محاضرات في فقه الإمامية - كتاب الخمس

- السيد محمد هادي الميلاني المزيد...
278 /
5

المقدّمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

هذا هو الجزء الرابع من (محاضرات في فقه الإمامية) لمرجع الطائفة و فقيه أهل البيت آية اللّه العظمى السيد محمد هادي الميلاني (قدس سره). و قد سبق أن نشرنا الأجزاء الثلاثة الأولى من هذه المحاضرات، خصّص الجزء الأول و الثاني منها لكتاب الزكاة، و الثالث لصلاة المسافر، و ها هو (كتاب الخمس).

و في الوقت الذي نقدّم هذا الجزء للمطبعة، يكون الجزءان الخامس و السادس، و هما في (كتاب البيع) جاهزين لإجراء اللمسات الأخيرة، حيث يؤمل أن يأخذا طريقهما للمطبعة في القريب العاجل إن شاء اللّه.

نسأل اللّه التوفيق لإنجاز هذا المشروع الفقهي الذي يتوقّع أن يضمّ عشرة أجزاء، عسى أن نكون قد أسدينا للفضلاء و المحقّقين و روّاد الفقه الإمامي بعض ما علينا من واجب.

6

و لا يفوتنا التنويه بالدور المشرّف لعمّنا العلّامة الحجّة السيد محمد علي الميلاني حفظه اللّه و رعاه في الإنفاق على طبع هذا الجزء كسائر الأجزاء السابقة. و سيبقى مواصلا هذا الجهد المشكور إن شاء اللّه.

كما نشير إلى أن المتن الدراسي في هذه المحاضرات هو (شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي (قدس سره) مشهد المقدسة في 5 رجب 1400 هجرية. فاضل الحسيني الميلاني‌

7

«كتاب الخمس»

[تعريف الخمس]

(قال المحقق‌

كتاب الخمس. و فيه فصلان: الأول- فيما يجب فيه و هو سبعة:- الأول: غنائم دار الحرب، ممّا حواه العسكر، و ما لم يحوه من أرض و غيرها، ما لم يكن غصبا من مسلم أو معاهد، قليلا كان أو كثيرا).

تعريف:

الخمس حق ماليّ يناله بنو هاشم بالأصالة عوض الزكاة. فالحق جنس، و قيد المالية يخرج الحقوق غير المالية كحق الولاية و نحوها، و بالثبوت لبني هاشم تخرج الزكاة، و بقيد الأصالة تخرج النذور و نحوها، و بقيد العوضية تخرج الزكاة التي تصل إلى بني هاشم من أمثالهم.

ثم إنه ينبغي أن نقدّم الكلام في وجوب الخمس، ثم نتبعه بذكر ما يجب فيه، فهنا مبحثان:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

(المبحث الأول) في وجوب الخمس

و ذلك من الضروريات، و يدل عليه الكتاب و السنّة و الإجماع بل الضرورة.

أمّا الكتاب فقوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّٰهِ، وَ مٰا أَنْزَلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا يَوْمَ الْفُرْقٰانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰانِ، وَ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (1) و قال تعالى وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ (2) و قال تعالى مٰا أَفٰاءَ اللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ فَلِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ (3) و نذكر بعض ما يتعلّق بالآية الأولى فنقول:- إن الغنم هو الفوز بالشي‌ء بلا بدل و مجّانا (4)، و يظهر من الراغب:

____________

(1) سورة الأنفال- 41.

(2) سورة الإسراء- 26.

(3) سورة الحشر- 7.

(4) لاحظ في ذلك: (العين) للخليل، و (القاموس المحيط) للفيروزآبادي.

10

أن الغنم بالضم فالسكون إصابة الغنم و الظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به، و ذكر آية وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ و آية فَكُلُوا مِمّٰا غَنِمْتُمْ حَلٰالًا طَيِّباً (1).

و قال الطبرسي: «و قال أصحابنا: إن الخمس واجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب و أرباح التجارات، و في الكنوز و المعدن و الغوص، و غير ذلك مما هو مذكور في الكتب. و يمكن أن يستدلّ على ذلك بهذه الآية، فإن في عرف اللغة يطلق على جميع ذلك اسم الغنم و الغنمية» (2).

و قال الشيخ الطوسي: «و عند أصحابنا: الخمس يجب في كل فائدة تحصل للإنسان من المكاسب، و أرباح التجارات و الكنز و المعادن و الغوص و غير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه، و يمكن الاستدلال على ذلك بهذه الآية، لأن جميع ذلك يسمى غنيمة»

(3).

و الحاصل أن مورد الآية و إن كان هو غنيمة دار الحرب [4] لكن المدار على عموم الآية حيث إن الموصول و صلته من القضايا العامة، و المورد لا يخصّص العام، كما في كثير من الموارد، كما في مثل قوله تعالى‌

____________

[4] بقرينة ما قبلها و هو قوله تعالى وَ قٰاتِلُوهُمْ حَتّٰى لٰا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّٰهِ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللّٰهَ بِمٰا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ مَوْلٰاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلىٰ وَ نِعْمَ النَّصِيرُ.

____________

(1) سورة الأنفال- 69.

(2) مجمع البيان ج 1 ص 544، مطبعة العرفان- صيدا.

(3) التبيان ج 1 ص 797، طبعة عام 1364 هجرية.

11

وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (1) فإنّها بعمومها تدلّ على القصر في السفر و إن لم يكن خوف.

و توهم انحصاره في صلاة الخوف لا مجال له.

و قد ورد في الحديث أن مورد الآية هو الكنز، فقد روى الصدوق عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي إن عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام- إلى أن قال- و وجد كنزا فأخرج منه الخمس، و تصدّق به فأنزل اللّه تعالى: و اعلموا أنما غنمتم من شي‌ء فأنّ للّه خمسه) (2).

النكات المستفادة من الآية [الشريفة فان لله خمسه]

ثم أنه ينبغي أن نذكر أمورا تتعلق بظاهر آية الغنيمة:

منها- أنها ابتدأت بالأمر بالعلم، و هو إمّا كناية عن الأمر بالعمل، و عليه فيمكن المصير إلى عدم الخمس في مال الصغير حيث أنّه غير مكلّف، كما يقال بذلك في الأمر بإيتاء الزكاة و إمّا أنه إعلام بثبوت الحق في الغنيمة، و لا يحتاج الأمر بإيصاله إلى أربابه إلى التصريح به، فإنه أمر ضروري دلّ عليه الدليل القاطع من العقل و النقل، و عليه فالخمس ثابت في مال الصغير و إن تأخر التكليف بوجوب أدائه إلى حد بلوغه.

و الحاصل: أن المعنيين يحتملهما الأمر بالعلم، لكن الثاني هو الأظهر لعدم الدليل على الكناية، و الأصل عدمها.

و منها- أن مادة الغنم أسندت إلى الفاعل، و الإطلاق يقتضي عموم‌

____________

(1) سورة النساء- 101.

(2) الوسائل- باب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

12

ذلك لكل فائدة يفوز بها الإنسان مجّانا، قهرا كان أو اختيارا، فإن الإرادة خارجة عن مدلول الهيئة و المادة [1]، ضرورة أن الهيئة لمجرّد النسبة التي هي معنى حرفي، و المادة لمطلق الحدث. نعم في الأفعال المزيد عليها ربما دلت الهيئة على النسبة الخاصة بين المريد و المراد.

و الحاصل أن ظاهر الآية الشريفة يعمّ الإرث و الهبة و الصداق و غير ذلك من الفوائد، إلا أن يخصص بالوارد من الروايات في بعضها.

و منها- أن جملة (من شي‌ء) بيان للموصول في ما غنمتم [2] و العائد محذوف، و التقدير: ما غنمتموه. و لا مجال لتوهّم أن ذلك بيان المبهم بالمبهم، ضرورة أنه لتعميم الاغتنام لكل ما يصدق عليه أنه شي‌ء، قليلا كان أو كثيرا، و لعلّه لولا ذلك لكان يتوهّم أن ما يغتنم هو ما كان يعتدّ به، و القليل- لمكان عدم الاعتداد به- لا يحق أن يكون مصداقا له، و لأجل ذلك ورد: أن الخمس في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير، و أن الخيّاط يخيط الثوب بخمسة دوانيق لنا منه دانق، كما سيأتي إن شاء اللّه فيما يأتي من الروايات.

و منها- أن جملة (فأنّ للّه خمسه) سدّت مسدّ خبر أن الأولى [3]، و لم تجرد عن كلمة أن (بأن يذكر: فللّه خمسه) لفوات التأكيد، و أمّا فتح كلمة أن مع أنها لو كانت مكسورة لتمّ الخبر مع تأكيده، فهو إمّا بتقدير‌

____________

[1] و بحكمها القصد و العزم و ما شاكل ذلك. و لذلك نقول في (من أتلف مال الغير فهو له ضامن) أنه لا ضرورة لكون الإتلاف عن قصد و عمد، بل تكفي سببيته للتلف، فيصدق عليه الإتلاف.

[2] و لا مجال لتوهم كون الجملة متعلقة للغنم، فإن الغنم يتعدى بنفسه و لا يحتاج إلى حرف جر، فيقال: غنمت الشي‌ء الفلاني.

[3] و مثله في القرآن كثير مثل قوله تعالى وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ و إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ.

13

كلمة على، أي على أن للّه خمسه بمعنى أن المبنى و الأساس ذلك، أو أنها معطوفة على أن الأولى، و التقدير فاعلموا أن للّه خمسه.

و منها- أن أداه الفاء للترتيب باتّصال، فيستفاد أن الخمس يتعلق بمجرد الاغتنام من دون انتظار للحول و للتصفية. و نحو ذلك كما كان في الأموال الزكوية.

و منها- أن أداه اللام للنسبة الاختصاصية، و هي الجامعة بين جميع الموارد، فمعناها في مواردها في الآية المباركة على نسق واحد، و تكرارها في آية الخمس [1] يوهم في بادئ النظر أن يكون تمام الخمس حقا للّه و حقا لرسوله و حقا لذي القربى و الباقين، كما في مورد حق الولاية للأب و للجد، أو حق الوصاية لكل واحد من الأوصياء، أو حق القضاء لكل واحد من حكّام الشرع، إلا أن المستفاد من الروايات الواردة في قسمة الخمس أن التكرار بلحاظ الاستقلال في النصيب و الاشتراك فيه، فسهم للّه بالاستقلال، و سهم لرسوله بالاستقلال، و سهم لذي القربى، و الباقين بالشركة، و من جملة تلك الروايات ما رواه الكليني بسنده عن العبد الصالح في حديث قال (عليه السلام): «و يقسّم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم للّه، و سهم لرسول اللّه، و سهم لذي القربى، و سهم لليتامى، و سهم للمساكين، و سهم لأبناء السبيل.

فسهم اللّه و سهم رسول اللّه لأولي الأمر من بعد رسول اللّه وراثة، و له ثلاثة أسهم سهمان وراثة، و سهم مقسوم له من اللّه، و له نصف الخمس كملا، و نصف الخمس الباقي بين أهل بيته» (1).

____________

[1] إشارة إلى اختصاص آية الخمس بتكرار اللام، فإنها لم تكرر في آية الزكاة.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8. و في السند إرسال عن بعض أصحابنا.

14

ثم إن الإجماع على وجوب الخمس نقلا و تحصيلا متكرّر في كلماتهم، و هو ضروري لدى الإمامية، بل هو في الجملة من ضروريات الإسلام.

الروايات الدالّة على وجوب الخمس:

و أما ما دلّ من الروايات على وجوب الخمس فهي فوق حدّ التواتر، و نحن نذكر شيئا منها.

1- ما رواه سدير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: «يا أبا الفضل لنا حق في كتاب اللّه في الخمس، فلو محوه فقالوا ليس من اللّه تعالى أو لم يعملوا به لكان سواء» (1) 2- ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يؤدّي إلينا حقنا» (2).

أقول: الظاهر هو الاشتراء مما فيه الخمس، فإن الحق المشاع فيه يمنع عن حلية كله.

3- ما رواه أبو هاشم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال اللّه لمحمّد (ص): إني اصطفيت و انتجبت عليا (ع) و جعلت منكما ذرية جعلت لهم الخمس» (3).

4- ما رواه أبو بصير قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما أيسر ما‌

____________

(1) مستدرك الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(2) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

(3) مستدرك الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

15

يدخل به العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما، و نحن اليتيم» (1).

5- ما ورد في تفسير قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في كتب الحديث.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

16

«المبحث الثاني» فيما يجب فيه الخمس

و قد حكم المحقّق (قده) بأنه سبعة.

أقول: إن المنصوص على وجوبه فيه سبعة، و هي: الغنائم، و المعادن، و الكنوز، و ما يخرج بالغوص، و ما يفضل عن المؤنة، و الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، و الحلال المختلط بالحرام.

و حينئذ حيث أن وجوبه فيها لا ينفى الوجوب عن غيرها فإذا حصل الشك في وجوب الخمس في شي‌ء، فمقتضى الأصل- و إن كان هو استصحاب عدم الحق، و أصل البراءة عن الوجوب- إلا أن هناك ما يدلّ بعمومه على وجوبه، فمن ذلك:- 1- مفاد الآية المباركة من ثبوت الحق في كل شي‌ء يغتنم.

2- ما رواه الشيخ بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قلت له: و اعلموا أنّما غنمتم من شي‌ء فأنّ للّه خمسه و للرسول؟ قال: هي و اللّه تعالى الإفادة يوما بيوم» (1).

3- ما رواه الشيخ عن ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) الكافي ج 1 ص 514، باب الفي‌ء و الأنفال، الحديث 10.

17

«على كل امرء غنم أو اكتسب، الخمس مما أصاب لفاطمة (عليها السلام)، و لمن يلي أمرها من بعدها، من ذريتها الحجج على الناس، فذاك لهم خاصة يضعونه حيث شاؤا، و حرم عليهم الصدقة، حتى الخياط ليخيط ثوبا بخمسة دوانيق فلنا منه دانق (1)».

4- موثقة سماعة المصححة بابن أبي عمير قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس، فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (2) إلى غير ذلك من الروايات. فعلى ذلك متى حصلت الغنيمة و الفائدة كان اللازم أن يحكم بوجوب الخمس إلى أن يدل على خلافه دليل.

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(2) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.

(1- غنائم دار الحرب)

18

ثم إن السبعة المنصوص عليها أوّلها ما ذكره المصنف (قده) من غنائم دار الحرب مما حواه العسكر، و ما لم يحوه من أرض و غيرها.

و الدليل عليه مضافا الى الآية المباركة، هو الروايات المأثورة و قد ذكر في (الوسائل) (1) كثيرا منها. فعن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال:

«كل شي‌ء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه فإنّ لنا خمسه، و لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا» (2).

و عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (ع) في الغنيمة قال:

«يخرج منه الخمس، و يقسم ما بقي بين من قاتل عليه و ولى ذلك» (3).

و منها ما رواه المرتضى نقلا عن النعماني عن علي (ع) في حديث قال: «و الخمس يخرج من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين ..» الى غير ذلك من الأحاديث المتضمنة لذكر الغنيمة في جملة ما فيه الخمس، و عمومها يشمل ما حواه العسكر و ما لم يحوه.

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

(2) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

(3) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.

19

ثم إنه لا بدّ من بيان أمور:- أحدها: إن الحرب إن كان بإذن الإمام (ع) فالغنيمة فيها الخمس، و إلا فكلّها له (عليه السلام) على ما هو المشهور شهرة عظيمة، بل عن ابن إدريس الإجماع عليه، و عن العلّامة في (المنتهى): «كل من غزا بغير إذن الامام إذا غنم كانت غنيمته للإمام عندنا» و عن الشهيد الثاني نسبته الى المشهور بين الأصحاب، بل استظهر عدم القائل بالخلاف. و يدلّ عليه ما رواه الشيخ عن العبّاس الورّاق عن رجل سمّاه عن أبي عبد اللّه (ع) قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» (1).

و ربما أمكن أن يستدلّ عليه بصحيحة معاوية بن وهب قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): السرّية [1] يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف تقسم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمّر الإمام عليهم أخرج منها الخمس للّه و للرسول، و قسّم أربعة أخماس، و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ» (2) و التقريب: أن الغنيمة للسرّية إنما تحصل بالمقاتلة فالمراد من قوله (ع): و إن لم يكونوا قاتلوا عليها، هو عدم المقاتلة مع الأمير المؤمّر. لكن يمكن أن يكون المعنى أن السرية المفروض أن الامام قد بعثها إذا تسلّطوا و اغتنموا بدون المقاتلة كأن فرّ المشركون بمجرد مقابلتهم إياهم، كانت الغنيمة كلها للإمام.

____________

[1] هي قطعة من الجيش.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 16.

(2) الوسائل- باب 41 من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه، الحديث 1.

20

ثانيها- لو اغتنم المسلم شيئا بالقهر أو بالسرقة، أو الخدعة بمعاملة أو بحيلة، أو دعوى باطلة، أو باسم الربا و نحو ذلك من الكافر الحربي الذي ليس بمعاهد أو في أمان المسلم، فالظاهر وجوب الخمس فيه استنادا الى عموم الآية، و لا يتوهم أنه إن لم يكن بإذن الإمام بالخصوص كان كله له (عليه السلام)، ضرورة أنه مأذون فيه بالأدلة العامة، مضافا الى أن المخصّص لعموم الآية من حيث التقييد بالإذن انما كان فيما كان الاغتنام بالمحاربة و توجيه السرية و الغزاة.

ثم الظاهر أن يخرج الخمس فورا بمقتضى فاء التفريع في الآية المباركة الدالّة على الترتيب باتّصال، و هكذا بمقتضى الروايات فلا يستثني منه المئونة أعني مؤنة السنة التي هي مستثناة في أرباح المكاسب، نعم يمكن أن يقال بأن المأخوذ بالمعاملة الربوية أو الدعوى الباطلة يدخل في الاكتساب، فيلاحظ ما يزيد على مؤنة السنة، لكن الأحوط عدمه.

ثالثها- الأراضي التي يغتنمها المسلمون في الحرب من الكفّار، قد حكم المصنف بأنها مع غيرها على حدّ سواء في وجوب الخمس لأربابه، و ذلك هو المعروف المشهور بين الأصحاب إلا أن الباقي لا يقسّم بين المقاتلين، بل هو لجميع المسلمين.

و عن (المدارك) الإجماع على ذلك.

و عن الشيخ الطوسي أنه قال: «الذي يقتضيه المذهب أن الأرض التي فتحت عنوة يخرج خمسها لأرباب الخمس، و الأربعة الأخماس الباقية للمسلمين قاطبة، الغانمين و غيرهم، و يقبّلها الامام لمن يشاء‌

21

يأخذ ارتفاعها [1] لصرفه في مصالح المسلمين».

و قال ابن إدريس في كلام له في غنيمة الأرضين و العقارات: «أنه يخرج منها الخمس و الباقي يكون للمسلمين قاطبة، مقاتليهم و غير مقاتليهم، من حضر منهم و من لم يحضر، من ولد و من لم يولد» (2).

و قال المحقق في كتاب الجهاد: «و أمّا ما لا ينقل فهو للمسلمين قاطبة و فيه الخمس، و الإمام مخيّر بين إخراج الخمس لأربابه، و بين إبقائه و إخراج الخمس من ارتفاعه».

قلت، الروايات في أن الأراضي المفتوحة عنوة بما لها من الشرائط هي للمسلمين مستفيضة، و ظاهرها أن كلها كذلك لا ما عدا الخمس، و ظاهر الآية المباركة و الروايات أن الغنيمة على إطلاقها فيها الخمس، و مقتضى القاعدة تخصيصها بغير الأراضي كما قال به صاحب (الحدائق) (3) و استشهد على مقالة بأن أخبار الخمس دلّت على تقسيم الأربعة الأخماس الباقية بين المقاتلين، مع أن الأمر ليس كذلك في خصوص الأراضي بالإجماع، فلا وجه للالتزام بالخمس في الأراضي و عدم الالتزام بتقسيم الأربعة الأخماس. و الحاصل أن كلامه (قده) أوفق بالقواعد، لكن المشهور المعروف المتسالم عليه بين الأصحاب ثبوت الخمس في الأراضي المفتوحة عنوة، و كون الباقي للمسلمين، و الذي يهوّن الخطب أنهم (عليهم السلام) أباحوا للشيعة تصرفهم في الأراضي على الإطلاق.

____________

[1] أي الفائدة الحاصلة.

____________

(2) السرائر لابن إدريس الحلي ص 114.

(3) الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ج 12 ص 325.

22

رابعها- لو غزا المسلمون على الكفار لدوافع سياسيّة، لا بعنوان الجهاد و الدعوة الى الإسلام فاغتنموا منهم الأموال المنقولة و الأراضي فهل فيها الخمس بمقتضى إطلاق الآية المباركة، و الباقي للمقاتلين؟

أو كلّها للإمام (عليه السلام) حيث ان الغزو كان بدون اذنه؟ أو يفضل بين الأموال المنقولة ففيها الخمس، و بين الأراضي فهي للمسلمين لإطلاق أدلة المفتوح عنوة؟ فهذه وجوه محتملة و لكل منها وجه.

ففي الحديث الذي رواه الشيخ بإسناده عن العباس الوراق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الامام فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام، و إذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» (1).

فان كان السلب مقابل الإيجاب في قوله (عليه السلام): إذا غزا قوم بغير إذن الامام، يعمّ ما نحن فيه، و إن كان بنحو العدم و الملكة فالظاهر أن الأذن و عدمه مركزهما الجهاد دون غيره، خصوصا في الشرطية الثانية.

مضافا الى أن الاستيذان و عدمه من المسلمين انما هو بنحو الصفة و عدم الملكة منحصر فيما يمكن و هو زمان الحضور دون زمان الغيبة.

و لا يتوهّم لزوم الاستيذان من حاكم الشرع فان الظاهر أنه ليس من شأنه مثل ذلك، فإنه ليس من الجهاد و الدفاع و نحوهما مما يرجع أمره الى الحكّام الشرعية.

و الحاصل: إن كان بالنحو الأول فما في (الحدائق) غير تام. و ان كان بالنحو الثاني فهو متين.

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 16.

23

و مع تردّد الأمر بينهما، فما عدا الخمس- بل ما عدا نصف الخمس مشكوك فيه، و مقتضى العموم ملكيته للمقاتلين. و يقوى المصير الى اختصاص حديث الورّاق بالجهاد، و بما أمكن الاستيذان و هو زمان الحضور. و عليه فما نحن فيه مندرج في عموم الآية بلحاظ اسناد (غنمتم)، و مندرج في حديث الصفار مرفوعا قال: الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز و المعادن و الغوص و المغنم الذي يقاتل عليه ..» (1).

مضافا الى حسنة الحلبي، بل مصحّحه- لرواية صفوان عن عبد اللّه بن مسكان عنه- عن أبي عبد اللّه «في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم و يكون معهم فيصيب غنيمة. قال (عليه السلام): يؤدي خمسا و يطيب له» (2) فان ظاهر الحديث أن قتالهم كان بغير إذن الامام (عليه السلام)، و إطلاقه يعمّ ما إذا كان لأجل السياسة الملوكية و بمشتهى أنفسهم مما ليس موردا لأمر الإمام (عليه السلام)، أو لأجل الجهاد، أو لأجل الدفاع. و لا بد من تخصيصه بالغزوة التي يحق أن يأمر بها الامام و يكون عدم الأذن موجبا لأن يكون كله له.

و ربما يحمل الحديث على أنه (عليه السلام) حكم بالطيب من أجل تحليله له.

أقول: على تقدير ذلك فليؤخذ بعمومه الى ما نحن فيه.

خامسها- قد يكون الدفاع عن النفس و العرض و المال، فهو أمر خارج يعم المسلم و الكافر الذي بقصده الى ذلك نقض عهده و أمانه.

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 11.

(2) الباب المتقدم، الحديث 8.

24

و حينئذ فالظاهر أن ماله يغتنم و ان كان ذميّا، لخروجه بذلك عن كل ذلك. و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من دخل عليه لصّ فليبدّده بالضربة، فما تبعه من إثم فأنا شريكه فيه».

و قد يكون لحفظ ساحة الإسلام عند ما يواجهون هجوما من الكفار عليها، و لدفع الكفار عن بلدان المسلمين و قراهم و أراضيهم، و ما يكون لدفعهم عن التسلط على دماء المسلمين و هتك أعراضهم. فالغنيمة المأخوذة بالدفاع إن كانت مأذونا فيها من حاكم الشرع تخمّس بلا إشكال. و إلا فيشكل الأمر بالنظر الى رواية الورّاق. لكن الذي يظهر من الفقهاء أن الجهاد على قسمين:

أحدهما: ابتداء المسلمين للدعوة إلى الإسلام، و هو مشروط بشروط عديدة، و واجب كفائي، و يستثني منه المريض و الأعمى و الأعرج و النساء.

ثانيهما: الدفاع عن بيضة الإسلام، أو الاستيلاء على بلاد المسلمين. و هذا واجب على الحرّ و العبد، و الذكر و الأنثى، و السليم و المريض. و لا يتوقف على حضور الامام و لا إذنه، و لا يختص بمن قصده الكفار بل يجب على من علم بالحال إذا لم يعلم قدرة المقصودين على المقاومة.

25

(2- المعادن)

(قال المحقّق‌

الثاني- المعادن، سواء كانت منطبعة كالذهب و الفضة و الرصاص، أو غير منطبعة كالياقوت و الزبرجد و الكحل، أو مايعة كالقير و النفط و الكبريت، و يجب فيه الخمس بعد المئونة.

و قيل: لا يجب حتى يبلغ عشرين دينارا، و هو المروي، و الأول أكثر).

أقول: يدلّ على وجوب الخمس في المعدن:

أولا: عموم الآية الشريفة.

ثانيا: موثّقة سماعة حيث قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس، فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير» (1).

ثالثا: الروايات المستفيضة الواردة في خصوص المعدن، منها:- 1- ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سألته عن معادن الذهب و الفضة و الصفر و الحديد و الرصاص، فقال: عليها الخمس جميعا» (2).

2- ما رواه بسند صحيح عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد اللّه عليه‌

____________

(1) الوسائل- باب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(2) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

26

السلام عن الكنز كم فيه؟ قال: الخمس، و عن المعادن كم فيها؟

قال: الخمس، و عن الرصاص و الصفر و الحديد و ما كان من المعادن كم فيها؟ قال: يؤخذ منها كما يؤخذ من معادن الذهب و الفضة» (1).

3- ما رواه بسند صحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس، و قال ما عالجته بمالك ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى الخمس» (2).

4- و ما رواه الشيخ بسند صحيح عن محمد بن مسلم قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الملاحة، فقال: و ما الملاحة؟

فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيه الماء فيصير ملحا. فقال: هذا المعدن فيه الخمس- فقلت: و الكبريت و النفط يخرج من الأرض قال: فقال: هذا و أشباهه فيه الخمس» (3).

عند استعراض هذه الأحاديث، نجد بعضها ذكر المعادن بصورة مطلقة، و في بعضها ذكر المعادن و الرصاص و الصفر و الحديد و الذهب و الفضة، و في بعضها ذكر المعادن مضافا إلى الخمسة منها أعني الذهب و الفضة و الصفر و الحديد و الرصاص، و في بعضها الياقوت و الزبرجد و الذهب و الفضة، و في بعضها الملاحة و الكبريت و النفط.

و الحاصل: لا إشكال في وجوب الخمس في المعادن بالكتاب و السنة، و عليه الإجماع من الإمامية، و لا تنافي هذه الروايات صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

(2) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

(3) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

27

الخمس إلا في الغنائم خاصة» (1) و ما رواه العيّاشي في (تفسيره) عن سماعة قال: «سألت أحدهما عن الخمس قال: ليس الخمس إلا في الغنائم» (2) فإن الغنيمة عامة تشمل المعادن. و إنما البحث يقع في جهات:

1- موضوع المعدن و تعريفه.

2- اعتبار النصاب في المعادن.

3- مقتضى القاعدة إذا شكّ في معدنية شي‌ء.

4- عدم اشتراط التكليف في مستخرج المعدن.

5- بناء على اعتبار النصاب، هل هو إذا كان الاستخراج دفعة واحدة و من جنس واحد، أو يعمّ ذلك و غيره.

6- بناء على اعتبار ذلك هل إذا اشترك جماعة في الاستخراج يكفي بلوغه النصاب، أم يعتبر ذلك في حصة المشتركين، فلو لم يبلغ النصاب حصة واحد منهم لم يلزم الخمس.

7- أنه يستثني مؤنة الإخراج، و يكون الخمس بعدها.

8- أن المعدن قد يكون في الأرض المباحة التي هي للإمام (عليه السلام)، و قد يكون في المفتوحة عنوة، و قد يكون في الأرض المملوكة للغير فيستخرجها.

1- موضوع المعدن و تعريفه:

المعدن من عدن إذا أقام و استقر، و الفرق بين ما نحن فيه و ما‌

____________

(1) الوسائل- باب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب المتقدم، الحديث 15.

28

يذكره الفقهاء في باب التيمم و السجود من عدم جوازهما في المعدن، أن المراد هنالك ما خرج عن اسم الأرض متى أطلق، و إلا فالمعدن الذي يصدق اسم الأرض بإطلاقه يجوز أن يتيمم به و يسجد عليه، ضرورة أنه لم يرد في شي‌ء من النصوص المنع من التيمم بالمعدن و السجود عليه، و انما وقع ذلك في عبارة الفقهاء، و مرادهم ما ذكرناه.

و أما المعدن فيما نحن فيه فهو أعم مما يصدق عليه اسم الأرض بإطلاقه أولا، و لذا يجب الخمس في مثل حجر الرحى و بعض أقسام الطين و الجص و النورة و نحو ذلك.

و بالجملة قال الراغب: «عدن: جنات عدن أي استقرار و ثبات، و عدن بمكان كذا استقر، و منه المعدن لمستقر الجواهر ..».

و عن العلّامة في (المنتهى) ان المعدن اشتقاقه من عدن بالمكان إذا أقام به، و منه سميت جنّة عدن لدوام الإقامة فيها.

و في عبارة جمع من الفقهاء تمثيل المعدن بالذهب و الفضة و الرصاص و الصفر و النحاس و الحديد و الزيبق و الياقوت و الفيروزج و العقيق و البلور و الكحل و الزاج و الزرنيخ و المغرة [1] و الملح و القير و النفط و الكبريت.

و عن الشيخ في (الجمل و العقود) قوله: «يجب الخمس في خمسة و عشرين جنسا» و اعترض عليه ابن إدريس بالحصر في ذلك و قال: «هذا غير واضح، و حصر ليس بحاصر، و لم يذكر في جملة ذلك الملح و لا الزمرد و لا المغرة و لا النورة ..» و اختار هو وجوب‌

____________

[1] هي الطين الأحمر الذي يصبغ به.

29

الخمس في كل ما يتناوله اسم المعدن على اختلاف ضروبه.

و عن العلّامة في (المنتهى) قوله: «و يجب الخمس في كل ما يطلق عليه اسم المعدن، سواء كان منطبعا بانفراده كالرصاص و النحاس و الحديد، أو مع غيره كالزيبق، أو غير منطبع كالياقوت و الفيروزج و البلخش [1] و العقيق أو مائعة كالقار و النفط و الكبريت، ذهب إليه علماؤنا اجمع».

و عن الشهيد الثاني: «المعدن بكسر الدال: ما استخرج من الأرض مما كانت أصله، ثم اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها، كالملح و الجص و طين الغسل و حجارة الرحى و الجوهر من الزبرجد و العقيق و الفيروزج و غيرها».

و في اللغة: المعدن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب و نحوه، و أيضا منبت الحديد و الفضة و نحوهما، و الجوهر: كل حجر يستخرج منه شي‌ء ينتفع به، و أيضا المعدن: مكان كل شي‌ء فيه أصله و مركزه.

____________

[1] قسم من الحجر يشبه الياقوت احمر شديد الحمرة

30

2- اعتبار النصاب:

و قد اختلف فيه، و أكثر القدماء على عدم اعتباره، منهم الشيخ المفيد و السيد المرتضى و الشيخ في (الخلاف) و ابن البراج و ابن زهرة.

و عن ابن إدريس أنه قال: «إجماعهم منعقد على وجوب إخراج الخمس من المعادن جميعها على اختلاف أجناسها، قليلا كان المعدن أو كثيرا، ذهبا كان أو فضة من غير اعتبار مقدار، و هذا إجماع منهم بغير خلاف».

و قال جمع باعتبار النصاب و هو عشرون دينارا، منهم بعض المتقدمين كابن حمزة، و منهم المحقق في (المعتبر)، و العلّامة و الشهيدان، بل قيل: ان عليه عامة المتأخرين.

و قال أبو الصلاح- على ما نسب إليه-: إن النصاب فيه بلوغه دينارا. و لعل الصدوق يقول بذلك حيث يرويه في (من لا يحضره الفقيه).

و الدليل على الأول واضح فإنه مقتضى إطلاق أدلة الخمس في المعدن، لكن القائلين باعتبار النصاب حكموا بتقييد هذا الإطلاق بصحيحة البزنطي حيث قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير، هل فيه شي‌ء؟ قال: ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة، عشرين دينارا» (1). و الزكاة في مائتي درهم أيضا، فلو بلغ أقل أو أكثر لا ينفع فإن عشرين دينارا مفسر.

و هذه الصحيحة بالإضافة إلى (ما غنمتم) إن كان المعدن أقل من عشرين دينارا، فإن كان لا يزيد على مؤنة السنة فمخصّص لعموم الغنيمة، و إن كان يزيد عليها فمقيّد لضمير خمسه الراجع إلى الكل، أي‌

____________

(1) الوسائل- باب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

31

يكون الخمس في الزائد على ذلك لا في كله، و أما إن كان أكثر فلا تخصيص، فإن البالغ حدّ العشرين في كله الخمس لا فيما عدا العشرين.

و أما نسبتها إلى قاعدة (من حاز ملك) فإن كان المعدن أقلّ من ذلك فموافق، و أما إن كان أكثر فإن كان الخمس فلا تنافي، و إن كان كسرا مشاعا فمقيّد لإطلاقه و ظهوره في ملك الكل.

و أما قول أبي الصلاح فتدلّ عليه رواية محمد بن علي بن أبي عبد اللّه عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «.. و عن معادن الذهب و الفضة هل فيها زكاة؟ فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس» (1).

و نحن إن لاحظنا النسبة بحسب الدلالة فالصحيحة تنفي الشي‌ء، و هذا يثبته، فيحمل على الحق الاستحبابي، كالزكاة المندوبة. أما صاحب (الوسائل) فقد حمل الدينار على الغوص، و يشهد له ما رواه في (المقنع) مرسلا حيث قال: «و سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عما يخرج من البحر من اللؤلؤ و الياقوت و الزبرجد فقال: إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس» و إن لاحظنا السند فمحمد بن علي بن أبي عبد اللّه مجهول، لكن الراوي عنه البزنطي، يعدّ من أصحاب الإجماع.

3- إذا شكّ في معدنيّة شي‌ء:

إذا شككنا في معدنية شي‌ء بالشبهة المفهومية، فحيث إن المخصص المنفصل إذا دار بين الأقل و الأكثر يؤخذ بالمتيقن، فالمشكوك معدنية لا وجه لتخصيصه، لكن الكلام فيما يقبل أن يكون‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

32

مخصصا، فنقول:

1- إن كان أقل من عشرين دينارا، و هو لا يزيد على مؤنة سنته فهو مخصّص لعموم الغنيمة يقينا فإنه إن كان معدنا ليس فيه شي‌ء، و إن لم يكن فهو اكتساب، و الخمس بعد المؤنة، فما لا يزيد عليها لا خمس فيه.

2- و إن كان يزيد على المؤنة فحيث أن (خمسه) الراجع ضميره إلى الكل، قد قيّد في الاكتساب بالباقي بعد المؤنة، فهو اكتساب، فمقتضى الخمس في الاكتساب أن يخمّس الزائد، و لا وجه لتخميس الكل فإنه لو كان معدنا ليس ذا نصاب، نعم لو فرض الشك في كونه اكتسابا كما يشك في كونه معدنا فحيث لا تجري أصالة عدم الاكتساب و عدم المعدنية، و لو فرض جريانهما لا يثبتان شيئا، لبطلان الأصل المثبت، فبمقتضى عموم التخميس في الغنيمة يلزم تخميسه.

3- و إن كان بمقدار عشرين دينارا فيتردّد بين أنه معدن يجب تخميسه فعلا، أو غيره، فلا يجب إن كان بمقدار مؤنة السنة.

4- و لو كان زائدا ففي القدر الزائد لا يشمله دليل المعدن، لعدم إحرازه، و حينئذ ان صدق عليه الاكتساب بأن تعب في تحصيله فلا يخمس إذا كان بمقدار المؤنة، و إلا فبمقتضى العموم لا بدّ من تخميسه.

ثم إنه إذا شككنا في معدنية شي‌ء، و كان موضوعيا، و كان المشكوك فيه أكثر من عشرين دينارا ففيه الخمس قطعا لكن مرجع الأمر إلى التخميس فعلا، أو أنه من الاكتساب و الخمس بعد المؤنة؟

33

و ان كان أقل فلا يتمسك بعموم (إذا غنمتم).

4- عدم اشتراط التكليف في المستخرج:

لما كان ثبوت الحكم التكليفي متوقفا على قابلية المخاطب لتوجيه الخطاب الشرعي إليه، فإنه يصار الى عدم كون المستخرج للمعدن مخاطبا بإخراج الخمس ان لم يكن بالغا، أما الحكم الوضعي فلا يتوقف ثبوته على ذلك، بل إنه ثابت في المال نفسه، و هو المستفاد من إطلاق الأدلّة.

و عليه نقول بعدم اشتراط التكليف في المستخرج، و هذا الحق المالي ثابت في المعدن المستخرج كغيره من الأحكام الوضعية الشاملة للمكلفين و غيرهم.

5- الاستخراج دفعة و دفعات:

بناء على اعتبار النصاب في المعادن لا فرق بين الإخراج دفعة واحدة أو تدريجا، لإطلاق الدليل. كما لا فرق بين كون ما يستخرج من جنس واحد أو أجناس مختلفة. قال العلّامة في (المنتهى): «إذا اشتمل المعدن على جنسين كالذهب و الفضة ضمّ أحدهما إلى الآخر، و كذا ما عداهما، خلافا لبعض الجمهور فلا يضمّ في الذهب و الفضة خاصة» و أشكل في (الجواهر) على اتحاد الحكم بقوله: «إلا أن لانصاف عدم خلوّه عن الإشكال، للأصل و انسياق المتّحد من الأدلة لسابقة خصوصا صحيح النصاب» (1).

____________

(1) الجواهر ج 16 ص 20- و يقصد بصحيح النصاب: الحديث 1 من الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس.

34

6- إذا اشترك جماعة في الاستخراج:

قد ذكرنا أن مع الاشتراك في الاستخراج من المعدن يثبت الخمس، و ان كان نصيب كل واحد أقل من النصاب، و ظاهر الأكثر- على ما ينسب إليهم- اعتبار النصاب في نصيب كل واحد، كما صرح به الشهيد الثاني في (المسالك) حيث قال: «و لو اشترك فيه جماعة اعتبر نصيب كل واحد نصابا».

قلت: الظاهر من الموصول في صحيحة البزنطي، هو ما خرج من المعدن لا ما يملكه المستخرج، و لو فرض الشك في ذلك فالمتيقن من تخصيص عموم الخمس في المعدن، ما كان مجموع ما أخرج أقل من النصاب، فيبقى ما كان نصيب كل واحد أقل من ذلك، و كان المجموع بقدره، تحت العموم.

تنبيه:

ما ذكرناه إنما هو فيما كان المخرج من المعدن مشتركا بينهم، لا فيما استقلّ كل واحد في الاستخراج من معدن واحد، لكن ربما يتوجه الإشكال بأنه إن كان المدار على الملك في اعتبار النصاب فالشركاء في المخرج الواحد لا بدّ أن يبلغ نصيب كل واحد النصاب كما هو كذلك في الزكاة، كما إذا كان مائتا درهم بين اثنين، و حال عليه الحول، فإنه لا زكاة على واحد منهما، فإنها تتبع الملك، مضافا الى ما ورد من أنه (لا يجمع بين المتفرّق) أي المتفرق في الملك، و في حديث زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: مائتي درهم بين خمس أناس أو عشرة، حال عليها الحول، و هي عندهم أ يجب عليهم زكاتها؟ قال: لا هي بمنزلة تلك- يعني جوابه في الحرث- ليس‌

35

عليهم شي‌ء حتى يتمّ لكل انسان منهم مائتا درهم» (1) و إن كان المدار في اعتبار النصاب على وحدة المعدن، و ان كان المخرج مملوكا لجماعة كما يستظهر من صحيحة البزنطي قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عما أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شي‌ء؟ قال: ليس فيه شي‌ء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا» (2) و كذا من رواية البزنطي عن محمد بن علي بن أبي عبد اللّه عنه (عليه السلام) قال: «سألته عما يخرج .. إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس» (3) فاللازم مع وحدة المعدن إذا كان مجموع ما خرج منه بمقدار النصاب أن يثبت فيه الخمس و ان تعدد المستخرج، و استقلّ كل واحد في ذلك، بل نقول أيضا: ان المتيقن من تخصيص عموم الخمس في المعدن هو ما كان المستخرج من المعدن، و لو بإخراج أناس متعددين، دون النصاب فيبقى البالغ حد النصاب تحت العموم، و إن استقلّ كل واحد في استخراج شي‌ء منه.

قال الشيخ الأنصاري (قده): (ظاهر الصحيحة كفاية بلوغ المجموع كما اعترف به في (البيان) الا ان يقال: ان ما يجب في مثله الزكاة، و هو عشرين دينارا لمالك واحد، و فيه نظر. نعم ظاهر أدلة وجوب الخمس في المعدن استقلال الأشخاص في التكليف، فإذا قيّد المعدن بما يبلغ النصاب فيرجع إلى أنه يجب على كل أحد إخراج الخمس مما استخرجه إذا بلغ النصاب).

____________

(1) الوسائل- باب 5 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 2.

(2) الوسائل- باب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

(3) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

36

7- استثناء مؤنة الإخراج:

إنما يجب الخمس بعد مؤنة الإخراج التي يصرفها من أجرة الآلة، و أجرة من يحفر و نحو ذلك. قال في (المدارك) إن إخراج المؤنة مقطوع به بين الأصحاب، و نقل عليه الإجماع، و لا يبعد الاستدلال عليه، مضافا الى الغنيمة التي هي ما استفيد مجّانا، و قد أدرج المعدن في ذلك، جمعا بين أخباره، و صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة» بصحيحة زرارة عن أبي جعفر قال: «سألته عن المعادن ما فيها؟

فقال: كلّ ما كان ركازا ففيه الخمس، و قال: ما عالجته بمالك ففيه أخرج اللّه سبحانه من حجارته مصفى الخمس» (1).

و قد استدل الشيخ و صاحب (الحدائق) على ذلك بصحيحة البزنطي قال: «كتبت الى أبي جعفر (عليه السلام): الخمس أخرجه قبل المؤنة، أو بعد المؤنة؟ فكتب (عليه السلام): بعد المؤنة».

تنبيه:

هل النصاب في المصفى، أو بعد المؤنة، أو في المعدن كله؟ مقتضى رواية البزنطي في اعتبار المؤنة أنه فيه كله، لكن حيث ان العشرين فيه الخمس، و الخمس بعد المؤنة فالعشرين فيما هو بعد المؤنة، و ذلك هو المصفّى، و أول وقت التعلق هو من الأول إلى المقدار المصفّى لا أنه بعد التصفية.

مسألة: ما لا يكون مستخرجا من الأرض لكن له قيمة كحجر الرحى و الطين الأحمر و نحو ذلك

مما لا يسمى بمعدن لا يبعد إجراء‌

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3

37

حكم المعدن عليه بمقتضى رواية (الفقيه): ان الملاحة مثل المعدن و وجه الشبه انه مما يتكون في الأرض و له قيمة.

8- حالات الأرض التي يستخرج منها المعدن:

المعدن تارة في الأرض المملوكة، و أخرى في الأرض الموات، و ثالثة في الأرض المفتوحة عنوة، و رابعة في الأرض الموقوفة.

أ- أما إذا كان في المملوكة

فهو من أجزاء تلك الأرض و مملوك لمالكها، سواء كان معلوما أو مجهولا، و يجري عليه ما يناسبه من الأحكام. و حينئذ فإن أخرجه غير المالك لم يملكه، و لم يكن الخمس عليه لأنه لم يغتنمه، و على المالك أن يؤدي خمسه. و أما مؤنة الإخراج و التصفية و غير ذلك مما صرفه المستخرج يغرمها من بذلها دون المالك، و لا وجه لأن يستثنيها هو حتى لو تبرّع بها للمخرج، فان الخسارة لم تكن عليه و التبرّع لا وجه لاحتسابه.

ب- و أما إذا كان في الموات،

فالظاهر أنه لمخرجه بعد أداء خمسة، لا لعموم (من سبق الى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) فإنه قد سبق إلى الأرض بجميع أجزائها أنها للإمام (عليه السلام)، مضافا إلى أن الرواية مرسلة [1]، و إن تداول ذكرها في كتب الأصحاب، و لا لعموم قوله (عليه السلام): «لليد ما أخذت» أعني ما يعبّر عنه بقولهم:

(من حاز ملك) بتقريب أن المعدن بعد إخراجه يكون من المنقولات،

____________

[1] الوسائل- باب 2 من أبواب كتاب إحياء الموات. و في رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): من غرس شجرة، أو حفر واديا بديا، لم يسبق إليه أحد، أو أحيى أرضا ميتة، فهي له قضاء من اللّه عز و جل و رسوله»، و أنت خبير بأن مفاد الرواية غير ما أرسل ما ذكروه بعمومه، نعم يمكن الاستدلال بها لما نحن فيه فيما يكون الاستخراج بنحو الحفر، فليتدبر.

38

و محازا للمالك فيكون ملكا له، فان الموات بعد أن كان ملكا للإمام (عليه السلام)، لا يقبل أن يطرأه ملك غيره، اللّهم الا أن يكون الاستدلال بذلك بتقريب أن النسبة بين الدليل كون الأرض الموات للإمام (عليه السلام)، و دليل الحيازة عموم من وجه، فلو قدّم الأول في مادة الاجتماع سقط الثاني بالكلية، ضرورة أنه لا مجال له في ملك الغير، و لا في الأرض المفتوحة عنوة، فإنها نظير الموات في ما ذكر، فلو قلنا بتقدّمهما عليه لم يبق له مورد، بل للصحاح الواردة عن محمد ابن مسلم عن أبي جعفر (1) منها أنه قال: «أيّما قوم أحيوا شيئا من الأرض أو عملوه فهم أحقّ بها، و هي لهم». و منها مثله الا أنه قال:

«أو عمروها».

تقريب الاستدلال: أن إخراج المعدن و تصفيته إحياء له، فإن إحياء كل شي‌ء بحسبه، و لذا يقال: ان حفر البئر الى أن يصل الى الماء أنه من الإحياء. نعم يشكل ذلك في المعادن التي لا تحتاج الى عمل كالملاحة، و ما أخرجه السيل أو الحيوان و نحو ذلك.

و الحاصل أن المعادن في الموات لا ينبغي أن يتوقف في تملكها لمن أخرجها، بل و لو حازها لما ذكرناه، مضافا الى ما يقال من أن المشهور يرون المعادن مما فيه الناس شرع سواء، بل ربما لاح من المحكي من (المبسوط) نفي الخلاف فيه. و مضافا الى ما يقال من قيام السيرة في جميع الأعصار و الأمصار على استخراج المعادن و تملكها.

تنبيه: ربما يشكل تملك غير الشيعة للمعدن في أرض الموات

بما‌

____________

(1) الوسائل- باب 1 من أبواب إحياء الموات.

39

ورد من أن كسبهم من الأرض حرام عليهم، حتى يقوم القائم- (عجل اللّه فرجه)- فيأخذ الأرض من أيديهم، فليتدبر.

ج‍- و أما إذا كان المعدن في الأرض المفتوحة عنوة

أي في العامرة منها، فيشكل فإنه جزء من الأرض المملوكة للمسلمين، إمّا بعينها أو بارتفاعها و منافعها، فدليل الإحياء لا يشمله، و هكذا دليل السبق، نظير ما تقدم ذكره. و كذلك دليل الحيازة، اللهم الا بالتقريب المتقدم. و قال صاحب (الجواهر) «.. للقطع بملك المحيز من المسلمين له إذا كان في الأرض المفتوحة عنوة، مع أنها ملك لسائر المسلمين» (1).

و قال في كتاب (إحياء الموات) في كلام له في المعادن: «فانّ المشهور نقلا و تحصيلا على أن الناس فيها شرع سواء، بل قيل قد يلوح من محكي (المبسوط) و (السرائر) نفى الخلاف فيه مضافا إلى السيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار في زمن تسلطهم و غيره على الأخذ منها بلا اذن، حتى ما كان منها في الموات الذي قد عرفت أنه لهم أو في المفتوحة عنوة التي هي للمسلمين، فإنه و إن كان ينبغي أن يتبعهما فيكون ملكا للإمام في الأول، و للمسلمين في الثاني، لكونه من أجزاء الأرض المفروض كونها لهما بل لو تجدّد فيهما فكذلك، الا أن السيرة المزبورة المعاضدة للشهرة المذكورة و لقوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً و لشدة حاجة الناس الى بعضها .. يوجب الخروج عن ذلك».

أقول: مضافا الى الترجيح لدليل الحيازة في مادة الاجتماع بعد‌

____________

(1) الجواهر ج 16 ص 24.

40

المعارضة بينه و بين دليل (أن المفتوحة عنوة للمسلمين) بما تقدم [1] نقول: إن المعادن هي من الأنفال بمقتضى الروايات التي منها:

1- موثقة إسحاق بن عمار قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأنفال فقال: هي القرى التي قد خربت .. و المعادن منها» (2).

2- ما رواه العياشي عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«لنا الأنفال. قلت: و ما الأنفال؟ قال: منها المعادن» (3).

3- ما رواه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «قال:

قلت: و ما الأنفال؟ قال: بطون الأودية، و رؤس الجبال و الآجام و المعادن» (4).

و على هذا تكون المعادن كلّها، و إن كانت في المفتوحة عنوة نظير الأرض الموات، للإمام (عليه السلام) و حكمها حكمها، مضافا الى ما قد ورد عنه (عليه السلام): كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، و محلل لهم ذلك» (5).

و الحاصل: لا ينبغي الإشكال فيما يستخرج من المعدن في الأرض المفتوحة عنوة، لكن الاستدلال على ذلك إن كان بدليل الحيازة و السيرة، فثبوت الخمس واضح، و إن كان من باب إباحة الأنفال، فيمكن القول بأن ذلك إباحتها بمالها من الأحكام الشرعية، و منها الخمس. و بعبارة‌

____________

[1] أي بلزوم اللغوية، أو تخصيص الأكثر من إخراج مادة الاجتماع عن عموم دليل الحيازة.

____________

(2) الوسائل- باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 20.

(3) الباب المتقدم، الحديث 28.

(4) الوسائل- باب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 32.

(5) الوسائل- باب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.

41

أخرى: يكون ذلك نظير إباحة من يملك أرضا فيها المعدن لصاحبه، فيستخرجه منها، و يتصرف فيها لكن بعد التخميس، فليتدبر.

ثم إنه ينبغي البحث عما يشك في كونه من المفتوحة عنوة، و ذلك تارة في إذن الإمام (عليه السلام) مع إحراز الفتح بالغزو، و أخرى في أصل الفتح بالغزو، و ثالثة في العمران حين الفتح.

أما على الأول: فاستصحاب عدم كون الغزو بإذنه لا يجري، لعدم الحالة السابقة، و استصحاب عدم الإذن أزليا لا محال له، فإنه: أولا- لا يثبت الموضوع، و هو كون الغزو بغير إذن الإمام الذي مفاد ليس الناقصة أو المعدولة، و ثانيا- لو فرضنا أن الموضوع ليس كذلك، و إنه ما لا يتصف بالإذن، لا ينفع استصحاب العدم الأزلي، فإنه مفاد السلب في قبال الإيجاب، و هذا مفاد العدم و الملكة.

و أما على الثاني: فالشكّ متمحض في ما كان معمورا، و إلا فالموات للإمام (عليه السلام) سواء فتحت الأرض عنوة أو بدونها، و استصحاب عدم الفتح بالغزو لا يثبت شيئا، بل المستصحب بقاؤها على ملكية مالكيها.

و أما على الثالث: فاستصحاب عدم العمران، و استصحاب كونها مواتا إلى حال العمران، و يرتّب عليه الأثر ما لم تزاحمه جهة أخرى.

تذنيب: الأراضي التي يشك في كونها مفتوحة عنوة

بشرائطها إذا كانت بالفعل مواتا، و شكّ في شي‌ء مما يوجب تملكه للمسلمين، أو شك في سبق يد الحيازة أو يد الإحياء عليه يستصحب بقاؤها على الإباحة الأوليّة، و بقاؤها على كونها مواتا و يرتب عليه الأثر.

42

د- و أما إذا كان في الأرض الموقوفة

فهي إمّا تكون مسبوقة بالملكية، أو تكون محازة بالتحجير الموجب لحق الاختصاص، بناء على صحة وقف العين مع ثبوت حق الاختصاص فيها، و عدم كونها مملوكة. و على كل حال يشكل الأمر فإنه إن كان المعدن متقدما على الوقفية فهو جزء الموقوفة، و الوقف لا بد من إبقاء عينه و تسبيل منفعته، فكيف يستخرج المعدن و يتصرف فيه؟ و إن كان متأخرا عن الوقفية بحيث يكون قد تكون فيها فهو من منافعها التي تصرف في جهة الوقف فلا يملكه من يخرجها سواء كان هو الواقف أو غيره.

نعم، للمتولّي حينئذ أن يؤجر الموقوفة بأجرة في قبال انتفاع المستأجر بهذه المنفعة و تملكه لها، كسائر موارد الإجارة التي تصرف أجرتها في جهة الوقف، بل له أن يبيع هذه المنفعة كبيع سائر المنافع الموجودة في الموقوفات، كبيع ثمرة الشجرة و الموقوفة بعد وجودها، و يصرف الثمن في جهة الوقف.

لا يقال: إذا كان المعدن في منافع الأرض، فمع وجوده قبل الوقف لا مانع من أن يشمله الوقف.

لاندفاعه: بأن الوقف إن تعلق به و بالأرض معا، يجري فيه ما تقدم من لزوم إبقائه و عدم التصرف فيه، و إن تعلق بالأرض فقط فلا يكون هو من عوائد الوقف، فإنها التي تتجدّد بعده لا ما كان قبله، و لذا لو وقف الشجر لا يعمّ الثمرة الموجودة بالفعل، و هي تبقى على ملك الواقف.

ثم لو شككنا في كينونة المعدن قبل الوقف أو بعده فالأصول متعارضة، أو غير جارية، و يشكّ في تملّك المستخرج له، و الأصل عدمه، هذا مع الجهل بالتاريخ.

43

و أما لو علم تاريخ الوقف و جهل تاريخ تكون المعدن فأصالة عدم تكونه الى حين الوقف لا أثر له في نفسه، و لا يثبت كونه بعده، فإنه أصل مثبت. و لو علم تاريخ تكونه و جهل تاريخ الوقف فأصالة عدم الوقف قبله جارية، و حيث أنه يستصحب بقاء الأرض في ملك الواقف إلى زمان العلم بالوقف، و المعدن نماء فيها فيحكم بكونه ملكا للواقف، فليتدبر جيدا.

هذا كله مع قطع النظر عن كون المعادن من الأنفال، و أما بالنظر الى ذلك فيمكن المصير إلى أن وقف الأرض المشتملة للمعدن لا يعمّه، و إنما ينعقد بالإضافة إلى سائر قطعاتها فإن ذلك من قبيل وقف مال الغير، و الثابت من دليل إباحة الأنفال هو إباحة التصرف دون غيرها، فيكون مباحا لمن يستخرجه و إن كان في الأرض الموقوفة، بل و إن كان في الأرض المملوكة.

نعم متى أراد الموقوف عليه أو المالك التصرف فيه، و الانتفاع به، كان أحقّ و أولى لسبقه، و لا يجوز لغيره أن يستخرجه، و متى لم يكن كذلك فإباحته للشيعة محكّمة،. لكن ذلك لا يخلو من إشكال، و لا بدّ من التدبّر و التأمّل، هدانا اللّه سبحانه و تعالى إلى حقائق الأمور.

44

(3- الكنوز)

«قال المحقّق‌

الثالث- الكنوز و هو كلّ مال مذخور تحت الأرض، فإذا بلغ عشرين دينارا و كان في أرض دار الحرب، أو دار الإسلام و ليس عليه أثره، وجب الخمس».

أقول: الظاهر أن الموضوع هو ما يطلق عليه الكنز، أو ما يرادفه في سائر اللغات بالإطلاق الشائع المتعارف، و أصله كما في (مفردات الراغب): جعل المال بعضه على بعض، و حفظه. و المتبادر منه هو المدّخر مما له الماليّة كما في قوله تعالى لَوْ لٰا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ (1) و قوله تعالى:

وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا (2) لكن المحقّق الشيخ الكبير في كتابه (كشف الغطاء) قال: «الظاهر تخصيص الحكم بالنقدين، و غيره يتبع حكم اللقطة».

و أنت خبير بعدم مساعدة العرف و اللغة لذلك.

نعم ربما يشهد له ما رواه المفيد (قده) مرسلا قال: «سئل الرضا (عليه السلام) عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس، فقال: ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه، ففيه الخمس، و ما لم يبلغ حدّ ما يجب فيه الزكاة‌

____________

(1) سورة هود- 15.

(2) سورة الكهف- 81.

45

فلا خمس فيه» (1) بتقريب أن ما فيه الزكاة بعينه عبارة عن النقدين، و المراد من الحدّ هو نصابهما، لكن الرواية مرسلة، و إن كان صاحب (الجواهر) يرى انطباقها على صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (2)

هل يختص الكنز بالذهب و الفضة؟

قال النراقي في (المستند) بعد أن حكى عن جماعة عدم الفرق في وجوب الخمس بين أنواع الكنز من ذهب و فضة و جوهر و صفر و نحاس و غيرها، لعموم الأخبار: «و ظاهر الشيخ في (النهاية) و (المبسوط) و (الجمل) و الحلّي في (السرائر) و ابن سعيد في (الجامع) الاختصاص بكنوز الذهب و الفضة، و نسبه بعض من تأخّر إلى ظاهر الأكثر .. و هو الأظهر بمفهوم صحيحة البزنطي، و حمل مثله فيها على الأعم من العين و القيمة، تجوّز لا دليل عليه، و به يخصّص عموم الأخبار، مع أنه قد يتأمل في إطلاق الكنز على غير الذهب و الفضة أيضا».

و يرد عليه:- أولا- لو كان الأمر كما ذكره لزم المصير الى الاختصاص بالدرهم و الدينار، لا مطلق الذهب و الفضة كما ذكره.

و ثانيا- إن احتمال اختصاص الكنز بالذهب و الفضة، مدفوع بأن الكنز في اللغة- كما ذكره الراغب- جعل المال بعضه على بعض و حفظه.

و عن (تاج العروس في شرح القاموس): و تسمى العرب كل شي‌ء مجموع يتنافس فيه كنزا.

____________

(1) الوسائل- باب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

(2) الجواهر ج 16 ص 26.

46

و عن (المصباح المنير): كنزت المال كنزا من باب ضرب: جمعته و ادّخرته.

و عن (صحاح الجوهري): الكنز المال المدفون.

و عن (القاموس) الكنز: المال المدفون تحت الأرض.

و الحاصل: أن الكنز مأخوذ من كنز يكنز، و المعنى هو الادّخار، و في القرآن المجيد «هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ»- لَوْ لٰا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ- وَ كٰانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمٰا- وَ آتَيْنٰاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مٰا إِنَّ مَفٰاتِحَهُ و كون معنى الكنز هو خصوص المكتنز من الذهب و الفضة لا وجه له. نعم، استعماله في الصحيحة في ذلك، و اختصاص حكم الخمس بالمكتنز من ذلك استنادا إلى الصحيحة له وجه، لكنه مبنيّ على أن المراد من المثلية هي المماثلة الشخصية لا النوعية و بحسب المالية.

ثالثا- عموم (كل ما كان ركازا ففيه الخمس) دليل قوي لثبوته في مطلق الكنز، و إن كان من سائر الأشياء. يقال: ركزه يركزه ركزا إذا دفنه، و يشهد له حديث 1 في باب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس. و لو فرض اختصاص لفظ الكنز فعموم قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة:

«كل ما كان ركازا ففيه الخمس» (1) و الركاز ما ثبت في الأرض، سواء كان معدنا أو مدفونا فيها.

مسألة: لو اختص الخمس بالدرهم و الدينار المكتنز البالغ حد الزكاة

استظهارا من سؤال الراوي عن الموضوع الذي يجب فيه الخمس، حيث سأل البزنطي عن الكنز الذي يجب فيه الخمس و أجاب (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- باب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

47

بما يجب في مثله الزكاة، ظاهره عدم الخمس فيما دون النصاب من كنز الذهب و الفضة، و أصرح منه رواية المفيد حيث قال (عليه السلام): «و ما لم يبلغ حد ما يجب فيه الزكاة فلا خمس فيه» لزم من ذلك تخصيص عموم ما دلّ على الخمس في مطلق الكنز بالمكتنز من الذهب و الفضة الغير البالغ حد النصاب، و حينئذ يثبت الخمس في سائر أقسام الكنز من سائر الأموال، و إن كان في ماليّته أقل من النصاب استنادا إلى عموم الخمس في الكنز، و ذلك في غاية الإشكال، إلا أن يقال- بتنقيح المناط- بأنه لمّا كان في الذهب و الفضة ما دون النصاب لا خمس فيه، فبطريق أولى يكون مالا يبلغ في ماليّته ماليّة النصاب، و يكون دونه من سائر الأموال لا خمس فيه، فيخصص إطلاق وجوب الخمس في الكنز، و عموم وجوب الخمس في الغنيمة بذلك.

أقسام الكنز:

الكنز إما أن يوجد في دار الإسلام أو دار الحرب، و على التقديرين:

إمّا أن يكون عليه أثر الإسلام أو لا، و على التقادير إمّا أن يكون في الأرض الموات أو المعمورة، فهذه ثمانية أقسام.

القسم الأول: أن يوجد في دار الإسلام، و عليه أثر الإسلام، و في الأرض الموات:

- فعموم وجوب الخمس ثابت، و إنما الكلام في ملك الواجد فنقول:

أ- إن حصل له العلم بأنه للمسلم فيجري قوله (عجل اللّه تعالى فرجه) في التوقيع: «لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه» و حينئذ إن فرض إمكان التعريف عرّفه حولا، و تؤيده موثقة محمد بن قيس عن أبي‌

48

جعفر (عليه السلام) قال: «قضى عليّ (عليه السلام) في رجل وجد ورقا [1] في خربة أن يعرّفها، فإن وجد من يعرفها و إلا تمتع بها» (2).

و إن لم يمكن التعريف- و لعلّه هو الغالب- فهو من مجهول المالك المتعذر معرفة صاحبه، و يحتمل كونه لقطة لاحتمال أن المالك بعد ادّخاره في الأرض ضيع مكانه. و مقتضى القاعدة أن يتصدّق به عن صاحبه، إلا أن يكون ممّا له القدمة و يكون بحيث قد سقطت عنه إضافة الملكية في نظر العقلاء، كما هو كذلك في الكنوز التي عليها أثر الخلفاء الأمويين أو العباسيين أو السلجوقية أو آل بويه و نحو ذلك، و حينئذ فالتوقيع المقدّس لا يجري لانقطاع إضافة المال لغيره، بل يجري عموم (لليد ما أخذت) و (من حاز ملك).

و ربما يستشكل على ما ذكرناه من التصدق و التعريف بما ورد في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الدار يوجد فيها الورق، فقال: ان كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم، و إن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به» (3) و صحيحة الآخر عن أحدهما في حديث قال: «و سألته عن الورق يوجد في دار، فقال: إن كانت معمورة فهي لأهلها. فإن كانت خربة فأنت أحق بما وجدت» (4).

وجه الإشكال: أن إطلاق الورق يعمّ ما إذا كان كنزا.

و فيه: ان الورق هو الدرهم، فلو أخذ بالصحيحتين كان اللازم‌

____________

[1] الورق: الدراهم المضروبة.

____________

(2) الوسائل- باب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 5.

(3) الوسائل- باب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

(4) الوسائل- باب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

49

تخصيص ما ورد من انحصار التملك بما كان دون الدرهم.

ب- و أما إن لم يحصل له العلم بسبق يد المسلم عليه، فكونه في دار الإسلام، و أن عليه أثر الإسلام، يورث الظن بسبق يده عليه، فيكون أمارة على ذلك و يحكم عليه باللقطة، كما عن (المبسوط)، و ابن البرّاج، و العلّامة، و الفاضل المقداد، و الشهيدين، بل نسب إلى الأشهر و إلى أكثر المتأخرين، و إلى فتوى الأصحاب، لكن الظن لا يغني من الحق شيئا، فإنه لم يثبت حجية هذا الظن حتى على القول بدليل الانسداد، فإن ذلك في الأحكام الكليّة لا في الموضوعات الخارجية، و لا مجرى لهذا الدليل في مثل ما نحن فيه. فعلى هذا يتحكم دليل (من حاز ملك)، مضافا الى الشك في سبق يد محترمة عليه و الأصل عدمه.

و لا يتوهم معارضته بأصالة عدم سبق يد غير محترمة، لعدم الأثر.

و يمكن الاستشهاد لما ذكرناه بما رواه الكليني (1) عن عبد اللّه بن جعفر قال: «كتبت الى الرجل: أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة للأضاحي، فلما ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك؟ فوقّع (عليه السلام): عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها، فالشي‌ء لك رزقك اللّه تعالى إياه».

ثم إنه لا يتوهم التمسك بعموم قوله في التوقيع المبارك عن صاحب الزمان قال: «لا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه» (2) ضرورة كونه مخصصا بمال الحربي، و الشبهة في المقام مصداقية لا يتمسك بالعموم فيها.

____________

(1) و كذا الصدوق، لاحظ: الوسائل- الباب 9 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 1 من كتاب الغصب، الحديث 4.

50

القسم الثاني: أن يوجد في دار الإسلام، و يكون عليه أثر الإسلام، و يكون في المعمورة،

(سواء كانت من الأراضي المفتوحة عنوة، أو مملوكة بالإحياء، أو غير ذلك):

أ- فإن علم بعدم كونه ملكا لصاحب المعمورة فيجري فيه جميع ما تقدم.

ب- و إن احتمل أنه له عرّفه إياه.

ج- و إن احتمل أنه لمالك لها قبله فكذلك.

د- و إن لم يعرفوه تملكه بعد أداء خمسه. و يؤيده روايات الورق المتقدمة.

القسم الثالث: أن يوجد في دار الإسلام، و ليس عليه أثر الإسلام، و يكون في الموات:

فلا إشكال في تملّكه بعد التخميس، لأصالة عدم سبق يد محترمة عليه.

القسم الرابع: أن يوجد كذلك، و يكون في المعمورة:

فيجري فيه ما تقدم ذكره في الثاني.

و أما الأقسام الأربعة التي تتعلق بالكنز في دار الحرب: فقد صرّح جماعة بأنه قطع الأصحاب أنه لواجده. و تكرّر نفي الخلاف في ذلك.

و يدل عليه:

1- شمول دليل الكنز، و الحيازة.

2- أصل عدم سبق يد المسلم عليه إذا لم يكن أثر الإسلام.

3- إذا كان عليه أثر الإسلام فاستصحاب يد المسلم لا ينفع بعد عموم الدليل.

51

4- دليل التصدق بمجهول المالك يخصّص بدليل الكنز.

الكنز في الملك المبتاع

قال المحقق: «‌

و لو وجده في ملك مبتاع عرّفه البائع، فإن عرفه فهو أحقّ به، و إن جهله فهو للمشتري و عليه الخمس».

أقول: كلامه أعم من أثر الإسلام و عدمه. و المبتاع مثال، و إلا فيشمل المتصالح و الموهوب له بل و المستأجر المستعير. ثم إن القاعدة تقضي باليد، و لذا يقبل قوله بلا بينة. و يشير إلى ذلك صحيحتا محمد بن مسلم في دار معمورة فهي لأهلها، و تفصيل القول: أنه إن قلنا بأن اليد أمارة الملكية فالمبتاع يكون عليه حجة بأن الأيادي السابقة كانوا مالكين، و إن قلنا إن دعوى ذي اليد حجة، فالسابقون ليس لهم أيد بالفعل. لكن نقول بالأول بشهادة صحيحتي ابن مسلم حيث قال (ع) في المعمورة لأهلها من دون إناطة بدعواهم، فحينئذ إن لم يحتمل أن الكنز لواحد من الأيادي، فالكنز حكمه ما تقدم، و هو كسائر الكنوز يخمّس، و الباقي للمبتاع.

و إن احتمل أنه للبائع أو من تقدمه ممن يمكن أن يسأل عنه فليراجعهم لمكان سبق يدهم.

و أما موثقة إسحاق بن عمار سأل أبا إبراهيم (عليه السلام) عن:

«رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد نحوا من سبعين درهما مدفونة فلم تزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها، قلت: فإن لم يعرفوها؟ فقال: يتصدّق بها» (1)

____________

(1) الوسائل- باب 5 من كتاب اللقطة، الحديث 3.

52

فحيث ان السبعين درهما قد وجدت في دار بمكة، و هي إمّا لمالك الدار أو لواحد من النازلين فيها المجهولين، صارت من مجهول المالك، و لذلك.

حكم الإمام (عليه السلام) بالتصدّق بها.

و بعبارة أخرى: يعلم أن السبعين درهما لمسلم موجود، هو أو وارثه في عصره، و أين ذلك من الكنز الذي يكون من القدمة بمكان.

ما يوجد في جوف الدابة و السمكة:

قال المحقق‌

«و كذا لو اشترى دابّة و وجد في جوفها شيئا له قيمة و لو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئا أخرج خمسه، و كان له الباقي و لا يعرّف».

أقول: أما الفرع الأول فيدل عليه صحيحة عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: «كتبت الى الرجل أسأله عن رجل اشترى جزورا أو بقرة أو شاة أو غيرها للأضاحي أو غيرها، فلما ذبحها وجد في جوفها صرّة فيها دراهم أو دنانير أو جواهر أو غير ذلك من المنافع لمن يكون ذلك؟ و كيف بعمل به؟ فوقع (ع)، فإن لم يعرفها فالشي‌ء لك رزقك اللّه إيّاه» (1) قلت: المفهوم من الرواية بقرينة تعريف البائع أن المورد ما إذا احتمل أن ما في جوفها له، و بملاحظة يده التي هي دليل ملكه يراجعه، و حينئذ إذا لم يعرفها فإمّا أن يقال: إنه بحكم الكنز بتنقيح المناط، أو مجهول المالك، أو لقطة.

فإن قيل بالأول توجّه الخمس، لكن مع مراعاة نصاب الكنز، كما قطع به الأصحاب على ما في (المدارك) و ادّعى عليه الاتفاق لكن إسراء‌

____________

(1) الوسائل- باب 9 من كتاب اللقطة، الحديث 1.

53

المناط إليه من الكنز مشكل، فإن غايته الظن دون القطع.

و إن قيل بالثاني فاللازم أن يتصدق بما وجد، و ذلك خلاف ما ورد في في الرواية، مضافا إلى لزوم التعريف في مجامع المسلمين دون البائع فقط كما في الرواية، و مضافا إلى أن موضوع مجهول المالك هو المال المحترم (أي مال المسلم المجهول) و ما في جوفها لم يحرز أنه كذلك، و يجري أصل عدم سبق يد محترمة عليه، لا سيما في الجواهر، بل في الدراهم و الدنانير التي ليس عليها سكة الإسلام.

و إن قيل بالثالث فله أن يتملك جميعها لكن اللقطة تعرّف سنة، و الرواية لا تتكفل ذلك، و إنّما حصرت التعريف بالإضافة إلى البائع، مضافا إلى عدم الأمر بالتخميس في الروايات، و الأصحاب قطعوا به، فيمكن أن يقال: إن الموجود في جوف الدابة ليس شيئا من ذلك كله، و إنما هو مما حازه فملكه. و الشك في كونه لمسلم محترم منفي بالأصل، و إنما التخميس من أجل اندراجه في الغنيمة و الفائدة [1] و حينئذ إن قلنا بإطلاق ما ورد من أن الخمس بعد مؤنة السنة فتراعى، و يكون خمس ما في جوفها بعدها، و إلا فبمقتضى عموم الخمس في الغنيمة لا بدّ من تخميسها فعلا. و قوله (عليه السلام): (رزقك اللّه إيّاه) لا ينافي ذلك، فإنه بمثابة أنه قد اغتنمت ذلك بفضله سبحانه و تعالى.

و على كل حال لا مجال لاعتبار النصاب أصلا.

____________

[1] و عن ابن إدريس التصريح بذلك في كلام مفصل له حيث قال: «و إن لم يعرفه- أي البائع- أخرج منه الخمس بعد مؤنة طول سنته، لأنه من جملة الغنائم و الفوائد».

54

و أما الفرع الثاني فيدل عليه:

1- ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام): «ان رجلا عابدا من بني إسرائيل كان محارفا الى أن قال-: فأخذ غزلا فاشترى به سمكة.

فوجد في بطنها لؤلؤة، فباعها بعشرين ألف درهم، فجاء سائل فدقّ الباب، فقال له الرجل: ادخل، فقال له: خذ أحد الكيسين، فأخذ أحدهما و انطلق، فلم يكن أسرع من أن دقّ السائل الباب فقال له الرجل: ادخل، فدخل فوضع الكيس مكانه، ثم قال: كل هنيئا مريئا. إنما أنا ملك من ملائكة ربك أراد ربك أن يبلوك، فوجدك عبدا شاكرا، ثم ذهب» (1) 2- ما رواه حفص بن غياث عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان في بني إسرائيل رجل و كان محتاجا فألحّت عليه امرأته في طلب الرزق فابتهل الى اللّه في الرزق، فرأى في النوم: أيما أحب إليك؟ درهمان من حلّ أو ألفان من حرام؟ فقال: درهمان من حل، فقال: تحت رأسك، فانتبه فرأى الدرهمين تحت رأسه، فأخذهما و اشترى بدرهم سمكة و أقبل الى منزله، فلما رأته امرأته أقبلت عليه كاللائمة و أقسمت ان لا تمسّها، فقام الرجل إليها فلما شقّ بطنها إذا بدرّتين فباعهما بأربعين ألف درهم» (2) 3- ما رواه في (أمالي الصدوق) عن علي بن الحسين (عليه السلام) من أن رجلا شكا إليه الحاجة فدفع اليه قرصتين، قال له: خذهما فليس عندنا غيرهما فإن اللّه يكشف بهما عنك- الى أن قال: «فلما شقّ بطن السمكة وجد فيها لؤلؤتين فاخرتين فباع اللؤلؤتين بمال عظيم، فقضى‌

____________

(1) الوسائل- باب 10 من كتاب اللقطة، الحديث 1.

(2) الوسائل- باب 10 من كتاب اللقطة، الحديث 2.