نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
562 /
1

الجزء الأول

نظام‌

القضاء و الشهادة‌

في الشريعة الاسلامية الغراء‌

تأليف: العلامة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني‌

الجزء الأوّل‌

نشر: مؤسسة الإمام الصادق (ع) إيران قم‌

2

هوية الكتاب

اسم الكتاب: نظام القضاء و الشهادة في الشريعة الاسلامية الغرّاء‌

المؤلف: جعفر السبحاني‌

الجزء: الأول‌

الطبعة: الأولى‌

المطبعة: اعتماد قم‌

التاريخ: 1418 ه ق/ 1376 هش‌

الكمية: 2000 نخسة‌

الناشر: مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام)

السعر: 2500 تومان‌

الصفّ و الإخراج باللاينوترون: مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام)

2- 964624314: شابك‌

توزيع‌

مكتبة التوحيد‌

قم ساحة الشهداء 7743151‌

3

[المقدمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

القضاء و دوره في استتباب الأمن و استقرار العدل

تقوم الحكومة الإسلامية على دعائم ثلاث

، يلعب كلّ منها دوراً هاماً في تشييد معالمها و هي عبارة عن:

1-. السلطة التشريعيّة.

2-. السلطة التنفيذيّة.

3-. السلطة القضائيّة.

فللسلطة التشريعية مراحل نشير إليها على وجه الإيجاز:

أ. مرحلة التشريع

: أي سنّ القوانين و جعلها: و هو مختص بالله سبحانه، و ليس لأحد حقّ التقنين و التشريع، و هذا ما يعبر عنه بالتوحيد في التقنين.

ب. مرحلة الاستنباط

: أي استنباط ما شرّعه الله سبحانه في الكتاب و السنّة و غيرهما من مصادر التشريع، و يقوم بتلك المهمة الفقهاء العظام.

ج. مرحلة التخطيط

: و هي وظيفة المجلس النيابي الذي يضم نواب الأُمّة من ذوي الاختصاص، و تطرح فيه البرامج المختلفة في مجالات شتى على ضوء القوانين‌

4

الإسلامية.

هذا كلّه حول السلطة التشريعية.

و أمّا السلطة التنفيذية

فهي التي تأخذ على عاتقها إدارة البلاد بصورة مباشرة دون أن يكون هناك التزام بأُسلوب و صورة خاصة لإدارتها غير كونه موافقاً للشرع، و لأجل ذلك تتبع كلّ ما تجده صالحاً حسب مقتضيات الزمان. فإنّ المطلوب من صاحب الشريعة هو التركيز على لزوم السلطة و مواصفات القائمين عليها، و أمّا أساليب التنفيذ فإنّما تتبع متطلبات الزمان شريطة أن لا تكون مخالفة لما سنّه الإسلام.

و أمّا السلطة القضائية

التي هي موضوع بحثنا في هذا التقديم، فتمثل مكان الصدارة في استتباب الأمن و النظام، و استقرار العدل، و صيانة الحقوق و الحرّيات من التعسّف و التعدي، و بذلك يسود التوازن و القسط و العدل ربوع ذلك المجتمع.

و يكفي في الإشارة إلى منزلة القضاء الرفيعة انّه من شئون الأنبياء، كما نلاحظه في قوله سبحانه: (يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ) (ص/ 26).

و كان الأنبياء يصدرون في فصل الخصومات عن الكتب السماوية دون أن يتعدوها قيد شعرة، قال سبحانه: (إِنّٰا أَنْزَلْنَا التَّوْرٰاةَ فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هٰادُوا) (المائدة/ 44).

و يخاطب الله سبحانه نبيّه الخاتم بقوله: (وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكَ) (المائدة/ 49).

هذه هي مكانة القضاء و هؤلاء هم القضاة (الأنبياء) و هذه برامجهم، فليس للقاضي القضاء طبقاً للقوانين الوضعية التي لا تمتُّ إلى أحكام السماء بصلة، و لا القضاء بالهوى، و قد نوّه سبحانه إلى ذينك الأمرين بقوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ عَمّٰا جٰاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة/ 48).

5

وحدة السلطة التنفيذية و القضائية و فصلهما

إنّ الرائج في العصور المتأخرة فصل السلطتين القضائية و التنفيذية لمصالح تقتضيه، و لكلّ سلطة حدودها و مجال نفوذها، لئلّا تتداخل إحداهما في شئون الأُخرى.

و لا نرى في الإسلام أصلًا لهذا الفصل، لا بمعنى انّ الإسلام ينهى عنه و يمنع منه، بل ترك فصل السلطتين أو وحدتهما إلى مقتضيات الزمان، فالنبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) أوّل من مارس القضاء في الشريعة الإسلامية كما مارس في الوقت نفسه السلطة التنفيذية، فكان بشخصه يُمثِّل السلطتين، و قد بلغ عناية القرآن بلزوم التسليم أمام قضائه حدّاً، عدّ التسليم لقضائه من مقدمات الإيمان، قال سبحانه: (فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء/ 65)، فكان حاكماً و قاضياً و في الوقت نفسه كان ينصب القضاة، فقد بعث (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) عليّاً إلى اليمن للقضاء و دعا في حقّه قائلًا: «اللّهمّ اهد قلبه و ثبّت لسانه» (1). كما بعث معاذاً إلى اليمن لهذه المهمة أيضاً، و سار على هذا النهج، الخلفاء الذين أخذوا بزمام الأُمور بعد رحيل النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) فكانوا ولاة و قضاة في آن واحد.

و لما غادر الإمام (عليه السلام) البصرة إلى الكوفة و جعلها دار الخلافة، فقد مارس القضاء و هو وال إضافة إلى أنّه (عليه السلام) نصب شريحاً لمهمة القضاء و شرط عليه أن لا ينفذ ما قضاه حتى يعرضه عليه. (2)

فالفصل بين السلطتين أو وحدتهما أمر متروك إلى المصالح.

و هنا نكتة جديرة بالبحث و هي انّ الحافز من وراء فصل السلطتين في الأوساط الغربية هو عدم اشتراطهم شيئاً من المواصفات في السلطة التنفيذية سوى الدهاء و‌

____________

(1) الجزري: جامع الأُصول: 1/ 549 أخرجه أبو داود و الترمذي.

(2) الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

6

العقل و الكفاءة الذاتية من دون اشتراط عنصر الإيمان و العدالة و الزهد على خلاف ما اشترط الإسلام، و قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج/ 41).

فلو مارس الحاكم بهذه المواصفات مهمّة القضاء لا يهمه سوى اجراء العدالة دون أن يستغل مقامه السامي في إحقاق الباطل و إبطال الحق. بخلاف الحاكم في الأنظمة الغربية فلا يبعد أن يستغل مقامه في صالح المبطل و ضدّ المحق.

إنّ على عاتق الجمهورية الإسلامية رفع المستوى الفقهي للقضاة، فلا تنصب لتولي مديرية هذه المهمّة إلّا من له أهليّة الاستنباط في باب القضاء و الشهادات و الحدود و الديات التي يجمعها لفظ عنوان الأحكام و السياسات.

كما أنّ على عاتق مديرية الحوزة العلمية أن تجعل القضاء إحدى مواد مناهجها الدراسية يتخصص بها، لفيف من الفضلاء و هذه أمنيّة كسائر الأماني التي لم أزل أنادي بها منذ زمن بعيد.

و في الختام أتقدّم بالشكر الجزيل إلى ولدي الروحي الفاضل حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ «محمد الهادي به» حيث حضر هذه البحوث بوعي و دقة كما حضر سائرها و أشرف على هذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ إشرافاً علمياً منذ تدوينه إلى إخراجه بهذه الحلة الرائعة، فشكر الله مساعيه و جعله من العلماء العاملين و نفع الله به الإسلام و المسلمين، آمين ربّ العالمين.

قم. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) للأبحاث و الدراسات الإسلامية جعفر السبحاني في 15 من شهر ربيع الأوّل من شهور عام 1418 ه‍‌

7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أمر عباده بالقضاء بالعدل و الحقِّ، و نهاهم عن الحكم بالجور و العسف. و الصلاة و السلام على رسوله الذي بعثَه بالحُجج و البيّنات، و رافقه بالصحف و الكتاب، و على وصيّه الحاكمِ بالقسط، و أقضى الأمّة، و عترته الطاهرين، أئمّة العدل و خلفاء الله على الأرض، صلاة لا نهاية لها.

أمّا بعد: فقد طلب منّي لفيف من الفضلاء الأكارم، و جمع من العلماء الأماثل، إلقاءَ محاضرات حول القضاء في الإسلام، الذي اشتدّت الحاجة إليه بعد قيام الثورة الإسلاميّة في ايران و زادت الرغبة إلى فهم أصوله و دقائقه بين طلّاب الفقه و بغاة الفضيلة فنزلت عند رغبتهم، سائلًا من اللّه سبحانه العصمة من الخطاء في القول، و الزلل في العمل، إنّه خير معين و مجيب.

فنقول: مقاصد القضاء أربعة:

الأوّل: القاضي و صفاته.

الثّاني: في آداب القاضي.

الثالث: في كيفيّة الحكم.

الرابع: في أحكام الدعاوي.

و قبل الخوض في المقصود نقدّم اموراً:

8

الأمر الأوّل: في أن القضاء أحد الدعائم الثلاث لسعادة المجتمع

من سَبر الكتب الفقهيّة و أمعن النظر في المصادر الإسلاميّة، يقف على أنّ الشريعة الإسلاميّة اعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة، لكل شأنه و موقفُه و لا يستغني عنها اهل الدّين في زمان من الأزمنة، و أنّ رحى الحياة في جميع الأدوار تدور عليها، و هي:

1 السائس و الحاكم

هذا هو الركن الأوّل لإدارة المجتمع، و المقصود منه وجود قوّة تنفيذيّة، تنفّذ و تطبّق ما جاء به صاحب الشريعة في مجالات مختلفة، و في ظلّ هذه القوّة المتمثّلة في الحاكم الإسلامي، يسود الأمنُ على البلاد، و يُجْبى الصدقاتُ و الزكاة، و تُجرى الحدودُ و الأحكام على العصاة و الطغاة، و تُحفظُ ثغور البلاد من دخول الأعداء و تسلّل الكفّار إلى أراضيها و أجوائها ليفسدوا الأمر عليهم. إلى غير ذلك من وظائفَ لِسائس القوم و حاكمهم و منظِّم أمورهم في مجال ترويج الاقتصاد و التّجارة، و بسط العدل و القسط، و صيانة الأمّة من الظلم و التعدّي و ما شابهها، و تختلف وظائف السائس قلّة و كثرة حسب إختلاف الحضارات و البيئات الّتي تحيط به.

قال سبحانه (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّٰاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج/ 41)

و قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): «إنّا لا نجد فرقة من الفرق و لا ملّة من الملل، بقوا و عاشوا إلّا بقيّم و رئيس لما لا بدّ لهم منه في أمر الدين و الدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أنْ يتركَ الخلقَ ممّا يعلم أنّه لا بدّ لهم منه و لا قوامَ لهم إلّا به،

9

فيقاتلون به عدوّهم، و يقسمون فيئهم و يقيمون به جمعتهم و جماعتهم، و يمنع ظالمهم فيه مظلومهم». (1) و عُبّر عن السائس في الروايات، بالحاكم و السلطان و الإمام إلى غير ذلك.

2 القاضي و الفاصل للخصومات

و هذا هو الركن الثاني لإدارة المجتمع الإسلامي بل مطلق المجتمع البشري لأنّ الحياة الفردية، لا تثير أي اختلاف و نزاع بخلاف الحياة الجماعيّة فإنّ الاختلاف فيها وافر نابع من جهات عديدة فتثير التزاحم و التصادم في الحقوق و الأموال، إمّا طمعاً في حقوق الآخرين و أموالهم أو جهلًا بالحكم و الوظيفة و اعتقاداً بملكيّة ما ليس يملكه أو بحقّ ليس يستحقّه، فلا مناص من وجود قوة قضائية و سلطة نافذة فاصلة للخصومات، محلّة للعُقَد، ببنان العدل و الانصاف و في ضوء القانون النازل من الله سبحانه و إلى ذلك تشير الآيات الواردة في سورة المائدة من الآية الثانية و الأربعين إلى الآية الخمسين.

3 المفتي و المجتهد

إنّ الإسلام ليس مجرّد أوراد و طقوس جافّة لا تتجاوز عدّة آداب و مراسيم، يُلْقيها القُسُّ (2) في الكنائس بل هو ذو تشريع مسهب فيه حياة الفرد و المجتمع في عاجلهما و آجلهما، يغنيهم عن الاستعانة بأيّة قوّة تشريعية أجنبية، غربية و شرقية في مجال العبادات و المعاملات و الأحوال الشخصية و السياسات، و القضاء و الشهادات.

إنّ التشريع الإسلامي بما يتمتّع من السعة و الاسهاب، يعدُّ من معاجز النبي الأكرم، و آيةُ صلته بقدرة غير متناهية، استطاع على إغناء المجتمع عن أيّ نظام‌

____________

(1) علل الشرائع: 253. و للحديث ذيل فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.

(2) القس: كفلس، رئيس رؤساء النصارى في الدين و العلم، و كذلك القسيس.

10

تشريعي في كلّ ما يمت إلى الحياة الفرديّة الاجتماعية و السياسية و الخُلقية و البيئيّة بصلة.

إنّ هذه الأركان الثلاثة قد تجتمع في شخص واحد كما في الرسول الأكرم و أوصيائه و قد لا تجتمع كلها في شخص لضرورات اجتماعية توجب تقسيم الوظائف و المناصب، و مثل هذا لا يعني فصل الدين عن السياسة.

و يكفي في أهميّة مقام القضاء أنّه سبحانه اختار أنبياءه للقيام به و قد خاطب نبيّه داود بقوله: (يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ) (ص/ 26).

و قال مخاطباً نبيه (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة/ 42) و قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ عَمّٰا جٰاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة/ 48) و قال سبحانه: (وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكَ) (المائدة/ 49)

و ليس المراد من الحكم في الآيات هو الحكم فيما يرجع إلى الأُصول و العقائد، بل المراد هو الحكم في مجال الفروع و ذلك بوجهين:

1-- قوله سبحانه: (وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْرٰاةُ فِيهٰا حُكْمُ اللّٰهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ مٰا أُولٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) (المائدة/ 43) فإنّه بحكم قوله: «يحكّمونك و عندهم التوراة فيها حكم اللّه» صريح في كون مجال الحكم هو الفروع.

2- ما روي في شأن نزول الآيات عن الإمام الباقر (عليه السلام) و جماعة من المفسّرين: إنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم و هما محصنان فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة و كتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعاً‌

11

في أن يأتي لهم برخصة .... (1)

و الآيات و إن كان خطاباً للنبي الأكرم، لكنّه من قبيل: «إياك أعني و اسمعي يا جارة» فهي تدلّ بوضوح على أنّ القاضي في مظنّة اتّباع الهوى، معرضاً عن الحقّ، و أنّ المترافعين ربّما يفتنونه عن القضاء بما أنزل الله و عليه فلا يتصدّى لذلك المقام إلّا من امتحن الله قلبه، للتقوى، و امتلأ جوانحه بالخوف و الخشية.

و يكفي من السنّة، ما روي أنّ لسان القاضي بين جمرتين من نار (2) حتّى يقضي بين الناس فإمّا إلى الجنة و إمّا إلى النار. (3)

و روى المفيد مرسلًا عن النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): فإنّ من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين. (4)

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات النّاصة على خطورة الموقف و عظمة المسئولية للقاضي.

الأمر الثاني: القضاء لغة و اصطلاحاً

ذكر اللغويون للقضاء معاني مختلفة، ففي القاموس: القضاء: الحكم، و الصنع و الحتم، و البيان، و قضى: مات، و قضى عليه: قتله، و قضى وطرَه: أتمّه و أدامه، و قضى عليه عهداً: أوصاه و أنفذه، و قضى إليه: أنهاه، قضى غريمه دينَه: أدّاه.

و لكن الظاهر أنّ الجميع من طوارئ المعنى الواحد، الذي نصّ عليه ابن‌

____________

(1) الطبرسي: مجمع البيان 2/ 193 ط صيدا.

(2) الجمرة: النار المتقدة.

(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب آداب القاضي، الحديث 3.

(4) الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.

12

فارس في مقاييسه الذي ألّفه لبيان أُصول معاني الألفاظ و جذورها و قال: له أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر و إتقانه و إنفاذه قال سبحانه: (فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) (1) أي: احكم خلقهنّ، و القضاء: الحكم، قال سبحانه: (فَاقْضِ مٰا أَنْتَ قٰاضٍ) (2) أي: اصنع و احكم، وسمي القاضي قاضياً لأنّه يحكم الأحكام و ينفذها، و سمّيت المنيّة قضاء، لأنّه أمر ينفذ في بنى آدم و غيره في الخلق. (3)

فكل فعل يصدر عن فاعله بإحكام و إتقان، و تنفيذ، فهو قضاء و الموارد المذكورة في عبارة القاموس من مصاديق هذا المعنى الواحد. و إن شئت قلت: المادّة وضعت للفعل، الصادر عن الفاعل بإتقان و استحكام و أمّا خصوصيّة الفعل من الصنع، و الحكم و الموت، و الأداء، و قضاء الحاجة فإنّما تعلم من القرائن و المتعلّقات فإذا تعلّق بالسماوات، يكون قرينة على أنّ الصادر بإتقان، هو الخلق، و إذا تعلق بالدّين، يكون دليلًا على أنّ الصادر، الأداء، و إذا تعلّق بحكم تشريعي، يكون المراد هو الحكم مثل قوله: (وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ) (الاسراء/ 117)

تعاريف أربعة للقضاء

هذا كلّه حول معنى القضاء لغة و أمّا اصطلاحاً فقد عرّف بوجوه:

1- عرّفه الشهيد بقوله: «ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامّة من قبل الإمام». (4)

2- عرّفه الشهيد الثاني بقوله: «ولاية الحكم شرعاً لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعيّة على أشخاص معيّنة من البرية بإثبات الحقوق‌

____________

(1) فصلت: 12.

(2) طه: 72.

(3) ابن فارس: المقاييس، مادة «قضاء».

(4) الشهيد: الدروس: 168.

13

و استيفائها للمستحق». (1)

و الأوّل أعمّ من الثاني، لعدم شمول الأخير، لمثل إثبات الهلال، لأنّه ليس من قبيل إثبات الحقوق و استيفاؤها للمستحق.

و يرد على التعريفين أمران:

أ إنّ الولاية ليست نفس القضاء و إنّما هي المصحّحة له، لأنّ نفوذ الفصل بين المتخاصمين يتوقّف على كون القاضي ذا ولاية تجعل حكمه نافذاً في حقّ المولّى عليه، أشبه بنفوذ تصرّف الأب و الجدّ في حقّ الصغير، فتكون الولاية من مؤهلات القضاء و مصححاته، لا نفسه.

و ما ربّما يقال إنّ الغرض من ذكر الولاية بيان أنّ القضاء الصحيح من المراتب و المناصب كالإمارة و هو غصن من شجرة الرئاسة العامّة للنبي (2) غير تام لأنّه صحيح ثبوتاً و لا يكون مصحِّحاً لأخذها في التعريف المبين لماهيّة القضاء.

ب إنّ التعريفين لا يشملان قضاء النبي و الإمام، لتقييد الولاية في الأوّل بكونها من قبل الإمام، و بمن له أهليّة الفتوى في الثاني، و النبيّ ليس بمفت و كذا الإمام، و كون الولاية شاملة لما يكون من قبل الله، و إن كان يدخل فيها قضاء الإمام فيهما، لكن تقييدها بكونها من قبل الإمام في التعريف الأوّل و بمن له أهليّة الفتوى في التعريف الثاني، يخرج قضاء النبي و الإمام عن التعريف.

إلّا أن يقال: المقصود هو تعريف القضاء الرائج و هو قضاء غير النبي و الإمام.

3- القضاء: فصل الأمر قولًا أو فعلًا. (3)

____________

(1) المسالك: 2/ 388، الطبعة الحجرية عام 1268.

(2) النجفي، الجواهر: 40/ 9.

(3) كشف اللثام، و فيه: فصل الأمر مكان الخصومة.

14

يلاحظ عليه مع عدم شموله لمثل الحكم في مورد الهلال و النسب و النكاح إذا لم يكن مورداً للخصومة بل كان الأمر مبهماً تمام الإبهام للطرفين: أنّ فصل الخصومة ليس نفس القضاء بل من آثاره أولًا و أنّ للقاضي شئوناً وراء الفصل. كإجراء الحدود و التعزيرات، و إصدار القرار الذي هو حكم مؤقّت حتى يستمرّ التحقيق و يتميّز المحقّ عن المبطل و يصدر الحكم النهائي ثانياً، الّا أن يقال إنّ إجراء الحدود بعد ثبوته وظيفة شرعيّة و ليس من شئون القضاء.

4- القضاء: هو الحكم بين الناس. (1)

و هو أحسن التعاريف و يكمل بإضافة ما يعدّ من شئون القاضي سواء كان غاية للحكم، كإثبات حقّ أو نفيه أو إجراء الحدود و التعزيرات، أو لغرض مصالح المسلمين كالحكم بالهلال و النسب، أو مقدّمة له كالحكم على تعقيب المجرم، و جلبه إلى المحاكم، و توقيف الأموال، أو الحكم بجمع القرائن و الشواهد.

ثمّ إنّ الفرق بين الفتوى و حكم القاضي واضح و هو أنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلي و ليس لها أثر إلّا تنجّز الواقع، و أمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئي مطابق للحكم الكلي الصادر من الله.

و إن شئت قلت: إنّه حكم جزئي في مورد شخصيّ و يفترق عن حكم الحاكم باشتراط سبق النزاع في القضاء دون حكم الحاكم في الأمور العامّة.

و الحكم الصادر من القاضي له أحكام مثل عدم جواز نقضه إلّا في موارد جزئية، و يجب على الآخرين تنفيذ حكمه و إن خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلًا قطعياً، و عدم ضمانه إذا لم يكن مقصّراً، و كون الضرر على بيت المال، و له ولاية على كل مولّى عليه إذا لم يكن له وليّ إلى غير ذلك من الشئون.

***

____________

(1) الروضة 3/ 161.

15

الأمر الثالث: القضاء منصب يتقوّم بالولاية

القاضي في كلمات فقهائنا على أقسام ثلاثة:

1- القاضي المنصوب من قبل النبي و الإمام في زمان الحضور.

2- قاضي التحكيم و هو ما يتراضى المترافعان على قضائه و حكمه إذا كان عارفاً بالأحكام.

3- القاضي المأذون بالإذن العام في زمان الغيبة كما هو الحال بالنسبة إلى الفقهاء في زمان الحضور و الغيبة حيث أمر المعصوم بالرجوع إليهم، صيانة لهم عن الرجوع إلى حكّام الجور و فقهائهم حسب ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة. (1)

لا شكّ أنّ القضاء في القسم الأوّل منصب إلهي، لا يتمتّع به الإنسان إلّا في ظلّ التنصيب و التعيين و هو يلازم الولاية فيما عُيِّنَ له و يكون القضاء عندئذ غصناً من دوحة الرئاسة العامّة الثابتة للنبي و الأئمّة كما أنّه في القسم الثاني ليس منصباً و ليس للمتصدّي ولاية لما يلي، لكن لمّا رضي المترافعان بقضائه و تعهّدا على تطبيق العمل على حكمه، صار قضاؤه نافذاً.

إنّما الكلام في القسم الثالث أي القاضي المأذون فهل القضاء فيه منصب و ولاية على المولّى عليهم، أو هو أشبه بقاضي التحكيم؟ المشهور، هو الأوّل و صار البعض إلى القول الثاني.

استدل للثاني بأنّ لسان أدلّة القاضي المأذون، أشبه بلسان قاضي التحكيم حيث ورد في المقبولة قوله: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فارضوا به حكماً» (2) فأمرهم بالتراضي بحكم‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

16

ذلك القاضي كما هو شأن قاضي التحكيم، و مثله خبر أبي خديجة حيث قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (1) فإنّ قوله: «فاجعلوه بينكم» أي اختاروه لأن يحكم بينكم و لا يخرج هذا عن شأن قاضي التحكيم و على ضوء ذلك فماهية القضاء لا تلازم كونه منصباً و أن يكون فيه ولاية بشهادة صدقه على القسم الثاني و لا نصب فيه و لا ولاية و القاضي المأذون أشبه به، نعم يصدق قولهم في القاضي المنصوب بأنّ فيه ولاية، و لكن ذلك ليس باعتبار القضاء بل باعتبار النصب، و هو لا يختصّ بالقاضي، بل كل من له صلة بالدولة و يكون منصوباً مِنْ قِبَلِها و يكون له ولاية على العمل الذي عيِّن لأجله.

يلاحظ عليه:

أوّلًا: أنّه إذا كان القاضي المأذون في زمان الغيبة أشبه بقاضي التحكيم، بشهادة وحدة اللسان، فلما ذا عقّبه الإمام بقوله: «قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه». فإنّ الجعل فيه بمعنى النصب، فيكون أشبه بالقاضي المنصوب، غاية الأمر، أنّ الثاني منصوب بشخصه و عينه و هذا منصوب بوصفه و رسمه.

و ثانياً: أنّ الاستدلال على أنّ ماهية القضاء لا تلازم كونه منصباً و أن تكون فيه ولاية، بقاضي التحكيم، فإنّه فاقد للمنصب و الولاية مع كونه قاضياً، غير تام.

لأنّ القضاء الحقيقي، هو القضاء المؤيد بالقوّة و القدرة مادّية كانت أم معنوية كما هو الحال في قضاء النبي و الإمام و الفقهاء عند عدم بسط اليد، و أمّا الفاقد لها كقاضي التحكيم، فإنّه أشبه بحلّ العقدة بالرجوع إلى القرعة، أو المصالحة، أو قانون العدل و الانصاف أو ما أشبه ذلك كما كان الحال عند اختلاف‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

17

قريش في من يتولّى وضع الحجر الأسود في مكانه، عند ما عمدوا إلى بناء الكعبة من جديد، فرضوا أن يكون أوّل من يدخل من باب المسجد قاضياً بينهم، فكان أوّل من دخل من قريش محمّد الأمين (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، فقال (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): «هلمّوا إليّ ثوباً» فأخذ الحجر و وضعه فيه ثمّ قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثمّ ارفعوه جميعاً ... (1) و على هذا الاحتمال ليس قاضي التحكيم من مصاديق القضاء، و إنّما هو محاولة من المترافعين لحلّ الخلاف.

و إن أبيت إلّا عن كونه من مصاديقه فنقول إنّ قاضي التحكيم يتمتّع بالنصب و الولاية، أمّا الأوّل فمن جانب المترافعين، و أمّا الولاية فرضاهما على التصرّف في مورد القضاء تصرفاً محدوداً، و قد سلم القائل انّ النصب يلازم الولاية.

و الحاصل: أنّ قاضي التحكيم لا يخلو عن نصب مؤقّت من جانب المترافعين، و ولاية معطاة من ناحيتهما.

دليل القول المشهور

يمكن الاستدلال على مختار المشهور بوجهين:

الأوّل: إنّ القضاء يتوقّف على النصب و هو دليل الولاية‌

توضيحه: الأصل المسلّم عدم نفوذ حكم أحد، على أحد، إلّا حكمه سبحانه فلو قلنا بنفوذ رأي قاض في مورد، فلا بدّ أن يكون داخلًا في المستثنى بنحو من الأنحاء و يكون حكمه، حكمه و لا يتحقق ذلك إلّا بالنصب من جانبه سبحانه إمّا بالاسم و الشخص كما في القاضي المنصوب، أو بالوصف و الخصوصية كما في القاضي المأذون و لو لا النصب بوجه من الوجوه، لا يدخل تحت المستثنى.

ثمّ إنّ النصب لا ينفكّ عن الولاية إلّا إذا كان النصب صورياً كما هو الحال‌

____________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية: 12/ 199192.

18

في مورد شريح. (1) فإذا كان النصب جدّياً، لغاية نفوذ رأيه و قضائه فهذا عبارة أُخرى عن وجود الولاية له فيما يتولّاه، و لولاها، لما كان لنفوذ قضائه وجه.

و الحاصل: أنّه لو لا النصب، لما دخل في المستثنى، و هو آية الولاية و أنّه لولاها فيما يتولّاه لما كان لنفوذ رأيه وجه، إذ يكون مثل الأجنبي لا صلة له بمورد القضاء.

حتى لو قطعنا النظر عن كون القضاء قائماً بالنصب، قلنا بولايته مع قطع النظر عنه، و ذلك بالإمعان في ماهية القضاء و آثاره، فإنّ القضاء لا ينفكّ عن التصرّف في الأنفس و الأعراض و الأموال و الحقوق، و كيف يصحّ التصرف فيها بلا ولاية له؟

الثاني: إنّ الإمعان في الآيات و الروايات يعطي أنّ القضاء حسب الطبع الأوّلي أمر يتوقف على المنصب فمن الآيات قوله سبحانه: (يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ) (ص/ 26) حيث رتّب الحكم، على جعله خليفة فيها و هو المنصب و من الروايات قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ» (2) أي مجلس القضاء مجلس من نصبه الله سبحانه للقضاء مثل النبي داود (عليه السلام) أو وصيه الذي هو أيضاً منصوب من جانبه سبحانه بالواسطة، و قول أبي عبد الله (عليه السلام) لسليمان بن خالد: «اتقوا الحكومة فانّ الحكومة إنّما هي للإمام، العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي (كنبيّ) أو وصيّ نبيّ»، و التقريب كما سبق. 3

كلام المحقق الآشتياني

قال (قدّس سرَّه) في وجه دلالة الآية على كون القضاء منصباً بأنّه سبحانه عزّ و جلّ‌

____________

(1) حيث اشترط الإمام عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه (الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(2) 2 و 3 الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2- 3.

19

فرّع جواز الحكومة على كونه خليفة أي منصوباً من الله، فينتفي بانتفائها. ثمّ أورد عليه بوجوه:

1- إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب الحكم لا جوازه، فلا يدلّ على انتفاء الجواز لغير الخليفة.

2- إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب الحكم بالحقّ أعني القيد فيكون المتفرع وجوب الحكومة باعتبار القيد فلا دلالة للآية على أصل وجوبها على الخليفة لكونها واردة في مقام بيان آخر.

3- نعم لو قلنا بأنّ الأصل في الحكم، الحرمة و الآية وردت لرفع الحظر في حقّ الخليفة تدلّ على بقاء الحظر في حقّ غير الخليفة.

يلاحظ عليه (1): أنّ المتبادر من الاحتمالات هو المعنى الأوّل، و أمّا ما أورد عليه، من أنّ المعلَّق على الخلافة، القضاء الواجب، دون المستحب و غيره فغير ظاهر لأنّ أمر القضاء يدور بين الواجب و المحظور، و أمّا الأقسام الأُخر، فلا تتصور فيه، لكونه واجباً كفائياً حسب ما يأتي. و معه كيف يمكن أن يكون حسب الطبع راجحاً أو مباحاً أو مرجوحاً؟ و أمّا كونه مستحباً حسب الطوارئ فهو خارج عن موضوع البحث، و عليه ينتج أنّ القضاء الجائز مقابل المحظور لا ينفكّ عن كونه متفرّعاً على جعل الخلافة له.

و أمّا الاحتمال الثاني أعني كون المتفرع هو القيد دون المقيّد مع القيد، فهو كما ترى فإنّ التفكيك لا يصار إليه بلا دليل.

و أمّا الثالث فهو فرع وجود فكرة الحظر في أذهان الصحابة حين نزول الآية، حتّى تكون رادعة لذلك الوهم أو الحظر المحقق. و إن كانت دلالتها على‌

____________

(1) القضاء/ 3، ترى ذلك الإشكال بشقوقه الثلاثة في القضاء للمحقق الرشتي ص 27، و لعلّ العلمين أخذاه عن استاذهما الشيخ الأنصاري (رحمه الله).

20

المطلوب تامّة على هذا الوجه، لكن المفروض غير واضح.

*** الأمر الرابع: القضاء في زمان الغيبة ربّما يتوقف على النصب

إذا كان القضاء من المناصب، و متوقفاً على النصب المستلزم للولاية، فهل تكفي الإجازات العامّة الواردة في المقبولة و غيرها و عليه يكون كل فقيه جامع للشرائط، قاضياً منصوباً بالنصب العام، أو يتوقف على النصب إذا كان في قمّة الحكومة فقيه مؤثر في شئون الحكومة و صلاح الأُمّة.

الظاهر هو الثاني، لأنّ القدر المتيقّن من الإجازات العامة هو الظروف التي يكون زمام السلطة بيد الطغاة و الظالمين، فعندئذ يكون الملجأ للشيعة المؤمنين هو الفقيه الجامع للشرائط، و أمّا إذا تبدّلت الظروف و قامت الثورة الإسلامية و كان في قمّة الحكومة، فقيه ذو شئون مشرف على الأمور، فاللازم هو عدم تصدّي الفقيه، القضاء إلّا بنصبه و إجازته و ذلك لا لقصور في المقتضي، بل لأجل إيصاد باب الفوضى في وجه المجتمع، لئلا يحصل الاصطكاك، و يدبَّ الفساد.

نعم لا يتم الاستدلال على لزوم النصب في تلك الظروف «بقياس القضاء على سائر المناصب للولاة و العمّال فكما أنّ قيادة الجيش، و الولاية للمدينة، و المديرية لدائرة خاصّة تتوقف على النصب و لا تكفي الإجازات العامّة فهكذا القضاء». و ذلك، لعدم وجود الإجازات العامّة في منصب سوى القضاء، ففيه المقتضي تام غير أنّه مقرون بالمانع، بخلاف سائر المناصب، فالمقتضي فيه غير موجود حتى يبحث عن وجود المانع.

***

21

الأمر الخامس: في أنّ القضاء واجب كفائي

إنّ الحياة الاجتماعية للإنسان، لا تخلو عن تنازع في الأملاك و الحقوق، و الأعراض و النفوس، و هذا ما فرض على العقلاء إرساء عماد القضاء في البلاد، و قد صرّح لفيف من الفقهاء بكونه واجباً كفائياً.

1- قال المحقق: تولّي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه و ربّما وجب و وجوبه على الكفاية.

2- قال العلّامة في القواعد: و تجب (تولية القضاء) على الكفاية. (1)

3- و قال في التحرير: إنّ القضاء من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين و إن أخلّوا به أجمع، استحقُّوا بأسرهم العقاب لما فيه من القيام بنظام العالم و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الانتصاف للمظلوم قال رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): إنّ الله لا يقدّس أُمّة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه. (2)

4- و قال الأردبيلي في شرح قول العلامة في الإرشاد: «القضاء واجب على الكفاية»: دليل وجوب قبول الولاية من الإمام حال حضوره، إن لم يفهم وجوبه منه حينئذ بخصوصه، و وجوب الحكم و ارتكابه حال الغيبة مع عدم المانع كفاية، كأنّه الإجماع و الاعتبار من وجوب ردّ الظالم عن ظلمه، و انتصاف المظلوم منه، و دفع المفاسد و غلبة بعضهم على بعض و إيصال حقوق الناس إليهم، و إقرار الحقّ مقرّه، بل انتظام النوع و المعيشة، و ذلك دليل وجوبه للنبي و الإمام (3).

5- و قال السيد علي في الرياض: «و هو من فروض الكفاية بلا خلاف أجد‌

____________

(1) مفتاح الكرامة: 10/ 5، قسم المتن.

(2) التحرير: 2/ 179.

(3) الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/ 19.

22

فيه بينهم لتوقّف نظام النوع الإنساني عليه، و لأنّ الظلم من شيم النفوس فلا بدّ من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم و لما يترتّب عليه من النهي عن المنكر، و الأمر بالمعروف. (1)

6- و قال في الجواهر: و ربّما وجب تولّي القضاء مقدّمة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و للقيام منه بالقسط، و لكن يكون وجوبه حينئذ على الكفاية لعموم الخطابات المعلومة إرادة حصوله من مجموعهم لا من مباشر بعينه و لو جميعهم نعم قد يتعيّن فرد للانحصار أو لمصلحة اقتضت تعيين الإمام (2).

هذه هي الكلمات الواردة في المقام و قبل الخوض في تحليل أدلّتهم، نقول: سيوافيك معنى ما ذكره المحقق من استحباب القضاء لمن يثق من نفسه، فإنّ الاستحباب، حكم طارئ على القضاء لا صلة له، بحكمه الذاتي من الوجوب الكفائي.

و قد اشير في هذه الكلمات إلى وجوه من الأدلّة على كونه واجباً كفائياً:

1 الإجماع

الذي جاء في كلام المحقق الأردبيلي، و الإجماع مستند إلى الأدلّة الواردة في كلامهم و مثله لا يعدّ حجّة.

2 الخطابات العامّة

التي تمسّك بها صاحب الجواهر و لكن ليس من تلك الخطابات في الكتاب و السنّة أثر و الوارد في القرآن، خطاب مشروط قال سبحانه: (وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء/ 58) و مثله ما ورد في سورة المائدة من وصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر و الظلم و الفسق. (المائدة/ 44، 45، 47).

و لا يستفاد من مثل هذه الآيات وجوب القضاء و إنّما تدلّ على أنّ الإنسان‌

____________

(1) السيّد علي، رياض المسائل 2/ 330.

(2) النجفي، الجواهر 40/ 38.

23

إذا مارس القضاء يجب عليه أن يحكم بالعدل، و أمّا أنّ الحكم واجب فلا تدلّ عليه.

3 إنّه من فروع القيام بالقسط الذي أمر به سبحانه

، قال سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدٰاءَ لِلّٰهِ) (النساء/ 135) و قال سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ لِلّٰهِ شُهَدٰاءَ بِالْقِسْطِ) (المائدة/ 8).

و الاستدلال قابل للمناقشة، إذ فرق بين أن يقول: «أقيموا القسط» و يقول: «قوّامين بالقسط»، فالتعبير الأوّل يجرّ الإنسان إلى قبول القضاء لإقامة القسط، دون الثاني لكن الآيتين تدلان على لزوم كون الإنسان قائماً بالقسط لا مقيماً القسطَ، و صيغة المبالغة تدل على كثرته و وفرته و على ذلك فيكون مرجعهما إلى العمل بالقسط في مجال الحياة الشخصية فلو كان عنده مال اليتيم مثلًا فلا يمسّه إلّا بالقسط قال سبحانه: (وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتٰامىٰ بِالْقِسْطِ) (النساء/ 127) و لو تصدى للقضاء فلا يحكم إلّا بالقسط لقوله: (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة/ 42) و لو تصدى للتوزين فيوزن به قال سبحانه: (وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا تُخْسِرُوا الْمِيزٰانَ) (الرحمن/ 9).

و الحاصل فرق بين إقامة القسط و القيام به، و الآيات تدل على الثاني دون الأوّل، و المفيد في المقام هو الأوّل و لعلّ هذين القسمين من الآيات هو مراد صاحب الجواهر من قوله للعمومات و قد عرفت أنّها قابلة للمناقشة.

4 كون القضاء مقدّمة للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

، بل هو مصداق له و هذا أيضاً استدل به صاحب الجواهر و هو قابل للمناقشة لأنّ القدر المتيقّن من وجوبه هو ما إذا كان هناك معروف مشهود، و منكر معلوم، فيجب الأمر بالأوّل و الزجر عن الثاني، لاما إذا كان محتملهما كما في مورد القضاء لأنّ القاضي غير واقف على صحّة دعوى المدّعي، و عدمها فلم يتبين المعروف و لا المنكر عنده.

و أمّا أنّه يجب عليه تبيين المعروف و المنكر بتصدّي القضاء فلا دلالة لأدلّتهما‌

24

عليه، و من المعلوم أنّ الحكم لا يثبت الموضوع.

5 توقف نظام النوع الإنساني عليه

كما في عبارة الرياض و الدليل لا يخلو من إبهام.

فإن أُريد بقاء الحياة الإنسانية في هذا الكوكب، فإنّه لا يتوقّف على القضاء إذ ما زال البشر موجوداً في الغابات و المناطق البعيدة، و لم يكن عندهم قضاء فكان الحاكم مكان القضاء و منطق العدل، منطق القوّة و الزور.

و إن أُريد النظام الاجتماعي و الحضارة الإنسانية فهو واجب على من بيده القوّة و القدرة، و يجب عليه، نصب القضاء لحفظ النظام فالوجوب يتوجّه إلى أصحاب القدرة و يجب على القاضي قبوله للملازمة بين وجوب النصب و وجوب القبول و إلّا يكون وجوب النصب لغواً و أين هذا من كون القضاء واجباً كفائياً ابتداءً.

و لو قلنا بأنّ مرادهم من الوجوب الكفائي هو هذا النوع من الوجوب، يقيّد وجوبه بما إذا كان ترك القضاء، مستلزماً للإخلال بالنظام لا مطلقاً، مع أنّ المفروض في كلامهم كونه واجباً مطلقاً.

و الحاصل: أنّ هذه الأدلّة غير وافية لإثبات المقصود، قابلة للمناقشة. و هناك وجوه أُخر ربّما تكون خالية عن المناقشة، نأتي بها بالعنوان الخاص.

6 القضاء مبدأ لتطبيق الأحكام

إنّ من رجع إلى الكتاب و السنّة يقف على أنّ الشارع الأقدس، لا يرضى بتعطيل الأحكام بل الغاية من التشريع، هو تطبيق العمل عليها، من غير فرق بين الأحكام الفردية أو الاجتماعية، فالمطلوب من التشريع هو العمل و هو غاية الخلقة قال سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك/ 2) فإذا كان تطبيق العمل على الأحكام الشرعية هو الغاية من التشريع،

25

فكيف لا يجب القضاء مع أنّ كثيراً من الأحكام يتجسّد في ظل القضاء؟ و إليك بيانه:

إذا كان الإمام المعصوم حاضراً و باسط اليد، فيجب عليه نصب القاضي لتلك الغاية و يجب على المنصوب قبوله إطاعة لأمر الإمام المعصوم. إنّما الكلام إذا كان غائباً، فيجب على القاضي أيضاً التصدي. و ذلك بالبيان التالي:

1- إنّ السبب الوثيق لإجراء الأحكام و لو في مجالات مخصوصة، هو القضاء و الشارع لا يرضى بتركها في زمان الغيبة و الحضور، فإذا علمنا ذلك، و كان تصدي القضاء من أسباب إجرائها، يجب التصدي و إلّا يلزم حذف الأحكام الإسلاميّة من الساحة و هو مما لا يرضى به الشارع.

فإن قلت: إنّ من المحتمل أن يكون الأحكام الجزائية مشروطة بحضور الإمام المعصوم، و لولاه، لما جاز العمل بها، فما روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة و أيّامها». (1) و إن كان يعرب عن لزوم اجراء الحدود لكنّها مخصوصة بزمان الحضور لأنّ اجرائها من شئون الإمام المعصوم، فعلى هذا لا يجب التصدي للقضاء لتلك الغاية.

قلت: مضافاً إلى عدم صحّة ذلك كما أوضحنا حاله في الحدود، إنّ هذا الاحتمال لو صحّ فإنّما يصح في الأحكام الجزائية دون سائر الأحكام مما يتعلّق بالحقوق و الأموال.

7 القضاء سبب لحفظ الحقوق

إنّ الشارع حرّم المراجعة إلى محاكم الجور، و أرجع الشيعة إلى الفقهاء فإذا جاز لهم الرجوع إلى الفقيه لأجل القضاء وجب عليه التصدي، و إلّا لزم تفويت الحقوق على المؤمن و هو قبيح، إذ كيف يصحّ للشارع أن يترك القضاء في هذه‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2.

26

الظروف، مع إمكان إحياء الحقوق و لو بالرجوع إلى الفقيه، و هو القائل لن تقدّس أُمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي (1).

8 إقامة العدل من وظائف الفقيه المقتدر.

إذا كان الفقيه في البلد ذا قوة و قدرة تجب عليه إقامة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، عن غير طريق البيان و اللسان، فإنّ الإرشاد بهما، وظيفة من لا يملك العدة و العدد، كما في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: و سئل عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أ واجب هو على الأُمة جميعاً؟ فقال: «لا فقيل له: و لم؟ قال: «إنّما هو على القويّ المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبلًا ...». (2)

و من وظائف القويّ المطاع ردّ المظالم، و الانتصاف من الأعداء كما عن أبي جعفر قال: «إنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، و تأمن المذاهب و تحلّ المكاسب و تردّ المظالم و تعمر الأرض، و ينتصف من الأعداء و يستقيم الأمر». (3)

إنّ وظيفة القويّ المطاع فوق الفرد العادي، فلا يصحّ له أن يعتذر بما أوردناه على الاستدلال بأدلّة الأمر بالمعروف من عدم العلم التفصيلي بالمعروف قبل التصدّي إذ العلم الإجمالي في حقّه منجّز و العلم القطعي حاصل للقويّ المطاع بأنّ هناك حقوقاً مهضومة و أموالًا مغصوبة و دماء مسفوكة بغير الحقّ، فتجب عليه معالجتها بعد التبيين، و مفتاحه ممارسة القضاء، فيجب عليه القيام به.

و من أراد أن يستدل على وجوب القضاء بأدلة الأمر بالمعروف فعليه التقرير‌

____________

(1) نهج البلاغة، الرسائل/ 53؛ الوسائل: الجزء 11، الباب 12 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 9.

(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 2 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.

(3) الوسائل الجزء 11، الباب 1 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 6.

27

بهذا النحو الذي عرفت.

الأمر السادس: استحباب تولّي القضاء لمن يثق من نفسه

يظهر من غير واحد من الأكابر استحباب تولي القضاء لمن يثق من نفسه و المقصود استحبابه العيني، مع وجوبه الكفائي و إليك بعض الكلمات:

1- قال المحقق: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه. (1)

2- قال العلّامة في القواعد: و يستحب التولية لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطها على الأعيان. (2)

3- قال الشهيد الثاني: و في استحبابه مع التعدد عيناً (مع كونه واجباً كفائياً) قولان أجودهما ذلك مع الوثوق من نفسه بالقيام به. (3)

4- و قال أيضاً في شرح قول المحقّق: «تولي القضاء مستحب ...»: فحكم المصنف باستحبابه لمن يثق بنفسه محمول على طلبه من الإمام ممن لم يأمره به إذا كان من أهله، أو على فعله لأهله في حال الغيبة حيث لا يتوقّف على إذن خاصّ إلى أن قال: و خالف في استحبابه أو وجوبه بعض العامّة فحكم بكراهته نظراً إلى الأحاديث المحذِّرة عنه و من ثمّ امتنع جماعة من أكابر التابعين و غيرهم. (4)

5- و قال الفاضل الهندي: و يستحب التولية على الأعيان إلّا من وجبت عليه عيناً لأنّه أمر مرغوب عقلًا و شرعاً (5).

____________

(1) الشرائع: 4/ 861.

(2) مفتاح الكرامة: 10/ 5 قسم المتن.

(3) الروضة البهية: 3/ 62.

(4) المسالك: 2/ 390 و في هامش المطبوع عن الميرزا محمد الشيرواني: هنا احتمال ثالث هو قبول من كلّفه الإمام على سبيل التخيير.

(5) كشف اللثام: 2/ 141.

28

6 و قال العاملي: و قد أجمعت الأُمّة كما في المبسوط (ما عدا أبا قلابة لأنّه كان يحتمل أنّه غير فقيه) على أنّه طاعة و مرغوب عقلًا و نقلًا و الاستحباب العيني لا ينافي الوجوب الكفائي فلا ريب في رجحانه على الاكتساب بالمباح و في الوسيلة: قسّمه إلى واجب و مكروه و مندوب و محظور (1) إلى غير ذلك من الكلمات.

أقول:

يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو الدليل على استحبابه؟

الثاني: ما هو الموضوع للاستحباب و كيف يجتمع الاستحباب العيني مع الوجوب الكفائي؟

أمّا الأوّل [ما هو الدليل على استحبابه؟]

فالقول باستحبابه إنّما هو فيما إذا كان القاضي متعدداً كما عرفت من الشهيد في الروضة، فيقع الكلام في استحبابه عيناً، مع كونه واجباً كفائياً و أمّا إذا اتحد يكون واجباً عينياً و معه لا ملاك للاستحباب. و أمّا الدليل على الاستحباب فهناك وجوه مذكورة في كلمات القوم نشير إليها:

1- الإجماع الوارد في كلام الشيخ في المبسوط (2) الذي نقله في مفتاح الكرامة، و لكن الظاهر أنّ معقده، هو كونه القضاء طاعة، و أمراً مرغوباً عقلًا و نقلًا في مقابل ما نقل عن بعض أهل السنّة من الكراهة للأحاديث الذامة، و هو غير كونه مستحباً، إذ يكفي في كونه طاعة و أمراً مرغوباً، كونه واجباً كفائياً، و لا يتوقّف على كونه مستحباً وراء وجوبه الكفائي.

____________

(1) مفتاح الكرامة: 10/ 5.

(2) قال الشيخ في المبسوط: القضاء جائز بين المسلمين و ربّما كان واجباً فإن لم يكن واجباً كان مستحباً ... إلى أن قال: و عليه إجماع الأمة إلّا أبا قلابة فإنّه طلب القضاء فلحق بالشام و أقام زماناً ثمّ جاء ... إلى أن قال: إنّ أبا قلابة رجل من التابعين لا يقدح خلافه في إجماع الصحابة (المبسوط 8/ 82)، و الإمعان في العبارة يعطي أنّ معقد الإجماع هو جواز القضاء أو وجوبه الكفائي لا استحبابه، و لأجل ذلك يقول، لا يعبأ بخلاف أبي قلابة.

29

2 عظم الفوائد المترتّبة عليه، المعلوم رجحانها عقلًا و نقلًا. (1) و هو موافق لما نقلناه عن كشف اللثام.

يلاحظ عليه: بأنّها لا تلازم الاستحباب العيني، بل يكفي كونه واجباً كفائياً، فلأجل هذه الفوائد المترتبة، ما أهمله الشارع بل أوجبه عيناً فيما إذا لم يكن هناك إلّا قاض واحد، و كفائيّاً فيما إذا تعدد.

و لو أُريد من الفوائد العظيمة ترتّب الأجر، و هو أيضاً لا تلازم الاستحباب لكفاية الوجوب الكفائي في ترتّبه إذا كان هناك إخلاص.

3- عمومات باب القضاء، و لكنّها مثل الأجر لا تلازم الاستحباب.

و بالجملة لم نجد دليلًا صالحاً للاستحباب مع التحفظ على كونه واجباً كفائياً هذا كلّه حول المقام الأوّل.

الثاني: ما هو الموضوع للاستحباب على فرض ثبوته؟

هناك احتمالات:

1-- كون تولّي القضاء مستحباً و هو الظاهر من المحقّق و العلّامة، و الشهيد في الروضة و الفاضل في كشف اللثام.

2-- طلبه من الإمام إذا لم يأمره كما في المسالك.

3-- قبول من كلّفه الإمام على سبيل التخيير كما من الشيرواني في هامش المسالك.

4-- استحباب المبادرة و التسابق ليتقدّم إليه على الغير كما صرح الفقيه الطباطبائي في ملحقات العروة (2) و لنأخذ كل واحد بالبحث.

أمّا الأوّل فهو المتبادر من كلماتهم إلّا من صرّح بالخلاف لكنّه يستلزم اجتماع الوجوب و الاستحباب في شي‌ء واحد.

____________

(1) الجواهر: 40/ 37 و قد تبع في ذلك كشف اللثام فلاحظ.

(2) السيد الطباطبائي: ملحقات العروة: 2/ 4.

30

و ما ذكره في المفتاح (1) و الرياض (2) من أنّ الاستحباب العيني لا ينافي الوجوب الكفائي غير تام لأنّ مفاد الأوّل جواز ترك المتعلّق مطلقاً، سواء قام به الآخرون أو لا و لكن مفاد الثاني، جواز تركه إذا قام به الآخرون و ربّما يتصور إمكان الجمع من باب تجويز اجتماع الأمر و النهي في شي‌ء واحد، بسبب عنوانين، و لكنّه غير مفيد في المقام. لأنّ البحث هناك فيما إذا كان بين العنوانين عموم و خصوص من وجه لا مثل المقام فإنّ النسبة بين القضاء، و قضاء من يثق من نفسه عموم و خصوص مطلق، و من قال بجواز الجمع فإنّما قال به فيما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، لا عموم مطلق.

فلا محيص من حمل الأمر الاستحبابي على فرض ثبوته على الإرشاد إلى أفضل الأفراد كما في الأمر بإقامة الصلاة جماعة أو في المسجد، و عندئذ يخرج الأمر عن كونه مولويّاً و هو خلاف المفروض.

و أمّا الثاني، فإنّ الطلب يكون مقدّمة للقضاء و مع فرض كونه واجباً كفائياً، تكون مقدّمتة كذلك، لا مستحباً نفسيّاً إلّا إذا كانت المقدّمة بوصف كونها مستحبّة مقدّمة كما في الطهارات الثلاث، و ليس المقام كذلك. و ذلك لوجود ملاك الاستحباب النفسي في الطهارات لأجل أنّ لها شأناً وراء المقدميّة لكونها نوراً في حدّ نفسها فالكون على الطهارة مستحبّ في ذاته و لا مانع من أن تقع بهذا الوصف مقدّمة للصلاة، بخلاف الطلب، إذ ليس له شأن وراء المقدميّة للقضاء و ليس نفس الطلب بما هو هو مطلوباً سواء انجرّ إلى التصدي أم لا فتدبّر.

و منه يظهر حال الثالث أي قبوله من الإمام (عليه السلام) إذا أمر بالتخيير فإنّ حال القبول لا يزيد على الطلب، و كلاهما مقدّمتان للقضاء فيكون حكمه حكمه.

____________

(1) مفتاح الكرامة: 10/ 5.

(2) الرياض: 2/ 333.

31

و أمّا الرابع الذي احتمله السيد الطباطبائي، فقد أشكل عليه هو نفسه بأنّه كيف يُعْقل استحباب المبادرة من كل أحد عيناً، مع كون الفعل واحداً لا يقبل التكرار بل لا يتصوّر استحباب مثله عيناً و إن لم يكن وجوب. (1)

اقول: ما ذكره (قدّس سرَّه) أظهر الوجوه و لا يرد عليه ما أوردناه على الوجه الثاني و الثالث و ذلك لأنّ الواجب الكفائي هو أصل القضاء، و قبوله أو طلبه مقدّمة، و هي أيضاً واجبة مثله، بخلاف المبادرة و الاستباق إلى القبول فهو ليس مقدمة بل هو مستحبّ مثل قوله سبحانه (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ*) (المائدة/ 48) فالإتيان بالخير واجب، و مقدّمته مثله، لكن المبادرة اليه مستحب.

و ما أورده (قدّس سرَّه) على هذا الوجه و هو أنّه كيف يعقل استحباب المبادرة من كلّ أحد عيناً مع كون الفعل واحداً لا يقبل التكرار ... غير تامّ إذ لو صحّ لتوجّه على جميع الواجبات الكفائيّة، لأنّه كيف يطلب الفعل الواحد من الجميع مع عدم إمكان قيام الجميع به؟ و الحلّ في جميع الموارد واحد و على ضوء ذلك فالاستباق مطلوب من الجميع لكنّه لو بادر أحد قبل الجميع سقط عن الباقين.

و في الختام نقول: إنّ الاختلاف في موضوع الاستحباب، دليل واضح على عدم وجود دليل صالح على أصل الاستحباب، إذ لو كان، لكان الموضوع متبيّناً.

تمّ الكلام في المقدّمات، و لندخل في النظر الأوّل من النظرات الأربع.

____________

(1) السيد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/ 4.

32

النظر الأوّل في صفات القاضي

قد عرفت أنّ المحاور الأصليّة في القضاء ثلاثة، فالأوّل منها هو البحث عن صفات القاضي و مؤهّلاته لذلك الأمر الخطير، فنقول: ذكر الفقهاء هنا صفات نذكرها بعد بيان النكتة التالية:

القضاء من الأُمور الخطيرة المهمّة التي يطلب لنفسه شروطاً تعطي للإنسان صلاحية القيام بها و القضاء من أخطرها و أهمها، و قد ذكر الفقهاء في كتبهم أُموراً بعنوان صفات القاضي و هي بين ما هو بيّن الثبوت لا يشكّ في لزومها اثنان، و ما ليس كذلك بل يحتاج القول بالاشتراط و عدمه إلى دراسة علميّة.

و الصفات المذكورة في كلام المحقق و غيره عبارة عن الأُمور التالية:

1- البلوغ، 2 كمال العقل، 3 الإسلام، 4 الإيمان، 5 العدالة، 6 طهارة المولد، 7 الذكورة، 8 الاجتهاد 9 الضبط، 10 الكتابة، 11 البصر، 12 النطق، 13 السمع 14 الحريّة. و أضاف المحقّق بعد اشتراط العدالة: الأمانةَ و المحافظةَ على الواجبات. و لكنّهما مستدركان باعتبار دخولهما في العدالة. إلّا أن يكون التخصيص بالذكر لأجل العناية ببعض المصاديق و لنأخذ بالبحث واحداً بعد الآخر:

الشرط الأوّل و الثاني: البلوغ و كمال العقل

البلوغ و كمال العقل من الشروط القطعية التي لم يختلف فيهما اثنان لا من‌

33

العقلاء و لا من الفقهاء و طبيعة الموضوع تقتضي شرطيتهما، فلم يُرَ صبيّ و لا سفيه على منصّة القضاء، و كيف يمكن للصبي أن يدير دفّة القضاء مع أنّه رفع عنه القلم (1) و عمده و خطؤه سيّان (2)؟! أضف اليه أنه هو مولّى عليه، فكيف يكون وليّاً للمتحاكمين؟! على أنّ شرطية العدالة تلازم اشتراطهما لأنّ العدالة أو الفسق فرع التكليف و أمّا قوله سبحانه: (وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم/ 12) حيث نصب يحيى على القضاء و الحكم و هو صبيّ، فإنّما هو من باب الكرامة على سبيل خرق العادة فلا يقاس عليه و لا على أئمّة أهل البيت، آحاد الناس. و قد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يقاس بآل محمّد من هذه الأمّة أحد». (3)

غير أنّ المحقق عبّر عن الشرط الثاني بكمال العقل و الظاهر أنّ مراده هو أن لا يكون سفيهاً بحيث يقال إنّه ناقص العقل و أمّا الذكاء و التوقد الفكري، أو الفطنة فلا يطلبه أصل القضاء.

غير أنّ هنا نكتة نلفت نظر القاضي إليها و هو أنّ الموضوع إذا كان ملتوياً و معقداً، بحيث لا يطمئنّ القاضي بتمحيصه و تشخيصه، يلزم عليه أن لا يمارسه، بل يستعين فيه بالخبراء الذين لهم ذكاء خاص في حلّ الأُمور المعقّدة و المعضلات من المسائل القضائية، لأجل الممارسة الممتدّة.

و ذلك لأنّ المسائل القضائية مع اشتراك الجميع في جهة، تختلف في البساطة و التعقيد، و ليس كل موضوع منهلًا لكل وارد و شارد، و عليه في الأُمور المعقدة، التي تطلب لنفسها مهارة و ذكاء و توقداً خاصاً أن يجب لا يمارسها القاضي إلّا بعد توفّر الشروط التي تطلب لنفسها إمّا بجعلها شورى بين القضاة، أو الاستعانة بمن توفرت فيه الشروط كما لا يخفى.

____________

(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2.

(2) الوسائل: الجزء 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2، 3، 5.

(3) نهج البلاغة: الخطبة 3.

34

الشرط الثالث: الإسلام

لم يشكّ في اعتبار الإسلام أو مانعية الكفر اثنان، و لم يُرَ في تاريخ القضاء كافر يشغل منصَّة القضاء قال المحقّق: لأنّه ليس أهلًا للأمانة و يمكن الاستدلال عليه بوجوه:

1- القضاء منصب يستتبع ولاية، و العصمة بين المسلم و الكافر مقطوعة فكيف يكون وليّاً للمسلم، و هو سبحانه ينهى عن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء و من يتولهم فهو منهم (1)؟! أ فيصح بعد ذلك أن يُضفِيَ لهم ولاية في مقام القضاء.؟!

2- إنّه سبحانه ينهى عن التحاكم إلى الطاغوت، و يأمر بالكفر به، و يقول: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلٰالًا بَعِيداً) (النساء/ 60). و التحاكم لدى الكافر من مصاديق التحاكم إلى الطاغوت، روى المفسرون أنّه كان بين رجل من اليهود و رجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أُحاكم إلى محمّد لأنّه عَلِم أنّه لا يقبل الرشوة و لا يجور في الحكم فقال المنافق: لا!، بل بيني و بينك كعب الأشرف (اليهودي) لأنّه عَلِم أنّه يأخذ الرشوة فنزلت الآية.

3- إنّه من قبيل السبيل للكافر على المسلم حيث إنّ القضاء لا ينفكّ غالباً عن الجلب و إصدار القرار و الحبس، و القضاء في مورد الجزاء، لا ينفك عن الإعدام و إجراء الحدّ و التعزير، و قد قال سبحانه: (وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء/ 141). و ما ربّما يقال إنّه من قبيل إجراء الحكم الحقّ في حقّ المحكوم و ليس بسبيل مدفوع بأنّ مالكية الكافر للمسلم أيضاً تمسك بالحكم المشروع مع أنّه يعدّ سبيلًا، و للقاضي سيادة على المحكوم في أنظار الناس‌

____________

(1) النساء/ 144، المائدة/ 51.

35

و هو لا ينفك عن جعل السبيل.

4- إنّ اشتراط العدالة تلازم شرطية الإسلام و ليس المراد منها المعنى النسبي أي العادل في دينه بل المعنى المطلق كما سيوافيك.

5- طبيعة الموضوع تقتضي الاشتراط، إذ كيف يمكن تسليط الكافر على دماء المسلمين و أعراضهم و أموالهم و حقوقهم مع أنّه ليس أهلًا للأمانة.

نعم الانظمة الإلحاديّة غير معترفة بهذا الشرط حتى الإيمان بالله، و قائلة بأنّ حرمان طائفة من القضاء لأجل العقيدة مخالف للعدل الاجتماعي، و مشاركة الناس في الحقوق من دون تبعيض.

يلاحظ عليه: أنّه ليس تبعيضاً و إنّما هو أخذ لصالح القضاء و المتحاكمين فإنّ من لا يؤمن بالقضاء الإسلامي و مصادر أحكامه، كيف يتحرّى الحقيقة في إجرائه؟ و لكن الجنس إلى الجنس يميل «و كلّ اناء بالّذي فيه ينضح» نعم نقل الشهيد الثاني جواز قضاء الكافر لأهل نحلته و وصفه بأنّه شاذ. (1)

الشرط الرابع: الإيمان

إن الايمان له استعمالات:

1- ربما يستعمل و يراد منه نفس ما يراد من الإسلام من غير فرق بينهما (فَأَخْرَجْنٰا مَنْ كٰانَ فِيهٰا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات/ 3635). و المراد منهما الاعتقاد الجازم بالله و رسالة نبيّه و ما جاء به.

2- ربما يطلق الإسلام و يراد منه التظاهر به من دون نفوذ إلى القلب و يقابل الإيمان و هو التسليم النافذ من الظاهر إلى الباطن و على ذلك قوله سبحانه:

____________

(1) زين الدين العاملي، المسالك: 2/ 389.

36

(قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات/ 14).

3- و ربما يطلق و يراد منه الإيمان بالمعنى الخاص و هو كونه إمامياً و هذا هو المراد هنا بعد اشتراط الإسلام و لنذكر شيئاً من كلمات الفقهاء.

اشتراط الإيمان في كلمات الفقهاء

1- قال المفيد: و لا ينبغي لأحد أن يتعرّض له حتى يثق من نفسه بالقيام به و ليس يثق أحد بذلك من نفسه حتى يكون عاقلًا، كاملًا، عالماً بالكتاب و ناسخه و منسوخه ... (1) و لم يصرح باشتراط الإيمان.

2- قال الشيخ: و قد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لا يتمكّنون فيه مِنْ تولّيه بنفوسهم، فمن تمكَّن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس، أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك و له بذلك الأجر و الثواب. (2)

3- قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز أن يتولّى القضاء إلّا من كان عارفاً بجميع ما وليه و لا يجوز أن يشذ عنه شي‌ء من ذلك، و لا يجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به و قال الشافعي: ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد ... و لا تجوز أن تكون المرأة قاضية في شي‌ء من الأحكام .... (3) و ليس فيه تصريح باشتراط الإيمان.

4- و قال في المبسوط: و أمّا من يحرم عليه أن يلي القضاء فإن يكون جاهلًا ثقة كان أو غير ثقة، أو يكون فاسقاً من أهل العلم. (4) و لعلّه اكتفى بالإشارة عن‌

____________

(1) المفيد: المقنعة: 721.

(2) الطوسي: النهاية، كتاب الجهاد: 301.

(3) الطوسي: الخلاف، ج 3/ كتاب القضاء، المسألة 61.

(4) الطوسي: المبسوط: 8/ 83.

37

التصريح.

5- قال ابن إدريس: فأمّا من تحرم عليه فإن كان جاهلًا، ثقة كان أو غير ثقة أو فاسقاً من أهل العلم. (1) و لعلّه اكتفى بالإشارة عن التصريح.

6- و قال المحقق: «و يشترط الإيمان و العدالة» غير أنّه أراد به الإسلام بشهادة قوله: فلا يعقد للكافر لأنّه ليس أهلًا للأمانة و كذا الفاسق.

7- و قال (2) العلّامة: و يشترط الإيمان و العدالة فلا ينفذ قضاء الكافر و الفاسق، (3) و لأجل خلوّ عبارة القواعد عن هذا الشرط حاول السيّد العاملي إدخال غير الإمامي، تحت الفاسق تارة، و الكافر أُخرى لاشتراكه معه في القضاء بأُصول لا نعترف بها فلا يجوز نصبه للقضاء.

8- و قال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلًا، بصيراً، كاملًا، كاتباً، عالماً بالقضاء ديّناً، و ورعاً فهو أهل لولاية القضاء. (4) و ليس فيه تصريح بهذا الشرط.

9- قال العلّامة في الإرشاد: و في حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى. (5)

10 و نسب التردد إلى المحقّق الأردبيلي و لم يظهر لي من كلامه نعم جوّز قضاء العامي إذا اقتضت المصلحة نصبه. 6

1- 1 و قال في الجواهر: تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضائهم بل هو من ضروريات مذهبنا. 7

____________

(1) ابن إدريس، السرائر: 3/ 153.

(2) نجم الدين: الشرائع: 4/ 67.

(3) العاملي، مفتاح الكرامة، قسم المتن: 10/ 9.

(4) ابن سعيد الحلي، الجامع: 522.

(5) 5 و 6 مجمع الفائدة: 12/ 18 و 22.

(6) 7 النجفي: الجواهر 40/ 13.

38

12 و قال السيد الأُستاذ: يشترط في القاضي: البلوغ و العقل، و الإيمان، و العدالة، و الاجتهاد المطلق، و الذكورة و طهارة المولد، و الأعلميّة ممن في البلد أو ما يقربه على الأحوط (1).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأصل هو عدم نفوذ رأي أحد على أحد إلّا الله سبحانه أو من عيّنه و أنفذ رأيه و القدر المسلّم من هذا الاستثناء هو رأي النبي و الوصيّ و الفقيه الإمامي الجامع للشرائط حسب مقبولة عمر بن حنظلة. (2)، و أبي خديجة. (3) و أمّا غيرهم سواء أ كان شيعياً غير إمامي كالزيدي و الاسماعيلي، أم غير شيعيّ فليس هناك إطلاق يتمسّك به فعدم الدليل على نفوذ قضائه كاف في المقام و لا نحتاج إلى الدليل على عدم الصحّة.

الاستدلال على عدم الاشتراط

و يمكن الاستدلال على عدم الاشتراط بنصب علي (عليه السلام) شريحاً على مقام القضاء أو إبقائه عليه، و طبع الحال يقتضي أنّه أبقى سائر القضاة المنصوبين قبله على مناصبهم حتّى أنّ الإمام ربّما كان يرفع الشكوى إليه روى عبد الرحمن بن الحجّاج أنّ عليّاً كان قاعداً في مسجد الكوفة فمرّ به عبد الله بن قفل التميمي و معه درع طلحة فقال علي (عليه السلام): «هذه درع طلحة أخذت غلولًا يوم البصرة» فقال له عبد الله بن قفل: اجعل بيني و بينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين فجعل بينه و بينه شريحاً .... (4)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالفعل إنّما يصح إذا علمت جهته إذ من‌

____________

(1) الإمام الخميني: تحرير الوسيلة: 2/ 407.

(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.

(4) الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.

39

المحتمل أنّ الإبقاء كان لضرورة اجتماعية دعت الإمام إلى إبقاء شريح مقامه و لأجل ذلك أفهمه تلويحاً بأنّه ليس لائقاً لهذا المنصب و قال: «جلست مجلساً لا يجلس فيه إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ». (1) و في مورد آخر شرط عليه أن لا ينفذ قضاءه حتى يعرضه 2 عليه. و عندئذ لا يبقى اطمئنان بأنّ وجه النصب هو صلاحيته في نفسه مع قطع النظر عن الضرورة الاجتماعية.

إكمال

لا شكّ في استفاضة الروايات في أنّه لا يجوز الرجوع إلى غير فقهاء الشيعة، و هي مبثوثة في أبواب صفات القاضي لكن يقع الكلام فيما هو المانع و هو مردّد بين الأمور التالية:

1- العقيدة المخالفة للحق.

2- اعتماده على أُصول لا نقول بحجّيتها.

3- كونه منصوباً من جانب حكّام الجور.

و تختلف النتيجة حسب اختلاف الموضوع، فلو كان المانع، هو الأوّل، يلزم حرمان كل فقيه غير إمامي و لو كان الثاني، يتحدّد الحرمان بما إذا قضى بأُصول غير مرضية، بخلاف ما إذا التزم بأُصول صحيحة و رفض القياس و الاستحسان، و قول الصحابي بما هو صحابي من دون ثبوت صدوره عن النبيّ (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) و غير ذلك، و على الثالث يختص الحرمان بما إذا كان منصوباً من جانبهم، و إلّا فلو كان قاضياً حرّاً و إن قضى بأُصول باطلة، لما أخل.

و لكن لم نجد ما بأيدينا من الروايات ما يعتمد على الوجه الأوّل، و إنّما السبب في النهي عن الرجوع إليهم يدور بين الأُمور التالية:

____________

(1) 1 و 2 الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 12.

40

1- الإفتاء بغير علم و القضاء بلا وعي و قد عقد صاحب الوسائل باباً بهذا العنوان و قال: باب عدم جواز القضاء و الإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين (1).

2- الإفتاء بغير الكتاب و السنّة و قد عقد صاحب الوسائل باباً له. (2)

3- القضاء بالمقاييس و الاستنباطات الظنّيّة و قد عقد أيضاً باباً له. (3)

و هذه الجهات الثلاث يرجع إلى الملاك الثاني و هناك بعض الروايات ما يؤيد كون الملاك هو الثالث و قد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك. (4)

روى أبو بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قول الله عزّ و جلّ في كتابه: (وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ) (5) فقال: «يا أبا بصير إنّ الله عزّ و جلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل و لكنّه عنى حكّام أهل الجور». (6)

و على كل تقدير فلو كانت الروايات الناهية قاصرة الدلالة على المنع المطلق، فلا يخلّ بالمقصود لما عرفت من أنّ الجواز يحتاج إلى الدليل و عدمه كاف و لا يحتاج عدم الجواز إلى الدليل.

نحن نفترض أنّ هذه الروايات الناهية واردة في الملاكين الأخيرين غاية الأمر تكون النتيجة عدم دلالتها على المنع المطلق، و لكنّه غير كاف في إثبات جواز التصدي، لأنّ الجواز يطلب الدليل و عدمه كاف في كون الأصل الأوّلي محكّماً.

و على فرض المنع، فهل لا يجوز نصبه حتى على أهل نحلته أو يختصّ‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي.

(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب صفات القاضي.

(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

(4) الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.

(5) البقرة: 188.

(6) الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

41

التحريم، بما إذا نصب على غيرهم من الشيعة؟ وجهان. و قد تقدّم نظيره في قضاء الكافر على أهل نحلته. و هاتان المسألتان تطلبان بحثاً واسعاً تستمدان من قوله سبحانه: (فَإِنْ جٰاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة/ 42).

الشرط الخامس: العدالة

و قد اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الشرط:

منهم من جعل الفسق مانعاً كما عليه الشيخ في المبسوط و ابن إدريس في السرائر.

و منهم من جعل العدالة شرطاً، كالمحقق في الشرائع و العلّامة في القواعد، و السيد الأُستاذ في التحرير.

و منهم من عبّر بالموصوف مكان الوصف و قال ديّناً و ورعاً كابن سعيد في الجامع (1) و منهم من عبّر بالورع. (2)

و الظاهر أنّ التعابير من قبيل التفنّن في العبارة و الكل يشير إلى أنّه يلزم أن تكون للقاضي حالة نفسانية تصدّه عن ارتكاب المحرّمات و اقتراف المعاصي خوفاً من الله و خشية منه أو ما يقرب من ذلك و لم يختلف فيه اثنان و لأجله أرسله صاحب المفتاح إرسال المسلّم بلا إيعاز إلى مخالف و قال: و أمّا الفاسق فيشمل المؤمن و غيره، من غير فِرَق المسلمين، أمّا المؤمن الفاسق فلعدم ثقته و صلاحيته في الصلاة و الشهادة و الإفتاء فالقضاء أولى. (3)

____________

(1) تقدّمت مصادر كلماتهم عند البحث عن شرطية الإيمان.

(2) أبو الصلاح: الكافي: 423.

(3) العاملي: مفتاح الكرامة: 10/ 9.

42

و قد أدى حقّ المقال في هذا التعبير الموجز و إليك التفصيل:

يدلّ على الاشتراط أُمور:

1- التصريح بالاشتراط في رواية سليمان بن خالد (1) و أخذه أمراً مسلّماً في مقبولة ابن حنظلة (2)، حيث قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما» و قد جعل التفاضل فيها مرجحاً.

2- كونه شرطاً في المفتي و الشاهد، و إمام الجماعة و في الولاية على القُصَّر و الغيّب و التقسيم (3) يقتضي اشتراطه في القضاء بوجه أولى، لأنّ القاضي بيده الدماء و الأعراض، و الأموال و الحقوق و أين هو من إمام يصلّي و يترك كل شي‌ء للمأموم.

3- طبع الموضوع يقتضي الاشتراط لخطورته و عظمته كما مرّ مراراً.

و ظاهر الأدلّة، كونه عادلًا على وجه الإطلاق، لا أن يكون أميناً و محترزاً عن الحكم بالباطل فقط و مع ذلك ربّما يقترف المعاصي إذ مع كونه خلاف المتبادر انّ الأصل هو عدم نفوذ القضاء إلّا من دلّ على نفوذه دليل قطعي و هو العادل المطلق.

و ذكر المحقّق وراء العدالة اشتراط الأمانة و المحافظة على فعل الواجبات و قد عرفت كونهما داخلين ضمن العدالة.

الشرط السادس: طهارة المولد

قال المحقّق: لا ينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله كما لا تصحّ إمامته‌

____________

(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.

(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(3) الوسائل: الجزء 12، الباب 16 من أبواب عقد البيع، الحديث 1، حديث اسماعيل بن سعد الأشعري و الجزء 13، الباب 88 من أبواب الوصايا، الحديث 2 حديث سماعة.

43

و لا شهادته في الأشياء الجليلة. (1) و ادّعى في الروضة عليه الإجماع قال في شرح قول الشهيد: «الفقيه الجامع للشرائط» و هي: البلوغ و العقل و الذكورة و الإيمان و العدالة و طهارة المولد إجماعاً (2) و قال في المسالك: أمّا طهارة المولد فلقصور ولد الزنا عن تولّي هذه المرتبة حتى أنّ إمامته و شهادته ممنوعتان فالقضاء أولى. (3)

إنّ مقتضى العمومات هو جوازه، إذا كان إماميّاً و المنع يتوقّف على الدليل على خلاف المسألة السابقة، و قد استدل على المنع بأُمور ثلاثة:

1- الإجماع: و قد حكاه في الروضة و لم يتعرّض العاملي في المفتاح لأيّ خلاف، و هو كما ترى، لعدم ذكر لفيف من الفقهاء هذا الشرط كالشيخ في المبسوط. (4) و ابن سعيد في الجامع. (5)

2- الأولوية: لأنّه إذا لم يجز له التولية لإمامة الصلاة على ما استفاضت الروايات عليه و لم تقبل شهادته، فالقضاء أولى ففي صحيح زرارة: لا يصلين أحدكم خلف المجنون و ولد الزنا (6)، و في صحيح ابن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا تجوز شهادة ولد الزنا». (7)

3- نفور طباع الناس منه و لكنّه فرع علم الناس به. و المسألة قليلة الفائدة. و هناك نكتة نفيسة لا بدّ من الإشارة إليها: و هي إنّ وليد الزنا تنعقد نطفته في حال يعلم والده أو أُمّه أو كلاهما أنَّهما ينقضان القانون، و يكسران عهداً من عهود الله، و هو إحساس ينتقل عن طريق النطفة إلى الوليد طبقاً لقانون التوارث الطبيعي، فيخرج المولود من الزناء مختمراً بحس نقض العهد و اختراق القانون و ينشأ و يشبّ‌

____________

(1) نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/ 67.

(2) الروضة: 3/ 62.

(3) المسالك: 2/ 389.

(4) المبسوط: 8/ 99.

(5) الجامع: 529.

(6) الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 و لاحظ 1، 4، 5، 6.

(7) الوسائل: الجزء 18، الباب 31، من أبواب الشهادات الحديث 3 و لاحظ أيضاً الحديث 1، 4، 5، 7.

44

عليها و إلى ذلك يشير الإمام الصادق عند التحدث عن ولد الزنا: «إنّه يحنّ إلى الحرام، و الاستخفاف بالدين و سوء المحضر». (1)

فإذا كانت هذه نفسيته و حالته التي يحملها، فكيف يجوز أن تفوّض إليه مقاليد القضاء ليحكم في النفوس و الأعراض و الأموال و الحقوق؟!

نعم هذه الحالة أرضية مناسبة للانحراف و الشذوذ، و مقتض للفساد و الإفساد و ليست بعلّة تامّة إذ في وسعه تطهير نفسه من الشوائب العالقة بطبيعته فلا يوجب ذلك جبراً في حياته و شقائه.

و لأجل هذا نرى أمير المؤمنين يؤكّد على مالك أن يختار للحكم أفضل رعيته و يقول: «ثمّ اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور». (2)

و يوصي له في جميع عمّاله بانتخاب ذوي الأحساب و يقول: «ثمّ ألصق بذوي الأحساب و أهل البيوتات الصالحة و السوابق الحسنة، ثمّ أهل النجدة و الشجاعة، و السخاء و السماحة، فإنّهم جماع من الكرم، و شعب من العرف. 3

نعم يبقى هنا شي‌ء و هو أنّ هذا التسالم بين فقهائنا، كيف يجتمع مع ما روي عن علي (عليه السلام) أنّه نصب زياد بن أبيه على ولاية فارس؟ و ليس القضاء بأعظم من الولاية و ربّما كان الوالي قاضياً. و المعروف أنّه وليد الزنا.

روى علي بن محمد المدائني قال: لمّا ولّى علي (عليه السلام) زياداً فارس أو لبعض أعمال فارس ضبطها ضبطاً صالحاً وجبى خراجها و حماها. 4

و قد كتب الإمام إليه رسالة عند ما كان زياد خليفة ابن عباس في البصرة‌

____________

(1) القمي: السفينة: 1/ 560.

(2) 2 و 3 نهج البلاغة: قسم الرسائل: 1. برقم 53.

(3) 4 ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/ 181.

45

و كان عبد الله بن عباس عامله عليها و على كور الأهواز و فارس و كرمان. (1)

و كتب رسالة أُخرى إليه عند ما بلغه أنَّ معاوية كاتبه ليستلحقه بأبيه أبي سفيان. 2

و يشهد على ذلك أنّه كان يدعى زياد بن عبيد و هو زوج أُمّه (سميّة) و لماّ استلحقه معاوية قيل ابن سميّة و كانت أُمّه تحت عبيد و ربّما قيل إنّ نسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه. 3

أمّا أنّه كان غير طيب المولد فقد روى البلاذري قال: تكلّم زياد و هو غلام حدث بحضرة عمر كلاماً أعجب الحاضرين فقال عمرو بن العاص: لله أبوه لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: أما و الله انّه لقرشي و لو عرفته لعرفت أنّه خير من أهلك فقال: و من أبوه؟ أنا و الله وضعته في رحم أُمّه فقال: فهلا تستلحقه قال: أخاف هذا العير الجالس أن يخرق عليَّ إهابي. 4

و يمكن استظهار كون زياد وليد الزنا من قول الإمام الطاهر أبي الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام): «و قد ركزني الدعيّ بن الدعيّ بين الاثنتين: السلّة و الذلّة و هيهات منّا الذلّة». 5 و المراد منهما هو عبيد الله بن زياد.

و يمكن أن يقال: إنّ الدعيّ ليس مرادفاً لابن الزنا بل هو كما يقول الطريحي: الدعيّ من تبنّيتَه، و الأدعياء جمع «دعي» و هو من يدّعي في نسب كاذباً. 6 و في أقرب الموارد: الدعيّ من تبنيته أي جعلته ابناً لك، و المتّهم في نسبته، و الذي يدعي (يدعيه) غير أبيه و الجمع أدعياء 7 و أُمّه و إن كانت زانية و قد زنى بها أبو سفيان لكن لما لم يثبت كونه متخلّقا من مائه، صار محكوماً بكونه ابن أبيه‌

____________

(1) 1 و 2 نهج البلاغة: برقم 20 و 44.

(2) 3 ابن أبي الحديد: شرح النهج 16/ 180.

(3) 4 ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/ 181.

(4) 5 القمي، نفس المهموم: 132، الطبعة الأُولى.

(5) 6 الطريحي، مجمع البحرين: 1/ 144.

(6) 7 الخوري الشرتوتى: اقرب الموارد 13/ 337.

46

(عبيد) شرعاً بحكم الولد للفراش و لأجل ذلك كتب الإمام رسالة إليه ينهاه عن قبوله قول معاوية كما عرفت. فكان مجهول النسب لا وليد الزنا قطعاً، فلا يكون نصبه دليلًا في المسألة.

و ممّا يدل على أنّه كان مجهول النسب و لكن محكوماً شرعاً بالانتساب إلى الأب ما روي عن الحسن البصريّ: انّه ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلّا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها. و استلحاقه زياداً مراغمة لقول رسول الله (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): «الولد للفراش و للعاهر الحجر». و قتله حجر بن عدي فيا ويله من حُجر و أصحاب حُجر (1).

و قد كتب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى معاوية رسالةً يندد فيها بأعمال معاوية و ممّا جاء فيها قوله: «أ و لست المدّعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان؟! و قد قضى رسول الله (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) أنّ الولد للفراش و للعاهر الحجر» (2).

و على ذلك كان زياد مجهول النسب، و لمّا لم يعلم كونه وليد الزنا قطعاً، فصار محكوماً بكونه وليد الفراش أعني زوج أُمّه «عبيد» فلا يكون مورداً للنقض.

الشرط السابع: الذكورة

اشتهر القول باشتراط الذكورة في القاضي و يظهر من الشيخ أنّ المسألة خلافية بين الفقهاء. قال: لا تجوز أن تكون امرأة قاضية في شي‌ء من الأحكام و به قال الشافعي، و قال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن تكون شاهدة فيه و هو جميع الأحكام إلّا الحدود و القصاص، و قال ابن جرير: يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه لأنّها من أهل‌

____________

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/ 193.

(2) ابن قتيبة: الإمامة و السياسة: 1/ 165.

47

الاجتهاد. (1)

و قال ابن قدامة: إنّ المرأة لا تصلح للإمامة العظمى، و لا لتولية البلدان و لهذا لم يولِّ النبيّ و لا أحد من خلفائه و لا من بعدهم امرأة للقضاء و لا ولاية بلد فيما بلغنا، و لو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً. (2)

و لما كانت المسألة مما أثارت جدالًا و نقاشاً بين الجامعيين و الجدد من الناس، لا بأس بالبحث عنها في إطار الأدلّة الشرعيّة و قد أجمل الأصحاب فيها الكلام و ما قاموا بحقّها كما هو حالهم أنار الله برهانهم في سائر المسائل:

و لنذكر بعض الكلمات في المقام:

قال الشيخ في المبسوط: الشرط الثالث في القاضي أن يكون كاملًا في الأمرين: كمال الخلقة و الإحكام ... و أمّا كمال الاحكام فإن يكون بالغاً عاقلًا حرّاً ذكراً فإنّ المرأة لا ينعقد لها القضاء بحال. و قال بعضهم: يجوز أن تكون المرأة قاضية و الأوّل أصحّ، و من أجاز قضاءها، قال يجوز في كلّ ما تقبل شهادتها فيه و شهادتها تقبل في كل شي‌ء إلّا في الحدود و القصاص.

و مع ذلك لم يذكره المفيد في المقنعة، (3) و لا الشيخ في النهاية 4، و لا الحلبي في الكافي 5 و لا ابن إدريس في السرائر 6 و لا العلامة في المختلف. 7

نعم ذكره لفيف من المتأخرين و إليك نصوصَهم:

قال المحقّق في الشرائع: و يشترط فيه البلوغ و ... و الذكورة. 8

و قال العلّامة في التحرير: و يشترط فيه البلوغ ... و الذكورة، و لا ينعقد القضاء‌

____________

(1) الطوسي: الخلاف: كتاب القضاء المسألة 6.

(2) المغني: 10/ 127.

(3) 3، 4، 5، 6، 7 لاحظ المقنعة: 721، و النهاية: 337، و الكافي: 420، و المهذب: 2/ 597، المختلف 4/ 76.

(4) 8 نجم الدين: الشرائع: 4/ 67.

48

للمرأة في الحدود و غيرها. (1)

و قال في القواعد: و يشترط فيه البلوغ و العقل و الذكورة. (2)

و أنت إذا لاحظت الكتب المؤلفة في هذه العصور أو بعدها ترى أنّها متّفقة على اشتراطها إمّا بالتصريح أو بأخذ الرجل في التعريف، مثلًا، قال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلًا بصيراً كاملًا كاتباً عالماً بالقضاء، ديّناً ورعاً فهو أهل لولاية القضاء. (3)

و قال الشهيد في المسالك: و لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط أي الشرائط المعتبرة في القضاء غير الذكورية و هو موضع وفاق، و خالف فيه بعض العامة فجوّز قضاءها فيما تقبل شهادتها فيه. (4)

و قال في مفتاح الكرامة: أمّا المرأة فلما ورد في خبر جابر عن الباقر (عليه السلام) و لا تولّى القضاءَ المرأةُ و قد أنكر الدليل المقدّس الأردبيلي إن لم يكن إجماع و هذا خبر منجبر بالشهرة العظيمة إن أنكر الإجماع. (5)

إلى غير ذلك من هذه الكلمات ممّا لا نطيل المقام بنقلها، و الظاهر أنّ الشهيد الثاني استثنى الذكورة عن موضع الوفاق بين الفريقين لمخالفة أبي حنيفة في المسألة لا أنّه موضع خلاف بين الإمامية، و المحقّق الأردبيلي إن أنكر فإنّما أنكر صحّة الخبر لا الإجماع قال: و أمّا اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر و أمّا في غير ذلك فلا نعلم دليلًا واضحاً نعم ذلك هو المشهور فلو كان إجماعاً فلا بحث. (6)

____________

(1) العلّامة الحلّي، التحرير، ص 179.

(2) العاملي، مفتاح الكرامة، ج 10، ص 9، قسم المتن.

(3) ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع، ص 522.

(4) المسالك، ج 2، ص 283.

(5) السيد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، ج 10، ص 9.

(6) الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/ 15.

49

نعم الإجماع في هذه المسألة مستند إلى الآيات و الروايات و السيرة الموجودة بين المسلمين حيث لم تُرَ قاضية بين المسلمين على منصَّة القضاء، و إلى سائر الجهات التي تدعم عدم صلاحيتها للقضاء فيصبح الإجماع مدركياً لا تعبدياً، و لا محيص للفقيه عن دراسة الأدلّة.

هذا و أنّ الأصل الأوّلي في المقام هو عدم الجواز فعلى المجوّز إقامة الدليل، إذ العمومات الواردة في القاضي المنصوب منصرفة إلى الرجال و هي بينما ورد فيه لفظ «منكم» كما في مقبولة ابن حنظلة (1) أو «رجل» كما في رواية أبي خديجة (2) فهذان التعبيران، لو لم يدلا على اختصاص القضاء بالرجل فلا أقلّ أنّها منصرفة عن المرأة، و يؤيد الانصراف عدم التعارف، إذا لم تر في زمن الخلفاء و لا بعدهم امرأة تتولى مهمّة القضاء و ما قيل من أنّ مدار الانصراف، كثرة الاستعمال و ندرته، لا كثرة الوجود و قلّته، لو تمّ، فالمقام من موارد عدم الوجود لا قلّته. فلو كان هذا المقدار كافياً في عدم الجواز فالفقيه في فسحة من الاستدلال بالآيات و الروايات، و إلّا فإن استشكل في انصراف العمومات فلا محيص من دراسة سائر الأدلّة و لنذكر ما يمكن الاستدلال به على المنع‌

و لنقدّم البحث عن الآيات:

الآية الأُولى: (الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ)

إنّ الحياة الإنسانية في المجتمع لا تدوم إلّا على منهج سيادة الرجال على النساء بما أودع الله في فطرة كل منهما ما هو الأحسن و الأصلح بنظام التكامل في الوجود، و يدل عليه قوله سبحانه: (الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ بِمٰا فَضَّلَ اللّٰهُ بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ وَ بِمٰا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوٰالِهِمْ فَالصّٰالِحٰاتُ قٰانِتٰاتٌ حٰافِظٰاتٌ لِلْغَيْبِ بِمٰا حَفِظَ اللّٰهُ وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلٰا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلِيًّا كَبِيراً)

____________

(1) الوسائل، الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(2) الوسائل، الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5 و 8.

50

(النساء/ 34) و الاستدلال رهن دراسة المواضع التالية:

المواضع الهامة الثلاثة في تفسير الآية

1- ما هو المراد من كون الرجال قوّامين على النساء فهل هو بمعنى القيمومة لهنّ؟

2- ما هو ملاك القيمومة؟

3- إذا تبيّن ملاك القيمومة، فما هو إطار تلك الولاية فهل تختصّ بما يمت بالشئون الاجتماعية في حياة الزوجين و لا تتجاوز عن ذلك الإطار، أو يعمّ مطلق الشئون الاجتماعية من غير فرق بين الزوجين و غيرهما فالرجال على الإطلاق قوّامون على النساء في الحياة الاجتماعية من غير فرق بين الزوج و غيره؟

و إليك دراسة تلك المواضع، بشرح مفرداتها و جملها:

1- ما هو المراد من قوله سبحانه: الرِّجٰالُ قَوّٰامُونَ عَلَى النِّسٰاءِ؟

«قوّامون» جمع «القوام» و هو و «قيّم» و قيّام بمعنى واحد، و المراد أنّ الرجال قائمون بشئون النساء قيام الولاة على الرعيّة في مجال التدبير و التأديب و الذبّ عن التعدي إليهن. يقال: قام الرجل على المرأة: قام بشأنها و ليس المراد من قيامهم بشأنهنّ هو انفاقهم عليهن لأنّه سبب الولاء لا مورده كما يشير إليه فيما بعد بقوله: «و بما انفقوا من أموالهم» بل المراد هو القيام بسائر الشئون ممّا تقوم عليه الحياة الاجتماعية التي تتوقف على العقل و التدبير، و القوّة و الاستطاعة و قد فسرت الآية بنحو ما ذكرنا و إليك بعض الكلمات:

1- قال الطبرسي: إنّ الرجال قيّمون على النساء، مسلّطون عليهنّ في التدبير و التأديب. (1)

____________

(1) الطبرسي: مجمع البيان 2/ 43.