مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
467 /
5

تعريف العموم

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

تقديم إنّ التشريع السماوي فيض معنوي و نعمة إلهية أنزلها سبحانه لِاسعاد البشرية و تكاملها، فجعل خيرة خلائقه محطاً لنزول هذا الفيض، فابتدأه بشيخ الأَنبياء نوح- (عليه السلام)- و ختمه بخاتم النبيين محمد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-، قال سبحانه:" شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مٰا وَصّٰى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ وَ مٰا وَصَّيْنٰا بِهِ إِبْرٰاهِيمَ وَ مُوسىٰ وَ عِيسىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لٰا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مٰا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّٰهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ" (الشورى- 13).

و لم يقتصر سبحانه على تعريف أنبيائه بحقائق أحكامه و معالم قضائه، بل أنزل معهم الكتاب حافظاً للتشريع، و صائناً له عن الزوال و الاندثار، قال سبحانه:" لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ الْكِتٰابَ وَ الْمِيزٰانَ لِيَقُومَ النّٰاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ" (الحديد- 25).

و هكذا اقتضت العناية الإِلهية أن يكون لتلك الكتب دور هام في الحفاظ على الشريعة.

كما اقتضت عنايته سبحانه تعزيز كتبه بسنن أنبيائه فعصمهم من الخطأ و الزلل و جعلهم أُسوة للأُمم في القول و العمل، و صارت سننهم ملاكاً للهداية و الضلالة، فأخذوا بتبيين ما شرع اللّه إجمالًا، و غدت كلماتهم عدلًا لكتب اللّه و حجّة على‌

6

العباد، قال سبحانه:" وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ إِلّٰا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (النحل- 64) فورث المسلمون بعد رحيل خاتم النبيين محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- شريعة بيضاء تعدّ معجزة من معاجزه بحيث لو لم يكن له سواها لكفى دليلًا على أنّه مبعوث من قِبَل اللّه سبحانه.

و قد استأثر التشريع الإِسلامي باهتمام المسلمين، فأخذوا بإثارته و استنطاقه بغية تلبية حاجاتهم المستجدَّة، و بذلك ازداد التشريع الإِسلامي غنى عبر الزمان بفضل الجهود التي بذلت على هذا الصعيد.

فالتشريع الإِسلامي شجرة طيبة مترامية الأَغصان تؤتَي أُكلها كل حينٍ بإذن ربّها، فأغنت الأُمة الإِسلامية عن أيّ تشريع سواه، و عن أي تطفّل على القوانين الوضعية.

و على الباحث في هذا المضمار الوقوف على المسار التكاملي للفقه و العناصر التي أغدقت عليه ثراءً و عطاءً من خلال التعرّف على أمرين: أوّلًا: الوقوف على تاريخ الفقه و منابعه و أدواره، و أنّه كيف نما و نضج على مرِّ الزمان؟ و كيف لبّى حاجة المجتمع على اختلاف ظروفه و شرائطه و أروى المسلمين من نميره العذب؟ و هذه المعرفة تسدي له نضوجاً في الفكر و عمقاً في النظر.

ثانياً: الوقوف على روّاد هذا العلم الذين ساهموا مساهمة فعالة في تشييد معالمه، و بناء أركانه، و ما بذلوه من جهود حثيثة هادفة إلى رفع هذا الصرح الشامخ، ليكون ذلك تثميناً لجهودهم المضنية.

و كنت منذ زمن تخاطرني فكرة إنجاز هذين الأَمرين، حتى ذلّل اللّه سبحانه لي الصعاب، و أتاح الفرصة بغية الوصول إلى منيتي القديمة فشمرت عن ساعد الجد و قمت بأعداد مشروعين كبيرين، أعني:

7

الأَوّل: تبيين منابع الفقه و تدوين تاريخه دون أن يختص بطائفة دون أُخرى، ليكون مرجعاً لكافة الفقهاء على اختلاف نِحَلهم.

و هو الذي بين يدي القارئ في جزأين.

الثاني: تأليف معجم يأخذ على عاتقه تبيين سيرة أهل الفتيا و الاجتهاد عبر القرون.

و قد خرج منه إلى الآن ثمانية أجزاء و البقية قيد التأليف.

و قد قمت بفضل من اللّه سبحانه بإنجاز المشروع الأَوّل كما ساهمت و أشرفت على المشروع الثاني الذي قام بتأليفه نخبة من الباحثين، و قد نوّهت بأسمائهم في الجزء الأَوّل من هذا المعجم و أسميتهما «موسوعة طبقات الفقهاء» و جعلت الأَوّل مقدمة للثاني.

و أرجو من الاخوة الباحثين أن يتحفونا بآرائهم القيّمة حول هذه الموسوعة، و ينبهونا على ما فيها من الأَخطاء، فإنّ العصمة للّه سبحانه و لمن عصمهم.

و في الختام أتقدم بالشكر الجزيل إلى الشيخ الفاضل أنور الرصافي (وفقه اللّه لمرضاته) على مساهمته في سبيل تأليف هذا الكتاب، فشكر اللّه مساعي الجميع، و جعل ما بذلناه من الجهود ذخراً يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون.

جعفر السبحاني قم مؤَسسة الامام الصادق- (عليه السلام)- للبحوث و الدراسات الإِسلامية 17 شعبان المعظم من شهور عام 1418 ه‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الأَوّل مصادر التشريع (1) المعتبرة أو منابع الفقه و الأَحكام

مصادر التشريع هي التي يعتمد عليها المجتهد في مقام استنباط الأَحكام الشرعية، لأَنّ الفقه أمر توقيفي تعبّدي، و لا يصحّ الإِفتاء بشي‌ء إلّا إذا كان مستنداً إلى اللّه سبحانه، غير انّ الفقهاء اختلفوا في مصادر الفقه و الاستنباط.

فالشيعة الإِماميّة اتّفقوا على أنّ منابع الفقه عبارة عن الأَدلّة الأَربعة: 1- الكتاب.

2- السنّة.

3- الإِجماع.

4- العقل.

و ما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع، أو ترجع إليها.

و قد اتّفق معهم‌

____________

(1) هذا المصطلح هو الدارج بين علماء أهل السنّة، و الأَولى حسب أُصولنا التعبير عنها بمنابع الفقه و الأَحكام، لَانّ التشريع منحصر باللّه سبحانه و هو فعله، و أمّا الكتاب و السنّة فهما أداة للِابلاغ و التبيين.

إلّا أن يكون المصدر بمعنى اسمه، فلاحظ

10

أهل السنّة في الثلاثة الأُول؛ و أمّا العقل القطعي فلم يُعيروا له أهمية، و لكن أخذوا مكانه بالقياس، و الاستحسان، و المصالح المرسلة، و سدّ الذرائع، و فتحها، من الأَدلّة العقلية الظنيّة.

كما أخذوا بقول الصحابي و إجماع أهل المدينة، و هما من الأَدلّة النقلية على اختلاف بينهم في اعتبار البعض منها.

و تحقيق الحال يقتضي البحث في مقامين: الأَوّل: ما اتّفق عليه الفريقان من مصادر التشريع أو منابع الفقه و الأَحكام.

الثاني: ما انفرد به أهل السنّة.

و إليك الكلام في المقام الأَوّل‌

11

مصادر التشريع 1

الكتاب

إنّ من مراتب التوحيد حصر التشريع باللّه سبحانه و انّه لا مشرّع سواه، و كلّ تشريع دونه بحاجة إلى إذنه، و على ذلك فالوحي الإِلهي المتجسّد في الكتاب و السنّة هو المصدر الوحيد للتشريع، و إليه ترجع سائر المصادر النقليّة.

يُعدُّ القرآن الحجر الأَساس للتشريع الإِسلامي، و تليه السنّة النبوية التي هي قرينة الكتاب، غير انّ القرآن وحي بلفظه و معناه، و السنّة وحي بمعناها و مضمونها دون لفظها، و هذا هو السبب الذي جعل النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- يتحدّى بالقرآن دون السنّة.

إنّ القرآن أجلّ من أن يكون بحاجة إلى تعريف، إذ هو نور ظاهر بنفسه، مظهر لغيره، فهو كالشمس المضيئة، يُنير ما حوله، و كلّ نور دونه فهو خافت لا يضي‌ء، و كفاك انّه سبحانه يُشيد بالقرآن بصور مختلفة، يقول تعالى:" إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ" (1) و يقول عزّ من قائل:" وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ" (2) كما و يصرّح سبحانه بأنّه الفاصل بين الحقّ و الباطل، حيث قال:" تَبٰارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيراً" (3) إلى غير ذلك ممّا أشار إليه في الذكر الحكيم.

يُعدُّ القرآن الكريم الدعامة الأولى للمسلمين و اللبنة الاساسية في بناء الحضارة الإِسلامية لا سيما الجانب الاخلاقي و الفلسفي و الفقهي و العلمي، بيد أنّ‌

____________

(1) الاسراء: 9.

(2) النحل: 89- 3.

(3) الفرقان: 1.

12

الذي يهمّنا في الأَمر هو جانبه الفقهي، و الذي زود المسلمين بالتشريع حقبة زمنية طويلة.

ملامح التشريع في القرآن الكريم

1- التدرّج في التشريع

نزل القرآن تدريجيّاً قرابة ثلاث و عشرين سنة لأَسباب و دواع مختلفة اقتضت ذلك، و أشار إليها الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات: قال سبحانه:" وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّٰاسِ عَلىٰ مُكْثٍ وَ نَزَّلْنٰاهُ تَنْزِيلًا" (1) أي فرقنا نزوله كي تقرأه على الناس على مهل و تريث.

كما أشار في آية أُخرى إلى داع آخر، و قال سبحانه:" وَ قٰالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لٰا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وٰاحِدَةً كَذٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤٰادَكَ وَ رَتَّلْنٰاهُ تَرْتِيلًا" (2) فتثبيت فؤَاد النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- أحد الأَسباب التي دعت إلى نزول القرآن بين الحين و الآخر و في غضون السنين، شاحذاً عزمه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- للمضيّ في طريق الدعوة بلا مبالاة لما يتّهمونه به.

و الآية تعرب عن أنّ الكتب السماوية الأُخرى كالتوراة و الإِنجيل و الزبور نزلت جملة واحدة، فرغب الكفار في أن ينزل القرآن مثلها دفعة واحدة.

و ليست الدواعي للنزول التدريجي منحصرة فيما سبق، بل أنّ هناك أسباباً و دواعي أُخرى دعت إلى نزوله نجوماً، و هي مسايرة الكتاب للحوادث التي تستدعي لنفسها حكماً شرعياً، فإنّ المسلمين كانوا يواجهون الاحداث المستجدَّة‌

____________

(1) الاسراء: 106.

(2) الفرقان: 32.

13

في حياتهم الفردية و الاجتماعية و لم يكن لهم محيص من طرحها على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بغية الظفر بأجوبتها، و قد تكرر في الذكر الحكيم قوله سبحانه:" يَسْئَلُونَكَ*" قرابة خمس عشرة مرّة و تصدى النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- للإِجابة عنها، و تختلف تلك المواضيع بين الاستفسار عن حكم شرعي، كحكم القتال في الشهر الحرام، و الخمر، و الميسر، و التصرف في أموال اليتامى، و الأَهلّة، و المحيض، و الأَنفال، و غير ذلك؛ أو الاستفسار عن أُمور كونية كالروح و الجبال و الساعة.

و هناك شي‌ء آخر ربما يؤَكد لزوم كون التشريع أمراً تدريجياً، و هو أنّ موقف النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- تجاه أُمته كموقف الطبيب من مريضه، فكما أنّ الطبيب يعالج المريض شيئاً فشيئاً حسب استعداده، فكذلك الطبيب الروحي يمارس نشاطه التربوي طبقاً لقابليات الأُمة الكامنة بغية الاستجابة، لئلا تُثبط عزائمُهم و يُطفأ نشاطهم و يُثقل كاهلهم.

و مع ذلك فإن كانت الظروف مهيَّأة لنزول تشريع أكثر تفصيلًا و أوسع تعقيداً وافاهم الوحي به، كما في قوله سبحانه: قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ مِنْ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّٰاهُمْ وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (1).

و قال سبحانه:" وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزٰانَ بِالْقِسْطِ لٰا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا وَ إِذٰا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ بِعَهْدِ اللّٰهِ أَوْفُوا ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (2).

حيث تجد أنّ الآيتين تتكفّلان تشريع عشرة أحكام تُعَدُّ من جوامع الكلم،

____________

(1) الانعام: 151.

(2) الانعام: 152.

14

و قد روى أمين الإِسلام الطبرسي، قال: روى علي بن إبراهيم، قال: خرج أسعد بن زرارة و ذكوان إلى مكة في عمرةِ رجب يسألون الحلف على الأَوس، و كان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، فقال له: إنّه كان بيننا و بين قومنا حرب و قد جئناكم نطلب الحلف عليهم، فقال عتبة: بعُدت دارنا عن داركم و لنا شغل لا نتفرغ لشي‌ء، قال: و ما شغلكم و أنتم في حرمكم و أمنكم؟! قال له عتبة: خرج فينا رجل يدّعي انّه رسول اللّه، سفّه أحلامنا، و سبّ آلهتنا، و أفسد شبابنا، و فرّق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً، و أعظمنا بيتاً؛ و كان أسعد و ذكوان و جميع الأَوس و الخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم أبناء «النضير» و «قريظة» و «قينقاع» انّ هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجرة بالمدينة لنقتلنَّكم به يا معشر العرب، فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود، قال: فأين هو؟ قال: جالس في الحِجْر، و انّهم لا يخرجون من شِعْبهم إلّا في الموسم، فلا تسمع منه و لا تُكلّمه، فإنّه ساحر يسحرك بكلامه، و كان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب، فقال له أسعد: فكيف أصنع و أنا معتمر لا بدّ لي أن أطوف بالبيت؟ فقال: ضع في أُذنيك القطن، فدخل أسعد المسجد و قد حشا أُذنيه من القطن، فطاف بالبيت و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة، فجازه.

فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل منّي، أ يكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أعرفه؟! حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثمّ أخذ القطن من أُذنيه و رمى به، و قال لرسول اللّه: أنعم صباحاً، فرفع رسول اللّه رأسه إليه و قال: «قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السّلام عليكم» فقال له أسعد: إنّ عهدك بهذا لقريب إلى مَ تدعو يا محمد؟ قال: «إلى شهادة أن لا إله إلّا اللّه و انّي‌

15

رسول اللّه، و أدعوكم:" أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ مِنْ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّٰاهُمْ وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزٰانَ بِالْقِسْطِ لٰا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا وَ إِذٰا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كٰانَ ذٰا قُرْبىٰ وَ بِعَهْدِ اللّٰهِ أَوْفُوا ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (1).

فلما سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و انّك رسول اللّه.

يا رسول اللّه بأبي أنت و أُمّي أنا من أهل يثرب من الخزرج، و بيننا و بين إخواننا من الأَوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك فلا أجد أعزّ منك، و معي رجل من قومي فإن دخل في هذا الأَمر رجوت أن يتمم اللّه لنا أمرنا فيك، و اللّه يا رسول اللّه لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك، و كانوا يبشّروننا بمخرجك، و يخبروننا بصفتك، و أرجو أن تكون دارُنا دارَ هجرتك، و عندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد للّه الذي ساقني إليك، و اللّه ما جئت إلّا لنطلب الحلف على قومنا، و قد أتانا اللّه بأفضل ممّا أتيت له (2).

و مع ذلك كلّه فالتدرّج هو المخيِّم على التشريع، خاصة فيما إذا كان الحكم الشرعي مخالفاً للحالة السائدة في المجتمع، كما في شرب الخمر الذي ولع به المجتمع الجاهلي آن ذاك، فمعالجة هذه الرذيلة المتجذّرة في المجتمع رهن طيّ خطوات تهيّئ الأَرضية اللازمة لقبولها في المجتمع.

____________

(1) الانعام: 152151.

(2) الطبرسي: إعلام الورى: 5755.

16

و قد سلك القرآن في سبيل قلع جذور تلك الرذائل مسلك التدرّج.

فتارة جعل السكر مقابلًا للرزق الحسن، و قال:" وَ مِنْ ثَمَرٰاتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنٰابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً" (1).

فاعتبر اتّخاذ الخمر من التمور و الأَعناب في مجتمع كان تعاطي الخمر فيه جزءاً أساسياً من حياته مخالفاً للرزق الحسن، و بذلك أيقظ العقول.

و هذه الآية مهّدت و هيّأت العقول و الطبائع المنحرفة لخطوة أُخرى في سيرها نحو تحريم الخمر، فتلتها الآية الثانية معلنة بأنّ في الخمر و الميسر إثماً و نفعاً، و لكن إثمهما أكبر من نفعهما، قال سبحانه:" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ وَ إِثْمُهُمٰا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمٰا" (2).

إنّ هذا البيان و إن كان كافياً إلّا أنّ جماهير الناس لا يقلعون عن عادتهم المتجذّرة ما لم يرد نهي صريح حتى وافتهم الآية الثالثة، قال سبحانه:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ" (3) الآية الكريمة جاءت بالنهي الصريح عن شرب الخمر في وقت محدّد، أي عند إرادة الصلاة بغية الوقوف على ما يتلون من القرآن و الأَذكار.

فهذه الخطوات الثلاث هيّأت أرضية صالحة للتحريم القاطع الذي بيّنه سبحانه في قوله:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (4).

و أدلّ دليل على أنّ التشريع القرآني كان يتمتع بالتدرّج، تتابع الأَسئلة على‌

____________

(1) النحل: 67.

(2) البقرة: 219.

(3) النساء: 43.

(4) المائدة: 90.

17

النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- في فترات مختلفة بغية إجابة الوحي عنها، قال سبحانه: 1-" يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلْ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ" (1).

2-" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ قُلْ قِتٰالٌ فِيهِ كَبِيرٌ" (2).

3-" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ" (3).

4-" وَ يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ" (4).

5-" وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتٰامىٰ قُلْ إِصْلٰاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ" (5).

6-" وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً" (6).

7-" يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ" (7).

8-" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ قُلِ الْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ الرَّسُولِ" (8).

و قد جاء في بعض الآيات لفظ الاستفتاء بدل السؤال: قال سبحانه: 9-" وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسٰاءِ قُلِ اللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" (9).

10-" يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّٰهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلٰالَةِ" (10).

____________

(1) البقرة: 215.

(2) البقرة: 217.

(3) البقرة: 219.

(4) البقرة: 219.

(5) البقرة: 220.

(6) البقرة: 222.

(7) المائدة: 4.

(8) الأَنفال: 1.

(9) النساء: 127.

(10) النساء: 176.

18

و ممّا يدل أيضاً على أنّ التشريع القرآني أخذ على نفسه صورة التدرّج هو انّ الآيات المتضمّنة للأَحكام الشرعية منبثة في سؤر شتى غير مجتمعة في محل واحد، و هذا يوضح انّ التشريع لم يكن على غرار التشريع في التوراة الذي نزل دفعة واحدة يقول سبحانه:" وَ كَتَبْنٰا لَهُ فِي الْأَلْوٰاحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ فَخُذْهٰا بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهٰا سَأُرِيكُمْ دٰارَ الْفٰاسِقِينَ" (1).

و قال:" وَ لَمّٰا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوٰاحَ وَ فِي نُسْخَتِهٰا هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" (2).

2- الاقتصار على الأَحكام الكلية

يتميز التشريع القرآني في مجال العبادات و المعاملات و غيرهما بعرض أُصول كلية يترك تفاصيلها إلى السنّة الشريفة، فترى أنّ لفظة الصلاة قد ذكرت في القرآن قرابة 67 مرّة، و أكثرها حول الصلاة الواردة في الشريعة الإِسلامية، و بالرغم من ذلك نجد انّه لم يذكر شيئاً كثيراً من تفاصيلها إلّا قليلًا، كأوقات الصلاة، و نظيرها الصوم و الزكاة و الخمس، و ما هذا إلّا لأَنّ القرآن هو الدستور العام للمسلمين، و الدعامة الاساسية للتشريع، فطبيعة الحال تقتضي ترك التفاصيل إلى السنّة، و لكن مع اقتصاره على الأصول، قلّما يتّفق لباب أو كتاب فقهي لم يستمد من آية قرآنية، فكأنّ آيات الاحكام مع قلّتها لها مادة حيوية تعين الفقيه على التطرّق إلى كافة الأَبواب الفقهية.

____________

(1) الأَعراف: 145.

(2) الأَعراف: 154.

19

3- النظر إلى المعاني لا الظواهر

إنّ التشريع القرآني ينظر إلى الحقائق لا إلى القشور، فلا تجد في الإِسلام مظهراً خاصاً من مظاهر الحياة يكون له من القداسة ما يمنع من تغييره و يوجب حفظه إلى الأَبد بشكله الخاص، فليس هناك تناقض بين تعاليمه و التقدّم العلمي.

فلو كان التشريع الإِسلامي مصرّاً على صورة خاصة من متطلبات الحياة لما انسجم مع الحياة، فمثلًا ينهى الإِسلام عن أكل الأَموال بالباطل، و على هذا فرّع الفقهاء حرمة بيع الدم لعدم وجود منفعة محلّلة له في تلك الأَعصار الغابرة بيد انّ تقدّم العلوم و الحضارة أتاح للبشر أن يستخدم الدم في منافع محلّلة لم يكن لها نظير من قبل، فعادت المعاملة بالدم في هذه الأَعصار معاملة صحيحة لا بأس بها، و ليس هذا من قبيل نسخ الحكم، بل من باب تبدّل الحكم بتبدّل موضوعه كانقلاب الخمر خلًا.

فالإِسلام حرّم أكل المال بالباطل، فمادام بيع الدم مصداقاً لتلك الآية كان محكوماً بالحرمة، فلمّا أُتيح للبشر أن يستفيد منه في علاج المرضى خرج عن كونه مصداقاً للآية، و هذا هو الذي عبّرنا عنه في عنوان البحث بأنّ الإِسلام ينظر إلى المعاني لا إلى القشور.

4- مرونة التشريع

إنّ من ملامح التشريع القرآني مرونته و قابليته للانطباق على جميع الحضارات الإِنسانية، و ما ذلك إلّا لأَنّه جاء بتشريعات خاصة لها دور التحديد و الرقابة على سائر تشريعاته، و هذا التشريع أعطى للدين مرونة و منعطفاً جديداً‌

20

قال سبحانه:" وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (1).

و قال:" مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (2).

و قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-: «لا ضرر و لا ضرار».

فحدّد كلَّ تشريع بعدم استلزامه الضرر و الضرار، فأوجب التيمم مكان الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً، كما أوجب الإِفطار على المريض و المسافر لغاية اليسر، قال سبحانه:" وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (3).

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات التي لها دور التحديد و الرقابة.

و جاء في الحديث عن الصادع بالحقّ أنّه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة» (4).

و قال الامام الصادق- (عليه السلام)-: «إنّ هذا الدين لمتين، فأوغلوا فيه برفق، لا تكرّهوا عبادة اللّه لعباد اللّه» (5).

5- شمولية التشريع

أخذ القرآن الإِنسان محوراً لتشريعه، مجرّداً عن النزعات القومية و الوطنية و الطائفية و اللونية و اللسانية، فنظر إلى الموضوع بنظرة شمولية و قال:

____________

(1) الحج: 78.

(2) المائدة: 6.

(3) البقرة: 185.

(4) أحمد بن حنبل: المسند: 5- 266.

(5) الكافي: 2- 70 ح 1.

21

" يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (1).

التشريع القرآني تشريع من جانب ربِّ العالمين إلى نوع البشر، فالوطن و القوم و القبيلة لم تؤخَذ بنظر الاعتبار، و الكرامة للإِنسان وحده، و لا فضل لإِنسان على آخر إلّا بالمُثُل و الأَخلاق.

فترى أنّه يخاطب المجتمع الإِنساني بقوله:" يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ*" أو" يٰا بَنِي آدَمَ*" أو" يا أَيُّهَا المؤمنون" و ما ضاهاها، فكسر جميع الحواجز و القيود التي يعتمد عليها المفكّر المادي في التقنين الوضعي، و الذي يقتفي أثر اليهود في مزعمة الشعب المختار.

إنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- هو القائل بأنّه ليست العربية بأب والد، و إنّما هو لسان ناطق، و في الوقت نفسه لا يعني بكلامه هذا انّ العلائق الطبيعية، كالانتماء الوطني أو القومي بغيضة لا قيمة لها، و إنّما يندّد باتّخاذها محاور للتقنين، و سبباً للكرامة و المفخرة، أو سبيلًا لتحقير الآخرين، و إيثارها على الدين و العقيدة، يقول سبحانه:" لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كٰانُوا آبٰاءَهُمْ أَوْ أَبْنٰاءَهُمْ أَوْ إِخْوٰانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولٰئِكَ حِزْبُ اللّٰهِ أَلٰا إِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (2).

و العجب انّه قد صدر هذا من لدن إنسان أُمّي نشأ في بيئة تسودها خصلتان على جانب الضد من هذا النمط من التشريع، و هما:

____________

(1) الحجرات: 13.

(2) المجادلة: 22.

22

الأُمّية و التعصّب.

و هذا الإِنسان المثالي صان بأنظمته كرامة الإِنسان، و رفعه إلى الغاية القصوى من الكمال، و أخذ يخاطب ضميره الدفين، و مشاعره النبيلة، و يكلّفه بما فيه صلاحه، و يقول:" هٰذٰا بَيٰانٌ لِلنّٰاسِ" (1).

" هٰذٰا بَلٰاغٌ لِلنّٰاسِ" (2).

" بَصٰائِرَ لِلنّٰاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً*" (3).

" يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي الصُّدُورِ" (4).

و إذا قورن هذا النوع من التشريع الذي ينظر إلى الإِنسان بنظرة شمولية و برأفة و رحمة، دون فرق بين عنصر و آخر، بالتقنين الوضعي السائد في أعصارنا في الشرق و الغرب الناظر إلى الإِنسان من منظار القومية أو الطائفية و غيرهما من النزعات المقيتة، لبان انّ التشريع الأَوّل تشريع سماوي لا صلة له بتلك النزعات، و الآخر تشريع بشري متأثر بنظرات ضيّقة تجود على إنسان و تبخل على آخر، و كفى في ذلك فرقاً بين التشريعين.

6- النظر إلى المادة و الروح على حد سواء

آلف القرآن بتعاليمه القيّمة بينهما مؤَالفة تفي بحقّ كلّ منهما حيث يفسح‌

____________

(1) آل عمران: 138.

(2) إبراهيم: 52.

(3) القصص: 43.

(4) يونس: 57.

23

للإِنسان أن يأخذ قسطه من كلّ منهما بقدر ما يصلحه.

لقد غالت المسيحية (الغابرة) بالاهتمام بالجانب الروحي للإِنسان حتى كادت أن تجعل كلّ مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية و التعزب، و ترك ملاذّ الحياة، و الانعزال عن المجتمع، و العيش في الاديرة و قلل الجبال و التسامح مع المعتدين.

كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كلّ قيمة روحية، و جعلت الحصول على المادة بأي وسيلة كانت، المقصد الاسنى، و دعت إلى القومية الغاشمة.

لكن الإِسلام أخذ ينظر إلى واقع الإِنسان بما هو كائن ذو بعدين، فبالبعد المادي لا يستغني عن المادة، و بالبعد الروحي لا يستغني عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة و الالتذاذ بها بشكل لا يؤَثرها على حياته الروحية، كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا يصادم فطرته و طبيعته؛ و هكذا فقد قرن بين عبادة اللّه و طلب الرزق و ترفيه النفس، فندب إلى القيام بالليل و إقامة النوافل، و في الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش و توخّي اللّذة، قال سبحانه:" وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيٰاماً" (1) و قال أيضاً:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ" (2).

و قال علي أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: «للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يروم فيها معاشه، و ساعة يخلّي بينه و بين لذاتها» (3).

____________

(1) الفرقان: 64.

(2) الأَعراف: 32.

(3) نهج البلاغة: باب الحكم، الحكمة 93.

24

7- العدالة في التشريع

و من ملامح التشريع القرآني، العدالة حيث تراها متجلية في كافة تشريعاته، خاصة فيما يرجع إلى القانون و الحقوق، قال سبحانه:" وَ لٰا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ*" (1).

و قال تعالى:" فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ" (2).

و قال تعالى:" وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فَمَنْ عَفٰا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الظّٰالِمِينَ" (3).

و قال سبحانه:" وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ*" (4).

و قال سبحانه:" وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (5).

إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أنّ هيكل التشريع الإِسلامي بُني على أساس العدل و القسط.

8- الفطرة هي المقياس

أنّ للإِنسان مع قطع النظر عن الظروف الموضوعية المحيطة به شخصية تكوينية ثابتة لا تنفك عنه عبر الزمان، فالغرائز السفْلية و العلويّة هي التي تكوّن شخصيته و لا تنفك عنه ما دام الإِنسان إنساناً، فجعل الفطرة معياراً للتشريع، فكلّ‌

____________

(1) البقرة: 190.

(2) البقرة: 194.

(3) الشورى: 40.

(4) الانعام: 164.

(5) البقرة: 228.

25

عمل يجاوب و ينساق مع الفطرة فقد أحلّها، و ما هو على موضع الضدّ منها فقد حرّمها.

فقد ندب إلى الروابط العائلية و تنسيق الروابط الاجتماعية، كرابطة الولد بوالديه، و الأَخ بأخيه، و الإِنسان المؤمن بمثله، كما قد حذّر ممّا ينافي خلقه و إدراكه العقلي، كتحريمه الخمر و الميسر و السفاح، لما فيها من إفساد للعقل الفطري و النسل و الحرث.

فالأَحكام الثابتة في التشريع القرآني تشريع وفق الفطرة.

9- تشريعاته خاضعة للملاك

نعم ثمة ميزة أُخرى للتشريع القرآني، و هو أنّه مبني على المصالح و المفاسد الواقعية.

فلا واجب إلّا لمصلحة في فعله، و لا حرام إلّا لمصلحة في تركه، فلا يشوب التشريع القرآني فوضى، قال سبحانه:" إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" (1).

و قال سبحانه:" وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ" (2).

و على هذا الأَساس فقد عقد فقهاء الشيعة باباً خاصاً باسم تزاحم الاحكام في ملاكاتها حيث يقدّم الأَهم على المهم، و يتوصل في تمييزهما بالقرائن المفيدة للاطمئنان.

10- سعة آفاق دلالته

إنّ من تمعّن في القرآن الكريم و تدبّر في معانيه و مفاهيمه، يقفُ على سعة‌

____________

(1) المائدة: 91.

(2) العنكبوت: 45.

26

آفاق دلالته على مقاصده، غير انّ ثلّة من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع أنّه سبحانه يعرّف القرآن بقوله:" وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرىٰ لِلْمُسْلِمِينَ" (1).

و على ضوء ذلك لا غنى للفقيه عن دراسة آيات الأَحكام دراسة معمّقة ثاقبة، ليجد فيها الجواب على أكثر المسائل المطروحة، و لا ينظر إليها نظرة عابرة.

و قد استدل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالقرآن على كثير من الاحكام التي غفل عنها فقهاء عصرهم، و نذكر هنا نموذجاً على ذلك: قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الايمان يمحو ما قبله، و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود.

فكتب المتوكل إلى الامام الهادي- (عليه السلام)- يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».

فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه الرّحمنِ الرَّحيم:" فَلَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا قٰالُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنٰا بِمٰا كُنّٰا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمٰانُهُمْ لَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا سُنَّتَ اللّٰهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبٰادِهِ وَ خَسِرَ هُنٰالِكَ الْكٰافِرُونَ" (2) فأمر به المتوكل، فضرب حتى مات (3).

تجد انّ الامام الهادي- (عليه السلام)- استنبط حكم الموضوع من آية مباركة، لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الاحكام، غير انّ الامام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، و كم لها من نظير.

و لو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات التي استشهد بها أئمّة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً‌

____________

(1) النحل: 89.

(2) غافر: 84 85.

(3) ابن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب: 4054- 403-

27

تعليمياً لا تعبدياً لوقف على سعة آفاق القرآن.

و ها نحن نذكر مثالين على سعة آفاق دلالته: 1- إنّ الأصوليين تحمّلوا عبئاً ثقيلًا لإِثبات كون الأَمر موضوعاً للوجوب و مجازاً في الندب، فإذا ورد الأَمر في الكتاب احتاجوا في استفادة الوجوب منه إلى نفي المدلول المجازي، بإجراء أصالة الحقيقة.

و لكن هذا النمط جار في المحاورات العرفية، و القرآن في غنى عنها في أغلب الموارد أو أجمعها، فإنّ لاستفادة الوجوب أو الندب في الأَوامر الواردة في القرآن طريقاً آخر، و هو الايعاز بالعذاب أو النار كما نجده في كثير من الواجبات مثل الصلاة و الزكاة و الأَمر بالمعروف و النهي عن المنكر، قال سبحانه:" مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ" (1).

قال سبحانه:" وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مٰالَهُ يَتَزَكّٰى" (2) بل كل ما أوعد على فعله أو تركه يستفاد منه الوجوب أو الحرمة.

2- اختلف الفقهاء في وجوب الكتابة في التداين بدين و الاستشهاد بشاهدين الواردين في قوله سبحانه:" وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كٰاتِبٌ بِالْعَدْلِ .. وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ" (3).

فمن قائل بالوجوب أخذاً بأصالة الحقيقة، و قائل باستحبابه مستدلًا بالإِجماع، و معتذراً عن الأَصل المذكور بكثرة استعمال صيغة الأَمر في الندب، مع أنّ الرجوع إلى نفس الآية و ما ورد حولها من الحكمة يعطي بوضوح أنّ الأَمرين لا‌

____________

(1) المدثر: 42 43.

(2) الليل: 17- 18.

(3) البقرة: 282.

28

للوجوب و لا للندب، بل الأَمران إرشاديان لئلّا يقع الاختلاف بين المتداينين فيسد باب النزاع و الجدال.

قال سبحانه:" ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهٰادَةِ وَ أَدْنىٰ أَلّٰا تَرْتٰابُوا إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً حٰاضِرَةً تُدِيرُونَهٰا بَيْنَكُمْ" (1).

و يدلّ على سعة دلالته أيضاً ما رواه المعلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه- (عليه السلام)-: «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلّا و له أصل في كتاب اللّه عزّ و جلّ، و لكن لا تبلغه عقول الرجال» (2).

و قال الإِمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: «ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم، أُخبركم عنه انّ فيه علم ما مضى، و علم ما يأتي إلى يوم القيامة، و حكم ما بينكم، و بيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم» (3).

و قال الصادق- (عليه السلام)-: «كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم، و خبر ما بعدكم، و فصل ما بينكم، و نحن نعلمه» (4).

و السابر في روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يقف على أنّهم كانوا يستنبطون من الآيات نكاتٍ بديعة و معاني رفيعة عن مستوى الافهام.

و ربّما يتصوّر الساذج انّ هذا النوع من التفسير تفسير بالرأي و فرض على الآية، و لكن بعد الامعان في الرواية و الوقوف على كيفية استدلالهم (عليهم السلام) يذعن بأنّ لها دلالة خفيّة على ذلك المعنى الرفيع الشامخ و قد غفل عنه الآخرون.

مثال ذلك ما رواه العياشي في تفسيره، عن زرقان صاحب ابن أبي داود: أنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة و سأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه و قد أحضر محمد بن علي (عليهما السلام) فسألنا عن القطع في أيّ‌

____________

(1) البقرة: 282.

(2) الكافي: 611- 60، باب الرد إلى الكتاب و السنّة، الحديث 6 و 7 و 9.

(3) الكافي: 611- 60، باب الرد إلى الكتاب و السنّة، الحديث 6 و 7 و 9.

(4) الكافي: 611- 60، باب الرد إلى الكتاب و السنّة، الحديث 6 و 7 و 9.

29

موضع يجب أن يقطع، فقال الفقهاء: من الكرسوع، لقول اللّه في التيمم:" فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ*" (1).

فالتفت الخليفة إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فأجاب: «إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأَصابع، و يترك الكف» قال: لِمَ؟ قال: «لقول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-: السجود على سبعة أعضاء: الوجه، و اليدين، و الركبتين، و الرجلين؛ فإذا قطعت يده من الكرسوع لم يبق له يد يسجد عليها، و قال اللّه تبارك و تعالى:" وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ" يعني به الأَعضاء السبعة التي يسجد عليها:" فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً" و ما كان للّه لم يقطع».

فأعجب المعتصم ذلك، فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأَصابع دون الكف (2).

و روى عن الإِمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أنّه كان إذا قطع السارق ترك الإِبهام و الراحة، فقيل له: يا أمير المؤمنين تركت عليه يده؟ قال: فقال لهم: «فإن تاب فبأي شي‌ء يتوضأ؟ لأَنّ اللّه يقول:" وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا" إلى قوله:" فَمَنْ تٰابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللّٰهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (3) (4).

فهذا النمط من الاستدلال يوقف القارىَ على سعة دلالة الآيات القرآنية، و انّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هم السابقون في هذا المضمار، يستنبطون من القرآن ما‌

____________

(1) النساء: 43.

(2) الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5 و 6.

(3) المائدة: 3938.

(4) الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5 و 6.

30

لا تصل إليه الافهام.

و أمّا عدد آيات الاحكام فقد ذكر الفاضل المقداد في تفسيره «كنز العرفان» ما هذا نصّه: اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو خمسمائة آية، و ذلك إنّما هو بالمتكرر و المتداخل، و إلّا فهي لا تبلغ ذلك، فلا يظن من يقف على كتابنا هذا و يضبط عدد ما فيه، انّا تركنا شيئاً من الآيات فيسي‌ء الظن به و لم يعلم انّ المعيار عند ذوي البصائر و الأَبصار، إنّما هو التحقيق و الاعتبار لا الكثرة و الاشتهار (1).

و يظهر من البعض أنّ عدد آيات الاحكام ربما تبلغ 330 آية، قال عبد الوهاب خلاف: ففي العبادات بأنواعها نحو 140 آية.

و في الأَحوال الشخصية من زواج و طلاق و إرث و وصية و حجر و غيرها نحو سبعين آية.

و في المجموعة المدنية من بيع و إجارة و رهن و شركة و تجارة و مداينة و غيرها نحو سبعين آية.

و في المجموعة الجنائية من عقوبات و تحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.

و في القضاء و الشهادة و ما يتعلق بها نحو عشرين آية (2).

و لكن بالنظر إلى ما ذكرنا من سعة آفاق دلالته يتبيّن انّ عددها ربّما يتجاوز‌

____________

(1) جمال الدين المقداد السيوري: كنز العرفان في فقه القرآن: 1- 5.

(2) عبد الوهاب خلاف: خلاصة تاريخ التشريع الإِسلامي: 28 29.

31

الخمسمائة، إذ ربّ آية لا تمت إلى الأَحكام بصلة، و لكن بالدقة و الإِمعان يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي.

فمثلًا سورة المسد، أعني قوله سبحانه:" تَبَّتْ يَدٰا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ. مٰا أَغْنىٰ عَنْهُ مٰالُهُ وَ مٰا كَسَبَ .." (1) بظاهرها ليست من آيات الاحكام، و لكن للفقيه أن يستند إليها في استنباط بعض الأَحكام الشرعية، و قد حكي عن بعض الفقهاء انّه استنبط من سورة «المسد» قرابة عشرين حكماً فقهياً، كما استنبطوا من قوله سبحانه:" قٰالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هٰاتَيْنِ عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ .." (2) أحكاماً شرعية.

و هذا بالنسبة إلى ما ذكرناه من سعة آفاق دلالة القرآن ليس بغريب.

المدينة محط التشريع

بعث النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- برسالة كاملة في مجالي العقيدة و الشريعة، فوجه اهتمامه ابتداءً إلى بيان العقائد الصحيحة، و مكافحة ألوان الشرك في بيئة كان يسودها الشرك و الوثنية، فتجد انّ أكثر الآيات النازلة في هذا الصدد تستعرض العقيدة و ردّ ما كان عليه المشركون من عقائد باطلة، و تستعرض أيضاً أحوال أُمم حادوا عن جادة الحق بعبادة الآلهة و عاقبتهم ليكون عبرة للمخاطبين، و كان هذا أحد أسباب قلّة التشريع في تلك البيئة، فإنّ الأَحكام تُقنّن للمؤمنين بالشريعة‌

____________

(1) المسد: 21.

(2) القصص: 27 28.

32

المنصاعين لها، و أمّا المشركون فلا معنى لمخاطبتهم بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة ما داموا لم يؤمنوا بها بعد.

نعم لمّا هاجر النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- إلى المدينة و التفّ حوله الأَوس و الخزرج و كثير من المهاجرين من مكة و تم إنشاء دولة و مجتمع على دعامة الدين، اقتضت الحاجة إلى تشريع أحكام في كافة الجوانب لتسيير أُمور تلك الدولة و المجتمع.

و لذلك تجد انّ السور المكية لم تتناول التشريع و الأَحكام بينما تناولت السور المدنية هذا الجانب، و إليك أسماء السور التي نزلت بالمدينة.

ذكر السيوطي بسند خاص عن ابن عباس، بعد ما أنهى ذكر السور المكيّة قال: و أمّا ما أنزل بالمدينة: 1- سورة البقرة، ثمّ الأَنفال، ثمّ آل عمران، ثمَّ الأَحزاب، ثمَّ الممتحنة، ثمَّ النساء، ثمّ (إذا زلزلت)، ثمّ الحديد، ثمّ القتال، ثمَّ الرعد، ثمّ الإِنسان، ثمّ الطلاق، ثمّ (لم يكن)، ثمّ الحشر، ثمّ (إذا جاء نصر اللّه)، ثمّ النور، ثمَّ الحج، ثمّ المنافقون، ثمّ المجادلة، ثمَّ الحجرات، ثمّ التحريم، ثمّ الجمعة، ثمّ التغابن، ثمّ الصف، ثمَّ الفتح، ثمَّ المائدة، ثمَّ براءة (1).

و يمكن دراسة آيات الاحكام من جانبين

: الأَوّل: أن يبحث فيها حسب ترتيب السور كما عليه أكثر الكتب المؤَلّفة عند أهل السنّة، كالجصاص و ابن العربي و غيرهما، و هذا ما لا نستحسنه، لَانّ القرآن حينما يتناول بحث الجهاد لا يتطرق إليه في سورة واحدة، بل يبثّها في عدة سور،

____________

(1) الإِتقان: 1- 31.

33

فالفقيه الذي يريد استنباط أحكام الجهاد من القرآن فلا بدّ له من المراجعة لتلك الآيات في عدة سور.

و هو يأخذ منه وقتاً كثيراً و لا يصل إلى المقصد إلّا بعد جهد و مشقة.

الثاني: ما هو الدارج عند الشيعة، و هو دراستها حسب المواضيع الفقهية، فمثلًا يبحث عن كل من آيات الطهارة و الصلاة و الصوم و الزكاة و الخمس .. في باب على حدة، و هذا ما يطلق عليه التفسير الموضوعي في إطار خاص.

قال عبد الوهاب خلاف: و أوّل واجب على من يستأهل للاجتهاد أن يحصى آيات الاحكام في القرآن، و يجمع آيات كلّ نوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق، و كلّ آياته في الإِرث، و كلّ آياته في البيع، و كلّ آياته في العقوبات، و هكذا، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة و يقف على أسباب نزولها، و على ما ورد في تفسيرها من السنّة، و من آثار للصحابة أو التابعين، و على ما فسّرها به المفسّرون، و يقف على ما تدل عليه نصوصها، و ما تدل عليه ظواهرها، و على المحكم منها، و المنسوخ و ما نسخه (1).

أقول: إنّ ما أوجبه الأُستاذ و هو جعل آيات كلّ باب على حدة و دراستها قد قام بتحقيقه علماء الشيعة قبل قرون، و إليك بعض مؤَلفاتهم في هذا المجال: 1- أوّل من صنّف في هذا المجال هو محمد بن السائب بن بشر الكلبي.

قال عنه شيخنا الطهراني: هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، من أصحاب أبي جعفر الباقر و أبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام)، و (المتوفّى سنة 146 ه)، و هو والد‌

____________

(1) مصادر التشريع الإِسلامي: 14.

34

هشام الكلبي النسّابة الشهير و صاحب التفسير الكبير الذي هو أبسط التفاسير كما أذعن به السيوطي في الإتقان.

قال ابن النديم في «الفهرست» بعد ذكره للكتب المؤَلّفة في أحكام القرآن ما لفظه: كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عباس (1).

و قد توالى التأليف بعد الكلبي على أيدي أئمّة الفقه من الشيعة و ألّفوا كتباً كثيرة في هذا المضمار نشير إلى البعض منها: 2- «فقه القرآن» للشيخ الامام قطب الدين الراوندي (المتوفّى 573 ه) و قد طبع عام 1405 ه.

3- «كنز العرفان» للشيخ جمال الدين أبي عبد اللّه المقداد السيوري المتوفّى (826 ه) من تلامذة الشهيد الأَوّل، طبع في جزءين، عام 1384 ه.

4- «زبدة البيان في أحكام القرآن» للمولى أحمد بن محمد المعروف بالمحقّق الأَردبيلي (المتوفّى 993 ه)، صاحب مجمع الفائدة و البرهان، و قد طبعت غير مرّة.

5- «مسالك الافهام إلى آيات الاحكام» للشيخ الجواد الكاظمي، المتوفّى أواسط القرن الحادي عشر، و قد فرغ من تأليفه عام 1043 ه، طبع في أربعة أجزاء عام 1387 ه.

6- «قلائد الدرر في بيان آيات الأَحكام بالأَثر» تأليف الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل بن الشيخ عبد النبي الجزائري النجفي (المتوفّى 1151 ه)، طبع عام 1327 ه.

هذه نماذج ممّا ألّفه أصحابنا حول آيات الاحكام، مراعين فيها ترتيب‌

____________

(1) الذريعة: 4- 311.

35

الكتب الفقهية، جامعين آيات كلّ نوع في باب على حدة.

و أمّا ما ألّفه أهل السنّة، فهو كالتالي: 1- «أحكام القرآن» لأَبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي المتوفّى عام (204 ه) بمصر.

2- «أحكام القرآن» تأليف أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص (المتوفّى 370 ه).

طبع سنة 1325 ه، و أُعيد طبعه بالأُوفست عام 1406 ه.

و هو كتاب قيم استفاد منه أكثر من تأخر عنه.

3- «أحكام القرآن» لعماد الدين علي بن محمد الطبري المعروف بالكيا الهرّاسي (المتوفّى 504 ه) طبع في جزءين، نشرته دار الكتب العلمية، ببيروت عام 1405 ه.

4- «أحكام القرآن» لأَبي بكر محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي (543468 ه) طبع في دار المعرفة، بيروت عام 1392 ه، و قدّم له علي محمد البجاوي.

5- «تفسير آيات الاحكام» قام بتأليفه الشيخ السائس و قد جمع مادتها من أُمهات كتب التفسير و الحديث و الفقه، و قد أُعيد طبعه في دار ابن كثير و دار القادر.

إنّ الكتب المؤَلّفة حول آيات الأَحكام كثيرة اقتصرنا على هذا المقدار، و من أراد المزيد فعليه الرجوع إلى المصادر، و قد سرد أسماء كثير منها السائس في مقدمة تفسيره.

36

صيانة القرآن من التحريف

القرآن هو المصدر الرئيسي و المنبع الأَوّل للتشريع و عنه صدر المسلمون منذ نزوله إلى يومنا هذا، و هو القول الفصل في الخلاف و الجدال، إلّا أنّ هنا نكتة جديرة بالاهتمام، هي انّ الاستنباط في الذكر الحكيم فرع عدم طروء التحريف إلى آياته بالزيادة و النقص، و صيانته و إن كانت أمراً مفروغاً منه عند جميع طوائف المسلمين، و لكن لأَجل دحض بعض الشبه التي تثار في هذا الصدد، نتناول موضوع صيانة القرآن بالبحث و الدراسة على وجه الإِيجاز، فنقول:

التحريف لغة و اصطلاحاً

التحريف لغة تفسير الكلام على غير وجهه، يقال: حرّف الشي‌ء عن وجهه: حرّفه و أماله، و به يفسر قوله تعالى:" يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوٰاضِعِهِ*" (1).

قال الطبرسي في تفسير الآية: يفسرونه على ما أُنزّل، و المراد من المواضع هي المعاني و المقاصد.

و أمّا اصطلاحاً، فيطلق و يراد منه وجوه مختلفة: 1- تحريف مدلول الكلام، أي تفسيره على وجه يوافق رأي المفسِّر سواء أ وافق الواقع أم لا، و التفسير بهذا المعنى واقع في القرآن الكريم، و لا يمسُّ بكرامته أبداً، فإنّ الفرق الإِسلامية جمع اللّه شملهم عامة يصدرون عن القرآن و يستندون إليه، فكلّ صاحب هوى، يتظاهر بالأَخذ بالقرآن لكن بتفسير يُدْعِمُ عقيدته، فهو يأخذ بعنان الآية، و يميل بها إلى جانب هواه، و من أوضح مصاديق‌

____________

(1) النساء: 46.

37

هذا النوع من التفسير، تفاسير الباطنية حيث وضعوا من عند أنفسهم لكلّ ظاهر، باطناً، نسبته إلى الثاني، كنسبة القشر إلى اللبّ و أنّ باطنه يؤَدّي إلى ترك العمل بظاهره، فقد فسّروا الاحتلام بإفشاء سرّ من أسرارهم، و الغسلَ بتجديد العهد لمن أفشاه من غير قصد، و الزكاة بتزكية النفس، و الصلاةَ بالرسول الناطق لقوله سبحانه:" إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ" (1) (2) 2- النقص و الزيادة في الحركة و الحرف مع حفظ القرآن و صيانته، مثاله قراءة «يطهرن» حيث قُرِئ بالتخفيف و التشديد؛ فلو صحّ تواتر القراءات عن النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و لن يصحَّ أبداً و انّ النبي هو الذي قرأ القرآن بها، يكون الجميع قرآناً بلا تحريف، و إن قلنا: إنّه نزل برواية واحد، فهي القرآن وحدها و غيرها كلّها تحريف اخترعتها عقول القرّاء و زيّنوا قرآنهم بالحجج التي ذكروها بعد كلّ قراءة، و على هذا ينحصر القرآن بواحدة منها و غيرها لا صلة له بالقرآن، و الدليل الواضح على أنّها من اختراعات القرّاء إقامتهم الحجّة على قراءتهم و لو كان الجميع من صميم القرآن لما احتاجوا إلى إقامة الحجّة، و يكفيهم ذكر سند القراءة إلى النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-.

و مع ذلك فالقرآن مصون عن هذا النوع من التحريف، لأَنّ القراءة المتواترة، هي القراءة المتداولة في كلّ عصر، أعني: قراءة عاصم برواية حفص، القراءة الموصولة إلى علي- (عليه السلام)- و غيرها اجتهادات مبتدعة، لم يكن منها أثر في عصر النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-، و لذاك صارت متروكة لا وجود لها إلّا في بطون كتب القراءات، و أحياناً في ألسن بعض القرّاء، لغاية إظهار التبحّر فيها.

روى الكليني عن أبي جعفر- (عليه السلام)- قال: «إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد، و لكن الاختلاف يجي‌ء من قبل الرواة» (3) و لذلك لا نجيز القراءة غير المعروفة‌

____________

(1) العنكبوت: 45.

(2) المواقف: 8- 390.

(3) الكافي: 2- 630، الحديث 12.

38

منها في الصلاة.

3- تبديل كلمة مكان كلمة مرادفة، كوضع «أسرعوا» مكان" امضوا" في قوله سبحانه:" وَ لٰا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَ امْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ" (1).

و قد نسب ذلك إلى عبد اللّه بن مسعود و كان يقول: ليس الخطأ أن يقرأ مكان «العليم»، «الحكيم».

لكن أُجلّ ذلك الصحابي الجليل عن هذه التهمة، و أي غاية عقلائية يترتب على ذاك التبديل؟! 4- التحريف في لهجة التعبير، انّ لهجات القبائل كانت تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة من حيث الحركات و الأَداء، كما هو كذلك في سائر اللغات، فإنّ «قاف» العربية، يتلفّظ بها في إيران الإِسلامية العزيزة على أربعة أوجه، فكيف المفردات من حيث الحركات و الحروف؟! قال سبحانه:" وَ مَنْ أَرٰادَ الْآخِرَةَ وَ سَعىٰ لَهٰا سَعْيَهٰا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ كٰانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً" (2).

فكان بعض القرّاء تبعاً لبعض اللهجات يقرأ" و سعى" بالياء مكان الالف.

و هذا النوع من التحريف لم يتطرّق إلى القرآن، لَانّ المسلمين في عهد الخليفة الثالث لمّا رأوا اختلاف المسلمين في التلفّظ ببعض الكلمات، مثل ما ذكرناه أو تغيير بعضه ببعض مع عدم التغيّر في المعنى، مثل امض، عجل، أسرع على فرض الصحة قاموا بتوحيد المصاحف و غسل غير ما جمعوه، فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المذكور فاتفقوا على لهجة قريش.

____________

(1) الحجر: 65.

(2) الاسراء: 19.

39

5- التحريف بالزيادة لكنّه مجمع على خلافه، نعم نسب إلى ابن مسعود أنّه قال: إنّ المعوذتين ليستا من القرآن، انّهما تعويذان، و انّهما ليستا من القرآن (1).

كما نسب إلى العجاردة من الخوارج انّهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، و كانوا يرون أنّها قصة عشق لا يجوز أن يكون من الوحي (2).

و لكن النسبتين غير ثابتتين، و لو صحّ ما ذكره ابن مسعود لبطل تحدّي القرآن بالسورة، حيث أتى الإِنسان غير الموحى إليه بسورتين مثل سور القرآن القصار.

6- التحريف بالنقص و الإِسقاط عن عمد أو نسيان، سواء كان الساقط حرفاً، أو كلمة، أو جملة، أو آية، أو سورة، و هذا هو الذي دعانا إلى استعراض ذلك البحث‌

فنقول:

إنّ ادّعاء النقص في القرآن الكريم بالوجوه التي مرّ ذكرها أمر يكذبه العقل و النقل

، و إليك بيانهما:

1- امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن

إنّ القرآن الكريم كان موضع عناية المسلمين من أوّل يوم آمنوا به، فقد كان المرجع الأَوّل لهم، فيهتمون به قراءة و حفظاً، كتابة و ضبطاً، فتطرّق التحريف إلى مثل هذا الكتاب لا يمكن إلّا بقدرة قاهرة حتى تتلاعب بالقرآن بالنقص، و لم يكن للأُمويّين و لا للعباسيين تلك القدرة القاهرة، لَانّ انتشار القرآن بين القرّاء و الحفّاظ، و انتشار نسخه على صعيد هائل قد جعل هذه الأُمنية الخبيثة في عداد المحالات.

إنّ للسيد الشريف المرتضى بياناً في المقام نأتي بنصِّه، يقول: إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان و الحوادث الكبار، و الوقائع العظام، و الكتب‌

____________

(1) فتح الباري بشرح البخاري: 8- 571.

(2) الملل و النحل للشهرستاني: 1- 128.

40

المشهورة، و أشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت و الدواعي توفّرت على نقله و حراسته، و بلغت إلى حدّ لم يبلغه غيره فيما ذكرناه، لَانّ القرآن معجزة النبوّة، و مأخذ العلوم الشرعية، و الأَحكام الدينية، و علماء المسلمين قد بلغوا في حفظه و حمايته الغاية، حتى عرفُوا كلّ شي‌ء اختلف فيه من إعرابه و قراءته و حروفه و آياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً و منقوصاً مع العناية الصادقة و الضبط الشديد؟! قال: و العلم بتفسير القرآن و أبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، و جرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه و المُزَني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، و معلوم أنّ العناية بنقل القرآن و ضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه و دواوين الشعراء (1).

و هناك نكتة أُخرى جديرة بالإِشارة، و هي إنّ تطرّق التحريف إلى المصحف الشريف يعدُ من أفظع الجرائم التي لا يصحّ السكوت عنها، فكيف سكت الإِمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و خاصّته نظير سلمان و المقداد و أبي ذر و غيرهم مع انّا نرى أنّ الامام و ريحانة الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- قد اعترضا على غصب فدك مع أنّه لا يبلغ عُشْرَ ما للقرآن من العظمة و الأَهمية؟! و يرشدك إلى صدق المقال أنّه قد اختلف أُبيّ بن كعب و الخليفة الثالث في قراءة قوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ" (2) فأصرّ أُبيّ أنّه سمع عن النبي (بالواو) و كان نظر الخليفة إلى انّه خال منها، فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد و إرساله إلى العواصم، فهدّده أُبيّ و قال: لا بد و أن تكتب الآية بالواو و إلّا‌

____________

(1) مجمع البيان: 1- 15، قسم الفن الخامس، طبعة صيدا.

(2) التوبة: 34.

41

لَاضع سيفي على عاتقي فألحقوها (1).

كما نجد أنّ الامام- (عليه السلام)- أمر بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال، و قال: «و اللّه لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، و مُلِكَ به الإِماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة.

و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق» (2).

فلو كان هناك تحريف كان ردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالِّها أوجب و ألزم.

نرى أنّ علياً- (عليه السلام)- بعد ما تقلّد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهرية إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الامام و شدّد النكير عليها بحماس، فلو صدر أيّام الخلفاء شي‌ء من هذا القبيل حول القرآن لقام الامام بمواجهته، و ردّ ما حذف بلا واهمة.

و الحاصل: من قرأ سيرة المسلمين في الصدر الأَوّل يقف على أنّ نظرية التحريف بصورة النقص كان أمراً ممتنعاً عادة.

2- شهادة القرآن على عدم تحريفه

: آية الحفظ

إنّ القرآن هو الكتاب النازل من عند اللّه سبحانه، و هو سبحانه تكفّل صيانة القرآن و حفظه عن أيِّ تلاعب، قال سبحانه:"

____________

(1) الدر المنثور: 4- 179.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 15، تحقيق صبحي الصالح.

42

وَ قٰالُوا يٰا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَوْ مٰا تَأْتِينٰا بِالْمَلٰائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ. مٰا نُنَزِّلُ الْمَلٰائِكَةَ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ مٰا كٰانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ. إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ" (1).

إنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن الكريم بقرينة" نُزِّلَ) و" نَزَّلْنا" و الضمير في" لَهُ" يرجع إلى القرآن، و قد أورد المشركون اعتراضات ثلاثة على النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-، أشار إليها القرآن مع نقدها، و هي: 1- أنّ محمّداً- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- يتلقّى القرآن من لدن شخص مجهول، و يشير إلى هذا الاعتراض قولهم:" يٰا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ" بصيغة المجهول.

2- انّه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- مختل الحواس لا اعتبار بما يتلقاه من القرآن و ينقله، فلا نُؤمن من تصرف مخيّلته و عقليّته في القرآن.

3- لو صحّ قوله: بأنّه ينزل عليه الملك و يأتي بالوحي ف:" لَوْ مٰا تَأْتِينٰا بِالْمَلٰائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّٰادِقِينَ".

فقد أجاب الوحي عن الاعتراضات الثلاثة، و نقدّم الجواب عن الثاني و الثالث بوجه موجز، ثمَّ نعطف النظر إلى الاعتراض الأَوّل لأَهميته.

أمّا الثاني، فقد ردّه بالتصريح بأنّه سبحانه هو المنزِّل دون غيره و قال:" إِنّٰا نَحْنُ".

كما رد الثالث بأنّ نزول الملائكة موجب لهلاكهم و إبادتهم، و هو يخالف هدف البعثة، حيث قال:" وَ مٰا كٰانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ".

و أمّا الأَوّل، فقد صرّح سبحانه بأنّه الحافظ لذكره من تطرق أيّ خلل‌

____________

(1) الحجر: 6 9.

43

و تحريف فيه، و هو لا تُغلب إرادته.

و بذلك ظهر عدم تمامية بعض الاحتمالات في تفسير الحفظ حيث قالوا المراد: 1- حفظه من قدح القادحين.

2- حفظه في اللوح المحفوظ.

3- حفظه في صدر النبي و الإِمام بعده.

فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تجيب الآية عنه، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- لا يرتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراضهم كان مبنيّاً على اتهام النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط في إبلاغ الوحي، فالاجابة بأنّه محفوظ في اللوح المحفوظ أو ما أشبهه لا يكون قالعاً للإِشكال، فالحقّ الذي لا ريب فيه انّه سبحانه يخبر عن تعهده بحفظ القرآن و صيانته في عامّة المراحل، فالقول بالنقصان يضاد تعهده سبحانه.

فإن قلت: إنّ مدّعي التحريف يدّعي التحريف في نفس هذه الآية، لأَنّها بعض القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً، لاستلزامه الدور الواضح.

قلت: إنّ مصبّ التحريف على فرض طروئه عبارة عن الآيات الراجعة إلى الخلافة و الزعامة لأَئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، أو ما يرجع إلى آيات الأَحكام، كآية الرجم، و آية الرضعات، و أمثالهما؛ و أمّا هذه الآية و نحوها فلم يتطرّق التحريف إليها باتّفاق المسلمين.

آية نفي الباطل

يصف سبحانه كتابه بأنّه المقتدر الذي لا يُغْلَب و لا يأتيه الباطل من أي‌

44

جانب، قال:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّٰا جٰاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتٰابٌ عَزِيزٌ. لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (1).

و دلالة الآية رهن بيان أُمور: الأَوّل: المراد من الذكر هو القرآن، و يشهد عليه قوله:" وَ إِنَّهُ لَكِتٰابٌ عَزِيزٌ) مضافاً إلى إطلاقه على القرآن في غير واحد من الآيات، قال سبحانه:" يٰا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ" (2).

و قال سبحانه:" وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ" (3).

الثاني: انّ خبر «انّ» محذوف مقدّر و هو: سوف نجزيهم و ما شابهه.

الثالث: الباطل يقابل الحق، فالحق ثابت لا يُغْلب، و الباطل له جولة، لكنّه سوف يُغلب، مثلهما كمثل الماء و الزبد، فالماء يمكث في الأَرض و الزبد يذهب جفاء، قال سبحانه:" كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْحَقَّ وَ الْبٰاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفٰاءً وَ أَمّٰا مٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللّٰهُ الْأَمْثٰالَ" (4).

فالقرآن حقّ في مداليله و مفاهيمه، و أحكامه خالدة، و معارفه و أُصوله مطابقة للفطرة، و أخباره الغيبية حق لا زيغ فيه، كما أنّه نزيه عن التناقض بين دساتيره و أخباره" وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً" (5).

فكما أنّه حقّ من حيث المادة و المعنى، حقّ من حيث الصورة و اللفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف، و نعم ما قاله الطبرسي: لا تناقض في ألفاظه، و لا كذب في‌

____________

(1) فصلت: 41- 42.

(2) الحجر: 6.

(3) الزخرف: 44.

(4) الرعد: 17.

(5) النساء: 82.

45

أخباره، و لا يعارض، و لا يزداد، و لا ينقص (1).

و يؤَيّده قوله سبحانه: قبل هذه الآيات:" وَ إِمّٰا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطٰانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (2).

و لعلّه إشارة إلى ما كان يدخله في نفسه من إمكان إبطال شريعته بعد مماته، فأمره بالاستعاذة باللّه السميع العليم.

و الحاصل أنّ تخصيص مفاد الآية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه و تكاذب أخباره لا وجه له، فالقرآن مصون عن أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده، بل هو غضّ طريّ لا يُبْلى وَ لا يفنى.

آية الجمع

رُوي انّه كان إذا نزل القرآن، عجل النبي بقراءته، حرصاً منه على ضبطه، فوافاه الوحي و نهاه عنه، و قال:" لٰا تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنٰا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ. فَإِذٰا قَرَأْنٰاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنٰا بَيٰانَهُ" (3).

فعلى اللّه سبحانه الجمع و الحفظ و البيان.

كما ضمن في آية أُخرى على عدم نسيانه- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- القرآن و قال:" سَنُقْرِئُكَ فَلٰا تَنْسىٰ. إِلّٰا مٰا شٰاءَ اللّٰهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ مٰا يَخْفىٰ" (4).

هذا بعض ما يمكن أن يستدل به، على صيانة القرآن من التحريف بالقرآن، و الاستثناء في الآية الأَخيرة نظير الاستثناء في قوله:" وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خٰالِدِينَ فِيهٰا مٰا دٰامَتِ السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ إِلّٰا مٰا شٰاءَ رَبُّكَ عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" (5).

____________

(1) مجمع البيان: 9- 15، ط صيدا.

(2) فصّلت: 36.

(3) القيامة: 16- 19.

(4) الأَعلى: 6 7.

(5) هود: 108.

46

و من المعلوم أنّ أهل السعادة محكومون بالخلود في الجنة و يشهد له ذيل الآية، أعني: قوله:" عَطٰاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ" أي غير مقطوع، و مع ذلك فليس التقدير على وجه يخرج الأَمر من يده سبحانه، فهو في كلّ حين قادر على نقض الخلود.

و أمّا الروايات الدالّة على كونه مصوناً منه

، فنقتصر منها بما يلي:

1- أخبار العرض

قد تضافرت الروايات عن الأَئمّة (عليهم السلام) بعرض الروايات على القرآن و الأَخذ بموافقة و ردّ مخالفه، و قد جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي.

روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّ على كلّ حقّ حقيقة، و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه» (1).

و روى أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف» (2).

و في رواية أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول: «كلّ شي‌ء مردود إلى الكتاب و السنّة، و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف» (3).

وجه الدلالة من وجهين: ألف.

انّ المتبادر من أخبار العرض انّ القرآن مقياس سالم لم تنله يد‌

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، 12، 15 و غيرها.

(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، 12، 15 و غيرها.

(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، 12، 15 و غيرها.

47

التبديل و التحريف و التصرف، و القول بالتحريف لا يلائم القول بسلامة المقيس عليه.

ب- انّ الامعان في مجموع روايات العرض يثبت انّ الشرط اللازم هو عدم المخالفة، لا وجود الموافقة، و إلّا لزم ردّ أخبار كثيرة لعدم تعرض القرآن إليها بالإِثبات و النفي، و لا تعلم المخالفة و عدمها إلّا إذا كان المقيس (القرآن) بعامة سوره و أجزائه موجوداً عندنا، و إلّا فيمكن أن يكون الخبر مخالفاً لما سقط و حرّف.

2- حديث الثقلين

انّ حديث الثقلين يأمر بالتمسّك بالقرآن، مثل التمسّك بأقوال العترة، حيث قال- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» و يستفاد منه عدم التحريف، و ذلك: ألف.

انّ الأَمر بالتمسّك بالقرآن، فرع وجود القرآن بين المتمسّكين.

ب- انّ القول بسقوط قسم من آياته و سُوَره، يوجب عدم الاطمئنان فيما يستفاد من القرآن الموجود، إذ من المحتمل أن يكون المحذوف قرينة على المراد من الموجود.

أهل البيت (عليهم السلام) و صيانة القرآن

إنّ الامعان في خطب الإِمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و كلمات أوصيائه المعصومين (عليهم السلام) يعرب عن اعتبارهم القرآن الموجود بين ظهراني المسلمين، هو كتاب اللّه المنزل على رسوله بلا زيادة و لا نقيصة، و يعرف ذلك من تصريحاتهم تارة، و إشاراتهم أُخرى، و نذكر شيئاً قليلًا من ذلك: 1- قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: «أنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شي‌ء، و عمّر‌

48

فيكم نبيّه أزماناً، حتى أكمل له و لكم فيما أنزل من كتابه دينه الذي رضي لنفسه» (1).

و الخطبة صريحة في إكمال الدين تحت ظل كتابه، فكيف يكون الدين كاملًا و مصدره محرّفاً غير كامل؟! و يوضح ذلك انّ الامام يحثّ على التمسّك بالدين الكامل بعد رحيله، و هو فرع كمال مصدره و سنده.

2- و قال- (عليه السلام)-: «و كتاب اللّه بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه، و بيت لا تهدم أركانه، و عزٌّ لا تهزم أعوانه» (2).

3- و قال- (عليه السلام)-: «كأنّهم أئمة الكتاب و ليس الكتاب إمامهم» (3).

4- و في رسالة الامام الجواد- (عليه السلام)- إلى سعد الخير (4):» و كان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، و حرّفوا حدوده» (5).

و في هذا تصريح ببقاء القرآن بلفظه، و انّ التحريف في تطبيقه على الحياة حيث لم يطبقوا أحكامه في حياتهم، و من أوضح مظاهرة منع بنت المصطفى (عليها السلام) من إرث والدها مع أنّه سبحانه يقول:" يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" (6).

و قال سبحانه:" وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ" (7).

____________

(1) نهج البلاغة: الخطبة: 86، 133، 147.

(2) نهج البلاغة: الخطبة: 86، 133، 147.

(3) نهج البلاغة: الخطبة: 86، 133، 147.

(4) هو من أولاد عمر بن عبد العزيز، و قد بكى عند أبي جعفر الجواد لاعتقاده انّه من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال الامام- (عليه السلام)- له: «لست منهم و أنت منّا، أما سمعت قوله تعالى: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)، (لاحظ قاموس الرجال: 5- 35) و منه يعلم وجه تسميته بالخير.

(5) الكافي: 8- 53 ح 16.

(6) النساء: 11.

(7) النمل: 16.

49

و قال سبحانه عن لسان زكريا:" فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" (1).

و لعلّ فيما ذكرنا كفاية، فلنستعرض كلمات علمائنا.

الشيعة و صيانة القرآن

إنّ التتبع في كلمات علمائنا الكبار الذين كانوا هم القدوة و الأُسوة في جميع الاجيال، يكشف عن أنّهم كانوا يتبرّأون من القول بالتحريف، و ينسبون فكرة التحريف إلى روايات الآحاد، و لا يمكننا نقل كلمات علمائنا عبر القرون، بل نشير إلى كلمات بعضهم: 1- قال الشيخ الأَجل الفضل بن شاذان الأَزدي النيسابوري (المتوفّى 260 ه) في ضمن نقده مذهب أهل السنّة: إنّ عمر بن الخطاب قال: إنّي أخاف أن يقال زاد عمر في القرآن ثبتَ هذه الآية، فانّا كنّا نقرؤها على عهد رسول اللّه: الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من الشهوة نكالًا من اللّه، و اللّه عزيز حكيم (2).

فلو كان التحريف من عقائد الشيعة، لما كان له التحامل على أهل السنّة بالقول بالتحريف لاشتراكهما في ذلك القول.

2- قال أبو جعفر الصدوق (المتوفّى 381 ه): اعتقادنا أنّه كلام اللّه و وحيه تنزيلًا، و قوله في كتابه: (إِنَّهُ لَكِتٰابٌ عَزِيزٌ. لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" و انّه القصص الحق، و انّه لحقّ فصل، و ما هو‌

____________

(1) مريم: 5 6.

(2) الإِيضاح: 217- روى البخاري آية الرجم في صحيحه: 8- 208 باب رجم الحبلى.

50

بالهزل، و انّ اللّه تبارك و تعالى مُحْدثه و منزله و ربّه و حافظه و المتكلّم به (1).

3- قال الشيخ المفيد (المتوفّى 413 ه): و قد قال جماعة من أهل الإِمامة انّه لم ينقص من كلمة و لا من آية و لا من سورة، و لكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- من تأويل و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله، و ذلك كان ثابتاً منزلًا، و إن لم يكن من جملة كلام اللّه الذي هو القرآن المعجز، و قد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، و عندي انّ هذا القول أشبه بالحقّ من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل و إليه أميل (2).

و قال أيضاً في أجوبة «المسائل السروية» في جواب من احتج على التحريف بالروايات الواردة حيث ورد فيها «كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس» مكان" أُمّة"، و ورد كذلك «جعلناكم أئمة وسطاً» مكان" أُمَّةً" و ورد «يسألونك الأَنفال» مكان" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفٰالِ"، فأجاب: انّ الاخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحتها، فلذلك وقفنا فيها، و لم نعدل عمّا في المصحف الظاهر (3).

4- قال الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه): مضافاً إلى من نقلنا عنه في الدليل الأَوّل، انّ جماعة من الصحابة، مثل عبد اللّه بن مسعود و أُبيّ بن كعب و غيرهما ختموا القرآن على النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- عدّة ختمات، و كلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتباً غير مستور و لا مبثوث (4).

5- قال الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 ه): أمّا الكلام في زيادة القرآن و نقصه‌

____________

(1) اعتقادات الصدوق: 93.

(2) أوائل المقالات: 5453.

(3) مجموعة الرسائل للمفيد: 366.

(4) مجمع البيان: 1- 10، نقلًا عن جواب المسائل الطرابلسية للسيد المرتضى.

51

فما لا يليق به أيضاً، لأَنّ الزيادة مجمع على بطلانها، و أمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، و هو الأَليق بالصحيح من مذهبنا، و هو الذي نصره المرتضى، و هو الظاهر من الرواية، ثمَّ وصف الروايات المخالفة بالآحاد (1).

6- قال أبو علي الطبرسي (المتوفّى 548 ه) الكلام في زيادة القرآن و نقصانه؛ أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، و أمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا و قوم من حشوية العامة انّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، و الصحيح من مذهب أصحابنا خلافه (2).

7- قال السيد علي بن طاوس الحلّي (المتوفّى 664 ه): إنّ رأي الإِمامية هو عدم التحريف (3).

8- قال العلّامة الحلّي (المتوفّى 726 ه) في جواب السيد الجليل المهنّا: الحق انّه لا تبديل و لا تأخير و لا تقديم، و انّه لم يزد و لم يُنْقَص، و نعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك و أمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرّق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر.

9- قال المحقّق الأَردبيلي (المتوفّى 993 ه): يلزم تحصيل العلم بأنّما يقرأه هو القرآن، فينبغي تحصيله من التواتر الموجب للعلم، و عدم جواز الاكتفاء بالسماع حتى من عدل واحد إلى أن قال: و لما ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال .. مع أنّه مضبوط في الكتب حتى أنّه معدود حرفاً حرفاً، و حركة حركة، و كذا طريق الكتابة و غيرها ممّا يفيد الظن الغالب بل العلم بعدم الزيادة على ذلك و النقص (4).

____________

(1) التبيان: 1- 269.

(2) مجمع البيان: 1- 10.

(3) سعد السعود: 144.

(4) مجمع الفائدة و البرهان: 2- 218، في محل النقاط كلمة «لفسقه» فتأمل.

52

10- و قال القاضي السيد نور اللّه التستري (المتوفّى 1029 ه): ما نسب إلى الشيعة الإِمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإِمامية، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد لهم فيما بينهم (1).

و لو استقصينا كلمات علمائنا في هذا المجال لطال بنا الموقف.

إلى هنا ظهر الحقّ بأجلى مظاهرة فلم يبق إلّا دراسة شبهات الأَخباريّين و دحضها.

شبهات مثارة حول صيانة القرآن

اعتمد بعض الأَخباريين في قولهم بالتحريف بوجوه لا يصلح تسميتها بشي‌ء سوى كونها شُبهاً، و إليك بعض شبهاتهم.

الشبهة الأُولى: وجود مصحف لعلي- (عليه السلام)

- روى ابن النديم في «فهرسته» عن علي- (عليه السلام)- انّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي، فأقسم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن (2).

روى اليعقوبي (المتوفّى 290 ه) في «تاريخه»: روى بعضهم أنّ علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- كان جمعه القرآن لمّا قبض رسول اللّه، و أتى و حمله على جمل، فقال: هذا القرآن جمعته، و كان قد جزّأه سبعة أجزاء، ثمّ ذكر كلّ جزء، و السور الواردة فيه.

يلاحظ عليه: أنّ الامعان فيما ذكره اليعقوبي يظهر انّ مصحف علي- (عليه السلام)-

____________

(1) آلاء الرحمن: 1- 25.

(2) فهرست ابن النديم، نقله الزنجاني في تاريخ القرآن: 76.

53

لا يخالف المصحف الموجود في سوره و آياته، و إنّما يختلف في ترتيب السور، و هذا يثبت أنّ ترتيب السور كان باجتهاد الصحابة و الجامعين، بخلاف وضع الآيات و ترتيبها، فإنّه كان بإشارة النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-، و ما ذكره ابن النديم يثبت انّ القرآن كان مكتوباً في عصر النبي- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- كلّ سورة على حدة و كان فاقداً للترتيب الذي رتّبه الامام على سبعة أجزاء، و كلّ جزء يشتمل على سور، و قد نقل المحقّق الزنجاني ترتيب سور مصحف الإِمام في ضمن جداول تعرب عن أنّ مصحَف عليّ- (عليه السلام)- كان في سبعة أجزاء، و كلّ جزء يحتوي على سور، فالجزء الأَوّل يسمّى بالبقرة و فيه سور، و الجزء الثاني يسمى جزء آل عمران و فيه سور، و الثالث جزء النساء و فيه سور، و الرابع جزء المائدة و فيه سور، و الخامس جزء الانعام و فيه سور، و السادس جزء الأَعراف و فيه سور، و السابع جزء الأَنفال و فيه سور، و الظاهر منه انّ التنظيم لم يكن على نسق تقديم الطوال على القصار و لا على حسب النزول، و إليك صورته:

54

ترتيب السور في مصحف علي- (عليه السلام)

- الجزء الأَوّل الجزء الثاني الجزء الثالث الجزء الرابع البقرة يوسف العنكبوت الروم لقمان حم السجدة الذاريات هل أتى على الإِنسان الم تنزيل السجدة النازعات إذا الشمس كورت إذا السماء انفطرت إذا السماء انشقت سبح اسم ربّك الأَعلى لم يكن فذلك جزء البقرة آل عمران هود الحج الحجر الأَحزاب الدُّخان الرحمن الحاقة سأل سائل عبس و تولى و الشمس و ضحيها إنا أنزلناه إذا زلزلت ويل لكل همزة أ لم تر كيف لإِيلاف قريش فذلك جزء آل عمران النساء النحل المؤمنون يس حمعسق الواقعة تبارك .. الملك يا أيُّها المدثر أ رأيت تبت قل هو اللّه أحد و العصر القارعة و السماء ذات البروج و التين و الزيتون طس النمل فذلك جزء النساء المائدة يونس مريم طسم الشعراء الزخرف الحجرات ق و القرآن المجيد اقتربت الساعة الممتحنة و السماء و الطارق لا أُقسم بهذا البلد أ لم نشرح لك و العاديات إنّا أعطيناك الكوثر قل يا أيها الكافرون فذلك جزء المائدة‌