ما وراء الفقه - ج9

- السيد محمد الصدر المزيد...
392 /
5

الجزء التاسع

كتاب القضاء

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

فصل المدعي و المنكر

من أهم المهام في كتاب القضاء تعيين المدعي و المنكر. لأن الطريقة الدينية أو قل الإسلامية للمرافعة أو المحاكمة تتوقف عليه كما سيتضح في ما يلي.

من الواضح أن وجود اثنين متخاصمين ضروري الافتراض في القضاء، إذ لا معنى لوجود واحد فقط كما لا معنى لوجود أكثر من طرفين، نعم قد يكونون متعددين، و لكن ذلك لا يعني خروجهم عن هذا المعنى، فبعضهم لا محالة مدعي و بعضهم منكر و الآخرون قد يكونون من طرف أحدهما كما لو كان اثنان كلاهما مدعي و قد يكونون شهودا أو غير ذلك.

و الكلام في المدعي و المنكر يقع تارة في الموضوع يعني عن الكلام عن تعريفهما شرعا، و أخرى عن المحمول يعني عن حكمهما شرعا.

و الكلام عن الموضوع يقع في أمرين أساسيين:

أحدهما: في معنى المدعي و المنكر.

ثانيهما: في تعيين مرتبة هذا المعنى. و هل يلحظ ذلك في معرض الدعوى أو في أصل الدعوى. أو قل: يلاحظ في الدلالة المطابقية أو الأولية للدعوى. أو في الدلالة الالتزامية أو المعنى الثابت في المرتبة السابقة. كما سنوضح في محله.

8

فالكلام يقع في ما يلي في ثلاث جهات:

الأولى: في حكم المدعي و المنكر. و تقدم الحديث عن الحكم، باعتبار اختصاره النسبي.

الثانية: في معنى أو تعريف المدعي و المنكر.

الثالثة: في المرتبة الذي يتعين فيها هذا التعريف.

الجهة الأولى: في حكم المدعي و المنكر:

و أشهر خبر حول ذلك ما روي في الصحيح عن هشام بن الحكم (1) عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص) إنما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان. و بعضكم ألحن بحجته من بعض فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا، فإنما قطعت له به قطعة من النار.

و هذه الرواية تنص على استعمال البينات و الأيمان في القضاء، و لا تنص على المدعي و المنكر. و يعنيه النص الآتي.

و هو صحيحة جميل و هشام عن أبي عبد اللّه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه (2).

و هاتان الروايتان كافيتان في إثبات المطلوب لتكاملهما سندا و دلالة.

فالبينة على المدعي و اليمين على من ادعي عليه و هو المنكر باصطلاحهم.

و يقع الكلام هنا في عدة نواح:

الناحية الأولى: في معنى البينة:

البينة بالاصطلاح الفقهي، مأخوذة من الخبر الصحيح الذي سمعناه.

و يردا به شهادة رجلين عادلين في مصلحة المدعي.

____________

(1) الوسائل: كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى باب (2) حديث (1).

(2) المصدر: باب (2) حديث (1).

9

و الأصل فيها من الناحية اللغوية: البيان و هو الإظهار و الإيضاح. و الأمر البيّن هو الظاهر الواضح أو الموضّح. و البينة تأنيث البين. فيكون الأنسب به أن يكون وصفا للقضية التي يدعيها المدعي. فإن كانت بينة و واضحة أخذ الحكم على طريقها و إلا فلا. كل ما في الأمر أنها لا تكون واضحة شرعا إلا بشاهدين عادلين.

و أما وصف نفس الشاهدين العادلين بهذا اللفظ: البينة. فهو من وصف الشي‌ء بحال متعلقة، و لا يخلو من تسامح لغوي بكل تأكيد لأن كل واحد من الشاهدين (مبيّن) أي سبب للبيان و الإيضاح فيكون الشاهدان معا مبينين يعني موضّحين و مظهرين للأمر الذي يشهدان عليه. و بشهادتهما تكون القضية التي يدعيها المدعي: بينة، لا أن نفس الشاهدين هما بينة. و لأن هذا التسامح مما جرى عليه الفقهاء، من عصور قديمة و لو أسموها (مبيّنة) لكان رفعا لهذا التسامح و لو من باب أن الجمع قد يؤنث و أقل الجمع اثنان منطقيا على أن الشهود قد يزيدون على اثنين أحيانا.

و أما وصف الشاهدين بالعدالة، فقد تكلمنا عن هذه الصفة في كتاب الاجتهاد و التقليد من الجزء الأول من هذا الكتاب.

و قد يقال: إن لفظ البينة قد سمعناه من الأخبار الصحاح و ليس هو فقط مصطلح الفقهاء. إذن: فيكون هذا الإيراد الأخير إيرادا على السنة الصحيحة: كما هو إيراد على المصطلح الفقهي.

و جواب ذلك أنه من المؤكد فقهيا أن المصطلح الفقهي لا يراد به إلا ذلك: أعني الرجلين العادلين الشاهدين. و من هنا كان الإشكال واردا عليه لا محالة. و أما السنة الشريفة الصحيحة، فبالرغم من أن نفس اللفظ مستعمل فيه، و منه سرى إلى المصطلح الفقهي لا محالة. إلا أن المعنى، لا أقل من الناحية اللغوية يختلف في السنة عما هو في الاصطلاح. و قد سبق أن أشرنا في هذا الكتاب عدة مرات أنه لا يمكن حمل ألفاظ السنة على المعاني الفقهية الاصطلاحية المتأخرة عنها.

10

فمن الممكن أن نقول في الأخبار، و الاحتمال هنا مبطل للاستدلال، أعني لورود الإشكال السابق. نقول: إن البينة فيها ليست بمعنى الشاهد بل بمعنى القضية البينة و هي الواضحة. كل ما في الأمر: أن أوضح و أسهل طريق لتوضيح القضية و بيانها هو إقامة الشاهدين العادلين. و قد تحصل بطرق أخرى كالقرائن القطعية أو علم الحاكم إن قلنا بأنه يحكم بعلمه كما هو الصحيح كما سيأتي.

فيكون محصل المراد من الأخبار: أن على المدعي أن يبين و يوضح قضيته التي يدعيها. أما المنكر فليس عليه ذلك بل يمكن الاكتفاء منه باليمين.

و هذا هو المراد من (على) في كل من المدعي و المنكر يعني. أن من مسئوليته ذلك و في عهدته إن أراد إنجاح دعواه و الحكم في صالحه.

الناحية الثانية: في اشتراط العدالة في البينة القضائية:

و لعل ذلك من ضروريات الفقه في الإسلام و إجماع علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم، بحيث لا يحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك في مقام الاستدلال عليه، و إنما يقع الكلام في عدة أمور لإيضاح الأمر أمام القارئ اللبيب أكثر فأكثر:

الأمر الأول: في معنى العدالة و هو أمر قد بحثناه في الكتاب الفقهي الأول من كتابنا هذا و هو كتاب الاجتهاد و التقليد. و قد انتهينا هناك إلى أن معنى العدالة هو الاستقامة في إطاعة الشريعة. بمعنى الالتزام بالواجبات و ترك المحرمات بشكل لا ينافيها الإتيان ببعضها القليل أحيانا مع المبادرة العرفية إلى التوبة و الاستغفار.

الأمر الثاني: في الاستيناس ببعض الأخبار الدالة على اشتراط العدالة.

و هي دالة على اشتراط عدالة كل شاهد سواء كان في مقام القضاء أو غيره إلا أن مقام القضاء أولى بهذا الشرط لكون الأهمية الشرعية له أشد و أكبر.

11

فمن ذلك: صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور (1): قال: قلت لأبي عبد اللّه (ع): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم.

فقال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باحتساب الكبائر التي أعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك. إلى أن يقول: فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا. الحديث.

و رواية علقمة (2) قال: قال الصادق (عليه السلام)، و قد قلت له: يا ابن رسول اللّه أخبرني عمن تقبل شهادته و من لا تقبل. فقال: يا علقمة كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف للذنوب فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام). لأنهم المعصومون دون سائر الخلق. فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة، و إن كان في نفسه مذنبا و من اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية اللّه داخل في ولاية الشيطان.

و رواية عبد اللّه بن سنان (3) عن أبي عبد اللّه (ع): ثلاث من كن فيه أوجبت له أربعا على الناس: من إذا حدثهم لم يكذبهم و إذا وعدهم لم يخلفهم و إذا خالطهم لم يظلمهم. وجب أن يظهروا في الناس عدالته و تظهر فيهم مروّته و أن تحرم عليهم غيبته و أن تجب عليهم أخوته.

أقول: و هذه الأخبار و إن كانت لا تخلو من بعض المناقشات سندا أو دلالة لدى التدقيق فيها، إلا أن هذا ليس محال كرها، و يكفينا الآن:

التسالم و الإجماع على الحكم كما ذكرنا.

____________

(1) الوسائل: كتاب الشهادات باب 41 حديث (1).

(2) المصدر حديث 13.

(3) المصدر حديث 16.

12

و يوضح نفس المضمون بشكل أكبر الاطلاع على النصوص الواردة لرد من لا تقبل شهادتهم من الناس. لنطلع على الصفات الدنيئة التي تنفي قبول الشهادة و تنافيها، على حين تقارب بما يضادها من الصفات الحسنة التي تقبل معها الشهادة.

ففي معتبرة السكوني (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين (ع) كان لا يقبل شهادة فحاش و لا ذي مخزية في الدين.

و في صحيحة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر (ع) قال: كان أمير المؤمنين (ع) يقول لا آخذ بقول عرّاف و لا قائف و لا لص و لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه.

و في حديث آخر (3) قال: لا تجوز شهادة المريب و الخصم و دافع مغرم أو أجير أو شريك أو متهم أو تابع (بائع) و لا تقبل شهادة شارب الخمر و لا شهادة اللاعب بالشطرنج و النرد و لا شهادة المقامر.

إلى غير ذلك من الأخبار.

و ينبغي أن نلتفت هنا إلى أن بعض هذه الصفات. كالأجير و الشريك و الخصم إنما لا تقبل شهادة أصحابها بالرغم من أنهم قد يكونون عدولا من الناحية الشرعية، لأجل زيادة الاحتياط و التحرز في صحة قول الشاهد.

فالأجير: يود أن مستأجره ذو حال كثير ليدفع له أجرته. فقد يكون ذلك سببا نفسيا لشهادته في صالحه.

و الشريك: قد لا يكون مرتاحا من شريكه فهو يريد له الضرر من الناحية المالية، فلا تقبل شهادته عليه.

و الخصم، و هو المخالف للفرد في قضية معينة سواء كانت قضائية أم لم‌

____________

(1) المصدر باب 32 حديث (1).

(2) المصدر حديث 4/.

(3) المصدر حديث 7.

13

تكن. على ما سنشير، و هو عادة يريد الكيد بخصمه فلا تقبل منه الشهادة.

و ليس الخصم هو العدو كما ذهب إليه سيدنا الأستاذ.

فإن العدو من يكيد للشخص سواء كان طرفا مخالفا في قضية قضائية أو لا. و ليس الفهم العرفي من الخصم ذلك، جزما، بل العرف يفرق بينهما لا محالة.

و معه يكون بين العنوانين: الخصم و العدو. عموما و خصوصا من وجه.

يجتمعان في من يخالف في قضية و يكيد لصاحبه.

فيكون خصما و عدوا في نفس الوقت. و قد يكون خصما لا عدوا كالخصوم في أمور نظرية علمية أو في مورد قضائي خال من الكيد و الاعتداء. و قد يكون عدوا لا خصما كالذي يكيد بدون أن يكون طرفا في نزاع أو قضية معينة و إنما لمجرد الحسد أو الشهرة أو اللصوصية أو غير ذلك من المآرب الدنيئة.

الناحية الثالثة: في الدليل على اشتراط التعدد في البينة:

بمعنى أنه لا تقبل شهادة الواحد، و إنما اللازم كون الشهادة اثنين كحد أدنى، و لا مانع أن يكونوا أكثر من ذلك فالتحديد بالاثنين إنما هو لطرف القلة لا لطرف الكثرة.

و ينبغي هنا أن نلتفت إلى أن التعدد لا ينحصر باثنين، و إن كان هو الغالب، إلا أن بعض القضايا يحتاج في إثباتها إلى أربعة شهود عدول، و يشملها معنى العلاقة الجنسية المحرمة و هي الزنا و اللواط و المساحقة. فإن كان الشهود أقل من أربعة، لم يثبت المطلوب، نعم يمكن أن يكونوا أكثر.

و يدل على التعدد في الاثنين من القرآن الكريم قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهٰادَةُ بَيْنِكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (1).

____________

(1) المائدة: 5 آية 106.

14

و الوصية من الأمور المالية فشهادة الرجلين فيها مقبولة و الآية كما تدل على التعدد تدل على اشتراط العدالة. و بعد التجريد عن خصوصية المورد يمكن أن تكون دليلا على اشتراط العدالة في كل الشهود.

و يدل على التعدد في الأربعة من القرآن الكريم قوله تعالى لَوْ لٰا جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدٰاءِ فَأُولٰئِكَ عِنْدَ اللّٰهِ هُمُ الْكٰاذِبُونَ.

و موردها مورد الإفك المشهور. و الذي يقول عنه في آية سابقه إِنَّ الَّذِينَ جٰاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ (1)، و هو مورد احتمال الزنا، و الآية نص في نفي قبول ما هو أقل من الأربعة في مثل هذا المورد فَأُولٰئِكَ عِنْدَ اللّٰهِ هُمُ الْكٰاذِبُونَ يعني أن شهادتهم مردودة و ليست حجة، حتى و إن كانوا عدولا، حتى و إن كانوا اثنين أو ثلاثة. و بعد التجريد عن الخصوصية يمكن التعميم للحكم إلى كل مورد يصدق عليه عنوان الفاحشة و العلاقة الجنسية المحرمة كما قلنا.

و بعد أن دل الكتاب الكريم على مطلوبنا الآن و هو التعدد في البينة، لا حاجة معه للاستدلال بالسنة الشريفة لأنه تطويل هنا بلا طائل.

الناحية الرابعة: في إمكان التعويض على الشاهدين بأمور أخرى كعلم القاضي أو اطمئنانه.

و هذا التعويض صحيح فقهيا، و قد عممه المشهور إلى القضاء في حقوق اللّه و حقوق الناس معا، و هو الصحيح. و لا مجال هنا لتفاصيل الاستدلال.

و لكن نذكر بنحو النموذج بعض الوجوه الدالة على ذلك.

الوجه الأول: ما سيق في صحيحة جميل و هشام من أن البينة على المدعي و اليقين على المدعى عليه.

بأحد أساليب. منها:

الأسلوب الأول: إننا لم نفهم من البينة في النص معنى الشاهدين، لأن‌

____________

(1) النور 24 آية 13.

15

هذا اصطلاح فقهي متأخر، و إنما فهمنا معنى القضية البينة و هي الواضحة المدرك و الدليل، و هذا كما يتوفر في الشاهدين كذلك يتوفر في صورة العلم فإن القضية تكون به واضحة المدرك.

الأسلوب الثاني: إننا حتى لو فهمنا من البينة في الدليل معنى الشاهدين العادلين، إلا أن شهادة الشاهدين ظنية، و العلم دليل يقيني، فهو أولى بالصدق و الصحة من البينة، فيكون الدليل الدال على حجية البينة دالا على حجية العلم بطريق أولى.

الوجه الثاني: إن القاضي لو علم أن الحق بخلاف الدليل الذي يقيمه أحد المتخاصمين، كما لو كان على خلاف بينة المدعي أو على خلاف يمين المنكر، فما سيكون موقفه؟

فإنه إن عمل بالبينة لزم تطبيق ما يعلمه باطلا، و هو يؤدي إلى فسقه و محرم عليه ذلك، و إن لم يعمل به و لا بعلمه لزم إيقاف القضاء و الترافع أساسا فيتعين عليه العمل بما يعلمه من الحق و هو المطلوب.

الوجه الثالث: التمسك بإطلاق الأدلة الدالة على العقوبة: كوجوب قطع يد السارق و جلد الزاني و قتل القاتل و غير ذلك. فإنه كما يمكن إثبات كون الشخص سارقا أو قاتلا بالبينة كذلك نرى العلم ينتج نفس النتيجة. و يثبت به كون الفرد سارقا أو قاتلا أو غير ذلك.

و هذا على أية حال مما لا ينبغي الإشكال فيه. و إنما يمكن أن يقع الإشكال في بعض التفاصيل، كشموله معنى العلم للاطمئنان و تعويض العلم عن كل إشكال البينة. و الظاهر هو صحة ذلك في كلا هذين الأمرين.

أما تعويض العلم بالاطمئنان فواضح لأن الاطمئنان علم عرفي و يقوم بما يقوم به العلم عرفا. و هو الوجه في حجيته مطلقا، و يأتي فيه كل الوجوه السابقة في الأولوية عن حجية البينة و غيرها. كما هو غير خفي على القارئ اللبيب.

16

أما تعويض العلم عن كل أشكال البينات، فلأن العلم أقوى منها جميعا و يرد فيه جميع الاستدلالات السابقة، نعم تعويض الاطمئنان كعلم عرفي، كما قلنا عن البينة ذات الأربعة شهود، قد يقال إنه ليس بالأولوية بل بالمماثلة، و هذا يكفي، مضافا إلى صحة ورود الوجهين الثاني و الثالث فيهما، كما لا يخفى على فطنة القارئ اللبيب.

و نكتفي بهذا المقدار من الحديث عن حكم المدعي و المنكر. و هو الجهة الأولى.

الجهة الثانية: في معنى المدعي و المنكر.

و هي الجهة الأساسية التي عقدنا لها هذا الفصل:

و لا بد لنا أولا من ذكر الوجوه المحتملة و المذكورة في تعريفها ثم مناقشة ما لا يصح منها بمقدار ما يناسب مستوي هذا الكتاب، ثم اختيار ما هو الصحيح منها لنصير بعد ذلك إلى الجهة الأخرى و هي أن لحاظ المعنى هل هو في أصل القضية أو في ظاهرها، كما سوف تفسره في حينه.

و ما قيل و ما يمكن أن يقال في تفسير و تعريف المدعي و المنكر في عدة وجوه:

الوجه الأول: أن المدعي هو طرف الإثبات و المنكر هو طرف النفي أو الطرف النافي، و يقول آخر: إن المدعي من قال: نعم. و المنكر من قال:

لا.

و هذا الوجه استيحاء مباشر من لفظ المدعي و المنكر. إلا أنه سيظهر عن قريب أنه ساذج إلى درجة لا يكون قابلا لأن يكون قاعدة عامة. و إن كان الأغلب في المدعين و المنكرين هم على هذه الصفة.

الوجه الثاني: إن المدعي هو من يسميه العرف مدعيا و المنكر هو الذي يسميه العرف منكرا. لأننا دائما نفهم الأدلة الشرعية فهما عرفيا في الفقه.

و الأدلة الدالة على تسمية المدعي و المنكر و أحكامهما، لا ينبغي أن تخرج عن هذه القاعدة.

17

الوجه الثالث: إن المدعي هو الذي يترك لو ترك. أو يسكت عنه لو سكت هو عن الدعوى، لأن المدعي هو صاحب المصلحة الأساسي فيها فلو ترك الدعوى و أسقطها فإن صاحبه يسكت عنه و يترك الأمر لأن الاستمرار بها بالنسبة إليه في غير صالحه.

و المنكر مقابله و هو الذي لا يترك لو ترك. و ليس له حق التنازل عن الدعوى. و لو فعل لكان المدعي باقيا على رأسه يطالبه بالمال أو بالحق.

الوجه الرابع: إن المدعي هو الذي يقول أو يدعي شيئا على خلاف الأصل. و يراد بالأصل هنا إحدى القواعد الشرعية المثبتة للأحكام سواء التكليفية منها أو الوضعية. ما دامت الدعوى ممكنة و مسموعة.

و أمثلة القواعد الشرعية عديدة منها: قاعدة اليد المثبتة لملكية الشخص للمال الذي تحت يده و سلطته. و الاستصحاب كاستصحاب زوجية من شك في طلاقها و استصحاب ملكية ما شك في بيعه أو هبته. و سوق المسلمين الدال على حلية المأخوذ من تلك السوق و أصالة عدم التذكية الدالة على حرمة اللحم مع الشك في صحة التذكية. إلى غير ذلك من القواعد.

و معه يكون المدعي هو الشخص الذي يقول قولا ينافي إحدى هذه القواعد. لا لكونه عاصيا للشريعة بل لكونه مدعيا أن هذا الموضوع خارج عن هذه القاعدة. كما لو كان شخص ساكنا في دار، و كان مقتضى القاعدة اليد كونه مالكها، ثم ادعى شخص آخر أنه هو المالك لا الساكن.

فيكون هذا القول على خلاف قاعدة اليد الدالة على ملكية الساكن.

و يكون الساكن منكرا إذا حصل منه نفي ذلك الادعاء لأن قوله موافق مع الأصل أعني مع هذه القاعدة.

إذن فالمدعي هو الذي يخالف قوله الأصل و المنكر هو الذي يوافق قوله الأصل.

الوجه الخامس: إن المدعي هو الشخص الذي يقول شيئا خلاف الظاهر.

و هذا هو المراد مما يقال: إن المدعي يقول أمرا خفيا. يعني مخالفا للظاهر.

18

و يراد بالظاهر هنا: الظاهر العرفي أو الدنيوي، و المنكر هو الذي يوافق قوله ذلك الظاهر.

فلو كان شخص ظاهر الفقر، فادعى شخص آخر أنه غني يملك مالا خفيا، فهو مدعيا لما هو مخالف للظاهر. فإذا أنكر خصمه ذلك و ادعى أنه فقير حقا فقوله موافق للظاهر فيكون منكرا.

الوجه السادس: إن المدعي هو الشخص الذي يقول شيئا خلاف الظاهر الشرعي، لا الظاهر العرفي أو الدنيوي، كما قلنا في الوجه السابق.

و ظاهر عبارة الجواهر عده وجها في مقابل الوجوه السابقة. إلا أنه واضح البطلان لأن الظاهر الشرعي إنما يثبت بالقاعدة الشرعية أو الأصل الذي كان هو المحك في تعيين المدعي من المنكر في الوجه الرابع. إذن فقد رجع هذا الوجه إلى ذلك الوجه و ليس وجها مستقلا. إذن، فالوجوه المحتملة خمسة و ليست ستة.

و الإنصاف أن هذه الوجوه متطابقة في الأعم الأغلب من الدعاوي.

يكفينا المثال السابق فيمن سكن الدار و ادعى ملكيتها شخص آخر فإن الوجوه الخمسة كلها منطبقة عليه.

أما الوجه الأول: فلأن الشخص الآخر يثبت ملكيته للدار و ساكن الدار ينفيها فيكون منكرا.

و أما الوجه الثاني: فلأن العرف يوافق على أن هذا الشخص الآخر غير الساكن هو المدعي.

و أما الوجه الثالث: فلأن ساكن الدار لا يهتم بالمرافعة إلا بمقدار ما يجره إليها خصمه، فهو لو ترك ترك، بخلاف الخصم فإنه يريد إثبات ملكية الدار لنفسه فهو لا يترك المخاصمة لو تركه صاحبه و هو معنى كونه مدعيا و الآخر أعني ساكن الدار منكرا.

و أما الوجه الرابع: فلموافقة قول ساكن الدار لقاعدة اليد فيكون منكرا و مخالفة قول خصمه لهذه القاعدة فيكون مدعيا.

19

و أما الوجه الخامس: فلأن الظاهر أن الساكن هو المالك فيكون الآخر مخالفا قوله للظاهر فيكون مدعيا. فإن خاصمه الساكن و نفى ملكيته كان قوله موافقا للظاهر فيكون منكرا.

و أما الاستدلال على كل وجه من هذه الوجوه على حدة، بغض النظر عن غيره، فهو ضروري، حتى ما إذا صفا لنا أكثر من وجه وعدنا للمقارنة بينها في أمثلة معينة على ما سيأتي. و إن صفا لنا وجه واحد كان هو المتعيّن.

أما الوجه الأول و الثاني، فما ذكرناه من الاستدلال لهما خلال عرضهما كاف لهما على مستوي كتابنا هذا. و أما الوجه السادس فقد نفيناه، فينبغي الاستدلال على الوجوه الأخرى، الثالث و الرابع و الخامس.

و لم يرد بطبيعة الحال في الكتاب الكريم و السنة الشريفة ما يعين شيئا منها، و إنما لا بد في الاستدلال عليها من الانطلاق من زوايا أخرى.

و هناك مجموعة من الاستدلالات يمكن أن تصدق على كل واحد منها على حدة:

الدليل الأول: موافقة الوجه لمشهور الفقهاء فإن الفقيه إنما يأخذ بهذا الوجه أو ذاك لأجل موافقته للمشهور.

إلّا أن هذا الدليل لا يتم لإمكان نسبة أي من تلك الوجوه الثلاثة إلى المشهور، و هذا في نفسه غير ممكن لوضوح أن الوجوه الثلاثة لو كانت مأخوذا بها جميعا من قبل الفقهاء، لكان لكل وجه حصة معينة منهم هي الثلث لا أكثر، و هو لا يشكل مشهورا، و إنما يراد بالمشهور مقدار الثلثين أو الثلاثة أرباع من الفقهاء.

الدليل الثاني: الدليل العقلي، بأن يقال: إن الوجه المستدل عليه موافق لفطرة العقل، بحيث يحدس العقل حدسا قطعيا بصحته، فيكون هذا القطع حجة لإثباته.

20

و هذا الدليل أوضح من الوجه الثالث منه في غيره، حيث يحدس العقل: أن من لا يترك المخاصمة لو تركها الآخر هو المدعي، و الآخر المنكر.

غير أن هذا الدليل غير واضح الانطباق على الوجهين الآخرين: الرابع و الخامس. و إنما يحتاج تطبيقه إلى تعمل، و مع التعمل يرتفع الحدس القطعي الذي أشرنا إليه.

على أن انتساب هذا الإدراك، حتى في الوجه الثالث إلى العقل محل تأمل. فقد يقال: إن هذا الحدس غير ناشئ من العقل بأصل وجوده المنطقي أو الفلسفي- لو صح التعبير- و إنما هو ناشئ من مناسبات نفسية و اجتماعية. و لا يمت إلى العقل بصلة.

و يكفي لذلك أن نلتفت: أن المدعي إنما لا يترك القضية و المرافعة و يصر عليها إذا كان مصرا على الحصول على الحكم لصالحه. و إنما يكون كذلك إذا كان طامعا في مال أو امرأة أو دفع ضرر و نحو ذلك.

و أما إذا كان له درجة من الزهد في الدنيا و الإعراض عنها، فإنه لا يهتم بالاستمرار بالقضية. و يرتفع ذلك الجانب النفسي الذي انبثق منه ذلك الوجه. الأمر الذي يدلنا على أنه ليس عقليا بل نفسيا.

فاليقين إنما هو متعلق بأن أحد الشخصين المتخاصمين يترك القضية لو تركها صاحبه. و أما أن صاحبه سوف يصر عليها بدوره و لا يستغني عنها، فلا دليل عليه.

على أن هذا اليقين أيضا قد يرتفع حين نأتي إلى الوجوه التي ذكروها للفرق بين تلك التعاريف و أن هناك من الموارد لا يكون فيها المنكر تاركا للقضية و إن تركها المدعي. كما سيأتي.

الدليل الثالث: الدليل العرفي. و أن هذا الوجه الذي يراد الاستدلال عليه موافق للفهم العرفي، و أن العرف يفهم المدعي و المنكر طبقا له.

إلا أنه يمكن الإيراد على هذا الدليل من وجهين‌

21

الوجه الأول: أن الوجه الثاني من الوجوه الخمسة أو الستة في تعريف المدعي و المنكر، كان هو الفهم العرفي لهما.

فإن وافق أحد هذه الوجوه التي نتكلم عنها الفهم العرفي كان ذلك الوجه راجعا إليه، يعني كان التعريفان تعريفا واحدا و ليس اثنان.

و جوابه: أن هذا أمر غير مضر، بل يمكن الاعتراف به، فإن للفهم العرفي تحليلا في ارتكاز العقلاء، و هذا التحليل لا بد أنه راجع إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة.

الوجه الثاني: إن الفهم العرفي لا بد أن يكون مبتنيا على أحد تلك التعاريف الثلاثة و ليس على جميعها، فقد يقال: إنه إن ابتنى على الجميع كان ذلك تهافتا في الفهم، و إن ابتنى على واحد معين، فهو غير معين، بل مردد بين الثلاثة، فلا نرجع إلى نتيجة محددة.

و جواب ذلك: أننا لو وجدنا بين تلك الوجوه تهافتا و تغايرا، كان هذا الإشكال واردا. و لكننا سنفحص الفروق بينها و نجد أنها جميعا ترجع إلى معنى واحد، نستطيع أن نعبر به بأي واحد من تلك التعاريف، و سنختار الأولى منها، و سيكون هو الأساس في الفهم و الارتكاز العرفي، و بذلك سيكون الفهم العرفي دليلا على صحته لا محالة.

فما هي تلك الفروق:

هي عبارة عن بعض إشكال الدعاوي التي لا يكون انطباق تلك التعاريف عليها على حد واحد. بل سيكون أحد المتخاصمين طبقا لهذا التعريف مدعيا و هو نفسه سيكون منكرا طبقا لتعريف آخر.

أما الفرق بين التعريفين: الثالث و الرابع فقد يقال بوجوده كما في جواهر الكلام في دعوى الإعسار و الوفاء ورد المغصوب و الوديعة و نحوهما مما لا يترك عن المطالبة بالحق لو ترك الدعوى بذلك.

و إيضاحه في المثال الأول: أن شخصا مطلوبا للآخر بدين مقداره مئة‌

22

دينار مثلا. فطالبه في وقت استحقاقه فادعى الإعسار أي الفقر. يعني أنه كان غنيا حال الاقتراض و أصبح فقيرا حين وقت الأداء. و الفقير لا يجوز مطالبته بالدين، بل يجب الصبر عليه بنص القرآن الكريم حتى يحصل له المال الكافي، قال اللّه سبحانه و تعالى وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ.

فلو طبقنا الوجه الرابع و هو مخالفة الأصل. لكان الأصل هو استصحاب بقاء الغنى و الثروة. فيكون قول المدين مخالفا للأصل فيكون مدعيا و يكون قول الدائن موافقا له فيكون منكرا.

و لو طبقنا الوجه الثالث: نرى أن الدائن سيريد دينه على أي حال و لا يترك الدعوى لو تركها الآخر. فيكون الدائن مدعيا، و أما المدين فخير له ترك الدعوى و الإعراض عن الدين فيكون تاركا لو تركه الآخر. فيكون المدين منكرا. طبقا لهذا التعريف.

إلا أن هذا الفرق ليس بصحيح، لأن المخاصمة ليست عن أصل الدين و قد تسالم الخصمان عليه. و لا على وجوب رده و حلول وقته. و إنما الدعوى على الإعسار فقط. فالمدين يثبته لنفسه و الدائن ينفيه.

و من هذه الزاوية كما يكون المدين مدعيا طبقا للوجه الرابع لأن قوله مخالف للأصل كذلك يكون مدعيا طبقا للوجه الثالث بعد إسقاط مسألة الاهتمام بنفس الدين عن هذه الدعوى كما قلنا. فإنه سيبقى مصرا على وجود فقره و صحة قوله.

و أما لو تركه الدائن بإهماله أكثر في الزمان أو بإبراء ذمته من الدين أصلا. فإن الدعوى تنحل لأنها متفرعة عليها. إلا أنّ هذه جهة غير المسألة المعروضة للترافع كما قلنا. و مجرد انحلال الدعوى لتوقفها عليها لا يعني انطباق الوجه الثالث، بطبيعة الحال، كما يظهر للمتأمل.

و أما الفرق بين التعريفين الثالث و الخامس، فيظهر في نفس المثال إذا‌

23

كان المدين يمارس فعلا، يعني حال إقامة الدعوى حياة الفقر لا حياة الغنى فيكون طبقا للتعريف الثالث مدعيا لمخالفة الأصل و يكون منكرا طبقا للتعريف الخامس لموافقته للظاهر. حيث يظهر عليه الفقر و هو يدعيه أيضا و يكون غريمه مدعيا.

إلا أن الصحيح هو بطلان للتعريف الخامس أساسا لأن الأعم الأغلب من حالات الظاهر يمكن أن تكون اختيارية. فحسب الفرد إذا أراد كسب نتيجة الدعوى لصالحه أن يجعل الظاهر بشكل معين باختياره ليتحول من مدع إلى منكر أو بالعكس، فلا يطالبه القاضي بالبينة التي لا بد منها إن كان مدعيا بل يقتصر على اليمين.

و إذا كان الأمر يعود الى الاختيار، و لو احتمالا كان البناء عليه فقهيا مخالفا لقواعد العدل العقلية فيكون باطلا. و لعل إيضاحا آخر عن ذلك سوف يأتي بعون اللّه سبحانه.

و أما الفرق بين التعريفين الرابع و الخامس، فيبدو أيضا في نفس المثال من حيث أن الأصل هو بقاؤه على الغنى، كما أوضحنا فيكون قوله بادعاء الفقر مخالفا للأصل، فيكون مدعيا، على حين يكون قوله موافقا للظاهر، لأنه يعيش حياة الفقراء كما سبق، فيكون منكرا، و صاحبه مدعيا.

و لكننا بعد أن أسقطنا الوجه الخامس من الحجية، بقيام الدليل على بطلانه، لا يبقى لهذا الفرق من أهمية. و أما الوجهين أو التعريفين الثالث و الرابع، فهما متساوقان في الإثبات و ليس بينهما خلاف أو فروق، و ما ادعاه عدد من الفقهاء من الفروق قابل للمناقشة بعوده إلى أحد أمور منها:

أولا: إنه إدخال لأمر زائد على الدعوى في المسألة، كما رأينا في المثال السابق.

ثانيا: إنه من باب التداعي، حيث يمكن أن يكون كلا المتخاصمين مدعيا و منكرا في نفس الوقت في ضمن قضيتين متداخلتين، و لعلنا نتعرض لذلك في المستقبل.

24

ثالثا: إنه من باب النظر إلى لازم الدعوى أو ملزومها و ليس إلى مدلولها المطابقي، و الصحيح هو الثاني، كما سنوضحه في الجهة الآتية.

و لا يبقى بعد هذه الاحتمالات فرق حقيقي بين الوجهين الثالث و الرابع.

و إذا كان هذان الوجهان متساوقين، فلا شك أن الأولى بالأخذ به هو الرابع دون الثالث، أعني تعيين أن يكون المدار هو المخالفة للأصل لابتنائه دائما على أصل شرعي محدد جاري في مورد الدعوى. في حين أن مجرد كونه يترك لو ترك، معنى مطاط و قابل للزيادة و النقيصة و تابع للحالة النفسية كما عرفنا، فيكون العمل عليه متعذرا إلا من زاوية مجرد انطباقه على الوجه الرابع.

و إذا تم لنا ذلك أمكن القول بأننا لا نعني من الوجهين الأولين إلا ذلك.

و ذلك: أن المدعي هو المثبت دائما و المخالف قوله الأصل دائما، يعني أنه يثبت في قوله ما يخالف الأصل، فيكون الوجه الأول موافق مع هذا الوجه. و لا يعودان مختلفين.

و كذلك المعرف، أعني في الوجه أو التعريف الثاني، فإنه دائما يوافق على أن هذا مدعي، يعني يخالف قوله الأصل، و ذلك منكر، و هو من يوافقه.

و لا يبقى هنا إلا سؤال مع محاولة جوابه.

و هو أن تحميل العرف فهم القواعد الشرعية بحيث يستنتج أن من يوافقها يكون منكرا و أن من يخالفها يكون مدعيا، إنما هو أمر فوق طاقة العرف، و لا يفهم ذلك إلا ذوي الاختصاص.

بخلاف البناء على الظاهر أعني الوجه أو التعريف الخامس، فإن ما هو ظاهر مفهوم للعرف، و إذا كان مفهوما له أمكن ابتناء تعيين المدعي و المنكر عليه. و هذا هو الأمر الذي وعدنا بإيضاحه عن الوجه الخامس قبل قليل.

25

و جواب ذلك يكون من عدة وجوه نذكر أهمها:

أولا: إننا في الوجه أو التعريف الثاني لا ندعي أن العرف بفهم القواعد الشرعية و يطبق عليها تعيين المدعي من المنكر. بل نقول: إن العرف حين يعين المدعي و المنكر على سذاجته، فإنه يصادف دائما انطباقه مع الوجه الرابع، و هو تطبيق التعيين على القواعد الشرعية. و هذا لمجرد المصادفة، و هو حدس وجداني للباحث لا أكثر.

و يزداد ذلك إثباتا، فيما إذا تحدينا المستدل الآخر بإيجاد وجه للفرق بين التعريفين الثاني و الرابع.

ثانيا: إننا هنا في مسألة تعيين المدعي من المنكر، لا نتحدث عن عرف ساذج جدا، لأن هذا المستوي من السذاجة، كما لا يناسب مع فهم بعض القواعد الشرعية لا يناسب أيضا مع فهم فكرة المدعي و فكرة المنكر أساسا.

إذن، فالعرف الذي يفهم معنى المدعي و المنكر يمكن تكليفه بفهم المهم من القواعد الشرعية، و لا يكون ذلك تحميلا شديدا عليه.

ثالثا: لا يبعد القول بأن المرتكز عرفا في الذهن هو كون المدعي من يخالف قوله الأصل. بمعنى الأصل العرفي لا الأصل الشرعي. و المنكر من يوافقه.

غير أننا من زاوية شرعية أن وجدنا أن الشريعة قد اعترفت بالأصل العرفي، فقد أصبح الأصل العرفي أصلا شرعيا كقاعدة اليد، و أصالة الصحة، و اعتراف العقلاء على أنفسهم جائز و غير ذلك كثير، و إن لم تعترف الشريعة بالأصل العرفي، بل وضعت من قبلها أصلا آخر. أمكن العمل على القاعدة العرفية ككبرى مع تطبيقها صغرويا على الشريعة.

أعني أن المدعي- ككبرى عرفية- هو من يخالف قوله الأصل إلا أن الأصل العرفي حيث أنه ملغى شرعا، كما افترضنا، إذن يحل محله الأصيل الشرعي كصغرى و كتطبيق لتلك القاعدة العامة.

26

و بتعبير آخر: إن الشريعة حين ألغت ذلك الفهم العرفي و أبدلته بقاعدة شرعية، كان اللازم و هو المفهوم شرعا أيضا، وجوب العمل على القاعدة الشرعية على كل المستويات، حتى في تعيين المدعي من المنكر. فيكون ذلك مفهوما من الأمر الشرعي بالقاعدة نفسها. أو من أجل التمسك بإطلاقها اللفظي أو المقامي.

غير أن الذي يهون الخطب أن أغلب القواعد العرفية ممضاة شرعا في المعاملات و لا يوجد إلا النادر مما هو ملغى في الشريعة من القواعد العرفية.

و يدعم ذلك أعني الأخذ بالقواعد الشرعية دون العرفية، كون الشرعية أكثر بكثير و مستوعبة لكل مناحي الحياة في المعاملات و غيرها. على حين نرى أن القواعد العامة العرفية قليلة.

و من هنا قد تصادف قضية ليس فيها قاعدة عرفية، فلا مورد فيها عرفا لتعيين المدعي من المنكر، إلا أنها لا تخلو لا محالة من قاعدة شرعية.

و أما مسألة أخذ العرف بالظاهر و أنه أوضح لديه من القواعد الشرعية.

الأمر الذي يستوجب الأخذ بالتعريف الخامس دون الثالث.

فجوابه: أن الظاهر و إن كان أوضح لدى العرف من غيره بطبيعة الحال، إلا أن هذا لا يعني جعله المحك و المعيار في تعيين المدعي من المنكر، و إنما قد يستفاد من ذلك في ميادين أخرى.

و العرف الذي يلتفت إلى معنى المدعي و المنكر، و يكون له مثل هذه الدقة، يمكنه التعرف على ما قلناه من أن الظاهر يمكن أن يكون اختياريا مفتعلا، و ليس حقيقيا، فلا يمكن جعله محكا لتعيين المدعي من المنكر.

إذن، فالمتعيّن هو الأخذ بالتعريف الرابع: و هو أن المدعي من خالف قوله الأصل و المنكر من وافقه. و الدليل عليه هو موافقته للفهم العرفي كما أوضحنا.

27

الجهة الثالثة [المهم في ملاحظة الأصل الجاري الذي يخالفه المدعي و يوافقه المنكر، هل هو الأصل الجاري في مطرح الدعوى أو دلالتها المطابقية، أو هو الأصل الجاري في أصل الدعوى أو دلالتها الالتزامية]

من الحديث في هذا الفصل، ما لخصنا عنوانه في أول الفصل من أن المهم في ملاحظة الأصل الجاري الذي يخالفه المدعي و يوافقه المنكر، هل هو الأصل الجاري في مطرح الدعوى أو دلالتها المطابقية، أو هو الأصل الجاري في أصل الدعوى أو دلالتها الالتزامية، أو بتعبير آخر:

في لوازمها و ملزوماتها أو قل: في أسبابها و نتائجها.

و يتضح ذلك في المثال: كما في رجل و امرأة تزوجا بعقد مشكوك الصحة. فأقامت الزوجة عليه الدعوة بالنفقة.

فحين ملاحظة فحوى الدعوى و نصها الذي هو النفقة، يكون الأصل الجاري هنا: أصالة براءة ذمة الزوج من النفقة، و هو موافق لقول الزوج و مخالف لقول الزوجة. فتكون الزوجة مدعية و الزوج منكرا.

ولدي ملاحظة سبب الدعوى أو الأصل الجاري في موضوعها، و هو صحة عقد النكاح، لأن سبب النفقة إنما تجب في نتيجة العقد الصحيح لا العقد الباطل، فلدى ملاحظة الأصل الجاري فيه، يكون هو أصالة صحة العقد، و هو موافق مع قول الزوجة فتكون منكرة و مخالف لقول الزوج فيكون مدعيا.

و من هذا المثال و أشباهه يتضح أهمية هذه الفكرة فقهيا، لأنها تتوقف عليها مسألة تعيين المدعي من المنكر، من المتخاصمين لأجل تطبيق قواعد القضاء الشرعي الصحيح عليهما.

و لم يرد في الكتاب و السنة ما يوضح لنا ذلك بشكله الكامل. و من هنا كان لا بد من الاعتماد على وجوه أخرى غير النصوص.

و الصحيح، كما أشرنا فيما سبق، هو أن المدار في تعيين المدعي و المنكر هو نص الدعوى و دلالتها المطابقية، بغض النظر عن أسبابها و مسبباتها و ذلك لعدة وجوه:

الوجه الأول: أن جميع ما هو وارد في السنة المعتبرة من المرافعات، إنما‌

28

هو ما ذكرناه، دون العكس، فلو كان العكس صحيحا لورد كله طبقا له، و لا يحتمل ورود كلا الشكلين، لانحصار الحق في أحدهما، و لا يحتمل صحتها معا شرعا.

الوجه الثاني: أن الدلالة المطابقية للدعوى، هي الملتفت إليها من قبل المتخاصمين، و أما الدلالات الأخرى فهي مغفول عنها عادة لا يلتفت إليها إلا الفقهاء المختصون، و من هنا كان اللازم العمل على ما هو ملتفت إليه دون غيره.

نعم، إذا التفتنا إليه من قبل أنفسهما أو غيرهما، فقد يمكن تغيير مطرح الدعوى و دلالتها المطابقية أساسا، ففي المثال* * * سيكون الخلاف بين الزوجين في صحة العقد لا في استحقاق النفقة. و هذا معناه إلغاء الدعوى الأولى و إقامة دعوى أخرى، و لا بأس بتغيير صفة المدعي و المنكر منهما عندئذ.

و أما مع التحفظ على مرتبة الدعوى و دلالتها، فلا معنى للأخذ بالأصل الجاري في مرتبة سابقه، من أجل تعيين المدعي و المنكر في المرتبة اللاحقة، بل لا بد من لحاظ كل مرتبة في نفسها. و ذاك الأصل و إن كان مؤثرا في هذه المرتبة، إلا أنه مخالف لمضمون الدعوى و دلالتها، فيكون الأخذ به انعكاسا للمجرى الطبيعي و الحقيقي للدعوى.

الوجه الثالث: إن العرف الذي أخذنا منه تعيين معنى المدعي و المنكر، نستطيع أن نأخذ منه المعنى الذي نبحث عنه. و قد قلنا إننا الآن نتحدث عن عرف غير ساذج، بل هو لا بد و أن يكون ملتفتا إلى مثل هذه التدقيقات.

و لا شك أن العرف مع التفاته إلى ذلك موافق على تطبيق المدعي و المنكر على الأصل الجاري في نص الدعوى المباشر و دلالتها المطابقية لا الجاري في أسبابها. و هذا حدس عرفي يحصل منه الاطمئنان فيكون حجة.

29

الوجه الرابع: ذهاب مشهور الفقهاء إلى ذلك، أعني الاعتماد على الأصل الجاري في الدلالة المطابقية للدعوى. و يكون القول الآخر مخالفا للمشهور، و إن قال به عدد من الفقهاء. فإذا قلنا بأن الشهرة الفتوائية حجة في إثبات مدلولها، كانت هنا حجة كافية. إلا أن الصحيح هو عدم حجيتها على أي حال، مضافا إلى أن المسألة من المسائل المتأخرة نسبيا.

و الشهرة إن كانت حجة فهي الشهرة بين المتقدمين منهم، و لم يثبت إثارة هذه المسألة في ذلك الحين أصلا فلا يكون هذا الوجه صحيحا.

و إنما الاعتماد في إثبات المدعى الفقهي هنا يكون على أحد الوجوه الثلاثة السابقة.

تفاصيل أخرى:

عرفنا ما ثبت بالأخبار الصحيحة، بل لعله ثابت بضرورة الدين من أن البينة على المدعي و اليمين على المنكر أو المدعى عليه.

إلا أن هذا ليس دائما، بل هو ثابت في أول طرح الدعوى أو الترافع و في غير الدماء، فهنا أمران:

الأمر الأول: إن هذا ثابت في أول طرح الدعوى فإذا جاء الخصمان إلى القاضي، و عين هو المدعي منهما من المنكر، كان على المدعي جلب البينة، إن كانت الدعوى في غير الدماء، فإن جلبها تم الحكم له و انتهت المرافعة.

و إن لم يكن للمدعي بينة، كان على المنكر اليمين بطلب من المدعي.

و هي اليمين التي عرفناها فيما سبق و تحدثنا عنها في كتاب الأيمان، فإن حلف المنكر على قوله سقط حق المدعي ظاهرا و حكم القاضي في صالح المنكر.

و أما إذا امتنع المنكر من اليمين، و هذا ما يسمى بالنكول، فمن الفقهاء من يحكم بالنكول يعني يحكم لصالح المدعي ما دام المنكر قد نكل عن‌

30

اليمين، و ليس بمعتمد، بل تبقى القضية موقوفة لأنها بدون بينة و لا يمين و لا يمكن البت فيها. و هذا راجع إلى اختيار الطرفين المتخاصمين لا إلى عجز القاضي.

نعم، للمنكر أن يرد اليمين على المدعي الذي لم يكن لديه بينة، ليطالبه بالقسم على مدعاه، فإن أقسم ثبت مدعاه ظاهرا و حكم له القاضي. و إن نكل عن اليمين سقط حقه لأنه هو صاحب الحق، و إن ترك ترك، و نكوله ترك لمدعاه لا محالة.

و هل تصدق البينة إن أقامها المنكر، كما ذهب إليه سيدنا الأستاذ (1) و استدل عليه ببعض الروايات. أولا تصدق عليه بعض الروايات الأخرى، كما أنه هو معنى اختصاص المنكر باليمين في الأخبار الصحاح، الحق هو الثاني و هو عدم قبول البينة من المنكر، و الأخبار الدالة على القبول واردة مورد التداعي.

و ذلك: أن القضية التي عليها الترافع قد تنحل إلى قضيتين متعاكستين، و تكون كل قضية منهما نافية للأخرى، و يكون تبعا لذلك: الأصل الجاري في إحداهما معاكسا للأصل الجاري في الأخرى.

و من ثم يكون تعيين المدعي من المنكر متعاكسا فيهما أيضا.

فيكون هذا مدعيا في هذه القضية منكرا في الأخرى و الآخر بالعكس، فيكون كلا منهما مدعيا و منكرا في مرافعة واحدة، و السر في ذلك كما أشرنا انحلال القضية الواحدة إلى قضيتين.

و من هنا أمكن لكل منهما إقامة البينة و تقبل منه. كما ورد في الأخبار المشار إليها. كما يمكن لكل منهما اليمين مع عدم البينة لدى صاحبه.

و من ذلك الخلاف بين اثنين في مال يكون تحت يد كليهما: أو لا يكون تحت يد أي منهما، فإن قاعدة اليد في الأول جارية لهما معا، و أصالة‌

____________

(1) حباني تكملة المنهاج ج 1 ص 45.

31

عدم الملكية في الثاني جارية لهما معا أيضا. لأي واحد منهما يثبت الملكية لنفسه و ينفيها عن صاحبه، فيكون بهذا الأساس مدعيا و الآخر منكرا، و لا حاجة إلى الدخول في هذه التفاصيل أكثر من ذلك.

الأمر الثاني: إن الدعوى في الدماء بعكس سائر الدعاوي من جهة البينة و اليمين، فإن البينة فيها على المنكر و اليمين على المدعي، كم نصت على ذلك الأخبار الصحيحة الصريحة.

منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن اللّه حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم. حكم في أموالكم أنّ البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه. و حكم في دمائكم أن البينة على المدعى عليه و اليمين على من ادعى. لئلا يبطل دم امرئ مسلم (1).

و غيرها من الأخبار.

و يحسن أن نتحدث عن مضمون هذه الرواية بعدة أمور:

الأمر الأول: أنها صالحة للتخصيص للعموم الدال على أن البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر. تخصيصه بغير الدماء و تقديم الخاص على العام أمر صحيح، و على القاعدة كما ثبت في علم الأصول.

الأمر الثاني: إنها تنص على أن البينة على المدعي و اليمين على المنكر في الأموال خاصة. فإذا لم تكن القضية لا من الأموال و لا من الدماء فما ذا نفعل؟

و جوابه: إننا نتمسك عندئذ بإطلاق الدليل الدال على أن البينة على المدعي و اليمين على المنكر. و هذه الرواية لا تدل على خلافه إلا بشكل من أشكال مفهوم الوصف الذي لا نقول به، و ذكر الأموال فيها يمكن حمله على الغالب في المرافعات.

الأمر الثالث: إن هذه الرواية تنص على العلة التي من أجلها تحوّل‌

____________

(1) الوسائل كتاب القصاص. أبواب دعوى القتل و ما يثبت به باب 9 حديث 4.

32

الحكم في المدعي و المنكر عن القاعدة العامة، فأصبح اليمين على المدعي و البينة على المنكر. و هو قوله (عليه السلام): لئلا يبطل دم امرئ مسلم.

و هذا معناه: أن الأمر لو بقي في الدماء كغيره، بحيث تكون البينة على المدعي و اليمين على المنكر لبطل دم كثير من القتلى المسلمين و لذهبت هدرا. و لم يمكن إثبات القاتل.

و هذا واضح لأن حوادث القتل في الأعم الأغلب مبنية على الكتمان، بمعنى أن شخصا لا يقتل شخصا آخر بين جماعة مشاهدين له، بل ينعزل به في مكان خال كبستان أو صحراء أو غرفة و يقتله فيها حيث لا يراه أحد. و هذا ثابت لا محالة في نسبة عالية من حوادث القتل.

فإذا جاء ولي الدم، و قد يكون هو الولد الأكبر للمقتول، مطالبا بدم أبيه، و كان على المدعي إقامة البينة كما في سائر الموارد، إذن فسوف يعجز الولد عن إقامة البينة في أغلب موارد القتل لعدم وجود الناس المشاهدين مع القاتل و المقتول. و من هنا سيذهب دم هذا القتيل هدرا، بدون الانتقام من قاتله و القصاص منه.

و أما لو كان العكس، في خصوص الدماء فالولد المدعي بأن هذا قتل أباه، عليه اليمين، و سيأتي أسلوب اليمين التي يثبت بها القتل في كتاب الشهادات إن شاء اللّه تعالى.

و إجمالي الفكرة: أنه يستطيع أن يقيم (قسامة) و هي خمسون يمينا على أن هذا قتل هذا. فإذا تمت القسامة استطاع ولي الدم أخذ الحكم في صالحه، على تفاصيل سيأتي الحديث عنها مفصلا إن شاء اللّه تعالى.

الأمر الرابع: من الحديث عن هذه الرواية.

إن هذا الأسلوب المشار إليه في الرواية خاص بالدماء، و هو القتل، و غير شامل للجراحات و سائر أنواع الاعتداء.

و يمكن استفادة ذلك، بعد تسليم وضوحه فقهيا، بأحد أسلوبين‌

33

الأسلوب الأول: إن الظاهر عرفا من لفظ (الدماء) هو القتل و ليس هو الجرح و إن سال منه الدم. و هذا وجداني و عليه أمثلة عديدة في اللغة و العرف، مما لا حاجة إلى سرده.

الأسلوب الثاني: أننا لو تنزلنا عما قلناه في الأسلوب الأول و احتملنا عموم معنى الدماء للقتل و الجروح معا. فسوف نشك بعموم انعكاس الوظيفة بين المدعي و المنكر للجراحات و عدمه.

و قد عرفنا فيما سبق أن الدليل الدال على أن البينة على المدعي و اليمين على المنكر له عموم و شمول كاف لكل القضايا إطلاقا، ما لم يخرج شي‌ء منها بدليل. و القدر المتيقن مما خرج بالدليل هو الدماء، و تبقى الجراحات داخلة تحت عموم العام. فتكون البينة فيها على المدعي، كما في سائر الموارد.

و بتعبير آخر: إن المخصص الدال على انعكاس الوظيفة بين المدعي و المنكر، مجمل دائر أمره بين الأقل و الأكثر، يعني خصوص الدماء و هو القتل، أو ما يشمل القتل و الجراحات.

و الصحيح في علم الأصول أنه في مورد المخصص المجمل يكون العام حجة دون المخصص، في الزائد على القدر المتيقن، يعني: سيكون المطلوب في الجراحات إقامة البينة من المدعي دون العكس.

و علينا أن نلتفت أن افتراض كون المخصص مجملا ناشئا عن التنزل عن الأسلوب الأول الذي قلناه و إلا فذاك الأسلوب صحيح فلا يكون المخصص مجملا، بل هو خاص بالدماء و هو القتل رأسا و لا يشمل الجراحات.

و لا حاجة إلى الدخول في أكثر من التفاصيل.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

فصل ولاية الفقيه

و هذا مبحث مهم نظريا في الفقه و عمليا في الحياة. من حيث أنه يعطي الصلاحية، إن تمت و صحت، للفقيه الجامع للشرائط في أن يتصرف في المجتمع تصرف الحاكم في محكوميه. فإن كان قد اعتزل عن ذلك فإنما ذلك من أجل ظروف معينة عامة أو خاصة. و إلا فمقتضى القاعدة ثبوت ذلك له.

و قد قال بعموم الولاية عدد قليل من العلماء كالمحقق الكركي و بعض أساتذتنا و كتب عن ذلك جماعة من العلماء المتوسطين و المتأخرين و من أشهر من كتب، الشيخ الأنصاري في (المكاسب) و السيد محمد بحر العلوم في (بلغة الفقيه). و لم ير هذان المؤلفان عموم الولاية بعد تحقيقهم لأدلتها.

فمن هو الفقيه. و ما هي ولايته؟

أما الفقيه، فقد تم الحديث عنه في مبحث (الاجتهاد) في كتاب (الاجتهاد و التقليد) من هذا الكتاب. و تم الاستنتاج هناك على أنه هو الفقيه العارف، كما يعبر عنه في الأخبار أو هو الفقيه الجامع للشرائط كما هو المعبر عنه في لغة الفقهاء. و يريدون بها شرائط جواز التقليد التي هي الإسلام و الإيمان و الحياة و الذكورة و البلوغ و الحرية و الاجتهاد و الأعلمية، على تفصيل ليس هنا محله. و إنما ينبغي لنا هنا أن نأخذ معنى الفقيه مسلما و نتحدث عن ولايته.

36

و أما معنى الولاية فيتم إيضاحه بالإشارة إلى أن الأعمال الموكولة شرعا إلى الفرد قد تكون منقسمة إلى قسمين:

القسم الأول: ما كان مرتبطا بشخصه و عائلته كالصلوات اليومية و وجوب النفقة و وجوب طاعة الوالدين و نحو ذلك.

القسم الثاني: الأحكام التي ترتبط بالفرد خارجا عن نفسه و عائلته.

و هذا على نحوين:

النحو الأول: ما يكون للآخرين فعل مقابل لفعل الشخص و تكون الفعالية مشتركة بينهما كالبالغ و المشتري و المؤجر و المستأجر و ما إليهم.

النحو الثاني: ما لا يكون للآخرين أية فاعلية إلا من حيث الامتثال لأمر الآمر، من حيث وجوب طاعته و تطبيق أمره، و عدم جواز عصيانه و مناقشته، و هذا هو المقصود بالولاية إجمالا. على أن نفهم العموم للأحكام التكليفية و الوضعية الصادرة عن الولي. على إيضاح سيتم تدريجيا من خلال هذا الفصل.

و الولاية ليست خاصة بالفقيه، بل هي ثابتة إجمالا لأشخاص عديدين داخلين تحت عناوين متعددة، كولاية الأب على ابنه و الزوج على زوجته و المولى على عبده و الوصي على الموصى عليه. إلى غير ذلك. إلا أن هذه كلها غير مرتبطة بالفقيه كما هو ظاهر، و غير واسعة لكل الناس بل محدودة بين شخصين أو نحو ذلك. و هي خارجة عن محل حديثنا الآن، لأننا سنكرسه عن ولاية الفقيه بالخصوص.

و قد وجد المؤلفان المشار إليهما فيما سبق، الأنصاري و بحر العلوم حاجة إلى التعرض أولا إلى مقدار ولاية الأنبياء و المعصومين (عليهم السلام) جميعا و سرد الأدلة على ذلك، و أنها هل هي ولاية عامة لكل الأمور أو خاصة ببعضها.

إلا أننا لا نجد تلك الحاجة، لأن الأنبياء السابقين (عليهم السلام) على‌

37

الإسلام، قد نسخت شرائعهم و بدلت تعاليمهم إلى تعاليم الإسلام.

فالكلام عن مقدار ولايتهم و دليلها إتعاب للنفس بلا موجب و تطويل بلا طائل.

و أما الحديث عن عموم ولاية المعصومين (عليهم السلام) بعد الإسلام، فنحن لا نريد و لا يريد أي فقيه أن يفرض الحكم الذي يستنتجه على الإمام المعصوم نفسه، فيقول له: إن ولايتك عامة أو خاصة، فإن المعصوم أعلم بتكليفه و حاله أمام اللّه سبحانه و رسوله.

و إنما نريد أن نجد مدى شمولها لكي نتساءل عن إمكان إثبات مثلها للفقيه الجامع للشرائط أم لا. و سيأتي بعد قليل أن ولاية المعصومين (عليهم السلام) ثابتة على أوسع نطاق، و ليس كذلك ولاية الفقيه، و لم يقل بذلك أحد على الإطلاق.

[الأقسام المتصورة للولاية]

فإن الولاية المتصورة للولي على الآخرين يمكن أن تكون على مراتب عديدة من حيث السعة أو الضيق و يمكن حصر أهم أقسامها فيما يلي:

القسم الأول: ولاية الولي على الناس من جميع الجهات

سواء في الفتوى أو القضاء أو الأمور العامة أو الأمور الشخصية، بل حتى الحالات الشخصية المنافية للمصلحة الشخصية بل المنافية للمصلحة العامة.

فلو قال الولي للفرد: أقتل نفسك أو طلق زوجتك أو أعط جميع أموالك أو أتلف جميع ممتلكاتك، وجبت طاعته و لو طلق الولي زوجته أو أعتق عبده بدون إذنه نفذ الطلاق و العتق و كذلك لو باع ممتلكاته و هكذا.

و هذا المعنى من الولاية مما لم يقل به أحد للفقيه، بل لعل عدمه من الضروريات، و معقد الإجماع.

و لكننا نرى أنه ثابت للمعصومين (عليهم السلام)، نظريا، إلا أنه من الناحية العملية لا بد فيها من بعض التحفظات.

أولا: إن المعصوم (عليه السلام) لا يخاف المصلحة العامة و لا يضر بالمصلحة الخاصة. و إن كانت له صلاحية ذلك نظريا.

38

ثانيا: إن المعصومين (عليهم السلام) في تاريخهم لم يطبقوا كثيرا من أشكال هذه الولاية و أنواعها نظريا للظروف الصعبة و الضيقة التي عاشوها.

ثالثا: إن ثبوت تلك الولاية لا ينافي وجود أحكام أخرى في ذمة المعصوم لا بد له من ملاحظتها عند التفكير في تنفيذ بعض تطبيقات ولايته. فمثلا: إذا كان ينتج من التصرف مفسدة عامة أو إيقاع شك في العقيدة أو ضرر شخصي بليغ بلا مبرر شرعي أو عقلائي، كان ذلك التصرف حراما عليه.

و كذلك الحال في مسائل الضمان، فلو قلنا بجواز إتلافه لأموال الغير بلا مبرر لم نقل ببراءة ذمته للمال المضمون، بل يجب عليه دفع مثله أو قيمته إلى صاحبه. و أما مع وجود المصلحة لذلك فلا يضمن جزما.

و كذلك الحال في المعاملات، فإن المعصوم لا يستطيع شرعا أن يبيع أو يشتري أو يقترض بعقد فاسد أو بالربا أو مع طرف لا صلاحية له بالتعامل. إلى غير ذلك من الأمثلة. و لا يمكن أن تكون ولايته العامة مبررا شرعيا كافيا لأي شي‌ء من ذلك.

القسم الثاني: الولاية بنفس الشمول السابق لكنه مشروط بوجود المصلحة.

و معه ترتفع المتقيدات السابقة للقسم الأول. و بهذا يكون هذا القسم ثابت للمعصومين (عليهم السلام) بكل وضوح و بدون أي إشكال.

و كذلك من قال بالولاية العامة للفقيه، على أوسع وجه، فإنه يقول بمثل هذا المستوي من الولاية: فإن استطاع ذلك الفقيه أن ينفي المستوي الأول عن المعصومين، و لن يستطيع، فإن ولاية الفقيه عندئذ ستكون مماثلة لولاية المعصومين (عليهم السلام).

القسم الثالث: الولاية بنفس المستوي السابق أعني القسم الثاني لكنها مشروطة بعدم وجود ولي آخر خاص

كالابن القاصر مع وجود أبيه أو وصيه و كالوقف مع وجود المتولي و كالعبد مع وجود المولى. فإن مثل هذه الموارد تكون خارجة عن الولاية في حدود المفهوم في هذا القسم.

39

و ينتج عن ذلك: أنه إذا تعارض حكم الولي العام بهذا المعنى و حكم الولي الخاص كولي الوقف أو غيره، فإن الحكم النافذ شرعا يكون للولي الخاص، و لا يكون للولي العام أثر، لأن حجية حكمه مشروطة بعدم وجوده.

نعم، إذا فقدت هذه الموارد و أمثالها وجود الولي، كان الولي العام وليا عليها، و ثم قيل: الحاكم ولي من لا ولي له.

القسم الرابع: الولاية في حدود المصلحة العامة دون الخاصة

و يقصد هنا بالمصلحة الخاصة: الأمور التي تعود إلى الأفراد، و التي أشرنا إليها خلال الحديث عن القسم الثالث أو السابق و يتحصل مما سمعناه من أن الحاكم ولي من لا ولي له. ففي حدود هذا القسم لا تكون هذه الولاية ثابتة للولي العام، بل تكون ثابتة للأفراد أو لمؤسسات معينة دون الولي العام.

و نقصد بالمصلحة العامة: تلك الأمور العامة و الاجتماعية التي يتعذر على الأفراد القيام بها باستقلالهم أو قل بدون توجيه مركزي أو قيادي أو إدارة عامة كالجيش و الشرطة و السجون و الصحة العامة و المدارس و غيرها كثير.

و لا تخلو هذه الأمور بدورها من مصالح خاصة، لأنها على أي حال تكون من أفراد لهم مصالحهم، إلا أن مثل هذه المؤسسات لم يعين لها شرعا و قانونا ولي مشرف عليها و مدير لأمورها إلا الولي العام، بخلاف الأوقاف الخاصة و اليتامى و أضرابهم.

و في حدود هذا القسم لا بد من القول باقتصار الولاية على ذلك دون الولايات الخاصة المدلول عليها بقولنا: الحاكم ولي من لا ولي له.

و هذا الشكل من الولاية و إن مارسته عدد من الحكومات في التاريخ، و لكنه بمعناه المحدود المشار إليه، غير ثابت للفقيه، إذ على تقدير ثبوته لا إشكال من ثبوت الولايات الخاصة له، أو هي بدون الولاية العامة. أما ثبوت الولاية العامة دون الخاصة، فهو غير محتمل.

40

القسم الخامس: الولاية في حدود المصالح الخاصة دون العامة

بمعنى أنه ولي من لا ولي له في حدود الأوقاف و الأيتام و أضرابهم التي فقدت أوليائها.

و هذا، كأنه القدر المتيقن من ولاية الفقيه، بحيث لا يحتاج إلى استدلال، بل يكفي فيه العمومات الدالة على مطلق الولاية، لأن هذا هو المتيقن منها، فإن تلك العمومات إن لم تكن دالة على الولاية العامة، فهي دالة على هذه الولاية الخاصة على الأقل.

هذا، و لكن بعض الفقهاء، حاول الاستدلال عليها بأدلة خاصة بمواردها بعد استضعاف الأدلة الدالة على الولاية العامة سندا أو دلالة.

و من الممكن القول: إن المشهور جدا بل الإجماع قائل بثبوت مثل هذه الولاية للفقيه، و أن من ينكرها شاذ فيهم، و إن كان بعض مواردها فقهيا أوضح و أشهر من بعض، و سيأتي التعرض لها.

القسم السادس: الولاية على القضاء مع جميع نتائجه.

و نقصد بالنتائج تنفيذ العقوبات المالية و الجسدية التي يتم التوصل إليها و الحكم بها. و هذا معناه أن للفقيه إقامة الحدود و التعزيرات و أخذ الديات و نحو ذلك.

و هنا ينبغي أن نلتفت أننا ينبغي أن نعزل هذا القسم عن الثالث أو الرابع مثلا. بمعنى أننا هنا نخص ولاية الفقيه بالقضاء و نتائجه دون الأمور العامة و الخاصة الأخرى و لا أحسب أن فقيها يخص الولاية بذلك دون أن يضيف إليها الولاية على المصالح الخاصة التي تحدثنا عنها في القسم الخامس. بل إن هذه أوضح ثبوتا في الفقه من الولاية على إقامة الحدود و التعزيرات.

القسم السابع: الولاية على القضاء فقط

دون نتائجه فيكون للفقيه الحكم بعد النظر في قضايا المتخاصمين، و لا يكون له تنفيذ الحكم، و إنما يوكل ذلك إلى نفس المتخاصمين إذا أمكن، كالأمور المالية أو يوقف تنفيذه إذا لم يمكن كالحدود و التعزيرات.

41

و لعل من الفقهاء من يقتصر على هذا المقدار، من الولاية، بصفته القدر المتيقن من الأدلة الدالة على الولاية كقولهم (عليهم السلام): جعلته قاضيا أو جعلته حاكما، على ما سنسمع، فإنه لا يتضح بها بالنص، أن للفقيه بعد ذلك أن ينفذ أحكامه.

و هذا القسم من القضاء يقيني الثبوت للفقيه في أدلته، و هو غير خاص بالأعلم، بل يشمل كل المجتهدين، على ما سنسمع، إلا أن المسلك الفقهي بالاعتراف بثبوتها دون الولاية على المصالح الخاصة (القسم الخامس)، و الفتوى، بما لم يقل به أحد فيما أعلم.

القسم الثامن: الولاية بمعنى ضم القسم السابع إلى السادس، فيكون للفقيه الولاية و الإشراف على المصالح الخاصة مع القضاء

دون غيرها مما هو أوسع منها من أنحاء الولايات التي سمعناها.

فإن ضممنا إليها حجية الفتوى، كان ذلك هو المشهور بين المتأخرين، بل بين الفقهاء أجمعين. و هذا الضم أعني ضم الفتوى ضروري إذ بدونها مما لم يقل به أحد.

و هذا القسم يعني عدم وجود الولاية العامة للفقيه فإنه إنما يراد بالولاية العامة غير ذلك، كالذي قلناه في القسم الثاني أو الثالث أو الرابع السابقة.

و أولى من ذلك ما إذا نفينا كل الأقسام عن الفقيه، و خصصناه بحجية الفتوى فقط، إذ نكون قد نفينا عنه الولاية العامة أيضا، كما نفينا غيرها، و حجية الفتوى لا يعدها الفقهاء من أقسام الولاية، و إن كان ذلك لا يخلو من نظر، و لكن ثبوتها له لا يتوقف على شمول معنى الولاية لها على أي حال.

و الاستدلال على حجية الفتوى ليس في كتاب القضاء الذي نحن فيه، بل إما في كتاب الاجتهاد و التقليد من الفقه أو في نفس العنوان حين يذكرونه في علم الأصول، و إن كان هو في الواقع موضوع فقهي لا أصولي.

42

و بهذا توصلنا إلى أن أقسام الولاية المتصورة ثمانية، لم نذكر منها الفتوى، لأنها ليست من الولاية باصطلاحهم كما قلنا. إلا أننا عرفنا أيضا أن بعض الأقسام ليست حقيقية عمليا بحيالها و استقلالها و إنما الذي يتم منها في أقوال الفقهاء ما يلي:

أولا: القسم الثاني: و هو جميع أنواع التصرف مع وجود المصلحة.

ثانيا: القسم الثالث: و هو جميع أنواع التصرف مع وجود المصلحة و عدم وجود ولي آخر خاص بالمورد.

ثالثا: القسم الخامس: و هو ولاية المصالح الخاصة، و بخاصة تلك الخالية من وجود ولي في موردها.

رابعا: القسم السادس، و هو تولي القضاء مع نتائجه.

خامسا: القسم الثامن: و هو تولي القضاء مع ولاية المصالح الخاصة.

هذا و قد يكون الفقيه وليا (خاصا) كما لو كان متوليا لوقف معين أو أبا أو مولى لعبد، إلا أن هذه الولايات لا تثبت له بصفته فقيها بل بصفته مسلما، و من هنا تعم سائر المسلمين و لا تخصه، و من هنا لا تذكر عادة خلال الحديث عن ولاية الفقيه.

نعم يخصه مما يشبه ذلك الولاية على الوقف الذي ليس عليه ناظر أو القاصر الذي ليس عليه وصي، فإن هذا المعنى مندرج في الأقسام السابقة من ولايته، بصفته ولي من لا ولي له.

و لا شك أن الأقسام بالتعداد الأخير، مندرج بعضها في بعض، بمعنى أن اللاحق مندرج في السابق أو أخص منه، إلا القسم الخامس فإنه أخص من بعضها لا من جميعها.

كما أن الاصطلاح الفقهي منعقد على أن الدليل إذا تم على أحد الشكلين الأولين من الخمسة للفقيه فقد قلنا بالولاية العامة. و إن نفيناهما فقد نفينا الولاية العامة حتى و إن أثبتنا له أنحاء أخرى ضيقة أو صغيرة من الولاية في بعض الموارد أو الحقول.

43

و المهم الآن هو صرف عنان الكلام إلى الحديث عن الأدلة الدالة على الولاية لنراها أو المهم منها أولا، و نرى مقدار دلالتها و محتواها ثانيا.

و مقتضى التسلسل المنطقي أو المنهجي هو البدء بالاستدلال على الولاية العامة بالمعنى المشار إليه، فإن تم عليه الدليل، فهو المطلوب و إلا كان لا بد لنا أن نفحص عن البديل الأصلح لذلك. و أن ولاية الفقيه إن لم تكن عامة، فبأي حد هي محددة و مقيدة و إلى أي مقدار هي ممتدة و صحيحة.

و بالنتيجة سوف نختار عندئذ أحد المعاني الثلاثة الأخيرة من الخمسة أو ما يقرب إليها في المضمون.

أدلة الولاية العامة:

[الدليل الأول مقبولة عمر بن حنظلة]

و يتصدر هذه الأدلة تلك الرواية المسماة بمقبولة عمر بن حنظلة. و هي ما رواه الكليني بسند صحيح عن عمر بن حنظلة (1) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو في ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك. قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكما إلى الطاغوت و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقا ثابتا له. لأنه أخذه بحكم الطاغوت و ما أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى، يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ.

قلت: فكيف يصنعان. قال: ينظران من كان منكم، فمن روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني جعلته حاكما. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّه و علينا رد. و الراد علينا راد على اللّه، و هو على حد الشرك باللّه. الحديث.

و هي واضحة بغض النظر عن المناقشات الآتية، بالمطلوب و ذلك في قوله: فإني قد جعلته حاكما. و الإمام المعصوم (عليه السلام) له أن ينصب الحاكم. و الحاكم يعني التصرف في كل الأمور التي تتعلق بها المصالح العامة و الخاصة، حسب إطلاقه.

____________

(1) الوسائل كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي باب 11 حديث 1.

44

بل زاد في التأكيد و هو أن الرد على حكمه و عدم تنفيذه و الاستهانة به رد على اللّه و هو على حد الشرك باللّه. لأنه ينافي تنصيبه حاكما من قبل المعصومين (عليهم السلام) فعصيانه عصيان له و عصيانهم عصيان لربهم العظيم تبارك و تعالى.

إلا أن ما قيل أو يمكن أن يقال في مناقشته الاستدلال بهذه الرواية عدة أمور:

المناقشة الأولى: الطعن بالرواية سندا. فإنها صحيحة السند إلى عمر بن حنظلة. و أما هذا الرجل نفسه فهو ممن لم يوثق، فتكون الرواية حسنة أو ضعيفة فلا تكون حجة.

و قد أجيب عن هذه المناقشة بعدة وجوه أهمها أمران:

الأمر الأول: أنها و إن لم تكن صحيحة إلا أن الفقهاء تلقوها بالقبول، و من هنا سميت بالمقبولة و عملوا بمضمونها، و عمل المشهور جابر لضعف السند.

إلا أن هذا الأمر لا يتم لأمرين على الأقل:

الأول: إن عمل المشهور غير جابر للسند، على ما هو الصحيح المحقق في علم الأصول.

الثاني: إن المشهور لم يعمل بها. لأن العمل يعني الالتزام بالولاية العامة على معناها الواسع و هو غير مشهور بل لعله على خلاف المشهور.

و أما عمل المشهور ببعض مضامينها الأصغر و الأخص، فهذا صحيح. إلا أن هذه المضامين غير خاصة بهذه الرواية بل هو مما دلت عليه روايات عديدة. فلم يثبت عمل المشهور به من أجل هذه الرواية خاصة، حتى يكون عملهم جابرا لسندها.

الأمر الثاني: إن عمر بن حنظلة ممن يؤخذ بروايته و ليس ضعيفا و لا حسنا. بل هناك ما يدل على وثاقته و ان لم يكن بصيغة صريحة. كما هو‌

45

معلوم في علم الرجال مما لا مجال للدخول في تفاصيله، و معه تكون الرواية معتبرة سندا. و هذا صحيح.

المناقشة الثانية: احتمال أن يكون المراد هو تنصيب الفقيه في منصب القضاء لا الولاية العامة، و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

و يدعم هذا الاحتمال عدة أمور في الرواية، يصلح كل منها أن يكون مناقشة مستقلة لها إلا أننا نذكرها مندرجة في المناقشة الثانية تنظيرا لمنهج البحث.

الأمر الأول: إن السؤال الأساسي في الرواية إنما هو عن الخلاف في دين أو ميراث، و إذا كان السؤال خاص بذلك كان الجواب خاصا به بالقرينة المتصلة.

و نحن نعرف أن الذي يحسم الخلاف في أمثال هذه الأمور إنما هو القاضي لا الولي العام.

و الجواب عن ذلك من وجوه نذكر منها اثنان:

الوجه الأول: إن نص المنازعات كما يقوم بها القاضي قد يقوم بها الولي العام أيضا، و لا فرق في ذلك عقلائيا و لا شرعا. و من هنا نصت الرواية في السؤال عن أنهما تحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة. و السلطان هو الولي العام اجتماعيا، و إن لم تصح ولايته شرعا. و النهي عنه في الرواية لأجل ذلك لا لأجل استنكار الرجوع إليه بصفته سلطانا.

الوجه الثاني: إن الجواب قد يأتي زائدا على السؤال، و هذا موجود عقلائيا متحقق و في كثير من الروايات. و يقال في اصطلاحهم عندئذ: إن الإمام تبرع بذكر كذا و كذا.

و هذه الرواية بنفسها فيها زيادات مهمة في الجواب منها، ذكر صفات الفقيه و التشديد على الرد عليه، و الاستشهاد بالقرآن الكريم على حرمة الرجوع إلى غيره.

46

و من هنا فمن المحتمل أن تكون هناك زيادة أيضا من حيث المضمون المحتاج إليه في السؤال. و نحن نعلم أن المشكلة المسؤول عنها سوف تتذلل و تزول سواء كان المنصوب قاضيا أو واليا عاما. لوضوح أن كليهما قادر على القضاء.

كل ما في الموضوع أننا ينبغي أن نستفيد من لفظ (حاكم)؛ الولي العام لا خصوص القاضي و هذا ما سنراه في الأمر الآتي.

الأمر الثاني: إن قوله (عليه السلام)، فإني قد جعلته حاكما، إما أن يكون ظاهرا في خصوص القضاء أو محتملا له. و إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال، و خاصة مع كون السؤال الأساسي إنما هو عن أمر قضائي.

و هذه المناقشة، و إن بدت أساسية في أذهان العديد من الفقهاء المحتاطين غير القائلين بالولاية العامة. إلا أنها ليست بشي‌ء على الإطلاق.

لوضوح الفرق الأساسي لغة و عرفا بين مفهوم الحاكم و مفهوم القاضي.

و المأخوذ في الرواية هو الأول دون الثاني، كما أن ما هو الحجة في فهم الكتاب و السنة هو اللغة و العرف.

و غاية ما يمكن أن يجعل قرينة على أن المراد به مجرد (القاضي) أمران:

أحدهما: كون السؤال الأساسي في الرواية عن المنازعة. و هي إنما تعرض على القاضي عادة.

و قد عرفنا جواب ذلك و أن الولي العام قادر على فض المنازعة كالقاضي بل لعله أقدر منه على ذلك.

و بتعبير آخر: إنه كما يمكن جعل السؤال كقرينة متعلقة على الجواب، كذلك يمكن جعل الجواب قرينة متصلة على السؤال. و أن الإمام لعله فهم منه ما هو أشمل من مجرد المنازعة في دين أو ميراث، و لذا تصدى إلى نصب (الحاكم) دون (القاضي) و على أي حال، فليست إحدى القرينتين أولى من الأخرى.

47

ثانيهما: مما يمكن جعله قرينة.

قوله (ع): فإذا حكم بحكمنا، و الحكم خاص بالقاضي. إذن يكون قرينة متصلة على إرادة القاضي من لفظ الحاكم.

و الجواب: أن هذا أردأ من سابقه، و ذلك على مستويين:

المستوي الأول: إن الحكم كما يصدر من القاضي يصدر من الحاكم أو الولي العام، و لهما نفس الأهمية الشرعية على تقدير حجيتهما، بل صدق عنوان الحكم على أوامر الولي العام أوضح لأنها أشمل اجتماعيا و ليست بين اثنين فقط، كما أنها مدعومة بنظام عام، كما أن الولي العام يستطيع أن يمارس القضاء أيضا كما قلنا.

المستوي الثاني: إن تخيل صدور الحكم من القاضي و إن كان واضحا في أذهان الفقهاء و القانونيين، إلا أنه مأخوذ فقهيا من هذه الرواية بالذات، و بعض ما قاربها في المضمون، مع أن كلامنا الآن فيه فأخذه يكون مصادرة على الموضوع.

و أما إذا استعرضنا الروايات الكثيرة الواردة في المرافعات المعروضة على المعصومين (عليهم السلام) و خاصة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا نجد فيها إطلاقا معنى الحكم، بل كان الإمام (عليه السلام) ينفذ الحكم بدون تلفظ بمضمونه أو إلباسه أهمية خاصة، كما هو المركوز فقهيا.

مما يتبين أن حال القضاء كغيره من الأمور الشرعية، فكما أنه إذا ثبت دخول وقت الصلاة وجبت الصلاة. كذلك إذا ثبت لدي القاضي أن هذا دائن و هذا مدين، وجب على المدين أن يدفع المال إلى الدائن، كأي موضوع و محمول في الشريعة، و لا يحتاج إلى توسط ما يسمى بالحكم و هذا لا يعني عدم جوازه بل يعني عدم وجوبه و عدم الضرورة إليه.

و أنا أتحدى أي فقيه أو قانوني أن يأتي بأي رواية فيها معنى الحكم القضائي من قبل المعصومين (عليهم السلام). و هذه كتب الحديث بين أيدينا و أيديهم.

48

بل المراد بالحكم: الأوامر و النواهي العامة ذات المصلحة العامة التي تصدر من الولي العام. إما بصفتها (فتوى) فإنها شكل من أشكال الحكم و إما بصفتها (أمر مولوي) فإنه الشكل الآخر للحكم الذي يكون حجة بدوره.

و هذا كما هو واضح، مما يؤيد أن قوله: فإذا حكم بحكمنا، يكون قرينة متصلة على نصب الولي العام دون القاضي، فهو على خلاف مقصود المستشكل أدل.

المناقشة الثالثة: للرواية أساسا:

إن قوله (ع): فليرضوا به حكما. دال على نصب القاضي لا الوالي العام، لأمرين على الأقل:

الأول: إن الولي العام لا يكون بالتراضي بل يفوض الحكم الشرعي و حجيته على الجميع.

الثاني: إن التعبير بالحكم عن الولي العام غير سائغ عرفا، و إن كان التعبير بالحاكم عنه ممكنا.

و من هنا قد نجعل (لفظ الحكم) قرينة متصلة على أن المراد من الحاكم هو خصوص القاضي نعم إذا انتفت دلالته، كما سنرى، يبقى ما سبق أن سمعناه ساري المفعول.

و يدعم ذلك أمران أيضا:

الأول: إن لفظ للحكم بنفسه ظاهر بقاضي التراضي، و هو من يتراضى عليه المتخاصمان مهما كان عمله الأساسي، و هذا موجود في كثير من المسميات العقلائية، و يصطلح عليه في اللغة العربية بالحكم.

الثاني: إن قوله (عليه السلام): فإني قد جعلته حاكما. يعود الضمير فيه إلى (الحكم) هذا. إذن يكون النصب للحاكم بعد التراضي لا في المرتبة المتقدمة عليه، باعتبار أن مجرد التراضي بالفرد، قد لا يكون كافيا‌

49

للحجية، فيدعمه الإمام (عليه السلام)، بأنه قد جعله حاكما يعني أن يكون حكمه حجة.

إلا أن هذه الأمور لا تتم. و سنناقشها بعد التعرض إلى مناقشة الأمر الأساسي في هذه المناقشة الثالثة، و هو قوله: فليرضوا به. الدال على أنه من قبيل قاضي التراضي. و ليس من قبيل القاضي المنصوب فضلا عن الولي العام.

و هذا لا يتم تماما لعدة أجوبة نذكر منها:

الجواب الأول: إن الأمر بالرضاء ظاهر و واضح بالرضاء بالحكم الشرعي بنصب الحاكم. فإن الرعية إذا لم ترض بهذا الحكم لم تطع الحاكم المنصوب، مما ينتج عنه أسوأ النتائج. إذن، فلا بد من الرضاء بالحكم الشرعي هذا على حد الرضاء بكل الأحكام الشرعية و التسليم بصحتها و حجيتها.

و لو أراد (قاضي التراضي) لقال: فليتراضوا و لم يقل: فليرضوا. و ما أشد الفرق بينهما هنا: لأن التراضي في قوله: فليتراضوا هو تبادل الرضا من الخصمين. و أما الرضا فهو باب آخر ليس فيه مبادلة أو تبادل، و من هنا لا يكون مرتبطا بالخصمين بل بالحكم الشرعي أساسا.

الجواب الثاني: إن الإمام (عليه السلام) لو أراد الخصمين لأشار إليهما بضمير التثنية فقال: فليرضيا به حكما. و لم يستعمل ضمير الجمع. مع أنه استعمله. الأمر الذي يدل على عدم ارتباط هذا الأمر بالخصمين خاصة بل بكل المجتمع عموما.

و هذا معناه بوضوح عدم قصد قاضي التحكيم بل و لا القاضي المنصوب بل الولي العام.

و إسناد ضمير التثنية إلى الجمع، و إن كان ممكنا أحيانا. إلا أنه مجازي في اللغة و الحمل على المجاز خلاف الظاهر ما لم تقم عليه قرينة واضحة.

50

و نحن هنا نريد أن نجعله قرينة على غيره، لا أن نجعل غيره قرينة عليه.

هذا، و إذا أمكننا النصح و التوحيد بين الجوابين الأخيرين كان الأمر أوضح، لأن المراد إن كان هو قاضي التحكيم كان لا بد من التعبير:

فليتراضوا. مع أنه (عليه السلام) عدل عن الهيئة و عن الضمير معا. فقال:

فليرضوا الأمر الذي يبعد به عن قاضي التحكيم.

و أما مسألة عود الضمير في قوله: فإني قد جعلته حاكما على قاضي التحكيم أو (الحكم). فهو واضح البطلان بل هو عائد على (الفقيه العارف) الموصوف بالصفات السابقة على هذه العبارة في الرواية. الأمر الذي يجعل لفظ الحاكم قرينة على لفظ الحكم دون العكس، و هذا بنفسه يبعد احتمال أو ظهور لفظ الحكم بقاضي التراضي أو التحكيم. و تعارفه ما بين المجتمعات لا يعين إرادته هنا، و لا أقل من الاحتمال الذي يبطل الاستدلال.

و أما ما قاله صاحب المناقشة من أن الولي العام لا يعبر عنه بالحكم و إن عبروا عنه بالحاكم. فهذا منقوض على عدة مستويات:

المستوي الأول: إن الحكم و الحاكم من مادة واحدة و هو من يمكن أن يصدر منه الحكم محل نظر. فتأمل.

المستوي الثاني: إن حكم التراضي لا يختص بالمرافعات بل يشمل سائر الأمور المعقدة في المجتمع، و هو لم يعبر: بقاضي التراضي بل بالحكم فيعم معناه أمورا كثيرة. تجعله أقرب إلى الولي العام.

المستوي الثالث: جعل لفظ الحاكم قرينة على المراد من الحكم. فإنه ليس أولى من العكس كما هو واضح.

المستوي الرابع: إن قاضي التحكيم ليس لا بد عرفا أن يكون عارفا لكل الحلال و الحرام بل يكفي فيه مجرد التراضي، مع شي‌ء من الثقافة العامة لديه.

51

مع العلم أنه موصوف بالرواية و مشروط بأن يكون فقيها عارفا. و من الواضح فقهيا أن الفقيه يمكن أن يكون قاضيا و إن لم يتراض به الخصمان.

إذن فقوله: فليتراضوا به. أعني عود الضمير إلى الفقيه العارف يكون قرينة على أن المراد من الرضا و من الحكم غير ما تخيله المستشكل.

المستوي الخامس: قوله (ع): فإذا حكم بحكمنا، و من المعلوم أن حكمهم ليس واحدا و لا في حقل واحد، بل يشمل الأحكام الشرعية كلها، سواء كانت قضائية أم لم تكن. و ليس هناك قرينة على أن المراد من حكمهم هو خصوص الحكم القضائي. إلا بجعل الألفاظ السابقة قرينة عليه. و قد عرفنا حالها، و ليس جعل القرينة من هذه الجهة بأولى من العكس.

و من الواضح عدم اختصاص ما ذكره (عليه السلام) من التشديد على أهمية حكم الحاكم، بالقاضي أو بالحكم القضائي، بل يشمل كل الأحكام الشرعية التي يفتي بها أو يعبر عنها الفقيه العارف أو الولي العام.

و لا ينبغي الإفاضة في مناقشة هذه الرواية أكثر من ذلك، حفظا على مستوي هذا الكتاب بل هو موكول إلى محله من الفقه.

و إلى هنا فقد صحت لدينا هذه الرواية سندا و دلالة في إثبات الولاية العامة إجمالا. أما حدود هذه الولاية بحسب الدقة، فهذا ما سنعرضه بعد الانتهاء من سرد أهم الأدلة على الولاية العامة، كما نحن بصدده الآن.

[الدليل الثاني رواية تحف العقول]

و من الروايات المستدل بها على الولاية العامة ما أخرجه ابن شعبة الحراني (1) في تحف العقول من قول الإمام الحسين (ع) و هو في صدد موعظة طويلة له، يقول: بأن مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء باللّه. الأمناء على حلاله و حرامه.

____________

(1) المصدر: ط النجف ط 4 ص 169. و انظر ط طهران عام 1377 ص 138. عن المكاسب ج 9 ص 325 و عن هامش بلغة الفقيه ج 3 ص 230: على الحلال و الحرام. و الظاهر أنه نقل بالمعنى.

52

و فهم المطلوب منها واضح لأنها أوكلت مجاري الأمور، و هي كل حوادث المجتمع أو المجتمعات على الإطلاق كما أسندت الأحكام يعني معرفتها من ناحية و تطبيقها على مجاري الأمور من ناحية أخرى، أسندت كل ذلك إلى العلماء باللّه و فسرت هؤلاء العلماء بأنهم الأمناء على حلال اللّه و حرامه. و ليس أولئك إلا الفقهاء العارفين.

إلا أن للاستدلال بهذه الرواية مجال واسع للمناقشة من عدة نواحي نذكر منها أو أهمها:

المناقشة الأولى: إن هذه الرواية ساقطة سندا تماما، فإنها خالية من السند بالمرة. و معه تكون من أشد المراسيل إرسالا، فلا تكون حجة. و هذه مناقشة لا مناص منها.

المناقشة الثانية: أنه يمكن فهم الرواية فهما عرفيا معمقا، و تكون بذلك الفهم بعيدة عن الاستدلال على ما هو المقصود الآن فقهيا.

و ذلك. أنه قال: بيد العلماء باللّه، و من الممكن القول إن هذا العنوان لا يصدق على الفقهاء بل على المعصومين أو الأولياء الذين عرفوا اللّه حق معرفته. و وصلوا إلى الدرجات العلى، و أما مجرد كون الفرد فقيها، فلا يجعله من العلماء باللّه.

و من المعلوم أن هؤلاء من ذوي المراتب الإلهية العالية يتصفون بأن مجاري الأمور بينهم و أنهم أمناء اللّه في أرضه على أحكامه و حلاله و حرامه.

و قد يجاب على ذلك: أن ذكر الحلال و الحرام في الرواية قرينة على أن المراد هو الفقهاء لأنهم الذين تحملوا علم الحلال و الحرام. و معه يكون ذلك قرينة متصلة على أن المراد من العلماء باللّه: الفقهاء.

إلا أن ذلك لا يخلو من إشكال لأنه قال: الأمناء على حلاله و حرامه.

و لم يقل العالم بذلك أو العارف به أو المطلع عليه. و الفقيه عالم بالحلال‌

53

و الحرام و لكن أمانته عليه بمعنى كونه لا يستعمله و لا يطبقه إلا بحقه و مرضاة ربه، ليست محرزة. لأن مجرد كون الفرد فقيها لا يعني كونه أمينا. و إن كان هناك عدة من الفقهاء أمناء. إلا أنه قد يوجد من الفقهاء من يكون على خلاف ذلك.

و علينا أن نلتفت: أن مجرد كون الفرد فقيها يعني كونه عالما بالحلال و الحرام، و لكنه لا يعني كونه أمينا على الحلال و الحرام. و هذا هو الفرق الأساسي بينهما. في حين كون الفرد عالما باللّه بالمعنى السابق يعني تماما كونه أمينا على الحلال و الحرام. لأنه لا يصل إلى تلك المرتبة إلا بعد تحصيل الإخلاص التام و طهارة الروح. فلا يحتمل في حقه أن لا يكون أمينا.

المناقشة الثالثة: أنه يمكن القول، إن الحديث ظاهر بأن الأحكام بيد العلماء يتصرفون بها كما يشاؤون حسب ما يرون من المصالح. كما أن مجاري الأمور بيدهم يتصرفون بها حسب المصلحة.

و هذا المقدار من السعة في صلاحيات العلماء غير محتمل، فإن الفقيه مقيد في التعرف على الأحكام بما يفهمه من مصادره الأصلية: الكتاب و السنة و نحوها. و ليست المسألة عنده غير ذات قانون مضبوط.

و إذا دلت الرواية على أمر غير محتمل سقطت دلالتها عن الحجية.

إلا أنه يمكن الذب عن هذا الإشكال بتقديم اليقين سلفا بكون هذا الفهم غير مراد قطعا، و إنما المراد أن مجاري الأمور بيد العلماء كما يشاء اللّه لا كما يشاؤون. فإسناد هذين الأمرين إلى العلماء على أن يكون تعرفهم فيها كيفيا و غير مضبوط أمر غير محتمل.

و هذا الجواب صحيح سواء فهمنا من العلماء باللّه: الأولياء أو الفقهاء:

فمن زاوية: الأولياء فإنهم لا يتصرفون إلا بإرادة اللّه سبحانه. و من زاوية:

الفقهاء فإنهم لا يتصرفون إلا حسب شريعة اللّه سبحانه.

54

إذن، فالمناقشة الثالثة غير واردة. إلا أن العمدة في رد الاستدلال بهذه الرواية إرسالها السندي و سقوطها عن الحجية من هذه الجهة.

[الدليل الثالث رواية أبي البختري]

و من الروايات المستدل بها بهذا الصدد، رواية أبي البختري (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن العلماء ورثة الأنبياء، و ذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما و لا دينارا و إنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشي‌ء منها فقد أخذ حظا وافرا. فانظروا عملكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين.

و يكون الاستدلال بهذه الرواية من أحد وجهين غير متنافيين، بل يمكن أن يكون أحدهما بمنزلة القريبة المتصلة على الآخر.

الوجه الأول: قوله: إن العلماء ورثة الأنبياء. فإذا علمناها للأنبياء من صلاحيات في التصرف في المجتمع كرؤساء و حكام، كما كان لإبراهيم و موسى و نبي الإسلام (عليهم السلام) و غيرهم. كان ورثتهم و هم العلماء، متصفون بنفس تلك الصفة. فإن ذلك هو المعنى المقصود بالميراث دون غيره.

الوجه الثاني: قوله: فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا إلخ.

فإن هذا لا يراد به المعصومين قطعا لأنهم غير باقين على مدى الأجيال إلا بواحد (عجل اللّه فرجه)، مع أنه قال عدولا بصيغة الجمع، و أن هذا متوفى في كل الأجيال. و معه يكون المراد بهم الفقهاء العدول.

و المجهول أو الحكم هنا هو أنهم ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين، و هذا من الناحية العملية و التامة لا يكون إلا بجعل الولاية العامة لهم.

و قد أشرنا إلى أننا إذا جمعنا بين هذين الوجهين أمكن جعل أحدهما قرينة على فهم الآخر، فيتأكد حمل الاستدلال أكثر.

____________

(1) الوسائل كتاب القضاء. أبواب صفات القاضي باب 8 حديث 2.