________

(1). الفقه على المذاهب الأربعة: 4/ 278.

10

الشرع بالإشهاد صارت أركانه أربعة، و ربّما يجعل الركن الرابع هو القصد، «بأن يقصد النّطق بلفظ الطّلاق» ( (1))

يلاحظ عليه: أنّه من شرائط المطلِّق او من شرائط الصيغة أعني الركن الثالث و ليس ركناً مستقلًا و ستوافيك شروط الصيغة. فيقع الكلام في الأركان واحداً بعد آخر.

____________

(1). الفقه على المذاهب الأربعة: 4/ 281.

11

الفصل الأوّل: في أركان الطلاق

و هي أربعة:

الف: المطلِّق و شروطه‌

1. البلوغ 2. العقل. 3. الاختيار. 4. القصد.

ب: المطلَّقة و شروطها‌

1. أن تكون زوجة 2. معقودة دائماً.

3. طاهرة من الحيض و النفاس 4. متبرئة من المواقعة‌

ج: الصيغة و شروطها‌

1. اشتراط الإنشاء بلفظ: أنت طلاق و فيه بيان حكم الطّلاق بالكتابة و طلاق غير القادر على الإنشاء بالعربية، و طلاق الأخرس و الحلف بالطّلاق.

2. أن يكون منجّزاً لا معلَّقاً.

3. حكم الطّلاق ثلاثاً.

ج: الإشهاد: حضور عدلين في مجلس الطّلاق.

- و في حكم تبيّن فسق الشاهدين.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الركن الأوّل: المطلِّق

و يشترط فيه شروط أربعة:

أحدها: البلوغ. ثانيها: العقل. ثالثها: الاختيار. رابعها: القصد.

و إليك الكلام في الشرط الأوّل.

الشرط الأوّل: البلوغ

اختلفت كلمة الأصحاب في شرطية البلوغ فذهبت طائفة إلى عدم شرطيته و إليك البيان:

قال ابن بابويه: و الغلام إذا طلّق للسنّة فطلاقه جائز ( (1)).

و قال الشيخ في النهاية: و الغلام إذا طلّق و كان ممّن يحسن الطلاق و قد أتى عليه عشر سنين فصاعداً جاز طلاقه ( (2)).

و قال ابن البرّاج: إذا كان يحسن الطّلاق، و كان سنّه عشر سنين أو أكثر من ذلك، و أراد الطّلاق كان ذلك جائزاً ( (3)).

و قال ابن حمزة: و من لم يبلغ ضربان إمّا لم يبلغ عشر سنين فصاعداً فلا يصحّ منه الطّلاق و لا من وليّه له، أو بلغ و كان مميّزاً فيصحّ طلاقه ( (4)).

و خالفهم لفيف من القدماء و جلّ المتأخرين.

____________

(1). الفقه الرضوي بناءً على أنّه تأليف والد الصدوق.

(2). النهاية: 518.

(3). المهذب: 2/ 288.

(4). الوسيلة: 323.

14

قال أبو الصلاح: و اشترطنا صحّة التصرّف احترازاً من الصبيّ و المجنون و السكران ( (1)).

و قال سلّار: و من شرط المطلِّق أن يكون مالكاً لأمره ( (2)).

و قال ابن ادريس- بعد نقل كلام الشيخ في النهاية و ذكر الرواية التي استند إليها الشيخ-: إنّها مخالفة لأُصول المذهب، و الأدلّة المتضافرة، و لقول الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم): رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم ( (3)).

و أمّا المتأخّرون فكفى في اتّفاقهم على الشرطية قول صاحب الجواهر بعد قول المحقق «البلوغ»: بلا خلاف أجده ( (4)).

و أمّا العامّة؛ فقال شمس الدين ابن قدامة المقدسيّ في شرحه على المغني: أكثر الروايات عن أحمد أنّ طلاقه يقع، و ذكره الخرقي و اختاره أبو بكر ( (5)) و ابن حامد، و روي نحو ذلك عن سعيد بن المسيّب و عطاء و الحسن و الشعبي و إسحاق، و روى أبو طالب عن أحمد: لا يجوز طلاقه حتى يحتلم، و هو قول النخعي و الزّهري و مالك و حمّاد و الثوري و أبي عبيد و ذكر أبو عبيد أنّه قول أهل العراق و أهل الحجاز. و روي ذلك عن ابن عباس لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «رفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم» ( (6)) و هذا النقل يدلُّ على أنّ المسألة كانت مورد‌

____________

(1). الكافي: 305.

(2). المراسم: 161.

(3). السرائر: 2/ 673، و 693.

(4). الجواهر: 32/ 4.

(5). المراد أبو بكر الخلّال الذي جمع فتاوى أحمد بن حنبل من هنا و هناك.

(6). المغني: 8/ 236، و قد نقل فيه الجواز لمن له بين عشر إلى اثني عشر سنّاً كما نقل جوازه لمن أحصى الصلاة و صام رمضان إلى غير ذلك من العبارات المشعرة بكفاية التمييز.

15

الاختلاف بين التابعين و تابعيهم.

و مع ذلك قال ابن رشد: «و اتفقوا على انّه الزوج العاقل البالغ الحرّ غير المكره» ( (1)).

و أمّا الروايات فهي على طائفتين:

الأُولى: ما يدلّ على عدم نفوذ طلاق الصبيّ حتّى يحتلم. مثل:

1- ما رواه أبو الصباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ليس طلاق الصبيّ بشي‌ء». ( (2))

2- و السّكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «كلّ طلاق جائز إلّا طلاق المعتوه أو الصبيّ أو مبرسم أو مجنون أو مُكرَه». ( (3))

3- و أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا يجوز طلاق الصبيّ و لا السّكران». ( (4))

4- و حسين بن علوان، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)، قال: «لا يجوز طلاق الغلام حتّى يحتلم». ( (5))

و في مقابلها ما يدلّ على الجواز بقيد كونه عاقلًا، أو قادراً على وضع الصدقة في موضعها و حقّها و الكلُّ كناية عن كونه مميّزاً، نظير:

1- ما رواه سماعة، قال: سألته عن طلاق الغلام و لم يحتلم و صدقته، فقال: إذا طلّق للسُّنَّة و وضع الصدقة في موضعها و حقّها فلا بأس و هو جائز. ( (6))

2- و جميل بن درّاج عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: يجوز طلاق الغلام إذا‌

____________

(1). بداية المجتهد: 2/ 81.

(2). الوسائل 15: الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1 و 3 و 4 و 8 و 7.

(3). الوسائل 15: الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1 و 3 و 4 و 8 و 7.

(4). الوسائل 15: الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1 و 3 و 4 و 8 و 7.

(5). الوسائل 15: الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1 و 3 و 4 و 8 و 7.

(6). الوسائل 15: الباب 32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1 و 3 و 4 و 8 و 7.

16

كان قد عقل و صدقته و وصيّته و إن لم يحتلم. ( (1))

3- و ما رواه في الفقه الرضوي: و الغلام إذا طلّق للسّنّة فطلاقه جائز. ( (2))

و أمّا روايتا ابن بكير و ابن أبي عمير، فمضطربتان متناً و إليك ما روياه:

4- روى في الكافي عن ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: « [لا] يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و وصيّته و صدقته و إن لم يحتلم». ( (3))

فلو كان الذيل «و إن لم يحتلم» فهو يدلّ على زيادة حرف النفي و أنّ الصحيح «يجوز»، بخلاف ما إذا كان «إن لم يحتلم» فإنّه يناسب كون الصحيح «لا يجوز».

5- و روى عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: « [لا] يجوز طلاق الصبيّ إذا بلغ عشر سنين». ( (4)) و الظاهر زيادة [لا] كما رواه في الوسائل.

هذا ما وقفنا عليه من الرّوايات، و هل الطائفتان متعارضتان حتّى يرجع إلى المرجّحات، أو أنّ النسبة بينهما عموم و خصوص مطلق؛ لظهور الروايات النافية في عدم جواز طلاق الصبي مطلقاً بلغ العشر أم لم يبلغ، قدر على وضع الصدقة في موضعها أم لا، فعلى ذلك فتخصّص الطائفة الأولى بالطائفة الثانية؟

قال صاحب الحدائق: تحمل رواية الكناني و رواية أبي بصير و نحوهما ممّا‌

____________

(1). الوسائل 13: الباب 15 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث 2، و رواه في الوسائل عن جميل بن دُرّاج عن أحدهما، و الظاهر سقوط الواسطة كما في المصدر و هو محمّد بن مسلم لأنّ جميل بن درّاج من أحداث أصحاب الإمام أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلا يمكن له أن يروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام). إلّا أن يكون ذلك قرينة على أنّ المراد هو الإمام الصادق (عليه السلام) فتأمّل.

(2). المستدرك: 3/ 8 الباب 24، الحديث 3.

(3). الكافي: 6/ 124 كتاب الطلاق، الحديث 4 و 5.

(4). الكافي: 6/ 124 كتاب الطلاق، الحديث 4 و 5.

17

دلّ على عموم عدم جواز طلاقه على من لم يبلغ العشر أو من بلغ، و لكن لا يعقل ذلك، و ما دلّ على جواز طلاقه مطلقاً كما في رواية جميل بن درّاج و سماعة و ابن بكير و نحوها على من بلغ عشراً و كان يعقل ذلك.

يلاحظ عليه: أنّه يستلزم أن يكون ورود العامّ لغواً، فإنّه إذا خرج البالغ عشراً و ما فوقه، و خرج المميّز و العارف بوضع الصدقة محلّها؛ يلزم أن يكون العامّ مختصاً بما دون العشر و غير المميّز، و من المعلوم أنّ طلاقه غير صحيح قطعاً فلا حاجة للعناية بذكره.

فالحق أنّ الطائفتين متعارضتان، و الترجيح مع الطائفة الأولى لموافقتها للسنّة النبويّة، أعني قوله: «رُفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم» ( (1)) على أنّ طبيعة الموضوع و خطورته تقتضي اشتراط البلوغ فلا يترك هذا الموضوع المهمّ إلى الصبيّ نفسه، و إن عقل و ميّز، كيف و أمر الطلاق ليس بأقلّ من الأموال، و لا يجوز له التصرّف في أمواله فكيف في حلّ عقدة النّكاح، فالظاهر اشتراط البلوغ بلا كلام.

طلاق الوليّ زوجة الصبيّ

إذا كان البلوغ شرطاً في جواز الطلاق فلا يجوز للوليّ طلاق زوجته عنه أيضاً ولايةً إجماعاً، و قد استدلّ عليه بما لا يخلو من النظر، كالنبويّ المعروف «الطلاق بيد من أخذ بالسّاق» ( (2)) فإنّه في مقابل الأجنبيّ لا الوليّ كأدلّة الوكالة؛ فإذا جاز الطلاق بالوكالة و كانت أدلّة الوكالة مقدّمةً على النبويّ جاز بالولاية أيضاً.

و بذلك يظهر ضعف ما استدلّ به المحقّق، حيث قال: «لاختصاص‌

____________

(1). الجامع الصغير: 2/ 57.

(2). كنز العمال: 5/ 155.

18

الطلاق بمالك البضْع» لما عرفت من أنّ معناه؛ أنّ الطلاق بيد المالك لا الأجنبيّ، و أمّا الوكيل و الوليّ الخاصّ أو العامّ فالدليل منصرف عن إخراجهم. نعم استدلّ بقوله: «و توقّع زوال حجره غالباً لقصر مدّته» و هو في محلّه.

و الأولى الاستدلال بالروايات المرويّة في المقام؛ مثل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في الصبيّ يتزوّج الصبيّة يتوارثان؟ فقال: «إذا كان أبواهما اللّذان زوّجاهما فنعم» قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال: «لا». ( (1))

و خبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن الصبيّ يُزوّج الصبيّة هل يتوارثان؟ قال: «إن كان أبواهما هما اللّذان زوّجاهما فنعم»، قلنا: يجوز طلاق الأب؟ قال: «لا». ( (2))

و خبر فضل بن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوِّج ابنه و هو صغير قال: «لا بأس» قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: «لا ...». ( (3))

و ربّما توصف الرواية بالصحّة لكن في طريقها عبد اللّه بن محمّد بن عيسى و هو أخو أحمد بن محمّد بن عيسى و لم يوثّق هو و لا أخوه الآخر أعني بنان بن محمد بن عيسى صريحاً، و إن دلّت القرائن على وثاقة عبد اللّه كما ذكره العلّامة المامقاني في ترجمته فلاحظ. و المسألة إجماعيّة لا تحتاج إلى التفصيل.

هذا إذا كان الصبيّ سويّاً و سالماً و أمّا غيره فله صور ثلاث:

1- إذا جُنّ بعد العقد و هو غير بالغ.

2- إذا بلغ فاسد العقل.

____________

(1). الوسائل 220: 14، الباب 12 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1.

(2). الوسائل 17/ 528، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.

(3). الوسائل 15/ 39، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 2، و لاحظ الحديث 5 من هذا الباب.

19

3- إذا جُنَّ بعد البلوغ.

ذكر المحقّق من الصّور الثلاث الثانية و الثالثة حيث قال: «فلو بلغ فاسد العقل طلّق وليّه مع مراعاة الغبطة» و هذه هي الصورة الثانية، و أشار إلى الصورة الثالثة عند البحث عن الشرط الثاني حيث قال: «و يطلّق عن المجنون» و الظاهر هو الجنون المنفصل عن البلوغ.

و أمّا الصورة الأولى؛ أعني إذا جُنّ بعد العقد و هو غير بالغ فغير مذكور في كلامه و لعلّه اكتفى في بيان حكمه بما سبق من أنّه لا يجوز للوليّ طلاق زوجة الصبيّ سواء كان سويّاً أم غير سويّ، فيبقى الكلام في الصورتين المذكورتين.

أمّا الأولى أعني ما إذا بلغ فاسد العقل؛ فالشيخ و ابن إدريس؛ على عدم الجواز مستدلين بأنّه: «ليس للوليّ أن يطلّق عمّن له عليه ولاية؛ لا بعوض و لا بغير عوض، و به قال الشافعيّ، و أبو حنيفة و أكثر الفقهاء ...». ( (1))

و لا يخفى ضعف الاستدلال، أمّا النبويّ؛ فقد عرفت انصرافه عن الوليّ، و أمّا التمسّك بالأصل؛ فهو محجوج بالدليل الاجتهاديّ. و لأجل ذلك ذهب المشهور إلى الجواز و يدلُّ على الجواز روايات:

1- ما رواه شهاب بن عبد ربّه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «المعتوه الذي لا يحسن أن يطلّق؛ يُطلّق عنه وليّه على السّنّة» قلت: فطلّقها ثلاثاً في مقعد، قال: «تردُّ إلى السُّنّة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة». ( (2))

____________

(1). الخلاف: 2/ 437، المسألة 39، كتاب الخلع. و ذهب في النهاية ص 519 إلى الجواز، السرائر 494: 2.

(2). الوسائل 15/ 329، الباب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق:، الحديث 2.

20

2- و ما رواه أبو خالد القمّاط ( (1))، قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل الأحمق الذّاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه؟ قال: «و لم لا يطلِّق هو»؟ قلت: لا يؤمن إن طلّق هو أن يقول غداً لم أُطلّق، أو لا يحسن أن يطلِّق، قال: «ما أرى وليّه إلّا بمنزلة السلطان». ( (2)) و الموضوع في الروايتين هو المعتوه.

و قد عرفت في التّعليقة أنّ الرواية نقلت بصور مختلفة، فالموضوع في رواية صفوان قوله؛ (رجل يعرف رأيه مرةً و ينكره أُخرى) و هو في رواية محمّد بن أبي حمزة؛ الرجل الأحمق الذاهب العقل، كما هو في رواية محمّد بن سنان؛ المعتوه. و بذلك يعلم أنّ الموضوع هو دون المجنون؛ بشهادة رواية صفوان،. كما يعلم أنّ المعتوه أقلّ من المجنون» فيثبت الحكم في المجنون بطريق أولى، و يظهر من أهل اللّغة أنّ المعتوه أقلّ من المجنون:

قال الفيّومي في كتاب المصباح المنير: عَتِه عَتْهاً من باب تَعِبَ و عَتَاهاً بالفتح: نقص عقله من غير جنون أو دهش، و فيه لغة ثانية عتِّه بالبناء للمفعول عتاهةً بالفتح و عتاهيةً بالتخفيف فهو معتوه بيّن العِته.

و عن التهذيب: المعتوه، المدهوش من غير حسّ أو جنون.

و قال في القاموس: عَتِه كعني عَتهاً و عُتهاً و عُتاهاً بضمها فهو معتوه نقص عقله أو فقد أو دُهِش.

نعم؛ أُورد على الاستدلال بهذه الروايات في المسالك بما هذا لفظه: «و لأنّ متن الحديث لا يخلو من قصور؛ لأنّ السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل،

____________

(1). نقلها عنه، صفوان بن خالد تارة، و محمّد بن أبي حمزة ثانياً، و محمّد بن سنان ثالثاً، بمتون مختلفة في التعبير، و الظاهر وحدة الرواية و إنّما الاختلاف لأجل النقل بالمعنى فلو كان ضعف في الطريقين الأخيرين لأجل محمّد بن أبي حمزة و محمّد بن سنان فلا ضعف في الطريق الأُول.

(2). الوسائل 15/ 329، الباب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق:، الحديث 1.

21

ثمّ يقول له الإمام «ما له لا يطلّق» مع الإجماع على أنّ المجنون ليس له مباشرة الطلاق، و لا أهليّة التصرف، ثمّ يعلِّل السائل عدم طلاقه بأنّه لا يؤمن من أن ينكر الطلاق أو لا يعرف حدوده، ثمّ يجيبه الإمام بكون الوليّ بمنزلة السلطان، و كلُّ هذا يضعِّف الاحتجاج بها». ( (1))

و تمكن الإجابة؛ بأنّ المعتوه في لغة العرب؛ هو ناقص العقل من دون جنون، و لأجل ذلك قال له الإمام «ماله لا يطلِّق» فأجاب الراوي: بأنّه يمكن أن ينكره بعد الطلاق أو أنّه لا يعرف حدوده، و على ذلك يحمل قوله «ذاهب العقل» فالمراد هو ناقصه لا فاقده من رأس، و مثله تصحّ مباشرته للطلاق بإذن الوليّ، لأنّه كالسفيه في مجال المال و الثروة.

و على ذلك يحمل ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سُئل عن المعتوه: أ يجوز طلاقه؟ فقال: «ما هو»؟ قال: فقلت: الأحمق الذاهب العقل، فقال: «نعم». ( (2))

غاية الأمر يلزم تقيّده بإذن الوليّ، و أمّا لو كان فاقد العقل فلا يُعبأُ بلفظه و صيغته. هذا كلّه إذا بلغ فاسد العقل.

و أمّا الصورة الثانية أعني إذا جُنَّ بعد البلوغ؛ فهل يجوز للوليّ الطلاق عنه أخذاً بما هو المتبادر من الروايات السابقة من أنّ المِلاك؛ هو فقدان العقل بعد البلوغ سواء أ كان متّصلًا بأيّام الصبا أم لا،، كما عليه صاحب الجواهر حيث قال: «إنّ ولاية المجنون مطلقاً للأب و الجدّ من غير فرق بين المتّصل و المنفصل» ( (3))، أو يتولّاه الحاكم لانقطاع ولاية الوالدين بالبلوغ عاقلًا؟ ( (4)) وجهان؛

____________

(1). الحدائق: 25/ 155، كتاب الطلاق.

(2). الوسائل 15/ 328، الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 8.

(3). الجواهر: 32/ 9.

(4). و هذا هو الفرق الجوهريّ بين الصورتين.

22

أحوطهما الجمع بين القولين؛ و هو طلاق الوليّ بإذن الحاكم.

الشرط الثاني: العقل

و ليس فيه خلاف؛ فلا يصحّ طلاق المجنون مطبقاً أو أدواريّاً حال جنونه، و لا السّكران، و لا من زال عقله بإغماء أو بسبب تناول مسكر من خمر و حشيش و أفيون و كوكائين و نحو ذلك من المخدِّرات التي تغطّي العقل.

و هل العقل شرط برأسه؟ أو أنّه شرط لاستلزامه عدم القصد الذي يترتّب عليه الحكم؟ وجهان، و لكنه لا يترتّب عليه أثر شرعيّ بعد استفاضة النصوص على أنّه لا طلاق لمن فقد العقل ذاتاً أو عرضاً.

و تدلّ على ذلك مضافاً إلى ما تقدّم في الشرط الأوّل ( (1))؛ روايتا الحلبي، و نكتفي بذكر واحدة منهما قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن طلاق السّكران و عتقه، فقال: «لا يجوز» قال: و سألته عن طلاق المعتوه، قال: «و ما هو»؟ قال: قلت: الأحمق الذاهب العقل، قال: «لا يجوز»، قلت: فالمرأة كذلك يجوز بيعها و شراؤها؟ قال: «لا». ( (2)) و لأجل وضوح الحكم طوينا الكلام عن نقل الروايات على وجه التفصيل.

نعم؛ هناك فرع و هو؛ أنّه إن تناول الشخص شيئاً و هو عالم بأنّه- يزيل العقل- فذهب عقله و طلَّق امرأته؛ فهل يقع طلاقه؟ الظاهر: لا. بل هو منصرف الروايات؛ إذ قلَّ ما يتَّفق للإنسان أن لا يعرف خصوصيّات المسكرات.

____________

(1). و هي رواية السّكونيّ.

(2). الوسائل ج 15/ 328، الباب 34 من أبواب مقدّمات، الحديث 5، و لاحظ الرواية 4 و 6 و 7 من هذا الباب.

23

ثمّ إنّ بعض من عاصرناه من فقهاء أهل السّنّة، بعد ما ذكر شرطيّة العقل؛ فرَّق بين ما إذا تناول المسكر و هو يعلم أنّه يزيل العقل؛ فيقع طلاقه زجراً له و لأمثاله الذين ينتهكون حرمات الدّين، و ما إذا تناوله و هو غير آثم في تناوله، و طلّق امرأته؛ فلا يقع لأنّه معذور.

و ضعفه ظاهر؛ لأنّ العبرة في الطّلاق بإنشائه عن قصد، و السكران سواء كان متهتّكاً أو معذوراً فاقد للشرط أي قصد اللّفظ و المعنى بالإرادة الاستعمالية فضلًا عن الإرادة الجدّيّة. و كونه آثماً في تناوله أو غير آثم؛ لا يؤثّر في المقام؛ لفقدان الشرط المقوِّم للصيغة، و إلّا يجب الالتزام بجميع إنشاءاته كبيعه و شرائه و هو كما ترى. فالحقّ بطلانه في كلتا الصورتين.

ثمّ إذا لم يكن له وليّ من أب أو جدّ؛ طلَّق عنه السلطان أو مَن نصبه للنظر في ذلك و يدلُّ عليه ما تقدّم من الروايات من تنزيل الوليّ منزلة السلطان الدالّ على ثبوت الحكم في المنزَّل عليه، غير أنّ السلطان وليُّ من لا وليَّ له، فتختصُّ ولايته بما إذا لم يكن هناك وليّ.

و أمّا الادواري؛ فيصحُّ طلاقه إذا كان كامل العقل في ظرف إنشاء الطّلاق كالسكران. نعم؛ لو فرض تأثير حال جنونه في حال إفاقته؛ يتولّى طلاقه الوليّ كما هو اللّائح ممّا سبق من الروايات حول المعتوه و الذاهب العقل.

و أمّا ( (1)) ولاية الأب أو الجدّ على السكران و شارب المرقد؛ فغير ثابت؛ لفحوى ما دلّ على عدم ولايته على الصبيّ؛ لرجاء زوال العذر، إلّا إذا كان هناك حرج و ضرر، أو كان العود إلى الإفاقة متوقِّفاً على مضيّ زمن طويل، فيقوم الوليّ بطلاقها عنهما.

____________

(1). لاحظ رواية أبي خالد القمّاط المتقدّمة و غيرها.

24

الشرط الثالث: الاختيار؛ فلا يصحُّ طلاق المكرَه

يقع الكلام في موردين: الأوّل في حكم طلاق المكره، و الثاني فيما يتحقّق به الإكراه.

أمّا الأوّل: فطلاقه باطل إجماعاً، و قد وردت- مضافاً إلى حديث الرفع- روايات خاصّة؛ مثل ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «لو أنّ رجلًا مسلماً مرّ بقوم ليسوا بسلطان، فقهروه حتّى يتخوّف على نفسه؛ أن يعتق أو يطلِّق ففعل، لم يكن عليه شي‌ء». ( (1)) و ما رواه يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «لا يجوز طلاق في استكراه، و لا تجوز يمين في قطيعة رحم،- إلى أن قال- و إنّما الطلاق ما أُريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار» ( (2)) و غيرهما ممّا يدلّ على بطلان طلاق المكره.

نعم؛ إنّما المهمّ هو بيان ما يتحقّق به الإكراه، و قد ذكروا لتحقُّقه أموراً ثلاثة:

1- كون المُكرِه قادراً على فعل ما توعّد به.

2- غلبة الظنّ بأنّه يفعل ذلك مع امتناع المكرَه.

3- أن يكون ما توعّد به مضرّاً بالمكرَه نفسه، أو من يجري مجراه كالأب و الولد، سواء كان ذلك الضرر قتلًا أو جرحاً أو شتماً أو ضرباً.

و الذي يمكن أن يقال: إنّه يكفي الخوف من العمل بما توعّد به، و لا يشترط الظنّ بالفعل لصدق الإكراه أوّلًا؛ و لورود الخوف في رواية عبد اللّه بن سنان ثانياً‌

____________

(1). الوسائل 15/ 331، الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 2.

(2). نفس المصدر الحديث 4.

25

كما عرفت.

نعم؛ يختلف تحقُّق الإكراه حسب اختلاف منازل المكرَهين في تحمّل الإهانة و عدمه ما عدا القتل و الجرح، فربّما كان قليل الشتم يضرّ بالوجيه صاحب الوقار، و الضرب لا يضرُّ ببعض آخر و لا يبالي به.

و المشهور كما في الشرائع هو تحقُّق الإكراه مع الضرر الكثير لا اليسير، و ظاهره أنّه يلاحظ المال بما هو هو، فإن كان كثيراً فهو صادق دون ما إذا كان قليلًا. و الأولى التفريق بين المضرّ بحال المكرَه و غيره؛ لا الكثير و اليسير، و لقد أحسن في الحدائق حيث قال: «يتحقّق الإكراه بتوعُّده بما يكون مضرّاً به بحسب حاله؛ في نفسه أو من يجري مجراه». ( (1))

المكره من أقسام المريد

ربّما يتوهّم أنّ المكرَه غير مريد، و لكنّه في غير محلّه، بل الفاعل المريد بين مختار و مكرَه، و أمّا الفاقد للإرادة فهو الفاعل المضطرّ؛ مثل حركة يد المرتعش.

و المكرَه و المختار من أقسام الفاعل المريد، غاية الأمر؛ أنّ الإرادة تنبع في المختار من صميم ذاته من دون تأثير عامل خارجيّ، بخلاف الأوّل؛ فإنّ للعامل الخارجيّ تأثيراً في ظهور الإرادة في أُفق النفس، و لأجل كونه مريداً و قاصداً؛ يقع الطلاق صحيحاً إذا ارتفع الإكراه و أمضى عمله، فتكون الصحة مطابقةً للقاعدة، و المكرَه بإرادته، يقدّم الأقلّ محذوراً على الأكثر، و يطلق بإرادة تامّة.

و بذلك يعلم؛ أنّ البحث في المكرَه المريد للطلاق جدّاً لأجل الإكراه، فما ذكره العلّامة في التحرير، و أفتى به الشهيد الثاني في شرح الروضة؛ بأنّه لو أكره‌

____________

(1). الحدائق 25، كتاب الطلاق 160.

26

على الطلاق فطلّق ناوياً؛ يقع صحيحاً؛ غير تامّ؛ لما عرفت من أنّ المكرَه من أقسام المريد، و مورد البحث و الروايات ما إذا طلّق عن إرادة و قصد.

و ما جاء في كلامهما بأنّ الإكراه يرتفع بقصد اللّفظ دون المعنى و أنّ القصد لا إكراه فيه عليه؛ غير مفيد؛ فبالإضافة إلى ما عرفت- من أنّه مورد البحث و الروايات- أنّ التلفّظ باللّفظ من دون إرادة معناه أمر يغفل عنه أكثر المكرهين، فلا يرون أمامهم إلّا طريقاً واحداً و هو الطّلاق عن قصد و إرادة، فلا يمكن صرف الروايات عن الصورة الغالبة و حملها على الصورة النادرة.

و يؤيّد ذلك؛ ما سيوافيك من عدم وجوب التّورية للقادر عليها. و يدلّ على ما ذكرناه خبر يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، حيث قال: «و إنّما الطلاق ما أُريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار». ( (1)) فحكم ببطلان الطّلاق في موضع قصده لكن عن إكراه فإرادته في ظرف الإكراه غير كافية.

ثمّ إنّ هاهنا فروعاً ذكرت في كتب الفقهاء نذكر المهمّ منها:

1- إذا أُكره على الطّلاق و لم يكن للإكراه تأثيرٌ فيه؛ كما إذا كان مستعدّاً له فصار الإكراه مبرراً ظاهرياً للطّلاق؛ فلا إشكال في صحّته.

2- إذا كان له داع إلى الطّلاق و لكن لم يكن داعياً تامّاً فأُكره فصار داعياً تامّاً.

3- إذا طلّق لا من جهة التخلّص من الضرر المتوجّه إليه، بل لأجل دفع الضرر عن المكرِه؛ كما إذا قال الولد للوالد: طلّق ضرّة أُمي و إلّا لقتلتك أو لقتلت نفسي؟ فطلّق لصيانة نفس الولد عن القتل قصاصاً أو ابتداءً.

____________

(1). الوسائل 15/ 331، الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 4.

27

4- إذا طلّق و كان الداعي هو الشفقة الدينيّة على المكرِه، أو على المطلّقة؛ لئلّا يعذّب في الآخِرَة الولد بقتل الوالد أو ترتكب المطلّقة عملًا حراماً. فهل الكلّ من مصاديق الإكراه أو عدمه أو فيه تفصيل؟

يمكن أن يقال: إنّه إذا قلنا: بأنّ الاختيار شرط لا أنّ الإكراه مانع؛ فالظاهر بطلان الطّلاق في جميع الصور؛ لعدم وجود الاختيار فيها، فلولا إكراه الولد لما اختار الوالد الطّلاق. و إنّما طلّق لأجل إضرار الولد و تهديده و قد ألجأ الوالد إلى الطّلاق، و أمّا على القول بأنّ الإكراه مانع؛ فالظاهر هو التفصيل، فإن كان الداعي نفس الإكراه و كان له دور في ظهور الإرادة في نفس المكرَه؛ فالطّلاق باطل. و أمّا إذا كان الإكراه مغفولًا عنه و كان الداعي عدم توجّه المحذور الدنيويّ أو الأُخرويّ إلى الولد؛ فلا يصدق عليه الإكراه. فيقع صحيحاً هذا حكم جميع الصور.

5- إذا أكرهه على طلاق زوجة معينة؛ فطلّقها مع غيرها بلفظ واحد أو طلّقهما بصيغتين؛ و الظاهر اتّصاف الأولى بالإكراه دون الثانية، و ما في الجواهر من «أنّه لو طلّقها مع غيرها بلفظ واحد، فإنّه يشعر باختياره أيضاً»؛ غير تامّ؛ إذ من الممكن أن لا يكون طلاقها منبعثاً من اختياره، بل لاجل أنّه ربّما لا تكون الظروف مساعدةً لإبقاء الثانية وحدها فيطلّقهما معاً، و لو لا الإكراه لما طلّق الثانية أبداً.

6- لو أُكره على طلاق زوجة معيّنة فطلّق غيرها؛ فالظاهر اتّصافه بالإكراه، و لعلّ العدول منها إلى غيرها؛ هو للتوصّل به إلى رفع الإكراه به، فيكون طلاق غيرها اكراهيّاً.

7- لو أكرهه على طلاق إحدى زوجاته؛ بأن يختار واحدة معيّنة و يطلّقها، فطلّقها كذلك؛ فالظاهر بطلانه؛ لأنّها إحدى أفراد الكلّيّ المكرَه عليه.

8- لو كان الإكراه على الإبهام، و عدل إلى التعيين؛ ففي المسالك أنّه يصحّ؛

28

لأنّه غير المكرَه عليه جزماً.

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين الإكراه على المبهَم و الإكراه على المعيّن؛ من شأن العالم بهذه المسائل لا غيره، فأكثر الناس لا يدور في خلدهم إلّا أنّ الإكراه لا يرتفع إلّا بالطّلاق معيّناً.

نعم؛ لو وقف على أنّ المكرَه يرضى بالطّلاق الباطل أي الطّلاق مبهماً و طلّق صحيحاً أي معيّنة؛ فللصّحّة وجه.

9- و لو أُكره على الطّلاق بكناية من الكنايات؛ فطلّق باللّفظ الصريح؛ ففيه التفصيل الماضي، في الصورة الثامنة.

10- لو طلّق و ادّعى أنّه كان مكرَهاً عليه و أنكرت الزوجة؛ قيل: لو كانت هناك قرينة تدلّ على صدقه بأن كان محبوساً؛ قدّم قوله بيمينه، و إلّا فلا.

و لو طلّق في المرض ثمّ قال: كنت مغشيّاً عليّ، أو مسلوب القصد؛ قيل: لم يقبل قوله إلّا ببيّنة؛ لأنّ الأصل الصحّة، و إنّما قبلت القرائن في الإكراه؛ لظهورها و كثرة وقوعها و وضوح مراتبها.

الظاهر أنّه لا فرق بين الصورتين إذا كانت هناك قرائن مفيدة للاطمئنان الذي هو علم عرفيّ. هذا و كما أنّ الأصل هو الصحّة؛ كذلك الأصل كون الإنسان مختاراً في فعله.

و أمّا وجوب التّورية و عدمه على القادر عليها؛ فقد فرغنا من حكمها عند البحث عن المكاسب المحرّمة.

الشرط الرابع: القصد

و هل المراد؛ هو قصد اللّفظ أو قصد المعنى بالإرادة الاستعماليّة أو قصده‌

29

بالإرادة الجدّيّة، أي قصد إنشاء الطّلاق جدّاً، و يخرج على الأوّل النائم و السكران و الغالط، و على الثاني الجاهل باللّغة، و على الثالث الهازل، و الظاهر هو الثالث؛ لعدم الحاجة إلى إخراج فاقد القصد على الاطلاق؛ بعد خروجه باشتراط العقل، و أمّا الثاني فنادر الوجود لا يحتاج إلى عنوان مستقلّ. فتعيّن الثالث؛ أي من يقصد اللّفظ و المعنى بالإرادة الاستعماليّة دون الجديّة؛ كما هو الحال في الهازل و المعلّم و الملقّن إلى غير ذلك ممّن يفتقد الإرادة الجدّيّة.

و قد تضافرت الروايات على اشتراطه، و ما هذا إلّا في مقابل فتوى العامّة قاطبة؛ من كفاية قصد اللّفظ في الطّلاق عن قصد المعنى جدّاً إذا كان اللّفظ صريحاً؛ فمن طلّق باللّفظ الصريح و إن لم يقصد المعنى جدّاً يقع طلاقه؛ دون اللفظ بالكنايات. و لو طلّق باللّفظ الكنائي يشترط فيه القصد. فأقاموا صراحة اللّفظ مكان القصد. إذ نقل الشيخ عن فقهاء عصره: «الصريح ما يقع به الطّلاق من غير نيّة، و الكنايات ما يحتاج إلى نيّة». ( (1))

و نقل في الخلاف عنهم بعد الإشارة إلى ألفاظ الطّلاق الصريح و غيره: فكلّ ذلك يقع به الخلع إلّا أنّه لا تراعي في الألفاظ الصريحة، النيّة؛ فيقع الخلع بالتلفّظ به، و تعتبر النيّة في الكنايات بينهما جميعاً. ( (2))

و قال ابن قدامة في المغني: اللّفظ ينقسم إلى صريح و كناية؛ فالصريح يقع به الطّلاق من غير نيّة، و الكناية لا يقع بها الطلاق حتّى ينويه أو يأتي بما يقوم مقام نيّته. ( (3))

و قد عرفت تضافر الروايات على لزوم القصد في صحّة الطلاق؛ مثل ما رواه‌

____________

(1). الخلاف، ج 2: كتاب الطلاق، 445/ المسألة 17.

(2). الخلاف 2: كتاب الخلع، 433/ المسألة 14.

(3). المغني 8/ 263، كتاب الطلاق.

30

ابن بكير عن زرارة عن اليسع، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في حديث: «و لو أنّ رجلًا طلّق على سنّة و على طهر من غير جماع و أشهد و لم ينو الطلاق؛ لم يكن طلاقه طلاقاً». ( (1))

و ما رواه ابن بكير عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا طلاق إلّا ما أُريد به الطلاق». ( (2))

و ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «لا طلاق إلّا لمن أراد الطلاق». ( (3))

و على ذلك، فلو خاطب زوجته بظنّ أنّها زوجة غيره و قال: أنت طالق، أو قال: زوجتي طالق بظنّ أنّه ليس له زوجة، ثمّ تبيّن أنّ وكيله زوَّجه؛ لا يقع صحيحاً.

فيما لو ادّعى عدم القصد:

و لو طلّق زوجته، ثمّ قال: لم أقصد الطّلاق جدّاً، قال المحقّق: قبل منه ظاهراً و ديّنَ بنيّته باطناً، و إن تأخّر تفسيره ما لم تخرج المرأة عن العدّة؛ لأنّه إخبار عن نيّته. ( (4))

و قال الشيخ في الخلاف: لو قال لها: أنت طالق، ثمّ قال: أردت أن أقول أنت طاهر أو أنت فاضلة، أو قال: طلّقتك، ثمّ قال: أردت أن أقول أمسكتكِ فسبق لساني فقلت طلّقتك؛ قبل منه في الحكم و فيما بينه و بين اللّه، و قال الشافعيّ و أبو حنيفة و مالك و جميع الفقهاء: لا يقبل منه في الحكم الظاهر و يقبل منه فيما بينه و بين اللّه- دليلنا- إجماع الفرقة و أيضاً فإنّ اللّفظ إنّما يكون مفيداً لما وضع له‌

____________

(1). الوسائل 15: الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق: 285- 286، الحديث 1، 3، 4.

(2). الوسائل 15: الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق: 285- 286، الحديث 1، 3، 4.

(3). الوسائل 15: الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق: 285- 286، الحديث 1، 3، 4.

(4). الشرائع: 3/ 13.

31

في اللّغة بالقصد و النيّة .... ( (1))

و لا يخفى أنّ التفصيل المنقول عن أئمة المذاهب الثلاثة؛ لا يوافق الأصل المسلّم عندهم من عدم اعتبار القصد في الألفاظ الصريحة؛ مثل أنت طالق، فعلى الأصل المزبور؛ يتحقق الطّلاق و إن لم يقصد قطعاً، فكيف إذا كان مشكوكاً، اللّهمّ؛ إلّا أن يقال: إنّ كلامهم فيما إذا قصد اللّفظ و المعنى بالإرادة الاستعماليّة، و إن لم يقصد المعنى بالإرادة الجديّة لا ما إذا قصد نفس اللّفظ فقط؛ كما هو الحال في المثال الذي طرحه الشيخ من سبق اللسان، و لأجل ذلك قالوا: «لا يقبل منه في الحكم الظاهر و يقبل منه فيما بينه و بين اللّه».

و على كلّ تقدير؛ فقد ذهب الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في شرح النافع إلى عدم القبول، و لمّا كان ما اختاره الشيخ و المحقّق و غيرهما مشكلًا؛ من جهة أنّ لازمه سماع الإنكار بعد الإقرار، مع كون الأصل في باب القضاء؛ هو عدم السماع، أو سماع قول البائع بعد تمام العقد بأنّه لم يقصد البيع، إلى غير ذلك من موارد أُخرى ممّا لا يسمع الإنكار؛ حاول القائلون تصحيحه بوجوه نذكرها:

1- إنّه إخبار عن نيّته، و لا تعلم حقيقتها إلّا من قبله، و إنّما حكم بها اعتماداً على ظاهر حال العاقل المختار؛ المعلومة حجّيّته في ذلك ما لم تصدر الدعوى منه.

يلاحظ عليه: أنّه يسمع الإخبار عن النيّة إذا لم يتعلّق بحقّ الغير؛ كما إذا قال: لست صائماً، لا في المقام الذي هو متعلّق حقّ الغير (أي الزوجة)، و هو يمنع من قبول اخباره عن نيّته، و لأجل ذلك التجأ بعضهم؛ إلى تقييد القبول بالعدّة الرجعيّة المقتضي بقاء علقة الزوجيّة دون العدّة البائنة لزوال العلقة بالكلّيّة.

و لكن التقييد غير مفيد؛ لأنّ سماع دعواه في هذه الصورة لأجل؛ أنّ دعوى‌

____________

(1). الخلاف 2/ 446، المسألة 19، كتاب الطلاق.

32

عدم القصد كإنكار الطلاق فيسمع من حيث إنّه رجعة، لا أنّ قوله «حجّة في المقام».

2- و لمّا كان أحد النقوض؛ لزوم سماع دعوى البائع إذا ادّعى عدم القصد؛ حاول صاحب الجواهر ادّعاء الفرق بينهما، و قال: «إنّ الطلاق ليس له إلّا طرف واحد؛ و هو الإيقاع من الموقِع، و أصل الصحّة؛ لا يجري فيه بعد اعتراف فاعله بفساده بما لا يعلم إلّا من قبله، بخلاف البيع مثلًا، فإنّه لو ادّعى الموجِب عدم القصد المقتضي فساد إيجابه و عدم جريان أصل الصحّة؛ عورض بأصالة صحّة القبول الذي هو فعل مسلم أيضاً، و الأصل فيه الصّحة التي لا تتوقّف على العلم بصحة الإيجاب، بل يكفي فيها احتمال الصحّة الذي لا ريب في تحقّقه مع دعواه التي لا تمضي إلّا في حقّه ...». ( (1))

و لا يخفى؛ أنّ أصالة الصحّة في القبول لا تعارض مع صحّة ادّعاء عدم القصد، إذ ليس معناها في جانب القبول؛ هو الصحّة الفعليّة التي لا تجتمع مع القول بعدم القصد، بل مفادها هو الصحّة الشأنيّة بمعنى؛ أنّه لو كان هناك إيجاب صحيح لكان القبول صحيحاً و مفيداً للغرض، و هذا يجتمع حتّى مع العلم بفساد الإيجاب فكيف مع الشكّ في صحّته؟

3- ما رواه منصور بن يونس في حديث، عن العبد الصالح: إنّه تزوّج امرأة بغداديّة، ثمّ تزوّج ابنة خاله بالكوفة، و قد طلّق الأُولى مرّتين، و لمّا أراد النظر إلى ابنة خاله قالت اخته و خالته: إنّه لا ينظر إليها إلّا أن يطلّق الأولى فقال: فأبوا عليّ إلّا تطليقها ثلاثاً و لا و اللّه جعلت فداك ما أردت اللّه ( (2))، و لا أردت إلّا أن أُداريهم عن نفسي، و قد امتلأ قلبي من ذلك، فمكث طويلًا مطرقاً ثمّ رفع رأسه و هو‌

____________

(1). الجواهر: 32/ 21.

(2). هكذا؛ و لكنّ الظاهر أنّ العبارة هكذا: (ما أردت و اللّه).

33

متبسّم، فقال: «أمّا بينك و بين اللّه فليس بشي‌ء، و لكن إن قدّموك إلى السُّلطان أبانها منك». ( (1))

أقول إنّ ابن سماعة رواها عن عبيس بن هشام و صالح بن خالد- جميعاً عن منصور بن يونس ( (2)) و هي قاصرة الدلالة، لأنّها وردت في المكرَه الذي طلّق للمداراة، و قد امتلأ قلبه من غيضه. و قد قلنا: إنّ المكرَه من أقسام المريد، و المريد بين مختار و مكره، فكيف يستدلّ بها على فاقد القصد.

و الحقّ؛ عدم قبول قوله، لأنّه إنكار بعد الاقرار، و ليس هناك فرق بين رجوعه عن الطلاق بادّعاء عدم القصد، و رجوعه عن الاقرار إذا أقرّ و قال: (لك عندي درهم) ثمّ ادّعى عدم القصد. فالدالّ على القصد في كلا الموردين؛ ظاهر حال الفاعل العاقل من غير فرق بينهما.

و قد عرفت؛ أنّ سماع إنكاره في العدّة لأجل كونه مصداقاً للرجوع.

ثمّ إنّه إذا صدّقته المرأة، فهل يقبل قولهما حتّى بعد انقضاء العدّة؟ الظاهر؛ هو القبول لأنّ الحقّ منحصر فيهما و ربّما يقال: بعدم القبول باعتبار تعلُّق حقّ اللّه تبارك و تعالى شأنه بالموضوع، و مع فرض صدور ما يحكم به بظاهر الشرع على صدور الطلاق الجديّ منه، لا تجدي المصادقة. و لا يخفى ضعفه كما هو بيّن.

التوكيل في الطلاق:

ذهب المشهور إلى جواز التوكيل في الطلاق حاضراً كان الزوج أو غائباً، و فصّل الشيخ في النهاية بين الغائب و الحاضر؛ فمنعها في الثاني حيث قال: «إذا‌

____________

(1). الوسائل 15/ 332، الباب 38 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1.

(2). لم يوثّق عُبيس بن هشام، نعم روى جمع من المشايخ عنه، و أما صالح بن خالد و هو أبو شعيب المحاملي فهو ثقة، و الظاهر اتحاده مع ابن شعيب الكناسي الذي وثقه العياشي في باب الكنى.

34

وكّل الرجل غيره بأن يطلّق عنه؛ لم يقع طلاقه إذا كان حاضراً في البلد، و إن كان غائباً جاز توكيله في الطلاق». ( (1))

و تبعه ابن البرّاج حيث قال: «و الوكالة في الطلاق جائزة مع الغيبة دون الحضور». ( (2))؛ و مثله ابن حمزة حيث قال: «و لا يصحّ التوكيل في الطلاق إلّا للغائب» ( (3)) و عن الحسن بن سماعة بعد ما نقل حديث زرارة (لا يجوز الوكالة في الطلاق) أنّه قال: و بهذا الحديث نأخذ، و هو ظاهر في المنع مطلقاً.

و نسب في الحدائق إلى الكليني؛ التوقّف في المسألة حيث إنّه نقل الخبر الموافق و المخالف و لم يأت بشي‌ء. ( (4)) و على ذلك يكون التوقّف قولًا رابعاً، و لكنّه ليس في محلّه؛ لأنّ الكافي كتاب حديث لا كتاب إفتاء، نعم ربّما يناقش في بعض الروايات و يفتي ببعض ما رواه.

و أمّا العامّة؛ فالظاهر منهم الجواز في الخلع و الطلاق، قال ابن قدامة: و يصحّ التوكيل في الخلع من كلّ واحد من الزوجين. ( (5)) و قد أفتى بجواز توكيل الصبيّ في الطلاق. ( (6)) و قال أيضاً: «لو وكّل أجنبيّاً فقال: طلِّق زوجتي، فالحكم على ما ذكرناه (أي لم يملك إلّا طلقةً واحدة)». ( (7))

و استدلّ المشهور بوجوه:

الأوّل: التمسك بإطلاقات روايات باب الوكالة؛ مثل ما رواه معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «من وكّل رجلًا على إمضاء أمر من‌

____________

(1). النهاية: 511.

(2). المهذّب: 2/ 277.

(3). الوسيلة: 333.

(4). الحدائق: 25/ 171.

(5). المُغني: 8/ 225.

(6). المُغني: 8/ 258.

(7). المُغني: 8/ 301.

35

الأُمور؛ فالوكالة ثابتة أبداً حتّى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» ( (1)) و لا يخفى أنّ الرواية ليست في مقام بيان؛ أنّ كلّ شي‌ء تجوز الوكالة فيه، و إنّما هي في مقام بيان أنّ الوكالة (في ما تصحّ فيه الوكالة) باقية على حالها حتّى يصل إلى الوكيل ما يخرجه عنها، و أمّا ما تجوز فيه الوكالة و ما لا يجوز فليست بصدد بيانه.

الثاني: التمسك بروايات خاصّة مثل؛

1- ما رواه سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل جعل أمر امرأته إلى رجل فقال: اشهدوا أنّي قد جعلت أمر فلانة إلى فلان، فيطلّقها؛ أ يجوز ذلك للرّجل؟ فقال: «نعم». ( (2)) و مفاد الرواية؛ هو توكيله في إبقاء المرأة على حبالته أو طلاقها عنه، و ما في الحدائق «من أنّ الرواية خارجة عن محل البحث؛ فإنّ ظاهرها إنّما هو جعل الاختيار في الطلاق و عدمه إلى ذلك الرجل، فإن شاء طلّق و إن شاء لم يطلّق إلّا أنّ الرجل اختار الطلاق فطلّق؛ فهو غير محل البحث، أعني توكيل الغير في إيقاع صيغة الطلاق» غير تامّ؛ لأنّ القسمين من قبيل الوكالة، إلّا أنّه ربّما يوكّله في الطلاق فقط، و ربّما يوكّله بين الإمساك و الطلاق، و على فرض تغايرهما فالعرف يراهما من باب واحد.

2- ما رواه ابن مسكان، عن أبي هلال الرازي ( (3)) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل وكّل رجلًا يطلِّق امرأته إذا حاضت و طهرت و خرج الرّجل، فبدا له فأشهد أنّه قد أبطل ما كان أمره به و أنّه قد بدا له في ذلك، قال: «فليعلم أهله‌

____________

(1). الوسائل 13/ 285، الباب 1 من أبواب الوكالة، الحديث 1.

(2). الوسائل 15/ 333، الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1.

(3). قال المامقاني: رواه عنه حفص بن أبي البختري، و قد وقع الرجل في طريق الصدوق في كتاب الوكالة، و روى عنه عبد اللّه بن مسكان (و المراد هذه الرواية)، و لم أقف على اسمه و لا حاله، فهو مجهول.

36

و ليعلم الوكيل». ( (1)) و الرواية صريحة في التوكيل و إن كان السند غير نقيّ.

3- ما رواه السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل جعل طلاق امرأته بيد رجلين؛ فطلّق أحدهما و أبى الآخر؛ فأبى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجيز ذلك حتّى يجتمعا جميعاً على طلاق». ( (2))

و أمّا ما رواه محمّد بن عيسى اليقطيني قال: بعث إليّ أبو الحسن (عليه السلام) رزم ثياب و أمر بدفع ثلاثمائة دينار إلى رحيم؛ زوجة كانت له و أمرني أن أُطلّقها عنه و أُمتّعها بهذا المال، و أمرني أن أُشهد على طلاقها صفوان بن يحيى، و آخر نسي محمّد بن عيسى اسمه ( (3))؛ فلا يحتج به على قول المشهور القائل بجواز التوكيل في الطلاق مطلقاً، لأنّ المفروض غيبة الزوج أعني الإمام، نعم؛ الرواية حجّة على بطلان من منع الوكالة حتّى في حالة غيبة الزوج، كالحسن بن سماعة.

و بفضل هذه الروايات؛ يمكن القول بجواز التوكيل مطلقاً، غائباً كان الزوج أو حاضراً، و ليس لما ذهب إليه الشيخ من التفصيل دليل سوى حمل رواية زرارة الدالة على المنع مطلقاً على خصوص الحاضر؛ جمعاً بين الطائفتين، حيث روى زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تجوز الوكالة في الطلاق» ( (4)) و لو صحّ الحديث فهو دليل على قول الحسن بن سماعة المانعة عن الوكالة مطلقاً، لا على قول الشيخ المفصّل بين الحاضر و الغائب، إلّا أن يحمل الحديث على الحاضر؛ جمعاً بينه و بين الطائفة الأولى، و لكنّه جمع تبرعيّ لا شاهد له و هو غير مقبول. فعندئذ تتعارضان، و الترجيح مع الأُولى؛ لكثرة عددها، و عمل المشهور بها، و جريان السيرة على مضمونها. و رواية زرارة أشبه بالرواية المعرض عنها.

____________

(1). الوسائل 15 الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث 3، 2، 6.

(2). الوسائل 15 الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث 3، 2، 6.

(3). الوسائل 15 الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث 3، 2، 6.

(4). الوسائل 15 الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث 5.

37

اللّهمّ؛ إلّا أن يحمل على الكراهة أو التقيّة، على فرض وجود فتوى بعض منهم على منع الوكالة في الطلاق، و هو غير معلوم لما عرفت من اتّفاقهم على جواز الوكالة.

هل يجوز توكيل الزوجة؟

دلّت الروايات السابقة على؛ أنّ الطلاق أمر يقبل النيابة، و لأجل ذلك جاز توكيل الغير في طلاق الزوجة، و عندئذ لا فرق بين الرجل و المرأة، و ما جاء في النصوص السابقة من قوله: «رجل وكّل رجلًا يطلّق امرأته» فهو من باب المثال، مثل قوله: «رجل شكّ بين الثلاث و الأربع» فيكون الموضوع هو المكلّف حسب فهم العرف، فلا يفرّق فيه بين كون المرأة زوجة الموكّل أو لا، و إلى ذلك يرجع قول العلامة في المختلف: «إنّه فعل يقبل النيابة، و المحلُّ قابل فجاز، كما وكّل غيرها من النساء أو توكّلت في طلاق غيرها» و ما عن الشيخ «من أنّه لا يصحّ توكيل الزوجة و لو في حال الغيبة؛ لظهور تلك النصوص في غيره» في غير محلّه لما عرفت من إلغاء الخصوصيّة.

و ربّما يستدلّ على الجواز؛ بما ورد في قوله سبحانه من تخيير النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) زوجاته؛ بين التسريح و الإمساك، ( (1)) فيدلّ على جواز توكيل الزوجة في طلاق نفسها.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الآية؛ هو تخيير النبيّ نساءه بين الطلاق و البقاء على الزواج، فيطلّق النبيّ من أرادت الطلاق، و يترك من أرادت البقاء لا‌

____________

(1). يشير إلى قوله سبحانه: (يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوٰاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا فَتَعٰالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَرٰاحاً جَمِيلًا* وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدّٰارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللّٰهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنٰاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً). الأحزاب: 28- 29.

38

توكيلها في طلاقها نفسها.

و ربّما استدلّ للقول بالمنع بوجوه عليلة:

منها؛ التمسك بظاهر قوله: «الطلاق بيد مَنْ أخذ بالساق» خرج عنه ما خرج، و بقي الباقي تحته، و قَدْ عرفتَ ضعفه لأنّه في مقابل الأجنبيّ لا الوليّ و الوكيل.

و منها؛ أنّ القابل لا يكون فاعلًا.

يلاحظ عليه؛ أنّ الطلاق من الإيقاعات لا من العقود، و ليس فيه ايجابٌ و لا قبول حتّى يلزم اتّحاد الموجِب و القابل.

نعم؛ يلزم اتّحاد المطلِّق و المطلَّقة، و يكفي فيه التغاير الاعتباريّ.

تفريع: لو و كلّ الغير في طلاق زوجته

، و قال طلِّق زوجتي ثلاثاً فطلَّق مرّة واحدةً، فهل يصحُّ ما أوقع أو لا؟

التحقيق؛ أنّه إذا وكَّل الغير تطليق امرأته ثلاثاً، فإمّا يريد طلاقها ثلاثاً في مجلس واحد، بلا تخلّل الرجعة في البين أو يريد طلاقها مرتّباً، أعني تخلُّل الرجعة بين الطلقات، إمّا بتوكيله على ذلك أيضاً، أو قلنا باقتضاء التوكيل نحو ذلك.

و على كلا التقديرين؛ فإمّا أن يكون التوكيل فيها على نحو العامّ المجموعيّ، أو على نحو العامّ الاستغراقي؛ فعلى الأوّل لا تصحّ الأُولى منها إذا اكتفى بها؛ لأنّها غير داخلة في مورد الوكالة، اللّهمّ إلّا إذا أمكن تصوير الوكالة بنحو العامّ الاستغراقيّ في مثلها فتصحّ الأُولى عندئذ فتأمّل.

و على الثاني تصحّ الأُولى منها- إذا كانت الوكالة بصورة العام الاستغراقي-

39

لأنّ المفروض عدم دخالة الهيئة الاجتماعيّة في ما وكّل فيه على وجه تكون الواحدة جزء ما و كلّ فيه.

نعم؛ إنّه إذا طلّق واحدةً و كانت الوكالة على نحو العامّ المجموعي تتوقف صحّتها لكونها مرتّبة؛ على تمام العمل، فلو طلّقها ثانياً و ثالثاً صحّ الجميع، و إلّا لم يحكم بصحّة الأُولى.

40

الركن الثاني: المطلَّقة

قد عرفت؛ أنّ أركان الطلاق أربعة، و قد مضى الأوّل و هو المطلِّق، و الثاني منها هو المطلَّقة،

و لها شروط

إليك بيانها:

الأوّل: أن تكون زوجةً

المراد إخراج المحلّلة و المنكوحة شبهةً، فإنّ حلّية الأولى تنتهي بتمام وقت التحليل، و الثانية بانكشاف الحال. نعم؛ إنّ التأكيد في الروايات على أنّ الطّلاق بعد النكاح- بعد كونه من الواضحات- لأجل؛ ردّ ما عليه فقهاء عصر الأئمّة (عليهم السلام) من صحّته مشروطاً بالزواج.

قال الشيخ في الخلاف: «لا ينعقد الطّلاق قبل النكاح و لا يتعلّق به حكم؛ سواء عقده في عموم النساء أو خصوصهنَّ أو أعيانهنَّ؛ و سواء كانت الصفة مطلقَةً أو مضافةً إلى ملك ... و به قال في الصحابة على (عليه السلام) و ابن عباس و عائشة و في الفقهاء الشافعيّ و أحمد و إسحاق و ذهبت طائفة إلى أنّه ينعقد قبل النكاح في عموم النساء و خصوصهنّ». ( (1))

و إلى ذلك تشير ما تضافرت من الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، و إليك بعضها.

____________

(1). الخلاف 4/ 432، المسألة 13، كتاب الخلع.

41

1- مضمرة سماعة قال: سألته عن الرجل يقول: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالق، فقال: «ليس بشي‌ء، إنّه لا يكون طلاق حتّى يملك عُقْدَة النكاح». ( (1))

2- روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه سئل عن رجل قال: كلّ امرأة أتزوّجها ما عاشت أُمّي فهي طالق، فقال: «لا طلاق إلّا بعد نكاح و لا عتقَ إلّا بعد ملك». ( (2))

3- و في رواية عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) في رجل سمّى امرأةً بعينها و قال: يوم يتزوّجها فهي طالق ثلاثاً، ثمّ بدا له أن يتزوّجها أ يصلح ذلك؟ قال: فقال: «إنّما الطلاق بعد النكاح» ( (3)) إلى غير ذلك من الروايات، و من ألطف الاستدلال على المسألة ما رواه الطبرسي عن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فقال له رجل: إنّي قلت: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالق، فقال: «اذهب فتزوّجها، فإنّ اللّه بدأ بالنكاح قبل الطلاق، فقال: (إِذٰا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ). ( (4))

*** الثاني: أن يكون العقد دائماً

لا يقع الطلاق بالمستمتع بها، و لو كانت حرّةً بلا خلاف، و دلّت الروايات على عدم وقوع طلاقها. مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسن الصيقَل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجلٌ طلّق امرأته طلاقاً لا تحلُّ له حتّى تنكح زوجاً غيره، فتزوّجها رجل متعةً أ تحلّ للأوّل؟ قال: «لا. لأنّ اللّه يقول: (فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهٰا) و المتعة ليس فيها‌

____________

(1). الوسائل 15: الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 5.

(2). الوسائل 15: الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1، 3.

(3). الوسائل 15: الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1، 3.

(4). الوسائل 15: الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 13.

42

طلاق» ( (1)) و روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتعة ليست من الأربع لأنّها لا تطلَّق و لا ترث و إنّما هي مستأجرة. ( (2))

و صريح هذه الروايات؛ أنّ المستمتع بها لا تقبل الطلاق، و ما ذكره الشهيد في المسالك من الاعتماد على الاتّفاق و إلّا فتعدُّد الأسباب ممكن؛ فغير تامّ و إنْ تبعه صاحب الجواهر حيث قال: «و إن لم يحضرني من النصوص ما يدلّ على عدم وقوع الطلاق بالمستمتَع بها، نعم؛ فيها ما يدلّ على حصوله بانقضاء المدّة و بهبتها، و لكنّ ذلك لا يقتضي عدم صحّته عليها؛ لإمكان تعدُّد الأسباب». ( (3)) و قد عرفت النصوص الدالّة على عدم وقوع طلاقها، و ما نقلناه عن العَلَمَين في غاية العجب.

الثالث: أن تكون طاهرة من الحيض و النفاس

اتّفقت كلمتهم على أنّه يجب أن تكون المطلّقة في حال الطّلاق طاهرة عن الحيض و النفاس بلا خلاف، و لكن اختلفوا في أنّ الطهارة هل هي شرط الصحّة و الإجزاء، أو شرط الكمال و التمام، و بعبارة أُخرى هل هي حكم تكليفي متوجّه إلى المطلّق، و هو أنّه يجب أن يحلَّ العقدة في حال كونها طاهرة من الحيض و النفاس، فلو تخلّف أثم و صحَّ الطلاق، أو هو حكم وضعي قيد لصحّة الطلاق، و لولاه كان الطلاق باطلًا؟ فالإمامية و قليل من سائر المذاهب الفقهية على الثاني و أكثر المذاهب على الأوّل و إليك بعض كلماتهم:

قال الشيخ الطوسي في الخلاف: الطلاق المحرّم، هو أن يطلّق مدخولًا بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة، في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا‌

____________

(1). الوسائل 15: الباب 9 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4.

(2). الوسائل 14/ 495، الباب 43 من أبواب المتعة، الحديث 2.

(3). الجواهر 28: 32.

43

حكمه فانّه لا يقع عندنا، و العقد ثابت بحاله، و به قال ابن عليَّة، و قال جميع الفقهاء: انّه يقع و إن كان محظوراً. ذهب إليه أبو حنيفة و أصحابه و مالك و الاوزاعي و الثوري و الشافعي.

- دليلنا- اجماع الفرقة، و أيضاً الأصل بقاء العقد، و وقوع الطلاق يحتاج إلى دليل شرعي، و أيضاً قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) و قد روي لقبل عدّتهنّ، و لا خلاف انّه أراد ذلك، و إن لم تصحّ القراءة به، فإذا ثبت ذلك دل على أنّ الطلاق إذا كان من غير الطهر محرّماً، منهياً عنه، و النهي يدل على فساد المنهى عنه ( (1)).

و ستوافيك دلالة الآية على اشتراط الطهارة من الحيض و النفاس.

و قال ابن رشد في حكم من طلّق في وقت الحيض: فانّ الناس اختلفوا من ذلك في مواضع منها أنّ الجمهور قالوا: يُمضى طلاقه، و قالت فرقة: لا ينفذ و لا يقع، و الذين قالوا: ينفذ، قالوا: يؤمر بالرجعة، و هؤلاء افترقوا فرقتين، فقوم رأوا أنّ ذلك واجب، و أنّه يجبر على ذلك، و به قال مالك، و أصحابه، و قالت فرقة: بل يندب إلى ذلك و لا يجبر، و به قال الشافعي و أبو حنيفة و الثوري و أحمد ( (2)).

و قد فصل الجزيري و بيّن آراء الفقهاء في كتابه ( (3)).

هذه هي الأقوال، غير أنّ البحث الحرّ يقتضي نبذ التقليد و النهج على الطريقة المألوفة بين السلف حيث كانوا يصدعون بالحق و لا يخافون لومة‌

____________

(1). الشيخ الطوسي: الخلاف: 4، كتاب الطلاق المسألة 2.

و ما ذكره من تقدير «قبل» إنّما يتم على القول بكون العبرة في العدَّة بالحيض فيكون قبلها هي طهرها من الحيض و النفاس فتتم الدلالة.

(2). ابن رشد: بداية المجتهد: 2/ 64.

(3). الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة: 4/ 297- 302.

44

المخالف، و كانوا لا يخشون إلّا اللّه، فلو وجدنا في الكتاب و السنّة ما يرفض آراءهم فهما أولى بالاتباع.

الاستدلال بالكتاب:

قال اللّه تعالى: (يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ رَبَّكُمْ) ( (1)).

توضيح دلالة الآية يتوقّف على تبيين معنى العدَّة في الآية، فهل المراد منها، الأطهار الثلاثة أو الحيضات الثلاث؟ و هذا الخلاف يتفرّع على خلاف آخر هو تفسير «قروء» في الآية بالأطهار أو الحيضات.

توضيحه: أنّ الفقهاء اختلفوا في معنى قوله سبحانه: (وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ) ( (2)) فذهبت الشيعة الإمامية إلى أنّ المراد من القروء هو الأطهار الثلاثة، و قد تبعوا في ذلك ما روي عن علي (عليه السلام): روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه و إنّما القرء ما بين الحيضتين و زعم أنّه أخذ ذلك برأيه فقال أبو جعفر (عليه السلام) كذب لعمرى ما قال ذلك برأيه و لكنّه أخذه عن علي (عليه السلام) قال: قلت له: و ما قال فيها عليّ (عليه السلام) قال كان يقول إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها و لا سبيل له عليها و إنّما القرء ما بين الحيضتين ( (3)).

روى زرارة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) سمعت ربيعة الرأي يقول من رأيي إنّ الأقراء التي سمّى اللّه عز و جلّ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين‌

____________

(1). الطلاق: الآية 2.

(2). النساء: الآية 228.

(3). الوسائل: الجزء 15، الباب 15، أبواب العدد، الحديث 4 و لاحظ الحديث 1.

45

الحيضتين فقال: كذب لم يقل برأيه و لكنه إنّما بلغه عن علي (عليه السلام) فقلت أ كان علي (عليه السلام) يقول ذلك فقال: نعم، إنّما القرء الطهر الذي يقرأ فيه الدم فيجمعه فإذا جاء المحيض، دفعه ( (1)).

و ذهب أصحاب سائر المذاهب إلّا قليل كربيعة الرأي- إلى أنّ المراد منها هي الحيضات. و لسنا في مقام تحقيق ذلك إنّما الكلام في بيان دلالة الآية على كلا المذهبين على اشتراط الطهارة في حال الطلاق، بعد الوقوف على أنّ من جوّز الطلاق في الحيض قال بعدم احتساب تلك الحيضة من «القروء» فنقول:

إن قلنا بأنّ العدّة عبارة عن الأطهار فيكون اللام في قوله: (لِعِدَّتِهِنَّ) بمعنى «في» و يكون المراد: فطلقوهنّ في عدّتهنّ، نظير قوله سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ مِنْ دِيٰارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) ( (2)) أي طلقوهنّ في عدّتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن ( (3))، أو هي بمعنى الغاية، فيكون المعنى: طلّقوهنّ لأن يعتددن بعد الطّلاق بلا فصل، و على كلا الوجهين تدلّ الآية بالملازمة على شرطية الطهارة في الطّلاق.

و إن قلنا بأنّ العدّة عبارة عن الحيضات الثلاث يكون المراد (فَطَلِّقُوهُنَّ) مستقبلات (لِعِدَّتِهِنَّ) كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلًا لثلاث ( (4)). فبما أنّ العدّة على هذا الفرض هي الحيض، فيكون قُبيله هو ضدّه أعني الطهارة.

____________

(1). الوسائل: 15، الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 4.

(2). الحشر: الآية 2.

(3). الرازي: مفاتيح الغيب: 3/ 30.

(4). الزمخشري: الكشاف: 1/ 137، ط بيروت، و هذا ما أشار إليه الشيخ الطوسي في الخلاف من أنّ المعنى: قبيل عدتهن، و لاحظ: المصباح المنير مادة «عدّ» و قد عقد الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل باباً في أنّ الاقراء في العدّة هي الاطهار (لاحظ: ج 15، الباب 14 من أبواب العدد).

46

و على كلّ تقدير فالآية ظاهرة في شرطية الطهارة في صحّة الطلاق.

ثمّ إنّ بعض الباحثين ذكر الحكمة في المنع من الطلاق في الحيض: أنّ ذلك يطيل على المرأة العدة، فانّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدّتها، فتنتظر حتى تطهر من حيضها و تتم مدّة طهرها ثمّ تبدأ العدة من الحيضة التالية ( (1)).

هذا على مذهب أهل السنّة من تفسير «القروء» و بالتالي العدّة بالحيضات، و أمّا على مذهب الإمامية من تفسيرها بالأطهار، فيجب أن يقال: ... فإنّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدتها فتنتظر حتى تطهر من حيضها و تبدأ العدّة من يوم طهرت.

و على كلّ تقدير، فبما أنّهم اتّفقوا على أنّ الحيضة التي وقع الطلاق فيها لا تحسب من العدّة إمّا لاشتراط الطهارة أو لعدم الاعتداد بتلك الحيضة، تطيل على المرأة، العدّة سواء كان مبدؤها هو الطهر أو الحيضة التالية.

الاستدلال بالسنّة:

إنّ الروايات تضافرت عن أئمّة أهل البيت على اشتراط الطهارة. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: كلّ طلاق لغير العدّة (السنّة) فليس بطلاق: أن يطلّقها و هي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض فليس طلاقه بطلاق ( (2)).

هذا ما لدى الشيعة و أمّا ما لدى السنّة فالمهم لديهم في تصحيح طلاق‌

____________

(1). أحمد محمد شاكر: نظام الطلاق في الإسلام: 27.

(2). الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 9، و غيره.

47

الحائض هو رواية عبد اللّه بن عمر، حيث طلّق زوجته و هي حائض، و قد نقلت بصور مختلفة نأتي بها ( (1)).

الأُولى: ما دلّ على عدم الاعتداد بتلك التطليقة و إليك البيان:

1- سئل أبو الزبير عن رجل طلّق امرأته حائضاً؟ قال: طلّق عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما- امرأته و هي حائض على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فسأل عمر (رضي الله عنه) رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته و هي حائض؟ فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): ليراجعها، فردّها عليّ و قال: إذا طهرت فليطلّق أو ليمسك، قال ابن عمر: و قرأ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): (يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) أي في قبل عدّتهنّ.

2- روى أبو الزبير قال: سألت جابراً عن الرجل يطلّق امرأته و هي حائض؟ فقال: طلّق عبد اللّه بن عمر امرأته و هي حائض، فأتى عمر رسول اللّه فأخبره بذلك فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ليراجعها فانّها امرأته.

3- روى نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه قال في الرجل يطلّق امرأته و هي حائض، قال ابن عمر: لا يعتدّ بها.

الثانية: ما يتضمّن التصريح باحتساب تلك التطليقة طلاقاً صحيحاً و إن لزمت إعادة الطلاق و إليك ما نقل بهذا المضمون:

1- يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته و هي حائض؟ فقال: تعرف عبد اللّه بن عمر؟ قلت: نعم، قال: فانّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته و هي حائض، فأتى عمر (رضي الله عنه) النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فسأله، فأمره أن يراجعها ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها. قال، قلت: فيعتدّ بها؟ قال: نعم، قال: أ رأيت‌

____________

(1). راجع في الوقوف على تلك الصور، السنن الكبرى للبيهقي: 7/ 324- 325.

48

إن عجز و استحمق.

2- يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته، و هي حائض؟ قال: تعرف ابن عمر؟ إنّه طلّق امرأته و هي حائض، فسأل عمر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فأمره أن يراجعها، قلت: فيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟ أ رأيت إن عجز و استحمق.

3- يونس بن جبير قال: سمعت ابن عمر قال: طلّقت امرأتي و هي حائض. فأتى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فذكر ذلك له، فقال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): ليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها، قال: فقلت لابن عمر: فاحتسبت بها؟ قال: فما يمنعه؟ أ رأيت إن عجز و استحمق.

4- أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلَّقت امرأتي و هي حائض، قال: فذكر ذلك عمر للنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قال، فقال: ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها. قال: فقلت له- يعني لابن عمر-: يحتسب بها؟ قال: فمه؟

5- أنس بن سيرين: ذكر نحوه غير أنّه قال: فليطلّقها إن شاء. قال: قال عمر- رضى اللّه عنه-: يا رسول اللّه أ فتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم.

6- أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق؟ فقال: طلّقتها و هي حائض. فذكر ذلك لعمر (رضي الله عنه) فذكره للنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلّقها لطهرها. قال: فراجعتها ثمّ طلّقتها لطهرها. قلت: و اعتدّت بتلك التطليقة التي طلّقت و هي حائض؟ قال: مالي لا أعتدّ بها، و إن كنت عجزت و استحمقت.

7- عامر قال: طلّق ابن عمر امرأته و هي حائض واحدة، فانطلق عمر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبره، فأمره إذا طهرت أن يراجعها ثمّ يستقبل الطلاق في عدّتها‌

49

ثمّ تحتسب بالتطليقة التي طلّق أوّل مرّة.

8- نافع عن ابن عمر (رضي الله عنه) أنّه طلّق امرأته، و هي حائض، فأتى عمر- رضى اللّه عنه- النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) فذكر ذلك له فجعلها واحدة.

9- سعيد بن جبير عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة.

الثالثة: ما ليس فيه تصريح بأحد الأمرين:

1- ابن طاوس عن أبيه: أنّه سمع ابن عمر سئل عن رجل طلّق امرأته حائضاً؟ فقال: أ تعرف عبد اللّه بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنّه طلّق امرأته حائضاً، فذهب عمر (رضي الله عنه) إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبره الخبر، فأمره أن يراجعها. قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه.

2- منصور بن أبي وائل: إنّ ابن عمر طلّق امرأته، و هي حائض، فأمره النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يراجعها حتّى تطهر، فإذا طهرت طلّقها.

3- ميمون بن مهران عن ابن عمر أنّه طلّق امرأته في حيضها، قال: فأمره رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أن يرتجعها حتى تطهر فإذا طهرت فإن شاء طلّق و إن شاء أمسك قبل أن يجامع.

و هناك رواية واحدة تتميّز بمضمون خاص بها، و هي رواية نافع قال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته و هي حائض، على عهد رسول الله، فسأل عمربن الخطاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عن ذلك؟ فقال رسول الله: فليراجعها، فليمسك حتى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر، إن شاء أمسكها بعد و إن شاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر اللّه أن يطلّق لها النساء.

و بعد تصنيف هذه الروايات نبحث عن الفئة الراجحة منها بعد معرفة طبيعة الاشكالات التي تواجه كلًا منها و معالجتها.

50

معالجة الصور المتعارضة:

لا شك أنّ الروايات كانت تدور حول قصّة واحدة، لكن بصور مختلفة، فالحجّة منها مردّدة بين تلك الصور و الترجيح مع الأُولى لموافقتها الكتاب و هي الحجّة القطعية، و ما خالف الكتاب لا يحتجّ به، فالعمل على الأُولى.

و أمّا الصورة الثالثة، فيمكن ارجاعها إلى الأُولى لعدم ظهورها في الاعتداد و الصحّة، نعم ورد فيها الرجوع الذي ربّما يتوهّم منه، الرجوع إلى الطلاق الملازم لصحّته، لكن ليس بشي‌ء.

فانّ المراد من المراجعة فيها هو المعنى اللغوي لا مراجعة المطلّقة الرجعية، و يؤيّد ذلك أنّ القرآن يستعمل كلمة الرد أو الامساك، فيقول: (وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) ( (1)).

و قال سبحانه: (الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ) ( (2)). و قال سبحانه: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ( (3)) و قال تعالى: (وَ لٰا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرٰاراً لِتَعْتَدُوا) ( (4)).

نعم استعمل كلمة الرجعة في المطلّقة ثلاثاً إذا تزوّجت رجلًا آخر فطلّقها، قال سبحانه: (فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا) ( (5)).

بقي الكلام في النصوص الدالة على الاحتساب أعني الصورة الثانية، فيلاحظ عليها بأُمور:

1- مخالفتها للكتاب، و ما دلّ على عدم الاحتساب.

____________

(1). البقرة: الآية 228.

(2). البقرة: الآية 229.

(3). البقرة: الآية 231.

(4). البقرة: الآية 231.

(5). البقرة: الآية 230.

51

2- أنّ غالب روايات الاحتساب لا تنسبه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و إنّما إلى رأي ابن عمر و قناعته، فلو كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قد أمر باحتسابها، لكان المفروض أن يستند ابن عمر إلى ذلك في جواب السائل، فعدم استناده إلى حكم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) دليل على عدم صدور ما يدلّ على الاحتساب من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نفسه، فتكون هذه النصوص موافقة للنصوص التي لم تتعرّض للاحتساب، لأنّها كلّها تتّفق في عدم حكم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) باحتساب التطليقة، غايته اشتمل بعضها على نسبة الاحتساب إلى ابن عمر نفسه، و هو ليس حجّة لاثبات الحكم الشرعي.

نعم روايتا نافع رويتا بصيغتين، نسب الحكم بالاحتساب في احدى الصيغتين إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نفسه (الرواية 8 من القسم الثاني)، بينما رويت الثانية بصيغة أُخرى تضمّنت النسبة إلى ابن عمر بعدم الاحتساب (الرواية 3 من القسم الأوّل).

و أمّا رواية أنس فرويت بصيغتين تدلّان أنّ الحكم بالاحتساب هو قناعة ابن عمر نفسه لا قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) (الرواية 4 و 6 من القسم الثاني) و بصيغة ثالثة نسبت الاحتساب إلى النبيّ (الرواية 5 من القسم الثاني) و مع هذا الاضطراب لا تصلح الرواية لاثبات نسبة الحكم بالاحتساب إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نفسه.

3- إنّ فرض صحّة التطليقة المذكورة لا يجتمع مع أمر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بإرجاعها و تطليقها في الطهر بعده، لأنّ القائلين بصحّة الطلاق في الحيض لا يصحّحون اجراء الطلاق الثاني في الطهر الذي بعده، بل يشترطون بتوسّط الحيض بين الطهرين و اجراء الطلاق في الطهر الثاني. و لعلّه للاعتماد على الرواية الأخيرة التي تتميّز بمضمون خاصّ فالأمر من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بارجاعها و تطليقها في الطهر الثاني ينافي احتساب تلك تطليقة صحيحة.

4- اشتهر في كتب التاريخ أنّ عمر كان يعتبر ولده بالعجز عن الطلاق،

52

و ظاهره يوحي بأنّ ما فعله لم يكن طلاقاً شرعاً.

و بعد ملاحظة كلّ ما قدّمناه يتّضح عدم ثبوت نسبة الاحتساب إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الذي يبدو أنّ النص- على فرض صدوره- لم يتضمّن احتساب التطليقة من قبل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و انّما هي اضافات أو توهّمات بسبب قناعة ابن عمر أو بعض من هم في سلسلة الحديث، و لذلك اضطربت الصيغ في نقل الحادثة.

و أمّا رواية نافع المذكورة فيلاحظ عليها أنّها لا تدلّ على صحّة التطليقة الأُولى إلّا بادّعاء ظهور «الرجوع» في صحّة الطلاق و قد علمت ما فيه، و أمّا أمره بالطلاق في الطهر الثاني بعد توسّط الحيض بين الطهرين حيث قال: «مره فليراجعها، فليمسك حتّى تطهر ثمّ تحيض ثمّ تطهر. إن شاء أمسكها و إن شاء طلّق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمره أن يطلّق لها النساء» فلعلّ أمره بمضي طهر و حيض، لأجل مؤاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق و جعله في غير موضعه فأُرغم عليه أن يصبر طهراً و حيضاً، فإذا استقبل طهراً ثانياً فليطلّق أو يمسك.

و بعد كلّ هذا يمكننا ترجيح الحكم ببطلان الطلاق في الحيض، لاضطراب النقل عن ابن عمر، خصوصاً مع ملاحظة الكتاب العزيز الدال على وقوع الطلاق لغاية الاعتداد، أو قبل العدّة على ما عرفت.

المستثنيات من هذا الأصل

ثمّ إنّه استثنيت من هذا الحكم طوائف‌

منها: غير المدخول بها،

و منها؛ الحامل

. و تضافرت الروايات و الفتوى على ذلك.

روى الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «خمس يطلَّقن على كلّ‌