فقه الطب والتضخم النقدي

- الشيخ محمد السند المزيد...
313 /
3

مقدمة المؤلف

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه الباطن ليس يخفى و الظاهر ليس يرى و الغائب غير المفقود و الشاهد غير المشهود و لم يخل منه السموات و الأرض و ما بينهما طرفة عين.

و الصلاة و السلام على خيرته من أصفيائه محمد (صلّى اللّه عليه و آله) الرسول المبين و على آله الغرّ المطهّرين الهداة المستحفظين.

و بعد فهذه الحلقة الرابعة من مستجدات المسائل و مستحدثاتها و قد اشتملت في غالبها على الموارد الطبيّة المتنوّعة كالتشريح و الترقيع و التلقيح الصناعي و الاستنساخ و تحديد النسل، كما تضمّنت مبحث التضخم النقدي و ضمانه مع طرف من أحوال النقد، مضافا الى جملة من مباحث العمران المدني و على قوانين التعايش المدني مع المذاهب و الملل الأخرى- المسمّاة بقاعدة الالزام- و الصور و العناوين الحديثة لماهية القمار و مجموعة من أحكام الصلاة و الصيام في البلدان التي ينعدم فيها ضوء النهار أو ظلمة الليل في بعض فصول السنة. و قد نحرّينا في البحث تنقيح قواعد أو فوائد كلّية يتضح بها الحال سواء في تلك المسائل أم غيرها ممّا قد يستجد في تلك الأبواب.

و هذه البحوث حصيلة ما ألقيته بأيام الخميس و الجمع لسنة 19- 1418 هجرية تتمة لما تقدم من مسائل في هذا المضمار. و قد قام بتحريرها و تهذيبها الفاضل النبيه الألمعي السيد محمد حسن الرضوي- أدام اللّه تعالى رقيّه في مدارج العلم و العمل- عسى أن تكون إسهاما في بيان الموقف الفقهي تجاه أطوار الحياة المعاصرة.

محمد سند‌

12 شوال 1422 ه‍ ق‌

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مقدمة المحقق

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين. و بعد ...

هذا الكتاب عبارة عن الحلقة الرابعة من سلسلة الأبحاث المستجدة في فقه الحياة المعاصرة قد ألقاها سماحة شيخنا الأستاذ العلّامة محمد سند البحراني- أدام اللّه أيّام افاداته- في يومي الخميس و الجمعة من كل اسبوع في المسائل المستحدثة جاعلا محور بحثه ما كتبه المرحوم السيد الخوئي (قدّس سرّه) في ذلك، لاشتماله على الفروع المهمّة و قد قمت باعدادها و تنسيقها عسى أن يعمّ نفعها و تقع موضعا للقبول. و هذا الجزء مشتمل على مبحث التشريح إلى آخر الكتاب مضافا إلى مبحث الاستنساخ و تحديد النسل و تضخّم النقود. و ألتمس من القارئ الكريم غض البصر عمّا يقع فيه القلم من سقطات أو زلّات، لأن العصمة لأهلها. و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قم المقدسة/ 1420 ه‍ محمد حسن الرضوي‌

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

أحكام التشريح

(مسألة 36): لا يجوز تشريح بدن الميت المسلم

فلو فعل لزمت الدّية- على تفصيل ذكرناه في كتاب الديات-

التشريح بمعناه المصطلح في زماننا هذا عبارة عن شق جسد الميت أو مع تقطيع أعضائه لأجل ملاحظتها من جهة تأثير الأمراض أو للتعليم في العلوم الطبّية أو للتحقيقات الجنائية أو لغير ذلك. و قد التزم الماتن (قدّس سرّه) بحرمة تشريح بدن الميت المسلم و لا بدّ من التعرّض لما يستفاد من النصوص في المقام و البحث عن مدى دلالتها سعة و ضيقا، فنقول:

انّ ما يمكن أن يستدلّ به على الحرمة وجوه خمسة:

الوجه الأول

انّ التشريح- بقطع أبدان الأموات و تمزيقها و تفريق أجزائها- هتك لحرمتها و هو محرّم و هذا في المسلم واضح و أما بالنسبة إلى الكافر فقد يقال بأنه لا هتك في البين باعتبار عدم الحرمة له.

و قد يتأمل فيه: بأن المستفاد من القرآن الكريم أن لبنى آدم- و لو‌

8

كان كافرا- نوعا من المصونية من حيث أنه بنو آدم و هو كما قال عزّ و جل وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنٰاهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ الطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنٰا تَفْضِيلًا (1).

و الآية مسوغة للامتنان و بيان حال لعامّة البشر مع الغض عمّا يختص به بعضهم من الكرامة الخاصّة الإلهية و القرب و الفضيلة الروحية المحضة. و هناك من الآيات العديدة الكثيرة الدالّة على نفس المضمون المخاطبة لعموم البشرية يٰا بَنِي آدَمَ (2) و كذا هناك عدّة من الآيات المخاطبة للعموم بعنوان الْإِنْسٰانُ (3) و بيان تكريمه على بقية المخلوقات و كذلك هناك آيات اخرى بعنوان النّٰاسِ نظير قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ بِالنّٰاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (4) و نحوها قوله تعالى وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (5) و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ إِنَّ اللّٰهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (6) و قوله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّٰهَ نِعِمّٰا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ سَمِيعاً

____________

(1). الاسراء/ 70.

(2). الاعراف/ 27- 31- 35.

(3). الاعراف/ 26- 27، الرحمن/ 3، الانفطار/ 6، الطين/ 4، العلق/ 2- 3- 4- 5.

(4). الحج/ 65، البقرة/ 143.

(5). الشعراء/ 183، الاعراف/ 85، هود/ 85.

(6). الحجرات/ 13.

9

بَصِيراً (1) و غيرها (2). و قوله تعالى وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسٰانَ بِوٰالِدَيْهِ حُسْناً وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ لِتُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا، إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (3) و قوله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ يُشْهِدُ اللّٰهَ عَلىٰ مٰا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصٰامِ وَ إِذٰا تَوَلّٰى سَعىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهٰا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ (4).

و مفاد هذه الآية مبغوضية قطع و هلاك النسل البشري و مبغوضية هلاك الحرث و المنابع الطبيعية و مبغوضية دمار الأرض و ما يقابل عمارته و هذا بمنزلة العموم الفوقاني الذي لا يرفع اليد عنه إلّا بمخصّص كعمومات مقاتلة و جهاد الكافرين لأجل الدعوة إلى الاسلام. و نظير هذا المفاد قوله تعالى فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ (5) و منه يظهر أن مفاد الآيات العديدة الدالّة على استخلاف بني آدم لأمارة الأرض هي الأخرى يستفاد منها هذا العموم الأولي و كذا يستفاد من الروايات المتفرقة في الأبواب و في صحيحة حسين بن ابي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

انّ اللّه لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث و اداء الأمانة إلى‌

____________

(1). النساء/ 58.

(2). الشورى/ 42، ص/ 26، لقمان/ 18، الروم/ 30، البقرة/ 244، المائدة/ 32، الرعد/ 6، يونس/ 60، يوسف/ 38، النساء/ 89- 90.

(3). العنكبوت/ 8.

(4). البقرة/ 205.

(5). محمد/ 22.

10

البر و الفاجر. (1)

و مصححة حسين بن مصعب، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

ثلاث لا عذر لأحد فيها، أداء الأمانة إلى البرّ و الفاجر، و الوفاء بالعهد للبرّ و الفاجر، و برّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين. (2)

و في مصحّح محمد بن مسلم عنه (عليه السلام):

أدّوا الأمانة و لو إلى قاتل ولد الأنبياء.

و في بعض الروايات الأخرى:

أدّوا الأمانة إلى أهلها و إن كان مجوسا فإن ذلك- استحلال الأموال- لا يكون حتى قام قائمنا فيحلّ و يحرّم.

و في بعضها التعليل بقوله: «فاتّقوا اللّه فانّكم في هدنة» (3)

نعم يظهر من الروايات الأخيرة المشار إليها انّ الحرمة لأجل الهدنة لكنها لا تنافي ما دلّ على انّ العهد من حيث هو ذمّة يلزم الوفاء بها و كذا قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا جٰاءَكُمُ الْمُؤْمِنٰاتُ مُهٰاجِرٰاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللّٰهُ أَعْلَمُ بِإِيمٰانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنٰاتٍ فَلٰا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّٰارِ، لٰا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لٰا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ آتُوهُمْ مٰا أَنْفَقُوا .... وَ سْئَلُوا مٰا أَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْئَلُوا مٰا أَنْفَقُوا ذٰلِكُمْ حُكْمُ اللّٰهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ (4).

____________

(1). ب 2/ ابواب أحكام الوديعة/ 7.

(2). ب 2/ ابواب أحكام الوديعة/ 1.

(3). نفس المصدر.

(4). الممتحنة/ 10.

11

و بالجملة هناك عدّة من الأحكام في الأبواب المتفرقة يظهر منها ذلك المفاد و ليس المقام مقام بسطها و تفصيلها.

إن قلت: انّ في القرآن الكثير من الآيات التي فيها التقريع العظيم للكفّار و اللعن لهم و البراءة منهم و العداوة و التهديد بالعقوبات البالغة الخالدة الأبدية و أنهم أضلّ من الأنعام و غير ذلك ممّا يستفاد منه زوال حرمة الانسانية و البشرية فيها بطروّ رذيلة الكفر و كذا ما يستفاد ممّا يأتي من روايات تجهيز الميت حيث ورد النهي عن تجهيزهم و تعليل ذلك بنفي الكرامة لهم و ظاهر النفي الاطلاق و هو مفاد عكس النقيض من قوله تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (1).

قلت: أولا- انّ بين التكريم و الكرامة من جهة و الهتك و الاهلاك و الاتلاف من جهة أخرى عموما من وجه و نفي الأول لا يسوّغ الثاني بقول مطلق، فيبقى على مقتضى القاعدة الأولية الفوقانية المشار إليها إلا ما خصّه الدليل.

و بعبارة أخرى: انّ نفي الكرامة لا يعني جواز الاهلاك مطلقا نظير ما سيأتي في روايات النهي عن التمثيل بالكفّار مع أنهم لا كرامة لهم (2).

و ثانيا: انّ هناك من الأحكام المرتبة على ذات الانسان لا من حيث ذاته، بل من حيث اضافته إلى الباري تعالى أو اضافته إلى المكلّف‌

____________

(1). الحجرات/ 13.

(2). و يؤيده ما رواه المفيد في شرح العقائد عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) انّه سئل عن أفعال العباد، أ هي مخلوقة للّه تعالى؟ فقال (عليه السلام): لو كان خالقا لها لما تبرأ منها و قد قال سبحانه: أَنَّ اللّٰهَ بَرِي‌ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ و لم يرد البراءة من خلق ذواتهم و انّما تبرأ من شركهم و قبائحهم.

12

نفسه كالأبوّة و الأمومة و المشروط له و نحو ذلك. فهذه الأحكام باقية على عمومها الشاملة للكفار و لا ينافيها الأدلّة المتقدمة النافية لكرامة و حرمة الكافر في مجمل الحقوق. فيتحصل ممّا تقدم اقعاد قاعدة أولية- على نحو الاجمال و بسطها لا بدّ له من موضع آخر- انّ الأصل الأولي اللفظي هو ثبوت الأحكام المقررة المترتبة على عنوان (الانسان) و نحوه إلا ما أخرجه الدليل و المخصّص و هذا بخلاف الأحكام المترتبة على عنوان (المسلم) أو (المؤمن) و نحو ذلك.

ثمّ انّ نظير الآيات المتقدمة قوله تعالى: لٰا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلّٰا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلٰاحٍ بَيْنَ النّٰاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (1).

و من هذا القبيل أيضا الآيات الناهية عن الفساد في الارض كقوله تعالى- تقريرا لقول قوم بني اسرائيل لقارون- وَ أَحْسِنْ كَمٰا أَحْسَنَ اللّٰهُ إِلَيْكَ وَ لٰا تَبْغِ الْفَسٰادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (2) و قوله تعالى- عن لسان شعيب- يٰا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيٰالَ وَ الْمِيزٰانَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (3) و قوله تعالى- خطابا لبني اسرائيل- كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّٰهِ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (4) و قوله تعالى- عن لسان الملائكة- قٰالُوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ

____________

(1). النساء/ 114.

(2). القصص/ 77.

(3). هود/ 85، الشعراء/ 183، العنكبوت/ 36.

(4). البقرة/ 60.

13

الدِّمٰاءَ (1) و قوله- عن لسان لوط- قٰالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (2).

و مورد هذه الآيات في المنكرات الاجتماعية و البغي على الحقوق كما أنه يستفاد منها حرمة الدماء في العنوان الأولي إلا أن يطرأ عنوان مبيح لها.

و من ثمّ فليس مقتضى القاعدة عدم الحرمة كي يتمسّك به في المقام. أمّا عدم حرمة دم الكافر إذا رفض عند دعوته للإسلام فإنّ غاية ذلك هو هدر دمه بعد الدعوى لا قبله. فدمه ليس بمهدور بقول مطلق كما هو الحال في صبيان الكفّار و نسائهم و شيوخهم ممّا لا يقوى على القتال، كما أن من شروط القتال مع الكفّار دعوتهم إلى الإسلام، فلدمه نحو و درجة من المصونية.

و يؤيد ذلك ما يستفاد من عهد علي (عليه السلام) لمالك الأشتر المروي بطريق معتبر، كما ذكره الشيخ في الفهرست (3) حيث قال:

و أشعر قلبك الرحمة للرعية و المحبّة لهم و اللطف بهم و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم فانّهم صنفان، إما اخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. (4)

و مفاد قوله (عليه السلام) هو أنّ الكافر من جهة مخلوقيته له نوع اضافة بفعل اللّه سبحانه و خلقته و العبث به و لو مع وجود الغرض في التشريح هو‌

____________

(1). البقرة/ 30.

(2). العنكبوت/ 30.

(3). الفهرست/ ص 38، و موارد أخرى و كذلك النجاشي في ترجمة أصبغ بن نباتة.

(4). نهج البلاغة/ الكتب و الرسائل/ رقم 53.

14

نوع من التصرف و التشويه بالخلقة. فإزواء هذا الدليل عن الكافر محلّ تأمّل جدا.

إن قلت: إذا كان الكافر حربيا فلا حرمة لعرضه و ماله و دمه فيجوز تشريح بدنه.

قلت: عدم حرمة عرضه و ماله لا يدلّ على عدم حرمة بدنه. لأن العقيدة الفاسدة في الكافر تلغي الجانب الاعتباري فيها و هو عرضه و ماله. أما بدنه فليس منسوبا إليه و لذا لو عاب المسلم خلقة بدن الكافر فإنّه يكون قد ارتكب فعلا مرجوحا، لأنه لا يرجع إلى الكافر نفسه و انّما يرجع إلى فعل اللّه سبحانه و تعالى. و بدنه ليس ملكا طلقا له و لا لنا و انّما هو ملك للّه عزّ و جل. و في بعض الأبواب الفقهية- كبحث النفقات في النكاح- انّ لكلّ مخلوق و لو كان حيوانا حرمة، كما في رواية «لكلّ كبد حريّ أجر» (1) و هو عام لكلّ حيوان و إن كان كلبا. و لا يجوز تعذيبه إلا الحيوان الموذي فضلا عن الانسان.

و نظير ذلك كما في حدّ القتل و الرجم لمن اتى بموجب الحد كزنا المحصنة و قاطع الطريق و نحوهما، فإنّه و إن أهدر دمه إلا أنّ ماله و بقية جهات عرضه فضلا عن بدنه باق على الحرمة إلا ما استثناه الدليل.

و أما قتله فهو باعتبار أنّه مفسد و حياته ملوّثة في الأرض، لأن الغرض من الحياة هي عبادة اللّه تعالى و هذا بخلاف بدنه اذ هو ليس‌

____________

(1). النهاية/ ج 4/ ص 139.

15

منسوبا إلى الكافر بنحو مطلق- كما قلناه- بل هو اضافة إلى صنع اللّه عزّ و جل و هذه الاضافة هي التي يشير (عليه السلام) إليها في قوله «نظير لك في الخلق» و يعضد ما قلناه ما في الصحيح إلى ابن أبي عمير عن أبي الحسن الحذاء قال:

كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألني رجل ما فعل غريمك؟

قلت: ذاك ابن الفاعلة.

فنظر إليّ أبو عبد اللّه (عليه السلام) نظرا شديدا. فقال الرجل:

جعلت فداك انّه مجوسي أمّه أخته. فقال: أ و ليس ذلك في دينهم نكاحا؟ (1)

و في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

انّه نهى عن قذف من ليس على الاسلام إلا أن يطّلع على ذلك منهم. و قال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب. (2)

و من ثم كان مقتضى اطلاق عنوان الكافر في عبائر جماعة في حرمة القذف هو الشمول للحربي أيضا.

و يدلّ على ذلك أيضا ما رواه في الصحيح محمد بن قيس:

قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل. أبيعهم السلاح؟

____________

(1). ب 1/ أبواب حد القذف/ 3.

(2). ب 1/ ابواب حد القذف/ 1.

16

فقال: بعهما ما يكنّهما الدرع و الخفّين و نحو هذا. (1)

و وجه دلالته أنه (عليه السلام) خصّ الجواز بما يحفظ نفوس الطرفين و لم يسوّغ بيع الآلات التي يتلف بها الطرفين بعضهما البعض. نظير رواية هند السراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

قال: قلت له: انّي أبيع السلاح. قال: لا تبعه في الفتنة. (2)

فمقتضى هذه الأدلة نوع من المصونية و الحرمة للكافر. فهتك الكافر من حيث الانسانية غير سائغ و أما من حيث بغيه و ظلمه و محاربته فمطلوب في الشرع.

و المتحصل- ممّا اصطيد من الأدلة و الشواهد المتقدمة و غيرها ممّا يجدها المتتبع في أبواب الفقه- انّ دليل الهتك يشمل الكافر خصوصا النساء و الشيوخ و الأطفال منهم. نعم التصرف في بدن المسلم حرمته اقوى منه في بدن الكافر، بل في المؤمن أغلظ حرمة من المسلم و كذا العالم المؤمن أغلظ حرمة منه كما لا يخفى. فللحرمة درجات.

إن قلت: البناء على انّ للكفّار درجة من الحرمة و لو نازلة ينافي القاعدة المقررة: انّ الكفّار و ما يملكون في‌ء للمسلمين. اذ للمالك أن يتصرف في ملكه كيفما شاء.

قلت: انّه لا منافاة بينهما. اذ الملكية الاعتبارية قابلة للتحديد‌

____________

(1). ب 8/ ابواب ما يكتسب به/ 2.

(2). ب 8/ ابواب ما يكتسب به/ 4.

17

و ليست هي على حذو الملكية الحقيقية للّه تعالى و من ثم حدّ أفعال المكلّف بواجبات و محرّمات و ضرائب مالية و قد يحجّر عليه مطلقا كما في المفلس و السفيه. و نظير ما نحن فيه ملك الدابّة فانّه لا يسوغ ايذاؤها و ترك إطعامها و شربها حتى تموت. فهذا نحو درجة من الاحترام للنفس الحيوانية للدابّة في حين أنه يجوز ذبحها للأكل.

الوجه الثاني ما ورد في نفس أبواب الميّت

من وجوب دفنه و تكفينه و الصلاة عليه و غسله و نحوها من امور وجوب تجهيز الميّت (1) حيث يظهر منها نوع تكريم و احترام لبدن الميّت و كذا الصيانة و الرعاية له و في بعض الروايات النهي عن غسل الميّت إذا كان موجبا لانسلاخ بدنه و انتقال الفرض إلى التيمم كما هو مفتى به أيضا فيستفاد بالأولوية القطعية عدم رضى الشارع بتقطيع بدن الميّت كما لا يخفى.

و هذا الدليل يختص بالمسلم و لا يشمل الكافر بأقسامه. نعم في موثقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

انّه سئل عن النصراني يكون في السفر و هو مع المسلمين فيموت. قال (عليه السلام): لا يغسّله مسلم و لا كرامة و لا يدفنه و لا يقوم على قبره و إن كان أباه. (2)

____________

(1). راجع أبواب غسل الميت في الوسائل.

(2). ب 18/ ابواب غسل الميّت/ 1.

18

قيل: بأنه يستفاد منها جواز تشريح الكافر لقوله (عليه السلام): «و لا كرامة».

و فيه: انّ مفادها عدم وجوب التكريم لا جواز الهتك و العبث في بدنه. و بعبارة أخرى: المعلّل في الرواية هو عدم وجوب الغسل لا نفي كل كرامة و إن كانت كرامته من جهة نسبته إلى الباري (1).

و يشهد لذلك أن عدّة من الأصحاب التزموا في المخالف بترتّب أحكام الكافر عليه بعد موته لأنه بعد الموت ينتقل إلى الآخرة فتكون أحكامه بحسبها و مع ذلك لا يلتزمون بجواز تشريحه و العبث ببدنه فلا تلازم بين حرمة تجهيزه و عدم وجوب ذلك و جواز تشريحه، فلا نظر في الرواية إلى جواز التشريح بل هي ساكتة عنه، مضافا إلى أن النصوص الآتية في تحريم التمثيل موردها من هو اهون اصناف الكافر و هو المحارب بالفعل و لكن مع ذلك ورد النهي عن التمثيل به و سيأتي أن التمثيل معناه أعم من التشفّي و غيره مع أن في الحرب المناسبة مقتضية للعبث ببدنه فكيف بالتشريح ببدنه في غير حال الحرب و في غير المحارب بالفعل و في غير الرجال و لا أقل من المساواة عقلا بين التشريح و التمثيل في الحرب.

إن قلت: يمكن أن تكون حرمة التمثيل لأجل أن لا تحكم القوى الغضبية في المسلم، لا لأجل حرمة في بدن الكافر و لذا يحرم دفنه‌

____________

(1). و يمكن أن يقال انّ المراد به أن المروة و الكرم الجبلّي للمسلم لا ينبغي أن يجرّه إلى القيام بتجهيز الميّت الكافر فهو نظير قوله تعالى الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وٰاحِدٍ مِنْهُمٰا مِائَةَ جَلْدَةٍ فلا يكون ظاهرا في نفي مطلق الحرمة للكافر فتأمّل.

19

و يجوز تركه في العراء و مع ذلك يحرم التمثيل.

قلت: سيأتي سياق النهي عن التمثيل مع النهي عن قطع الشجرة و النهي عن قتل الوليد و غير ذلك، الظاهر في كون تلك الأمور لها درجة من الحرمة. نعم حرمة البدن بمعنى الاحترام الى درجة القيام بمواراته و الاعتناء به و الوقاية و التحفظ على بدنه ليست للكافر. أمّا حرمة بدنه فليس لنا دليل على نفيها و قد امر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بدر بدفن المسلمين كما أمر بمواراة أبدان المشركين في قليب بدر و من ثم عرفوا بأصحاب القليب حيث خاطبهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد موتهم و مع ذلك نهى (صلّى اللّه عليه و آله) عن التمثيل بأبدانهم. (1)

و بعبارة أخرى: للحرمة درجات. منها درجة أن يتحفظ عليه بأن يغسل و يواري و يجهّز و منها أن يعطّر بالكافور و أمثال ذلك.

ففي العالم مثلا ورد في الأدلة أن يكفّن باحسن كفن و أن يدفن في أفضل مواضع القبور و هلم جرّا. فيستفاد من الأدلّة أن الاحترام و الحرمة و الوقاية لها مراتب فتدبّر. فلا ملازمة بين عدم وجوب الدفن أو حرمته و بين العبث ببدنه لأن له اضافة خلقية إلى اللّه على أي حال.

الوجه الثالث حرمة المثلة و التمثيل

و يقرّب بأن كلا من خرق الجسد و تقطيع الأعضاء في عملية التشريح تمثيل و هو حرام ففي صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

____________

(1). المغازي للواقدي/ ج 1/ ص 111.

20

كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أراد أن يبعث سرّية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم اللّه و باللّه و في سبيل اللّه و على ملّة رسول اللّه، لا تغلوا و لا تمثّلوا و لا تغدروا و لا تقتلوا شيخا فانيا و لا صبيّا و لا امرأة و لا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليه. (1)

و في معتبرة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا بعث أميرا له على سرّية أمره بتقوى اللّه عزّ و جل في خاصّة نفسه ثم في أصحابه عامّة ثم يقول اغز بسم اللّه و في سبيل اللّه قاتلوا من كفر باللّه، لا تغدروا و لا تغلوا و لا تمثّلوا و لا تقتلوا وليدا و لا متبتّلا في شاهق و لا تحرقوا النخل و لا تغرقوه بالماء و لا تقطعوا شجرة مثمرة و لا تحرقوا زرعا و انكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه و لا تعقروا من البهائم يؤكل لحمه إلا ما لا بدّ لكم من أكله و إذا لقيتم عدوّا للمسلمين فادعوه إلى إحدى ثلاث ... الحديث (2)

و لا يخفى اشتمال المعتبرة و الصحيحة السابقة على عدّة من الأحكام الأخرى المتعلّقة بالكفّار الدالّة اجمالا على درجة من الحرمة فيهم و قد أشرنا في الوجه الأول إلى ذلك.

____________

(1). ب 15/ ابواب جهاد العدو/ 2.

(2). ب 15/ ابواب جهاد العدو/ 3.

21

و لا يتوهّم أن التعليل في الموثقة لعدم احراق الزرع و غيره باحتمال الحاجة إليه دالّ على أن النهي غير ناش من حرمة الأمور المذكورة و ذلك لأن حرمة الأعيان المالية انّما هي لأجل المنافع المتوخاة منها فمن ثم اتصفت بالمالية و ترتّب عليه الضمان و المنع التكليفي عن اتلافهم و هذا بخلاف الانسان كالوليد و المتبتّل بالعبادة فإنّ حرمته لأجل كرامة الحقيقة الانسانية.

و في مرسلة الكليني عن علي (عليه السلام):

لا تمثّلوا بقتيل. (1)

و هذه الروايات دالّة على حرمة التمثيل و عدم جواز التصرف و العبث في أبدان الكفّار الحربيين فضلا عن غيرهم، فاذا حرم ذلك في الكافر كان حراما في المسلم بالأولوية القطعية و ليس التمثيل إلا قطع بعض الأعضاء كالأذن و الأنف و نحو ذلك.

و قد يستشكل فيه: انّ المثلة بمعنى العبث في بدن الميّت بداعي التنكيل و العقوبة و التشفي و هذا بخلاف تشريح بدن الكافر بغرض عقلائي فلا يكون من مصاديق المثلة. ففي مصباح المنير: مثّلت بالقتيل مثلا- من باب قتل و ضرب- إذا جدّعته و ظهر آثار فعلك عليه تنكيلا و التشديد مبالغة، و الاسم المثلة و زان غرفة و المثلة العقوبة.

و أجيب عنه: بأنّه قد ورد هذا التعبير في حلق اللحية في ما روي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1). ب 33/ ابواب جهاد العدو/ 1.

22

حلق اللحية من المثلة و من مثّل فعليه لعنة اللّه. (1)

و من الواضح أن الحالق لحيته لا يريد أن يمثل بنفسه تنكيلا و عقوبة و هذا ممّا يدلّ على أن المثلة ليس فيها ذلك القيد و إن كان الغالب في استعماله بداعي التشفّي و التنكيل، فالمثلة تستعمل في مطلق تغيير الخلقة.

و قد يدفع بأن اللحية في سالف الزمان كانت من علامات المروّة و العزّة و الشرف و كان المتبادر من حلق اللحية عندهم التنقيص من تلك الناحية فالقيد مضمّن في الحلق. (2)

لكن الصحيح في الجواب أن ذلك التعبير و إن ورد في عدّة من كلمات اللغويين إلا أنه ورد في الروايات في حلق الرأس مثل مرسلة الصدوق قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): انّ الناس يقولون: حلق الرأس مثلة.

فقال (عليه السلام): عمرة لنا و مثلة لأعدائنا. (3)

و رواية الجعفريات عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن جدّه علي بن الحسين (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1). مستدرك الوسائل/ ج 1/ ص 406.

(2). المسائل المستحدثة للسيد الروحاني/ ص 114.

(3). ب 60/ ابواب آداب الحمام/ 3.

23

حلق اللحية من المثلة و من مثّل فعليه لعنة اللّه. (1)

و من الواضح أن حلق الرأس ليس بداعي التنكيل أو التشفّي من نفسه و مع ذلك استعملت فيه، فيتبيّن من ذلك عدم أخذ كون الداعي العقوبة في المعنى الاستقبالي للمثلة، بل تستعمل في المورد الذي لازم الفعل فيه تغيير الخلقة و العبث بها بحيث تعدّى إلى تشويه في الخلقة، سواء كان الفاعل قاصدا التشفّي أو لم يكن قاصدا للتنكيل و إلا فكيف يصوّر معنى التشفّي في «حلق الرأس مثلة». فالصحيح أنه لا يشترط في الموجد للفعل كون داعيه و قصده العدوان، بل كل فعل يجعل خلقة الشخص على مثال و حذو غير مثال و حذو الخلقة الأصلية فيجعلها مشوّهة الخلقة يصدق عليه المثلة و التمثيل، غاية الأمر أنه في الحروب يفعل ذلك بداعي العداوة و لكن نفس المادة لا يشترط فيه ذلك.

و يؤيد ذلك مفاد الآية وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذٰانَ الْأَنْعٰامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّٰهِ وَ مَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطٰانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرٰاناً مُبِيناً يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مٰا يَعِدُهُمُ الشَّيْطٰانُ إِلّٰا غُرُوراً أُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ لٰا يَجِدُونَ عَنْهٰا مَحِيصاً (2).

حيث دلّت على مبغوضية تغيير الخلقة و تغيير مثالها الأول- بل هذه الآية كما سيأتي في بحث الاستنساخ دليل مستقل برأسه على‌

____________

(1). مستدرك الوسائل/ ب 40/ ابواب آداب الحمام/ 1.

(2). النساء/ 119.

24

حرمة تغيير الخلقة بنحو النقص مطلقا- كما أنه قد استعملت مادة الكلمة في روايات النهي عن تمثيل صورة ذي الروح الدالة على أن المادة تستعمل في موارد إحداث مثال يغاير أو يشابه مثال الخلقة الأصلية. و يشهد لذلك ما رواه الراوندي أنه كان رجل من نجران مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في غزاة و معه فرس و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يستأنس إلى صهيله فبعث إليه فقال: ما فعل فرسك؟ فقال: اشتدّ عليّ شبعه فخصّيته. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): مثّلت به الخيل معقود في نواصيها الخير إلى أن يقوم القيامة. (الخبر) (1)

و قد يشكل بأنه لو سلّمنا أن عنوان المثلة أعم إلا أن النهي الوارد هو في مورد الحرب الذي هو بداعي التشفّي فيكون قرينة إما على اختصاص المعنى اللغوي بذلك و أنه مقيد بالتشفي أو مورد النهي منصرف عن العموم اللغوي إلى خصوص التشفي. فالأدلة الناهية قاصرة غير شاملة لموارد عدم قصد التشفي.

و بعبارة اخرى: انّ ظاهر النهي عن التمثيل هو حدّ لغريزة الغضب عند المكلّف لا لحرمة العدوّ.

و فيه: انّ ظاهر التعبير في الروايتين في مورد حلق الرأس و اللحية بالمثلة هو في الاستعمال الحقيقي لا في المجاز. مضافا إلى الشواهد الأخرى المتقدمة، بل من باب صدق عنوان المثلة بما لها من المعنى اللغوي و أنهما مصداق من مصاديقه لا بتكلّف تنزيل ادعائي. مضافا‌

____________

(1). البحار/ ج 19/ ص 186/ ح 42.

25

إلى أنه يمكن تقريب الروايات بنحو آخر و هو أنها ناهية عن المثلة في مورد الحرب، أي في من يكون مهدور الدم و البدن و لا يكون محترما و لكنها مع ذلك محرّمة، فكيف بالكافر في غير الحرب.

هذا مع أن الظاهر من النهي عن المثلة بحسب سياقه هو بيان مراعاة حقوق الغريزة الانسانية كما في عنوان الوليد و عنوان المتبتّل في شاهق و أمثالهما فهي ظاهرة في أن الحرمة للطرف الآخر و أنه يلزم مراعاته و الحرب و إن كانت اهدارا لحرمة الكافر إلا أنه اهدار لحياته لا لبدنه فسياق الروايات الناهية في صدد حفظ بعض الحرمات للطرف الآخر.

و المتحصل انّ هذه الروايات في حرمة التمثيل مؤيّدة لما قرّرناه في الوجه الأول من أن مقتضى القاعدة هو تكريم بني آدم، غاية الأمر المقدار الذي رفع من تكريمه و حرمته هو اهدار دمه عند تحقق الشرائط المعيّنة لا أن الأصل الأولي عدم الحرمة بل الأصل الأولي التكريم و الاكرام. فاللازم تحصيل الأدلّة الاخرى الرافعة لتلك الحرمة و النظر في مقدار الرفع و أن هذه الأدلّة تدلّ على رفعها بمقدار ازهاق نفسه باعتبار خبثها بالكفر و أمّا بعد ازهاق النفس فلا يعبث ببدنه لعدم الدليل على جوازه، بل الدليل قائم على عدمه.

و يعضد ما ذكرناه أنه قد استفيد في الكلمات من الأحكام المذكورة في هذه الروايات أنها لغير حالة الحرب أيضا نظير عدم جواز قتل الوليد و حرمة قتل المرأة و الشيخ. اذن من الواضح‌

26

انها ليست مقصورة على ظرف الحرب بل انّها نوع من ابقاء الحرمات و ازهاق نفس الكافر الحربي خرج بالدليل. و لا يخفى انّ ما تقدم كما يدلّ على حرمة التشريح في الكافر يدلّ على حرمته في المسلم بالأولوية القطعية.

الوجه الرابع ما دلّ على وجوب احترام الميّت

و أن حرمته ميّتا كحرمته و هو حيّ و هي عدّة روايات. منها: صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال:

في رجل قطع رأس الميّت (عليه الدّية لأن حرمته ميتا كحرمته و هو حيّ). (1)

و مثلها صحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة صفوان و معتبرة مسمع كردي، قال:

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كسر عظم ميت فقال:

حرمته ميتا أعظم من حرمته و هو حيّ. (2)

و غيرها من روايات ذلك الباب. فكما لا يجوز التعدي على الأجساد حال حياتها بقطعها أو جرحها أو كسرها، فكذا لا يجوز بعد الممات و مقدار دلالة هذا الدليل هو في الموارد التي تثبت الدية للحيّ كما في المسلم و الذمي. نعم التعليل يمكن دعوى عمومه لغير الذمّي و إن لم‌

____________

(1). ب 24/ ابواب ديات الأعضاء/ 6، و ب 51/ ابواب الدفن/ 1.

(2). ب 25/ ابواب ديات الأعضاء/ 5.

27

تثبت الدّية لما عرفت أن الاطفال و الشيوخ و النساء لهم حرمة بدرجة ما حال حياتهم فلا يجوز قتلهم.

الوجه الخامس ما دلّ على تعلّق الدية بقطع رأس الميت

أو شي‌ء من أعضائه أو جوارحه. (1)

كما هو بعض مفاد الروايات السابقة و يدلّ عليه أيضا رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

قال قلت: ميّت قطع رأسه.

قال: عليه الدّية. قلت: فمن يأخذ ديته.

قال (عليه السلام): الامام. هذا للّه و ان قطعت يمينه أو شي‌ء من جوارحه فعليه الأرش للإمام. (2)

بناء على كونه دليلا على الحرمة كما هو الصحيح، لأن الحرمة الوضعية ملازمة للحرمة التكليفية إلا ما استثني و مقدار دلالة هذا الوجه كالسابق فلا ينقض بموارد ثبوت الدية من دون الحرمة التكليفية، فإنّ سقوط الحرمة التكليفية في تلك الموارد للضرورة أو نحوها من الاعذار مما يدل على وجود المقتضي لها لو لا المانع.

فتحصّل من مجموع الأدلّة ان التشريح بعنوانه الأولي حرام مطلقا سواء كان الميّت مسلما أو كافرا بجميع أقسامه. فما في المتن تام‌

____________

(1). نفس المصدر.

(2). ب 24/ ابواب ديات الاعضاء/ 3.

28

بالنسبة إلى الميت المسلم و إن لم تختص بالمسلم بل لا يجوز تشريح بدن الميت مطلقا و إن كانت حرمة المسلم أشدّ و المؤمن أشدّ منه.

و مما قلنا ظهر ما في تعليقة بعض المعاصرين من تقييد الكافر بمحقون الدم. (1) حيث اتّضح أنّ الحرمة ثابتة في مهدور الدم أيضا لأنه لا تلازم بين هدر الدم و هدر البدن و من ثم تتأتى حرمة هتك بدنه بالوجوه المتقدمة.

***

____________

(1). لعلّ استثناؤه لأجل تعلّق الدية بقطع رأس الميّت أو شي‌ء من جوارحه من الذمي الكافر.

29

(مسألة 37) يجوز تشريح بدن الميّت الكافر باقسامه.

قد تقدم أنه لا يجوز تشريح بدن الميّت الكافر مطلقا و مرّت الأدلّة على ذلك و قد استثنى بعض أعلام العصر- من محقون الدم الذمّي- ما إذا كان جائزا في شريعته مطلقا أو مع اذنه في حال الحياة أو اذن وليّه بعد الوفاة فلم يستبعد الجواز و لعلّ وجه الاستثناء الاستناد بقاعدة الإلزام و إذا أسقط حرمة نفسه فيرفع الحكم و يمكن أن يستشهد له بما روي عن فعل الأمير (عليه السلام)- كما نقله ابن أعثم في الفتوح- في صفين حيث قتل رجل من أبطال الشام عددا من أفراد جيشه (عليه السلام) و عبث ببدنهم و جعل بعضهم فوق بعض لايجاد الرعب في عسكر الإمام (عليه السلام) و حينها برز (عليه السلام) فقتل ذلك الرجل و قدّه نصفين و فعل به مثل ما فعل و تلا هذه الآية: الشَّهْرُ الْحَرٰامُ بِالشَّهْرِ الْحَرٰامِ وَ الْحُرُمٰاتُ قِصٰاصٌ (1).

هذا و لكن حديث الالزام انما يثبت إلزام الغير بما من سلب حقّه و أما التحليل للغير في ما هو حرام في نفسه فليس في حديث الالزام تشريع مثل ذلك أو جعل أسباب للاباحة و الاستحقاق و التملك و غيرها على غير القواعد العامّة المقرّرة سوى الذي تقدّم و إلا فاللازم جواز الزنا و القمار مع من يرى جوازه و هو كما ترى. و قد تقدّم انّ مفاد الأدلّة- عدا الوجهين الأخيرين- حرمة العبث ببدن الانسان و لو‌

____________

(1). البقرة/ 194.

30

كان كافرا حرمة تكليفية محضة لذات الفعل لا كحق راجع إلى الميّت، أي بما أنه مخلوق للّه تعالى فهو محترم و الأصل الأولي عدم جواز هتكه إلا إذا قام دليل على الجواز، فالحرمة حكم محض لم يجعل حفظا لحق الغير كي ترتفع بالاسقاط. و من ثم لا يجوز تمثيل بدن الميّت المسلم إذا اذنه في حال الحياة.

و أما ما نسب إليه (عليه السلام) من فعله في صفين فانّها مع كونها غير تامّة السند قضية في واقعة و لعلّ فعله (عليه السلام) لإظهار شوكة الحق و نحو ذلك.

و بعبارة أخرى قد تطرأ العناوين يختلف الحكم بحسبها كما سيأتي في التشريح للأغراض الطبية و انقاذ حياة المرضى.

31

و كذا إذا كان إسلامه مشكوكا فيه بلا فرق في ذلك بين البلاد الاسلامية و غيرها.

و لو سلّم جواز تشريح بدن الكافر ففي المشكوك الإسلام في البلاد الإسلامية محل اشكال و كأنّ بلاد المسلمين ليست أمارة على الاسلام لدى الماتن خلافا للمشهور لدى الفقهاء من أنّ البلاد الاسلامية أمارة عليه و هكذا ارتكاز المتشرعة و بناؤهم كما في البلاد الكافرة يبنون على الكفر كامارة. و كلام الماتن هاهنا مخالف لما التزم به في بحث تجهيز الميّت، حيث بني على أنه يجب غسله و تكفينه و دفنه في مقبرة المسلمين، بينما لم يرتب هاهنا عليه آثار المسلمين.

و قد يقال في وجه التفرقة بأنّ لدينا عموما لفظيا- يجب غسل كل ميت- و خرج من ذلك الكافر و هو عنوان وجودي فعند الشك في الميت يستصحب عدم ذلك العنوان و به يثبت أن المشكوك فيه من احد الافراد الباقية تحت العموم و الاطلاق و هذا بخلاف المقام حيث أن الدليل الوارد هو بعنوان خاص على مبنى الماتن و هو حرمة الميت المسلم و ثبوت الدية له و ليس عموم في البين كي يتمسّك به بضميمة استصحاب العدم الأزلي في المخصّص ليترتب حكم العام فهذا منشأ الفرق.

و فيه: انّ بحث تجهيز الميّت له ارتباط وثيق بحرمة الميّت لا حكم‌

32

مباين في عرض حرمة الميّت و إلا لكانت التفرقة في محلّها، اذ انّ معنى تجهيز الميت هو حرمته لئلّا ينهتك فاذا فرض شمول دليل وجوب التجهيز للمشكوك فالمدلول الالتزامي لذلك الدليل هو حرمة ذلك الميت، لأن حرمة الميت و بدنه لا تنحصر في أدلّة الدية المتقدمة كي يشكل بعدم التمسّك بها، بل هي أحد الأدلّة على الاحترام و حرمة الميّت و من تلك الأدلّة تجهيز الميّت، بل انّ أدلّة ثبوت الدية واردة في الذمي و الكتابي المعاهد أيضا فالدية فيهما في الجملة ثابتة و هذا شاهد على حرمة بدنه.

33

(مسألة 38) لو توقّف حفظ حياة مسلم على تشريح بدن ميّت مسلم

و لم يمكن تشريح بدن غير المسلم و لا مشكوك الاسلام و لم يكن هناك طريق آخر لحفظه، جاز ذلك.

يقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة الأولية، و أخرى في النصوص الخاصّة.

أمّا مقتضى القاعدة الأولية فهو أن تعلّم الطب واجب كفائي و هو مشتمل على التشريح، اذ لو لم ينبري و يتهيّأ ثلّة و مجموعة من المتعلّمين لتعلّم الطب المتوقّف على التشريح فحياة كثير من أفراد المسلمين ستكون معرضا للخطر حيث أن نجاتهم متوقّفة عليه.

فالتشريح مقدمة لتعلّم الطب و تعلّم الطب مقدمة لحفظ حياة المسلمين المتصف بالوجوب و لا ريب في أهميته من حرمة بدن المسلم فضلا عن الكافر بناء على ثبوت الحرمة فيه أيضا و بالتالي يجوز تشريح بدنه.

و يمكن أن يتنزّل في التقرير المتقدم لمقتضى القاعدة أن التزاحم بين وجوب المقدمة و الحرمة الذاتية لنفس المقدمة انّما هو من مثل انقاذ الغريق و حرمة التصرف في الدار الغصبية، اي في مورد الحكمين الفعليين لا في مثل المقام حيث انّ انقاذ حياة المسلمين ليس‌

34

وجوبه فعليا على متعلّم الطب فعلا لأنه يتعلّم لمدّة عشر سنين مثلا و من ثم تتحقق لديه القدرة على معالجة المرضى و امّا الذين في معرض الهلكة فعلا، أي المقارنين زمنا لظرف التشريح فليس التشريح مقدمة تكوينية لحفظهم و بالتالي فوجوب الحفظ ليس بفعلي فكيف يزاحم حرمة التشريح الفعلية و هذا التوقف البعيد في المقدمية أشبه بالمصالح المرسلة، حيث أنها عند العامّة عبارة عن المصالح و الأغراض التي يريدها الشارع من دون تقييد وجوبها بسبب خاص فيفتي بلحاظها بوجوب شي‌ء أو أشياء تقع في صراط تحقيق تلك المصلحة اللازمة التي ليست بواجبة فعلا، بينما باب التزاحم بين الحكمين الفعليين فلا ينطبق على المقام.

و يمكن الاجابة عن الاشكال المزبور بأن الفرق بين البابين هو أن المصالح المرسلة في الموارد المظنونة لا المقطوعة، أي مظنونة الحصول، بخلاف المقام فانّ المصالح في ظرف المستقبل مقطوعة الحصول و من ثم لم يصحح مذهب الامامية المصالح المرسلة لأنها مظنونة و لا اعتبار بالظن و لم يخصّص الشارع طريقة معيّنة في ايجادها، بل اطلق للمكلّف عنان الإيجاد كيفما شاء. و هو ينافي التعيين في المصالح المرسلة و أن المصالح المرسلة قد يكون بعضها في الواجبات المشروطة التي لم يتحقق شرطها بخلاف المقام، حيث أنّ انقاذ حياة المسلم ليس مشروطا بشرط شرعي غير محقق، بل بشرط عقلي. فالواجب حينئذ مطلق هام في ظرفه و لا محالة يكون‌

35

فعليا و المفروض انّ ما هو مقدمة له هو التشريح المتقدم عليه في الزمن الحالي.

و بعبارة أخرى انّ التزاحم الفعلي كما قد يكون بين وجوب أهم فعلي و واجب مهم مثلا كذلك قد يكون في موارد علم المكلّف بوجود واجب أهم استقبالي و واجب مهم فعلي و ذلك بعد فرض تحقق قيود الوجوب الشرعية الدخيلة في الملاك في الظرف المستقبل للواجب الأهم فإن القيود الشرعية التي يأخذها الشارع في لسان الدليل هي الدخيلة في الملاك و أما ما لا يأخذها في لسان الدليل فلا تكون دخيلة فيه فحين ما نعلم بأن القيود الشرعية في ذلك الظرف الآتي المستقبلي متحققا فيستلزم العلم بوجود الملاك و بالتالي فملاك أهم استقبالي يزاحم بملاك مهم فعلي و نكتة التزاحم العقلية تعمّ هذه الصورة كما هو الحال في مثل تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات مع أن اطراف العلم غير متحققة معا في آن واحد، فكما أنّ العلم الإجمالي منجز للامتثال في التدريجيات كذلك العلم هنا بالواجب الاستقبالي منجز للامتثال باتيان المقدمة في المقام.

و يمكن أن يقال: انّ المقام من قبيل اعتبار المقدمة المفوّتة نظير غسل المستحاضة قبل الفجر ليوم الصيام بناء على أن وجوب الصيام مشروط بطلوع الفجر ففي المقام أيضا عدم تعلم الطب و التشريح مفوّت لامتثال وجوب انقاذ النفس المحترمة و لا فرق بين المقدمة المفوتة ذات الفاصل الزمني القليل و بين ذات الفاصل الزمني‌

36

الكبير في كون كلّ منهما مفوتا للواجب في ظرفه. نعم قد استدلّ بعض أعلام العصر لجواز التشريح بأن الشريعة الاسلامية لا ترضى بتخلّف المجتمع الإسلامي عن ركب العالم الحضاري و لا بكونه محتاجا إلى الكفّار و عدم وجود اطباء حاذقين سبب للحاجة إلى الكفّار و هو أمر مرغوب عنه في الشرع. و لعلّ وجه ما أفاده قوله تعالى وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1) و قوله تعالى وَ لِلّٰهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ (2) و نحوهما من الآيات، إلا انّ في دلالة مثل هذه الآيات على الصغرى و النتيجة فيها خفاء لأن مثل هذه العمومات هي من العمومات الفوقانية بالمعنى الثاني غير المتعارف، أي التي تحتاج في التطبيق و التنزل إلى مصاديقها إلى تقنين تحتاني آخر، إما تأسيسي شرعي أو عقلائي ممضاة و إلا يكون التمسّك بها في المصاديق أشبه بالتمسّك بالمصالح المرسلة حيث انّ الحاجة المشتركة بين البشرية لا محالة موجودة، أما أنه بأي قدر من الحاجة إليه تتحقق الذلة به فلا بد من تحديده من جعل و تقنين آخر.

هذا إذا لم يكن هم محتاجون أيضا و على أيّ حال هذا الاستدلال لا يخلو من اجمال، أي إلى أيّ مقدار يلزم حفظ استغناء المسلمين و استقلال نظامهم الاجتماعي اللّهم إلا أن يقال انّ حفظ النظام في كل عصر بحسبه و إن تخلّف النظام الاجتماعي عن هذه المجالات يوجب‌

____________

(1). النساء/ 141.

(2). المنافقون/ 8.

37

ضعف المسلمين و يلزم منه الذلّة و تشخيص ذلك بيد الفقيه.

و بعبارة أخرى لا يكون هذا الوجه وجها للفتوى و الحكم التشريعي الأولي، بل هو ميزان من شئون حكومة الحاكم و لكن مع ذلك كلّه الصغرى محل اشكال و تأمّل لأن كثيرا من الأمراض في توقّف علاجها على العمليات الجراحية أو انحصار العلاج بذلك محلّ نزاع بين المتخصصين من أنواع الطب المختلفة.

أما الأدلّة الخاصّة فمفادها جواز خرق الجسد لغرض أهم من حفظ الحرمة للميّت، كما إذا توقّف حفظ حياة حيّ عليه بل وجوبه. منها صحيحة علي بن يقطين:

قال سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن المرأة تموت و ولدها في بطنها قال: يشق بطنها و يخرج ولدها.

و مثلها مرسلة ابن أبي عمير و خبر علي بن أبي حمزة و موثقة محمد بن مسلم. (1)

و ظاهرها- كما ترى- وجوب الشق و اخراج الولد. و استدلّ بها في الموارد العديدة لأهمية حياة الحيّ على حرمة الميّت.

لا يقال: انّ أدلّة حرمة الميّت أنه حرمته ميتا كحرمته حيّا فيتساوى حينئذ الملاكان. فانّه يقال: انّ الأدلّة المزبورة دالّة على أهمية ملاك حرمة الحيّ من ملاك حرمة الميّت. و ذلك لأن المشبه به أقوى من المشبّه في وجه الشبه. فتكون هذه الأدلّة طائفة ثانية من الأدلّة‌

____________

(1). ب 46/ ابواب الاحتضار.

38

الخاصّة على الجواز في المقام.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا انّ التشريح ببدن المسلم جائز إذا كان مقدمة لانقاذ النفوس المحترمة و لا سبيل إلى اجساد الكفّار الحربيين و من ثم إذا دار الأمر بين بدن المسلم و بدن الذمي كان الذمي متعينا لأنه أقل محظورا و حرمة و هكذا إذا دار الأمر بين المسلم و المؤمن كان المسلم متعينا لما تقدم. فاللازم مراعاة الترتيب و الغريب عدم الاشارة إلى هذا التفصيل في الفتاوى.

هذا تمام الكلام في التشريح لأجل المسائل الطبيّة. (1)

____________

(1). و قد يشكل على تصوير التزاحم في المقام بالاشكال في أصل وجوب حفظ النفس بعدم اطلاق دالّ عليه شامل لموارد توقّف الحفظ على مقدمات محرمة غير مشروعة فليس مفاد أدلّة وجوب الحفظ لزومه بلغ ما بلغ. و بعبارة اخرى: انّ الأدلّة المزبورة بمثابة الأدلّة اللبيّة حيث أنها متعرضة لأصل تشريع حرمة الدم و نفس المسلم و إن من احيى نفسا فكأنّما أحيى الناس جميعا فالقدر المتيقن من دلالتها هو الانقاذ بالطرق المباحة.

و فيه: انّ ضعف الاطلاق في الأدلّة المزبورة و إن كان تامّا في الجملة إلا أنّ دلالتها على وجود الملاك لموارد المحرمات- غير شديدة الملاك- لا ريب فيها.

و بعبارة أدق: انّ المستفاد من الحفظ و الاحياء في الأدلّة هو الحفظ في مقابل مثل الموت الاخترامي و بالاسباب المتعارفة عقلائيا لا بنحو سدّ باب الموت من رأس أو بالأسباب غير الطبيعية المتعارفة. فالتفصيل هو بذلك لا التفصيل بين فعل المباح و الحرام. فمثل ترقيع العضو أو التشريح لأجل التعلّم للعلاج من الطرق المتعارفة في طبيعة حفظ الحياة بخلاف التوقّي عن الموت بتعلّم العلوم الغريبة أو الهجرة و العيش في مناطق خاصّة معينة أو ابقاء حركة القلب بالآلات الكهربائية لمدة متطاولة جدا و نحو ذلك.

39

فروع أخرى

[الأول في الموارد التي يبنى على جواز التشريح هل تثبت فيها الدية أو لا]

الأول في الموارد التي يبنى على جواز التشريح في بدن الميّت المسلم أو الذمي أو المعاهد هل تثبت فيها الدية أو لا؟

ذهب غير واحد من أعلام العصر إلى الثاني و لعلّ وجهه انّ الجواز التكليفي مسقط للضمان لا سيّما و أن المرتكب له في مقام أداء الوظيفة فهو محسن و ليس على المحسنين من سبيل.

و فيه: انّ الجواز بل الوجوب لا ينافي الضمان كما في أكل مال الغير في عام المجاعة فانّه واجب لانقاذ النفس لكنه لا ينافي ضمان قيمته لمالكه لأن الضرورات تقدر بقدرها. و غاية ما تستدعي الضرورة سقوط الحرمة التكليفية لا الوضعية و كون المرتكب محسنا و مؤدّيا للواجب الكفائي و غير منتفع بالفعل بما يعود إليه- بل يعود النفع إلى عموم الناس- لا ينفي أصل الضمان، بل غايته عدم تعلّق الضمان به، بل ببيت المال لأن نفعه عائد لها فيندرج في قاعدة تلف المال المأذون لنفع شخص موجب لضمان ذلك الشخص، أي انّ الضمان لمن له النفع من التلف و اذن الشارع و أمره في ذلك التلف الراجع نفعه لتلك الشخص بمنزلة وليّ ذلك الشخص كما ورد هذا المفاد في نصوص اطعام الدابّة الضالّة و أن الملتقط يرجع على مالك الدابّة بما أنفق.

40

و هناك قول ثالث كما سيأتي في الترقيع بأن الميّت إذا أذن في ذلك يسقط الضمان و سيأتي بيان الحال في الترقيع.

إن قلت: قد التزم بسقوط الدية في قتل المسلمين الذين تترّس بهم الكفّار عند إرادة قتل الكفّار كما ورد في خبر الحفص و ليس إلا لأجل أن قتل المزبور مأذون فيه شرعا و كذا في شق بطن الحامل الميّت لاخراج ولدها الحيّ كما مرّت النصوص الدالّة على جواز ذلك و لم يشار فيها إلى الدية و ليس ذلك إلا لكون الشق مأذونا فيه شرعا.

قلت: لا يتعيّن سقوط الدية لأجل ما ذكر بل لعلّ الوجه فيه انّ القتل المزبور نحو من المجاهدة من المسلمين المقتولين نظير العمليات الانتحارية لقتل العدو و نظير المبارزة المعتادة في مقاتلة العدو.

و بعبارة اخرى: انّ القتل بالأصالة متوجه إلى العدو لكنه يستلزم و يستتبع قتل المسلمين فيكون نظير بقية صور الجهاد. هذا مع أن سقوط الدية ثمة عمدة ما تمسّك به هو الاجماع و اطلاق الأدلّة المجوزة لذلك و خبر حفص مع انّ في الاعتماد عليه نظرا. أما الاجماع فلأنه مدركي و منقول. و أما إطلاق الأدلّة فعدم التعرض فيها للدية و لو من بيت المال ليس بمثابة نفي الدية فلا يخصص بها عموم (لا يعلّل دم امرئ مسلم).

هذا لو لم نعتمد الجواب الأول. أمّا المورد الثاني فلأن ثبوت الدية ليس بمطلق التصرف في بدن غير الحي أو الميت، اذ العملية الجراحية للغير في مقام العلاج الطبي لا توجب الدية ليس لأجل اذن المريض بل‌

41

لامكان دعوى انصراف ادلّة الديات عن مثل هذه الموارد ممّا لم يكن بعنوان الجناية، اذ ليس هو اتلاف بضرر الغير بعد كون الدية هي من باب الضمانات المقدرة شرعا فتكون محكومة بقواعد باب الضمان، فكذا الحال في استنقاذ مولود المرأة فإنّه بنفع المرأة الميتة نظير ما إذا كانت حيّة و أجريت لها عملية جراحية لاستنقاذ حياة الطفل.

الثاني هل يجوز تشريح الميت مع ايصائه بذلك أو لا؟

قولان مبنيان على الوجه في حرمة التشريح فمن يبني على خصوص وجه الهتك بنى في المقام على الجواز لعدم حصول الهتك مع الاذن، بخلاف ما لو بنى على بقية الوجوه المتقدمة، نظير حرمة المسلم ميتا كحرمته حيا فإنّه لا ترتفع الحرمة عن الغير باذن المسلم نفسه لأن الصحيح أن هذه الحرمة و إن كانت تكليفية حقوقية إلا أنها غير قابلة للإسقاط فليست متعلّقة لسلطنة المسلم على نفسه و ذلك لأن هذه الحرمة هي ثابتة أيضا على المسلم و المؤمن باتّجاه نفسه أيضا لما سيأتي من أن بدن الانسان بل و بقية قواه و نفسه أمانة من اللّه معهودة لدى الانسان و من ثم يحرم على المسلم و المؤمن ان يذلّ نفسه أو يهتكها أو يلحق الضرر بنفسه أو ببدنه أو بقواه حتى الروحية منها بأن يلقي نفسه في الأمراض المزمنة النفسية. ففي موثقة سماعة قال: قال ابو عبد اللّه (عليه السلام):

انّ اللّه عزّ و جل فوّض إلى المؤمن اموره كلّها و لم يفوض‌

42

إليه أن يذلّ نفسه، أ ما تسمع لقول اللّه عز و جل: وَ لِلّٰهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ فالمؤمن ينبغي أن يكون عزيزا و لا يكون ذليلا يعزّه اللّه بالايمان و الاسلام. (1)

و موثقة أبي بصير:

انّ اللّه فوّض إلى المؤمن كلّ شي‌ء إلا اذلال نفسه.

و قريب منها رواية الأحمسي (2).

فكل ذلك ممّا يدلّ على انّ الحرمة الثابتة للمسلم بالشهادتين حيّا و ميتا و للمؤمن مقرّرة أعم من كونها وظيفة الغير تجاهه و وظيفة نفسه تجاه نفسه.

إن قلت: ان التعبير في صدر الموثقتين بتفويض أموره كلّها له أو كلّ شي‌ء يقتضي أنّ حرمته التي هي من حقوقه هي بيده فله أن يسقطها أو كلّ ما يفعله المؤمن بنفسه فقد فوّض إليه اختياره.

قلت: انّ المخصص المتصل الذي هو محل الاستشهاد للمطلوب مضافا إلى عموم حرمة الضرر و كل الالزاميات في الشرع، مجموع ذلك يلزم منه التخصيص الكثير فلا محالة يكون مفاد صدر الرواية هو اعطاء الولاية له في ما اباحه الشارع تكليفا له فموضوع ولايته مقيّد بذلك و يكون من قبيل الاستثناء المنقطع فلا بد في التمسك بالصدر من احراز الجواز التكليفي في الرتبة السابقة و على ذلك فلا‌

____________

(1). ب 12/ ابواب الأمر و النهي/ 2.

(2). نفس المصدر.

43

يعارض الصدر أدلّة حرمة النفس و البدن بل من كل ذلك يتبين عموم الحرمة لو بنى على الوجه الأول أيضا و هو كونه هتكا لأن هذه الحرمة غير قابلة للاسقاط كما عرفت.

الثالث بيع الحي لبعض أعضائه أو بيع أولياء الميّت لبدن الميّت

للتشريح. و سيأتي البحث في ذلك مفصلا في بحث الترقيع و إن كان اتّضح اجمالا من الفرع السابق حرمة ذلك لتلازم الحرمة الوضعية للحرمة التكليفية لا من جهة حرمة الميتة كما سيأتي بيان ذلك.

الرابع جواز شق البدن و تشريحه لكشف الجرم

في التحقيقات الجنائية كما في قتل الانسان حيث أنه بالتشريح يعلم من الضارب أو القاتل؟ فتدفع التهمة عن المتّهم البري‌ء.

فقد يقال بجواز التشريح كي لا يطل دم المقتول مضافا إلى توقّف حفظ حياة المتّهم البري‌ء على ذلك. و بعبارة أخرى: تارة يجوز التشريح لحفظ حياة المسلم المريض و أخرى لأجل حفظ حياة المسلم المتّهم. و قد يكون عكس ذلك حيث لا يعلم القاتل فيرتكب التشريح لاستعلامه. و قد بنى جماعة من فقهاء هذا العصر على أن وجوب تدارك دمه بالقصاص أو الدية أهم من حرمة التشريح، لأنه عموم لا يطل دم امرئ يرجع لبّا إلى حرمة هدر دمه و حرمة دمه أهم‌

44

من حرمة بدنه و هو متين حيث انّ حرمة التشريح من شعب حرمة الميّت فاذا توقّف حرمة الميّت التي هي الأصل على ارتكابها قدّمت عليها و مقتضى حرمته في المقام معرفة القاتل للاختصاص أو تغريمه الدية. نعم قد يتأمّل في الوجه الثاني المتقدم حيث انّ حفظ حياة المتّهم قد قرر في الشرع بالبينة أو اليمين و نحو ذلك من الموازين القضائية فلا وجوب لحفظ حياته في ذمّة القاضي زائدا على ذلك.

نعم بالنسبة إلى المتّهم يجب عليه حفظ نفسه و دفع التهمة عنها و لكن قد يدفع بأن وجود الموازين المقررة في باب القضاء لا ينافي وجوب اقامة القسط و العدل عليه بالمقدمات التكوينية المقدورة الموصلة إلى العلم الحسي أو القريب منه. و بعبارة أخرى: يجب الفحص عليه بمقدار ذلك ممّا هو متعارف في كل زمن من الطرق العقلائية المقدورة و لك أن تقول: إنّ البيّنة و اليمين ميزان للحكم بمثابة الأمارة و الأصل العملي في الشبهات الحكمية في مقام استنباط الحكم الشرعي الكلي، لا يسوغ العمل بها إلا بعد الفحص بالمقدار المتعارف و لعلّ العديد من أقضية أمير المؤمنين (عليه السلام) المأثورة التي استخرجها فيها الحق هي من هذا القبيل لا من الحكم بقضاء داود (عليه السلام) بل انّ أقضيته (عليه السلام) المزبورة وجه آخر لمشروعية الفحص و وجوبه.

هذا كلّه في صورة الظن و الاطمينان باتّضاح الواقع بذلك. أما في‌

45

صورة الاحتمال الظاهر أنه لا يجوز ارتكاب حرام مسلّم لمجرّد احتمال حق. لكن قد يقال انّ المحتمل حيث أنه ذو أهمية كبيرة فاحتماله يزاحم الحرام المعلوم المرجوح.

الخامس حكم تشريح جسد الميّت لأجل تعليم القضاة

و تشخيص الجناية. فقد يقرب ما تقدم في تعليم الطب اذ لا فرق في انقاذ النفوس بين المعالجة أو دفع التهمة عن النفوس البريئة. و قد يفرق بأن التعليم إذا كان مقدمة لحفظ دم المقتول عن الهدر فليس هو بمثابة من الأهمية بحيث يتقدم على حرمة ابدان الآخرين.

***

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

أحكام الترقيع

(مسألة 39) لا يجوز قطع عضو من أعضاء الميّت المسلم

كعينه أو نحو ذلك لالحاقه ببدن الحيّ فلو قطع فعليه الدية.

و الحكم واضح من الأدلّة المختلفة المتقدمة بعنوانه الأولي بالنسبة إلى العضو المتّصل و أما لو كان مقطوعا فالروايات الواردة في أبواب غسل الميت في الوسائل دالّة على وجوب دفن كافة أجزاء بدن الميّت حتى الظفر و الشعر منه فضلا عن باقي الأعضاء مثل قويّة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الميّت يكون عليه الشعر فيحلق عنه أو يقلّب. قال: لا يمس منه شي‌ء اغسله و ادفنه. (1)

و غيرها من الروايات الواردة في ذلك الباب القابلة أسانيد بعض منها للاعتبار. فالمستفاد منها عدم جواز التصرّف في العضو المقطوع بإلحاقه ببدن الحيّ و أمّا لزوم الدية فيستفاد من الروايات‌

____________

(1). ب 11/ ابواب غسل الميّت/ 3.

48

الواردة في كتاب الديات (1). هذا بالنسبة إلى القاطع.

و أمّا بالنسبة إلى المترقّع بالعضو فقد يقال بوجوب اعادته عضو الميّت إلى الميّت و دفنه لاطلاق الروايات المشار إليها و كذا الأدلّة السابقة و لكن قد يقال بأن العضو الميّت بحكم التالف إذا وصل بالحيّ و من ثم لا يكون ذلك العضو نجسا في ما لو كان ظاهرا لتبدل عنوان الموتان إلى الحياة، لا سيّما إذا كان العضو باطنيا فإن اقتطعه من الحي قد يؤدّي إلى هلاكه و حينئذ فيكون المترقّع ضامنا لدية العضو و لكن حيث انّ دية العضو لا تتضاعف و لا تتكرر فدية ذلك العضو إمّا أن يقال بأن ورثة الميّت مخيّرون في الرجوع على كل من القاطع أو المترقّع أو توزّع الدية عليهما أو انّ الدية على المترقّع لأنه مستقر الضمان كما في تعاقب الأيادي أو أن الدية على القاطع فلا تثبت مرّة أخرى، وجوه.

نعم لو لم يحسب العضو تالفا كما في بعض الأعضاء الظاهرة كالاصبع أو اليد أو العين فيتوجّه وجوب ارجاعه إلى الميّت.

____________

(1). ب 24/ ابواب ديات الأعضاء.

49

نعم لو توقّف حفظ حياة مسلم على ذلك جاز و لكن على القاطع الدية.

أمّا الجواز بالنسبة إلى الكافر- بناء على احترامه- فلتوقّف حياة المسلم الأهم عليه و قد تقدم انّ هذا النوع من الحفظ مشمول لأدلّة الحفظ و أمّا إذا توقّف حفظ حياة مسلم على قطع عضو من اعضاء الميّت المسلم فهل يجوز أخذ عضو منه للترقيع؟ قد يستدلّ للجواز بوجوه:

الأول: ما ورد في الحامل من أنه يشقّ بطنها لحفظ حياة الولد الذي في بطنها و يستخرج الطفل مع أنّه يستلزم تقطيع بعض أعضائها لأجل ذلك و قد يتأمّل في هذا الدليل:

أولا: بأنّ مورده من التلازم الوجودي بين التصرّف في الميّت و حياة الحيّ، حيث انّ أصل حياته تتوقّف على التصرّف في أعضاء الميّت و هذا بخلاف المقام حيث لا ارتباط و لا تلازم بين التصرف في الميّت و حياة الحيّ. و بعبارة اخرى: في الصورة الأولى المشيّة الإلهية و الإرادة التكوينية قد جعلت وجودهما مقترنين بخلاف الموارد الاخرى و هذا هو المراد من التلازم.

و ثانيا: انّ القياس مع الحامل المزبورة مع الفارق حيث انّ في ذلك المورد لم يؤخذ عضو من الميّت و يجعل في الحيّ و انّما قطع.

50

فالتصرّف غير مستمر بخلاف الترقيع فانّه تصرّف مستمر و في مورد القطع الأعضاء المقطعة تدفن و لا يتصرّف فيها بقاء كما في المقام.

نعم هذا الوجه لا يخلو من اشعار دلالة على المطلوب في المقام.

الثاني: ما رواه في مكارم الأخلاق عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال:

ساله أبي و أنا حاضر عن الرجل يسقط سنّه فأخذ سنّ انسان ميّت فيجعله مكانه. قال: لا بأس. (1)

و هذه الرواية في مورد عدم توقّف الحياة على عضو الميّت فكيف في ما إذا توقّفت عليه.

و يرد على الاستدلال بها:

أولا أنّها مرسلة.

و ثانيا انّ سنّ انسان ميّت ممّا لا تحلّه الحياة و ممّا يعدّ من الزوائد و فضول البدن مع احتمال انفصالها عن الميّت قبل موته، بخلاف المقام فانّ الكلام في الأعضاء الأصلية.

و ثالثا قد وردت روايات معتبرة بمجموعها دالّة على عدم جواز ازالة شي‌ء من الميّت حتى من شعره أو ظفره و انه إن فعل ذلك جعل معه في الكفن.

الثالث: ما تقدم في طيّ أدلّة التشريح من ثبوت الدية في الجناية على بدن الميّت كرواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1). ب 31/ ابواب لباس المصلي/ 4.

51

في رجل قطع رأس الميت. قال: عليه الدية لأن حرمته ميتا كحرمته و هو حيّ. (1)

و تقريب الدلالة أنه شبّه بدن الميّت بالحيّ في الحرمة و هذا التشبيه يستدلّ به على الحرمة و لكن يمكن الاستدلال به على الجواز في المقام حيث انّ المشبّه به أقوى و أشد من المشبه في وجه الشبه و يكون التشبيه دالا على اقوائية الملاك فيه و هذا في ما إذا لم يكن المشبه به أعرف و إلا فتكون اقوائية المشبه به من ناحية الأعرفية و على أي حال فمفاد الروايات المزبورة اقوائية وجوب حفظ الحي من حرمة بدن الميّت، مضافا إلى ما يستفاد من الآية الكريمة مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً (2) حيث جعل فيها حفظ حياة شخص واحد بمثابة حفظ الحياة لجميع الناس ملاكا بينما لم يرد مثل هذا التعبير في الميت و أيضا بدن الميّت جثة جامدة بينما بدن الحيّ نفس يخشى عليه الزهوق.

و قد يشكل بأن وجوب حفظ حياة المسلم مختص بالطريق المحلل و بما هو من الأسباب الطبيعية أو بما هو شامل للمحرمات الصغيرة و أما التوصّل لحفظها بأبدان بني نوعه المحرمة فلا اطلاق لدليل الوجوب لمثل ذلك، بل هو قاصر عن شموله له.

و قد تقدم الجواب عن هذا الاشكال في آخر بحث التشريح فراجع.

____________

(1). ب 24/ ابواب ديات الأعضاء/ 4.

(2). المائدة/ 32.

52

فلا بد من تشخيص درجة الملاك لوجوب حفظ حياة الحيّ و لا يبعد بحسب التتبع في الموارد المتعددة أنّ ابقاء حياة فرد قد يكون أهم ملاكا في نظر الشرع من حياة فرد آخر- نظير قضية مبيت الأمير (عليه السلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- فضلا عن أبدان الأموات و على أي حال لا بدّ من التتبع الوافر لإحراز أهمية الملاك المزعوم.

هذا كلّه في الحكم التكليفي و أما لزوم الدية فلأن غاية التزاحم رفع الحرمة التكليفية لا رفع الضمان، نظير أكل الجائع طعام الغير يوم المجاعة حيث أنّه يجوز له ذلك مع ثبوت الضمان و الشارع و إن أسقط ولاية المالك حينئذ إلا أنّه لم يسقط الحكم الوضعي لعدم تبعيته للتكليفي.

لا يتوهّم بأن الدية ثابتة بعنوان العقوبة، فتختص بمورد حرمة القطع- كما يشهد لذلك ما ورد في القصاص كصحيحة أبي الصبّاح الكناني عن الصادق (عليه السلام):

عن رجل قتله القصاص، له دية؟

فقال: لو كان ذلك لم يقتص من أحد. و قال: من قتله الحدّ فلا دية له. (1)

و مثل ذلك صحيحتا الحلبي و محمد بن مسلم.

فاذا جاز القطع لتوقّف مصلحة أهم عليه فلا تكون الدية ثابتة حيث انّ الميّت لا يزيد على الحيّ في الضمان و ان الفقهاء لا يثبتون الدية في‌

____________

(1). ب 24/ ابواب قصاص النفس/ 1.