ما وراء الفقه - ج5

- السيد محمد الصدر المزيد...
194 /
5

الجزء الخامس

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و له الحمد

كلمة الناشر

نقدم للقارئ الكريم الجزء الخامس من موسوعة ما وراء الفقه لمؤلفه العلامة آية اللّٰه السيد محمد الصدر (حفظه اللّٰه) و نحن سعداء بهذه الموفقية لطبع هذا الكتاب الذي هو فتح في علم الفقه نسأله أن يوفقنا لطبع بقية الأجزاء ليكمل الدورة عشرة أجزاء و منه نستمد العون، و نكرر الحمد و الشكر للّٰه لأن وفقنا لطبع هذا الكتاب موضع تقدير علمائنا الأعلام و قد تناولوه بيد التقدير و الإكبار.

جعفر هادي الدجيلي 22 جمادى الأول سنة 1416 ه‍ المصادف 16 تشرين الأول 1995 م‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

كتاب الإيداع

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

تمهيد

يعني مفهوم الإيداع بالمعنى العام، تصرّف الفرد بشي‌ء من أموال غيره بإذنه أو بدون نهيه على الأقل.

و ذلك يشمل عدة موارد من حيث أن بقاء الشي‌ء عند غير مالكه أما لمجرد الحفظ و الصيانة عن التلف فهو الوديعة. و أما أن يكون مأذونا بالتصرف في العين باستقلالها فهو العارية أو الاستعارة. و أما أن تكون العين تحت اليد و مأذونا بها باعتبار معاملة أخرى، لا باستقلالها، كالإجارة و المضاربة، أعني الأموال التي تكون تحت اليد باعتبارها.

و أما أن لا يكون المالك معهودا أو مسبوقا أو عالما بوجود العين عند غيره. فإن كانت معلومة المالك فهي الأمانة الشرعية. و إن لم تكن كذلك فهي اللقطة.

و سنعقد بعونه سبحانه فصلا لهذه العناوين السابقة، ما عدا ما كانت العين تحت اليد باعتبار المعاملات المختلفة كالإيجار، كما قلنا. و يندرج فيما ينبغي أن يندرج في هذا الكتاب من الفصول الآتية: الوديعة و العارية و الأمانة الشرعية و اللقطة.

و بالرغم من أن الفقهاء فرقوا بين العناوين: الأولين و الأخيرين، باعتبار كون الأولين من قسم المعاملات أو العقود، بخلاف الأخيرين.

فإنها لا تعني على الأغلب غير بقاء العين عند غير مالكها. بالرغم من ذلك فإننا استطعنا هنا في التقسيم المشار إليه أن ندرج العناوين السابقة كلها في مفهوم عام واحد.

10

و بعد الالتفات إلى فهم الفقهاء يمكن إيجاد التقسيم كما يلي: أن العين تقع في يد غير مالكها أما بمعاملة و أما بدونها. و ما كان بمعاملة فأما أن تكون المعاملة على العين باستقلالها أو باعتبارها ملازمة لنتائج أخرى.

وجود المعاملة المستقلة على العين أما لمجرد الحفظ لها و هي الوديعة أو بالإذن باستعمالها فهي العارية. و غير المستقلة كالايجار و المضاربة.

و وجود العين بدون معاملة فأما مع علم المالك و رضاه أو بدون علمه. و الأول هو الإذن الشرعي بالتصرف. و الثاني فأما أن تكون العين معلومة المالك فهي الأمانة الشرعية و أما لا تكون فهي اللقطة أو مجهول المالك، و سيأتي الفرق بينهما.

و حيث يمكن إدراج الحديث عن الإذن الشرعي مع الأمانة الشرعية. و إدراج الحديث عن المجهول المالك مع اللقطة، لم تزد الفصول عما قلنا فيما سبق.

11

فصل الوديعة

عرفها المحقق الحلي (1) بأنها: استنابة في الحفظ. و لا يبعد أن تكون فقهيا و متشرعيا كذلك. فمثلا لو أراد شخص أن يسافر مدة طويلة كسنة مثلا، و كان يخاف على بعض أمواله العزيزة عنده. فإنه يودعها عند شخص أمين ليكون نائبا عنه في حفظ ذلك الشي‌ء و الإشراف على العناية به إن لزم الأمر، حتى عود المالك من السفر. فالاستنابة في الحفظ أمر مفهوم.

و لكن قد يقال: إن مفهوم الوديعة ينطبق فيما دون ذلك. فلو قلنا أنها: دفع المالك ماله لغيره. لم نبتعد كثيرا إذا لاحظنا ما يلي:

أولا: إن مفهوم الاستنابة غير ضروري الأخذ في الوديعة. و إن كان يود المالك بلا شك المحافظة على ماله. و يجب ذلك على الودعي (و هو من يأخذ العين) و يضمن بالتعدي و التفريط. إلّا أن المهم من ذلك أنما هو أحكام شرعية، مترتبة على الوديعة، و ليست داخلة في مفهومها. بل أن مفهوم الاستنابة قد لا يخطر في البال خلال الوديعة أصلا، و مع ذلك فلا شك في صحتها.

ثانيا: كما أن مفهوم الاستنابة غير ضروري كذلك الحفظ أيضا، لا ينبغي أخذه في مفهوم الوديعة، و إنما وجوبه حكم شرعي مترتب على هذه المعاملة.

____________

(1) ج‍ 2، ص 136.

12

ثالثا: إن العقد اللفظي فيها غير ضروري كأكثر المعاملات الأخرى، فإنها تصح بالمعاطاة، فهي مما يكفي فيها مجرد الدفع إلى الآخر. بلا حاجة إلى الالتفات إلى أية مفاهيم إضافية.

رابعا: أن مدة الوديعة، غير مسجلة شرعا، يعني لا يختلف فيها القليل و الكثير. من دقيقة واحدة أو أقل إلى مئة سنة أو أكثر.

و هذا يعني أنك إن أخذت شيئا من يد صديقك في الشارع، لتراه أو لتسأله عن تفاصيله. فإنه يبقى وديعة عندك إلى حين إرجاعها إلى مالكها و لو بعد دقيقة واحدة.

خامسا: أنه لا دليل على لزوم قصد الوديعة في صدق الوديعة و ترتب أحكامها. كل ما في الأمر أن المالك أن دفع ما يملكه باختياره إلى غيره كان وديعة. و ان كان بغير اختياره كان أمانة شرعية كما سيأتي.

ففي المثال السابق لو دفع الفرد ما في يده إلى صاحبه ليراه كان وديعة إلى حين إرجاعه و لو بعد دقيقة، و يشمله أحكامها من عدم لزوم الدفع إلى المالك ما لم يطالب به و غيره.

سادسا: قد يقال: إن من الشرائط المهمة في الوديعة فقهيا تحديد المدة، و في حدود ما ذكرناه من الوديعة بالمعاطاة و نحو ذلك، لا يوجد ذلك، فكيف تصح الوديعة.

و جوابه: أنه لا دليل على وجوب تحديد المدة في صحة الوديعة، إطلاقا. و إنما تكون منوطة إما بمطالبة المالك أو بانتهاء المدة إن وجدت. نعم، لو كانت ذات مدة كان الالتزام بها راجحا، لأن من الظلم للمالك تأخير ما له عنده، كما أنه من الظلم للودعي الاستمرار عنده بعد المدة.

و عدم وجود الدليل على المدة، يقتضي عدم كونه حجة. بمعنى أنه من الممكن التأخير عنه أو التقديم عليه، بغض النظر عن المسؤولية الأخلاقية المشار إليها.

13

و أما قوله (عليه السلام): المؤمنون عند شروطهم، الذي يقتضي الالتزام بالمدة. فهو و إن كان صحيحا إلّا أنه بالإمكان القول باستمرار حكم الوديعة إلى ما بعد المدة إذا لم يطالب بها المالك. و تحديد المدة لا يقتضي الوجوب الشرعي و الإلزام الفقهي بالسحب.

سابعا: من المتسالم عليه فقهيا: ان الوديعة من العقود الجائزة من قبل الطرفين: المالك و الودعي (المودع عنده).

فإذا التفتنا إلى ذلك مع كون القواعد الأولية تقتضي لزوم المعاملات على العموم، عرفنا أن خروج هذه المعاملة و أمثالها، إنما هو للتسامح فيها عرفا و شرعا، و عدم التحميل فيها على أي من الطرفين، بحيث يكون لأي منهما الفسخ متى شاء.

هذا و ينبغي الانتباه إلى مقدار أثر الفسخ في الوديعة، فلو فسخ الودعي و لم يسلم الوديعة أو فسخ المالك و لم يأخذها. إذن لم ينتج من الفسخ إلّا ذهاب صورة المعاملة أو العقد الذي كان بينهما. و إلّا فالوديعة لا زالت مستمرة ما دامت العين عند غير مالكها. لا يختلف ذلك عن صورة ابتداء الوديعة بالمعاطاة، و يشملها حكمها أيضا. من حيث عدم وجوب التسليم إلّا بالمطالبة.

نعم، إذا حصل الفسخ سقط اشتراط المدة. إذا كانت قد ذكرت في العقد، أو أي شرط مرتبط بالعين كلزوم حفظها في محل معين دون غيره.

ثامنا: لا شك أن الوديعة تكون بمبادرة من المالك، بمعنى أن يدفعها باختياره إلى من يريد. و لذا قلنا في تعريفها: (دفع المالك عينه إلى غيره).

و أما إذا كانت المبادرة من الغير، بمعنى أن يأخذ مال غيره فيودعه عنده. فهذا العمل لا يخلو: أما أن يكون برضاء المالك أو بكراهته أو بغفلته و عدم علمه. فإن كان راضيا به كفى ذلك في صدق الوديعة. و هي‌

14

وديعة صحيحة. و ان كان المالك غافلا، كانت أمانة شرعية، و ان كان مع كراهته فهي غصب و العمل على حجز المال عن مالكه حرام.

و معه نعرف أنه لا بد في صدق الوديعة من توفر رضا المالك.

و هذا يكفي. و إن لم يقم حقيقة بدفع العين. لأن الغير ان أخذها بإذن صاحبها كان كالوكيل في إجراء الوديعة عنده. و لا ينبغي أن نتوخى في الوديعة فقيها أكثر من ذلك.

تاسعا: مقتضى التصرف الغالبي عرفا و فقهيا هو كون الوديعة مجانية. و لكن هذا لا يعني عدم جواز أخذ الودعي الأجرة على حفظ العين. بل له ذلك إن شاء. و لا تلتحق الوديعة بذلك في الإجارة لأن المنفعة لا تكون بذلك للودعي بل للمالك.

15

فصل العارية

قال عنها المحقق الحلي: و هو عقد ثمرته التبرع بالمنفعة. قال:

و ليس يلازم لأحد المتعاقدين.

أقول: و يسمى المالك معيرا و الآخر: معارا أو مستعيرا و العين عارية أو معارة. و المعاملة: عارية أو استعارة. فالعارية لفظ يطلق على المعاملة و العين معا. و هو يعطي لغة معنى التوقيت يعني عدم الدوام و الاستعمال الموقت. و منه أخذ المفهوم الأخلاقي: بأن الدنيا و ما فيها عارية عند الإنسان (و قريبا ما تسترد العواري). لأنها موقتة الاستمرار لديه، أو قل: أنه هو موقت الاستمرار لديها، لا يملك من الدنيا إلّا مقدار عمره فيها على أقصى تقدير.

و لعل العري و التعري، بمعنى نزع اللباس، مأخوذ من مفهوم التوقيت و عدم الاستمرار أيضا. أما من حيث أن الملابس غير مستمرة على جسم صاحبها، فإنه ريثما ينزعها. و أما لأن العري نفسه غير مستمر، فإنه ريثما يلبس ملابسه. و على كل حال كلاهما حال موقت.

و كل ما في عالمنا هذا حال موقت و مستعار، و إن بدا لنا أحيانا طويلا أو دائما.

هذا ينبغي الالتفات إلى أمور:

الأمر الأول: في فرق العارية عن الوديعة:

الفرق هو أن العارية تقتضي الأذن في التصرف دون الوديعة. فإن المستعير له أن يتصرف و يستفيد من العين ما دامت عنده، بخلاف الودعي‌

16

فإنه لا يجوز له التصرف فيها، و إنما عليه حفظها لمالكها لا أكثر.

و من هنا ينبثق فرق آخر بينهما: هو أن العين المعارة ينبغي أن يكون لها بقاء مع استعمالها، كاللباس و الفراش. و أما إذا كان الاستعمال متلفا للعين، فلا معنى لإعارته كالطعام، و إنما يكون ذلك بمنزلة الهبة أو البيع ان كان بأجرة. هذا بخلاف الوديعة فإنها لا تشتمل على التصرف كما عرفنا، أي مما يتلقه الاستعمال و ما لا يتلفه.

الأمر الثاني: في فرق العارية عن الإجارة.

قلنا في الوديعة أنها مما يمكن أن يؤخذ عليها الأجر، و لا تتحول إلى إجارة لأن الفائدة في الحفظ تعود على المالك لا على الودعي.

و هذا بخلاف الاستعارة، فإن الفائدة تكون على المستعير دون المالك.

و معنى ذلك أنه ان دفع أجرا إلى المالك كان مستأجرا للعين لا مستعيرا.

فمع الأجر تتحول المعاملة إلى إجارة. إذن، فالاستعارة تتضمن في مفهومها المجانية. بخلاف الإجارة، فإنها تتضمن في مفهومها دفع الأجر. و أما الوديعة، فهي من هذه الناحية يمكن أن تكون بأجرة و يمكن أن لا تكون.

و من هنا نعرف معنى قول المحقق الحلي في التعريف: عقد ثمرته التبرع بالمنفعة. يعني دفع المنفعة مجانا إلى الغير. و عدم أخذ الأجرة عليه، كما عرفنا.

الأمر الثالث: في فرق العارية عن الأمانة الشرعية.

قلنا في الوديعة، أنها تختلف عن الأمانة الشرعية من حيث قصد المالك لكون العين عند غيره أو رضاه بذلك. و أما عدم جواز التصرف في العين فمأخوذ فيهما معا.

و هذا هو الذي تختلف به الأمانة عن العارية أيضا.

أولا: إن العارية تتضمن دفع المالك لماله عن رضا، بخلاف الأمانة، فإنها قد تحصل مع غفلة المالك و عدم علمه.

17

ثانيا: إننا إن كنا متعبدين فقهيا بالعقد اللفظي، كما عليه مشهور المتقدمين من الفقهاء، فالوديعة و العارية تحتاج إلى عقد، دون الأمانة، فإنها دائما خالية عنه.

ثالثا: إن العارية تتضمن جواز التصرف. بخلاف الأمانة و الوديعة، فإنها تتضمن عدم جواز التصرف.

الأمر الرابع: إن دفع المالك ماله إلى غيره، و قصد استفادته به لا مجانا، فمعنى ذلك أنه قصد الإجارة. فلو دفعها بعنوان الاستعارة لم تصح. و لو التزم المالك بالاستعارة تماما، كان ملتزما ضمنا أو صراحة بالمجانية.

و لا حاجة مع استعمال مفهوم الاستعارة في المعاملة، إلى التصريح بالمجانية، لأنها تتضمن ذلك بالتأكيد.

الأمر الخامس: قال المحقق الحلي: العارية أمانة لا تضمن إلّا بالتفريط في الحفظ أو التعدي أو اشتراط الضمان. و تضمن إذا كان ذهبا أو فضة و إن لم يشترط إلّا أن يشترط سقوط الضمان.

أقول: و هذا كله صحيح. و قد عرفنا معنى التعدي و التفريط في الفصل الذي عقدناه لهما. و لا يوجد في الوديعة استثناء الذهب و الفضة كالعارية.

و لا بد من الألماع إلى أنه يعد من التعدي أو التفريط، الاستعمال الخارج عن المتعارف لدى العرف. و يجب الاقتصار في الاستفادة من العين المستعارة على الحدود المتعارفة عرفا إلّا باشتراط الزيادة على ذلك أو الاستئذان من المالك بعد المعاملة. و أما بدونه، فالتصرف الزائد من التعدي، فيكون موجبا للضمان. و إن لم تبطل المعاملة بل تكون عارية مضمونة.

و معنى الضمان هنا: أنها إذا نقصت أو تلفت وجب عليه دفع‌

18

الخسارة. و أما إذا لم تنقص و توفق المستعير إلى دفع العين سالمة، فليس عليه شي‌ء.

و المتعارف في الثوب الملبس و في الفراش الجلوس عليه، و في الأرض الزرع فيه و هكذا. فلو جلس على الثوب بدل لبسه أو مشى على الفراش بنعله، كان متعديا ضامنا.

الأمر السادس: لا بد من تحديد زمن الاستعارة من أول المعاملة.

و ليس للمالك سحب الإذن بالتصرف في العين خلال المدة ما دام راضيا بالاستعارة إلّا أن يفسخها.

فإذا انتهت المدة، تحولت العين إلى أمانة لا يجوز فيها التصرف إلى حين إرجاعها إلى صاحبها. إلّا أن يأذن المالك بصراحة أو بالفحوى.

و ليس للمدة مقدار محدد. و لكن من ناحية الزمان القليل، لا بد أن تكون المدة كافية للتصرف المطلوب. فلو استعار أرضا للزرع بمدة يوم واحد، لم يصح.

و أما من ناحية طول المدة فلا تحديد له، فقد تستمر مئات السنين، كما لو استعار أرضا لزرع الأشجار، فتبقى الأشجار فيها سنين متطاولة.

أو استعار أرضا للبناء عليها. أو استعار حائطا من الجيران ليبني سقف بيته عليه، أو متصلا به و هكذا. فإن هذا كله من الاستعارات الطويلة الأمد.

الأمر السابع: لا يجب ذكر الاستعمال في عقد الاستعارة، أو عند الاتفاق عليها. فلو لم يذكر الاستعمال أو لم يذكر نوعه، جاز. و لو استعار العين و لم يستعملها جاز أيضا. نعم، لو استعارها بشرط استعمال معين و تجاوزه إلى غيره كان ضامنا، بالمعنى الذي أشرنا إليه.

و لو اتفقا على الاستعمال، فيجب أن يكون المتفق عليه، استعمالا عرفيا و شرعيا. فلو لم يكن استعمالا عرفيا بطلت الاستعارة كلبس الثوب‌

19

دقيقة واحدة. و لو لم يكن استعمالا شرعيا بل كان محرما بطلت المعاملة أيضا.

نعم، لو اشترط في أول المعاملة استعمالا غير متعارف للعين، و وافق عليه المالك، جاز و صحت المعاملة، كما سبق أن مثلنا بالجلوس على الثوب بدل لبسه و غير ذلك كثير. فإنه إنما يحرم على المستعير بدون اذن المالك أو الشرط. فإن اشترط المستعير أو أذن المالك جاز.

الأمر الثامن: الاستعارة كالوديعة، جائزة الفسخ من الطرفين متى شاءا. فهي من العقود الجائزة لا من العقود اللازمة.

و هذا يعني، كما علّقنا في فصل الوديعة ابتناء المعاملة على التسامح فيها عرفا و شرعا، و عدم ابتنائها على التحميل القسري على أي من الطرفين.

و هذا مستمر في الاستعارة إلّا في صورة واحدة، و هي ما إذا كان نقض الاستعارة و فسخها مؤديا إلى الإضرار بأموال المستعير. و هذا يظهر بوضوح في ما ذكرناه و مثلنا له من الاستعارات الطويلة الأمد.

فلو استعار أرضا و بنى فيها أو غرس فيها أشجارا، و هو عازم على الاستمرار سنين متطاولة. فجاء المالك و فسخ الاستعارة بعد مدة قصيرة نسبيا، الأمر الذي قد يلزم منه هدم دار المستعير أو قلع أشجاره لم يصح ذلك.

و حل ذلك شرعيا و فقهيا أحد أمرين:

الأمر الأول: إن المالك إذا فسخ الاستعارة، كان للطرفين تجديد المعاملة إما مجانا أي الاستعارة. و أما بأجرة. و هي الإجارة. فإن المالك عادة إنما يتصرف مثل هذا التصرف مطالبا بالمال. فللمستعير أن يدفع له الأجرة و يجدد معه إجارة بدل الاستعارة.

الأمر الثاني: إن المالك ليس له أن يطالب بإزالة البناء أو الزرع،

20

و رفض تجديد الاستعارة و الإجارة، إلّا بالأرش، و هو التعويض عما يصيب المستعير من الضرر الاقتصادي. فإن ضمن له التعويض جاز له الفسخ و إلا فلا.

و هذا الحكم ثابت ان كان الفسخ خلال المدة المشترطة. و كانت المدة متطاولة بحيث تتحمل البناء و زرع الأشجار.

و أما لو كانت المدة المشترطة قصيرة نسبيا، كسنة واحدة، و مع ذلك بادر المستعير و بنى البيت أو غرس الأشجار. فهنا يكون الذنب ذنبه، و هو المتعدي على الأرض، بمعنى أنه سيجعل المالك في ورطة عند انتهاء المدة. و مقتضى القاعدة جواز الفسخ و المطالبة بالتخلية من قبل المالك على كل حال، بل لعل التعدي يكون صادقا منذ بدية بتأسيس الدار و قبل اكتمالها لعلمه بدوامها في الأرض أكثر من المدة المشترطة بكثير. الأمر الذي يجعله ضامنا للأرض المستعارة، فيما يحدث فيها من خراب، و انقاض.

الأمر التاسع: إنه كما يمكن استعارة المال أو العين. كذلك يمكن استعارة العمل. أو قل: إن كل ما يمكن إجارته يمكن استعارته، و كلاهما كما يمكن في العين يمكن في العمل.

و استعارة العمل تكون فيما إذا كان العمل مملوكا للفرد. و أما إذا لم يكن كذلك فلا. تماما كالعين غير المملوكة لا يجوز إعارتها، كذلك العمل غير المملوك لا يجوز إعارته.

و تتحقق ملكية العمل في ثلاث موارد. و في غيرها لا يكون العمل مملوكا.

المورد الأول: عمل العبد المملوك مملوك. فلمالك العبد أن يرسل عبده ليعمل لغيره أي عمل ممكن و جائز، كما يعمل لمولاه. و يكون هذا بالنسبة إلى صاحب العمل من قبيل استعارة العمل. و هو قد استعار العمل من مالكه و هو مالك العبد، لا من العبد نفسه. فإنه لو استأجر العبد كان مالك الأجرة هو المولى لا العبد أيضا.

21

المورد الثاني: العمل المستأجر. فلو أجر أحدهم شخصا على عمل معين ملك العمل، و كان له استيفاؤه بنفسه أو دفعه إلى غيره. فمثلا لو استأجر شخصا على الفلاحة في الأرض لمدة شهر مثلا بأجرة، و لم تعين فيها الأرض نفسها. كان له استعمال العامل في أرض نفسه أو أرض غيره. فلو دفعه للعمل في أرض صديقه أو ولده مثلا، مجانا، كان من إعارة العمل إلى الغير.

فإن كان في هذه الإعارة ما ينافي الإجارة الأصلية، كما لو اشترط فيها أرضا معينة، في المثال، لم تجز الإعارة، إلّا برضاء العامل. أو فسخ الإجارة السابقة و تجديد إجارة أخرى على المواصفات الجديدة.

و من هنا يمكن أن نلتفت أنه يندرج في إعارة العمل. أن تستأجر عاملا للعمل لمصلحة غيرك على أن تدفع أنت الأجرة. فيكون ذلك العمل بالنسبة إلى الآخر مجانيا بمعنى استعارة العمل.

المورد الثالث: عمل الفرد الحر نفسه. فإنه كما له إيجار نفسه للقيام بأي عمل، كذلك له دفعه إعارة، بمعنى بذله إلى شخص آخر مجانا. و نحن كل ما نقوم به من قضاء حاجات الآخرين داخل أسرنا أو خارجها يندرج تحت هذا العنوان.

كل ما في الأمر أن هذه استعارة معاطاتية لا باتفاق و عقد.

و تتضح فكرة استعارة عمل الحر، إذا طلب شخص عمله، أو مساعدته مجانا. أو كان المفروض عرفا أن يكون هذا العمل مجانيا.

فكما أن استعارة العين تكون بطلب المستعير عادة، كذلك استعارة العمل تكون بطلبه أيضا.

الأمر العاشر: الطرف الأساسي في الاستعارة أو العارية هو المالك، و هو الذي بيده الإيجاب و إن كان بنحو المعاطاة. و من المستعير القبول.

22

و أما العكس، فهو انما يتحقق مع العقد اللفظي، و لا يتصور تحققه بالمعاطاة. فلو تحقق باللفظ فقال: استعرت منك هذه العين، كان هذا من تقدم القبول على الإيجاب. فقيها و عرفا.

فإن تقدم القبول لا يعني أن يقول قبلت قبل الإيجاب، بل لا يجوز ذلك و لا يعقل. و إنما معناه تقدم الحديث عن إيجاد المعاملة من قبل الطرف الذي لا يكون رئيسيا و موجبا عرفا و شرعا. فيكون كلامه كالإيجاب صورة إلّا أنه قبول واقعا.

فهذه هي الموارد التي يكون الفرد فيها مالكا للعمل، بحيث يكون له إجارة و إعارته.

و أما بدون ذلك، كما لو أجبره أحدهم شخصا (حرا) على العمل لغيره، فهو اعتداء محرم. و أما لو طلب منه فرضي بالعمل المجاني.

فالمعير هو صاحب العمل، (العامل) و ليس الذي طلب منه و المستعير هو صاحب العمل: (المعمول لأجله أو لمصلحته).

و من أدلة ذلك: أن الأجرة لو كانت مطلوبة في مثل ذلك لكان العامل هو الذي يستحقها و ليس الذي طلب منه العمل، و إن كان رئيسه في الدائرة أو المعمل أو كان والده أو أخوه، ما دام حرا و غير قاصر.

23

فصل الأمانة الشرعية

و هي المال الذي يكون عند غير مالكه بدون إذن منه و لا غصب أو بلا رضا و لا كراهة.

فإن الإنسان أما أن يكون عالما ملتفتا إلى أن ماله تحت يد غيره.

و أما أن يكون غافلا جاهلا به. و أما أن يكون قاصرا لا دخل لعلمه و جهله في صحة المعاملات.

كما أن وجود العين تحت يد الغير، قد يكون بإذن و قد يكون غصبا و قد لا يكون مندرجا تحت هذين العنوانين، فهي لا اذن و لا غصب، بل حالة ثالثة، سوف نوضحها عما قريب.

و عرفنا لغير القاصر حالتان هما العلم و الجهل، فإذا ضربناهما بالحالات الثلاث للعين كانت الأقسام ستة فإذا أضفناها لحالة القاصر يكون التقسيم سباعيا:

أولا: أن يكون الفرد عالما بوجود ماله عند غيره و راضيا به. و هو الأذن (من الناحية الفقهية).

ثانيا: أن يكون الفرد عالما بذلك و كارها له. و هو الغصب (من الناحية الفقهية).

ثالثا: أن يكون الفرد عالما بذلك و مهملا له أو قل: متناسيا لا يهتم بوجوده و عدمه و لا يقدم على أي عمل تجاهه لمدعي إهماله إياه.

و هذه هي الحالة الوسطى بين الرضا و الغضب أو بين الأذن و الغصب.

فيما إذا كان المالك عالما ملتفتا إلى وجود ماله تحت يد غيره.

24

رابعا: أن يكون المالك غير ملتفت إلى ذلك، أو غير عالم به.

و لكن مصلحته و حاله مفهوم عرفا، بحيث أنه لو التفت إلى ماله ذاك لرضي ببقائه عند الآخر. لأنه صديقه مثلا. و هو ملحق بالأذن، من الناحية الفقهية. و يسمى بإذن الفحوى.

خامسا: أن يكون المالك غير ملتفت و لا عالم، و لكن حاله العرفي يقتضي الكراهة و الغضب لو التفت إلى واقعه فهذا ملحق بالغصب من الناحية الفقهية.

سادسا: أن يكون المالك غير ملتفت أو غير عالم بذلك، و لم يكن له حال معين، يعني أن هذا الذي وقعت العين تحت يده لا يعلم حال المالك أولا يستطيع السؤال منه.

و هذه أيضا حالة وسطى بين الرضا و الغضب أو الأذن و الغصب و لكن في صورة غفلة المالك و جهله.

سابعا: فيما إذا كان المالك قاصرا كالصغير و المجنون، و كانت بعض أمواله تحت يد غيره و غيره وليه.

إذن ينتج من هذا التقسيم عدة أمور:

الأمر الأول: أن الأمانة الشرعية تتحقق فيما سميناه الحالة الوسطى بين الرضا و الكراهة، حين لا تكون العين غصبا و لا مأذونا بها من قبل المالك. فتكون مشمولة لحكم الأمانة الشرعية.

الأمر الثاني: ان هذه الحالة الوسطى تتحقق في صورة علم المالك و جهله، و غير خاصة بصورة جهل المالك. و إن كانت أغلب في صورة الجهل بلا إشكال.

الأمر الثالث: أنه عند تحقق علم المالك. يكون العين تحت يد غيره، لا يدور أمره بين الرضا و الكراهة، بل له حالة ثالثة هي الإهمال.

فإن الرضا و الكراهة حالتان نفسيتان ليس بالضرورة أنه لا ثالث لهما أو لا يمكن ارتفاعهما.

25

الأمر الرابع: أنه عند تحقق جهل المالك بالواقع المشار إليه، يمكن أن تكون العين مشمولة لحكم الرضا أو حكم الكراهة. و لا لحكم الأمانة الشرعية، و ذلك فيما إذا كان حال المالك معلوما في أنه لو علم فما ذا يكون رأيه و موقفه. و هذا ما سموه بالإذن الضمني أو الالتزامي أو اللاشعوري. يقابله هذا المعنى من الكراهة.

الأمر الخامس: ان حكم الأمانة الشرعية في صورة علم المالك تتحقق مع العلم بإهماله لماله. و في صورة جهل المالك يتحقق في صورة جهل الفرد المؤتمن بحال المالك عرفا و رأيه على تقدير التفاته.

و إنه هل يرضى أو يغضب أو يهمل.

الأمر السادس: هذا الذي ذكرناه الآن هو مستوي نظري أردنا به حصر مورد الأمانة الشرعية. و أما من الناحية العملية، فإن موارد الأمانة الشرعية عديدة نذكر أهمها:

المورد الأول: حصول العين في يد الغير نتيجة لمعاملة سابقه قد انتهى أمدها. كالإيجار أو الاستعارة إذا انتهى أمدها، و كالبيع إذا تم فسخه و لم يكن يعلم هذا الفرد برضا المالك باستمرار العين عنده. إذن تبقى عنده بنحو الأمانة الشرعية، التي سوف نتعرض إلى حكمها.

المورد الثاني: اللقطة المعلومة المالك لو صح التعبير. كما لو وجدت كتاب صديقك في موضع غير مناسب بحيث يضيع على مالكه لو بقي على حاله فأخذته عنده حفاظا عليه ريثما ترجعه إلى مالكه.

المورد الثالث: اللقطة المجهولة المالك، و التي سنتعرض إليها في الفصل الآتي. و التي يجب تعريفها لمدة سنة. فهي خلال السنة تكون لدى الفرد بنحو الأمانة الشرعية.

المورد الرابع: المال المغصوب إذا تاب الغاصب أو اللص، و هو الآن مقتنع تماما على إرجاع المال. و لم يستطع إلى الآن إرجاعه طال الزمان أم قصر. فهو عنده بنحو الأمانة الشرعية، لو صدقت نية التوبة منه.

26

و الفرق هنا بين حال الغصب و حال التوبة، لا يظهر، كما هو معلوم فقهيا، إلّا في ضمان أعلى القيم. إذ يمكن استصحاب هذا المعنى إلى ما بعد التوبة. فيضمن أعلى القيم حتى في زمان التوبة. إلّا أن هذا مخدوش كبرى و صغرى.

أما الكبرى، فلأن ضمان أعلى القيم مبني على ضرب في الاحتياط، و ليس عليه دليل بالخصوص. و دليله موكول إلى الفقه.

و أما صغرى: فلأن صدق الغاصب عليه بعد صدق توبته، غير معلوم، بل معلوم العدم عرفا. فلا يدخل تحت الدليل المدعى لضمان أعلى القيم: و هو أن الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال. و لا يمكن استصحاب عنوان: الغاصب بعد ارتفاعه عرفا و جزما.

المورد الخامس: الأموال المملوكة للقاصر إذا لم يستطع إرجاعها إلى الولي و لا الاستئذان منه. أو ريثما يعمل الفرد ذلك.

و هذا أوضح في صورة تجدد القصور عند زمان نفوذ معاملة صحيحة منوطة بعدم القصور في صحة استمرارها. كما لو أودع شخص ماله عند آخر، و حصل له الجنون أو الموت، خلال سريان المدة المشترطة. و كذلك في الاستعارة و المضاربة و الوكالة و نحوها مما يزول أثره بالقصور الناتج عن الجنون أو السفه أو الموت.

ففي مثله بالرغم من سريان المدة المشترطة، فإن المعاملة تبطل، و تبقى العين أمانة شرعية بيد الفرد، كالوكيل و عامل المضاربة و الودعي و غيرهم.

فهذا هو أهم موارد الأمانة الشرعية. و فيها تصدق الحالة الوسطى التي تكلمنا نظريا عنها في أول الفصل، إلى جانب القصور، كما هو غير خفي على نباهة القاري الكريم. فإن تطبيق الفكرة على هذه الموارد المتعددة يقتضي مزيدا من الحديث لا حاجة إليه الآن.

27

حكم الأمانة الشرعية:

حكمها الرئيسي وجوب إرجاع العين إلى مالكها أو وليه أو وارثه فورا ففورا. يعني يجب أن يرجعها فورا فإن عصى ذلك أو تعذر عليه وجب عليه مرة أخرى في الزمان الذي يلي أن يرجعها فورا أيضا، و هكذا. و يجب التمهيد لذلك بالفحص أو السفر أو نحوه مما هو ممكن و غير متعذر من المقدمات.

و ذلك لأن رضا المالك ببقائها عند هذا الفرد الحائز لها غير محرز، فيجب إرجاعها و إن كانت الكراهة غير محرزة، لأن المالك أحق بعينه و ماله على أي حال. و مقتضى التبادر العرفي رغبته بوصولها إليه، و إن لم يدل دليل على كراهته الفعلية ببقائها بعيدا عنه.

و حكم الإرجاع هذا يستمر مؤبدا في غير اللقطة إذ لا يجب الاستمرار في الفحص و محاولة الإرجاع فيها أكثر من سنه. و أما في غيرها فلا يقطع وجوب الإرجاع إلّا اليأس الكامل من وجدان المالك إن حصل، أو إرجاعها الفعلي إن أمكن.

و من أحكام الأمانة الشرعية: أولا: إن من بيده العين أمين عليها، من قبل الشارع المقدس، لا من قبل المالك، و من هنا سميت أمانة شرعية. بإزاء الأمانة المالكية التي تكون في موارد أخرى، حين يحرز إذن المالك بالبقاء.

ثانيا: إن حكم الأمين في هذا المورد، ككل مورد، أنه لا يضمن إلّا بالتعدي و التفريط. فلو تلفت العين عنده أو نقصت بدون التعدي و التفريط لم يضمن. و إن فرّط بها أو اعتدى عليها فنقصت أو تلفت ضمن.

ثالثا: يجب عليه المحافظة عليها كالحفاظ على أمواله. بل أكثر أحيانا، كما أشرنا إلى حالات مماثلة في فصل سابق. فإن قصّر عن ذلك عمل حراما و حكم بالضمان. بمعنى ما أشرنا إليه في الفصل السابق: أنه‌

28

يضمن الخسارة لو حصل فيها التلف أو النقص. و أما لو بقيت على حالها بعد التفريط و لم تتغير، عمل عملا حراما بالتفريط، و لا يضمن الخسارة.

رابعا: يجب الوصية بها، بمعنى تنبيه الورثة عليها، لو كانت هناك دلائل للموت كالمرض الشديد أو السفر الخطر، أو السفر الطويل لعدة سنوات، أو نحو ذلك. و لا يجوز إهماله مع الالتفات، لأنه قد يؤدي إلى جحودها على مالكها من قبل الورثة. و خاصة إذا كانوا جاهلين بها أساسا.

و هذا حكم شامل للأمانة الشرعية و الأمانة المالكية معا. و هو خاص بصورة عدم علم الورثة. فلو كانوا عالمين بالحال مع حياة مورثهم، فلا يجب تنبيههم ثانيا.

فهذا هو الحديث عن الأمانة الشرعية، و قد وعدنا في التمهيد لهذا الكتاب الفقهي، أن نتحدث في هذا الفصل عن الإذن الشرعي. و قد تحدثنا عنه ضمنا لأنه لا يعني إلّا إذن المالك لغيره بالتصرف في بعض أمواله، سواء كان هذا مقترنا بمعاملة سارية المفعول كالعين المستأجرة أو المستعارة، أو غير مقترن بها، و هي الأمانة المالكية. بل هذا الاصطلاح شامل لكلا الموردين عرفا و شرعا. إذن، فهذا المقدار من الحديث عن الإذن كاف في أغلب الظن.

29

فصل اللقطة

و هي من الالتقاط، إذ وجد شيئا على الأرض فأخذه. فإن كثيرا من الملقوطات هي كذلك، أعني أشياء صغيرة متناثرة قد توجد في محالها، فيميل الفرد إلى التقاطها و أخذها.

و المهم اقتصاديا هو الحديث عن التقاط المال، فنقدم الحديث عنه أولا. ثم نتحدث عن لقطة الحيوان، فإنه و إن كان مالا إلّا أنه يتميز ببعض الأحكام. ثم نتحدث عن التقاط الطفل.

لقطة المال

. المال الملتقط أما أن يكون الدليل قائما على أن مالكه قد أعرض عنه. و أما أن لا يوجد ذلك، بل يكون مقتضى الإحراز أو الاستصحاب هو بقاء الملكية.

و بتعبير أوسع: إن المال الملتقط: أما أن نحرز أو نظن أنه من المباحات العامة بحيث لم يسبق عليه ملك. و يكفي احتمال ذلك، لجريان استصحاب عدم الملكية لأي أحد و إما أن نحرز كونه مملوكا.

فإن أحرز كونه مملوكا فيما سبق، جرى التقسيم السابق. و هو إحراز الأعراض و عدمه. و مع افتراض عدمه، فإما أن نحرز رضا المالك (محددا كان أو غير محدد) و أما أن لا نحرز رضاه ببقاء المال عند الملتقط. و مع عدم إحراز الرضا فأما أن نعرف صاحبه و لو في ضمن جماعة محددة أو لا نعرف صاحبه على الإطلاق. و هذا القسم الأخير هو المال المسمى باللقطة فقهيا و الذي سنعرف أحكامه.

30

و أما أحكام الأقسام الأخرى باختصار فكما يلي:

أولا: إن كان المال الملتقط من المباحات العامة. أمكن للملتقط نية التملك عليه. فيدخل في ملكه و يأخذه. و يكفي في ذلك ظن كونه من المباحات كما قلنا. و يكفي في حدوث هذا الظن الدلائل الخارجية المحسوسة في وضع الشي‌ء و مكانه و غير ذلك، كالخشبة في الغابة أو الصخرة في الصحراء.

ثانيا: إن أحرزنا كون المال مملوكا فيما سبق. و لكنا أحرزنا أن المالك قد أعرض عنه. و الصحيح أن الأعراض مُخرج للمال عن ملكية المالك. فمن حق من التقطه أو أخذه أن ينوي التملك عليه.

و إحراز الإعراض إما يكون باعتراف المالك أو بقيام الخبر الثقة عليه. أو قيام الدلائل عليه كالطرح في المزابل أو الحيوان السائب الذي يكون على حاله دلالة على تعمد اسابته. و لكن ينبغي أن تصل الدلالة إلى حد الوثوق أو الاطمئنان.

ثالثا: إذا علمنا أن المال مملوك و غير معرض عنه، إلّا أن المالك يرضى بتصرف الملتقط به. فيمكن له أن يتصرف فيه حسب مقدار إحراز الرضا.

و هذا يتم في الأغلب، عند معرفة المالك بالتعيين. أو في مجموعة نعلم منهم جميعا الرضا. و قد يتيسر ذلك مع جهل المالك تماما، مع وجود دلائل على الرضا كائنا من كان المالك. كما لو كانت الدلائل دالة على أن الطعام موضوع للإطعام العام، أو للالتقاط العام أحيانا. فمن التقط شيئا منه كان له بلا أشكال.

رابعا: إذا وجدنا ما لا نعرف صاحبه و لو في ضمن جماعة محدودة، و لم نحرز رضاه. إذن يجب علينا أن نرجعه إلى صاحبه، بلا إشكال. فإن لم نعينه بذاته وجب علينا السؤال و العمل بالشكل الذي يدلنا عليه.

31

و إذا انتفت كل هذه الأقسام كان المال المأخوذ لقطة بالمعنى الفقهي، و يشمله حكمها.

و بذكر هذه الأقسام نعرف أنه ليس كل مال ملتقط مشمول لحكم اللقطة: بل قسم خاص منه هو ما ذكرناه. و سنعرف أن عددا من الروايات دالة على حكم الالتقاط مع الأعراض. فلا تكون شاملة لمحل الكلام.

مجهول المالك:

لا شك أن اللقطة المصطلحة مجهولة المالك. و هناك من المال ما يصطلح عليه فقهيا بمجهول المالك. فما هو الفرق بينهما.

يمكن تلخيص وجوه الفرق بينهما فيما يلي:

الوجه الأول: إن اللقطة لها مالك محدد و مجهول، بحيث لو بحثنا عنه لوجدناه. في حين أن المال مجهول المالك ليس له مالك محدد، بل هو مصطلح على المال المجتمع من أناس كثيرين على غير الوجه الشرعي. و ليس هم فقط مجهولون، بل لا يمكن التعرف عليهم بل إنهم أنفسهم لا يعرفون أن لهم حصة في هذا المال أم لا. و من هنا أمكن التعبير أن مالكه غير محدد.

الوجه الثاني: إن اللقطة كانت ضائعة على غير توقع مالكها. في حين لا يصدق ذلك على المجهول المالك، بل دفعه أصحابه العديدون باختيارهم في معاملات عديدة غير صحيحة شرعا.

الوجه الثالث: إن الملتقط وجد هذا المال على غير توقعه. في حين لا يصدق ذلك على المجهول المالك من حيث أنه وجده مع الانتباه إلى أنه يحتمل في أي حال أن يكون مجهول المالك.

الوجه الرابع: إن المال المجهول المالك لا يصل إلى الفرد عادة إلّا بمعاملة ما، و أما اللقطة، فلا تصل بمعاملة و إنما يجدها الفرد لأول‌

32

مرة- من ضياع. ثم قد تباع بعد ذلك.

الوجه الخامس: إن اللقطة قسم من المال مجهول المالك. بمعنى أن هذا الاصطلاح عام لعدة أقسام من المال منها: اللقطة، و المال الحلال المختلط بالحرام، أعني: نسبة الحرام الموجودة فيه. و الأموال المتداولة في المؤسسات العامة و غير ذلك.

و إنما خصت اللقطة بأهمية باعتبار عزل حكمها شرعا عن سائر أشكال المجهول المالك و استقلالها بحكم خاص.

و على أي حال، فهذه الوجوه كلها نظرية ليس لها عمليا أثر في الفتوى في شمول حكم مجهول المالك إلى اللقطة أو العكس، أو عدمه.

فإن الارتكاز الفقهي و المتشرعي كاف في التمييز بينهما. و قد تصلح هذه الوجوه كأسباب لتبرير هذا التمييز. و لعل أرجحها هو الوجه الأول ثم الوجه الأخير.

و ينبغي أن نلتفت إلى أن مفهوم المال المجهول المالك، لا يشمل الأموال ذات الملكية العامة شرعا. كالزكاة المملوكة للفقراء عموما أو نصف الخمس المملوك للفقراء الهاشميين و كالأرض المفتوحة عنوة المملوكة لأجيال المسلمين، و الخراج المملوك للدولة و غير ذلك.

فإن هذه الأموال و نحوها معلومة المالك، غير أن المالك ليس هو فرد محدد بل عنوان عام. و ليس المالك هو مجموع من يندرج تحت العنوان، يعني كل الفقراء مثلا. بل الكلي القابل للانطباق على واحد فأكثر. هذا إذا قلنا بالملكية لا كون العنوان مصرفا. و الكلام فيه موكول إلى محله.

و المهم أن نقطة الفرق: أن الأفراد في مجهول المالك، مالكون فعلا، و إن كانوا مجهولين. و أما في الأموال العامة، فليس الفرد مالكا و إنما هو مصداق للمالك و هو العنوان العام.

و ينتج عن ذلك فرق عملي، من الناحية الفقهية. و هو أن الأموال‌

33

العامة إذا أوصلتها إلى أي فرد يصدق عليه العنوان، كهذا الفقير مثلا، فقد وصل المال إلى مالكه أو مستحقه يقينا. و أما إذا أوصلت شيئا من المال المجهول المالك إلى أي فرد بعينه أو مجموعة أفراد. لا تستطيع أن تقول نفس الشي‌ء، بل إن كثيرا من هذا المال لم يصل إلى مالكه، لأن هذا الفرد إن كان يملك جزءا من هذا المال، فهو يملك كسرا ضئيلا جدا منه، قد يكون واحدا بالمليون، و أما الباقي فهو ملك غيره من الأفراد.

و تنشأ العمومية من المال المجهول المالك، و التي تشبه من بعض الجهات العمومية في ملكية الأموال العامة. تنشأ هذه العمومية من كون الأفراد المالكين له كثيرين و موزعين بين الناس و مجهولين. بخلاف عمومية الأموال العامة: فإنها ناشئة من تعلق الملكية بالعنوان العام كالفقراء أو الهاشميين.

و بتعبير آخر: يوجد علم إجمالي متعلق بمالك لمجهول المالك.

بأنه بعض الأفراد في هذا الشعب. و لا يوجد مثله في الأموال العامة.

حكم اللقطة:

و هو حكم فقهي لا مجال له هنا، و لكنا نشير إليه باختصار. و هو أن يعلن الفرد الملتقط عن لقطته بعنوان عام تاركا الأوصاف التفصيلية.

فيقول بين الناس: وجدت مالا أو دراهم أو ذهبا أو متاعا و نحو ذلك.

فإن وجد من أعطى الأوصاف أعطاه إياه.

و إن لم يجد استمر على هذا الإعلان يوميا أو أسبوعيا و نحوه، إلى أن يحصل له اليأس من وجدان المالك. فإن حصل اليأس، كان له الانقطاع عن الإعلان و التعريف. و لكن يجب الانتظار إلى عام كامل من حين الالتقاط. فإن انتهى العام و لم يأت المالك. كان للملتقط أن ينوي التملك على هذا المال. فإن صادف أن جاء المالك بعد ذلك، لم يجب عليه دفعه إليه أو غرامة قيمته له بعد أن كان قد طبّق الحكم الشرعي عليه. و إن كان ذلك هو مقتضى الاستحباب أو الاحتياط الاستحبابي.

34

حكم مجهول المالك:

إذا حصل في اليد شيئا من المال المجهول المالك، فلا يجوز له استعماله و التصرف فيه، و إلّا اشتغلت ذمته بمقداره لأولئك المالكين المجهولين، و هو المسمى برد المظالم.

و إنما يحل التصرف بمجهول المالك، فيما إذا قبضه ولي أولئك المالكين المجهولين، أو قبضه الفرد بالوكالة عن ذلك الولي ان كان له مثل هذه الوكالة. و هي متوفرة في عصرنا الحاضر على أي حال.

فإذا نوى التملك له، ملكه، و جاز له التصرف فيه كأمواله. و يشمله حكم ممتلكاته، كوجوب الخمس و وجوب الحج به و جواز التصرف فيه.

حكم الالتقاط:

بالنسبة إلى الأموال الضائعة التي لا دليل على كونها من المباحات و ليس عليها علامة الإعراض، كما سبق. فإنها إن التقطها الفرد، كانت لقطة فقيها. إلّا أن التقاطها مكروه شرعا. و منهي عنه نهيا أخلاقيا تنزيهيا.

و السر في ذلك مصرح به في الروايات المعتبرة، و هو أن هذا المال قد سقط في بعض المارة لا محالة. فإن بقي في محله و لم يأخذه أحد التفت صاحبه قريبا، و رجع إليه و أخذه. و أما إذا التقطه الآخرون فإنهم سوف يتسببون بحرمان المالك منه و لو موقتا إلى أن يعلنوا عنه فيأخذه.

و هناك مانع نفسي آخر: و هو أن الفرد المتشرع يعلم أنه لا يستطيع أن يتملك هذا المال الملتقط و إنما عليه أن يعرّف عنه و يعلن بين الناس لمدة سنة. إذن فأخذ هذا المال و التقاطه سوف يورطه بعناء طويل هو في غنى عنه. و خير له أن يوكل هذا العناء إلى غيره ممن يتورط في التقاطه.

طبعا هذا إذا لم يرجح التعرف على المالك و سرعة الإرجاع إليه.

و مقتضى القاعدة عدم جواز إرجاع اللقطة إلى محلها، أو إعطائها‌

35

إلى شخص آخر يطبق عليها الحكم الشرعي، بقناعته و استقلاله، لا بالنيابة عن الملتقط. بل يجب على الملتقط نفسه أن يطبق عليها الحكم الشرعي. و هي أمانة شرعية عنده لا تضمن إلّا بالتعدي و التفريط.

نعم لو تعدى أو فرط و اشتغلت ذمته به، كان له الاستمرار بالتعريف. فإن لم يجد المالك و انتهى العام. أمكنه احتساب الدين لنفسه و العزم على عدم دفعه إلى المالك. فهو يقبض الدين، لو صح التعبير، كما يقبض العين، حال وجودها.

نعم، للملتقط أن يدفع العين إلى الولي العام بصفته وليا عن المالك الغائب أو المجهول. لكن يجب على هذا الولي القيام بواجب الفحص حتى اليأس. فإذا مرت سنة أمكنه تملكها، أو التصدق بها.

موارد اللقطة:

يمكن تعداد موارد اللقطة أعني أسباب حدوثها بما يلي:

أولا: أن يجد الفرد شيئا ضائعا من صاحبه في شارع أو بريّة أو بحر أو أي مكان. ما لم يكن في مكان مملوك فيجب أن يبدأ الملتقط بالسؤال من المالك.

ثانيا: أن يجد الفرد شيئا ضائعا في مكان مملوك كالدار أو البستان أو المحل التجاري. و مع ذلك ينكره مالك المحل أو لا يعطي أوصافه.

ثالثا: أن يتوب اللص، فيخاف أن يرجع المال إلى صاحبه، فيدفعه إليك، و أنت لا تعرفه على الإطلاق.

رابعا: أن يتوب اللص عن السرقة أساسا و عنده من الأموال الشي‌ء الكثير التي لا يعرف أصحابها.

خامسا: أن يتوب المرابي أو أي فرد كان ملتزما بتجارة محرمة كبيع الخمور أو الأجور على اللهو المحرم أو غيرهما. فيكون عنده من الأموال الحرام الشي‌ء الكثير.

36

و هذا الموردان الأخيران و إن كانا من مجهول المالك، و يشبهان اللقطة في الفكرة الفقهية. إلّا أن لها حكما معينا. و ملخصه: أن مثل هذا الفرد ان لم يعلم أن الحرام في أمواله أكثر من الخمس. يجب عليه دفع الخمس و يكون الباقي محللا له. و إن علم زيادة الحرام على الخمس وجب أن يدفع مقدار القدر المتيقن منه. فلو كان الحرام مرددا بين 60% أو 70% لم يجب عليه أكثر من النسبة الأقل. و يعطيه أما إلى الفقراء أو إلى وليهم العام.

سادسا: من موارد اللقطة: أن يحصل الولي العام على مثل هذا المال من الملتقط. و ينبغي الالتفات إلى أنه لا فرق في هذه الأقسام بين النقود و الحيوانات و المأكولات و سائر أنواع الأموال، و لا بين قلة (1) المال الملتقط أو كثرته.

لقطة الحيوان:

من الفقهاء من فرق بين لقطة الحيوان و غيره، فإذا كان المال الملتقط حيوانا أمكن له أخذه بنية الضمان بلا حاجة إلى تعريف و لا إلى مضي عام. إلّا أن ما دل على ذلك من الروايات أما مخدوش سندا و أما دال على الحيوانات التي عليها علامة الإعراض عنها و ترك أهلها لها.

فهي دليل على جواز امتلاك المال المعرض عنه، و ليست من أدلة أحكام اللقطة. إذن، يبقى الحيوان الاعتيادي الملتقط مشمولا لحكم اللقطة أساسا. و الحديث عن دليله موكول إلى الفقه.

نعم، لو كان المال الملتقط مما يسرع إليه الفساد، بمعنى أنه لا يدوم حتى يتم التعريف عنه أو مضي العام. كالأطعمة و الفواكه و المطبوخات و أنواع الخبز. فحكمه هو ما ذكروه في الحيوان، و هو أن الملتقط ينوي عليه التملك و يستهلكه، و ينوي عليه الضمان، بمعنى أنه‌

____________

(1) إلا أن يكون بقيمة الدرهم أو أقل و هو المثقال الشرعي من الفضة، 18 قيراطا.

فلا يكون مشمولا لحكم اللقطة.

37

يؤدي ثمنه إلى مالكه إذا جاء في أي وقت، بلا حاجة إلى تعريف. و هذا يحتوي ضمنا على وجوب تسعير المال قبل استهلاكه لتكون القيمة المضمونة محددة.

و لو لم يتم التحديد، لم يجب إلا ضمان الأقل. فلو تردد الأمر بين دينار و دينارين مثلا، لم يجب أكثر من الدينار. و تجري أصالة براءة الذمة عن الزائد.

و لقطة الحيوان تحتوي على كلفة معينة و هي وجوب إطعامه و إسكانه إلى حين انتهاء التعريف به. و كذلك كل مادة ملتقطة يحتاج الحفاظ عليها إلى صرف المال. فإن بذل هذا المال واجب على الملتقط. فإن جاء المالك دفع إليه المال و كان له أخذ الكلفة بحذافيرها.

و إن لم يأت المالك إلى انتهاء السنة أمكنه أخذ العين نفسها، و تكون بدلا عما بذل من المال.

فإن جاء المالك بعد السنة، فإن أعطاه العين، أمكنه استيفاء الكلفة، أو أن يصالحه بالعين نفسها بدلها، ان كانت الكلفة مساوية أو مقاربة لقيمتها. و ان منع العين عنه، و له الحق في ذلك بعد السنة، لم يكن له أخلاقيا أخذ الكلفة من المالك، و ان كان لها وجه فقهي على أي حال.

التقاط الطفل:

و أسباب ضياع الأطفال عديدة، منها ما يرجع إلى سوء تصرف الطفل نفسه، و منها ما يرجع إلى سوء تصرف الوالدين. و منها كونه ابن زنا و لعله السبب الأغلب.

و لا فرق في الطفل الملتقط ما دام طفلا، لم يبلغ حد التكليف، أنثى كان أم ذكرا، في الشمول للحكم الآتي، سواء كان مميزا أو غير مميز.

38

أولا: لا يجوز تملكه. و من ثم لا يجوز بيعه أو شراؤه أو هبته أو وقفه. أو أي معاملة مالية عليه.

ثانيا: لا يجوز تبنيه أي اعتبار الرجل أباه و المرأة أمه. و لا يترتب على التبني أي حكم شرعي كالميراث أو جواز النظر إلى الجنس الآخر أو حرمة الزواج به. بل يبقى الملتقط كما هو أجنبيا لقوله تعالى:

ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ.

ثالثا: إن عرف الطفل أبويه و استطاع الملتقط فهمه من الطفل أو قيام الحجة الشرعية على ذلك. وجب دفعه إلى أبويه أو أحدهما أو إيصاله إليهما بكل وسيلة خالية من الضرر.

رابعا: يجب إحسان تربيته من المأكل و المشرب و الملبس و التوجيه المعنوي حسب الإمكان ما دام يعيش عند الملتقط.

خامسا: يحرم تركه بعد التقاطه، إلّا عند ثقة مأمون يقوم بالحكم الشرعي بدوره.

سادسا: يجب التقاط الطفل ما دام محتاجا إلى المأوى و الطعام و المنام. و لا يجوز إهماله لأنه قد يؤدي إلى موته فيكون قد تسبب الفرد إلى قتله.

سابعا: للملتقط أن يستخدم الملتقط و يحسب خدمته بإزاء مصرفه عليه. سواء كان طفلا أو كبر عنده. لأن هذا الإنسان يكون مسئولا عن كلفة تربيته حتى لو كبر. فإن لم يكن له مال يدفعه إلى ملتقطة، وجب دفع عمله إليه و هو أما أن يكون في خدمة أو صناعة أو زراعة أو أي شي‌ء ينفعه به.

ثامنا: إذا لم يعرف الفرد أبويه، فله أن يتولى من يشاء أو أن لا يتولى أحدا.

و التولي منصوص عليه في القرآن الكريم: فإن لم تعلموا آبائهم فإخوانكم في الدين و مواليكم.

39

و لا يكون التولي إلّا باتفاق الطرفين، فهو معاملة أو عقد غير اقتصادي بل أخلاقي. يكون الموجب هو الفرد المجهول النسب، و القابل هو الولي (أو من يكون وليا بعد القبول). و قد كان هذا الأسلوب في صدر الإسلام منتشرا، بين الناس بالنسبة إلى المجلوبين بالفتح الإسلامي، من الخارج، حيث لا يعرف آباؤهم.

و المهم أن مثل هذا الفرد له أن يتولى من يشاء و له أن لا يتولى أحدا. (فَإِخْوٰانُكُمْ فِي الدِّينِ) يعني من لم يتول (وَ مَوٰالِيكُمْ) يعني من اختار التولي أو التوالي. و له أن يختار ولي نعمته يعني الملتقط له، ليكون وليه أو مولاه. و له أن يختار غيره. و لا يتعين عليه شرعا اختيار الملتقط.

و يترتب على هذا التوالي حكم ما يسمى (ضامن الجريرة) و الذي يأتي تفسيره في كتاب المواريث. و أهم ما هناك: هو تحقق الإرث و ضمان الدية.

فإذا مات المولى (اللقيط) ورثه مولاه أورثته ان كان عندئذ متوفى.

و إذا حصل للمولى جناية خطأ من قتل أو غيره و وجب دفع الدية من (العاقلة) عقله المولى، يعني وجب عليه دفع الدية عنه.

فالمولى في الحكم الشرعي يأخذ الميراث و يعطى الدية. و هو مستدل عليه بدليل معتبر. و مطابق أيضا للقاعدة القائلة: من له الغنم فعليه الغرم.

تاسعا: من أحكام اللقيط: أنه يجب على ملتقطة نفقته و الإنفاق عليه ما دام قاصرا، يعني حين طفولته أو إذا بلغ قاصرا سفيها أو مجنونا أو تعذر عليه العمل و الاكتساب. و لا يعني ذلك عدم إمكان احتسابها منه إن أمكن كما قلنا في الفقرة السابقة.

عاشرا: إذا بلغ اللقيط سويا فينبغي توفير العمل له و عدم جعله عالة على المجتمع، أو طرده بلا كفيل. و هذا الرجحان في توفير العمل،

40

قد يرتقي إلى أحد الوجوب إذا تعذر على اللقيط نفسه وجدان العمل و وقع في ضرورة من هذه الناحية.

حادي عشر: إذا مات الملتقط و كان اللقيط طفلا أوصى به، أو دفعه إلى ثقة مأمون قبل الوفاة.

ثاني عشر: إذا مات الملتقط، في الوقت الذي يكون اللقيط قاصرا أو في أول عمله التجاري، يستحب له الوصية له ببعض المال قبل وفاته.

و يخرج من ثلثه. و كذلك يستحب له أن يساعده ماليا في عمله، بغض النظر عن الموت.

41

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

[كتاب النيابة]

تمهيد

اخترنا لهذا الكتاب الفقهي هذا العنوان دون (كتاب الوكالة) كما اختاره المحقق الحلي و غيره. لكي يشمل عدة موارد من صور مشروعية نيابة الفرد عن الآخر. بحيث تكون الوكالة إحدى مواردها و مصاديقها.

و يمكن تقسيم الموارد على وجه قريب من الحصر كما يلي:

إن النيابة (منظورا إليها من ناحية فاعلها) إما أن تحصل في الحياة أو تحصل بما بعد الموت. فالثاني هو الوصاية. و الأول و هو ما يحصل في الحياة إما أن يحصل على فرد أو مجتمع، و الثاني هو الولاية العامة.

و الأول و هو ما يحصل على فرد فإما أن يكون في العبادات أو الماليّات من معاملات و غيرها. فالأول هو النيابة في العبادات و الثاني هو الوكالة بالمعنى الفقهي، و القانوني.

و نؤجل الحديث عن الولاية العامة إلى كتاب القضاء، و الحديث عن الوصاية إلى كتاب الوصايا.

و قد ذكرنا النيابة في العبادات في فصل تحدثنا فيه عن جواز أخذ الأجرة على الواجبات. و نذكر الباقي مترتبا كما يلي: الوكالة ثم الولاية الخاصة.

44

فصل الوكالة

قال ابن منظور (1): توكل بالأمر إذا ضمن القيام به. و وكلت أمري إلى فلان أي ألجأته (يعني أمري) إليه و اعتمدت فيه عليه. و وكل فلان فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزا عن القيام بأمر نفسه. و وكل إليه الأمر: سلّمه. و وكله إلى رأيه و كلا و وكولا: تركه.

و رجل وكل بالتحريك و وكله مثل همزة و تكله على البدل و مواكل:

عاجز. كثير الاتكال على غيره.

و التوكل: إظهار العجز و الاعتماد على غيرك و الاسم: التكلان.

و اتكلت على فلان في أمري إذا اعتمدته.

أقول: و منه التوكل على اللّٰه و التكلان. و هو الاعتماد عليه في كل الأمور قال سبحانه وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. و اللّٰه عز و جل هو الوكيل أي المعتمد و الذي يجب تسليم كل الأمور إليه، و الشعور بالعجز أمامه. قال سبحانه فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا. و قال أَلّٰا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا.

فانطبق معنى الوكالة على اللّٰه عز و جل تماما كما هو المعنى في الناس، و لكن بشكل أشد و أوكد. فبدلا من أن أقوم في أموري بنفسي فإني أتركها و أعطيها إلى غيري و أعتمد فيها عليه و هو يقوم بها بدلي حين‌

____________

(1) لسان العرب مادة: وكل.

45

أكون عاجزا عنها أو لا أكون. و هذا كله منطبق على اللّٰه و على الناس معا.

و معه لا حاجة إلى تفسير ابن منظور (1) لمعنى الوكالة، المنطبقة على اللّٰه عز و جل، بحيث تختلف اختلافا جوهريا أو قل: نوعيا، عن مفهومها المنطبق على البشر. حيث فسر الوكيل: بالمقيم و الكفيل و الرازق و الكافي. و كلها صفات منطبقة عليه سبحانه و تعالى. و لكنها بعيدة عن معنى الوكالة. و إنما هي مفهوم يتضمن معنى الاعتماد و ترك الأمور إليه سواء كان تجاه اللّٰه أو تجاه الناس.

و من الدعاء: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا. أي لا تجعلني أعتمد على نفسي، و تكون هي التي تتحكم في أموري و تصرفاتي. و كذلك الدعاء: اللهم إلى من تكلني؟ إلى الشيطان فيضلني أو إلى نفسي فتغويني أو إلى الآخرين فيخذلوني. و هو من الاعتماد على هذه الأشياء و الالتجاء إليها و ترك التصرفات إليها دون اللّٰه سبحانه و تعالى. و من هنا قوله سبحانه أَلّٰا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا لأنه هو المعتمد و الملجإ في كل الأمور. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّٰهِ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ*.

هذا. و ليس للفقهاء اصطلاح في الوكالة خارج عن هذا المعنى، بل هو نفسه. كل ما في الأمر أنهم اعتبروها عقدا يكون الموكل فيها هو المالك و الوكيل هو القابل. و بناء على نفوذ المعاملات بالمعاطاة، يكون هذا الشرط مما يمكن التنازل عنه جزئيا.

و الوكالة بالإجماع من المعاملات الجائزة التي تكون قابلة للفسخ متى شاء أحد الطرفين. و هذا راجع من طرف الموكل إلى أن الوكالة إذن منه بالتصرف عنه، و له أن يسحب الإذن متى شاء بلا اشكال. و أما من‌

____________

(1) المصدر نفسه.

46

طرف الوكيل فهو غير ملزم بالاستمرار بالعمل للغير. فكما له حق أن يقبل أو يرفض لأول مرة، كذلك يستمر الأمر له إلى النهاية.

و قد سكت الفقهاء حسب علمي عن كون عمل الوكيل مجانيا أو بالمال. بل أن الاتجاه التقليدي إلى كونه مجانيا، لأنه ان كان عملا مأجورا دخل الأمر في مفهوم الإيجار و خرج عن مفهوم الوكالة. فإذا اعتبرنا إمكان أخذ الوكيل للأجرة، كان علينا أن نفرق بينها و بين الإيجار.

الفرق بين الوكالة و الإيجار:

لا شك أن كل الأعمال المأجورة هي وكالة، بمعناها اللغوي، لأن العامل يأتي بها بدلا عن صاحب المال، و يعتمد صاحب المال فيها على العامل. فإن اعتبرنا الوكالة المصطلحة مجانية، كان الفرق هو أخذ الأجرة و عدمها.

و إن أجزنا للوكيل أخذ الأجرة، ففي الإمكان أن نفرق بين شكلين من العمل: عمل إنتاجي و عمل معاملي. و نريد بالعمل الإنتاجي ما كانت له نتائج اقتصادية كزراعة الأرض و خياطة الثوب. فإذا كان عملا مأجورا، لم يصطلح على العامل أنه وكيل. و نريد بالعمل المعاملي قيام الفرد بالاتفاق على المعاملات و إنفاذ عقودها. فإن قام الغير به بدل صاحب المال سمي وكيلا، سواء كان عمله مجانيا أو بأجور.

و قد يتوسع الوكيل، حسب إذن صاحب المال، إلى إعمال أخرى قد تكون انتاجية، و لكن المهم في تسميته وكيلا، هو العمل المعاملي.

الفرق بين الوكالة و المضاربة:

عرفنا أن عددا من الأعمال يمكن أن يقوم بها الفرد بدلا عن صاحب المال بحصة من الناتج. كالمضاربة و المزارعة و المساقاة. و هو فيها وكيل له بلا شك من الناحية اللغوية، كما عرفنا تفسيره. إلّا أنه لا‌

47

يسمى وكيلا اصطلاحا لاختصاصه باسم خاص، هو عامل المضاربة و المزارعة.

و معه فالفرق بينه و بين الوكيل، من ناحيتين:

الأولى: اختصاصه باسم معين، بينما مفهوم الوكالة (المأجورة) أوسع منه.

الثاني: اختصاص الوكيل (بالأصل) بمن يقوم بالعمل المعاملي كما أشرنا. في حين أن عامل المضاربة و أشباهه يكون عمله انتاجيا.

الفرق بين الوكالة و الإذن:

لا شك أن الوكالة تتضمن الإذن، غير أن الإذن أوسع منها. لأنه يتضمن معنى السماح و الإجازة و الرضا يعني أن يرضى الفرد لغيره بالتصرف في أمواله. و هذا كما يصدق في مورد الوكالة و كذلك في مورد المضاربة و المزارعة و غيرها. يصدق أيضا في موارد غير معاملية و لا اقتصادية أساسا، كنقل شي‌ء للغير أو الأكل من طعام الغير أو المرور في أرض الغير، فإنها و أشباهها لا تكون إلا بإذن أيضا. و إلّا كانت غصبا و اعتداء.

تصرف الوكيل:

لا بد أن يقتصر تصرف الوكيل في حدود إذن الموكل. و باختلاف سعة مقدار التصرف المأذون فيه تتسع الوكالة. فقد يكون موردها عملا جزئيا قليلا. و قد يكون موردها واسعا، بحيث يوكل إلى الوكيل كثير من التصرفات و الأموال. و يسمى: الوكيل المفوض. و على أي حال تبقى الوكالة جائزة الفسخ من الطرفين.

و تبطل الوكالة بموت أحدهما، أعني الموكل أو الوكيل. و هذا مما يقرّه القانون المدني أيضا. لكن لو مات الموكل أو فسخ الوكالة و لم‌

48

يعلم الوكيل تصح تصرفاته إلى حين علمه فإن علم بالفسخ بطلت و خرج عن الوكالة.

و قلنا أن الوكالة في حيازة المباحات ممكنة، مع قصد الوكيل الحيازة للموكل.

و الوكيل أمين على المال لا يضمن إلا بالتعدي و التفريط اللذين عرفنا معناهما في الفصول السابقة.

و ليس للوكيل بعمل أن يوكل غيره فيه، بل يباشره بنفسه، إلّا مع إذن واضح بذلك أما خلال المعاملة أو بعدها. و إذا وكل شخصا كان وكيلا عن صاحب المال لا عن الوكيل. و من أثر ذلك أنه لو مات الوكيل لم تبطل الوكالة الثانية. كما أنه ليس من حق الوكيل فسخ الوكالة الثانية بدون اذن صاحب المال خلال الاتفاق على الوكالة الأولى أو بعده. و لا يخفى أن الأذن المتأخر يرجع إلى وكالة جديدة على مورده.

أمد الوكالة:

و تنتهي الوكالة بأحد أشكال:

أولا: بإنجاز الوكيل العمل المطلوب أو الموكل به.

ثانيا: بالفسخ من أحد الطرفين.

ثالثا: بقيام الغير بالعمل المطلوب، بحيث لا يبقى مجال للوكيل فيه، كما لو قام به صاحب المال نفسه.

رابعا: انتفاء موضوع الوكالة، كما لو وكله ببيع شي‌ء فتلف أو بطلاق زوجته فماتت. و هكذا.

خامسا: بموت أحد الطرفين: الموكل و الوكيل، كما سبق.

تولي طرفي العقد:

قد يلزم من الوكالة أحيانا هذا المعنى- أعني تولي طرفي العقد-

49

كما لو كان الفرد وكيلا مفوضا، فأراد أن يبيع بعض أموال موكله لنفسه أو بعض أمواله لموكله. فيكون بائعا و مشتريا في نفس الوقت. و هو معنى تولي طرفي العقد.

و هذا و إن استشكل فيه بعض الفقهاء. إلّا أن المشهور و الصحيح صحته، لكفاية التغاير الاعتباري. يعني أنه بائع بصفته مالكا و مشتري بصفته وكيلا أو بالعكس. فما دام الاعتبار أو الصفة مختلفة صح العقد.

و يشبهه التوكل في إجراء الإيقاعات كتوكل المرأة عن زوجها في طلاق نفسها، و توكل العبد عن مولاه في إعتاق نفسه. فإن المرأة تكون مطلقة بالكسر و مطلقة بالفتح و العبد يكون معتقا بالكسر و معتقا بالفتح.

و لا ضير في ذلك فقهيا و شرعا ما دام الاعتبار و الصفة مختلفة.

و مثله تولي طرفي العقد بالولاية، كالأب أو الجد للأب، لو أراد أحدهما أن يبيع لابنه أو حفيده القاصر أو يشتري منه. و كذلك في الولاية العامة بالنسبة إلى بعض الأموال العامة، و هكذا.

موارد الوكالة

. ليست كل تصرفات الفرد مما يقبل الوكالة شرعا و قانونا. فإنما تصح الوكالة فيما يمكن فيه التوكيل دون غيره.

قال المحقق الحلي (1): أما ما لا تدخله النيابة فضابطه: ما تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة. ثم عدد موارد كثيرة بعضها قابل للمناقشة، كما سنشير.

و أوضح الموارد التي تجب فيها المباشرة و لا تصح النيابة: العبادات للحي، إلّا الحج عن العاجز فإنه تجوز النيابة فيه. يشمل ذلك:

الطهارات الثلاث: الوضوء و الغسل و التيمم فلو توضأ شخص عن غيره‌

____________

(1) الشرائع ج‍ 1، ص 160.

50

لم يصح عنهما معا. و كذلك: الصلاة و الصوم و الاعتكاف و سائر المستحبات العبادية إلّا بمعنى إهداء الثواب إلى الحي.

و من الموارد الواضحة في هذا السبيل: القسم بين الزوجات إذ لا معنى أن يوكله الزوج إلى الأجنبي. و كذلك قضاء العدة للطلاق أو للوفاة. إذ لا معنى للتوكيل فيها.

و عد المحقق من ذلك: الغصب و الجناية. و هذا واضح أيضا، لأن المسؤولية تكون على الفاعل لا على غيره. إلّا أن ذلك لا يندرج في تعريفه لأنه قال: ما تعلق قصد الشارع بإيقاعه من المكلف مباشرة. و من الواضح عدم تعلق قصد الشارع بإيقاعه من أحد في ذلك. بل تعلق القصد بعدمه لأنه منهي عنه. و كأن قصد المحقق هنا التركيز على مجرد المباشرة. و هو صحيح. و إن كان مخالفا لظاهر العبارة.

و عد المحقق منها: الأيمان و النذور و الطهارة و اللعان. غير أن خروج أمثال هذه الأمور عن إمكان التوكيل يحتاج إلى دليل خاص. و إلّا فمقتضى القاعدة جوازه. غير أن العبارة تختلف خلال إنجاز المعاملة.

فبينما يقصد الفرد بها نفسه، يجب أن ينص الوكيل على إرادة موكله.

و إلّا صحت لنفسه أو لم تصح أصلا.

و عد منها: الالتقاط و الاحتطاب و الاحتشاش. و يراد بها حيازة المباحات العامة. و قلنا أنها قابلة للتوكيل، بشرط أن يقصد الوكيل الحيازة لموكله.

نعم، لو أراد بالالتقاط: اللقطة، بالمعنى الذي تحدثنا عنه بالفصل السابق. فهي غير قابلة للوكالة. بل أن حكم اللقطة يشتمل الملتقط دون غيره و لو قصد الوكالة لم تصح، و لو وكل بها الفرد غيره لم تصح أيضا.

و عد منها: إقامة الشهادة إلا على وجه الشهادة على الشهادة. و هذا صحيح، لأن (يد الوكيل كيد الأصيل) إلّا أن لسانه ليس كلسانه و شهادته ليست كشهادته و خبره ليس كخبره. فلو شهد بالوكالة صح بوجه واحد هو الشهادة على الشهادة. و أما بدونها فلا يصح.

51

بقي لدينا العبادات المالية: كالزكاة و الخمس فإن التوكيل في دفعها جائز. و منها الجهاد على بعض الفتاوى.

و بقيت لدينا الحدود كقطع يد السارق. فإن التوكيل لإقامتها ممكن، بمعنى توكيل المسروق منه شخصا لقطع يد السارق. و أما العكس. بمعنى توكيل السارق شخصا لكي تقطع يده بدلا عنه. فهذا غير ممكن.

و يدخل في ضمن ما هو متعذر بالوكالة أيضا:

الضمان سواء أردنا فيه ضمان الإتلاف أو الضمان المعاملي على ما شرحناهما في فصل سابق.

أما ضمان الإتلاف فعلى ذمة المتلف. فلو و كل شخصا لإنجاز مال غيره لم يصح، و لو أتلفه ضمن المتلف نفسه، يعني الذي يدعي الوكالة، دون الموكل.

و لا ينتقل الضمان بالوكالة إلى ذمة الوكيل من موكله، و إنما ذاك له معاملة خاصة هي معاملة (الضمان) التي عرفناها في فصل سابق.

و أما ضمان المعاملة كثمن المبيعات، فيضمنه المشتري صاحب المال. فإن و كل شخصا لانجاز البيع أو الشراء، لم يضمن الوكيل الثمن. فالتوكل على ما في الذمة غير ممكن شرعا و عرفا.

و يندرج في ذلك ذمة المنافع كالاستفادة من الدار المستأجرة أو العين المستعارة. فإنه لا معنى للتوكيل فيه.

فإن إذن المالك و المستأجر أو المستعير معا لغيرهما كان إذنا جديدا، لا أن الوكيل يستفيد من العين بدل المستأجر. و قد عرفنا في المضاربة و المزارعة و نحوها، أنه لا يمكن دفعها إلى شخص آخر بدون عمل يقوم بها الأول، و بدون اذن من قبل صاحب المال.

فهذه فكرة عما لا يمكن التوصل إليه بالوكالة.

و أما ما يمكن التوصل إليه بالوكالة. فقد قال عنه المحقق‌

52

الحلي (1): فضابطه: ما جعل ذريعة إلى غرض لا يختص بالمباشرة.

و معناه: أن المهم هو النتيجة، و ليس المهم فاعلها. فإن كان الأمر كذلك أمكنت الوكالة.

يدخل في ذلك عموم العقود و الإيقاعات المالية، كالبيع و الإجارة و الرهن و الوقف و الصلح و الحوالة و الوكالة و النكاح و غيرها كثير. و كذلك القبض سواء في قبض أعواض المعاملات أو الصداق أو الديات أو الزكاة أو الخمس.

و كذلك في دفع الزكاة و الخمس، و تقسيم سائر الأموال المستحقة للتقسيم أو الصرف في أي وجه جائز كالجزية و الخراج و رد المظالم و غيرها.

و كذلك في الإبراء، و يكون المبرئ حقيقة هو الموكل. و الأخذ بالشفعة. و في إقامة الدعوى وكيلا عن المدعي أو عن المنكر غير أن اليمين عنه لا تخلو من اشكال. و قد أشير فيما سبق أن الإيمان لا تتحمل الوكالة. و هذا شامل لكل أقسامها.

و كذلك الوكالة في تنفيذ الحكم بعد صدوره من القاضي العادل، كاستيفاء الدين أو إرجاع المال إلى صاحبه أو إقامة الحدود و التعزيرات أو القصاص. و الموكل هنا أما ولي القصاص و أما القاضي نفسه و أما الولي العام العادل، و هذا الأخير متعين في تنفيذ حدود اللّٰه سبحانه، إذ لا يوجد لها مدعي، كحقوق الآدميين.

فهذا هو أهم الحديث عما يمكن أن يندرج ضمن موضوع هذا الكتاب من عنوان الوكالة.

____________

(1) الشرائع ج‍ 2، ص 161.

53

فصل الولاية الخاصة

للولي عدة معاني لغوية خارجة عن المصطلح الفقهي. و المهم منها هو أن الولي من له: التصرف و السلطان و التدبير. و هذا المعنى شامل لكل معاني الولاية الفقهية. كل ما في الأمر أن التدبير في الولي الشرعي أيا كانت صفته، تدبير مشروع و مجاز شرعا.

و قد أخذ في كل معاني الولاية أن يكون المولّى عليه قاصرا. و لا ولاية على غير القاصر فقهيا، و ان كانت ثابتة أخلاقيا كما سنشير. سواء في ذلك الولاية العامة و الخاصة. لأن المجتمع ككل يعتبر قاصرا عن تدبير المصالحة العامة التي لا ترتبط بالأفراد. فمن هنا كانت الولاية العامة.

و أما الولاية الخاصة، فهي قد تكون على أفراد قاصرين، و هم السفيه و المجنون و الصغير و يشتركون جميعا في عدم الرشد. و قد تكون على مرافق محددة من المجتمع كالأوقاف و المساجد، و بعد شي‌ء من التعميم نفهم الأمر شاملا للمدارس و المستشفيات و غيرها، و هي قد تندرج في الأوقاف فعلا. و لا ينبغي التنبيه على أن هذه المرافق قاصرة عن التدبير بدون ولي.

الولاية الأخلاقية:

نشير هنا إلى بعض ما هو مشار إليه في القرآن الكريم منها. بدون حاجة إلى التوسع في شرحها، فمن أرادها فليرجع فيها إلى التفاسير.

و هذه الولاية ثابتة للّٰه عزّ و جل. فهو جل جلاله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا

54

يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمٰاتِ إِلَى النُّورِ و هو سبحانه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ و هو وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ و لا ولي غيره على الحقيقة وَ مٰا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لٰا نَصِيرٍ*، و هذه الولاية المعنوية ثابتة لرسول اللّٰه (ص) و المؤمنين قال سبحانه إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا، و قال جل جلاله:

وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ. و قال النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

و الولاية على اللّٰه عز و جل غير موجودة لأنه غني عن العالمين وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ إلّا أنه جل جلاله جعل المقربين أولياء له تشريفا لهم أَلٰا إِنَّ أَوْلِيٰاءَ اللّٰهِ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ.

و الولاية المعنوية ثابتة للملائكة أيضا نَحْنُ أَوْلِيٰاؤُكُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ فِي الْآخِرَةِ يعني الملائكة.

و للمتقين أيضا إِنْ أَوْلِيٰاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ.

و لأولي الأرحام وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ*.

و هناك ولاية معنوية ظالمة باطلة يمكن ثبوتها لكثيرين.

منهم الطاغوت وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيٰاؤُهُمُ الطّٰاغُوتُ. يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمٰاتِ.

و الشيطان إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيٰاطِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ، فَقٰاتِلُوا أَوْلِيٰاءَ الشَّيْطٰانِ. إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطٰانِ كٰانَ ضَعِيفاً، إِنَّمٰا ذٰلِكُمُ الشَّيْطٰانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيٰاءَهُ.

و الكافرين يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا الْكٰافِرِينَ أَوْلِيٰاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ.