فقه الإمام الصادق عليه السلام - ج5

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
323 /
3

الجزء الخامس

[كتاب] الغصب

معناه:

أطال الفقهاء الكلام في تعريف الغصب، و حاول الكثيرون ضبطه طردا و عكسا، و قدمنا أكثر من مرة أن التعاريف الفقهية إن هي إلّا رسوم و إشارات إلى الشي‌ء ببعض خواصه و آثاره، و مهما يكن، فإن الذي نراه أن معنى الغصب واحد لغة و عرفا و شرعا، و هو الاستيلاء على مال الغير دون اذن المالك، سواء أ كان المال عينا كمن استولى على دارك بنية تملكها بالذات، أو كان المال منفعة كمن استولى عليها بنية أن يغتصب السكنى دونها. و السرقة نوع من الغصب، و ان كان أشد من السلب جهرا، و لذا أوجبت الحد على السارق دون السالب جهرا و عيانا.

و تسأل: ان أخذ الاستيلاء في معنى الغصب يستدعي أن الظالم الذي يمنع المالك عن حفظ ماله، و التصرف فيه دون أن يستولي عليه، أن لا يكون غاصبا، و بالتالي أن لا يكون ضامنا. فالذي منع غيره من إمساك دابته، حتى هلكت- مثلا- ينبغي أن لا يضمنها للمالك، حيث لم يضع يده عليها من قريب أو بعيد؟

الجواب: ليس من الضروري إذا لم يكن هذا غاصبا ان لا يكون ضامنا، فإن أسباب الضمان لا تنحصر بالغصب، بل ان الفقهاء اهتموا ببيان أسباب الضمان أي اهتمام، و اعتبروا الغصب من مصاديق هذه الأسباب و إفرادها، و يتضح ذلك مما سنعرضه فيما يأتي:

و قد أجمع الفقهاء على أن الغصب كما يتحقق في الأشياء المنقولة أيضا يتحقق في الثوابت، كالأرض و الدر و البستان خلافا لبعض أئمة المذاهب، حيث‌

4

نفى إمكان الغصب بالنسبة للعقار، لعدم إمكان ثبوت اليد عليه.

تحريم الغصب:

شدد الإسلام كثيرا في تحريم التعدي على أموال الناس، و اعتبره بمنزلة التعدي على الدماء و الاعراض، و أوجب الفقهاء التحفظ فيها و الاحتياط و حرموا التصرف بالمال إلّا مع العلم بالإذن الشرعي، لقول الإمام (عليه السّلام): لا يحل مال إلّا من حيث أحله اللّه. و قد تضافرت نصوص الكتاب و السنة على ذلك.

قال تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (1).

و قال تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (2).

و قال الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ان دماءكم و أموالكم عليكم حرام. لا يحل دم امرئ مسلم، و لا ماله إلّا عن طيب نفس.

و قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام): الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها.

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من خان جاره شبرا من الأرض جعله اللّه طوقا في عنقه من تخوم الأرض السابعة، حتى يلقى اللّه يوم القيامة مطوقا إلّا أن يتوب و يرجع. إلى غير ذلك.

أسباب الضمان:

يحرم على الغاصب التصرف في الشي‌ء المغصوب، و يجب عليه رده بالذات، ان كانت عينه قائمة، ورد بدله، ان تلف، و لو بآفة سماوية. و بمناسبة‌

____________

(1) البقرة: 188.

(2) المطففين: 1.

5

ضمان الغاصب تكلم الفقهاء في باب الغصب عن موجبات الضمان من حيث هي، و بصرف النظر عن الغصب، و حصروها في ثلاثة: مباشرة الإتلاف، و التسبيب، و اليد. و ربما يظن أن هناك أسباب غيرها:

«منها»: الضرر، كمن فتح قفصا، و فوّت الطائر الذي فيه على صاحبه.

و «منها»: قاعدة الغرر، كمن باع مال غيره بعنوان أنّه المالك، و تصرف المشتري بنية صحة البيع، ثم تبين غش البائع و تدليسه.

و «منها»: احترام مال المسلم الذي دل عليه حديث: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه».

و «منها»: ضمان المقبوض بالسوم، و هو أن تأخذ الشي‌ء تنظره، لتشتريه، فيتلف في يدك قبل أن يتم الشراء.

و «منها»: المقبوض بعقد فاسد، فالمثمن الذي يقبضه المشتري بهذا العقد مضمون عليه للبائع، و الثمن الذي يقبضه البائع مضمون عليه للمشتري.

و «منها»: عارية الذهب و الفضة، و عارية غيرهما مع شرط الضمان حيث يضمنها المستعير، حتى مع عدم التعدي و التفريط.

ربما يظن للوهلة الاولى أن هذه غير الأسباب الثلاثة التي ذكرها الفقهاء، ولدي التأمل يتبين أن بعضها أجنبي عن الضمان و أسبابه، فإن قاعدتي الضرر و الاحترام تدلان على حرمة التصرف في مال الغير إلّا بإذنه. و بديهة أن حرمة التصرف شي‌ء، و الضمان شي‌ء آخر. بخاصة لا ضرر. فإنها تنفي الأحكام الضررية في الإسلام، أما ثبوت الضمان أو نفيه فهي أجنبية عنه.

و بعض هذه القواعد يدل على الضمان، و لكنها لا تعدو الأسباب الثلاثة التي ذكرها الفقهاء، فالعارية و المقبوض بالعقد الفاسد و بالسوم من مصاديق‌

6

الضمان باليد، و الغرر يدخل في ضمان التسبيب. و بالإيجاز أن هذه القواعد امّا لا دلالة فيها على الضمان، و امّا ينطبق عليها أحد الأسباب الثلاثة التي نتكلم عن كل منها في فقرة مستقلة.

الضمان بالمباشرة:

السبب الأول للضمان أن يباشر إتلاف المال بنفسه، مثل أن يقطع شجرة غيره، أو يكسر إناءه، أو يحرق كتابه أو ثوبه، و ما إلى ذلك. و لا فرق في وجوب الضمان بين أن يكون المتلف قاصدا، أو غير قاصد، و لا بين أن يكون بالغا عاقلا، أو غير بالغ و عاقل، لأن الخطابات الوضعية تشمل الجميع، فمن رمى صيدا بسهم فأصاب حيوانا مملوكا، خطأ، و من غير قصد، أو كان نائما فانقلب على إناء غيره فكسره فعليه الضمان. و كذا المجنون و الطفل إذا أتلفا مال انسان فعلى الولي أن يدفع له البدل ان كان لهما مال، و إلّا انتظر المالك الميسرة. و الفرق بين البالغ العاقل القاصد و بين غيره أن الأول إذا أتلف يأثم و يغرم، و الثاني يغرم و لا يأثم و بهذا يتبين أن المتلف الضامن قد يكون غاصبا آثما، كالعاقل المتعمد، و قد يكون غير آثم، كالمخطئ و القاصر.

الضمان بالتسبيب:

الثاني من أسباب الضمان التسبيب، و هو أن يأتي الإنسان بفعل يوجب التلف، و لو بضميمة فعل آخر معه، كالحفر الذي يحصل به الهلاك مع المرور، بحيث لو لا الحفر لمضي المار بسلام. و موارد التسبيب كثيرة لا يبلغها الإحصاء، منها أن يحفر حفره في غير ملكه فيسقط فيها إنسان أو حيوان، أو يضع في‌

7

الطريق المعاثر و المزالق، كقشر البطيخ و الموز، أو يغرس فيها المسامير، فتتضرر المارة بأنفسها و أموالها، أو ينصب شبحا فتنفر الدابة براكبها، أو حمولتها، أو يلقي صبيا أو حيوانا في مكان الحشرات المؤذية و الحيوانات المفترسة فتقتله، أو يفك مربط الدابة أو قيدها فتشرد، أو يفتح القفص على طائر فيذهب، أو يفك وكاء ظرف فيه زيت و نحوه فيسيل ما فيه. كل ذلك، و ما إليه يشمله ضمان التسبيب، و يوجب على الفاعل المسبب أن يدفع للمالك بدل التالف من المثل و القيمة. و في ذلك روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السّلام).

قال الإمام الصادق (عليه السّلام): كل شي‌ء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه.

و قال زرارة: سالته عن رجل حفر بئرا في غير ملكه، فمر عليها رجل، فوقع فيها؟

فقال: عليه الضمان. قال صاحب الجواهر: «إلى غير ذلك من النصوص التي منها المعتبرة المستفيضة».

تعدى النار إلى ملك الجار:

اتفقوا بشهادة صاحب المسالك على أن من أرسل في ملكه ماء، أو أجج نارا لمصلحته فتعدى الماء أو النار إلى ملك غيره فأفسده و أضر به، اتفقوا على أن الفاعل لا يضمن شيئا مما يهلك و يفسد بشرطين: الأول أن لا يزيد على مقدار حاجته من الماء و النار. الثاني أن لا يظن أن عمله مضر بغيره، لأنه، و الحال هذي، يكون مأذونا شرعا بالتصرف، و حديث «الناس مسلطون على أموالهم» لا يمنع من العمل به مانع. فإذا اجتمع الشرطان، ثم اتفق أن تضرر الغير فلا يضمن‌

8

الفاعل، تماما كما إذا حفر بئرا في ملكه بعيدا عن الطريق العامة، ثم شرد حيوان فسقط فيها.

و إذا فقد الشرطان معا كما إذا أجج نارا أكثر من حاجته، و كان الهواء شديدا عاصفا، حيث يظن بتعدي النار عن ملكه، إذا كان كذلك فإنه يضمن بالاتفاق، لمكان التعدي و التفريط. و إذا فقد أحد الشرطين دون الآخر، كما إذا تجاوز عن مقدار الحاجة، و لم يظن الإضرار بالغير، أو اقتصر على مقدار الحاجة، و لكنه ظن الإضرار بغيره فللفقهاء قولان: أصحهما الضمان، لأنه قد أوجد عملا لولاه لما حدث التلف. هذا، إلى أن الخطابات الشرعية الوضعية- و منها الضمان- لا تقيد بعلم و لا جهل، و لا عمد، و لا خطأ. أما الاذن الشرعي بالتصرف فإنه لا يتنافى مع الحكم الوضعي. و أي مانع أن يقول الشارع: أنت مسلط على مالك، فافعل به ما شئت، و لكن إذا تضرر غيرك من تصرفك فيه فعليك الضمان؟

من يمنع المالك عن ملكه:

إذا لم يستول الظالم على العين، و لكن منع المالك من التصرف فيها، و المحافظة عليها كأن يمنعه عن إمساك دابته المرسلة فتهلك، أو عن أخذ محفظته فتسرق، أو عن سكنى داره فتهدم، إذا كان كذلك فهل يكون الظالم آثم و ضامنا، أو يكون آثما فقط غير ضامن؟

ذهب المشهور بشهادة صاحب المسالك إلى أن الظالم يأثم، لا يغرم، لان يده لم تثبت على العين، فلا يكون غاضبا.

و يلاحظ بأن الضمان لا ينحصر سببه بالغضب، بل يكفي في ثبوته أن يكون لعمل الغاصب نوع من التأثير في الهلاك، بحيث لولاه لسلمت العين.

9

نقصان القيمة السوقية:

إذا منعه الظالم من بيع سلعته، فنقصت قيمتها السوقية دون أن يتغير شي‌ء من صفاتها يأثم و لا يغرم، لأنه لم يفوت عليه العين، و لا شي‌ء من صفاتها، و انما فوّت عليه الربح و الاكتساب، و عدم الربح من الصفات السلبية التي يشملها الضمان. أجل، ان العرف يرى الظالم- هنا- سببا للتفويت، و لكن ليس كل ما هو سبب عرفا فهو موجب للضمان شرعا، لأن لفظ السبب لم يرد في النص، كي يكون المرجع في معرفته العرف، على أن العرف غير منضبط في معرفة السبب.

الرجوع عن الشهادة:

إذا شهد اثنان بأن زيدا مدين لغيره بمال، و بعد أن حكم الحاكم بالدين اعتمادا على شهادتهما رجعا عن الشهادة، و أكذبا أنفسهما، فيغرمان للمشهود عليه عوض ما يدفعه للمشهود له. و كذا لو شهدا بالطلاق، و حكم به الحاكم، ثم رجعا عن الشهادة، فإنهما يغرمان المهر للزوج.

اجتماع السبب و المباشرة:

قدمنا أن كلا من المباشرة و التسبيب من موجبات الضمان، فإن انفرد أحدهما عن الآخر أثر أثره، و ان اجتمعا معا ينظر: فإن كان المباشر أقوى فعليه الضمان، و مثاله أن يحفر شخص حفرة على الطريق، أو في ملك غيره، فيأتي آخر، فيدفع إنسانا أو حيوانا فيهلك، و الضمان- هنا- يثبت على الدافع لا الحافر، تماما كما لو دفعه في الماء فغرق، أو عن علو فهلك. و ان كان المسبب أقوى فالضمان عليه، لا على المباشر، و ذكر الفقهاء لذلك مثالين‌

10

الأول: التغرير، كمن يسرق أموال الناس، و يتصدق بها بعنوان أنّها له و منه، ثم يتصرف فيها الآخذ في مصلحته معتقدا حلها و تملكها من المعطي، و هنا يضمن المسبب دون المباشر الذي لم يتصرف لو لا الغرر و التسبيب. لكن يجوز للمالك أن يغرّم من شاء منهما، بالنظر إلى أن الغاصب قد استولى على المال، و ان الآخذ قد أتلفه، فإن رجع المالك على الغاصب لم يرجع الغاصب على الآخذ، و ان رجع المالك على الآخذ رجع هذا على الغاصب، لأن المغرور يرجع على من غره. و من القواعد الفقهية أن الضمان يستقر في النهاية على من تلف المال في يده إلّا إذا كان صاحب اليد مغررا به.

الثاني: الإكراه على إتلاف المال، فمن أكره إنسانا على إتلاف مال فالضمان على المكره دون المباشر، لأن المباشر- هنا- أضعف من المسبب. و لو أكرهه على قتل نفس محترمة فلا يجوز له قتلها، فإن فعل قتل، و حبس المسبب مؤبدا، و السر- كم أظن- أن للمال بدلا، و النفس لا بدل لها. و التفصيل في باب الشهادات.

و قد يجتمع سببان على شي‌ء واحد، كما لو حفر شخص حفره في غير ملكه، و وضع آخر حجرا بالقرب منها، فيعثر بالحجر إنسان، أو حيوان، و يقع في الحفرة فيهلك. قال الشهيد الثاني في المسالك: «ان اتفق وجود الحفرة و وضع الحجر في آن واحد فيتجه الضمان على الاثنين: الحافر و واضع الحجر، للتساوي و عدم الترجيح: و ان تأخر وجود أحدهما عن الآخر فالضمان على الأول، لأنه سبب السبب».

11

مسائل:

1- شخص فتح بابا على مال الغير فأخذه السارق

، فالمسبب هو الفاتح، و السارق هو المباشر، و عليه الضمان، لأنه أقوى من المسبب، و لا شي‌ء على الفاتح سوى الإثم.

2- شخص وشى إلى ظالم بآخر، فسلبه ماله

، فالواشي مسبب، و السالب مباشر، و عليه الضمان، لأنه أقوى من الواشي الذي باء بغضب اللّه و عذابه.

3- شخص أمسك بآخر، فقتله ثالث

، فيقتل القاتل، لأنه أقوى من الماسك، و يحبس هذا مؤبدا. و التفصيل في باب القصاص ان شاء اللّه تعالى.

الضمان باليد:

السبب الثالث من أسباب الضمان اليد، فكل من استولى على مال الغير بلا اذن منه استيلاء يمكنه من التحكم فيه، و لو آنا ما فقد دخل في عهدته، و أصبح مسؤولا عنه، و عليه إرجاعه لمالكه مع بقاء عينه، و إرجاع عوضه مع تلفه، سواء تعمد الاستيلاء كالسارق، أو لم يتعمد كمن اشتبهت عليه محفظته بمحفظة غيره فأخذها خطأ، و سواء أتلف المال تحت يده بسبب منه، أو بآفة سماوية، فيده في جميع ذلك يد ضمان إلّا ما خرج بالدليل، لعموم: على اليد ما أخذت، حتى تؤدي خرج منه يد الولي و الوصي و الوكيل و الوديع و المستعير و المستأجر بدليل خاص، فبقي ما عدا ذلك مشمولا لضمان اليد.

و على هذا، فإن الضمان باليد لا يختص بالغاصب وحده، بل يشمل و يعم وضع اليد على الشي‌ء خطأ و اشتباها بين ملكه و ملك الغير، و على ما يؤخذ من الغاصب باعتقاد أنّه المالك، و على المقبوض بالسوم و بالعقد الفاسد اللذين أشرنا‌

12

إليهما في فقرة «أسباب الضمان» من هذا الفصل، و عقدنا للأخير فصلا مستقلا في الجزء الثالث بعنوان «المقبوض بالعقد الفاسد».

و قال الفقهاء: ان من وضع اليد الموجب للضمان الركوب على دابة الغير، و ان لم تنتقل به، و الجلوس على فراشه عدوانا. قال صاحب المسالك: «لا إشكال في تحقق الغصب مع الجلوس على البساط، و ركوب الدابة، سواء أقصده أولا، و سواء أ كان المالك حاضرا و أزعجه أو لا، لتحقق الاستيلاء عليه».

منافع الحر:

قال أكثر الفقهاء: ان من حبس إنسانا حرا ظلما و عدوانا يأثم، و لكنه لا يضمن شيئا من منافعه، إذ ليس شأن الإنسان كشأن الأموال التي تدخل تحت اليد.

و بكلمة إن الآدمي مضمون بالإتلاف، لا بالغصب. أجل، من يستخدم إنسانا قهرا عنه فعليه أجرة المثل، لأن عمل الإنسان محترم كدمه و أمواله.

و إذا هلك المحبوس، أو تضرر، و هو في الحبس ينظر: فان كان الضرر بسبب الحابس يأثم و يغرم، و ان كان بسبب آخر يأثم، و لا يغرم. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف محقق أجده فيه، بمعنى أنّه ليس كغصب الأموال الموجب للضمان، حتى و لو مات الإنسان حتف أنفه، ضرورة عدم كونه مالا، حتى يتحقق فيه الضمان- ثم قال- و الظاهر عدم الفرق بين الإنسان الكبير و الصغير، و المجنون و العاقل».

و لكن صاحب مفتاح الكرامة نقل في باب الغصب عن المقدس الأردبيلي، و أستاذه السيد بحر العلوم أنهما قويا الضمان، قالا: «من حبس صانعا- أي صاحب صنعة- و لم ينتفع به فعليه ضمان عمله، لأن في عدم الضمان ضررا‌

13

عظيما، فإنه يموت هو و عياله جوعا، مع كون الحابس ظالما معتديا، وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا، و القصاص، و نحو ذلك».

و وافقهما على ذلك صاحب الرياض، فقد نقل عنه صاحب الجواهر الميل إلى ذلك.

و نحن في النتيجة على هذا الرأي، و نرى أن من يحبس عاملا منتجا، و يصده عن عمله فعليه ضمان منفعته. أمّا من يحبس كسولا بطالا يستهلك و لا ينتج فلا شي‌ء عليه سوى الإثم.

و من غصب حيوانا فعليه ضمانه و ضمان منافعه، و ان لم يستوف منها شيئا، تماما كما لو غصب دارا، و لم يسكنها فإنه يضمن بدل المنفعة مدة الغصب، فإن المنفعة مال تدخل تحت اليد على وجه الضمان.

تداول الأيدي:

في الجزء الثالث فصل «الرد و أحكامه» تكلمنا مفصلا عما إذا تداول المغصوب أيد عديدة، و عن حكم المالك مع أصحاب الأيدي، ثم عن حكم بعضهم مع بعض، و لا شي‌ء لدينا نزيده على ما سبق.

رد المغصوب:

يحرم على الغاصب التصرف في المغصوب، بل يحرم عليه إبقاؤه عنده، و ان لم يتصرف، و يجب رده فورا إلى صاحبه، و عليه مؤنة الرد مهما بلغت، بل يجبر عليه، و ان استلزم الرد التضرر بالغاصب، لأنه هو الذي أدخله على نفسه، و أقدم عليه بسوء اختياره، فإذا غصب حجرا، و بنى عليه يهدم البناء إذا توقف رد‌

14

الحجر على الهدم، و يستخرج اللوح المغصوب من السفينة، و ان أدى إلى تلفها إلّا أن يستلزم إخراجه هلاك نفس، أو مال لغير الغاصب، لأن الرد إلى المالك واجب على الفور، و ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب.

و إذا غيّر الغاصب الشي‌ء المغصوب عن صفته، كالحنطة يطحنها، و الدقيق يعجنه، و الثوب يفصّله لم يملكه الغاصب بهذا التصرف، و عليه رده مع الأرش ان نقصت قيمة المغصوب، و ان زادت فلا شي‌ء للغاصب، إذ لا حرمة لعمله.

و إذا غصب بيضة فصارت فرخا فالفرخ لصاحب البيضة، لا للغاصب، و إذا غصب فحلا، فأنزاه على أنثى فأولدها فالولد لصاحب الأنثى، و ان كان الغاصب صاحبها، و عليه أجرة المثل لصاحب الفحل، قال صاحب الجواهر: «يمكن تحصيل القطع من السيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار على تبعية الولد للأنثى في غير الإنسان من غير فرق بين الغاصب و غيره».

و بعضهم ذكر وجه الفرق بين النطفة، و بين البيضة بأن نطفة الفحل من حيث هي لا قيمة لها، و ليست مملوكة بخلاف البيضة.

و حكم الحب و البيضة واحد، فإذا غصب حبا فزرعه فالزرع لصاحب الحب، لأن الملك يتعلق بالعين من حيث هي بصرف النظر عن الشكل و الصورة. هذا، بالإضافة إلى استصحاب بقاء الملك.

و إذا حدث في المغصوب عيب، كالحب يصيبه السوس و العفونة، و الثوب يصير خلقا، و المصاغ يصنع سبيكة، و الحيوان يهزل أو يمرض، أو يفقد عضوا من أعضائه، و الشجرة تذبل أو تقطع بعض فروعها، و الدار تهدم أو تتصدع- كل ذلك، و ما إليه لا يمنع من الرد، بل يجب على الغاصب أن يرد المغصوب على عيبه المتجدد عنده مع الأرش، و يدفع للمالك التفاوت بين قيمة المغصوب حين‌

15

الغصب، و قيمته حين الرد، سواء أحدث العيب و النقصان بسبب الغاصب، أو بسبب آخر.

و إذا تلفت العين المغصوبة رد الغاصب بدلها إلى المالك من المثل أو القيمة، حتى و لو كان التلف بآفة سماوية.

ضياع المغصوب:

إذا ضاعت العين المغصوبة، أو سرقت من الغاصب، و تعذر عليه ردها إلى المالك عند طلبه لها، فما ذا يصنع؟

الجواب: يفاوض المالك على التعويض و شراء العين منه، فإن اتفقا تنتقل العين إلى ملك الغاصب و ينتهي كل شي‌ء، و إلّا وجب على الغاصب ان يدفع بدلها للمالك مثلا أو قيمة. و لكن ان وجدت العين بعد ذلك، و قدر عليها الغاصب فعليه أن يردها إلى المالك، و على المالك أن يرد البدل على الغاصب.

و في جميع الحالات يجب على الغاصب أن يدفع أيضا للمالك أجرة العين المغصوبة من حين الغصب إلى حين البدل، ان كان لها أجرة بحسب المعتاد. قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك، لما تقدم من ضمان كل ما فات في يد الغاصب، و لو بآفة سماوية، لأن المنافع أموال، فتضمن كالأعيان».

16

منافع المغصوب:

المنافع المباحة كلها للمالك، لأنها نماء ملكه، و أيضا كلها مضمونة على الغاصب، لأن يده يد ضمان، فعليه أن يغرم ما يفوت بسببها، سواء أ كانت المنفعة عينا كاللبن و الشعر و الصوف و الثمر و الولد، أو غيرها كالسكن و اللباس و الركوب، و سواء استوفاها الغاصب، أو لم يستوف منها شيئا، بل ذهبت المنفعة سدى. قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك، بل و على عدم الفرق في المنافع بين الفوات و التفويت». و المراد بالفوات ذهاب المنافع من غير استيفاء، و بالتفويت استيفاؤها.

و إذا غصب حيوانا هزيلا فعلفه، حتى سمن، ثم هزل، و عاد إلى ما كان فعلى الغاصب ضمانه سمينا، تماما كما لو غصبه سمينا فهزل عنده. و كذلك إذا غصب شجرة ذابلة، فسقاها، و بذل الجهود حتى نمت و أينعت، ثم عادت إلى ما كانت عليه حين الغصب فإنه يضمنها نامية يانعة، لأن الصفات تتبع العين، سواء أحدثت عند المالك أو الغاصب و ما يفوت منها في يد الغاصب فعليه ضمانه.

و إذا غصب أرضا فزرعها، أو غرسها أو بنى فيها، فالزرع و الغرس و نماؤهما للغاصب، ان كان البذر و الغرس و مواد البناء منه، و عليه أجرة المثل لصاحب الأرض، و ازالة كل ما يحدث في الأرض بسبب الزرع و الغرس و البناء.

و إذا طلب المالك من الغاصب أن يبيعه الزرع أو الغرس فلا يجبر الغاصب على القبول. فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل زرع أرض رجل بغير اذنه، حتى إذا بلغ الزرع جاء صاحب الأرض فقال: زرعت أرضي بغير اذني، فزرعك لي، و علي ما أنفقت، إله ذلك أم لا؟ فقال الإمام (عليه السّلام): للزارع زرعه، و لصاحب الأرض كراء أرضه.

17

و تجدر الإشارة إلى أن للمالك أن يجبر الغاصب على ازالة الزرع قبل أن ينضج- و ان تضرر ضررا جسيما- لأنه هو الذي سبب الإضرار لنفسه. هذا، بالإضافة إلى أجرة المثل مدّة بقاء الزرع في الأرض كما أشرنا.

و إذا حفر الغاصب في الأرض بئرا، و حين استرجع المالك الأرض أراد الغاصب أن يطم البئر، و يرجع الأرض كما كانت، فهل للمالك منعه من ذلك، و إبقاء البئر من غير طم؟

الجواب: أجل، له ذلك، لأن الطم يستلزم التصرف في ملك الغير، و لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره إلّا بإذنه. أجل، إذا تضرر انسان بسبب البئر، و الحال هذي، فلا مسؤولية على الغاصب.

و قال صاحب الجواهر: للمالك أن يمنعه من طم البئر، و مع ذلك يبقى الضمان على الغاصب إذا حدث شي‌ء بسببها، لأن الحفر كان عدوانا من الغاصب، و العدوان سبب الضمان.

و يلاحظ بأن العدوان قد ارتفع برضا المالك بالبقاء، و عليه ترتفع المسؤولية عن الغاصب، تماما كما لو كان المالك هو الذي حفر البئر. و على آية حال، فإني لا أتعقل الجمع بين منع الغاصب من الطمّ تحفظا من درك الضمان، و بين بقاء الضمان.

المثلي و القيمي:

يجب أولا، و قبل كل شي‌ء رد المغصوب بالذات، فان تعذر لهلاك أو ضياع فيجب رد المثل، فان لم يكن له مثل إطلاقا، أو كان و لكنه انقطع، و لم يوجد عند الوفاء فيجب رد القيمة، فالعين أولا مع الإمكان، و إلّا فالمثل مع‌

18

الإمكان أيضا، و إلّا فالقيمة. و هذا الترتيب واجب بالاتفاق. أما وجوب رد العين إلى صاحبها مع الإمكان فلأنه صاحبها، فالقضية قياسها معها، و أما وجوب رد المثل مع عدم إمكان العين فلأن المثل مساو للعين في الجنس و الصفات و المالية فيكون أعدل و أبعد عن الضرر، و الى هذا يومئ قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (1). و قوله سبحانه وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا (2) و قوله عزّ و جلّ وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ (3).

و أما وجوب القيمة مع إمكان المثل فلأنه السبيل الوحيد لتفريغ الذمة و الخلاص من المسؤولية. بقي إن نعرف ما هو المثلي و القيمي؟

المثلي ما تساوت أجزاؤه في الجنس و الصفات و الآثار و الثمن، بحيث إذا اختلطت الاجزاء لا يمكن التمييز بينها، كالحبوب و النقود من صنف واحد.

و القيمي ما عدا ذلك: كالأرض و الشجر و الدار و الحيوان و نحوه مما لا نظير له من كل الوجوه. قال صاحب الجواهر: «المراد بالمثلي في كلام الفقهاء هو الذي له مثل، بمعنى أنّه مساو له في جميع ماله مدخلية في ماليته من صفاته الذاتية لا العرضية. و ما عداه قيمي».

و تجدر الإشارة إلى أنّه مع وجود المثل يجب على الغاصب إرجاعه بالغا ما بلغ الثمن، و لو زاد أضعافا عما كان عليه يوم الغصب، كما أن على المالك أن يقبل المثل و لا يحق له المطالبة بالقيمة، و لو نزل ثمنه أضعافا.

و إذا تعذر المثل بعد أن كان موجودا حين الغصب و حين تلف المغصوب،

____________

(1) البقرة: 194.

(2) الشورى: 39.

(3) النحل: 126.

19

و لكنه انقطع، و لم يقدر عليه الغاصب حين طالب به المالك، إذا كان كذلك سقط المثل عن الغاصب و وجبت القيمة لقبح التكليف بما لا يطاق، و لأنه جمع بين الحقين. و هل تعتبر القيمة التي يقدر بها المثل يوم الغصب، أو يوم تلف المغصوب، أو يوم الإقباض و الأداء، أو أعلى القيم؟

اتفقوا بشهادة صاحب الجواهر على أنّه يدفع قيمة المثل السوقية حين الإقباض و الأداء، لأن الثابت في الذمة هو المثل فتعتبر القيمة ساعة الوفاء و عملية تفريغ الذمة، تماما كما لو استدان مثليا، ثم فقد المثل فإنه يدفع قيمته عند الأداء.

و إذا سقط المثل عن المالية من الأساس بعد أن كان من الأموال حين الغصب فليس للغاصب أن يلزم المالك بأخذ المثل، بل للمالك أن يلزمه بدفع القيمة، تماما كما لو تعذر وجوده، و لكن يدفع القيمة يوم سقوطه عن المالية، لا يوم الإقباض و الوفاء، لأن الذمة تشتغل بالقيمة يوم السقوط، كما هو الشأن في التلف.

هذا، إذا كان المغصوب مثليا، أمّا إذا كان قيميا كالحيوان و نحوه فعلى الغاصب أن يدفع قيمة المغصوب يوم تلفه لا قبله و لا بعده، و ان طال الأمد، لأن يوم التلف هو الوقت الذي تشتغل فيه الذمة بالقيمة. قال صاحب الجواهر:

«الأقوى وجوب القيمة حين التلف وفاقا للفاضل و الشهيد و السبوري و الكركي و الأردبيلي، بل هو المحكي عن القاضي، بل في الدروس و الروضة نسبته إلى الأكثر، و ذلك لأنه وقت الانتقال إلى القيمة، و إلّا فقبله مكلف برد العين من غير ضمان للنقص السوقي إجماعا».

و قال جماعة من الفقهاء: يدفع الغاصب أعلى القيم من حين الغصب إلى حين الدفع عقابا على عدوانه.

20

و يلاحظ بأن هذا مجرد استحسان، لأن اللّه هو الذي يشدد العقاب على المجرمين غدا، لا الإنسان.

هذا بالإضافة إلى أن الفقهاء أجمعوا كلمة واحدة أن القيمة السوقية لا تضمن مع وجود العين مهما زادت، و الإجماع على ذلك إجماع على عدم ضمان أغلى القيم من حين الغصب، حيث تكون عين المغصوب قائمة. و إذا وجد المغصوب بعد ما فقد، و أخذ المالك عوضه من الغاصب يرجع المغصوب للمالك، و عوضه للغاصب.

مسائل:

1- إذا غصب وقفا على جهة عامة

، كالمسجد و المقبرة و الطريق يجب عليه أن يرفع يده عنه. و لكن إذا تلف تحت يده فلا ضمان عليه، و كذا لو استعمله و استوفى منفعته، لأن الوقف العام لا مالك له حقيقة غير الحق العام، و عقوبة هذا الحق معنوية لا مادية، أمّا لو كان الوقف على جهة خاصة كالفقراء و المساجد و المصحّات، و ما إليها يكون حكمه حكم الملك الخاص، يضمن العين و المنفعة.

2- إذا مزج المغصوب بما يمكن فصله عنه

، كالحنطة يغصبها ثم يمزجها بالشعير فعلى الغاصب أن يفرز الحنطة و يعزلها عن الشعير و يردها على المالك، و لو استدعى ذلك بذل المال الكثير، لأنه هو الذي أقدم على ذلك مختارا، و إذا مزجه بما لا يمكن فرزه و عزله عنه، كالزيت يخلطه بمثله أو بمائع له قيمة فهما شريكان في المجموع، فإن كان المغصوب و المخلوط به متساويين قيمة فلكل من المجموع بنسبة ماله على أساس الكم و العدد، و ان اختلفا قيمة فلكل بنسبة‌

21

ماله على أساس الكيف و الصفات.

3- إذا كان الشي‌ء المغصوب يساوي عشر ليرات في البلد الذي حصل فيه الغصب

، ثم سافر به الغاصب إلى بلد آخر يساوي المغصوب فيه عشرين ليرة، و تلف في هذا البلد، لا في بلد الغصب، فهل للمالك عشرا أو عشرون؟

الجواب: يدفع العشرين، لأن بلد التلف و زمانه اللذين اشتغلت الذمة فيه.

4- من كسر اداة غير محترمة، كآلة القمار و الملاهي

، و آنية الذهب و الفضة، بحيث ذهبت الهيئة و بقيت المادة فلا ضمان عليه، إذ المفروض أنّها غير محترمة إلّا إذا كانت ملكا لمن ينتسب إلى ملة تبيح ذلك. أمّا إذا أتلف المادة من الأساس فعليه أن يدفع عوضها ان كان لها قيمة بحسب المعتاد.

5- إذا غصب فردا من زوج كلّ منهما جزء متمم للآخر

، كالحذاء، ثم تلف الفرد في يده ضمنه منضما إلى الفرد الآخر، فإذا افترض ان زوج الحذاء يساوي عشر ليرات، و الفرد منه يساوي ليرتين فقط فعليه أن يدفع ثماني ليرات.

6- إذا وقع الحائط على الطريق، أو على الجار فأتلف نفسا أو مالا ينظر:

فان كان صاحب الحائط مقصرا، كما لو بناه من غير أساس، أو بلا مؤنة كافية، أو رآه مائلا متصدعا فأهمل و لم يصلحه بحيث يراه العرف هو السبب لما حصل فعليه الضمان، و ان لم يره العرف سببا و لا مقصرا في شي‌ء من ذلك، و انما وقع الحائط صدفة لم تكن في الحسبان فلا شي‌ء على صاحبه.

التنازع:

1- إذا قال الغاصب: ان قيمة المغصوب الذي تلف تساوي خمسا

، و قال المالك: بل عشرا، فالقول قول الغاصب بيمينه، و على المالك البينة، لأن الأصل‌

22

عدم الزيادة، قال صاحب الجواهر: «هذا هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها أصل البراءة باعتبار أنّه غارم».

2- إذا قال الغاصب: تلفت العين المغصوبة، و عليّ عوضها

، لا ردها بالذات، و قال المالك: بل هي باقية، و عليك ردها، فالقول قول الغاصب بيمينه، و على المالك البينة، قال صاحب الجواهر: «لا أجد فيه خلافا- مع العلم بأن قوله مخالف لأصل بقاء العين- لأنه لو لم يقبل قوله لزم تخليده في الحبس على افتراض صدقه، و لا بينة له».

3- إذا قال الغاصب: «أرجعت المغصوب، أو دفعت بدله، و أنكر المالك

فالقول قول المالك بيمينه، لأن الأصل عدم الرد، حتى يثبت العكس.

و تسأل: ان تقديم المالك هنا يلزم منه تخليد الغاصب في الحبس على فرض صدقه و لا بينة له، تماما كما هي الحال في دعواه تلف العين.

و أجاب صاحب مفتاح الكرامة بأن الغاصب في دعواه تلف العين يثبت البدل على نفسه، أمّا دعواه الرد فمعناه سقوط ما يثبت عليه من حق، فحصل الفرق بين الموردين.

4- إذا ادعى الغاصب عيبا تنقص به قيمة المغصوب

، كالعور في الدابة و نحوه، و أنكر المالك فالقول قوله بيمينه، و على الغاصب البينة، لأن الأصل سلامة الشي‌ء من العيوب الطبيعية، حتى يثبت العكس.

23

[كتاب] النذر و اليمين و العهد

النذر:

معنى النذر لغة الوعد، و شرعا إلزام الإنسان نفسه بفعل شي‌ء، أو تركه لوجه اللّه. و الأصل في شرعيته الإجماع و الكتاب و السنة. فمن الكتاب قوله تعالى إِذْ قٰالَتِ امْرَأَتُ عِمْرٰانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مٰا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (1). و قوله سبحانه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً (2). و قوله عزّ من قائل وَ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُهُ (3).

و قال تبارك اسمه لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ (4).

و عن الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: من نذر أن يطيع اللّه فليطعه، و من نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه.

و سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل نذر أن يحج إلى بيت اللّه حافيا؟ فقال:

فليمش، فإذا تعب فليركب.

____________

(1) آل عمران: 35.

(2) مريم: 26.

(3) البقرة: 270.

(4) الحج: 29.

24

الشروط:

يشترط في صحة النذر و انعقاده: 1- الصيغة المقترنة بذكر اللّه سبحانه، بحيث يكون النذر خالصا لوجهه تعالى، كقولك عليّ للّه، أو نذرت للّه، و لا يكفي مجرد القصد بلا صيغة، و لا الصيغة بلا ذكر اللّه أو أحد أسمائه الحسنى، كما لو قال: نذر عليّ لئن عادوا و ان رجعوا لا فعلن كذا، إجماعا و نصا، و منه قول الإمام الصادق (عليه السّلام): ليس النذر بشي‌ء، حتى يسمي للّه صياما، أو صدقة، أو هديا، أو حجا. و سئل عن رجل يحلف بالنذر، و نيته التي حلف عليها درهم أو أقل؟ قال: إذا لم يجعل للّه فليس بشي‌ء.

و لا يعتبر لفظ الجلالة بالذات، بل يكفي كل اسم من أسمائه الحسنى، و صفاته العليا، كالخالق و الرازق، و المحيي و الميت. و ينعقد النذر بالكتابة مع القصد، و بإشارة الأخرس.

2- أن يكون الناذر بالغا عاقلا مختارا قاصدا، فلا ينعقد نذر الصبي، و لا المجنون، و لا غير القاصد، كالهازل، و لا الغاضب على شريطة أن يبلغ الغضب حدا يرتفع معه القصد.

3- اتفقوا على أن النذر لا يصح و لا ينعقد إذا تعلق بمحرم أو مكروه، فقد نذر شخص في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ان يقوم فلا يقعد و لا يستظل و لا يتكلم، و يصوم، فقال الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «مروه فليتكلم، و يستظل، و يقعد، و ليتم صومه». و إذا لم ينعقد النذر من الأساس فلا كفارة على الناذر. و أيضا اتفقوا على صحة النذر و انعقاده إذا تعلق بواجب، أو مستحب.

25

و اختلفوا في المباح المتساوي الطرفين: هل ينعقد فيه النذر؟ ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و المسالك إلى عدم الانعقاد للرواية المتقدمة:

«ليس النذر بشي‌ء، حتى يسمي للّه شيئا».

4- اتفقوا على صحة النذر إذا اقترنت صيغته بفعل شي‌ء، أو تركه، كقوله:

عليّ للّه ان رزقت كذا أن أفعل، أو ترك كذا، و اختلفوا فيما إذا لم تقترن صيغة النذر بشي‌ء، كقوله: عليّ للّه كذا، و يسمون هذا النوع بنذر التبرع. و ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر إلى صحته، لا طلاق أدلة النذر، و لقوله سبحانه «إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مٰا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً». حيث لم تقيد النذر بشي‌ء.

و تسأل: ما معنى أن ينذر الإنسان الإتيان بالشي‌ء الواجب ما دام واجبا بنفسه من غير نذر؟

الجواب: تظهر النتيجة فيما لو ترك الواجب، حيث تجب عليه كفارة النذر بالإضافة إلى الآثار الأخرى التي تترتب على ترك الواجب من حيث هو.

5- المشهور بين الفقهاء المتأخرين بشهادة صاحب المسالك أن الزوجة لا ينعقد نذرها في غير فعل الواجب، و ترك المحرم إلّا بإذن الزوج، حتى و لو نذرت أن تتصدق من مالها. و إذا نذرت من دون اذنه فله حله، لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق، و لا صدقة، و لا تدبير، و لا هبة، و لا نذر في مالها إلّا بإذن الزوج إلّا في حج، أو زكاة، أو بر والديها، أو صلة رحمها.

و إذا أذن لها بالنذر، فنذرت صح و انعقد، و لا يحق له أن يعدل بعد ذلك.

و قال جماعة من الفقهاء: لا نذر للولد مع والده أيضا، مع اعترافهم بأن النص مختص بيمين الولد لا بنذره، و لكنهم ألحقوا النذر باليمين.

26

و يلاحظ بأن اليمين و ان اشتركت مع النذر في بعض الآثار فإنها تخالفه، و تفترق عنه في أكثر من جهة، منها نية التقرب إلى اللّه سبحانه فإنها شرط في النذر، دون اليمين. أجل، قد استعمل أهل البيت (عليهم السّلام) اليمين في النذر في بعض الموارد، و لكن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز. قال صاحب الجواهر: «ليس إطلاق اليمين على النذر على نحو قول الإمام (عليه السّلام): الطواف في البيت صلاة، إذ لا شي‌ء في النصوص ان النذر يمين كما هو واضح».

كفارة النذر:

إذا انعقد النذر صحيحا، ثم خالفه الناذر وجبت عليه الكفارة، أما إذا لم ينعقد النذر من الأساس كما لو نذر أن يفعل ما يحسن تركه، أو يترك ما يحسن فعله فلا ينعقد النذر، و بالتالي فلا تجب الكفارة.

و اختلف الفقهاء في نوع كفارة النذر تبعا لاختلاف الروايات، فذهب جماعة منهم السيد الحكيم في منهاج الصالحين إلى أنّها كفارة يمين، و هي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فان عجز فصيام ثلاثة أيام متوالية.

و ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر، و هو منهم، إلى أنّها كفارة الإفطار في شهر رمضان، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عمن جعل للّه أن لا يركب محرما فركبه؟ فقال: يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا.

اليمين:

اليمين لغة و عرفا الحلف و القسم بما يشاء الحالف، و شرعا الحلف باللّه و أسمائه الحسنى على فعل شي‌ء أو تركه في الحال و الاستقبال، أو في أحدهما.

27

أما اليمين على ما كان فالأولى تركها، حتى مع الصدق إلّا لضرورة، و تحرم مع الكذب تحريما شديدا و تسمى اليمين الكاذبة يمين الغموس، لأنها تغمس الحالف الكاذب في الآثام. و يتعرض الفقهاء لليمين على ما كان، أو لم يكن في باب القضاء و فصل الخصومات.

و اليمين من حيث هي مشروعة إجماعا و نصا. فقد أمر اللّه سبحانه نبيه الكريم بالقسم في أكثر من آية، من ذلك قوله تعالى وَ يَسْتَنْبِئُونَكَ أَ- حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (1). و كذلك الآية 89 من سورة المائدة التي حثت على حفظ الايمان، و ان على من حنث و خالف الكفارة. و قال تعالى لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ وَ احْفَظُوا أَيْمٰانَكُمْ.

الشروط:

يشترط في اليمين:

1- أن يكون باللّه و أسمائه الحسنى التي لا يشاركه فيها غيره، كالرحمن و الخالق و الرازق. قال الإمام الصادق (عليه السّلام): لا أرى للرجل أن يحلف إلّا باللّه. و قال أبوه الإمام الباقر (عليه السّلام): ان للّه أن يقسم من خلقه بما شاء، و ليس لخلقه أن يقسموا إلّا به عزّ و جلّ.

و ليس من معنى هذا أن اليمين بغير اللّه محرمة، بل المراد أنّها لا تكون‌

____________

(1) يونس: 35.

28

شرعية تترتب عليها الآثار المنصوص عليها في الشريعة إلّا إذا كان الحلف باللّه.

قال صاحب الجواهر: «السيرة القطعية على جواز الحلف بغير اللّه مضافا إلى الأصل، و إلى وجوده في النصوص».

يشير إلى بعض الروايات التي نقلت عن الأئمة الأطهار أنّهم كانوا يحلفون بجدهم الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و نسبتهم إليه.

2- ان يكون الحالف بالغا عاقلا قاصدا مختارا، تماما كما تقدم في الناذر.

3- يعتبر في صحة يمين الولد و انعقاده أن يكون بإذن الوالد، و يمين المرأة أن يكون باذن الزوج، حتى و لو لم يكن مزاحما لحقه، لقول الامام الصادق (عليه السّلام): لا يمين لولد مع والده، و لا للمرأة مع زوجها.

هذا، إذا لم يكن اليمين على فعل واجب، أو ترك محرم، و إلّا يصح النذر، حتى مع نهي الزوج.

4- تصح اليمين و تنعقد على فعل واجب، أو مستحب، و لا تصح على فعل محرم، أو مكروه، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): لا تجوز يمين على تحليل حرام، أو تحريم حلال، و لا قطيعة رحم. و سئل أبوه الإمام الباقر (عليه السّلام) عن رجل يحلف بالأيمان المغلظة أن لا يشتري لأهله شيئا؟ قال: فليشتر لهم، و ليس عليه شي‌ء في يمينه من الحلف.

و أيضا تصح اليمين و تنعقد على فعل شي‌ء أو تركه إذا كان متساوي الطرفين، أي لا رجحان في تركه و لا في فعله، كما لو حلف أن لا يأكل نوعا خاصا من الخضار، و لكن يمينه تنحل إذا طرأ الرجحان بعدها، و له أن يأكل منه، و لا كفارة عليه، بل يؤجر و يثاب بمخالفة اليمين. قال صاحب الجواهر: «لا خلاف و لا إشكال في عدم الحنث، و عدم الكفارة إذا كان خلاف اليمين خيرا،

29

فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن الرجل يحلف اليمين، فيرى أن تركها أفضل؟

قال للسائل: أما سمعت قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها، و قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فأتى ذلك فهو لكفارة ذلك، و له حسنة. إلى غير ذلك من النصوص».

5- إذا اتبع اليمين بمشيئة اللّه سبحانه، فقال: و اللّه لا فعلن ان شاء اللّه، ينظر: فإن لم يقصد التعليق حقيقة، و انما أراد التبرك بذكر اللّه عملا بقوله تعالى:

وَ لٰا تَقُولَنَّ لِشَيْ‌ءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ ان كان كذلك انعقدت اليمين، و وجب الوفاء، و ان خالف يكفّر. أمّا لو قصد التعليق حقيقة لا مجرد التبرك فلا تنعقد اليمين، و بالتالي، فلا حنث و لا كفارة، لحديث: «من حلف على يمين فقال: ان شاء اللّه لم يحنث». قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك».

فإذا توافرت هذه الشروط بكاملها تصح اليمين، و تنعقد، سواء أقصد بها وجه اللّه سبحانه، أو قصد جهة أخرى، و هذا من جملة الفروق التي تنفرد بها اليمين عن النذر الذي لا بد فيه من نية القربة.

و تجدر الإشارة إلى أن اليمين لا تنعقد بالطلاق، و لا بعدم الزواج كلية، أو بالثانية و الثالثة إلّا إذا كان الترك أرجح، و إذا عرض الرجحان بعد اليمين تنحل و تذهب، و تجوز مخالفتها. و إذا حلف، و قال: لم أقصد اليمين حقيقة أخذ بقوله، لأنه من الأحكام التي تخصه وحده، و لم يتعلق بها حق الغير.

يمين اللغو:

اليمين التي تدور على ألسنة الناس، و اعتادوا عليها عند المخاطبات و المحاورات لا أثر لها إطلاقا. قال صاحب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى‌

30

لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ: المراد باللغو في اليمين ما جرت عليه عادة الناس من قول: لا و اللّه. بلى و اللّه من غير يمين يقطع به مال، أو يظلم به أحد، و هو المروي عن الإمامين: الباقر و الصادق (عليهما السّلام).

يمين البراءة:

يمين البراءة أن يقول: هو بري‌ء من اللّه، أو من رسوله، أو من آله، أو من دين الإسلام ان فعل كذا، أو ان كان قد فعل كذا. و لا تنعقد اليمين بشي‌ء من ذلك، و هي من أشد المحرمات و الكبائر، فلقد بالغ الرسول الأعظم و أهل بيته في النهي عنها، ففي الحديث الشريف: «من قال: هو بري‌ء من دين الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال، و ان كان صادقا لم يعد إلى الإسلام سالما، و قال الإمام (عليه السّلام): من حلف بالبراءة منا صادقا أو كاذبا فقد بري‌ء. أعوذ باللّه و أستغفره.

كفارة اليمين:

أجمعوا بشهادة صاحب الجواهر و المسالك على أن الحانث يخير بين عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام، لقوله تعالى لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ (1).

و جاء عن أهل البيت (عليهم السّلام) روايات كثيرة في معنى هذه الآية الكريمة.

____________

(1) المائدة: 89.

31

العهد:

للعهد في اللغة معان شتى، منها التفقد و الحفظ، و في اصطلاح الفقهاء أن يعاهد اللّه سبحانه على فعل شي‌ء أو تركه. و قد أمر اللّه بالوفاء بالعهد، و أثنى على الذين يفون به، قال عز و جل وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا (1).

و قال مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ (2).

و يصح العهد من غير قيد، كقولك: أعاهد اللّه أن أفعل كذا. و أيضا يصح معلقا على شي‌ء، كقولك: ان رزقت ولدا فعليّ عهد اللّه أن أفعل كذا. و متعلق العهد تماما كمتعلق اليمين، فيصح على فعل الواجب و المستحب، و المباح المتساوي الطرفين، و لا يصح على فعل المحرم و المكروه، و أيضا يعتبر في المعاهد ما يعتبر في الحالف من الشروط.

و إذا صارت مخالفة العهد أولى و أجدى للمعاهد من الموافقة انحل العهد، و اتبع المعاهد ما هو الأصلح له، و لا كفارة عليه.

كفارة العهد:

ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر إلى أن كفارة العهد عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا.

بين الناذر و الحالف و المعاهد:

يتضح من جميع ما سبق أن كلا من الناذر و المعاهد و الحالف يشترك مع‌

____________

(1) البقرة: 177.

(2) الأحزاب: 23.

32

الآخر في أنّه قد ألزم نفسه بفعل شي‌ء أو تركه، و أنّه إذا خالف مع توافر الشروط فعليه أن يكفّر بما ذكرنا.

و ينفرد العهد عن اليمين و النذر أن العهد عقد أو شبيه بالعقد المركب من إيجاب و قبول، فالمعاهد يوجب و يعطي اللّه عهدا على الفعل أو الترك، و اللّه يقبل منه، أما اليمين و النذر فهما بالإيقاع أشبه، حيث لا يوجد إلّا طرف واحد. و ينفرد النذر عن اليمين في نية التقرب إلى اللّه سبحانه فإنها شرط في النذر دون اليمين‌

33

[كتاب] الكفارات

تنقسم الكفارة بالنظر إلى أسبابها إلى أقسام

، نعرضها ملخصة مع أدلتها فيما يلي:

1- كفارة صيد المحرم:

سبق الكلام عنها مفصلا في الجزء الثاني من هذا الكتاب فصل «تروك الإحرام- فقرة: كفارة الصيد» فراجع إن شئت.

2- كفارة الظهار:

إذا قال الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي أمام عدلين، و كانت في طهر لم يواقعها فيه، بحيث تجتمع جميع شروط الطلاق فإنها تحرم عليه، و لا تحل له، حتى يكفّر، و كفارة الظهار واحد من ثلاثة على هذا الترتيب: أن يعتق رقبة، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينا، لقوله تعالى وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا ذٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ

34

يَتَمَاسّٰا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (1).

3 كفارة القتل خطأ:

من قتل مسلما بطريق الخطأ دون العمد فعليه أن يدفع الدية إلى أهله، و ان يكفّر بعتق رقبة مؤمنة، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكينا، تماما كما هو الحكم في كفارة الظهار، قال تعالى وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ- ثم قال عزّ من قائل- فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ (2).

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): إذا قتل خطأ أدى ديته إلى أوليائه، ثم أعتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا.

4 كفارة القتل عمدا:

من قتل مسلما متعمدا فعليه أن يجمع بين عتق رقبة مؤمنة، و صيام شهرين متتابعين، و إطعام ستين مسكينا، و التفصيل في باب القصاص ان شاء اللّه تعالى.

5 كفارة قضاء رمضان:

من نوى الصيام قضاء لما فاته في شهر رمضان، ثم أفطر قبل الزوال فلا شي‌ء عليه إلّا الإعادة، و ان أفطر بعد الزوال فعليه كفارة إطعام عشرة مساكين، فان عجز صام ثلاثة أيام متتالية. فقد سئل الإمام الباقر (عليه السّلام) عن رجل أتى أهله في يوم‌

____________

(1) المجادلة: 2.

(2) النساء: 92.

35

يقضيه من شهر رمضان؟ قال: ان كان ذلك قبل الزوال فلا شي‌ء عليه إلّا يوم مكان يوم، و ان كان بعد زوال الشمس فان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، لكل مسكين مدّ، فان لم يقدر صام يوما مكان يوم، و صام ثلاثة أيام كفارة لما صنع.

6 كفارة الإفطار في رمضان:

تقدم الكلام عنها في الجزء الثاني من هذا الكتاب فصل «فساد الصوم و وجوب الكفارة- فقرة: كفارة رمضان».

7 كفارة النذر:

انظر فصل النذر و اليمين و العهد من هذا الجزء فقرة «كفارة النذر».

8 كفارة اليمين:

انظر الفصل المذكور فقرة «كفارة اليمين».

9 كفارة العهد:

انظر الفصل نفسه فقرة «كفارة العهد».

10 يمين البراءة:

اتفقوا على تحريم يمين البراءة، كما سبق في الفصل المتقدم، و اختلفوا:

هل توجب الكفارة، أو لا؟ ذهب جماعة، منهم صاحب الشرائع و الجواهر و المسالك إلى أنّه لا شي‌ء على الحالف بالبراءة سوى الإثم.

36

11 جز المرأة شعرها في المصاب:

اتفقوا على أنّه يحرم على المرأة أن تجز شعرها في المصاب، و اختلفوا في وجوب الكفارة عليها، فذهب جماعة من الفقهاء إلى أنّها تكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا استنادا إلى رواية عن الإمام الصادق (عليه السّلام)، و قال الشهيد الثاني في المسالك و اللمعة: الرواية ضعيفة، و الأقوى عدم وجوب الكفارة عليها، لأصل البراءة.

12 نتف شعر المرأة في المصاب:

النتف غير الجز و القص، و لذا اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على الجز، و لم ينقل أحد منهم الخلاف في وجوب الكفارة على النتف، و هي عندهم كفارة يمين، أي عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، و مع العجز يصوم ثلاثة أيام استنادا إلى رواية ضعّفها الشهيد الثاني في المسالك و اللمعة.

13 شق الرجل ثوبه:

قالوا: إذا شق الرجل ثوبه في موت امرأته، أو ولده فعليه كفارة يمين، و لا شي‌ء عليه إذا شقه على غيرهما من أقاربه استنادا إلى رواية ضعّفها الشهيد في اللمعة و المسالك.

14 وطء الزوجة في الحيض:

انظر الجزء الأول من هذا الكتاب، فصل «الحيض و الاستحاضة و النفاس- فقرة: ما يحرم على الحائض».

37

15 صوم الاعتكاف:

انظر الجزء الثاني من هذا الكتاب، فصل «الاعتكاف، المسألة الثالثة من فقرة: مسائل».

الصيام:

يجب التتابع بين أيّام الصوم في صوم الكفارة، سواء أ كان الواجب صيام ثلاثة أيّام، أو شهرين، و إذا أخل بالتتابع، و أفطر قبل الإكمال وجب أن يستأنف من جديد. أجل، لا يضر الإفطار لعذر مشروع، كالإكراه و المرض، و الحيض و النفاس و السفر لضرورة، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل، عليه صيام شهرين متتابعين، فصام شهرا و مرض؟ قال: يبني عليه. اللّه حبسه. قال السائل:

امرأة، عليها صيام شهرين متتابعين، و أفطرت أيّام حيضها؟ قال تقضيها. أي تأتي بما بقي، و لا يجب عليها الاستئناف.

و يتحقق التتابع في صيام الشهرين أن يصوم شهرا متتابعا، و من الثاني، فإذا صام أول يوم من الشهر الثاني جاز له أن يفطر، و يفرق أيّام الصوم بعد ذلك إجماعا و نصا، و منه قول الإمام الصادق (عليه السّلام): التتابع أن يصوم شهرا، و من الآخر أيّاما، أو شيئا منه.

الإطعام:

يتحقق إطعام المساكين بأحد أمرين: الأول أن يدعو العدد المطلوب من الفقراء دفعة واحدة، أو بالتدريج و التتابع، و يطعمهم، حتى يشبعوا. و لا فرق بين الذكور و الإناث، و لا بين الصغار و الكبار. الثاني أن يعطي كل نسمة مدا من‌

38

القمح، و ما إليه، على أن لا يزيد للنفر الواحد عن المد، و ان زاد استحب، و لكن يحسب له إطعام مسكين واحد. أجل، يجوز أن يعطي لمن يعول أكثر من واحد بعدد ما يعول، و يدل على الاكتفاء بالمد قول الإمام الصادق (عليه السّلام): في كفارة اليمين عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، و الإدام الوسط الخل و الزيت، و ارفعه الخبز و اللحم، و الصدقة المد لكل مسكين، و الكسوة ثوبان (1).

و تجدر الإشارة إلى أن الزيت و الخل كانا في عهد الإمام (عليه السّلام) من الإدام الوسط، فتنطبق عليهما يومذاك آية «مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» أما اليوم فلا، لأنهما ليسا إداما أساسيا، بل من التوابع، فعلى من يكفّر اليوم بالإطعام أن يقدم للمساكين غير الزيت و الخل مما هو معروف بين الناس أنّه من الإدام الوسط.

و يختلف ذلك باختلاف البلدان و الأوساط.

الكسوة:

حددت بعض الروايات الكسوة الواجبة بثوب واحد لكل مسكين، و بعض بثوبين. و لاختلاف الروايتين اختلفت أقوال الفقهاء، فمنهم من اكتفى بثوب، و آخر أوجب ثوبين، و قال ثالث: الواحد واجب، و الثاني مستحب، و قال رابع:

يجب ثوبان مع القدرة، و ثوب مع العجز.

و الحق ان العبرة بتحقق الكسوة، فإن كان الثوب الواحد كبيرا يكسو البدن، كالجبة و القفطان كفى الثوب الواحد، و ان لم تتحقق كسوة البدن إلّا بثوبين كالقميص و السروال تعينا، و بهذا يمكن الجمع بين رواية الثوب الواحد، و رواية الثوبين.

____________

(1) المد الشرعي أكثر من 800 غرام بقليل.

39

مسائل:

1- لا تجب المبادرة إلى التكفير فورا

، بل يجوز التأخير و التراخي إلّا مع خوف الفوات، لعدم الدليل على وجوب الفور، و الأصل العدم، حتى يثبت العكس.

2- الكفارة المالية كالطعام و الكسوة يجب إخراجها من أصل التركة

، أوصى بها الميت أو لم يوص إذا علمنا باشتغال ذمته، تماما كغيرها من الديون. أما البدنية كالصوم فإن أوصى بها خرجت من الثلث، و ان لم يوص فلا يجب إخراجها، حتى مع العلم باشتغال ذمته.

3- لا تدفع الكفارة إلى الطفل و المجنون ان كانت دقيقا أو حبوبا

، أو ثمرة كالزبيب و ما إليه، حيث لا أهلية لهما لقبول التمليك و التملك، و تدفع لوليّهما، كما هو الشأن في غير الكفارة.

4- لا تصرف الكفارة إلى من تجب نفقته على الدافع

، كالأب و الأم و الأولاد و الزوجة، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا: الأب و الأم و الأولاد و المملوك و الزوجة، و ذلك أنّهم عياله لازمون له».

فقول الإمام (عليه السّلام) لأنهم عيال دليل على أن العيال لا يعطون شيئا من الصدقات زكاة كانت، أو غيرها. هذا، إلى أن ما يعطيه لعياله يعود إليه بالنتيجة، فيكون كمن تصدق على نفسه.

5- قال صاحب الشرائع و الجواهر: «لا يجزي دفع القيمة في الكفارة

، بل لا بد من الإطعام، أو دفع الحبوب و ما إليها، لأن الذمة قد اشتغلت بها، لا بقيمتها التي لا تندرج في إطلاق الأمر. و الاجتزاء بها في الزكاة و نحوها للدليل الخاص، و من هنا لم يكن خلاف عندنا في ذلك، بل في المسالك هو إجماع».

40

و لكن يجوز أن يعطي للفقير الثمن، و يوكله بالشراء لنفسه، على أن الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عن زكاة الفطر، أ يجوز أن يؤديها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سماها؟ قال: نعم، ان ذلك أنفع له، يشتري ما يريد.

فان قول الإمام (عليه السّلام): «أنفع له يشتري ما يريد» دليل عام يشمل الكفارات، و ليس خاصا بالزكاة، كما قال صاحب الجواهر.

6- كل من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فعجز صام بدلا عنهما ثمانية عشر يوما

، فان عجز تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فان عجز استغفر اللّه سبحانه، و لا شي‌ء عليه. قال صاحب الجواهر: «ظاهر الفقهاء الاتفاق على البدلية مع العجز عن خصال الكفارة، ما عدا الظهار». فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام، و لم يقدر على العتق، و لم يقدر على الصدقة؟ قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام.

و قال (عليه السّلام): كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل، أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة، ما خلا يمين الظهار.

و استثنى الظهار، لأن المماسة لا تحل إلّا بعد التكفير، تماما كالمطلقة التي لا تحل إلّا بعد الرجعة الصحيحة‌

.

41

[كتاب] احياء الموات

الأرض:

للأرض أربعة أقسام عند الفقهاء:

1- الأرض التي فتحها المسلمون عنوة نتيجة الجهاد، لانتشار الإسلام

، كأرض العراق، و سوريا، و إيران، و العامر من هذه الأرض حين الفتح ملك للمسلمين جميعا من وجد منهم، و من يوجد، و النظر فيها للإمام، أي للدولة، تقبلها لمن تشاء من أهلها أو من غيرهم بالنصف أو الأقل أو الأكثر، و يصرف الناتج في المصالح العامة.

و قال الفقهاء ان هذا النوع من الأرض- العامر حين الفتح- لا يجوز بيعه، و لا هبته، و لا وقفه، و لا توريثه، لأنّه ملك للكل. و مما استدلوا به قول الإمام الصادق (عليه السّلام): «و من يبيع أرض الخراج، و هي ملك لجميع المسلمين؟». و لكن هذه الفتوى نظرية و كفى، لا أعرف أحدا عمل بها، فإن الناس، كل الناس، حتى الفقهاء يعاملون صاحب اليد على الأرض الخراجية معاملة المالك من البيع و الشراء و الوقف و التوريث، و ما إلى ذلك. و يوجهون أو يؤولون أعمالهم بتأويلات لا تركن إليها النفس، منها أن لصاحب اليد نحوا من الحق‌

42

و الاختصاص، فينتقل هذا الحق منه إلى غيره دون رقبة الأرض و عينها، و منها ان الأصل في الأرض أن تكون الموات، حتى يثبت العكس.

أمّا الأرض التي كانت مواتا حين الفتح فهي للإمام، أي للدولة، و من أحياها فهو أولى بالتصرف فيها من غيره، لعموم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، و هو أحق بها. و الأرض للّه، و لمن عمرها». و تجدر الإشارة إلى أن الأرض العامرة بطبيعتها هي ملك للدولة، لقول الإمام (عليه السّلام): «كل أرض لا رب لها فهي للإمام».

2- أرض من أسلم أهلها طوعا

، كالمدينة المنورة و البحرين و أطراف اليمن و اندنوسيا. و العامر من هذه الأرض لأهلها، و لا شي‌ء عليهم سوى الزكاة، و يجوز بيعها، و التصرف فيها بشتى أنحاء التصرف. أمّا الموات منها فللدولة، و من سبق إلى إحيائه فهو أحق به من غيره، تماما كالموات مما فتح عنوة.

3- أرض الصلح،

و هي التي فتحها المسلمون بغير قتال، بل بالصلح بينهم و بين أهلها على أن تكون الأرض لأربابها لقاء ما يبذلونه من ناتجها، أو من غيره، و يجب الوفاء بما تم عليه الصلح، و العامر منها ملك لأهله يتصرفون فيه كما يشاءون، أما الموات فللدولة، و من سبق إلى إحيائه فهو أحق به من غيره.

4- الأنفال

، و تشمل الأرض التي ملكها المسلمون من غير قتال، سواء أ كانت عامرة فانجلى عنها أهلها، أو مكنوهم منها طوعا مع بقائهم فيها، و أيضا تشمل كل أرض ميتة، سواء أ كانت في البلاد المفتوحة عنوة، أو بالصلح، أو بقبول دعوة الإسلام، و سواء أ كانت مملوكة ثم باد أهلها، أو لم تملك من رأس، كالمفاوز و سواحل البحار، و أيضا تشمل رؤوس الجبال و بطون الأودية و الأحراج.

43

و هذي كلها للإمام، و ما كان له فهو لشيعته بدليل قوله (عليه السّلام): «ما كان لنا فهو لشيعتنا. كل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون». و تكلمنا عن الأنفال مفصلا في «الجزء الثاني، فصل الخمس- فقرة: الأنفال».

الأرض الموات و إحياؤها:

نريد بالأرض الموات التي لا يملكها أحد و لم يتعلق بها حق لأحد، و لا ينتفع بها أحد، لعدم وصول الماء إليها، أو لغلبته و فيضانه عليها، أو لسوء تربتها، أو لما فيها من العوائق، كالأحجار و الصخور و الأشواك، و ما إلى ذلك مما يحول دون الانتفاع بها. و بهذا نجد تفسير قول الفقهاء: «ان موات الأرض ما خلا عن الاختصاص، و لا ينتفع به، اما لعطلته، لانقطاع الماء عنه، أو لاستيلاء الماء عليه، أو لاستيجامه، أو غير ذلك». و الاستيجام أن يكون كثير القصب، أو ما إليه مما يمنع من الانتفاع بالأرض.

و كل من بذل جهدا، لإحياء الأرض، و أزال الأسباب التي تحول دون الانتفاع بها فهو أحق بها من غيره، لحديث الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من أحيا أرضا ميتة فهي له، و هو أحق بها» و قول الإمام الصادق (عليه السّلام): «أيما قوم أحيوا شيئا من الأرض، أو عمروها فهم أحق بها، و هي لهم». و لا فرق في ذلك بين أن تكون الأرض الميتة في البلاد التي فتحت عنوة، أو أسلم أهلها طوعا، أو وقع الصلح بينهم و بين المسلمين، أو كانت من الأنفال. و أيضا لا فرق بين أن يكون محيي الأرض مسلما أو غير مسلم، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن شراء الأرض من أهل الذمة؟ فقال: «لا بأس بأن يشتري منهم إذا عمروها، و أحيوها فهي لهم».

و قال صاحب الجواهر: «لا فرق فيما ذكرنا بين الموات في بلاد الإسلام،

44

و غيره، لإطلاق الأدلة، و لا بين الذمي و غيره من أقسام الكفار».

أما الأرض العامرة فهي ملك لمن هي في يده، مسلما كان أو غير مسلم، و لا يجوز لأحد معارضته إلّا مع العلم بأنه غاصب.

الشروط:

لا أحد يملك التصرف بواسطة الإحياء إلّا بشروط، و هي بعد القصد و النية:

1- انتفاء يد الغير عما يراد إحياؤه، لأنّ اليد امارة الملك، حتى يثبت العكس

، و يعلم أنّها ثبتت على الشي‌ء من غير سبب مشروع. قال الشهيد الثاني في المسالك: «لو علم إثبات اليد بغير سبب مملك، و لا موجب، أو أولوية فلا عبرة بها، كما لو استندت إلى مجرد التغلب على الأرض، أو بسبب اصطلاح أهل القرية على قسمة بعض المباحات. كما يتفق ذلك كثيرا، أو لكونه محييا لها في الأصل. و قد زالت آثاره، ان قلنا بزوال ملكه، و نحو ذلك».

2- ان لا يكون الموات حريما تابعا لعقار أو بئر

، و ما إليها- يأتي الكلام عن الحريم بفقرة خاصة- لأن الحريم بحكم العامر.

قال صاحب الجواهر:

«بلا خلاف أجده، كما اعترف به غير واحد، بل في التذكرة لا نعلم فيه خلافا بين علماء الأمصار في أن كل ما يتعلق بمصالح العامر، كالطريق، و الشرب، و مسيل ماء العامر، و مطرح قمامته، و ملقى ترابه، و آلاته، أو لمصالح القرية كقنانها، و مرعى ماشيتها، و محطبها، و مسيل مياهها- كل ذلك- لا يصح لأحد إحياؤه، و لا يملك بالاحياء، و كذا حريم الآبار، و الأنهار، و الحائط و كل مملوك لا‌

45

يجوز احياء ما يتعلق بمصالحه، لحديث: «من أحيا ميتة في غير حق مسلم فهي له».

3- ان لا يكون محلا للعبادة و المناسك

، كعرفة و منى و المشعر، و غير ذلك من الأماكن المشرفة، قال صاحب الجواهر: «ان هذه في الحقيقة ليست من الموات الذي هو بمعنى المعطل عن الانتفاع. هذا إلى وضع يد المسلمين عليها، و تعلق حقوقهم بها، بل هي أعظم من الوقف الذي يتعلق به حق الموقوف عليهم بجريان الصيغة من الواقف».

4- أن لا يسبق إلى الأرض الموات سابق بالتحجير

، و ذلك أن يفعل شيئا لم يبلغ حد الأحياء، كما لو وضع علامات تدل على سبقه من تسوير الأرض، أو جمع التراب، أو حفر قناة، و ما إلى ذاك.

و التحجير لا يثبت ملكا و لا حقا، بل يكون المحجر أولى الناس بإحياء الأرض المحجرة من غيره، على شريطة أن لا يهمل تعميرها أكثر من المألوف، و إلا أجبره الحاكم على إحياء الأرض، أو تركها لمن يحييها، قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده بين من تعرض لهذا الحكم من الفقهاء معللين ذلك بقبح تعطيل العمارة التي هي منفعة للإسلام». و اعترف صاحب الجواهر، و صاحب مفتاح الكرامة بعدم وجود النص على أن التحجير يوجب الأولية، و لكن به أفتى الفقهاء.

إذا أهمل الأرض بعد الإحياء:

من أحيا أرضا ثم تركها، حتى عادت مواتا كما كانت، فهل يجوز لغيره إحياؤها؟

قال جماعة من الفقهاء: لا يجوز، لأن الأول قد ملكها بالاحياء، و الأصل‌

46

بقاء الملك، حتى يثبت السبب الناقل، و ليس الخراب من الأسباب الناقلة.

و قال آخرون: يجوز للثاني إحياؤها، لأن الأول لم يملك رقبة الأرض بالاحياء، و انما يملك التصرف، و يكون أولى بها من غيره، و استدلوا بما جاء عن الامام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق عن جده أمير المؤمنين (عليهم السّلام): «أن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، و العاقبة للمتقين. فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، و له من أكل منها، فان تركها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها فهو أحق بها».

قال الشهيد الثاني في المسالك: «لأن هذه الأرض أصلها مباح، فإذا تركها، حتى رجعت إلى ما كانت عليه صارت مباحة. لأن العلة في تملك هذه الأرض الأحياء و العمارة، فإذا زالت العلة زال المعلول، و هو الملك، فإذا أحياها الثاني فقد أوجد سبب الملك، فيثبت الملك له، تماما كما لو التقط شيئا، ثم سقط منه، و ضاع عنه فلقطة غيره، فإن الثاني يكون أحق به».

تحديد الحريم:

للفظ الحريم معان شتى. و المراد به هنا الارتفاق الذي يكون تابعا لدار، أو عقار، أو بئر، أو حائط، و غير ذلك.

و سبقت الإشارة إلى أن الحريم لا يجوز إحياؤه، و جاء في روايات أهل البيت (عليهم السّلام) تحديدهم لحريم بعض الأشياء. فعن الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع». و روي عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال:

«حريم البئر العادية أربعون ذراعا حولها. و حريم المسجد أربعون ذراعا من كل ناحية».

47

و قال صاحب الجواهر: «حريم الحائط مقدار مطرح ترابه بلا خلاف».

و بعد أن أفتى الفقهاء بموجب النصوص قالوا: ان التحديد لهذه الأشياء انما يثبت إذا أريد إنشاؤها في الأرض الموات، أما الأملاك المتلاصقة الموجودة بالفعل فلا حريم لأحد على جاره، و لكل ان يتصرف في ملكه كيف يشاء.

و الذي أراه ان الحريم يقدر بحسب الحاجة و المصلحة، و هي تختلف باختلاف البلدان و الأزمان، أما النص الوارد في تحديد الطريق و ما إليه فيحمل على ما دعت إليه الحاجة و المصلحة في ذاك العهد. و في كتاب أصول الإثبات عقدت فصلا مستقلا بعنوان: «هل تتغير الأحكام بحسب الأزمان؟» و قلت فيما قلت: ان من الأحكام ما شرع وفقا لطبيعة الإنسان بما هو انسان، و هذه الأحكام لا يمكن أن تتغير بحال مهما تغيرت الأزمان، و ضربت أمثلة على ذلك. و من الأحكام ما شرع للإنسان بالنظر إلى مجتمعة الذي يعيش فيه، و العادات و التقاليد المألوفة في ذاك العهد، و هذا النوع من الأحكام يتبدل بتبدل المجتمع، و منه حد الطريق سبعة أذرع، حيث لم تدع الحاجة إلى الزيادة يومذاك. أما اليوم فإذا أريد إنشاء قرية أو مدينة فيترك تحديد الطريق و جميع المرافق إلى معرفة المهندسين، و ما يراه أهل الاختصاص من المصلحة، و ليس من شك أن الشرع يقر كل ما فيه الخير و الصالح العام. و بكلمة ان الروايات حددت المرافق بما يتفق و ذاك العصر، حيث لا سيارات و شاحنات و مطارات، أما اليوم فليس لها من موضوع.

و مهما شككت فإني لا أشك أن الإمام (عليه السّلام) لو كان حاضرا، و أراد أن ينشئ قرية أو مدينة لأوكل الأمر إلى أهل الفن و الاختصاص في تحديد المرافق بكاملها.

48

ضرر الجار:

هل يجوز للمالك أن يتصرف في ملكه تصرفا يستدعي ضرر جاره؟ مثل أن يحفر حفرة يتصدع بسببها حائط الجار، أو يحبس الماء في ملكه فتتسرب النداوة و الرطوبة إلى بيت غيره، أو يجعل من ملكه مدبغة تنتشر منها الروائح الكريهة الدائمة، و يتولد منها الأدواء و الأمراض؟

و لا بد في الجواب من التفصيل على الوجه التالي:

1- ان يقصد المالك من التصرف الإضرار بالجار دون أن ينتفع هو بشي‌ء، أو يناله أدنى ضرر من ترك التصرف، و انما غرضه الأول مجرد الإضرار بالغير.

إذا كان كذلك يمنع المالك من التصرف، و ليس له أن يحتج بحديث: «الناس مسلطون على أموالهم» لأن قاعدة لا ضرر تقدم على هذا الحديث، و تنفي سلطة المالك على ملكه إذا استدعت ضرر الغير. و بكلمة إن سلطة الإنسان على ملكه، تماما كالحرية تحدد بعدم ضرر الغير و التعدي على حريته.

2- ان لا يقصد المالك الإضرار بالجار، و لا بغيره، و لكنه لا ينتفع هو من احداث الحفرة، و ما إليها في ملكه، و أيضا لا يتضرر بتركها، مع العلم بتضرر الجار منها. و هذا كالأول يمنع المالك من التصرف، لأن قاعدة: لا ضرر، في هذه الحال تقدم على قاعدة: تسلط الإنسان على ملكه.

3- ان يلحق المالك الضرر إذا لم يتصرف في ملكه- مثلا- إذا لم يحفر المالك بالوعة في داره لا يستطيع سكناها، كما انه إذا حفر يتضرر الجار، فيدور الأمر بين ضرر المالك إذا ترك التصرف في ملكه، و بين ضرر الجار إذا تصرف.

و ليس من شك أنّه في مثل هذه الحال يتصرف المالك في ملكه دفعا للضرر عن نفسه، أو جلبا لمنفعتها، حتى و لو تضرر الجار، بل لو كان ضرره أشد من ضرر‌

49

المالك و أكثر منه أضعافا. ذلك ان قاعدة: الناس مسلطون على أموالهم، هي المحكمة. و يجب الأخذ بها دون معارض، و لا تجري هنا قاعدة لا ضرر لرفعه عن الجار، لأن إجراءها و الأخذ بها يستدعي ثبوت الضرر على المالك، فيلزم من وجود الشي‌ء عدمه، أي من رفع الضرر ثبوت الضرر.

و بتعبير ثان، ان: لا ضرر، شرعت للتخفيف و الامتنان، فيعمل بها حيث يتحقق هذا الامتنان، و حيث لا يستلزم العمل بها ضررا على أحد إطلاقا لا على المالك و لا على غيره. أما إذا استلزم رفع الضرر عن شخص، ثبوته على آخر فلا يمكن الاعتماد عليها، لأن الضرر لا يزال بالضرر.

و قد أطال الفقهاء الكلام في هذه المسألة في كتب الأصول و الفقه، بخاصة صاحب الجواهر و صاحب مفتاح الكرامة، و نقلا الإجماع على أن للمالك أن يتصرف في ملكه، حتى و لو تضرر الغير. و يجب حمل الإجماع على الصورة الثالثة، و هي ما إذا تضرر المالك من ترك التصرف في ملكه.

و ما رأيت فيما لدي من المصادر أحدا تكلم عن قاعدة: لا ضرر، بعامة و في هذه المسألة بخاصة مثل الشيخ النائيني في تقريرات الخوانساري. فقد تناول القاعدة من شتى نواحيها، و أطال، و لكن في التحقيق النافع المفيد.

الماء:

للمياه أقسام:

1- ما أحرز في ظرف أو حوض، و نحوه

، و هذا الماء ملك لمن أحرزه بالإجماع، لا يجوز لأحد أن يتصرف فيه إلّا بإذنه.

50

2- ان يحفر بئرا في ملكه، أو في أرض ميتة بقصد إحيائها و تملكها

، فإذا بلغ الماء فهو ملك له، يتصرف فيه كيف يشاء.

و قيل: لا يملك هذا الماء و لا غيره من أقسام المياه لقول الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الناس شركاء في ثلاث: النار، و الماء، و الكلأ.

و قال الشيخ الطوسي: ان صاحب البئر لا يملك ماءها، و لكنه أولى به بقدر حاجته لشربه و شرب ماشيته، و سقي زرعه، و ما يفضل عنه فعليه أن يبذله بلا عوض لمن يحتاج لشربه و شرب ماشيته، و لا يجب أن يبذله لسقي زرع الجار، و لكن يستحب.

و إذا حفر جاره بئرا في ملكه فذهب الماء من بئره أو نقص ينظر: فان كانت الثانية قد جذبت الماء الموجود بالفعل في البئر الأولى فعلى صاحب البئر الثانية أن يتدارك الضرر، لأنه أخذ الماء المملوك لغيره، تماما كمن أخذ الصيد من شبكة الغير. و ان صادف أن البئر الثانية استوعبت الماء الجاري تحت الأرض قبل وصوله إلى البئر الأولى فلا يجب التدارك، لأن الماء، و الحال هذي، غير مملوك لصاحب البئر الأولى، فأشبه من اصطاد صيدا كان في الاتجاه إلى شبكة الغير، بحيث لو ترك و شأنه لوقع فيها.

3- مياه العيون و الأمطار و الآبار في الأرض المباحة

، و هذي لمن سبق إليها لا يختص بها انسان دون إنسان. أجل، إذا نزل ماء المطر و تجمع في أرض مملوكة، و قصد المالك تملكه كان له وحده لا يجوز لغيره التصرف فيه إلّا بإذنه.

4- مياه النهر الكبير

، كالفرات و النيل، و الناس في هذه شرع سواء، لكل أن يستقي منها ما شاء متى شاء.

5- مياه النهر الصغير غير المملوك

، فإذا لم يف ماؤه بسقي ما يقرب منه‌

51

من الأرض، و تنازع أصحابها عليه فإنه يبدأ بمن في أوّل النهر فيأخذ منه مقدار حاجته للزرع أو الشجر بشتى أنواعه، ثم يرسل الماء إلى الذي يليه، فيصنع كذلك إلى أن ينتهي الماء، و إذا لم يفضل شي‌ء عن الأول أو الثاني فلا شي‌ء لمن يليه، و لو أدى إلى تلف زرعه أو شجره. قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده في أصل الحكم، مضافا إلى النصوص الواردة في ذلك من طريق السنة و الشيعة، منها أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قضى في شرب نهر في سيل أن للأعلى أن يسقي قبل الأسفل، ثم يرسله إلى الأسفل.

6- إذا حفر نهرا و قناة في ملكه، أو في أرض ميتة بقصد إحيائها

، و وصله بنهر كبير كالفرات، فهل يملك الماء الذي فيه، أو يكون أولى به من غيره دون أن يملكه؟

ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و المسالك إلى أنّه يملك الماء، قال صاحب المسالك: «إذا حفر نهرا و أوصله بالنهر المباح فدخل فيه الماء فلا خلاف في أولية الحافر بالماء، و أنّه ليس لأحد مزاحمته فيه للسقي و لا غيره، و لا في ملكية نفس الأرض المحفورة. و انما الخلاف في ملكية الماء الذي يدخل فيه، فالمشهور بين الفقهاء خصوصا المتأخرين أنّه يملك أيضا، كما يملك الماء بحفر البئر و العين، لاشتراكهما في المقتضي و هو الإخراج. و ذهب الشيخ إلى عدم ملكية الماء بذلك، لأنه مباح دخل في ملكه، فيبقى على أصل الإباحة، و انما يكون الحافر أولى به، لأن يده عليه، كما إذا جرى الفيض إلى ملك رجل، و اجتمع فيه فإنه لا يملكه».

و على القولين يجوز الشرب منه و الوضوء و الغسل فيه، و ما إلى ذلك مما هو مألوف و معروف للسيرة القطعية إلّا مع العلم بأن صاحب الماء يكره ذلك‌

52

و يمنع منه.

المعادن:

قسم الفقهاء المعادن إلى نوعين:

الأول: الظاهرة

، و هي التي تكون في متناول كل يد، حيث لا تفتقر إلى العمل و الحفر، كالملح و القار و الكحل و الدر و الياقوت. و هذه تملك بالأخذ لا بالإحياء، لأن الإحياء لن يكون إلّا بالعمل، و المفروض أنّها ظاهرة بطبيعتها و من غير عمل، تماما كماء الأنهار.

الثاني: المعادن الباطنية

، و هي التي تحتاج إلى العمل و العلاج، كالحديد و الذهب و الفضة و النحاس و الرصاص، و هذه تملك بالاحياء. قال صاحب الجواهر:

«الناس سواء في المعادن الظاهرة، للسيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار. أما الباطنة فتملك بالإحياء الذي هو العمل، حتى يبلغ نيلها بلا خلاف أجده بين من تعرض له. و لعله لصدق الأحياء الذي هو سبب الملك. فإن إحياء كل شي‌ء بحسبه، و من هنا يملك البئر ببلوغ الماء الذي هو فيها، إذ هو- أي الماء- كالجوهر الكائن فيها، و يبلغه بحفرها».

مسائل:

1- من أحيا أرضا مواتا، ثم ظهر فيها معدن فهو له تبعا للأرض

، سواء أ كان عالما به حين الإحياء، أو غير عالم.