رسالة في لبس السواد - الأنوار الإلهية

- الميرزا جواد التبريزي المزيد...
202 /
5

رسالة مختصرة في النصوص الصحيحة على إمامة الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[المدخل]

آية اللّٰه العظمى الحاج الشيخ ميرزا جواد التبريزي (دام ظلّه)، ما هي النصوص على إمامة الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)؟ بيّنوا لنا بعض الأفكار مع الإشارة إلى قسم من الروايات الصحيحة. نسأل اللّٰه سبحانه و تعالى أن يحفظكم ذخراً للإسلام و المسلمين، و أن يثبتنا على الصراط المستقيم. أفيدونا مأجورين.

الحمد للّٰه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

تثار بين فترة و أخرى أسئلة تتعرّض للمسلّمات العقائديّة الموجودة لدى المسلمين. و بالذات لدى الطائفة المحقة أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، و تختلف دوافع تلك الأسئلة، فإنّ البعض بدافع التعرف و البحث عن الدليل يسأل عن تلك المواضيع، و يحتاج إلى إجابة شافية وافية سوف نضعها بإذن اللّٰه بين يديه. و ربّما كان هدف آخرين من طرح هذه الأسئلة هو التشكيك في تلك المسلّمات و إلقاء الشبهة في قلوب العوام من أتباع هذا المذهب.

و تختلف طرق هؤلاء و شبهاتهم، و ذلك أنّ هدفهم هو إلقاء الشبهة، و تشكيك أبناء الطائفة في عقيدتهم، فلا يهمّ عندهم ما هو نوع السؤال، و لا ينتظرون الإجابة عليه، بل لو أجيبوا بجواب مقنع بالنسبة لهم، فإنّهم يتركونه للبحث عن سؤال آخر و شبهة أُخرى! فالمهمّ عندهم هو التشكيك و السؤال المؤدّي إلى الشبهة؛ فهم في يوم يشككون في بعض الوقائع التاريخية المتصلة بقضية الإمامة، و في آخر يشككون في حياة الإمام المهدي، أو أنّه ما فائدة هذه الغيبة، و ثالثة يشككون في‌

8

النص على الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) بأن يقولوا إنّه لا يوجد نص على الأئمة أو على الأئمة بعد الحسين (عليه السلام).

و هؤلاء نحن لا نتحدّث معهم في هذه الرسالة، و لا نوجّه لهم هذه الكلمات، بل لا نرجو هدايتهم بعد أن اختاروا لأنفسهم هذا الطريق، طريق التشكيك لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لٰا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (1)، و إنّما يتوجّه حديثنا إلى أهل الإنصاف الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (2)، و إلى العامّة من أبناء المذهب الحق الذين يترقبون الدليل الواضح للرد به على مزاعم المشككين و شبهات المنحرفين. لمثل هؤلاء الذين ربّما وردت أسئلة من قبل بعضهم و طلبوا الإجابة عليها فيما يرتبط بهذا الموضوع، أي النص على إمامة الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، نكتب هذه الرسالة المختصرة، علماً بأنّه لا يسعنا استقصاء الأدلة، و لا بدّ لذلك من الرجوع إلى الكتب المدوّنة في هذا المضمار خصوصاً كتب الحديث و المجاميع الروائية.

منهج الرسالة

و سيكون منهجنا في هذه الرسالة أن نتعرّض إلى ذكر بعض الروايات الصحيحة و الصريحة التي تعيّن أسماء الأئمة (عليهم السلام)، ممّا يقطع الطريق على من يدعي عدم وجود النص عليهم أو على بعضهم، و سيثبت هذا أنّ المدعي لعدم وجود النص لو سلمت نيته فإنّه ضعيف الاطلاع جدّاً على أخبار أهل البيت (عليهم السلام) و غير بصير بأحاديثهم. و سنلتزم أن يكون النص الذي نورده صحيحاً من غير شبهة أو مناقشة، و إلّا فالنصوص الأُخرى كثيرة جدّاً. و هذه النصوص تنقسم كما سيأتي إلى ما هو نص على العنوان مثل أبناء الحسين (عليه السلام)، و ما هو نص على قسم منهم مثل النصوص‌

____________

(1) سورة النساء: الآية 168.

(2) سورة الزمر: الآية 18.

9

الواردة الناصة عليهم إلى الإمام الباقر (عليه السلام)، و أهميّة هذه أنّ المشككين يدّعون أنّه لا نصّ بعد الحسين (عليه السلام)، و القسم الثالث ما هو نص عليهم جملة واحدة.

ثم سنتعرّض إلى ذكر النصوص الواردة بشأن إمامة كل إمام بخصوصه، و نحن و إن كنا لا نحتاج إلى ذكرها، بل كان يكفينا و يكفي من يريد الدليلَ روايةٌ صحيحة واحدة تذكرهم جملةً من غير حاجة إلى ذكر سائر الروايات سواء كانت بالعنوان أو لكلّ شخص نورد هذه للتأكيد، و أنّ النص عليهم كان حاصلًا بطرق مختلفة، و هو كافٍ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ (1). هذا كلّه مع ما سنذكره في الخاتمة من أنّ الظروف التي أحاطت بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم الكرام في أدوار التاريخ كانت من الصعوبة، بحيث كان نقل الحديث الذي ينص على إمامة المعصومين خصوصاً الذين كانوا في فترات متأخّرة أمراً في غاية الخطورة.

النصوص التي تعيّن أسماء الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)

يوجد في مصادرنا الحديثية العديد من الروايات التي تنص على تحديد أسماء الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، و لكن بما أنّ بناءنا هو على الاختصار في هذه الرسالة، فإننا سنكتفي بذكر رواية صحيحة صريحة في كل باب (أو روايتين)، و فيها لمن أراد الدليل كفاية و غنى. و هذه الروايات تنقسم بحسب المدلول إلى أقسام:

القسم الأوّل ما ورد من الروايات في تحديد أنّ الأئمّة (عليهم السلام) هم من ولد الحسين (عليه السلام)

و هذه الروايات بهذا العنوان تجيب عن عدة أسئلة، فهي من جهة تعالج نقطة هي مركز التشكيك عند المشككين المدعين عدم وجود نص على الأئمّة بعد الإمام‌

____________

(1) سورة ق: الآية 37.

10

الحسين (عليه السلام)، بينما هذه الروايات تعتبر نصاً على العنوان، أي أولاد الحسين، و أيضاً فهي تحدد نسب الأئمّة بعده و تحصرهم في هذه الذريّة الطاهرة، فتنفي هذا المنصب عمن ليس من هذا البيت، فكل من ادّعى الإمامة من غيرهم فادّعاؤه باطل، و لو كان هاشمياً قرشياً، بل حتى لو كان من أولاد أمير المؤمنين من غير نسل الحسين (عليه السلام). و أيضاً فهذه الروايات تدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّهم من قريش، بل هي مفسِّرة لذلك العنوان، و لهذا فما ورد من غير طرق الشيعة كثيراً من أنّ الأئمّة من قريش يكون مفسّراً بهذه الروايات، حيث إنّ من كان من أبناء الحسين فهو بالضرورة قرشيّ.

فمن تلك الروايات:

ما رواه الشيخ الكليني (رحمه اللّٰه) عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام) من كلام يذكر فيه الأئمّة .. إلى أن قال: «فلم يزل اللّٰه يختارهم لخلقه من وُلد الحسين من عقب كل إمام، كلما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماماً و علماً هادياً ..» (1). (صحيحة).

و منها: ما رواه الشيخ الصدوق (رحمه اللّٰه) عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و الهيثم بن مسروق النهدي، عن الحسن بن محبوب السراد عن علي بن رئاب عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال سمعته يقول: «إنّ أقرب النّاس إلى اللّٰه عز و جل و أعلمهم به و أرأفهم بالنّاس محمد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمّة، فادخلوا أين دخلوا و فارقوا من فارقوا، عنى بذلك حسيناً و ولده فإنّ الحق فيهم و هم الأوصياء و منهم الأئمّة، فأينما رأيتموهم فاتّبعوهم و إن أصبحتم يوماً لا ترون منهم أحداً منهم فاستغيثوا باللّٰه عز و جل و انظروا‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 203.

11

السنة التي كنتم عليها و اتّبعوها و أحبّوا من كنتم تحبّون و أبغضوا من كنتم تبغضون فما أسرع ما يأتيكم الفرج»! (1). (صحيحة).

و يؤيّدها ما رواه في كمال الدين، عن أبيه عن سعد بن عبد اللّٰه عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن عبد اللّٰه بن مسكان عن أبان عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي قال: «دخلت على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)ٰه عليه و آله و سلّم)، فإذا الحسين بن علي على فخذه و هو يقبّل عينيه و يلثم فاه و يقول: أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أبو أئمّة أنت حجة اللّٰه ابن حجته و أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم» (2).

القسم الثاني الروايات التي تنصّ على أسماء الأئمّة بدءاً من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

و هي متعددة نكتفي منها بروايتين:

الصحيحة الأُولى رواها الشيخ الكليني (رحمه اللّٰه) عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس، و علي بن محمد بن سهل بن زياد أبي سعيد عن محمد بن عيسى عن يونس، عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قوله عز و جل أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (3)، فقال: «نزلت في علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، فقلت: إنّ النّاس يقولون فما باله لم يسمِّ عليّاً و أهل بيته في كتاب اللّٰه عز و جل؟ فقال: قولوا لهم: إنّ رسول اللّٰه نزلت عليه الصلاة و لم يسمّ اللّٰه لهم ثلاثاً و لا أربعاً، حتى كان رسول اللّٰه هو الذي فسّر ذلك، و نزلت الزكاة و لم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً‌

____________

(1) كمال الدين: ص 328.

(2) كمال الدين: ج 1، ص 262.

(3) الكافي: ج 1، ص 286.

12

درهم، حتى كان رسول اللّٰه هو الذي فسّر لهم ذلك، و نزل الحج فلم يقل لهم طوفوا أسبوعاً حتى كان رسول اللّٰه هو الذي فسّر لهم ذلك، و نزلت أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1) و نزلت في علي و الحسن و الحسين، فقال رسول اللّٰه في علي «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فقال (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)ٰه عليه و آله و سلّم): أوصيكم بكتاب اللّٰه و أهل بيتي، فإنّي سألت اللّٰه أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما عليَّ الحوض فأعطاني ذلك. و قال: لا تعلموهم فهم أعلم منكم. و قال: إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى، و لن يدخلوكم باب ضلالة.

فلو سكت رسول اللّٰه فلم يبين من أهل بيته لادّعاها آل فلان و آل فلان، لكن اللّٰه أنزل في كتابه تصديقاً لنبيّه إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)، فكان علي و الحسن و الحسين و فاطمة فأدخلهم رسول اللّٰه تحت الكساء في بيت أم سلمة ثمّ قال: اللّهمّ إنّ لكل نبي أهلًا و ثقلًا، و هؤلاء أهلي و ثقلي. فقالت أم سلمة: أ لست من أهلك؟ قال: إنّك إلى خير، و لكن هؤلاء أهلي و ثقلي. فلما قُبض رسول اللّٰه كان علي (عليه السلام) أولى الناس بالناس، لكثرة ما بلّغ فيه رسول اللّٰه و إقامته للناس و أخذه بيده، فلما مضى عليُّ (عليه السلام) لم يكن يستطيع عليّ (عليه السلام) و لم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي و لا العباس بن علي و لا واحداً من ولده .. إذن لقال الحسن و الحسين إن اللّٰه تبارك و تعالى أنزل فينا كما أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، و بلغ فينا رسول اللّٰه كما بلغ فيك، و أذهب عنّا الرجس كما أذهبه عنك، فلما مضى علي كان الحسن أولى بها لكبره، فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده و لم يكن ليفعل ذلك، و اللّٰه عز و جل يقول وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ (3) فيجعلها في ولده .. إذن لقال الحسين أمر اللّٰه بطاعتي كما أمر بطاعتك و طاعة أبيك، و بلغ فيَّ رسول اللّٰه كما بلغ فيك و في أبيك، و أذهب اللّٰه عني‌

____________

(1) سورة النساء: الآية 59.

(2) سورة الأحزاب: الآية 33.

(3) سورة الأنفال: الآية 75؛ سورة الأحزاب: الآية 6.

13

الرجس كما أذهب عنك و عن أبيك. فلما صارت إلى الحسين لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه و على أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، و لم يكونا ليفعلاه، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين فجرى تأويل هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي ثمّ قال: الرجس هو الشك، و اللّٰه لا نشك في ربّنا أبداً» (1).

و ينبغي التوجه إلى نقطتين مهمتين توضحهما هذه الرواية:

أولاهما: انّها تجيب عن سؤال ربّما طرحه البعض، و هو أنّه لو كانت الإمامة بتلك الأهمية فلما ذا لم ينص القرآن عليها؟ و لمَ لم يذكر القرآن أسماء الأئمّة حتى يرتفع الشك و التردد بصورة قاطعة، و لا يضل الناس؟

و الرواية تجيب بأنّه كما نزل أصل وجوب الصلاة و الزكاة و الحج في القرآن و لم يبيّن فيه تفاصيل الأحكام، فكذلك الحال في الإمامة حيث نزل وجوب الطاعة للأئمّة و أُولي الأمر، و أوكل تعيين أسمائهم إلى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)ٰه عليه و آله و سلّم) و قد قام بذلك خير قيام.

و ثانيتهما: أن قضية الإمامة و نصب الإمام هي أمر إلهي لا يرتبط بقضية الوراثة، أو إرادة الإمام السابق في تعيين اللاحق، فإنّه لا يستطيع و لم يكن ليفعل أن يغيّر مجراها عمّا هو عليه من النصب الإلهي. و في هذه القضية كما أنّ أمير المؤمنين قد نصب نصباً إلهياً، فكذلك زين العابدين علي بن الحسين و الباقر محمد بن علي (عليهم السلام)، من دون فرق في هذه الجهة ممّا يرد بذلك على دعوى المشكّكين بأنّ النص إنّما هو على الثلاثة الأوائل من الأئمّة.

و يؤيدها ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 286.

14

إبراهيم بن عمر اليماني و عمر بن أذينة عن أبان عن سليم بن قيس قال: شهدت وصية أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام)، و أشهدَ على وصيته الحسين (عليه السلام) و محمّداً و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب و السلاح و قال لابنه الحسن (عليه السلام): «يا بني، أمرني رسول اللّٰه أن أُوصي إليك و أن أدفع إليك كتبه و سلاحه، و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين. ثم أقبل على ابنه الحسين فقال: و أمرك رسول اللّٰه أن تدفعها إلى ابنك هذا. ثمّ أخذ بيد علي بن الحسين و قال: و أمرك رسول اللّٰه أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن علي، و اقرأه من رسول اللّٰه و مني السلام» (1).

القسم الثالث ما نص على أسماء الأئمة (عليهم السلام) جميعاً

و مع هذه الروايات التي سوف نذكر بعضها ينقطع عذر كل متعلل لصراحتها و قوّتها، و ما يحف بها، ففي الأُولى نلتقي مع أسماء الأئمة (عليهم السلام) في سجدة الشكر عقيب كل صلاة، حيث يُشهِد المصلي ربَّه و الملائكة و الخلق بمجمل اعتقاداته التي ينبغي أن يلقاه بها، و منها تولّيه للأئمّة الطاهرين من أهل البيت (عليهم السلام) و أنّه يتولّاهم و يتبرّأ من أعدائهم. و لا يخفى الارتباط بين الصلاة و بين ذكر الأئمّة الهادين و فضلهم على الخلق في تعليمهم معالم الدين. و سنشير إلى هذه الجهة أيضاً في الخاتمة.

فمن هذه الروايات:

الصحيحة التي رواها الصدوق بإسناده عن عبد اللّٰه بن جندب عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه قال: تقول في سجدة الشكر «اللّهمّ إني أشهدك و أشهد ملائكتك و أنبياءك و رسلك و جميع خلقك أنّك أنت اللّٰه ربي و الإسلام ديني و محمّداً نبيي و علياً و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 297.

15

موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و الحجّة بن الحسن أئمّتي بهم أتولى و من أعدائهم أتبرأ» (1).

و الصحيحة الأُخرى التي رواها الكليني عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد البرقي عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: «أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) و معه الحسن بن علي و هو متكئ على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللباس، فسلم على أمير المؤمنين، فرد (عليه السلام) فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أنّ القوم ركبوا من أمرك ما قضي عليهم و أن ليسوا بمأمونين في دنياهم و آخرتهم، و إن تكن الأُخرى علمت أنّك و هم شرع سواء! فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك. قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ و عن الرجل كيف يذكر و ينسى؟ و عن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام و الأخوال؟ فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن، فقال: يا أبا محمد أجبه! قال: فأجابه الحسن. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّ محمداً رسول اللّٰه و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّك وصي رسول اللّٰه و القائم بحجته أشار إلى أمير المؤمنين و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّك وصيه و القائم بحجّته أشار إلى الحسن و أشهد أنّ الحسين بن علي وصي أخيه و القائم بحجّته بعده، و أشهد على علي بن الحسين أنّه القائم بأمر الحسين بعده، و أشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن الحسين، و أشهد على جعفر بن محمد أنّه القائم بأمر محمد، و أشهد على موسى أنّه القائم بأمر جعفر بن محمد، و أشهد على علي بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، و أشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن موسى، و أشهد على علي بن محمد أنّه القائم بأمر محمد بن علي، و أشهد على الحسن بن علي أنّه القائم بأمر علي بن محمد، و أشهد على‌

____________

(1) الوسائل: ج 7، ص 15.

16

رجل من ولد الحسن لا يكنّى و لا يسمّى حتى يظهر أمره فيملأها عدلًا كما ملئت جوراً، و السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّٰه و بركاته. ثمّ قام فمضى. فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد، اتبعه! فانظر أين يقصد؟ فخرج الحسن بن علي (عليه السلام)، فقال: ما كان إلّا أن وضع رجله خارجاً من المسجد فما دريت أين أخذ من أرض اللّٰه، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأعلمته، فقال: يا أبا محمد، أ تعرفه؟ قلت: اللّٰه و رسوله و أمير المؤمنين أعلم. قال: هو الخضر» (1).

الروايات التي تنص على كل إمام بشخصه:

بعد أن ذكرنا الروايات التي تذكر أسماء الأئمّة الطاهرين، نعود و نذكر الروايات الخاصة التي تنص على كل إمام بشخصه، و هي قد تذكر الإمام باسمه و أُخرى بالقرينة و الصفة، فإنّ بعض الروايات تعتمد على ذكر أمر، ذلك الأمر يلازم كونه إماماً، كما سيأتي في وصية الإمام الباقر لابنه الصادق (عليه السلام) أن يغسله و يجهزه و يكفنه، فإنّ هذا من النص عليه، لما ثبت عندنا من النصوص و الإجماع على أنّ الإمام لا يتولى تجهيزه إلّا إمام مثله عند حضوره، و قد لا ينتبه لمثل هذه الإشارات إلّا من كان على مستوى من الإحاطة بتعابير الأئمّة، كما نرى أنّ هشام بن الحكم عند ما سمع من علي بن يقطين قول الكاظم أنّ علياً الرضا سيّد ولده و أنّه قد نحلة كنيته، فقد استنتج هشام من ذلك أنّه نص عليه بالإمامة من بعده، و مثل أن يعطيه السلاح و الكتب، و هكذا ما يرافق إمامتهم من الكرامات، مثلما حصل في قضية شهادة الحجر الأسود لعلي بن الحسين بالإمامة في مناقشة محمد بن الحنفية إياه! كما ورد في رواية صحيحة رواها الكليني في الكافي (2)، فإنّه بعد ما احتجّ السجاد عليه لأن سلاح‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 525.

(2) الكافي: ج 1، ص 348.

17

رسول اللّٰه عنده و أنّ الحسين قد أوصى إليه دعاه للحجر الأسود ليحتكما إليه، فتكلم محمد فلم يحصل على شي‌ء، ثم تكلم علي بن الحسين فنطق الحجر بقدرة اللّٰه «أن الوصية و الإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين»! فانصرف محمد بعد ذلك و هو مؤمن بإمامة علي بن الحسين (عليه السلام).

و حيث إنّنا قد ذكرنا في القسم الثاني من الروايات ما ينصّ على إمامة الأئمّة من الإمام أمير المؤمنين إلى الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، فسنتعرّض هنا لذكر النصوص في إمامة الأئمّة بدئاً من الإمام الصادق، و سنكتفي بنص واحد بالنسبة لكل إمام، و سنذكر نصوصاً متعددة لخاتم الأوصياء و الأئمّة صاحب الزمان.

جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

فممّا ورد من النص على إمامة جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، الرواية الصحيحة التي نقلها الكليني (رحمه اللّٰه) في الكافي عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الأعلى عن أبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السلام): «إنّ أبي استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهوداً. فدعوت له أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد اللّٰه بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه يٰا بَنِيَّ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلٰا تَمُوتُنَّ إِلّٰا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، و أوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد و أمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلّي فيه الجمعة و أن يعممه بعمامته و أن يربع قبره و يرفعه مقدار أربع أصابع و أن يحل عنه أطماره عند دفنه .. ثمّ قال للشهود: انصرفوا رحمكم اللّٰه. فقلت له: يا أبتِ بعد ما انصرفوا ما كان في هذا بأن تشهد عليه؟! فقال: يا بني، كرهت أن تغلب، و أن يقال: إنّه لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجّة» (1).

و هذا كما تقدم بضميمة ما دلت عليه النصوص و قام عليه الإجماع أنّ الإمام‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 307.

18

عندنا لا يولّى تجهيزه إلّا إمام مثله إذا كان حاضراً، و أنّ الوصية هي من علائم الإمامة يكون نصاً على إمامة الصادق (عليه السلام).

موسى بن جعفر (عليه السلام)

و ممّا ورد في النص على إمامة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، الصحيحة التي رواها في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي نجران عن صفوان الجمّال عن أبي عبد اللّٰه، قال له منصور بن حازم: بأبي أنت و أُمي إنّ الأنفس يُغدى عليها و يُراح، فإذا كان ذلك فمن؟ فقال أبو عبد اللّٰه: «إذا كان ذلك فهو صاحبكم. و ضرب بيده على منكب أبي الحسن الأيمن فيما أعلم و هو يومئذ خماسي، و عبد اللّٰه بن جعفر جالس معنا» (2).

علي بن موسى الرضا (عليه السلام)

و من النص على إمامة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، ما ورد في الصحيح عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: «كنت أنا و هشام بن الحكم و علي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح جالساً فدخل عليه ابنه علي فقال لي: يا علي بن يقطين، هذا عليّ سيد ولدي! أما إنّي قد نحلته كنيتي. فضرب هشام بن الحكم براحته جبهته ثم قال: و يحك! كيف قلت؟! فقال علي بن يقطين: سمعت و اللّٰه منه كما قلت. فقال هشام: أخبرك أنّ الأمر فيه من بعده» (1).

فأنت عزيزي القارئ ترى هنا أنّ هشام بن الحكم لما كان متبحراً في العقائد، و عارفاً بإشارات الأئمّة في ما يرتبط بموضوع الإمامة، و الصفات التي لا بدّ من توفرها في الإمام، فإنّه بمجرد أن سمع تلك الكلمات و ضمها إلى الكبريات الموجودة في‌

____________

(2) الكافي: ج 1، ص 309.

(1) الكافي: ج 1، ص 311.

19

ذهنه المرتبطة بموضوع الإمامة انتقل فوراً إلى معنى نص الإمام الكاظم على الرضا (عليه السلام)، و إن كان مثل علي بن يقطين على جلالته ربّما لم يتوجّه إلى ذلك المعنى بنفس السرعة.

محمد بن علي الجواد (عليه السلام)

و من النص على إمامة محمد بن علي الجواد (عليه السلام) الصحيحة التي نقلها في الكافي أيضاً عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن معمر بن خلاد، قال: سمعت الرضا (عليه السلام)، و ذكر شيئاً فقال: «ما حاجتكم إلى ذلك؟ هذا أبو جعفر أجلسته مجلسي و صيرته مكاني. و قال: إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة» (1).

علي بن محمد الهادي (عليه السلام)

و من الروايات التي تنص على إمامة الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام) ما رواه صحيحاً في الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مهران قال: «لما خرج من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأُولى من خرجيته، قلت له عند خروجه: جعلت فداك إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر من بعدك؟ فكرّ إلى بوجهه ضاحكاً: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة، فلما خرج به الثانية إلى المعتصم، صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلّت لحيته، ثم التفت إلى فقال: عند هذه يخاف علي، الأمر من بعدي إلى ابني علي» (2).

الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)

و قد وردت روايات مصرحة بإمامة الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، منها ما رواه في الكافي عن علي بن محمد عن محمد بن أحمد النهدي عن يحيى بن‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 320.

(2) الكافي: ج 1، ص 323.

20

يسار القنبري، قال: «أوصى أبو الحسن إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر و أشهدني على ذلك و جماعة من الموالي» (1).

الحجة بن الحسن العسكري صاحب الزمان

و أمّا الروايات الواردة في إمامة الإمام الحجة بن الحسن العسكري صاحب الزمان، و في صفاته و علامات ظهوره، و ما يرتبط بخريطة تحرّكه بعد الظهور، و أنصاره، فهي كثيرة جدّاً، حتى لقد أُلّفت كتب و مجلدات خاصة في هذا الأمر، و حيث إنّ بناءنا هو على الاختصار في هذه الرسالة كما ذكرنا في البداية، فسوف نذكر عدة مع عناوينها:

في النص عليه: ما رواه الصدوق عن محمد بن علي بن ماجيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري عن معاوية بن حكيم و محمد بن أيوب بن نوح و محمد بن عثمان العمري قالوا: «عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي و نحن في منزله و كنا أربعين رجلًا فقال: هذا إمامكم من بعدي و خليفتي عليكم أطيعوه و لا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا. قالوا فخرجنا من عنده فما مضت إلّا أيام قلائل حتى مضى أبو محمد (عليه السلام)» (2).

في أن الإيمان بالأئمّة كل لا يتجزأ و أن الاعتراف بهم من دون الإمام الحجة لا يساوي شيئاً و هو كإنكار أمير المؤمنين (عليه السلام): ما نقله في كفاية الأثر عن الحسن بن علي عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبد اللّٰه عن موسى بن جعفر البغدادي قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) يقول: «كأنّي بكم و قد اختلفتم بعدي في الخلف مني؛ ألا إن المقر بالأئمّة بعد رسول اللّٰه المنكر لولدي كمن أقرّ بجميع الأنبياء‌

____________

(1) الكافي: ج 1، ص 325.

(2) كمال الدين: ج 2، ص 435.

21

و الرسل ثم أنكر نبوة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)ٰه عليه و آله و سلّم)، لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، و المنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا، أما إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلّا من عصمه اللّٰه» (1).

و روى الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد اللّٰه عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال في قول اللّٰه عز و جل يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ (2)، فقال (عليه السلام): «الآيات هم الأئمّة، و الآية المنتظرة القائم فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف و إن آمنت بمن تقدمه من آبائه (عليهم السلام)» (3).

في أنّه أشبه النّاس برسول اللّٰه، و له اسمه و كنيته: ما رواه الصدوق في كمال الدين عن أبيه و محمد بن الحسن و محمد بن موسى المتوكل، عن سعد بن عبد اللّٰه و عبد اللّٰه بن جعفر الحميري و محمد بن يحيى العطار، جميعاً عن أحمد بن محمد بن عيسى و إبراهيم بن هاشم و أحمد بن أبي عبد اللّٰه البرقي و محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، جميعاً عن أبي علي الحسن بن محبوب السراد عن داود بن الحصين عن أبي بصير عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) عن آبائه قال: «قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)ٰه عليه و آله و سلّم): المهدي من ولدي؛ اسمه اسمي، و كنيته كنيتي، أشبه النّاس بي خلقاً و خُلقاً، تكون له غيبة و حيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملؤها قسطاً و عدلًا كما ملئت ظلماً و جوراً» (4).

في أنّ من الابتلاء للخلق في زمان غيبته أن يشك البعض في ولادته: ما رواه الشيخ الصدوق في كمال الدين عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن سعد بن عبد اللّٰه‌

____________

(1) كمال الدين: ص 291.

(2) سورة الأنعام: الآية 158.

(3) كمال الدين: ج 2، ص 336.

(4) كمال الدين: ج 1، ص 287.

22

عن أحمد بن محمد بن عيسى عن عثمان بن عيسى الكلابي عن خالد بن نجيح عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: «إن للقائم غيبة قبل أن يقوم. قلت له: و لِمَ؟ قال: يخاف، و أومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: يا زرارة هو المنتظر و هو الذي يشك الناس في ولادته؛ منهم من يقول هو حمل، و منهم من يقول هو غائب، و منهم من يقول ما ولد، و منهم من يقول ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، غير أن اللّٰه تبارك و تعالى يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون» (1).

ما ورد من النص على أنّه قد ولد، و أنّه يحضر موسم الحج فيعاين الخلق، و قد رآه من جملة من رآه نائبه الخاص (في الغيبة الصغرى) محمد بن عثمان العمري في الموسم متعلقاً بأستار الكعبة. و أهمية مثل هذا النص أنّه يؤكد ليس فقط ولادته بل اتصاله بالخلق، و ذلك أنّ قضية المهدي قضية اتفاقية بين المسلمين جميعاً لما ورد من النصوص المتواترة عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و لكن الخلاف بينهم هو في أنّه هل سيولد في آخر الزمان كما يدعي غير الشيعة؟ أو أنّه ولد و أن أباه هو الحسن بن علي العسكري و أنّه غائب عن الأنظار بعد ما نص عليه أبوه (عليه السلام) و رآه خلّص شيعته كما تقدّم في النص الدال على إمامته، و أن له غيبتين: غيبة صغرى كان يمارس فيها توجيه العباد عن طريق سفرائه الأربعة الخاصين و غيبة كبرى، و أنّه سيظهر عند ما يأذن اللّٰه له كما هو الحق و به يقول شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

فقد روى الشيخ الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري أنّه قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضى اللّٰه عنه)، فقلت له: رأيت صاحب هذا الأمر؟ قال: «نعم، و آخر عهدي به عند بيت اللّٰه الحرام، و هو يقول: اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني. قال محمد بن عثمان (رضي اللّٰه عنه و أرضاه): و رأيته (صلوات اللّٰه عليه) متعلقاً بأستار الكعبة و هو‌

____________

(1) كمال الدين: ج 1، ص 342.

23

يقول: اللّهمّ انتقم لي من أعدائك» (1).

الخاتمة

و في الختام ينبغي ذكر ملاحظة مهمّة و هي:

أن الوضع العام الذي عاش فيه الأئمة (عليهم السلام) خصوصاً بعد شهادة الإمام الحسين كان وضعاً ضاغطاً و عصيباً، و قد حاول فيه الظالمون بكل جهدهم أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ فكانوا يتربصون بالأئمّة الدوائر و يبغونهم الغوائل للقضاء عليهم.

و كان هؤلاء الظالمون، في العهدين الأموي و العباسي و إن لم يكونوا يقدمون على قتلهم جهراً و علانية كانوا يحاولون ذلك غيلة، و شاهد ذلك ما نجده من إقدامهم على دس السم للأئمة (عليهم السلام)، و هذه الظروف و الأوضاع غير خافية على المتتبع لأحوالهم، و العارف بتاريخهم، و يكفي لمعرفة ذلك، النظر إلى كيفية نص الإمام الصادق (عليه السلام) على إمامة الكاظم في وصيته له، حيث كان العباسيون ينتظرون أن يعيّن بنحو صريح الإمام بعده ليقتلوه، فكان أن أوصى لخمسة، فضيع عليهم هذه الفرصة، ثم ما جرى على مولانا الكاظم (عليه السلام) من سجنه ثمّ قتله، و أيضاً ما جرى من التضييق و الاضطهاد للإمام الهادي (عليه السلام) و من بعده ابنه الحسن العسكري (عليه السلام)، و محاولتهم القبض على خليفته الإمام المهدي و قتله بزعمهم.

و هكذا ما عاشه الشيعة الكرام من ظروف القمع و التقية، بحيث كانوا لا يسلمون على عقائدهم في وقت كان يسلم فيه الكفار في بلاد الإسلام على ما كانوا عليه من ضلالة، و لا يسلم شيعة أهل البيت بما عندهم من الهدى! فكان الكشف في هذه الظروف عن أسماء الأئمة المعصومين، خصوصاً من كان منهم في‌

____________

(1) الفقيه: ج 2، ص 306.

24

الفترات اللاحقة، و تناقل النصوص المصرّحة بإمامتهم بين الرواة أمراً في غاية الخطورة على الإمام و على شخص الناقل أيضاً.

و لكنّهم مع ذلك قد حفظوا لنا جزاهم اللّٰه خير الجزاء تلك النصوص و تناقلوها فيما بينهم بالرغم ممّا كان يكتنفها من المشاكل و الضغوط حتى أوصلوها لنا، بحيث تمّت بواسطتها الحجّة على من أنكر، و الاحتجاج بها و الاستناد إليها لمن آمن. و لهذا فقد أصبحت هذه القضية من المسلّمات العقائدية لدى شيعة أهل البيت، و المتواترة إجمالًا، بحيث إنّهم عرفوا حتى عند أعدائهم بتوليهم لهؤلاء الأئمّة الطاهرين، و ميّزوا بأنّهم (الاثنا عشرية) في إشارة إلى اعتقادهم بإمامة الأئمّة الاثني عشر. و صار الأمر عند الشيعة بحيث إنّ من كان لا يؤمن بأحدهم أو جعل غيره مكانه لا يعد من هذه الطائفة المحقة.

بل إنه كما ذكرنا سابقاً ارتبط ذكر أسمائهم (عليهم السلام) بالصلاة و سجدة الشكر كما في صحيحة بن جندب عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، و هذا لعلّه يراد منه أن يكون المؤمن ذاكراً لأئمّته في كل يوم، و حتى لا تنسى هذه الصفوة الطاهرة، أو يدّعي آخرون عدم وجود الدليل أو النص عليهم أو على بعضهم.

نسأل اللّٰه سبحانه و تعالى أن يثبّتنا على ولايتهم في الدنيا، فلا ننجرف في تيارات الفتن و الشكوك التي أخبرنا بها أئمتنا (عليهم السلام) و بالذات في زمان الغيبة، حيث يرتاب المبطلون و يثبت المؤمنون، و أن ينفعنا بشفاعتهم في الآخرة إنّه على كل شي‌ء قدير و بالإجابة جدير.

اللّهمّ ما عرّفتنا من الحق فحمّلناه و ما قصرنا عنه فبلّغناه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

25

نفي السهو عن النبي ص

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

[المدخل]

سماحة المرجع الديني آية اللّٰه العظمى الشيخ الميرزا جواد التبريزي (دام ظلّه)، إنّ مسألة جواز السهو على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أو نفيه عنه من المسائل العقائدية المهمّة التي كثر البحث و الجدل حولها من قديم الأيام، و الاختلاف فيها امتداد للاختلاف في المسألة الأعم، أعني مسألة عصمة الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام).

و في هذا الزمان كثرت إثارة الشُّبه حول العقائد الإسلامية بأساليب مختلفة، نرجو من سماحتكم التعرّض لهذه المسألة لإزالة الشبهة من أذهان الناس و دفع التوهّمات عن النظريات الإسلامية الصحيحة. و الوقوف أمام التيارات المشبوهة لهو ممّا جرت عليه سيرة علماء الطائفة المحقّة من قديم الزمان، و جزاكم اللّٰه خير الجزاء و جعلكم ذخراً للإسلام و المسلمين.

عصمة الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)

الكلام في العصمة يقع من نواحي: الأولى: العصمة عن ارتكاب الحرام أو ترك الواجب، سواء كان التكليف الإلزامي متوجّهاً إلى عامة المكلفين أو لخصوص النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الإمام (عليه السلام).

الثانية: العصمة عن المكروهات.

الثالثة: العصمة عن السهو و الخطأ.

28

أمّا الناحية الثانية فلا نطيل فيها الكلام، و اللازم حصوله منها في النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الإمام (عليه السلام) هو ترك الاستمرار على المكروهات و لو كانت الاستدامة على مكروه واحد، و ذلك من أجل عدم وهنه في النفوس لكونه القدوة الحسنة في كل كمال و المثل الأعلى لكل جميل، و أمّا الناحية الثالثة فسيأتي الكلام حولها مفصلًا فيما بعد، و أمّا الناحية الأولى و كلامنا الآن حولها فهي ثابتة للأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) باتفاق علماء الإمامية، بل هي من ضروريات المذهب، و الكلام فيها من جهات:

الجهة الأُولى؛ معنى العصمة:

إن معنى عصمتهم (عليهم السلام) هو عدم صدور شي‌ء من الحرام أو ترك الواجب منهم، لعدم انقداح الميل و الإرادة في أنفسهم الزكية إلى ذلك، نظير ما يحصل لجلّ المؤمنين، بل و غيرهم بالنسبة إلى بعض القبائح ككشف العورة أمام الملأ العام.

و ثبوت العصمة لهم بهذا المعنى لا يستلزم سلب القدرة عنهم إزاء هذه الأُمور، بمعنى عدم تمكّنهم تكويناً من ارتكاب ذلك، و إلّا لما كانت عصمتهم فضيلة لهم تميّزهم عن سائر الناس.

و يشهد لذلك:

أوّلًا: إنّ عصمتهم بهذا المعنى ترفع التهمة عنهم و تقطع عذر من فرّ أو يريد الفرار عن طاعتهم.

ثانياً: الآيات المباركة كقوله تعالى لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ (1) و غيرها مما سيأتي.

____________

(1) سورة البقرة: الآية 124.

29

الجهة الثانية؛ إشكال و جواب:

الإشكال: انّه لو كانت العصمة بهذا المعنى تفضّلًا من اللّٰه سبحانه و تعالى على الأنبياء و الرسل و الأئمّة (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين)، أو كان تفضّله سبحانه و تعالى دخيلًا في حصولها لهم، لما كان إعطاؤها لهم موجباً لعلوّ مرتبتهم و امتيازهم عن سائر البشر، إذ لو أُعطيت لغيرهم لكانوا مثلهم أيضاً في هذه المزية.

و لو لم تكن تفضلًا من اللّٰه سبحانه، فلما ذا اختصّت بالأنبياء و الرسل و الأئمة (عليهم السلام)؟

الجواب: إن المرتبة العالية من الروح الإنسانية و إن كانت هذه المرتبة أمراً من الأُمور التشكيكة (1) أيضاً قد أُعطيت لهم من قبل اللّٰه سبحانه، بحيث يمتاز خلقهم و أصل نشأتهم عن خلق سائر الناس، و ذلك بعد علم اللّٰه السابق على خلقهم بأنّهم أهل لهذه المرتبة العليا، حيث كان اصطفاؤه لهم لعلمه سابقاً بأنّه لو لم يعطهم ذلك لكانوا ممتازين أيضاً عن سائر الناس مطلقاً، أو بالإضافة إلى أهل زمانهم في الانقياد و الطاعة و البعد عن المعصية، على اختلاف درجاتهم، لهذا خصهم بهذا التفضل كما هو مقتضى الحكمة الإلهية كرامةً و لطفاً لعباده المصطفين الأخيار، و يفصح عن ذلك الاصطفاء جملة من الآيات و الروايات، كقوله سبحانه و تعالى‌

____________

(1) المراد من الأمر التشكيكي أو الأمر المشكّك هو الكلي المتفاوتة أفراده في صدق مفهومه عليها، كالبياض مثلًا، فإنّه مفهوم كلي ينطبق على بياض الثلج و بياض القرطاس و لكن بياض الثلج أشدّ من بياض القرطاس مع أنّ كليهما بياض، و يقابله الكلي المتواطئ فإنّه المتوافقة أفراده فيه كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فإنّهم متساوون في الإنسانية و ليس هناك فرد أقوى أو أشدّ في الإنسانية من غيره، نعم ربّما يختلفون في صفات أُخرى كالطول و اللون و القوة .. و غير ذلك.

فالمرتبة العالية من الإنسانية ذات مراتب و درجات متفاوتة، فلهذا كانت أمراً مشكّكاً، فربّما ينال بعضهم الدرجة العليا منها و آخر ينال الوسطى و هكذا ..

30

1- إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ (1).

2- قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ وَ سَلٰامٌ عَلىٰ عِبٰادِهِ الَّذِينَ اصْطَفىٰ (2).

3- وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنٰا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيٰارِ. وَ اذْكُرْ إِسْمٰاعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ ذَا الْكِفْلِ وَ كُلٌّ مِنَ الْأَخْيٰارِ (3).

4- وَ لَقَدِ اخْتَرْنٰاهُمْ عَلىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعٰالَمِينَ (4).

إلى غير ذلك مما يقطع على المتأمّل المنصف الطريق إلى إنكار عصمة الأنبياء و الرسل و الأئمة (عليهم السلام) و لا يترك له سبيلًا إلى ذلك.

الجهة الثالثة؛ رأى أهل السنة في العصمة:

ذهب المخالفون إلى عدم اعتبار العصمة في الأنبياء (عليهم السلام) اعتماداً على ما استظهروه من بعض الآيات الشريفة، و جملة من الروايات المنقولة بطرقهم، و من تلك الآيات:

1 قوله تعالى حكاية عن آدم وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ (5).

2 و قوله حكاية عن يونس النبي (عليه السلام) وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغٰاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ (6).

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 33.

(2) سورة النمل: الآية 59.

(3) سورة ص: الآيتان 47 48.

(4) سورة الدخان: الآية 33.

(5) سورة طه: الآية 121.

(6) سورة الأنبياء: الآية 87.

31

3 و قوله في قضية يوسف (عليه السلام) مع امرأة العزيز وَ هَمَّ بِهٰا لَوْ لٰا أَنْ رَأىٰ بُرْهٰانَ رَبِّهِ (1).

4 أمره سبحانه و تعالى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بالاستغفار، و غير ذلك.

الجواب عنه:

و رأيهم هذا باطل، و ما استظهروه من الدلالة لا ينهض على ما ذكروه، و الجواب عن ذلك بنحو إجمالي يتوزع بحسب الآيات، فأمّا ما كان من أمر الاستغفار فنقول:

إن استغفار المؤمن لربّه يقع في مقامين:

الأول: مثل ما يحصل للمؤمن إذا طلب منه فعل شي‌ء يعلم بأن اللّٰه سبحانه قد حرّمه و لا يرضى بفعله و القيام به، فيقول المؤمن لمن طلب منه: أستغفر اللّٰه، أو أعوذ باللّٰه.

الثاني: أن يرتكب الفعل المطلوب منه ثمّ يندم على ما صدر منه فيقول تائباً: أستغفر اللّٰه.

و الاستغفار في المقام الأوّل يدلّ على علو مرتبة المطلوب منه و نزاهته، و منه قول يوسف (عليه السلام) مَعٰاذَ اللّٰهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوٰايَ (2).

مضافاً إلى أنّ ما ورد من توجيه الأمر بالاستغفار إلى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) هو من قبيل (إياك أعني و اسمعي يا جارة) كما سيأتي التعرّض إلى ذلك، فلم يكن هو المراد بذلك الطلب.

و أما ما ورد في قصة يوسف (عليه السلام) وَ هَمَّ بِهٰا لَوْ لٰا أَنْ رَأىٰ بُرْهٰانَ رَبِّهِ، فيتوقف‌

____________

(1) سورة يوسف: الآية 24.

(2) سورة يوسف: الآية 23.

32

الجواب على معرفة المراد من برهان ربّه الذي رآه، فنقول: هو يقينه (عليه السلام) و إيمانه بربّه الذي أحسن مثواه، و هو متّصف به قبل الابتلاء بالواقعة، و لهذا قال لها مَعٰاذَ اللّٰهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوٰايَ، فليس المراد من هذه الجملة أنّه مال إلى الفعل و انقدح في نفسه ارتكابه ثمّ زال ميله إليه. و هذا نظير ما في قوله سبحانه و تعالى حكاية عن أم موسى إِنْ كٰادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لٰا أَنْ رَبَطْنٰا عَلىٰ قَلْبِهٰا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1)، حيث إنّ الربط على قلبها كان سابقاً على ذلك فكان مانعاً عن الإبداء و الميل إليه، و نظير قوله سبحانه أيضاً وَ لَوْ لٰا أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (2).

و أمّا حكاية النبي يونس (عليه السلام) فنقول: إنّ الذي أعطيت له مرتبة العصمة لا يليق به أن يباشر عملًا يحبه من غير أن ينتظر فيه أمر ربه، و عند ما نطبّق ذلك على واقعة النبي يونس (عليه السلام) نلاحظ أنّ اللّٰه سبحانه لم يأمره بالبقاء مع القوم في الوقت الموعود، و لكن خروجه لم يكن مناسباً منه، و يعبر عن ذلك بترك الأولى، و ابتلاؤه بعد الخروج و استغاثته و نداؤه في الظلمات كان تداركاً لما صدر منه، فإنّ حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلم يكن ذلك الابتلاء و تلك الاستغاثة بسبب صدور المعصية منه.

و أما التعبير عن ذهابه بقوله سبحانه فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فهو من قبيل بيان لسان الحال و أن فعله فعل من يظن ذلك.

و أمّا قضية النهي الموجه لآدم (عليه السلام) عن القرب من الشجرة و قوله سبحانه فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطٰانُ (3) فيمكن أن يجاب عنه بأحد وجهين:

الوجه الأوّل: إن آدم (عليه السلام) حين توجّه النهي إليه كان مع امرأته يعيشان وحدهما في الجنة، فلم يكن نبياً و لم يكن مرسلًا لقومه بعد.

____________

(1) سورة القصص: الآية 10.

(2) سورة الإسراء: الآية 74.

(3) سورة البقرة: الآية 36.

33

كما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في المجلس الحواري الذي عقده المأمون لاجتماع الإمام (عليه السلام) بأصحاب الفكر من جميع الديانات، فأسكتهم الإمام (عليه السلام) جميعاً، و إليك مقطع الشاهد من الرواية:

«.. فلم يقم أحد إلّا و قد ألزم حجّته كأنّه قد أُلقم حجراً، فقام إليه علي بن محمد بن الجهم، فقال له: يا بن رسول اللّٰه، أ تقول بعصمة الأنبياء؟

قال: بلى.

قال: فما تعمل في قوله اللّٰه عز و جل وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ ..؟

فقال مولانا الرضا (عليه السلام): و يحك يا علي! اتق اللّٰه و لا تنسب إلى أنبياء اللّٰه الفواحش، و لا تتأول كتاب اللّٰه برأيك، فإن اللّٰه عز و جل يقول وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (1)؛ أما قوله عز و جل في آدم (عليه السلام) وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ، فإن اللّٰه عز و جل خلق آدم حجة في أرضه و خليفته في بلاده، لم يخلقه للجنة، و كانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتم مقادير أمر اللّٰه عز و جل، فلما أُهبط إلى الأرض و جعل حجة و خليفة عصم بقوله عز و جل إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ ..» (2).

و لعل قائلًا يقول: إن هذا الالتزام مخالف للدليل العقلي الدال على عصمة الأنبياء (عليهم السلام) جميعهم من أول أمرهم.

فنقول له: إن ملاك عصمة الأنبياء هو أن لا يقع الناس في الشك من أمرهم، إذ لو كان النّبي يفعل المعاصي في مبدأ أمره بمرأى و مسمع من قومه لما كان لأمره و نهيه تأثير في نفوسهم، و لحصل لهم الشك في دعوته، فتبطل الحكمة من نبوته، و هذا المحذور غير جار على آدم (عليه السلام) في الجنة؛ لعدم الموضوع حينئذ.

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 7.

(2) البحار: ج 11، ص 72، نقلًا عن الأمالي للصدوق.

34

فالذي نريد أن نقوله في هذا الوجه هو: أنّ آدم (عليه السلام) لما هبط إلى الأرض كان معصوماً و لم تصدر منه مخالفة للّٰه سبحانه و هو على ظهرها أبداً.

الوجه الثاني: إن النهي الموجه لآدم (عليه السلام) في قوله تبارك و تعالى وَ لٰا تَقْرَبٰا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ (1) نهي إرشادي (2) لا تكليف فيه، فلا يراد منه إلّا أولوية اجتناب القرب من الشجرة، و يترتّب على عدم الاجتناب الخروج من الجنّة، و ليس مفاد النهي على هذا التفسير الحرمة المولوية الشرعية المستلزمة للجزاء الأُخروي لكي يكون الإقدام على الفعل ذنباً يخلّ بالعصمة.

و أمّا التعبير ب‍ (عصى) فالمراد من العصيان مخالفة الأمر المنطبق على الأمر الإرشادي، و لهذا يقولون: أمرت فلاناً بكذا و كذا من الخير فعصى و خالف، و الحال أن الأمر دلالة على الخير و إرشاد إليه، و لم يكن ما أمره به واجباً تكليفياً على المأمور بحيث يستحق العقوبة على تركه.

نفي السهو عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و سلم)

وردت عدة من الروايات دلت على وقوع النوم من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن صلاة الفجر في السفر و أنّه قضاها هو و أصحابه بعد ما طلعت عليهم الشمس و فاتهم وقت الأداء. كما أنّ هناك روايات أُخرى رويت من الطرفين الخاصة و العامة دلت على حصول السهو من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و قد تمسك بها أبناء العامة لإثبات ذلك، ما هو رأيكم الشريف في هذه المسألة؟

____________

(1) سورة البقرة، الآية 35.

(2) النهي في خطابات الشارع ربّما يكون نهياً مولوياً فيحمل حكماً بالحرمة أو بالكراهة، و يعبّر عن الثاني بالنهي التنزيهي أيضاً، و هذا النحو من النهي هو المقصود غالباً من النواهي الشرعية. و ربّما يكون النهي إرشادياً لا يحمل حكماً فيراد منه الإرشاد إلى عدم وجود المصلحة في الفعل المنهي عنه، و ربّما يدرك العقل ذلك بدون وجود النهي، فلهذا يقال عنه: إرشاد إلى حكم العقل.

35

في هذه الروايات إشكال و إن نقل بعضها بسند معتبر، و الذي تفيده بعض القرائن و الخصوصيات أنّها وردت عن الأئمّة على نحو التقية، و بهذه الروايات و أمثالها يعرف مقدار الابتلاء الذي ابتلي به أئمتنا (عليهم السلام)، و الظروف الصعبة التي مرت عليهم (عليهم السلام).

و يقع البحث في مقامين:

المقام الأول: في سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

المقام الثاني: في نوم النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن الصلاة.

أما المقام الأول:

فالبحث فيه من جهات:

الجهة الأولى؛ في ذكر بعض الروايات الدالة على السهو:

1 الشيخ الطوسي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن زيد الشحام قال: «سألته عن رجل صلى العصر ست ركعات، أو خمس ركعات، قال: إن استيقن أنّه صلى خمساً أو ستاً فليعد إلى أن قال: و إن هو استيقن أنّه صلى ركعتين أو ثلاثاً ثم انصرف فتكلم فلا يعلم أنّه لم يتم الصلاة فإنّما عليه أن يتم الصلاة ما بقي منها، فإن نبي اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) صلّى بالناس ركعتين ثم نسي حتى انصرف، فقال له ذو الشمالين: يا رسول اللّٰه، أحدث في الصلاة شي‌ء؟ فقال: أيّها الناس، أصدق ذو الشمالين؟ فقالوا: نعم، لم تصل إلّا ركعتين. فأقام فأتم ما بقي من صلاته» (1).

فنسبت الرواية النسيان إلى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): «ثم نسي حتى انصرف»، ثم بعد حصول الكلام و انتهاء الحوار القصير بين النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و من تكلم معه من أصحابه أتم‌

____________

(1) الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 17.

36

صلاته من حيث نساها. و الرواية ضعيفة بأبي جميلة المفضل بن صالح (1).

2 بإسناده الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان، عن سعيد الأعرج، قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: صلّى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ثمّ سلّم في ركعتين، فسأله من خلفه: يا رسول اللّٰه، حدث في الصلاة شي‌ء؟ فقال: و ما ذلك؟ قال: إنما صليت ركعتين، فقال: أ كذلك يا ذا اليدين (2)؟ و كان يدعى ذو الشمالين، فقال: نعم. فبنى على صلاته فأتمّ الصلاة أربعاً، إلى أن قال: و سجد سجدتين لمكان الكلام» (3). و هذه الرواية صحيحة من ناحية السند.

الجهة الثانية؛ رأي الصدوق في سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله):

و فيه نقاط:

النقطة الأولى؛ تفصيله بين السهو في الأحكام و السهو في غيرها:

للشيخ الصدوق (قدّس سرّه) و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد (رحمه اللّٰه) كلام حول سهو‌

____________

(1) قال عنه ابن الغضائري: المفضل بن صالح أبو جميلة الأسدي النحاس، مولاهم، ضعيف كذاب يضع الحديث. حدثنا أحمد بن عبد الواحد قال: حدثنا علي بن محمد بن الزبير قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال قال: سمعت معاوية بن حكيم يقول: سمعت أبا جميلة يقول: أنا وضعت رسالة معاوية إلى محمد بن أبي بكر. (مجمع الرجال: ج 6، ص 122). و قال النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي: روى عنه جماعة غمز فيهم و ضعفوا، منهم: عمرو بن شمر، و المفضل بن صالح. (راجع معجم رجال الحديث: ج 18، ص 287).

(2) كان يسمّى ذا اليدين أو ذا الشمالين لأنّ يده كانت كبيرة جدّاً و خارجة عن المتعارف.

(3) هكذا في الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 16، و باقي الرواية كما في التهذيب ج 2، ص 345، الحديث 1433. هو بعد كلمة أربعاً: «و قال: إن اللّٰه عزّ و جلّ هو الذي أنساه رحمة للأُمة، أ لا ترى لو أنّ رجلًا صنع هذا لعيّر و قيل ما تقبل صلاتك، فمن دخل عليه اليوم ذلك قال: قد سن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله و صارت أُسوة، و سجد سجدتين ..». و إنّما نقلناه لما سيأتي من الإشارة إلى الرواية لاحقاً ممّا قد يوهم ورود الإشكال على ما في كلمات الأُستاذ بدون الاطلاع على باقي الرواية.

37

النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، فإن الصدوق بعد أن نقل روايات نوم النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن الصلاة في كتابه (من لا يحضره الفقيه) قال: إنّ الروايات الكثيرة و المعتبرة قد دلّت على سهو النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و لا مناص من الالتزام بذلك لما فيها من الصحيح و الموثق، فإذا بنينا على ردها و طرحها فيجب أن نطرح سائر الأخبار أيضاً، و هذا ما يوجب إبطال الدين و الشريعة، إلّا أنّه كشيخه المذكور ذهب إلى التفصيل بين السهو في الأحكام و السهو في غيرها، فقال به في غير الأحكام استناداً إلى مثل هذه الروايات، و رده في الأحكام لورود الإشكال على القول بسهوه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فيها و هو لزوم نقض الغرض.

الوجه في التفصيل: بيان الإشكال: أنّه لو قيل بسهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في الأحكام لأمكن أن ينزل الوحي على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بأمر ثم يشتبه عليه و يبلغه للناس بخلاف ما أنزل إليه، و يلزم من ذلك نقض غرض المولى سبحانه و تعالى من إرسال الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لهداية البشر.

و بعبارة أُخرى: إنّ إيقاع النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أو الإمام (عليه السلام) في السهو خلاف الحكمة من جعل النبوة و الإمامة.

و أما إذا قيل بسهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في غير الأحكام فلا يرد هذا الإشكال، أي لا يكون السهو فيها نقضاً للغرض و لا مخالفاً للحكمة من النبوّة و الإمامة.

فالسهو إذن ممكن في غير الأحكام؛ لوجود مصلحة تقتضي أن يوقعه اللّٰه سبحانه و تعالى في السهو.

النقطة الثانية؛ في بيان المصلحة المدعاة:

و المصلحة المشار إليها هي: أنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن يستولي النوم على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فلم ينهض من نومه إلّا بعد طلوع الشمس و ذهاب وقت صلاة الفجر، فصلاها قضاء مع أصحابه. و وجه الحكمة أمران هما‌

38

الأول: أن يعرف الناس أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بشر مثلهم، و أنّه ينام كما ينام الناس و يجلس كما يجلسون، و لا يرد في ذهنهم احتمال أنه الرب، تعالى اللّٰه عن ذلك فإنّه الذي لا تأخذه سنة و لا نوم.

الثاني: أن لا يعيب الناس بعضهم على بعض، فإن المؤمنين تحصل عندهم نفرة من الرجل الذي ينام عن الصلاة في وقتها حتى تفوته و يقضيها فيما بعد، و يعيبونه على ذلك و يعيّرونه به، لهذا اقتضت الحكمة الإلهية أن يستولي النوم على الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في هذه الواقعة، و هو مع أصحابه، فصلى الصبح قضاءً حتى لا تحدث سنة سيئة بين الناس، و لا ينفر المسلمون بعضهم من البعض الآخر بهذا السبب، لأن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) نفسه قد أُصيب بهذه الحالة.

النقطة الثالثة؛ تفصيله بين سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و سهو سائر الناس:

و قال الصدوق أيضاً: إن السهو في النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) من اللّٰه سبحانه، و أما النسيان في سائر الناس فإنّما هو من الشيطان، و استدلّ على قوله الأخير هذا بقوله تعالى إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (1).

النقطة الرابعة؛ كلامه في ذي الشمالين:

أشار الصدوق (رحمه اللّٰه) إلى إشكال أورده الخاصة على خبر ذي الشمالين و هو: أن الراوي عن ذي الشمالين هو أبو هريرة، و ذو الشمالين قتل في وقعة بدر الواقعة في السنة الثانية للهجرة، مع أنّ أبا هريرة لم يسلم إلّا في السنة السابعة للهجرة، فلا يمكن أن ينقل عنه في زمان كفره، مضافاً إلى أنّ الرجل مجهول، فالحديث غير صحيح.

____________

(1) سورة النحل: الآيتان 99 100.

39

و أجاب العامة: بأنّ ذا اليدين اسم لشخصين أحدهما الذي قتل في السنة الثانية للهجرة، و أمّا الذي يروي عنه أبو هريرة فهو رجل آخر و قد عاش إلى ما بعد حياة الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و بقي إلى زمان معاوية، حتى قيل إنه قتل في صفين.

و قال الصدوق في ذلك: قال البعض و يقصد به جماعة من الطرفين: إن هذه الأخبار مردودة لكون الرجل المذكور مجهولًا و غير معروف.

فأجاب عن ذلك في كتابه (من لا يحضره الفقيه): إن من يقول بهذا الكلام كذاب، فإنّ الرجل معروف و قد روى عنه المؤالف و المخالف ..

ثم قال (رحمه اللّٰه): إن من ينكر سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) هم الغلاة و المفوضة الذين قالوا: إن اللّٰه سبحانه قد فوض الأمر إلى نبيه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام).

و من كلام الصدوق هذا يعلم مقدار ما استولى عليه من الغضب، ممّا يدل على أن المسألة كانت مثار جدل كبير في ذلك الوقت حتى إنّه أثير بما كان يصدر من كلام حولها.

و نقل عن شيخه في المقام: إن محمد بن الحسن بن الوليد يقول: إن القول بنفي السهو عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مطلقاً أول درجة من درجات الغلو (1).

____________

(1) أرى من تمام الفائدة أن ننقل نص كلام الشيخ الصدوق كما جاء في كتابه: (من لا يحضره الفقيه: ج 1، الباب 49، في أحكام السهو في الصلاة، في ذيل الحديث 48)، فإنّه روى حديث سعيد الأعرج بهذه الصورة: «قال: سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: إن اللّٰه تبارك و تعالى أنام رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، ثمّ قام فبدأ فصلى الركعتين اللتين قبل الفجر ثمّ صلى الفجر، و أسهاه في صلاته فسلم في ركعتين ثمّ وصف ما قاله ذو الشمالين، و إنما فعل ذلك به رحمة لهذه الأُمة لئلا يعير الرجل المسلم إذا هو نام عن صلاته أو سها فيها فيقال: قد أصاب ذلك رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

قال مصنف هذا الكتاب: إنّ الغلاة و المفوضة لعنهم اللّٰه ينكرون سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و يقولون: لو جاز أن يسهو (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في الصلاة جاز أن يسهو في التبليغ، لأنّ الصلاة عليه فريضة كما أنّ التبليغ عليه فريضة. و هذا لا يلزمنا و ذلك لأن جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فيها ما يقع على غيره، و هو متعبد بالصلاة كغيره ممن ليس بنبي، و ليس كل من سواه بنبي كهو، فالحالة التي اختصّ بها هي النبوة و التبليغ من شرائطها، و لا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة؛ لأنّها عبادة مخصوصة و الصلاة عبادة مشتركة، و بها تثبت له العبودية و بإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّ و جلّ من غير إرادة له و قصد منه إليه نفي الربوبية عنه، لأن الذي لا تأخذه سنة و لا نوم هو اللّٰه الحي القيوم، و ليس سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) كسهونا لأن سهوه من اللّٰه عزّ و جلّ، و إنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتّخذ رباً معبوداً دونه و ليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا، و سهونا من الشيطان و ليس للشيطان على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) سلطان، إنّما سلطانه على الذين يتولّونه و الذين هم به مشركون و على من تبعه من الغاوين. و يقول الدافعون لسهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): إنه لم يكن في الصحابة من يقال له ذو اليدين و إنّه لا أصل للرجل و لا للخبر. و كذبوا، لأنّ الرجل معروف و هو أبو محمد عمير بن عبد عمرو المعروف بذي اليدين، و قد نقل عنه المخالف و المؤالف، و قد أخرجت عنه إخباراً في كتاب وصف قتال القاسطين بصفين.

و كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمه اللّٰه) يقول: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و لو جاز أن تُرد الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن نرد جميع الأخبار، و في ردها إبطال الدين و الشريعة، و أنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الرد على منكريه إن شاء اللّٰه تعالى»، انتهى كلامه رفع مقامه.

40

و ما نقله عن ابن الوليد كلام خطير جدّاً حتى إن الشيخ المفيد قد علق عليه بقوله: إن ابن الوليد مقصر في ذلك، كما أن قول الصدوق: إن القول بنفي السهو عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قول الغلاة و المفوضة هو بنفسه غلو (1).

____________

(1) عبارة الشيخ المفيد كما نقلها صاحب البحار: ج 17، «و قال الشيخ المفيد نوّر اللّٰه ضريحه فيما وصل إلينا من شرحه على عقائد الصدوق (رضى اللّٰه عنه): فأمّا نص أبي جعفر (رحمه اللّٰه) بالغلو على من نسب مشايخ القميين و علمائهم إلى التقصير، فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس إذن، و في جملة المشار إليهم بالشيخوخة و العلم من كان مقصراً، و إنّما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحقّقين إلى التقصير، سواء كانوا من أهل قم أو غيرها من البلاد، و سائر الناس. و قد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد (رحمه اللّٰه) لم نجد لها دافعاً في التقصير، و هي ما حكي عنه أنه قال: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الإمام (عليه السلام)، فإنّ صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصّر، مع أنّه من علماء القميين و مشيختهم».

41

كما علق (رحمه اللّٰه) على كلمة الصدوق في النقطة الثالثة بقوله: رحم اللّٰه الصدوق، فإن مؤدى كلامه هو أنّ جميع البشر أتباع الشيطان، و إنّا كلّنا نصلي و نصوم، فهل إذا سهونا نكون أتباعاً للشيطان؟! (1).

الجهة الثالثة؛ مناقشة الصدوق في رأيه:

اعتمد الشيخ الصدوق في هذا الرأي على شيخه المذكور، و الملاحظ أنّ الشيخ الصدوق متأثر بأستاذه هذا كثيراً، و هو لشدة اعتماده عليه يقول في غير هذا المورد: إن كل من وثقه محمد بن الحسن بن الوليد فهو ثقة عندي، و كل من ضعفه فهو ضعيف.

و ما صدر عن هذين العظيمين غير صحيح، و الدليل على ذلك أُمور ستأتي تباعاً إن شاء اللّٰه تعالى، و الجواب عما ذكره في كلامه ينحل إلى النقاط المذكورة سابقاً، أمّا الجهة الأولى فنقول فيها:

إن الروايات التي استند إليها الصدوق ليست واقعة موقع القبول، و الذي يرشد إلى ذلك أُمور:

الأمر الأول: أنّ في هذه الروايات نفسها قرينة على عدم اعتبارها، و القرينة هي: أنّها بينت أنّ الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قد أتمّ صلاته من حيث قطعها بعد صدور الكلام العمدي منه، مع أنّ الكلام العمدي مبطل للصلاة بلا ريب.

و أجاب بعضهم عن ذلك: بأن الكلام الصادر منه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سهوي أيضاً؛ إذ إنّه كان‌

____________

(1) راجع عبارته في البحار: ج 17، ص 128، في ضمن رسالة ردّ بها على الشيخ الصدوق.

42

على يقين من نفسه بأنّه لم يكن في حال الصلاة، فوقوع الكلام في أثنائها لم يكن عن قصد فهو سهوي، و الكلام السهوي لا يحتاج إلّا إلى سجدتي السهو.

و هذا الجواب غير صحيح، و على فرض صحته فإنّه لا يتأتى بالنسبة إلى الركعة الزائدة كما ورد في بعض الروايات من أنه صلى خمساً (1)، فإنّ زيادة الركعة في الصلاة مبطلة لها و لو سهواً.

و وجه عدم الصحة هو: معارضته لما في بعض الروايات؛ فإنّه لما سئل الإمام (عليه السلام) فيها عمّن تكلم في الصلاة أجاب بلزوم الإعادة عليه.

و قد سئل الإمام (عليه السلام) في هذه الروايات عن سر عدم إعادة الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لصلاته، فأجاب بأن الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لم يبرح مكانه. و لا يخفى أنّ في هذا ردا للأخبار الّتي فيها أنّ من قام من مكانه و لو بلغ الصين ثمّ رجع يتم صلاته، و سيأتي التعرض إليها و بيان أنّها محمولة على التقية، فانتظر.

كما أنّ الروايات التي ذكرت أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لم يستقبل صلاته لأنّه لم يبرح مكانه محمولة على التقية أيضاً كما حملها على ذلك الشيخ الطوسي، حيث إنّه لا يرى سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مطلقاً لا في الأحكام و لا في غيرها، و بيانه على ذلك هو: أنّ الناس حينما يرون وقوع السهو من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لا يرون لقوله اعتباراً، و إذا حدثهم بحديث عن جبرئيل (عليه السلام) احتملوا وقوع الاشتباه منه في ذلك و عدم نزول الوحي‌

____________

(1) محمد بن الحسن بإسناده عن سعد، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال: «صلى بنا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) الظهر خمس ركعات ثم انفتل فقال له بعض القوم: يا رسول اللّٰه، هل زيد في الصلاة شي‌ء؟ قال: و ما ذاك؟ قال: صليت بنا خمس ركعات. قال: فاستقبل القبلة و كبر و هو جالس ثم سجد سجدتين ليس فيهما قراءة و لا ركوع ثمّ سجد، و كان يقول هما المرغمتان. قال الشيخ: هذا شاذ لا يعمل عليه لأنّ من زاد في الصلاة يجب عليه الاستئناف ..». (الوسائل: ج 5، الباب 19 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 9).

43

عليه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فيبطل أصل النبوة و ينهد أساس الوحي و يندك بنيان الدين، و ينفتح الباب لمن لا يؤمن بنبوة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لإبعاد الناس عنه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و يرى عوام الناس أن لأُولئك العذر في قولهم: إنّه شاعر أو مجنون ..!

و لكن الملاحظ أنّ محاولة أُولئك باءت بالفشل، و رأى الناس خلاف ما نسبوه إليه و أقرّت عقولهم بصدق النبوة و تمامية الحجّة في قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ (1).

و على هذا الأساس ذهب الشيخ الطوسي و السيد المرتضى و الشيخ المفيد إلى ضعف كلام الصدوق، و هؤلاء الأجلاء داخلون بحسب كلام الصدوق المتقدم في جملة الغلاة و المفوضة، و كذلك كبار القميين من أمثال محمد بن عيسى، و أحمد بن محمد بن خالد و غيرهما ..

الأمر الثاني: أنّ الأخبار التي تضمنت سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مبتلاة بالمعارض، فإن في موثقة زرارة ما ينفي أن الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سجد سجدة سهو في حياته قط:

فقد روى الشيخ بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّٰه بن بكير، عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): هل سجد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سجدتي السهو قط؟ قال: لا، و لا يسجدهما فقيه» (2).

و الرواية موثقة بعبد اللّٰه بن بكير، و كلنا يعلم مقام زرارة من الإمام (عليه السلام) فإنّه ممّن يلقي إليه بسره، و قد سأل الإمام (عليه السلام) عن سجود النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سجدتي السهو و هو الأمر الذي يقول به العامة، فأجاب (عليه السلام) بالنفي، و أضاف إلى ذلك قوله «لا يسجدهما فقيه»،

____________

(1) سورة البقرة: الآية 23.

(2) الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 13.

44

و المراد من الفقيه هنا هو الإمام (عليه السلام) فإنّه الفقيه المطلق.

و عند حصول التعارض بين طائفتين من الروايات تجري قواعد باب التعارض، و المقرر في مذهبنا في حالة التعارض بين روايتين إحداهما توافق مذهب العامّة و الأُخرى تخالفه هو الأخذ بالرواية المخالفة لقول العامة و طرح الرواية الموافقة لهم، و لا يلزم من طرح تلك الروايات لموافقتها للعامة الخروج عن الدين و لا أي إشكال آخر.

و قال الشيخ بعد أن نقل هذه الرواية: «الذي أفتي به ما تضمنه هذا الخبر» (1).

فإن قال قائل للشيخ: لماذا نقلت روايات السهو و أنت تنفيه عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)؟

يقال له: إنّ تلك الروايات تضمّنت حكم الكلام السهوي في الصلاة، الذي لا يصدر من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و لا الإمام (عليه السلام)، فيستفاد منها عدم بطلان صلاة من تكلم كلاماً سهوياً و أن عليه إتمام صلاته.

و نحن نقول للشيخ: إنّ هذه الروايات محمولة على التقية؛ لأن فيها: «من قام من مقامه»، بل في بعضها «لو ذهب إلى الصين ثم تذكّر أنّه لم يكمل صلاته وجب عليه الإتمام». و هذا مسلك العامة، فتحمل هذه الروايات على التقية و لا تدل على وقوع السهو من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

مضافاً إلى أنّ الكلام العمدي مبطل للصلاة كما أشرنا إليه سابقاً.

نعم هناك رواية فيها: «فَلِم رسول اللّٰه لم يستقبل صلاته و إنّما أتم ما بقي؟ فقال (عليه السلام): لأنّه لم يبرح من مكانه و لو برح لأتم ما نقص» (2).

____________

(1) عبارة الشيخ في التهذيب: ج 2، ص 351، «قال محمد بن الحسن: الذي أفتي به ما تضمّنه هذا الخبر. فأما الأخبار التي قدمناها من أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سها فسجد فإنّها موافقة للعامة، و إنما ذكرناها لأنّ ما تضمّنته من الأحكام معمول بها على ما بيّناه».

(2) الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 7 و 10.

45

و أما الروايات التي أشرنا إليها فمنها:

1 صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل صلّى بالكوفة ركعتين ثمّ ذكر و هو بمكة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدة من البلدان أنّه صلّى ركعتين، قال: يصلي ركعتين» (2).

و المراد من الركعتين اللتين يأتي بهما هما الأخيرتان اللتان تتم بهما الصلاة؛ و القضية المروية عن الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) كانت في صلاة الظهر أو صلاة العشاء كما قال بعض نقلًا عن العامة (3).

2 موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «و الرجل يذكر بعد ما قام و تكلم و مضى في حوائجه أنه إنّما صلى ركعتين في الظهر و العصر و العتمة و المغرب، قال: يبني على صلاته فيتمها و لو بلغ الصين و لا يعيد الصلاة» (1).

فالصحيح هو ما رواه الشيخ بالسند الموثق من أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لم يسجد سجدتي السهو قط و لا يسجدهما فقيه.

و على هذا الأساس فجميع هذه الروايات محمولة على التقية كما ذهب إليه الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، و لذلك كان الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «إنّي لا أقدر أن أخالف ابن أبي ليلى»! فالأئمة (عليهم السلام) كانوا في حال تقيّة فلم يقدروا على المخالفة، فنقلوا الرواية عن الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) تقية، و لكن أصحاب البصيرة يعرفون ذلك فيميزون بين الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) بنحو التقية و بين غيرها، فالرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) لا يسهون و لا يشتبهون.

____________

(2) الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 19.

(3) قال صاحب البحار: ج 17، ص 114: ففي أكثر أخبارنا أنّها كانت صلاة الظهر، و في أكثر أخبارهم أنّها كانت صلاة العصر.

(1) الوسائل: ج 5، الباب 3 من أبواب الخلل في الصلاة، الحديث 20.

46

الأمر الثالث: ذكر علماؤنا (قدست أسرارهم) كما فصله المجلسي في البحار (1): أنّ روايات اعتراض ذي الشمالين على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بقوله: «أحدث في الصلاة شي‌ء»؟ مضطربة المتون، و قد نقلت بعدة صور، فنقل أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) صلّى خمس ركعات، و في مورد آخر أنّه صلّى ركعتين، و في ثالث ثلاث ركعات، و نقل العامة أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) قد نفى ذلك حينما سئل: «أنسيت أم قصرت الصلاة»؟ فقال: «إن كل ذلك لم يكن». أي أنّه صلّى صلاة تامة صحيحة، فقال له: بل غيرت في الصلاة، و على بعض الروايات الأُولى و الثانية أنّ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) سأل بعد ذلك القوم فصدقوا ذا الشمالين، و بعد هذا الحوار قام الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و أتى بباقي الصلاة، ركعة أو ركعتين، و لهذا رأى علماؤهم أن لا محيص من القول بعدم بطلان الصلاة بالكلام العمدي، كما أنّه لهذه الجهة قال أئمتنا (عليهم السلام): حتى لو ذهب المصلي إلى الصين ثمّ رجع إلى مكانه يتم ما نقص من صلاته، و ليست جميع الأخبار بهذا النحو، و على كل حال فهذا الاضطراب الحاصل في الخبر يسقطه عن الاعتبار.

الأمر الرابع: إن ذا اليدين شخص مجهول الحال، و مقدار ما يعرف عنه من حياته أنّه رجل استشهد في غزوة بدر، فلا يركن إلى الرواية.

قالوا: إنّ هناك رجلًا آخر اسمه ذو اليدين أيضاً و هو راوي الحديث.

قلنا: إن ذا اليدين المقتول في بدر يعرف بذي الشمالين و هو صاحب الواقعة في الحديث، و قد أشار الإمام (عليه السلام) في صحيحة الأعرج المتقدمة إلى أن ذا اليدين يدعى ذا الشمالين، فذو اليدين الأوّل هو الذي يدعى ذا الشمالين و هو الذي قُتل في بدر و هو الذي سأله الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و هذا يعني أن ذا اليدين الأوّل المذكور في الحديث لا ربط له بذي اليدين الثاني، فإنّ الثاني لا يسمى بذي الشمالين، فالإمام (عليه السلام)

____________

(1) بحار الأنوار: ج 17، ص 114.

47

بيّن بطلان هذه القضية بهذا البيان؛ أي إنّ أبا هريرة راوي الحديث لم يلتق بذي اليدين المروي عنه حتى ينقل عنه، فإنّه أسلم في السنة السابعة من الهجرة، و مات ذو الشمالين في السنة الثانية كما قدّمنا، مضافاً إلى كون ذي اليدين مجهول الحال (1).

قالوا: لا عيب في ذلك، فإن أبا هريرة كان كافراً حين وقوع الحدث ثمّ أسلم، فروى الواقعة أبو هريرة عنه بواسطة أحد الصحابة بأن ذا الشمالين قال كذا و كذا ..

و لكن هذا الجواب غير منسجم مع ما في متن الرواية المنقولة عن أبي هريرة، فإنّ فيها: «عن أبي هريرة قال: صلّى بنا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) إحدى صلاتي العشي قال ابن سيرين سماها أبو هريرة و لكن نسيت فصلّى بنا ركعتين ثمّ سلم ..» (2).

و أمّا دعوى الصدوق (رحمه اللّٰه) بأن ذا اليدين رجل معروف و قد روى عنه المؤالف و المخالف .. إلى آخر كلامه، فقد أجيب عنها: بأنّه لم يرو عنه أحد من أصحابنا أبداً، و لم يذكر في كتبنا الرجالية أصلًا، و لم يصنّف عندهم في الرواة، و أنّ هذه الرواية التي تعرضت لذكره إنما رويت من طرقنا عن الأئمة (عليهم السلام) بنحو التقية. بل قيل و العهدة على الناقل فإنّي لم أفحص عنه في كتب العامة: إن هذا الرجل غير موجود حتى في تراجم رجال العامة (3)، و لم توجد رواية كان هو الراوي لها، فكيف يقول الصدوق‌

____________

(1) ربما يقال: بأنّ جهالة ذي الشمالين غير مضرة في قبول الحديث؛ لأنّه لم يكن راوياً للحديث و إنما نقل عنه ما قاله للرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

فيقال: إن ضرر الجهالة هنا ليس من جهة كونه راوياً أو غير رأو، بل من حيث إنّه الرجل الوحيد الذي ردَّ على الرسول و في المسجد كبار الصحابة و الهاشميين، ممّا يوحي إلى أنّه الملتفت في ذلك الجمع لا غيره مع احتمال أنّه أحد الأعراب.

(2) البخاري: الحديث رقم 460، كتاب الصلاة.

(3) أمّا الروايات فقد بحثتُ في كتبهم التسعة في الحديث المعتبرة عندهم بواسطة الكمبيوتر فلم أر رواية عنه بهذا العنوان غير هذه الرواية التي نقل فيها أبو هريرة كلامه مع الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و أما كتبهم الرجالية فقد وقفت على ذكره في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة: ج 1، ص 422؛ و ج 3، ص 33، أمّا ما في الأوّل فهو: «الخرباق السلمي ثبت ذكره في صحيح مسلم من حديث عمران بن حسين أنّ رسول اللّٰه سلم عن ثلاث ركعات ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، و روى العقيلي في الضعفاء و الطبراني من طريق سعيد بن بشير فذكر حديث السهو، قال ابن حبان: هو غير ذي اليدين، و قيل هو هو».

و أمّا ما في الجزء الثالث فهو: «6041، عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو الخزرجي .. كذا نسبه ابن الكلبي، و أبو عمر إلى نضلة بن عمرو فقال: ابن غسان بن سليمان بن مالك بن أفصى، قال ابن إسحاق: كان يعمل بيديه جميعاً فقيل له ذو اليدين و شهد بدراً و استشهد بها، و قال أبو عمر: قتل بأحد و زعم أنّه ذو اليدين و ليس بذي الشمالين المقتول ببدر، و جزم ابن حبان بأنّه ذو اليدين و غيره بأنّه ذو الشمالين». و يمكن أن يوجد ذكره في غير هذا الكتاب إلّا أنّني اكتفيت بذلك.

48

عنه: روى عنه المؤالف و المخالف؟! و بهذا يندفع ما ذكره في النقطة الرابعة من كلامه.

و أمّا ما ذكره في النقطة الثانية من كلامه أعني المصلحة المزعومة، أي أن نوم الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) إنّما هو من أجل أن يعلم الناس بأنّه كان ينام و أن الذي لا تأخذه سنة و لا نوم هو اللّٰه عز و جل فيرد عليه: أن اللّٰه سبحانه أمر نبيه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أن يقوم في الليل من نومه فقال قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا (1)، فالناس يعلمون بذلك سابقاً و لاحقاً فلا حاجة لتعليمهم بهذه الطريقة (2).

و أمّا قوله بأنّ الحكمة اقتضت ذلك، فرواية سعيد الأعرج برواية الكليني‌

____________

(1) سورة المزمل: الآيات 2 6.

(2) كما أنّ هناك آيات صرّحت بأنّه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بشر رسول، قال تعالى قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىٰ إِلَيَّ أَنَّمٰا إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ .. (سورة الكهف: الآية 110)، و قال تعالى: .. قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلّٰا بَشَراً رَسُولًا. (سورة الإسراء: الآية 93).

49

و الشيخ لا يوجد فيها كلمة النوم، بل ذكر فيها السهو و أنّه من أجل أن لا يعيب بعضهم على بعض، و من المطمئن به أنّ هذه الزيادة إنما هي من كلام الصدوق و أنّه هو الذي ذكرها في الفقيه، فحقّ السهو عليه لا على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

الجهة الرابعة؛ ذكر بعض أدلة العامة على سهو النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله):

استدل بعض العامة على وقوع السهو من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): بأنّ اللّٰه سبحانه أمر النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بعدم القعود مع الظالمين إذا نسي ثمّ تذكر بقوله تبارك و تعالى وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ (1)، بعد قوله تعالى وَ إِذٰا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيٰاتِنٰا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّٰى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (2).

و للجواب عن هذه الشبهة نذكر أوّلًا هذا التنبيه:

إنّ كلمة النسيان الواردة في القرآن و في الاستعمالات البلاغية تأتي بمعاني، منها:

1 ذهاب الفكرة من ذهن الإنسان بعد إدراكها.

2 الغفلة عن أصل الأمر.

3 النسيان العملي، بمعنى الترك، أي ترك الشي‌ء عملًا فكأنّما هو ناس له. و يستعمل هذا المعنى في القرآن و في غيره من الاستعمالات العربية كثيراً، قال اللّٰه تعالى في حق أهل النار الْيَوْمَ نَنْسٰاكُمْ (3)، أي نترككم، إذ لا يعقل في حق اللّٰه سبحانه و تعالى النسيان بمعنى الغياب عنه.

و المراد من النسيان في الآية هو المعنى الثالث، إذ النسيان الحاصل من‌

____________

(1) سورة الأنعام: الآية 68.

(2) ينقل هذا القول عن الجبائي، راجع البحار: ج 17، ص 98.

(3) سورة الجاثية: الآية 34.

50

الشيطان هو الترك لا الغفلة و لا إذهاب الفكرة. و بعد اتضاح هذا نقول في الجواب عن الاستدلال: إنّ النسيان في الآية المباركة لم يصدر من الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فلم يكن الغرض من خطابه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بذلك هو توجيه التكليف إليه، بل المراد من الخطاب هو جعل التكليف لسائر المؤمنين؛ و ذلك لأن الخطابات القرآنية كما ذكر أهل البلاغة و أصحاب التفسير نزلت على نحو «إياك أعني و اسمعي يا جارة» (1)، نظير ما إذا أراد الأب أن ينهى أولاده عن فعل شي‌ء قبيح فيوجه الخطاب إلى ولده الأكبر و هو يعلم أنّه لا يفعله فيرتدع الباقون، و هذا الأُسلوب في الخطاب من روائع الكلام و لطف الحديث، فإنّ توجيه النهي لأقرب الناس من المتكلم مع ثقته به و اطمئنانه بعدم قيامه بالفعل المنهي عنه موجب لردع الآخرين و زجرهم بنحو أقوى من اختصاص الخطاب بغيره و توجيهه إلى الآخر المقصود بالنهي، و المسوغ لهذا اللون من الخطاب مع علم المتكلم بعدم عصيان المخاطب هو وجود ملاك النهي فيه، أعني القدرة على المخالفة و العصيان، و إلّا كان الخطاب لغواً. و كذلك الأمر في الخطابات القرآنية و منها الآية الكريمة المذكورة، فإنّ المصحح لها مع علمه تبارك و تعالى بعصمة النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و نزاهته هو وجود ملاك النهي فيه، و هو قدرته على المخالفة و المعصية، إذ العصمة لا تسلب المعصوم قدرته على المخالفة كما قدمنا الكلام فيها؛ فاللّٰه سبحانه و تعالى يوجّه الخطاب إلى النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بعدم الجلوس في المكان الذي يساء فيه إلى القرآن و الدين حتى يعلم الناس بعدم جواز الجلوس في مثل ذلك المكان و أنّ هذا الحكم موجّه للجميع من دون أن يراد (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) بقوله تعالى وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ (2).

____________

(1) مروي عن ابن عباس.

(2) و هناك آيات كثيرة بهذا النحو منها:

- وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مٰا لَكَ مِنَ اللّٰهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لٰا نَصِيرٍ. (سورة البقرة: الآية 120).

- وَ لٰا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَتُلْقىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً. (سورة الإسراء: الآية 39).

- يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللّٰهَ وَ لٰا تُطِعِ الْكٰافِرِينَ وَ الْمُنٰافِقِينَ. (سورة الأحزاب: الآية 1).

- لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ. (سورة الزمر: الآية 65).

51

و عليه، فلا دلالة في هذه الآية على تحقق النسيان من النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

المقام الثاني: في نوم النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) عن الصلاة:

استثنى بعض أصحابنا نوم النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و قالوا بإمكان النوم عليه عن الصلاة لمصلحة ما، لأن النوم غير السهو، و أمّا ما هي المصلحة فلا يعلمها إلّا اللّٰه، و أمّا نحن فقاصرون عن معرفة ذلك، فيمكن أن تكون المصلحة هي أن يعلم الناس بحكم القضاء و أن يجوز الإتيان بالنافلة قبل الفريضة مع فوتهما كما في صحيحة زرارة (1).

و لكن هذا المعنى من النوم الذي احتملوه لا يجتمع مع ما في صحيحة عبد اللّٰه بن سنان؛ لأن فيها كما رواه حتى العامة قول الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عند ما طلعت‌

____________

(1) و هي التي رواها في الوسائل: ج 3، ص 207، الباب 61 من أبواب المواقيت، الحديث 6، و هي: و روى الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّٰه (عليه السلام): إذا دخل وقت صلاة مكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة، قال: فقدمت الكوفة فأخبرت الحكم بن عتيبة و أصحابه فقبلوا ذلك مني، فلما كان في القابل لقيت أبا جعفر (عليه السلام) فحدثني أنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عرس في بعض أسفاره و قال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا. فنام بلال و ناموا حتى طلعت الشمس، فقال: يا بلال، ما أرقدك؟ فقال: يا رسول اللّٰه، أخذ بنفسي الذي أخذ بأنفاسكم. فقال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): قوموا فتحولوا عن مكانكم الذي أصابكم فيه الغفلة. و قال: يا بلال، أذّن. فأذّن، فصلّى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ركعتي الفجر و أمر أصحابه فصلّوا ركعتي الفجر، ثمّ قام فصلى بهم الصبح، ثمّ قال: من نسي شيئاً من الصلاة فليصلّها إذا ذكرها فإن اللّٰه عز و جل يقول وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي قال زرارة: فحملت الحديث إلى الحكم و أصحابه فقال: نقضت حديثك الأوّل. فقدمت على أبي جعفر (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) فأخبرته بما قال القوم، فقال: يا زرارة، إلا أخبرتهم أنّه قد فات الوقتان جميعاً و أنّ ذلك كان قضاء من رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

52

الشمس عليهم: «نمتم بوادي الشيطان». و الرواية هي:

محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد اللّٰه بن سنان، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: إنّ رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) رقد فغلبته عيناه فلم يستيقظ حتى آذاه حر الشمس، ثمّ استيقظ فعاد ناديه ساعة و ركع ركعتين ثمّ صلّى الصبح و قال: يا بلال، ما لك؟ فقال بلال: أرقدني الذي أرقدك يا رسول اللّٰه. قال: و كره المقام و قال: نمتم بوادي الشيطان» (1).

فإن معنى هذا هو أنّ النوم الذي حصل للرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) مثل أي نوم يحصل لسائر الناس، و أنّه من الشيطان، و هو ممتنع على الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) لأنّه نوم يقتضي حصول الغفلة عند الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

و قد ورد في الروايات ذكر النوم الحاصل من الشيطان، فإن فيها: يأتي الملك (2) و يوقظ النائم إلى صلاة الصبح، فإذا لم يقم و نام يأتي الملك ثانية، و إذا لم يقم و نام مرة أُخرى يأتي الشيطان إليه فيلهيه عن القيام و يحسن له المنام حتى تطلع عليه الشمس و يفوته أداء الصلاة في وقتها. و قال الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها: «نمتم بوادي الشيطان». و هذا لا يجتمع مع ما ذكره اللّٰه تعالى في كتابه المنزل إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطٰانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. إِنَّمٰا سُلْطٰانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (3). فنحن نعلم بأنّ الشيطان لا يمكنه أن يؤثّر‌

____________

(1) الوسائل: ج 3، ص 206، الباب 61، الحديث 10.

(2) جاء في البحار: ج 87، «المحاسن، عن أبيه، عن صفوان، عن خضر أبي هاشم، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ لليل شيطاناً يقال له الزهاء، فإذا استيقظ العبد و أراد القيام إلى الصلاة قال له: ليست ساعتك، ثمّ يستيقظ مرّة أُخرى، فيقول: لم يأن لك. فما يزال كذلك يزيله و يحبسه حتّى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر بال في أذنه، ثمّ انصاع يمصع بذنبه فخراً و يصيح ..».

(3) سورة النحل: الآيتان 99 100.

53

على النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) حتى في وقت النوم، و لهذا كان نوم النبي حجة شرعية، بل بعض ما يراه في نومه وحي منزل (1)، كما في قضية إبراهيم (عليه السلام) عند ما قال لابنه إسماعيل (عليه السلام) يٰا بُنَيَّ إِنِّي أَرىٰ فِي الْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مٰا ذٰا تَرىٰ، فأجابه ابنه و هو يعلم بأن ما رآه أبوه (عليه السلام) إنّما هو رؤيا منام يٰا أَبَتِ افْعَلْ مٰا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ مِنَ الصّٰابِرِينَ (2). و هكذا موارد من رؤيا النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام)، كرؤيا الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) القردة الذين ينزون على منبره، و المراد بهم ملوك بني أُمية الذين سيأتون من بعده بسنين (3)، و كرؤيا سيد الشهداء (عليه السلام) جده (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عند وداعه الأخير من المدينة أو ليلة‌

____________

(1) و قد ورد في تفسير قوله تعالى وَ مٰا كٰانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّٰهُ إِلّٰا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا .. (سورة الشورى: الآية 51)، أنّ المراد من (وحياً) الرؤيا في المنام.

و في البحار: ج 11، ص 41 عن الكافي أيضاً: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار قال: كتب الحسن بن العباس المعروف إلى الرضا (عليه السلام): جعلت فداك، أخبرني ما الفرق بين الرسول و النّبي و الإمام؟ قال: فكتب أو قال: الفرق بين الرسول و النّبي و الإمام أنّ الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه و يسمع كلامه و ينزل عليه الوحي و ربّما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم (عليه السلام)، و النّبي ربّما يسمع الكلام و ربّما رأى الشخص و لم يسمع، و الإمام هو الذي يسمع الكلام و لا يرى الشخص.

(2) سورة الصافات: الآية 102.

(3) ورد في البحار: ج 28، ص 77، عن الكافي: العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسين، عن محمد الوليد و محمد بن أحمد، عن يونس بن يعقوب، عن علي بن عيسى القماط، عن عمه عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «رأى رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في منامه بني أُمية يصعدون على منبره من بعده و يضلون الناس عن الصراط القهقرى، فأصبح كئيباً حزيناً. قال: فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا رسول اللّٰه، ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: يا جبرئيل إني رأيت بني أُمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى. فقال: و الذي بعثك بالحق نبياً إن هذا شي‌ء ما اطلعت عليه، فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها قال أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنٰاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جٰاءَهُمْ مٰا كٰانُوا يُوعَدُونَ مٰا أَغْنىٰ عَنْهُمْ مٰا كٰانُوا يُمَتَّعُونَ و أنزل عليه إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ جعل اللّٰه عزّ و جلّ ليلة القدر لنبيه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) خيراً من ألف شهر ملك بني أُمية.

و جاء في البحار: ج 9، ص 119 عند الكلام حول قوله تعالى وَ مٰا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلّٰا فِتْنَةً لِلنّٰاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ .. (سورة الإسراء: الآية 60): «.. و فيه أقوال ثالثها: إن ذلك رؤيا رآها النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في منامه أن قروداً تصعد منبره و تنزل، فساءه ذلك و اغتم به، و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّٰه (عليهما السلام) ..».

54

عاشوراء، و أمثال هذه ..

فالغفلة و إلقاء الشيطان في قلب النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) غير ممكن حتى في حال النوم، هذا هو اعتقادنا، و هذه الرواية منافية له؛ لأن في ذيلها «نمتم بوادي الشيطان». و بما أنّ هذا الخبر مما روته العامة فهو غير مسموع عندنا، بل نقول: إن نوم النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) عن الصلاة حتى و لو لم يحصل منه أدنى ضرر فهو غير مقبول عندنا؛ لأن عامة الناس لا يفهمون أنّ هذا النوم رحماني لا شيطاني فيقل اعتقادهم فيه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم)، و تؤدي نتيجة ذلك عكس المطلوب لما يثيره هذا الأمر من حالة التنفير منه (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم).

فاعتقادنا هو أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) و سائر الأنبياء (عليهم السلام) معصومون عن السهو و الاشتباه و نوم الغفلة، فإن وقوعها منهم يستلزم نقض الغرض و خلاف الحكمة، و به ينفتح الباب إمام أصحاب الحجج الواهية الذين يصطادون في الماء العكر و سيقولون: إنّ هذا الرجل الذي يزعم أنّه نبي يسهو في أكله و شربه، و في يقظته و نومه و .. فكيف لا يسهو في التبليغ و ما ينزل عليه من وحي اللّٰه و آياته؟! و هكذا .. و هذا خلاف الحكمة من جعل النبوة و الإمامة.

منشأ وضع هذه الروايات: و هنا شي‌ء يخطر في الذهن توجيهاً لوضع هذه الروايات الضعيفة الباطلة حتى على مذهبهم، و هو أنّهم يريدون أن يُدخلوا في أفكار الناس و أذهانهم أن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) يمكن عليه السهو و الاشتباه، تمهيداً لرفع ما حصل عند وفاة الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) من إساءة‌