فقه الإمام الصادق عليه السلام - ج6

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
372 /
3

الجزء السادس

[كتاب] الطلاق

[الطلاق]

جاء في الحديث الشريف عن الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أبغض الحلال إلى اللّه الطلاق. ان اللّه يبغض كل ذوّاق من الرجال، و كل ذواقة من النساء. و ما من شي‌ء أحب إلى اللّه من بيت يعمر بالزواج، و ما من شي‌ء أبغض إلى اللّه من بيت يخرب بالفرقة.

ثم أن‌

للطلاق أربعة أركان:

المطلق، و المطلقة، و صيغة الطلاق، و الاشهاد عليه.

المطلق:

يشترط في المطلق ما يلي:

1- البلوغ

، ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و الحدائق إلى أن طلاق الصبي لا يصح مميزا كان، أو غير مميز، بلغ عشرا، أو لم يبلغها، لأن البلوغ من الشروط العامة، و لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): لا يجوز طلاق الغلام، حتى يحتلم.

و هناك رواية أخرى تجيز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين، و لكن أعرض عنها المشهور، و وصفها صاحب الشرائع بالضعف، و حملها صاحب الجواهر على ما إذا احتلم ابن العشر، و هو كامل العقل، كما يحصل ذلك في بعض البلدان الحارة.

4

2- العقل

، فلا يصح طلاق المجنون مطبقا كان أو أدوارا حال جنونه، و لا المغمى عليه، و لا الذي غاب عقله بسبب الحمى، و لا النائم، و السكران، سواء أ كان السكر باختياره، أو أكره عليه.

3- الاختيار

، فلا يقع طلاق المكره، قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك مضافا إلى النصوص العامة، مثل رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه، و رواية زرارة عن الإمام أبي جعفر الصادق (عليهما السّلام): ليس طلاق المكره بطلاق، و لا عتقه بعتق.

4- القصد

، أي أن يتلفظ بالطلاق، و يقصد معناه حقيقة، فلو قصد، و لم يتلفظ، أو تلفظ، و لم يقصد لسهو أو نوم أو سكر أو غلط أو هزل لا يقع الطلاق، قال صاحب الجواهر: «للإجماع، و صحيح هشام عن الإمام الصادق (عليه السّلام): لا طلاق إلّا لمن أراد الطلاق. و قول الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): لا طلاق إلّا بنية، و لو أن رجلا طلق، و لم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا».

و إذا تلفظ بصيغة الطلاق، ثم قال: لم أقصد الطلاق، فهل يقبل قوله؟

الجواب: إذا صدقته هي في قوله قبلت دعواه، سواء أ كانت في العدّة أو بعدها، قال صاحب الجواهر: «لا خلاف أجده في قبول دعواه إذا صدقته، لأن الحق منحصر فيهما، بل ظاهر الفقهاء على ذلك، حتى مع انقضاء العدة».

و ان لم تصدقه يقبل منه ما دامت المرأة في العدة، لبقاء العلاقة الزوجية، و لا يسمع قوله إذا ادعى ذلك بعد انقضاء العدّة، لأن هذا التأخير قرينة ظاهرة على كذبه، كما جاء في الجواهر نقلا عن «كشف اللثام».

5

طلاق الولي:

ليس للأب أن يطلق عن ابنه الصغير، و بالأولى غيره، لحديث: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» و لأن الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عن رجل يزوج ابنه، و هو صغير؟

قال: لا بأس. قال السائل: يجوز طلاق الأب؟ قال الإمام: لا.

و ذهب المشهور بشهادة صاحب الحدائق إلى أن الصبي إذا بلغ فاسد العقل بحيث اتصل جنونه بالصغير فإنه لأبيه، أو جده من جهة الأب أن يطلق عنه، مع وجود المصلحة، فإن لم يكن أب و لا جد لأب طلق عنه الحاكم، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن طلاق المعتوه؟ قال: «يطلق عنه وليه، فإني أراه بمنزلة الإمام».

و علق صاحب الجواهر على هذه الرواية و غيرها الواردة في ذلك علق بقوله: لا إشكال في دلالة النصوص على صحة طلاق الولي عنه.

الوكالة في الطلاق:

ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و الحدائق إلى أن للزوج غائبا كان أو حاضرا أن يوكل من شاء في طلاق زوجته، لإطلاق أدلة الوكالة.

و قال الشيخ الطوسي و ابن حمزة و ابن البراج و غيرهم: ان التوكيل في الطلاق يصح من الغائب دون الحاضر.

و تسأل: هل يجوز أن تكون هي وكيلة من قبل الزوج في طلاق نفسها.

قال صاحب الحدائق ما نصه بالحرف: «قال الشيخ- أي الشيخ الكبير المعروف بالشيخ الطوسي- في المبسوط: «و ان أراد أن يجعل الأمر إليها فعندنا لا يجوز على الصحيح من المذهب»، و توقف صاحب الحدائق عن الحكم، أما صاحب الجواهر فقال: «و على كل حال فالاحتياط لا ينبغي تركه».

6

أجل، يجب هنا الاحتياط، لأن الفروج، تماما كالدماء، و لأن توكيلها من الشبهات التي يجب الوقوف عندها. هذا، إذا كان توكيلها بالطلاق بعد العقد، أما إذا اشترط ذلك في متن العقد بحيث يجوز لها أن تطلق نفسها متى تشاء يبطل الشرط جزما و يقينا، لأنه تحايل على اللّه بجعل الطلاق في يدها، و وقوعه بالرغم عن الزوج، و قد أجمع الفقهاء قولا واحدا على فساد كل شرط مخالف لكتاب اللّه و سنة نبيه، فقد سئل الإمام الباقر أبو الإمام الصادق (عليهما السّلام) عن رجل تزوج امرأة، و اشترطت عليه أن بيدها الجماع و الطلاق؟. قال: خالفت السنة، و وليت حقا ليست له بأهل. ان عليه الصداق، و بيده الجماع و الطلاق.

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «لا طلاق إلّا لمن أراد الطلاق». و لو صحت هذه الوكالة لصح أن توكل المرأة الخلية رجلا ضمن عقد لازم كالبيع أن يزوجها بمن يشاء، حتى و لو لم ترض به، و لا أظن أحدا يجرأ على فتح هذا الباب و هو يعلم عواقبه الوخيمة.

المطلقة:

الركن الثاني من أركان الطلاق هو المطلقة، و يشترط فيها:

1- أن تكون بالفعل زوجة دائمة، فإذا قال: ان تزوجت فلانة فهي طالق، أو كل من أتزوجها فهي طالق كان لغوا بالإجماع، قال صاحب الجواهر: «بل لعله من ضرورات المذهب».

2- التعيين، و هو أن يقول: فلانة طالق، أو يشير إليها بما يرفع الإبهام و الاحتمال.

3- إذا طلق المدخول بها غير الآئسة و الحامل فيجب أن تكون في طهر لم‌

7

يواقعها فيه، فلو طلقت، و هي في الحيض أو النفاس، أو في طهر المواقعة فسد الطلاق إجماعا و نصا، و منه قول الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): ان المرأة إذا حاضت و طهرت من حيضها أشهد رجلين عدلين قبل أن يجامعها على تطليقه.

و قال الرازي في تفسير الآية من سورة الطلاق يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. قال ما نصه بالحرف: «أي لزمان عدتهن، و هو الطهر بإجماع الأمة، و قال جماعة من المفسرين: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، و بالجملة فالطلاق حال الطهر لازم، و إلّا لا يكون سنيا، و الطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآئسة و الحامل».

و هذا عين ما قاله فقهاء الشيعة بالذات. و إذا وطأها حال الحيض فلا يصح طلاقها بعد انقطاع الحيض، بل لا بد من الانتظار حتى تحيض مرة ثانية، و ينقطع الحيض، و يطلقها في طهر آخر، لأن الشرط أن تستبرئ بحيضة بعد المواقعة، لا مجرد وقوع الطلاق في طهر لم يواقعها فيه، بل لا بد من الاستبراء بحيضة لم يواقعها فيها.

المسترابة:

هي التي في سن من تحيض، و لا تحيض- خلقة أو لمرض أو نفاس- و لا يصح طلاقها إلّا بعد أن يمسك عنها الزوج ثلاثة أشهر على الأقل إجماعا و نصا، و منه أن الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عنها؟ فقال: يمسك عنها ثلاثة أشهر، ثم يطلقها.

8

صحة الطلاق في الحيض:

اتفقوا على أن خمسا من الزوجات يصح طلاقهن في الحيض و غيره:

1- الصغيرة التي لم تبلغ التاسعة.

2- التي لم يدخل بها الزوج ثيبا كانت أو بكرا، مع الخلوة، و عدمها.

3- الآئسة، و هي التي بلغت سن الخمسين أن كانت غير قرشية، و الستين أن تكنها.

4- التي غاب عنها زوجها مدّة يمكن أن تحيض فيها، و تنتقل إلى طهر، و قدّرها كثير من الفقهاء بشهر، و فيه أكثر من رواية عن أهل البيت (عليهم السّلام) منها ما رواه إسحاق عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: الغائب إذا أراد أن يطلقها تركها شهرا.

و المسجون بحكم الغائب.

5- الحامل. و الدليل روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السّلام) منها قول الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): خمس يطلقهن الرجل على كل حال: الحامل المتيقن حملها، و التي لم يدخل بها زوجها، و الغائب عنها زوجها، و التي لم تحض- أي لم تبلغ التاسعة- و التي يئست من المحيض.

الصيغة:

الركن الثالث الصيغة، و كما أن عقد الزواج لا يقع إلّا بلفظ «زوجتك و أنكحتك» تعبدا من الشارع كذلك الطلاق لا يقع إلّا بلفظ «طالق» تعبدا من الشارع، فإذا قال: أنت الطالق مع الالف و اللام، أو المطلقة، أو طلقتك، أو الطلاق، و ما إلى ذلك كان لغوا، فقد جاء في صحيح الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه سئل عن رجل، قال لامرأته: أنت خلية أو بريئة أو بائن أو حرام؟

9

فقال: ليس بشي‌ء. و في رواية بكير بن أعين عن الإمام (عليه السّلام) أن يقول لها، و هي في طهر من غير جماع: أنت طالق، و يشهد شاهدين عدلين، و كل ما سوى ذلك فهو ملغي.

فقول الإمام: «و كل ما سوى ذلك فهو ملغي» واضح لا يتحمل التفسير و التأويل، و الاجتهاد معه اجتهاد في مورد النص. و بالأولى أن لا يقع الطلاق، إذا قال له قائل: هل طلقت زوجتك؟ فقال: نعم، حتى و لو قصد بنعم إنشاء الطلاق.

و لا يقع الطلاق بغير العربية مع القدرة على التلفظ بلفظ «طالق»، قال صاحب الجواهر: «وفاقا للمشهور لظاهر النصوص». و لا بالكتابة أو الإشارة إلّا من الأخرس العاجز عن النطق، قال صاحب الجواهر: «قولا واحدا، للأصل و ظاهر النصوص». و كذلك لا يقع الطلاق بالحلف، و لا بالنذر، و لا بالعهد، و لا بالتعليق على شي‌ء كائنا ما كان، و لا بشي‌ء إلّا بلفظ «طالق» مجردا عن القيود.

لا لشي‌ء إلّا تعبدا من الشارع الذي حصر الطلاق بهذه اللفظة دون غيرها، و ربما كانت الحكمة التضييق.

و إذا قال: أنت طالق ثلاثا، أو أنت طالق أنت طالق أنت طالق، و قصد الثلاث لا تقع إلّا واحدة، قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك، بل كأنّه من ضروري مذهب الشيعة». و في صحيح زرارة أنّه سأل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، و هي طاهر؟ قال: واحدة.

الإشهاد على الطلاق:

الركن الرابع الاشهاد فلا يقع إلّا بحضور شاهدين عدلين، و لا تقبل شهادة النساء منفردات و لا منضمات، و إذا طلق ثم أشهد وقع الطلاق لغوا، إجماعا‌

10

و كتابا و سنة متواترة، منها قول الإمام الصادق و أبيه الباقر (عليهما السّلام): و ان طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع، و لم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق. و في رواية ثانية عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: كان علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) لا يجيز شهادة امرأتين في الزواج، و لا يجيز في الطلاق إلّا شاهدين عدلين.

و قال الشيخ أبو زهرة- من علماء السنة- في كتاب الأحوال الشخصية، فصل إثبات الطلاق و الاشهاد فيه:

«قال فقهاء الشيعة: ان الطلاق لا يقع من غير إشهاد عدلين، لقوله تعالى:

وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ ذٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كٰانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق و جواز الرجعة فكان المناسب أن يكون راجعا إليه- أي إلى الطلاق- و ان تعليل الاشهاد بأنه يوعظ به من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر يرشح ذلك و يقويه، لأن حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى اللّه، و أنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي، فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين».

السني و زوجته الشيعية:

إذا كان الزوج سنيا، و الزوجة شيعية، و طلقها طلاقا معلقا، أو بلفظ ثلاثا، أو في طهر المواقعة، أو في حال الحيض و النفاس، أو بغير شاهدين، أو حلف عليها بالطلاق، أو ما إلى ذلك مما يصح عند السنة، و يبطل عن الشيعة، فهل يكون هذا صحيحا، أي نرتب عليه آثار الصحة، و تكون المطلقة خلية، يجوز‌

11

التزويج بها بعد انقضاء العدة؟

اتفقوا بشهادة صاحب الجواهر على إلزام كل طائفة بما تدين، و ترتيب آثار الصحة على زواجهم و ميراثهم و طلاقهم، و جميع معاملاتهم إذا أوقعوها على وفق ما يدينون، لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): ألزموهم من ذلك ما ألزموا أنفسهم.

و في رواية ثانية أنّه سئل عن امرأة طلقها سني على غير الشروط عند الشيعة؟

فقال: تتزوج المرأة، و لا تترك من غير زوج. و في ثالثة: يجوز على أهل كل دين ما يستحلّون. و في رابعة من دان بدين قوم لزمته أحكامهم.

و على هذا فإذا طلق السني زوجته الشيعية على ما يعتقد هو فالطلاق صحيح، و لو طلق الشيعي زوجته السنية حسب ما تعتقد هي لا ما يعتقد هو فسد الطلاق، لأن الطلاق من فعل الرجل فيكون المعيار عقيدته هو لا عقيدتها.

و قال صاحب الجواهر: نرتب الآثار على كل ما هو صحيح عندهم فاسد عندنا، بل مقتضى رواية الإلزام أنّه يجوز لنا أن نتناول كل ما هو دين عندهم، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل مات، و ترك ابنته و أخته لأمه و أبيه؟ فقال الإمام (عليه السّلام): المال كله لابنته، و ليس للأخت شي‌ء. قال السائل: قد احتجنا إلى هذا، و الميت من السنة، و أخته من الشيعة؟ قال الإمام (عليه السّلام): خذ لها النصف، خذوا منهم كما يأخذون منكم في سنتهم، و قضائهم، و قضاياهم، خذ بحقك في أحكامهم و سنتهم كما يأخذون منكم.

الطلاق سنة و بدعة:

قسم الفقهاء الطلاق باعتبار شرعيته و عدمها إلى قسمين: طلاق السنة، و طلاق البدعة، و طلاق السنة هو الذي شرعه اللّه و رسوله، و يقع صحيحا تنحلّ به‌

12

العصمة بين الزوجين، و طلاق البدعة هو غير المشروع، و تبقى العصمة على ما كانت.

و يدخل في طلاق البدعة أربعة أقسام:

أحدهما: أن يطلق الحائض أو النفساء بعد دخوله بها، و حضوره معها، و كونها حائلا، لا حاملا.

ثانيها: أن يطلقها في طهر واقعها فيه، و هي شابة غير حامل إذا كان حاضرا.

ثالثها: أن يطلقها ثلاثا بصيغة واحدة، أو بأكثر دون أن تتخلل الرجعة منه إليها بعد الطلاق الأول حيث تصح التطليقة الواحدة، و يفسد ما زاد عنها، كما سبق.

رابعها: أن يطلق بغير شهود.

أمّا طلاق السنة

فهو أن يطلق الرجل زوجته مع الشروط المقررة، و توافرها كاملة على التفصيل السابق.

الطلاق رجعي و بائن:

ينقسم طلاق السنة إلى رجعي، و بائن. و الطلاق الرجعي هو ما يملك معه المطلق الرجعة إلى المطلقة ما دامت في العدة، سواء أ رضيت أم لم ترض، و من شرطه أن تكون المرأة مدخولا بها، لأن المطلقة قبل الدخول لا عدّة لها، لقوله تعالى في الآية 49 من سورة الأحزاب يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا. و من شرط الطلاق الرجعي أيضا أن لا يكون الطلاق عوض مال تدفعه الزوجة، لتفتدي به و تتحرر من قيد الزواج، و ان لا يكون مكملا للثلاث، كما تأتي الإشارة.

13

و اتفقوا أن المطلقة الرجعية بحكم الزوجة، و للمطلق كل حقوق الزوج عليها، و يحصل التوارث بينهما لو مات أحدهما قبل الآخر و قبل انقضاء العدّة، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): المطلقة- أي الرجعية- تكتحل و تختضب، و تلبس ما شاءت من الثياب، لأن اللّه عزّ و جل يقول لَعَلَّ اللّٰهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْراً.

و بالجملة ان الطلاق الرجعي لا يحدث شيئا سوى عدّة من التطليقات الثلاث.

أمّا الطلاق البائن فلا يملك المطلق فيه الرجعة إلى المطلقة، و هو يشمل عددا من المطلقات:

1- غير المدخول بها.

2- المطلقة ثلاثا.

3- المطلقة طلاقا خلعيا، و هي التي بذلت مالا، لتفتدي به، و يأتي الكلام عنها في الطلاق الخلعي.

4- الآئسة، و لا عدّة لها تماما كغير المدخول بها، أما الآية 4 من سورة الطلاق وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ فليس المراد من اللائي يئسن المعلوم يأسهن، بل معناه أن اللائي ارتفع حيضهن و لا تدرون: هل انقطع و ارتفع لمرض، أو لكبر فعدتهن ثلاثة أشهر بدليل قوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ فان المفهوم منه ان شككتم في المرأة نفسها، و انها قد بلغت حد اليأس أو لا فحكمها ان تعتد ثلاثة أشهر، و أما قوله تعالى وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ فان المراد به الشابات اللائي في سن من تحيض، و مع ذلك انقطع عنهن الدم. و سنعود إلى الكلام عن حكم الآئسة مرة ثانية إنشاء في فصل العدّة.

5- التي لم تبلغ التسع، و ان دخل بها.

14

المطلقة ثلاثا و المحلّل:

من طلق زوجته ثلاث مرات فلا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا، و يدخل بها المحلل حقيقة، لقوله تعالى في الآية 230 من سورة البقرة:

فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ، حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يَتَرٰاجَعٰا.

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): المطلقة التطليقة الثالثة لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره، و يذوق عسيلتها.

و يشترط أن يكون المحلل بالغا، و ان يكون الزواج دائما، و ان يدخل، فقد سئل الإمام (عليه السّلام) عن رجل طلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره، فتزوجها غلام لم يحتلم؟ قال: لا، حتى يبلغ. و أيضا سئل عن امرأة طلقت ثلاثا، ثم تزوجت متعة، أ تحل للأول؟ قال: لا. فان اللّه يقول: فان طلقها- أي الثاني- فلا جناح عليهما أن يتراجعا، و المتعة ليس فيها طلاق. أمّا شرط الدخول فيدل عليه قول الإمام (عليه السّلام) في الرواية السابقة: «و يذوق عسيلتها».

و إذا حللها بالشروط الثلاثة، ثم فارقها بموت أو طلاق، و انقضت عدتها جاز للأول أن يعقد عليها ثانية، فإذا عاد و طلق ثلاثا تحرم عليه، حتى تنكح زوجا غيره، و هكذا تحرم بعد كل طلاق ثالث، و تحل بنكاح المحلل، و ان طلقت مائة مرة، إلّا في صورة واحدة، و هي ما إذا طلقت تسع مرات للعدة، و تزوجت مرتين فإنها تحرم مؤبدا. و معنى طلاق العدة أن يطلقها، ثم يراجعها، و يطأها، ثم يطلقها في طهر آخر، ثم يراجعها و يطأها، ثم يطلقها، و يحللها المحلل، ثم يتزوجها الأول بعقد جديد، و يطلقها ثلاثا للعدة، كما فعل أولا، ثم يتزوجها الأول، فإذا طلقها ثلاثا، و تم طلاق العدة تسع مرات حرمت عليه أبدا، قال صاحب الجواهر‌

15

«الإجماع على ذلك»، ثم ذكر روايات عن أهل البيت (عليهم السّلام) منها قول الإمام الصادق (عليه السّلام): و الذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات و تزوج ثلاث مرات لا تحل له أبدا.

و إذا لم يكن الطلاق للعدة، كما إذا طلق، ثم رجع في العدّة، ثم طلق قبل أن يطأ، أو طلق و اعتدت و بعد الانتهاء من العدة تزوجها، ثم طلقها لم تحرم مؤبدا، بل تحل بمحلل، و ان بلغت التطليقات ما لا يبلغه الإحصاء.

الشك و التردد:

إذا شك في صدور الطلاق، و أنّه هل طلق أو لا؟ فالأصل عدم الطلاق، و إذا علم بأنه طلق، و لم يدر: هل طلق مرّة أو أكثر؟. فالأصل عدم الزيادة على ما هو المتيقن.

تصديق المطلقة بالتحليل:

إذا طلقها ثلاثا، و غاب عنها، أو غابت عنه مدّة تتسع لمضي العدّة منه، و الزواج و الطلاق و مضي العدّة من غيره، و ادعت أنّها تزوجت، و طلقت، و اعتدت، إذا كان كذلك يقبل قولها بلا يمين، و للأول أن يتزوجها إذا اطمأن إلى صدقها، و لا يجب عليه الفحص و البحث، قال صاحب الجواهر: «لم أجد فيه خلافا محققا، لرواية حماد الصحيحة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) في رجل طلق امرأته ثلاثا، فبانت منه، فأراد مراجعتها، فقال لها: اني أريد مراجعتك فتزوجي زوجا غيري، فقالت: قد تزوجت زوجا غيرك، و حللت لك نفسي؟ أتصدّق، و يراجعها، و كيف يصنع؟ قال الإمام: إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها».

16

و علق صاحب الجواهر على هذه الرواية: «بأن وثاقة المرأة و أمانتها في أخبارها ليس بشرط، لعدم القائل باعتباره، و لأنه لا مدخلية لوثاقة المدعي من حيث كونه كذلك في تصديقه، و الإمام (عليه السّلام) إنّما ذكر هذا الشرط للاستحباب لا للوجوب». و نقول: ان الأمر يدل على الوجوب، و الاستحباب يحتاج إلى قرينة، و لا قرينة هنا، و لا خصم مكذب لها، كي يقال: لا مدخلية لوثاقة المدعي و عدم القائل لا يخيفنا.

يدخل و يدعي الطلاق:

جاء في كتاب الشرائع و الجواهر ان الغائب إذا طلق، و انقضت العدة، ثم حضر، و دخل بالزوجة، و بعد هذا ادعى الطلاق لم تقبل دعواه، و لا تسمع منه البينة تنزيلا لتصرفه على المشروع، و هو بفعله مكذّب لنفسه، و إذا ولدت ألحق به الولد، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل طلق امرأته، و هو غائب، و اشهد على طلاقها، ثم قدم فأقام مع المرأة أشهرا لم يعلمها بطلاقها، ثم أن المرأة ادعت الحمل، فقال الرجل: قد طلقتك و أشهدت على طلاقك؟ فقال الإمام (عليه السّلام): يلزمه الحمل، و لا يقبل قوله.

17

الخلع و المبارأة

الخلع:

الخلع بضم الخاء، و هو إبانة الزوجة على مال تفتدي به نفسها، و الأصل فيه قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّٰهِ فَلٰا تَعْتَدُوهٰا (1). و قوله في الآية 4 من سورة النساء فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً.

و جاء في الحديث أن ثابت بن قيس كان متزوجا بنت عبد اللّه بن أبي، و كان هو يحبها، و هي تبغضه، فأتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قالت: يا رسول اللّه لا أنا و لا ثابت، لا يجمع رأسي و رأسه شي‌ء، و كان ثابت قد أصدقها حديقة، فقال ثابت: و الحديقة، فقال لها الرسول: ما تقولين؟ فقالت: نعم، و أزيده. قال الرسول: لا، الحديقة فقط. فاختلعت منه. و قيل هذه الحادثة سبب في نزول الآية.

و يقع الكلام في صيغة الخلع، و في الفدية، و الشروط و الأحكام، و سيتضح معنا أن الخلع قسم من أقسام الطلاق، و أنّه يعتبر فيه جميع ما يعتبر في الطلاق بزيادة الفدية و الكره من الزوجة.

____________

(1) البقرة: 229.

18

الصيغة:

لا يقع الخلع بلفظ الكناية، و لا بشي‌ء من الألفاظ الصريحة فيه الا بلفظين فقط، و هما الخلع و الطلاق مع الفدية، فأيهما حصل كفى، فإذا قالت له: بذلت لك كذا لتطلقني، فقال هو: خلعتك على ذلك، أو قال: أنت طالق على ذلك صح، و الأفضل أن يجمع بين الصيغتين، و يقول: خلعتك على كذا فأنت طالق، فان وقوع الخلع مع الجمع بين لفظي الخلع و الطلاق محل وفاق بين الجميع، و يدل على الاكتفاء بالخلع من غير لفظ الطلاق قول الإمام الصادق (عليه السّلام): عدّة المختلعة عدّة المطلقة، و خلعها طلاقها، و هي تجزي من غير أن يسمى طلاقا.

أمّا الاكتفاء بلفظ الطلاق مع البذل فقال صاحب الحدائق: ان ظاهر الفقهاء على ذلك من غير خلاف يعرف، و جاء في كتاب الشرائع و الجواهر: يقع الخلع بالطلاق مع الفدية، و ان انفرد عن لفظ الخلع، لكون الخلع نوعا خاصا من الطلاق.

و نحن و ان كنّا نظريا نكتفي بواحد من لفظ الخلع أو الطلاق مع الفدية، و لكنا عمليا نجمع بينهما معا، و نأمر الرجل أو وكيله أن يقول: هكذا خلعتها على ما بذلت فهي طالق. لأنه أحوط للدين، بخاصة بعد أن أوجبه الشيخ و ابن زهرة و ابن إدريس، و جعفر و الحسن ابنا سماعة و علي بن رباط و ابن حذيفة من المتقدمين، و علي بن الحسن من المتأخرين، كما جاء في كتاب الجواهر، بل فيه رواية عن الإمام الكاظم ابن الإمام الصادق (عليهما السّلام).

و إذا اقتصر على الخلع مجردا عن لفظ الطلاق فهل يقع طلاقا يحسب من الثلاث، أو يكون فسخا لا يعد من التطليقات الثلاث؟

ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و الحدائق إلى أنّه طلاق لا فسخ،

19

لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): خلعها طلاقها. و قوله في رواية ثانية: إذا خلع الرجل امرأته فهي واحدة بائن، أي يعد الخلع تطليقة واحدة.

و اتفقوا على أن صيغة الخلع يجب أن تكون مطلقة غير معلقة على شي‌ء، فلو قال: خلعتك ان كان كذا لم يصح. و أيضا اتفقوا على أن الخلع يجب أن يعقب البذل فورا، و بلا فاصل، فان تراخ لم يستحق العوض، و وقع الطلاق رجعيا ان كان قد دخل، و لم تكن آيسة، و علل صاحب الجواهر وجوب الفور بأن المعاوضة تقتضيه.

و يلاحظ بأنّه لا دليل على الفور من الشرع، و لا من العقل، فالمعيار، اذن، أن تبقى ارادة المرأة للبذل قائمة إلى حين الخلع، فان رجعت عن البذل قبل الخلع بطل، و إلّا صح. و سبق الكلام عن الفور في العقود في الجزء الثالث- فصل شروط العقد، فقرة «الموالاة».

الفدية:

الفدية هي العوض الذي تبذله المرأة للزوج كي يطلق سراحها، و كل ما يصح أن يكون مهرا يصح أن يكون فدية، و كل ما لا يصح أن يكون مهرا لا يصح أن يكون فدية، و يجوز أن تكون بمقدار المهر، و أقل منه، و أكثر إجماعا و نصا، و منه قول الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير.

و لا يشترط أن تكون الفدية معلومة بالتفصيل، بل تكفي المعرفة الإجمالية، كما هو الشأن في المهر، بل هنا أولى، فيجوز أن يخلعها على ما لها في ذمته من مهر و نفقة، و ان لم يعرف المبلغ، و كذا على ما في الصندوق، أو في‌

20

البيت، أو ثمرة البستان، حيث يؤول إلى العلم، قال صاحب الجواهر: «كل ذلك و ما إليه صحيح، لاقتضاء ذلك عموم الأدلة و إطلاقها».

و يصح أن يكون الفداء منها، و من وكيلها القائم مقامها، و من أجنبي إذا طلبت هي منه ذلك، أما إذا تبرع من تلقائه فلا يصح البذل، و لا الخلع الذي بني عليه، قال صاحب الجواهر: «ان المستفاد من الكتاب و السنة مشروعية الفدية منها، و لو بواسطة وكيلها، أما المتبرع فيبقى على أصل المنع، لأنه لا إطلاق و لا عموم يقتضي مشروعية ذلك».

أجل، لو بذل له مالا على أن يطلقها، ففعل، بحيث يكون البذل داعيا إلى الطلاق، و لم يبن الطلاق عليه بالذات صح، و لكن يقع رجعيا لا خلعيا.

و إذا ما خالعته على مال خاص باعتقاد أنّه ملك لها فبان لغيرها، فإن أجاز المالك فذاك، و إلّا كان له البدل من المثل أو القيمة.

و إذا خالعته على إرضاع ولده و نفقته مدّة معينة صح، و لزمها الوفاء، و كذا تصح المخالعة على إرضاع الحمل و الإنفاق عليه أمدا معينا ان ولد حيا، لأن المقتضي موجود، و هو الحمل، و تعهدها بمنزلة الشرط على نفسها، و المؤمنون عند شروطهم ما لم يحلل الشرط حراما، أو يحرم حلالا. و بديهة أن هذا الشرط سائغ شرعا، فيجب الوفاء به، لأنه أخذ في صيغة لازمة.

و إذا خلعها على نفقة الولد، ثم عجزت عن الإنفاق عليه فلها أن تطالب أباه بالنفقة، و يجبر عليها، و لكنه يرجع على الأم بما أنفق إذا أيسرت.

الشروط:

يشترط في كل منهما العقل و البلوغ و الاختيار و القصد، و يصح البذل من‌

21

وليها، و الخلع من وليه مع المصلحة.

و يصح الخلع منه حتى و لو كان مريضا مرض الموت، أو محجّرا عليه لسفه أو فلس، سواء أ كان العوض بقدر المهر أو أقل، لأن الخلع لا يستدعي بذل المال، بل هو موجب لكسب المال، و لأنه لو طلق مجانا لصح، فالطلاق بعوض أولى. أجل، يسلم العوض في خلع السفيه إلى وليه، و لا يصح تسليمه للمخالع.

أما هي فلا يصح بذلها إذا كانت سفيهة إلّا بإذن الولي، و يصح بذلها إذا كانت مفلسة على شريطة أن تبذل شيئا لا يتعلق به حق الغرماء، أمّا المريضة مرض الموت فان خالعته بمقدار مهر أمثالها دون زيادة جاز و نفذ من الأصل، تماما كما لو باع المريض أو اشترى بالقيمة السوقية، أما إذا بذلت أكثر من مهر المثل فيخرج مقدار مهر المثل من الأصل، و ما زاد فمن الثلث.

قال صاحب المسالك: «هذا هو المشهور بين الفقهاء و المعمول به بينهم».

و قال صاحب الشرائع: «و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده».

و يشترط في المختلعة بالإضافة إلى كل ذلك أن تكون في طهر لم يواقعها فيه إذا كان قد دخل بها، و كانت غير صغيرة، و لا آيسة، و لا حامل، تماما كما هو الشأن في المطلقة. و أيضا يشترط في صحة الخلع حضور شاهدي عدل، و إلّا كان لغوا، كما هي الحال في الطلاق. و أيضا يشترط في كل من البذل و صيغة الخلع التنجيز و عدم التعليق.

الكراهية:

خصصنا الكراهية بفقرة مستقلة، مع أنّها من جملة الشروط، لاهميتها، و عدم تنبه الكثيرين إليها، و على أيّة حال فقد اتفقوا قولا واحدا على أن الخلع لا‌

22

يصح، و لا يجوز للرجل أخذ العوض إلّا إذا كانت هي وحدها كارهة للزوج، فإذا لم تكن هناك كراهية إطلاقا لا منها و لا منه، أو كانت منه دونها لم يصح البذل، و حرم عليه أخذه، و يقع الخلع طلاقا رجعيا مع تحقق شروطه، و إذا كانت الكراهية منهما معا تكون مباراة، و يأتي الكلام عنها في فقرة على حدة آخر هذا الفصل.

و الدليل على شرط الكراهية منها بعد الإجماع النصوص المستفيضة أو المتواترة على حد تعبير صاحب الجواهر، منها الحديث المتعلق بزوجة ثابت بن قيس الذي ذكرناه في أول هذا الفصل فقرة «الخلع» و منها قول الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): لا يكون الخلع، حتى تقول: لا أطيع لك أمرا، و لا أبر لك قسما، و لا أقيم لك حدا- أي لا أحترم أحكامك و أقوالك- فخذ مني و طلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير.

و لا فرق بين أن تقول ذلك بهذا اللفظ، أو بما يؤدي معناه، أو بالفعل و بلسان الحال.

أحكام الخلع:

1- إذا توعدها، أو أساء معاملتها بقصد أن تبذل و تفتدي نفسها منه فبذلت خوفا منه

، أو للتخلص من إساءته فهو آثم، و لا يحل له شي‌ء من الفدية، لأنّه لا يحل مال امرئ إلّا عن طيب نفس، و إذا وقع الخلع مبنيا على هذا البذل وقع عند الفقهاء رجعيا، قال صاحب الجواهر: «لا خلاف معتد به في صيرورة الطلاق رجعيا إذا كان مورده كذلك، و لا يستلزم بطلان البذل بطلان الطلاق».

و يلاحظ بأن الصيغة وقعت و أنشئت مبنية على البذل، و المبني على الفاسد‌

23

فاسد، و عليه فلا يقع الخلع بهذه الصيغة، لأنه و ان قصد بها الخلع إلّا أن المقصود غير صحيح، و لا يقع الطلاق الرجعي، لأنه لم يقصد، و لا نص في المورد ليجب التعبد به، فيتعين الحكم بالبطلان من الأساس بذلا و طلاقا.

و إذا أساء معاملتها لا بقصد أن تبذل له، بل لنقص في طبعه، أو ضعف في دينه، و بذلت و خلع مبنيا على هذا البذل صح البذل و الخلع، لعدم صدق الإكراه.

2- ذهب أكثر الفقهاء بشهادة صاحب الحدائق إلى أنّها إذا أتت بفاحشة جاز له أن يعضلها

، و يسئ إليها كي تبذل الفدية، لقوله تعالى وَ لٰا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مٰا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلّٰا أَنْ يَأْتِينَ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (1). قال صاحب الجواهر:

قيل: «ان هذه الآية منسوخة بآية الزّٰانِيَةُ وَ الزّٰانِي فَاجْلِدُوا. و لكن لم يثبت النسخ، و لا قائل به منا».

3- المختلعة إذا لم يكن لها عدة كغير المدخول بها

، أو كان لها عدة، و لكن كان طلاقها مكملا للثلاث- لا يجوز لها أن ترجع عما بذلته.

و إذا كانت في العدة من غير الطلاق الثالث فلا يحق له الرجوع إليها، و لها هي أن ترجع أثناء العدة عن الشي‌ء الذي بذلته على شريطة أن يعلم هو برجوعها قبل انقضاء العدة، فإن علم به كان له أن يرجع بالطلاق، فان رجع تصبح زوجة شرعية له من غير حاجة إلى عقد جديد، و ان علم و لم يرجع تكون مطلقة رجعية يثبت لها جميع ما للرجعية من وجوب النفقة و التوارث، لقول الإمام (عليه السّلام): «تبين منه، و ان شاءت أن يرد إليها ما أخذ منها، و تكون امرأته فعلت». قال صاحب المسالك: «المراد بقول الإمام (عليه السّلام): «و تكون امرأته» أن طلاقها حينئذ يكون رجعيا، و الرجعية بمنزلة الزوجة للإجماع على أنّها تصير امرأته بمجرد‌

____________

(1) النساء: 18.

24

رجوعها».

4- إذا لم ترجع بالبذل يجوز أن يعقد عليها أثناء العدة بعقد جديد

، و مهر جديد، لأنّها أجنبية، و لا يجوز ذلك في المعتدة الرجعية، لأنها زوجة.

5- لا توارث بين المختلعة، و المطلق إذا مات أحدهما قبل انقضاء العدة

، و يثبت التوارث في المعتدة الرجعية.

6- المختلعة تعتد أينما شاءت

، و لا نفقة لها إلّا إذا كانت حاملا كما تقدم في الجزء الخامس باب الزوج.

المبارأة:

المبارأة بالهمزة، و معناها المفارقة، تقول: بارأت شريكي، أي فارقته، و هي تماما كالخلع في الشروط و الأحكام، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): المبارأة تطليقة بائن، و ليس فيها رجعة. و قال: لا مباراة إلّا على طهر من غير جماع بشهود.

و قال: لا ميراث بينهما، لأن العصمة قد بانت.

و تفترق عن الخلع من وجوه:

1- أن تكون الكراهية من الزوجين

، فان لم تكن كراهية، أو كانت من أحدهما فقط لم تصح بلفظ المبارأة، قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك مضافا إلى موثق سماعة عن الإمام الصادق (عليه السّلام): سألته عن المبارأة، كيف هي؟

فقال: يكون للمرأة شي‌ء على زوجها من صداق أو من غيره، و يكون قد أعطاها بعضه، فيكره كل منهما صاحبه، فتقول المرأة لزوجها، ما أخذته منك فهو لي، و ما بقي عليك فهو لك، و أبارئك، فيقول لها: فإن أنت رجعت في شي‌ء مما تركت فأنا أحق ببضعك».

25

2- يجب أن تكون الفدية بمقدار المهر فما دون

، و لا تجوز الزيادة عنه، لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): لا يحل لزوجها أن يأخذ منها إلّا المهر فما دونه.

3- أن الخلع يصح بلفظ خلعتك، و ان لم يتبعه بالطلاق كما تقدم

، أما المبارأة فتصح بلفظ بارأتك، و فاسختك و ابنتك على شريطة أن يتبعه بالطلاق، كما يصح الاقتصار على الطلاق، فيقول لها: أنت طالق. بكذا أو على كذا فلفظ الطلاق لا بد منه على كل حال، قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك، و قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: «لا بد فيها من الاتباع بالطلاق على المشهور، بل لا نعلم فيه مخالفا، و ادعى جماعة أنّه إجماع».

و إذا كان لا بد من لفظ الطلاق فأي لفظ اقترن بالطلاق جاز، سواء أ كان صريحا أو كناية، إذ المعوّل على الطلاق، و لذا لو اقتصر عليه وحده جاز.

26

العدة

وجوب العدة في الجملة من ضرورات الدين، لا يختص القول به بمذهب دون مذهب، و الأصل فيه قوله تعالى وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ. و قوله وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً.

أما السنة فقد تجاوزت حد التواتر، منها هذا الحديث الشريف: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يغشى رجلان امرأة في طهر واحد».

و يتناول كلامنا التالي من لا عدة عليها، و التي عليها العدة إذا فارقها الزوج بطلاق أو فسخ، أو هبة المدة، كما في المتمتع بها، و في عدّة المتوفى عنها زوجها، و عدة من وطئت بشبهة، و استبراء الزانية، و في عدة زوجة المفقود، و‌

ما يترتب على ذلك من أحكام

. لا عدّة:

1- لا عدة على من طلقها الزوج قبل أن يدخل بها بكرا كانت أو ثيبا، إجماعا و نصا، و منه قوله تعالى إِذٰا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنٰاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ

27

تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهٰا (1).

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «إذا طلق امرأته، و لم يدخل بها فقد بانت منه، و تتزوج من ساعتها ان شاءت». و انتهاء مدّة المتمتع بها، أو هبتها بحكم الطلاق بإجماع الفقهاء، و كذا الفسخ.

و لا أثر للخلوة مع عدم الدخول مهما كان نوعها، و إذا فخّذ، و سبق الماء إلى فرجها فهل تجب العدّة؟

الجواب: تجب العدّة، لأن النص قد دل صراحة على أن العدة تجب بأحد أمرين: أما الدخول مطلقا أنزل أم لم ينزل، و أما دخول الماء من غير وطء، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل تزوج امرأة، فأدخلت إليه، و لم يمسها، و لم يصل إليها حتى طلقها، هل عليها عدة منه؟ قال: إنما العدة من الماء. قال السائل:

فإن واقعها في الفرج، و لم ينزل؟ قال الإمام (عليه السّلام): إذا أدخله وجب المهر و الغسل و العدّة.

2- لا عدّة على من لم تكمل التسع ان كان قد دخل بها، ثم طلقها.

3- الآئسة، و هي التي بلغت الخمسين غير القرشية، و الستين ان كانت قرشية، و قد اختلف الفقهاء: هل عليها العدّة إذا طلقها الزوج بعد الدخول؟

و لهم في ذلك قولان: ذهب السيد المرتضى و ابن سماعة و ابن شهرآشوب كما في الجواهر، و ابن زهرة كما في الحدائق و المسالك ذهبوا إلى وجوب العدة عليها تماما كالشابة، لقوله تعالى في الآية 4 من سورة الطلاق وَ اللّٰائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسٰائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلٰاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللّٰائِي لَمْ يَحِضْنَ. و لما روي عن الإمام الصادق (عليه السّلام): أن عدة التي قعدت عن الحيض ثلاثة أشهر.

____________

(1) الأحزاب: 49.

28

و ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و الحدائق و المسالك و غيرهم إلى أنّه لا عدّة لها، و في ذلك روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السّلام) يمكن دعوى تواترها على حد تعبير صاحب الجواهر، و من أجل كثرتها و صحة سندها و عمل المشهور بها وجب ترجيحها على الرواية التي أثبتت العدّة. أما الآية الكريمة فقد مر في فصل الطلاق فقرة «الطلاق رجعي و بائن» أن المراد من اللائي يئسن من المحيض المرأة التي انقطع عنها الدم، و لا نعلم سبب انقطاعه هل هو بلوغها سن اليأس أو عارض آخر، و ان هذه عليها أن تعتد بثلاثة أشهر، و الدليل قوله تعالى إِنِ ارْتَبْتُمْ.

1- عدة المطلقة الحامل:

المطلقة الحامل تعتد بوضع الحمل إجماعا و نصا، و منه قوله تعالى:

وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (1).

و قال الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام): طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه.

و تخرج من العدة بإسقاط الحمل، حتى و لو كان غير تام الخلقة، فقد سئل الإمام (عليه السّلام) عن امرأة وضعت سقطا، و كان قد طلقها زوجها؟ قال: كل شي‌ء يستبين أنّه حمل تم أو لم يتم فقد انقضت عدتها، و ان كان مضغة. أي ان المعيار في السقط الذي تخرج به عن العدّة أن يعلم أنّه مبدأ لتكوين الإنسان (غير النطفة قطعا).

و إذا كانت حاملا بأكثر من واحد فلا تخرج من العدّة إلّا بوضع الجميع، لأن‌

____________

(1) الطلاق: 4.

29

المفهوم من قوله تعالى أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ و هو وضع الكل لا وضع البعض دون البعض.

و سبق أن انتهاء المدّة في المتمتع بها، و فسخ الزواج بحكم الطلاق، و عليه تكون عدة الحامل من فسخ أو انتهاء مدّة المتعة هي وضع الحمل تماما كالمطلقة الحامل.

2- دعوى الحمل بعد الطلاق:

إذا طلقها على الوجه الشرعي، و لم تدع الحمل حين الطلاق، و بعده بأمد قالت: أنا حامل، فهل تصدق؟

الجواب: إذا ادعت الحمل بعد أن مضى على وطئه لها أقصى مدّة الحمل فيرد قولها و لا تصدق، لأن الحمل، و الحال هذي، غير ممكن، و إذا لم تمض هذه المدّة وجب الصبر عليها سنة، فان وضعت قبل انتهائها ألحق الولد بالمطلق، و إلّا فلا يلحق به.

و لا فرق في ذلك بين أن تكون معتدة بالأشهر، أو بالحيض، قال صاحب الحدائق في المجلد السادس ص 342 طبعة 1317 ه: «و ان تأخرت الحيضة الثانية أو الثالثة فقد استرابت بالحمل، و الأصل في هذا الحكم ما رواه الشيخ في التهذيب أن الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع طلاق السنة، و هي ممن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر، فلم تحض إلّا حيضة واحدة، ثم ارتفعت حيضتها، حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى، و لم تدر ما رفع حيضها؟ قال: إذا كانت شابة مستقيمة الطمث، فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلّا حيضة، ثم ارتفع طمثها- أي حيضها- فإنها تتربص تسعة أشهر من يوم طلاقها،

30

ثم تعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر، ثم تتزوج ان شاءت.

3- عدة من استقام حيضها:

إذا طلق الرجل زوجته بعد أن دخل بها، و لم تكن حاملا و لا آيسة، و قد اعتادت أن يأتيها الحيض مرّة أو أكثر فيما دون الثلاثة أشهر، إذا كان كذلك فإنّها تعتد بثلاثة قروء، للآية 228 من سورة البقرة وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ. و القرء هو الطهر، قال صاحب الجواهر، «عملا و رواية، بل لم أقف فيه على مخالف».

قال الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، و حلت للأزواج. و أيضا قال: ان عليا أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال:

انما القرء ما بين الحيضتين. و عليه فإذا طلقها في آخر لحظة من طهرها احتسب من العدة، و أكملت بعده طهرين. و المعتدة بسبب الفسخ، تماما كالمعتدة من الطلاق، أمّا المتمتع بها فتعتد بحيضتين، و يأتي الكلام عنها.

4- عدّة الشابة التي لا تحيض:

إذا كانت شابة في سن من تحيض، و لا تحيض، خلقة أو لمرض فإنّها تعتد مع الدخول، و عدم الحمل بثلاثة أشهر، سواء أفارقها بطلاق، أو بفسخ، أما المتمتع بها فعدتها 45 يوما كما يأتي، و يطلق الفقهاء على هذه الشابة التي لا تحيض اسم المسترابة. أمّا الدليل على أن عدتها ثلاثة أشهر فروايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السّلام)، منها قول الإمام الصادق (عليه السّلام): عدّة المطلقة ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر ان لم تكن تحيض. و أيضا سئل عن رجل طلق امرأته بعد ما ولدت‌

31

و طهرت، هي امرأة لا ترى دما ما دامت ترضع، ما عدتها؟ قال: ثلاثة أشهر.

5- أقصر عدّة:

إذا أخبرت التي اعتدت بالأقراء بأنّها قد اعتدت و قضت عدّتها تصدّق إذا مضت مدّة يمكن انقضاء العدّة فيها، و أقل ما تصدق به المعتدة بالأقراء ستة و عشرون يوما و لحظتان، و ذلك أن يطلقها في آخر لحظة من الطهر، ثم تحيض ثلاثة أيام، و هي أقل مدّة الحيض، ثم يمر بها أقل الطهر عشرة أيّام، ثم تحيض ثلاثة أيّام، ثم يمر بها ثانية أقل الطهر عشرة أيّام، ثم تحيض، فمجرد رؤية الدم الأخير تخرج من العدّة، و لا بد من اللحظة الأولى من الحيض الثالث للعلم بتمامية الطهر الأخير.

و قال صاحب الجواهر: «هذا في ذات الحيض، و إلّا فقد يتصور انقضاء العدّة بأقل من ذلك في ذات النفاس كأن يطلقها بعد الوضع قبل رؤية الدم بلحظة، ثم ترى النفاس لحظة، لأنه لا حد لأقله عندنا، ثم ترى الطهر عشرة أيام، ثم ترى الدم ثلاثا، ثم ترى الطهر عشرا فيكون مجموع ذلك 23 يوما و ثلاث لحظات:

لحظة بعد الطلاق، و لحظة للنفاس، و لحظة الدم الثالث». و لا بد من الإشارة إلى أن المراد بأقصر عدّة لمن كانت معتدة بالأقراء، و إلّا فيمكن أن تكون العدّة أقل من ساعة، كما لو طلقها، و هي حامل، ثم وضعت بعد الطلاق، فإنها تخرج من العدّة بمجرد الوضع.

6 أطول عدّة:

قد تبين مما سبق أن من استقام حيضها تعتد بثلاثة قروء، و من لا تحيض‌

32

و هي في سن من تحيض تعتد بثلاثة أشهر، و تسأل: إذا اعتدت هذه بالأشهر، و لكن قبل مضي ثلاثة أشهر بيض عاد إليها الدم، فما ذا تصنع؟

الجواب: تعتد بأسبق الأمرين من ثلاثة أشهر بيض، أو ثلاثة أقراء، بمعنى ان مضى لها ثلاثة أشهر بيض قبل أن تتم الأقراء انقضت عدتها، و ان مضى ثلاثة أقراء قبل ثلاثة أشهر انقضت عدتها أيضا، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): «أي الأمرين سبق إليها فقد انقضت عدتها، فان مرت ثلاثة أشهر لا ترى فيها دما انقضت عدتها، و ان مرت ثلاثة أقراء انقضت عدتها».

قال صاحب الجواهر: «و بهذا يتضح لك عموم الضابط لكل معتدة من الطلاق، و ما يلحق به- كالفسخ- و هو أي الأمرين سبق إليها اعتدت به من غير فرق بين إفرادها جميعا».

أما إذا رأت الحيض قبل انقضاء الأشهر الثلاثة، و لو بلحظة صبرت تسعة أشهر، و لا يجديها نفعا أن تمر بعد ذلك ثلاثة أشهر بلا دم، و بعد انتهاء الأشهر التسعة فإن وضعت قبل انتهاء السنة خرجت من العدّة، و كذلك إذا حاضت و أتمت الأطهار، و إذا لم تلد، و لم تتم الأقراء قبل سنة اعتدت بثلاثة أشهر مضافة إلى التسعة فيكون المجموع سنة كاملة، قال صاحب الجواهر: «و الأصل في ذلك خبر سودة بن كليب، و هو ان الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عن رجل طلق امرأته تطليقة على طهر من غير جماع بشهود طلاق السنة، و هي ممن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر فلم تحض إلّا حيضة واحدة، ثم ارتفعت حيضتها، حتى مضت ثلاثة أشهر أخرى، و لا تدري ما رفع حيضتها؟ قال: ان كانت شابة مستقيمة الطمث فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلّا حيضة واحدة، ثم ارتفع طمثها، فما تدري ما رفعه، فإنها تتربص تسعة أشهر من يوم طلاقها، ثم تعتد بعد ذلك بثلاثة أشهر، ثم‌

33

تتزوج ان شاءت».

7- عدّة المتمتع بها:

إذا انتهت مدّة المتمتع بها، أو وهبها ايّاها قبل أن يدخل فلا عدّة لها، لأنّها من أفراد آية ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمٰا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ. فان انتهاء المدّة أو هبتها بحكم الطلاق.

و ان كانت حاملا فعدتها وضع الحمل إذا طلقها، لقوله تعالى وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.

و ذهب المشهور بشهادة صاحب ملحقات العروة إلى أن عدّة المتمتع بها مع الدخول، و عدم الحمل حيضتان، لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): إذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق، و يعطيها الشي‌ء اليسير، و عدتها حيضتان.

و ان كانت في سن من تحيض، و لا تحيض فعدتها 45 يوما، قال صاحب الجواهر: «إجماعا و نصوصا، بل في خبر البزنطي عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه قال:

قال: الإمام أبو جعفر (عليه السّلام): عدّة المتمتع بها خمسة و أربعون يوما، و الاحتياط خمس و أربعون ليلة، بمعنى 45 يوما بلياليها، بل الأولى عدم اعتبار التلفيق».

و ان كانت آيسة فلا عدّة لها.

و ان توفي عنها فعدتها أربعة أشهر و عشرة أيّام، سواء أدخل أم لم يدخل، حتى و لو كانت صغيرة، و ان كانت حاملا اعتدت بأبعد الأجلين، قال الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): «كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرّة كانت أو أمة، و على أي وجه كان النكاح متعة، أو تزوجها، أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر و عشرا». و يأتي الكلام عن عدّة الوفاة.

34

8- عدّة من ارتد زوجها:

إذا كان الزوجان مسلمين، و ارتد الزوج ينظر: فإن كان قد ولد على فطرة الإسلام، كما لو كان أحد أبويه مسلما تبين منه زوجته في الحال، لوجوب قتله و تقسيم تركته، و عدم قبول توبته بالنسبة إلى الأحكام الدنيوية، و ان قبلت بينه و بين اللّه عزّ و جلّ، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): كل مسلم ارتد عن الإسلام، و جحد محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و كذبه فإن دمه مباح لكل من سمعه، و امرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه، و يقسم ماله على ورثته، و تعتد امرأته عدّة المتوفى عنها زوجها، و على الإمام أن يقتله، و لا يستتيبه.

و إذا كان مرتدا عن ملة لا عن فطرة، أي لم يكن في الأصل مسلما، و لكنه أسلم، ثم ارتد، و هذا تقبل توبته، و لكن تحرم عليه زوجته المسلمة لمكان الإسلام، و عليه فإنها تعتد عدّة الطلاق، فان تاب أثناء العدّة فهو أملك بها، و إلّا فقد بانت منه.

9- عدّة الوفاة:

إذا توفي عنها الزوج، و هي غير حامل فعدتها أربعة أشهر و عشرة أيّام، كبيرة كانت أو صغيرة، آيسة أو شابة، دخل بها أو لم يدخل دائمة أو منقطعة، لقوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً (1) و هذه الآية بإطلاقها تشمل الجميع، ما عدا الحامل للدليل الآتي.

و ذكرنا في الفقرة السابقة قول الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): على أي وجه كان النكاح فالعدة أربعة أشهر و عشرا إذا مات الزوج.

____________

(1) البقرة: 234.

35

أمّا إذا كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل و الأربعة أشهر و عشرة أيّام، فإن مضت الأربعة و العشرة قبل الوضع اعتدت بالوضع، و ان وضعت قبل مضي الأربعة و العشرة اعتدت بالأربعة و العشرة.

و الدليل على ذلك هو عملية الجمع بين آية يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً و آية أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، فالآية الأولى جعلت العدة أربعة أشهر و عشرا، و هي تشمل الحامل و غير الحامل إذا توفي عنها زوجها، و الآية الثانية جعلت عدّة الحامل وضع الحمل، و هي تشمل المطلقة، و من مات زوجها، فيحصل التنافي بين ظاهر الآيتين في المرأة الحامل التي تضع قبل الأربعة و العشرة، فبموجب الآية الثانية تنتهي العدّة، لأنها وضعت الحمل، و بموجب الآية الأولى لا تنتهي العدّة، لأن الأربعة و العشرة لم تنقض بعد.

و أيضا يحصل التنافي إذا مضت الأربعة و العشرة، و لم تضع، فبموجب الآية الأولى تنتهي العدّة، لأن مدّة الأربعة و العشرة قد مضت، و بموجب الآية الثانية لم تنته العدّة، لأنها لم تضع الحمل، و كلام القرآن يجب أن يلائم بعضه بعضا، بخاصة إذا كانت الآيتان على مستوي واحد في الظهور كما نحن فيه، و على هذا فإذا جمعنا الآيتين هكذا وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً، وَ أُولٰاتُ الْأَحْمٰالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ يكون المعنى أن عدّة الوفاة أربعة أشهر و عشرة أيّام لغير الحامل، و للحامل التي تضع قبل مضي الأربعة و العشرة، و أن الحامل التي تضع بعد مضي الأربعة و العشرة عدتها وضع الحمل، و بهذا الجمع يستقيم الكلام، و قد أخذه فقهاء الشيعة عن أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم أدرى بما فيه.

و اتفقوا على وجوب الحداد على من توفي عنها زوجها ما دامت في العدّة،

36

و معنى الحداد أن تجتنب كل ما من شأنه أن يحسّنها، و يدعو إلى اشتهائها، قال الإمام الصادق (عليه السّلام): المتوفى عنها زوجها لا تكتحل للزينة، و لا تتطيب، و لا تلبس ثوبا مصبوغا، و لا تبيت عن بيتها، و تقضي الحقوق.

و المعيار في ترك الزينة هو العرف.

و اتفقوا على أن المطلقة طلاقا رجعيا إذا مات زوجها قبل انقضاء العدّة فعليها أن تستأنف عدّة الوفاة من حين موته، سواء أ كان الطلاق في مرض الموت، أو في حال الصحة، لأن العصمة بينها و بين المطلق لم تنقطع، و لذا يتوارثان، و تجب لها النفقة، أمّا لو كانت معتدة من طلاق بائن فإنها تمضي في عدتها، و لا تتحول إلى عدّة الوفاة، لانقطاع العصمة. و قد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن رجل طلق امرأته طلاقا يملك فيه الرجعة، ثم مات عنها؟ قال:

تعتد بأبعد الأجلين أربعة أشهر و عشرا.

ثم أن مبدأ عدّة الطلاق من حين وقوعه حاضرا كان الزوج أو غائبا، و عليه فإذا طلقها، و لم تعلم، حتى مضت العدّة فلا يجب أن تعتد ثانية، أما مبدأ عدّة الوفاة فمن حين بلوغها الخبر إذا كان الزوج غائبا، أما إذا كان حاضرا، و افترض عدم علمها بموته إلّا بعد حين فمبدأ العدّة من حين الوفاة، قال صاحب الجواهر:

«تعتد زوجة الحاضر من حين الطلاق أو الوفاة بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع على ذلك، لقاعدة اتصال العدّة بسببها. و تعتد من الغائب في الطلاق من حين وقوعه عند المشهور، للنصوص المستفيضة أو المتواترة كصحيح ابن مسلم، قال لي الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام): إذا طلق الرجل، و هو غائب فليشهد على ذلك، فإذا مضى ثلاثة من ذلك اليوم فقد انقضت عدتها.

أجل، تعتد زوجة الغائب من الوفاة من حين بلوغها الخبر، لا من حين الوفاة على‌

37

المشهور، للنصوص المستفيضة أو المتواترة، كصحيح ابن مسلم عن الإمام (عليه السّلام) في رجل يموت، و تحته امرأة، و هو غائب؟ قال: تعتد من يوم يبلغها وفاته».

10- عدّة وطء الشبهة:

وطء الشبهة هو الوطء الذي يعذر فيه صاحبه، و لا يجب عليه الحد، لأن موضوع الحد هو الزنا و المفروض عدمه، و تجب العدّة من وطء الشبهة، لأنه وطأ محترم، و قد ثبت النص: «إذا التقى الختانان وجب الغسل و المهر و العدة». و العدة منه تماما كالعدة من الطلاق، فان حملت اعتدت بوضع الحمل، و ان كانت من ذوات القروء اعتدت بثلاثة منها، فقد سئل الإمام (عليه السّلام) عمن تزوج امرأة في عدتها؟

قال: ان دخل بها فرق بينهما، و تأخذ ببقية العدّة من الأول، ثم تأتي عن الثاني ثلاثة أقراء مستقبلة.

و على هذا فإذا مات الواطئ بشبهة فلا تعتد المرأة عدّة وفاة، لأنها ليست زوجة، كي ينطبق عليه قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوٰاجاً.

و تسأل: هل يجب على من وطأها بشبهة أن ينفق عليها أيّام عدتها؟

الجواب: لا، سواء أ كانت حاملا أو حائلا، لأن النفقة انما تجب للمطلقة الرجعية التي يملك الرجعة إليها، و للمطلقة البائن إذا كانت حاملا، و هذه ليست مطلقة، و من هنا قال صاحب الجواهر: «الأصح أنّه لا نفقة لها مطلقا للأصل».

سؤال ثان: لو افترض أن الموطوءة بشبهة كانت متزوجة، فهل تجب نفقتها على الزوج الشرعي أيّام عدّتها، أو تسقط بالنظر إلى حرمة مقاربتها؟

الجواب: تجب نفقتها عليه، لأن المانع من مقاربتها لم يأت من جهتها، بل أتى من جهة الشرع، و بديهة أن المانع الشرعي كالمانع العقلي، و عليه فلا تكون‌

38

ناشزة، كي تسقط نفقتها.

ثم أن كانت الشبهة من الرجل و المرأة ألحق الولد بهما معا على تقدير الحمل، و وجب لها المهر، و ان كان المشتبه أحدهما دون الآخر ألحق الولد بالمشتبه، و ان كانت هي عالمة بالتحريم فلا مهر لها، لأنها بغي، و لا مهر لبغي.

و تقدم الكلام على ذلك مفصلا في باب الزواج.

11- اجتماع العدتين:

إذا كانت متزوجة فوطئت بشبهة، ثم طلقت، أو كانت معتدة من طلاق أو وفاة، و وطئت بشبهة قبل انتهاء العدة، فقد اجتمع عليها عدتان، إذا كان كذلك فهل تتداخل العدتان، و تكتفي بعدة واحدة لهما، أو لا بد من أن تعتد مرتين، فتتم عدّة الطلاق إذا كانت قد وطئت أثناء العدّة، و بعدها تعتد ثانية للشبهة، و إذا كانت قد وطئت شبهة، و هي متزوجة، ثم طلقت تعتد أولا للشبهة، ثم تستأنف العدّة للطلاق؟

ذهب المشهور بشهادة صاحب الجواهر و الحدائق إلى وجوب التعدد و عدم التداخل، لأن الأصل تعدد المسبب بتعدد السبب، و لبعض الروايات الدالة على أن المرأة إذا تزوجت في عدتها جهلا يبطل الزواج، و لكن العدّة لم تنقطع، فإن لم يدخل الزوج أكملت عدتها و كفى، و ان كان قد دخل أتمت العدّة الأولى، لأنها أسبق و استأنفت الأخرى.

و ذهب جماعة من كبار الفقهاء، منهم صاحب المسالك و صاحب الحدائق و صاحب ملحقات العروة إلى التداخل، و الاكتفاء بعدة واحدة، و في ذلك روايات كثيرة و صحيحة عن أهل البيت (عليهم السّلام)، منها أن الإمام الباقر أبو الإمام جعفر‌

39

الصادق (عليهما السّلام)، سئل عن امرأة تزوجت قبل أن أن تنقضي عدتها؟ قال: يفرق بينهما و تعتد عدّة واحدة منهما جميعا.

12- عدّة الزانية:

اتفقوا بشهادة صاحب الحدائق على أن الحامل من الزنا لا عدة لها، و أنّه يجوز لها أن تتزوج قبل أن تضع حملها، و اختلفوا فيمن زنت و لم تحمل: فهل يجب عليها أن تستبرئ بحيضة؟

ذهب المشهور إلى عدم الوجوب، و أنّه يجوز أن تتزوج بمن تشاء، و يتزوجها من شاء في الساعة التي زنت بها.

و قال العلامة الحلي و صاحب الحدائق: يجب أن تستبرئ بحيضة، و قال صاحب المسالك: لا بأس به حذرا من اختلاط المياه، و تشويش الأنساب.

و نحن أيضا نقول: لا بأس به، لما جاء في كتاب الكافي أن الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عن رجل يفجر بالمرأة، ثم يبدو له أن يتزوجها، هل يحل له ذلك؟ قال: نعم، إذا اجتنبها، حتى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور، فله أن يتزوجها.

و إذا وجب أن تستبرئ من ماء من زنى بها قبل أن يتزوجها، ليتميز الولد الشرعي من غيره، فاستبراؤها من ماء غيره أولى.

13- عدّة الكتابية:

عدة الكتابية، تماما كعدة المسلمة عددا و حكما و حدادا، سواء أ كانت زوجة لمسلم أو لكتابي مثلها، فإذا مات عنها زوجها أو طلقها فلا يصح التزويج‌

40

بها إلّا بعد انقضاء عدتها، قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف أجده، لإطلاق الأدلة، و صحيح السراج عن الإمام الصادق (عليه السّلام) قلت له: النصرانية مات عنها زوجها، و هو نصراني، ما عدتها؟ قال: عدّة الحرّة المسلمة أربعة أشهر و عشرا».

14- زوجة المفقود:

الغائب على حالين: أحدهما أن يعرف موضعه، و هذا لا يحل لزوجته أن تتزوج بالاتفاق.

الحال الثانية: أن ينقطع خبره، و لا يعلم موضعه، و حينئذ ينظر: فإن كان له مال تنفق منه زوجته، أو كان له ولي ينفق عليها، أو وجد متبرع بالإنفاق- وجب على زوجته الصبر و الانتظار، و لا يجوز لها أن تتزوج بحال، حتى تعلم بوفاة الزوج أو طلاقه. و ان لم يكن له مال، و لا من ينفق عليها فإن صبرت فذاك، و ان أرادت الزواج رفعت أمرها إلى الحاكم فيؤجلها أربع سنين من حين رفع الأمر إليه، ثم يفحص عنه في تلك المدّة، فإن لم يتبين شي‌ء ينظر، فإن كان للغائب ولي يتولى أموره أو وكيل أمره الحاكم بالطلاق، و ان لم يكن له ولي و لا وكيل، أو كان، و لكن امتنع الولي أو الوكيل من الطلاق، و لم يمكن إجباره طلّقها الحاكم بولايته الشرعية، و تعتد بعد هذا الطلاق بأربعة أشهر و عشرة أيام، و يحل لها بعد ذلك أن تتزوج.

و كيفية الفحص أن يسأل عنه في مكان وجوده، و يستخبر عنه القادمون من البلد الذي يحتمل وجوده فيه. و خير وسيلة للفحص أن يستنيب الحاكم من يثق به من المقيمين في محل السؤال، ليتولى البحث عنه، ثم يكتب للحاكم بالنتيجة، و يكفي من الفحص المقدار المعتاد، و لا يشترط السؤال في كل مكان يمكن أن‌

41

يصل إليه، و لا أن يكون البحث بصورة مستمرة. و إذا تم الفحص المطلوب بأقل من أربع سنوات بحيث نعلم أن متابعة السؤال لا تجدي يسقط وجوب الفحص، و لكن لا بد من الانتظار أربع سنوات عملا بظاهر النص، و مراعاة للاحتياط في الفروج، و احتمال ظهور الزوج أثناء السنوات الأربع، أي يسقط وجوب الفحص للعلم بعدم الجدوى منه أما وجوب التربص فيبقى على ما هو.

و بعد هذه المدّة يقع الطلاق، و تعتد أربعة أشهر و عشرة أيّام، و لكن لا حداد عليها، و تستحق النفقة أيّام العدّة، و يتوارثان ما دامت فيها، و إذا جاء الزوج قبل انتهاء العدّة فله الرجوع إليها ان شاء، كما أن له إبقاءها على حالها، و ان جاء بعد انتهاء العدّة، و قبل أن تتزوج فالقول الراجح أنّه لا سبيل له عليها، و بالأولى إذا وجدها متزوجة.

و الدليل على ذلك روايات عن أهل البيت (عليهم السّلام)، منها أن الإمام الصادق (عليه السّلام) سئل عن المفقود، كيف يصنع بامرأته؟ قال: ما سكتت و صبرت يخلى عنها، فإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجّلها أربع سنين، ثم يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه، و يسأل عنه، فان جاء الخبر بحياته صبرت، و ان لم يخبر عنه بشي‌ء، حتى تمضي الأربع سنين دعي ولي الزوج المفقود، و قيل له: هل للمفقود مال، فإن كان له مال أنفق عليها، حتى يعلم حياته من موته، و ان لم يكن له مال قيل للولي:

أنفق عليها، فان فعل فلا سبيل لها أن تتزوج ما دام ينفق عليها، و ان أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلق تطليقة في استقبال العدّة، و هي طاهر، فيصير طلاق الولي طلاق الزوج، فان جاء زوجها من قبل أن تنقضي عدتها من طلاق الوالي، و بدا لزوجها أن يراجعها فهي امرأته، و هي عنده على تطليقتين- أي ان تطليقة الوالي تحسب من الثلاث- و ان انقضت العدّة قبل أن يجي‌ء، أو يراجع‌

42

فقد حلت للأزواج، و لا سبيل للأول عليها.

و في رواية ثانية ان لم يكن للزوج ولي طلقها الوالي، و يشهد شاهدين عدلين، و يكون طلاق الوالي طلاق الزوج، و تعتد أربعة أشهر و عشرا، ثم تتزوج ان شاءت.

15- العدّة بسبب الفسخ:

إذا فسخ الزواج أحد الزوجين للأسباب الموجبة لذلك، و قد مر تفصيلها في باب الزواج عند ذكر العيوب، إذا حصل الفسخ فحكمه تماما حكم الطلاق من عدم وجوب العدّة مع انتفاء الدخول و الاعتداد بوضع الحمل ان كانت حاملا، و بالأقراء ان استقام حيضها، و بالشهور ان كانت مسترابة و كان قد دخل بها.

16- نفقة المعتدة:

سبق في باب الزواج فصل النفقة أن المعتدة من طلاق رجعي لها النفقة حاملا كانت، أو غير حامل، و ان المعتدة من الوفاة لا نفقة لها، حتى و لو كانت حاملا، و ان المعتدة من طلاق بائن لها النفقة ان كانت حاملا، و لا نفقة لها ان كانت حائلا.

و أيضا سبق في فقرة «عدّة وطء الشبهة» من هذا الفصل أن المعتدة للشبهة لا نفقة لها. و كذا لا نفقة للمعتدة بسبب الفسخ لانقطاع العصمة بينها و بين الزوج، حتى و لو كانت حاملا، و انما أوجبنا النفقة للحامل البائن لوجود الدليل الخاص، و لا دليل على الوجوب بالقياس إلى المعتدة للفسخ، و الأصل العدم.

43

17- التوارث بين المطلق و المطلقة:

اتفقوا على أن الرجل إذا طلق امرأته رجعيا لم يسقط التوارث بينهما، بل يتوارثان ما دامت في العدة، فقد سئل الإمام الصادق (عليه السّلام) عن ذلك؟ فقال: يرثها و ترثه ما دام له عليها رجعة.

و لا فرق في ذلك بين أن يطلقها، و هو في مرض الموت أو في حال الصحة، و يسقط التوارث بانقضاء العدّة. و أيضا اتفقوا على عدم التوارث ان طلقها طلاقا بائنا في حال الصحة. أما إذا طلقها و هو في مرض الموت فإنها ترثه هي، حتى و لو كان الطلاق بائنا، و لكن بعد توافر الشروط التالية:

1- أن يموت قبل أن تمضي سنة كاملة على طلاقها، فلو مات بعد السنة بساعة لا ترثه.

2- أن لا تتزوج قبل موته، فإذا تزوجت، ثم مات في أثناء السنة فلا شي‌ء لها.

3- أن لا يبرأ من المرض الذي طلقها فيه، فلو بري‌ء من مرضه ثم مات في أثناء السنة لم تستحق الميراث.

4- أن لا يكون الطلاق بطلب منها.

و سنعود ان شاء اللّه إلى الموضوع ثانية في باب الإرث.

18- أين تعتد المطلقة:

اتفقوا على أن المطلقة الرجعية تعتد في بيت الزوج، و لا يجوز له إخراجها منه، كما لا يجوز لها أن تخرج إلّا بإذنه، و إلّا تعد ناشزة، و تسقط نفقتها.

و أيضا اتفقوا على أن البائنة تعتد في أي مكان تشاء، لانقطاع العصمة بينها‌

44

و بين الزوج، و انتفاء التوارث بينهما، و عدم استحقاقها النفقة إلّا إذا كانت حاملا، و عليه فلا يحق له احتباسها، و في ذلك روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السّلام). و لكن لا عامل بها اليوم، فإن الرجعية تعامل معاملة الأجنبية.

19- الزواج بالأخت في عدة أختها:

إذا طلق زوجته طلاقا رجعيا فلا يجوز له ان يعقد على أختها إلّا بعد انقضاء العدّة، لأن الرجعية بحكم الزوجة، و إذا كان الطلاق بائنا جاز العقد على الأخت قبل انتهاء العدّة، لانقطاع العصمة بين البائنة و المطلق.

45

الرجعة

معناها و شرعيتها:

معنى الرجعة أن يرد المطلق المرأة إليه، و يستبقيها في عصمته، و الأصل فيها الكتاب و السنة و الإجماع، قال تعالى وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ (1) و قال:

فَإِذٰا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فٰارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (2). أي إذا أشرفن على انتهاء أجل عدتهن فراجعوهن بقصد المعاشرة بالمعروف، لا بقصد الإضرار.

و قال الإمام الصادق (عليه السّلام): المطلقة تكتحل و تختضب و تلبس ما شاءت من الثياب، لأن اللّه عزّ و جل يقول لَعَلَّ اللّٰهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَمْراً، لعلها تقع في نفسه، فيراجعها.

و بكلمة: ان ثبوت الرجعة و جوازها من ضرورات دين الإسلام.

محل الرجعة:

محل الرجعة هي المطلقة الرجعية ما دامت في العدة، فلا يرجع إلى من لا‌

____________

(1) البقرة: 228.

(2) الطلاق: 2.

46

عدّة لها بل لا بد من عقد جديد، و إلى المطلقة ثلاثا و ان كانت في العدّة لافتقارها إلى المحلل، و لا إلى المختلعة بعوض إلّا إذا رجعت في البذل أثناء العدّة، و علم هو بالرجوع، فيجوز له أن يرجع بالطلاق، كما تقدم في فصل الخلع.

صورة الرجعة:

تتحقق الرجعة بكل ما دل عليها من اللفظ، و لا تحتاج إلى صيغة خاصة.

و أيضا تتحقق بالفعل المقصود بالذات الذي لا يحل إلّا للأزواج، و ان لم يقصد به الرجعة، كالوطء و التقبيل و اللمس و ما إلى ذلك. أجل، لا عبرة بفعل النائم و الساهي و المشتبه، لعدم القصد إلى الفعل من حيث هو. ورد صاحب الجواهر على من اشترط قصد الرجعة بالذات من الفعل، رد عليه بقوله: «هذا كالاجتهاد في مقابل النص و فتوى المصرحين ببقائها في العدّة على حكم الزوجة الذي منه جواز وطئها من غير حاجة إلى قصد الرجوع، و بذلك يظهر أن الأفعال رجوع، و ان لم يقصد بها ذلك. بل لعل مقتضى إطلاق النص و الفتوى ذلك، حتى مع قصد عدم الرجوع».

و يشير بإطلاق النص إلى قول الإمام الصادق (عليه السّلام): «من غشي امرأته بعد انقضاء العدّة ..... كان غشيانه إياها رجعة». فقد حكم الإمام (عليه السّلام) بأن الغشيان رجعة، دون أن يقيده بقصد الرجوع، و بديهة أن عدم القيد دليل الشمول.

و أيضا تتحقق الرجعة بإنكار الطلاق على شريطة أن يكون الإنكار أثناء العدّة، قال صاحب الجواهر: «الإجماع على ذلك، لأنه يتضمن التمسك بالرجعة، بل في المسالك هو أبلغ من الرجعة بألفاظها. و قد جاء في النص: ان أنكر الطلاق قبل انقضاء العدّة فإن إنكاره للطلاق رجعة. و في رواية أخرى: أدنى‌

47

المراجعة أن يقبلها، أو ينكر الطلاق».

الإشهاد على الرجعة:

الإشهاد على الرجعة مستحب، و ليس بواجب، قال صاحب الجواهر: «بلا خلاف فيه بيننا- أي بين الشيعة- مضافا إلى الأصل و النصوص المستفيضة أو المتواترة، قال الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام) في صحيح ابن مسلم: ان الطلاق لا يكون بغير شهود، و ان الرجوع بغير شهود رجعة، و لكن ليشهد بعد فهو أفضل».

أما قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فإن المراد به الشهادة على الطلاق، لا على الرجعة، و قد مرّ بيان ذلك في باب الطلاق، فقرة «الاشهاد على الطلاق».

الارتداد أثناء العدّة:

إذا كانت معتدة من طلاق رجعي، و ارتدت عن الإسلام قبل انقضاء العدّة، فهل يصح له مراجعتها في حال الارتداد؟

ذهب المشهور بشهادة صاحب الحدائق إلى عدم جواز المراجعة، لأن المرتدة لا يصح زواجها ابتداء فلا يصح استدامته أيضا.

التنازع:

1- إذا اختلفا في أصل العدّة

، فقالت هي: لا عدّة لي، لأنك لم تدخل، و عليه فلا رجعة لك عليّ. و قال هو: بل عليك العدّة، ولي الرجوع، لأني دخلت‌

48

فالقول قولها مع اليمين، لأن الأصل عدم الدخول، حتى يثبت العكس.

2- إذا اتفقا على العدّة

، و اختلفا في الرجوع، فقال هو: رجعت. و قالت هي: كلا. فان كان ذلك أثناء العدّة فإن ادعاءه هو الرجوع بعينه، تماما كما لو أنكر الطلاق من رأس، و ان كان بعد انقضاء العدّة فعليه الإثبات أن الرجعة حصلت في العدّة، و مع عجزه يؤخذ بقولها مع اليمين، لأن الأصل عدم الرجوع، و بقاء أثر الطلاق، حتى يثبت العكس، و تحلف هي أنّه لم يرجع إذا ادعى الرجوع إليها بالفعل، كالوطء و نحوه، و على عدم العلم بالرجوع إذ ادعى الرجوع بالقول، و انّها على علم به.

3- إذا اتفقا على أن عليها العدّة

، و اختلفا في بقائها و انتهائها، فقالت هي:

انتهت العدّة، كي لا يصح له الرجوع إليها، أو قال هو: انتهت العدّة، كي لا ينفق عليها فقد ذهب أكثر الفقهاء أو الكثير منهم إلى أن القول قولها بيمينها إذا كانت معتدة بالأقراء، و قوله بيمينه إذا كانت معتدة بالأشهر.

و الصواب ان القول قولها في كل ما يعود إلى العدّة، سواء أ كان النزاع في بقائها، أم في نفيها، و سواء أ كانت معتدة بالأقراء، أم بالأشهر، لاتفاق الفقهاء بشهادة صاحب الجواهر على أن الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليهما السّلام) قال:

الحيض و العدّة إلى النساء إذا ادعت صدقت. و ان الإمام الصادق (عليه السّلام) قال: فوض اللّه إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض و الطهر و الحمل.

فقد جعل الإمام (عليه السّلام) أمر العدّة للمرأة، و أنّه يجب أن تصدق فيها، و لم يفصّل بين العدّة بالأقراء، و بين العدّة في الشهور، و بديهة أن ترك التفصيل دليل على العموم. و من هنا قال السيد صاحب العروة و ملحقاتها: «لو اختلفا في انقضاء العدّة بالأقراء و عدمه قدم قولها، لأن أمر العدّة راجع إليها، بل و كذا لو‌

49

اختلفا في الانقضاء بالأشهر و عدمه على الأقوى». و قال صاحب الجواهر: «ان قول الإمام (عليه السّلام): إذا ادعت صدقت يقتضي تصديقها متى كان صدقها محتملا. لأن احتمال صدقها كاف في تصديقها».

و يتفرع على ذلك فروع كثيرة، منها إذا اختلفا في أصل الحمل، فادعته هي، و أنكره هو، أو اتفقا على الحمل، و اختلفا في وضعه، أو في تقديمه أو تأخيره على الطلاق فالقول قولها في جميع ذلك، لأن الإمام (عليه السّلام) قال: فوض إليها الحمل، و لم يقل وضع الحمل أو تقديم الوضع أو تأخيره، و الإطلاق يقتضي العموم و الشمول.

و منها إذا اتفقا على العدّة و الرجوع، و اختلفا في التقديم و التأخير، و ان الرجوع هل كان بعد انتهاء العدّة أو في أثنائها فإن القول قولها، لقول الإمام (عليه السّلام):

«العدّة إليها إذا ادعت صدقت» حيث أرسل قوله هذا دون قيد أو شرط.

50

طلاق الحاكم لعدم الإنفاق

هل للحاكم الشرعي أن يطلق زوجة الرجل قهرا عنه لأنه لم ينفق عليها؟

أجل، له أن يطلق، و تعرف الدليل فيما يلي بعد أن نمهد بهذه المقدمة:

أهمية المسألة:

لا أعرف مسألة فقهية تدعو الحاجة إلى تمحصها، و الجرأة في بيان الحق أكثر من هذه بعد أن عمت بها البلوى، و كثرت الشكوى من عدم الحلول لهذه المعضلة الاجتماعية.

و ليس من ريب أن فكرة طلاق الحاكم الشرعي عن الزوج من حيث هي ثابتة في الفقه الجعفري، فقد أفتى فقهاء المذهب بأن للحاكم أن يطلق زوجة المفقود بالشروط التي سبق ذكرها في: «فصل العدّة- فقرة زوجة المفقود».

و أيضا أفتوا بأن له أن يطلق عن المجنون إذا اقتضت مصلحته ذلك، و سبق الكلام عنه في: «فصل الطلاق- فقرة طلاق الولي». أذن، فكرة الطلاق الجبري موجودة عند الإمامية، و ان الحديث المشهور: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» لم يبق على إطلاقه، بل خرج عن شموله لطلاق الحاكم عن المفقود، و عن فاسد العقل.

51

و تتساءل: هل خرج أيضا عن حديث: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» طلاق الحاكم الشرعي قهرا عن الزواج لعدم الإنفاق على زوجته لعسر، أو عصيان، أو لمانع آخر، كالغائب يملك ثروة لا يستطيع تحويلها أو تحويل بعضها إلى مكان الزوجة؟

و نذكر أولا ما جاء عن أهل البيت (عليهم السّلام) من النصوص على ذلك، ثم نعرض أقوال الفقهاء، ثم نعقب بما نراه.

الروايات:

جاء في صحيح ربعي و الفضيل بن يسار عن الإمام الصادق (عليه السّلام) في تفسير قوله تعالى وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّٰا آتٰاهُ اللّٰهُ أنّه قال: إذا أنفق عليها ما يقيم حياتها مع كسوة، و إلّا فرق بينهما.

و في صحيح أبي بصير قال: سمعت الإمام الباقر أبو الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) يقول: من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها، و يطعمها ما يقيم صلبها كان حقا على الإمام أن يفرق بينهما.

و قد وصف هاتين الروايتين بالصحة جماعة من الفقهاء، منهم صاحب الجواهر، و صاحب الحدائق، و صاحب الرياض، و السيد كاظم اليزدي في ملحقات العروة الوثقى.

أقوال الفقهاء:

قال ابن الجنيد: إذا تجدد عجز الزوج عن الإنفاق جاز للزوجة أن تفسخ الزواج، أي تطلب من الحاكم أن يفسخ كما يفهم من كلامه الذي نقله عنه الشهيد‌

52

الثاني في المسالك ج 1 باب الزواج مسألة الكفاءة، قال ما نصه بالحرف:

«إذا تجدد عجز الزوج عن النفقة ففي تسلط الزوجة على الفسخ قولان:

أحدهما، و به قال ابن الجنيد، ان لها الخيار، لقول الإمام الصادق (عليه السّلام): ان أنفق عليها ما يقيم حياتها مع كسوة و إلّا فرق بينهما، و لقوله تعالى فَإِمْسٰاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسٰانٍ و الإمساك بلا نفقة خلاف المعروف فيتعين التسريح، فإذا تعذر صدوره من الزوج فسخ الحاكم لأنّه وليّ». يريد بفسخ الحاكم طلاقه بعد طلبها هي، و إلّا إذا رضيت فلا كلام في عدم جواز الطلاق.

فابن الجنيد يخص جواز الطلاق فيما إذا تجدد عجز الزوج عن الإنفاق و وافقه على ذلك صاحب الرياض، و البهبهاني، فقد نقل صاحب روضات الجنات في الجزء الرابع أن له رسالة في حكم النكاح مع الإعسار سماها مظهر المختار «و ذهب فيها إلى جواز فسخ المرأة نكاحها في صورة حضور الزوج و امتناعه من الإنفاق و الطلاق، و ان كان من جهة الفقر و الإملاق».

و قال صاحب الجواهر و صاحب الحدائق في باب الزواج- مسألة الكفاءة، و السيد أبو الحسن الأصفهاني في «الوسيلة الكبرى» تحت عنوان «القول في الكفر» قالوا: يجوز للحاكم أن يطلق عن الزوج إذا امتنع عن الإنفاق مع يساره و قدرته، و لا يطلق إذا كان معسرا.

أمّا السيد الحكيم فقد أجاز الطلاق للحاكم عن العاجز عن النفقة، و عن القادر الممتنع عنها، قال في منهاج الصالحين ج 2 ص 161 طبعة 1381: «لا يبعد أن يجوز لها- أي لزوجة العاجز عن النفقة- أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيأمر زوجها بالطلاق، فإن امتنع طلقها الحاكم الشرعي، و كذا ان امتنع القادر عن الإنفاق جاز لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فيلزمه بأحد‌