صوم عاشورا

- الشيخ نجم الدين الطبسي المزيد...
176 /
5

المقدّمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ و صلى اللّه على محمد و آله الطاهرين سيّما الإمام المهدي قائم آل محمد، عليه و على آبائه افضل التحية و السلام.

و بعد:

سمعنا بعض خطباء الجمعة من أهل السنّة من بلاد الشام و غيرهم يؤكّدون في خطبهم- أيّام عاشوراء- على أهمّيّة هذا اليوم و بركته!!! و انّه يستحبّ فيه الصوم استحبابا مؤكّدا، و انّه اليوم الّذي تاب اللّه فيه على آدم (عليه السلام)، و اليوم الّذي أنجى اللّه فيه موسى (عليه السلام) ...

فخطر في ذهني أن أبدأ بدراسة هذا الموضوع دراسة عميقة نصّا و فتوى مع سبر عمق التاريخ و الأحاديث، للاطّلاع على جذور هذه المسألة، على ضوء أصول الفريقين و كتبهم.

ثمّ يعرف- بعد التتبّع و التحقيق- أنّ استحباب صوم عاشوراء الّذي ينوّه باستحبابه و انّه من المسلّمات لم يكن كما يقال، و ذلك انّ الروايات عندنا متعارضة، و كذلك فتاوى الفقهاء و إن كان المشهور هو الاستحباب على وجه الحزن، و لكن- في المقابل- لنا من يقول بالحرمة أو يميل إليه، كما يوجد من يقول بالكراهة و من يحمل الصوم الوارد في عاشوراء على المعنى اللغوي- و هو الامساك- لكن إلى العصر لا الغروب. هذا بالنسبة إلى فقهاء الاماميّة.

6

و أمّا العامّة: فيرى بعض الصحابة كراهة الصوم يوم عاشوراء؛ كعبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن مسعود و غيرهما.

و يرى البعض الآخر: حرمة ذلك أو وجوبه (1) و هم أهل المدينة، حيث كان هذا رأيهم إلى عام 44، أو 57 ه‍. عام قدوم معاوية إليها على ما يظهر من رواية البخاري.

هذا و قد سمعنا من بعض علماء السنّة في بلوشستان الايرانيّة انّهم يصومون حزنا على الامام الحسين (عليه السلام)، و هو موافق للرأي المشهور عندنا، و إن لم نعثر على دليل لهم في هذا المجال.

و لا يهمّنا ان نبدي الرأي هنا بقدر ما يهمّنا عرض الآراء و الأدلّة كي يستخلص المحقّق خلال إحاطته بهذه الدراسة رأيه الفقهي.

و قد حاولنا هنا مناقشة الاسناد و بعض الفتاوى و الآراء على قدر الحاجة.

هذا و لا ندّعي أنّا قدّمنا جديدا إلى المكتبة الفقهيّة الاسلاميّة، إذ الفضل لمن سبق من سلفنا الصالح، كيف لا و قد تناولت موسوعاتهم الفقهيّة و رسائلهم العمليّة في جملة ما تناولته هذا الموضوع و بيان حكمه بالتفصيل، كالسيّد الطباطبائي في الرياض، و المحدّث البحراني في الحدائق، و المحقّق القمي في الغنائم، و الفاضل النراقي في المستند، و المحقّق النجفي في الجواهر، و السيّد الخوئي في المستند، و السيّد الخوانساري في جامع المدارك، و الشيخ الوالد- الطبسي- في ذخيرة الصالحين، و غيرهم.

و لكن مع ذلك لم نعثر- رغم التتبّع و الفحص- على رسالة أو كتاب خصّص بهذا الموضوع و أفرد له غير ما وصلنا عن السيّد محمد بن السيّد عبد الكريم الطباطبائي جدّ السيّد محمد مهدي بحر العلوم، و ما عن الشيخ أحمد آل طعان، الآتي ذكر كتابيهما:

____________

(1) قال عياض: «كان بعض السلف يقول: كان فرضا و هو باق على فرضيته لم ينسخ». عمدة القاري 11:

118. شرح الزرقاني 2: 178.

7

1- رسالة في صوم يوم عاشوراء، للسيّد محمد بن السيّد عبد الكريم الطباطبائي البروجردي جدّ السيّد بحر العلوم، ذكرها حفيده في حاشية المواهب. (1)

2- جواب المسألة العاشورائيّة في تفسير عاشوراء و حكم الصوم فيه و تعيين ساعة بعد العصر، يستحبّ فيها الافطار، للشيخ أحمد (2) بن صالح، ذكره ولده: الشيخ محمد صالح (3).

كما عثرنا على مقالات نشرت في المجلات و الصّحف، و هي:

1- «تحقيق في صوم يوم عاشوراء» للأستاذ حسن توفيق السقّاف نشرته مجلّة الهادي بقم المقدّسة، في عددها الثاني للسنة السابعة عام 1401 ه‍.

2- «يوم عاشوراء» في اللغة و التاريخ و الحديث، للشيخ محمد هادي الغروي اليوسفي، نشرته مجلّة رسالة الثقلين بقم المقدّسة في عددها الثاني، للسنة الأولى عام ...

3- «پيشينه عاشوراء» مقالة بالفارسيّة. للشيخ رضا الاستاذي، نشرته مجلّة «پيام حوزه» بقم المقدّسة في عددها الأوّل و الثاني من السنّة الثانية عام ...

و في الختام: نشكر أصحاب السماحة الّذين بذلوا جهدهم اذ طالعوا المسودّات و أبدوا ملاحظات قيّمة، اخصّهم بالذّكر حجج الإسلام الشيخ غلامرضا كاردان، و سماحة السيّد الجلالي، و السيّد الخادمي و الشيخ اليوسفي الغروي، و الشيخ عبد الهادي النوري، و الشيخ محمد جعفر الطبسي و الاستاذ المحقّق علي الشاوي، و الاخ فارس‌

____________

(1) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 15: 101. الرقم 668.

(2) هو الشيخ أحمد بن الشيخ الصالح آل طعان القطيفي، ولد عام 1251 ه‍ في البحرين، و كان من تلامذة العلّامة الأنصاري، و له رسالة في ترجمته- أي ترجمة أستاذه-.

و أمّا ولده: فهو العالم المصنّف الشيخ محمد صالح. المتوفّى بالحائر عام 1333 ه‍. الذريعة 4: 165 الرقم 819 و ج 5: 190.

(3) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 5: 190/ الرقم 880، و قد تمّ طبعه عام 1419 ه‍ ضمن مجموعة الرسائل الأحمدية ج 2- تحقيق و نشر دار المصطفى لإحياء التراث، بقم المقدّسة.

8

حسون فلهم جزيل الشكر.

كما نلتمس الصفح ممّن وقف على الهفوات في كتابنا هذا، فالعصمة لأهلها.

نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لخدمة الدين الحنيف و لمذهب أهل بيت النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و سلم) إنّه سميع مجيب.

نجم الدين الطبسي‌

قم المقدّسة- الحوزة العلميّة‌

15/ ج 1/ 1419 ه‍ ق‌

9

الباب الأول أبحاث تمهيديّة

1- عاشوراء في اللغة‌

2- عاشوراء و جذورها الروائيّة‌

3- عاشوراء هل هو التاسع أم العاشر؟

4- حكم صوم عاشوراء قبل نزول صوم رمضان‌

5- هل كان النبيّ يحبّ موافقة اليهود؟

6- هل اليهود تصوم يوم عاشوراء؟

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

عاشوراء في اللغة

1- الخليل بن أحمد: «عاشوراء اليوم العاشر من المحرّم، و يقال: بل التاسع ...». (1)

2- الأزهري: «قال الليث: و يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرّم. قلت: و لم أسمع في امثلة الأسماء اسما على فاعولا، إلّا أحرفا قليلة. قال ابن بزرج: الضاروراء:

الضرّاء، و الساروراء: السرّاء و الدالولاء: الدالّة ...» (2).

3- ابن دريد: «عاشوراء يوم سمّي في الإسلام و لم يعرف في الجاهليّة، و ليس في كلامهم فاعولا ممدودا إلّا عاشوراء ...» (3).

4- ابن منظور: «عاشوراء و عشوراء ممدودان: اليوم العاشر من المحرّم، و قيل:

التاسع ...». (4)

5- الفيروزآبادي: «العاشوراء و العشوراء و يقصران و العاشور: عاشر المحرّم أو تاسعه». (5)

____________

(1) العين 1: 249.

(2) تهذيب اللغة 1: 409.

(3) الجمهرة في لغة العرب 4: 212.

(4) لسان العرب 9: 218.

(5) القاموس المحيط 2: 89.

12

6- الزبيدي: «العاشوراء قلت: المعروف تجرّده من ال: و العشوراء ممدودان و تقصران، و العاشور عاشر محرّم و قد الحق به تاسوعا ...». (1)

7- الهروي: «في حديث ابن عبّاس: لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع، قال أبو منصور: يعني عاشوراء كأنّه تأوّل فيه عشر الورد، أنّها تسعة أيّام، و العرب تقول:

وردت الإبل عشرا إذا وردت يوم التاسع ...». (2)

8- الطريحي: «يوم عاشوراء- بالمدّ و القصر- و هو عاشر المحرّم، و هو اسم إسلامي و جاء عشوراء بالمدّ مع حذف الألف، الّتي بعد العين ...». (3)

9- العيني: «اشتقاقه من العشر الّذي هو اسم للعدد المعيّن، و قال القرطبي:

عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة و التعظيم، و هو في الأصل صفة لليلة العاشر لأنّه مأخوذ من العشر الّذي هو اسم الفعل و اليوم مضاف إليها، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنّه قيل: يوم الليلة العاشرة إلّا انّهم لمّا عدلوا به عن الصفة غلبت عليها الاسميّة فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، و قيل: مأخوذ من العشر بالكسر في أوراد الإبل، تقول العرب: وردت الإبل عشرا إذا وردت اليوم التاسع، و ذلك لأنّهم يحسبون في الظماء يوم الورود. فإذا قامت في الرعي يومين ثمّ وردت في الثالثة قالوا:

وردت ربعا، و إن رعت ثلاثا و في الرابع وردت خمسا ... و على هذا القول يكون التاسع عاشوراء ...». (4)

____________

(1) تاج العروس 3: 400.

(2) الغريبين 1: 254. انظر: معيار اللغة 1: 465. و 2: 88 و أقرب الموارد 1: 77 و 2: 784.

(3) مجمع البحرين 3: 405.

(4) عمدة القاري 11: 117- انظر فتح الباري 4: 288. إرشاد الساري 4: 646.

13

عاشوراء و جذورها الروائيّة

يظهر من بعض النصوص أنّ هذا الاسم له جذور في الروايات، و أنّ هذه التسمية إمّا لأجل إكرام عشرة من الأنبياء بعشر كرامات، على ما في حاشية الجمل- دون أن يشير إلى مصدر له-، و إمّا لأجل تسمية اللّه عزّ و جلّ يوم استشهاد أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) بيوم عاشوراء- على ما رواه الطريحي ضمن رواية تفضيل أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على سائر الامم بعشر:

1- قال الشيخ سليمان:

«سمّي بذلك لأنّ عشرة من الأنبياء اكرموا فيه بعشر كرامات».

ثمّ إنّه استند إلى رواية مرسلة أخذها من بعض كتب الوعظ و لم يذكر اسمه. (1)

2- الطريحي:

«و في حديث مناجاة موسى (عليه السلام) و قد قال: يا ربّ لم فضّلت أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على سائر الامم؟ فقال اللّه تعالى: فضّلتهم لعشر خصال، قال موسى: و ما تلك الخصال الّتي يعملونها حتى آمر بني إسرائيل يعملونها؟

قال اللّه تعالى: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و الجهاد و الجمعة و الجماعة و القرآن و العلم و عاشوراء.

قال موسى: يا رب و ما عاشوراء؟ قال: البكاء و التباكى على سبط محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و المرثية و العزاء على مصيبة ولد المصطفى، يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلك‌

____________

(1) حاشية الجمل على شرح المنهج 2: 347.

14

الزمان بكى أو تباكى و تعزّى على ولد المصطفى الّا و كانت له الجنّة ثابتا فيها. و ما من عبد أنفق من ماله في محبّة ابن بنت نبيّه طعاما و غير ذلك، درهما أو دينارا إلّا و باركت له في دار الدنيا، الدرهم بسبعين و كان معافى في الجنّة، و غفرت له ذنوبه.

و عزّتي و جلالي ما من رجل أو امرأة، سال دمع عينيه في يوم عاشوراء و غيره قطرة واحدة إلّا و كتب له أجر مائة شهيد». (1)

أقول: مضمونها حقّ و عليها شواهد كثيرة من الروايات و النصوص، و لكن لم نعثر على هذا النصّ بعينه في مصادر أخرى، أضف إلى ذلك إرسالها، و لعلّها هي المرسلة الّتي أشار إليها في حاشية الجمل، من دون إيراد التفصيل.

ثمّ إنّها يفهم منها- بغضّ النظر عن السند- سبق هذه الكلمة على مجي‌ء الإسلام و انّها كانت في الأمم السالفة و عرّفها اللّه عزّ و جلّ لأنبياء، فلا وجه لدعوى اللغويّين كابن دريد و ابن الأثير و الطريحي- من أنّها اسم إسلامي و لم تعرف قبل ذلك، فتأمّل، كيف! و قد ثبت صوم اليهود في هذا اليوم و التعظيم له- بل و النصارى كما يظهر من الرواية الّتي ينقلها أبو داود من أنّ النصارى كذلك كانت تعظّم هذا اليوم، و لكن رغم التتبّع لم نعثر و لا عرف للنصارى صوم و تعظيم لهذا اليوم.

و قد نقلها الفيومي: «انّ رسول اللّه صام عاشوراء، فقيل له: إنّ اليهود و النصارى تعظّمه، فقال: إذا كان العام المقبل صمنا التاسع» (2).

إلّا أن يقال: إنّ تعظيمهم لهذا اليوم أو صومهم فيه، لا يلازم التسمية بعاشوراء- آنذاك- و معرفتهم له بهذا الاسم.

____________

(1) مجمع البحرين 3:. 405.

(2) أبو داود: 3: 327- المصباح المنير:. 104.

15

عاشوراء هل هو التاسع أم العاشر؟

المشهور عندنا أنّ عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرّم كما صرّح بذلك العلّامة الحلّي (قدس سرّه) في المنتهى و المحقّق القمّي (قدس سرّه) في الغنائم و العلّامة المجلسي (قدس سرّه) في المرآة.

و هو قول أكثر أهل السنّة، و جماهير السلف و الخلف منهم. كما أفاده العسقلاني في فتح الباري و الشوكاني عن النووي. و عن ابن عبّاس- في إحدى روايتيه- انّه هو العاشر من المحرّم على ما نقله عبد الرّزاق في مصنّفه، عنه، و روى عنه أيضا انّه اليوم التاسع، و لا يهمّنا الخلاف بعد ما كان مشهورا عندنا و به روايات كثيرة و متّبعا عند جماهير العامّة.

آراء فقهائنا:

1- العلّامة الحلي (قدس سرّه): «يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرّم و به قال سعيد بن المسيّب و الحسن البصري. و روي عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّه التاسع من المحرّم و ليس بمعتمد، لما تقدّم في أحاديثنا أنّه يوم قتل الحسين (عليه السلام)، و يوم قتل الحسين (عليه السلام) هو العاشر بلا خلاف.

و روى الجمهور عن ابن عبّاس، قال أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بصوم يوم عاشوراء- العاشر من المحرّم-، و هذا ينافي ما روي عنه اولا». (1)

____________

(1) منتهى المطلب 2: 611.

16

2- المحقّق القمّي (قدس سرّه): «المعروف من المذهب أنّ عاشوراء هو يوم العاشر من المحرّم لأنّه يوم قتل الحسين، و لا خلاف انّه كان في عاشر محرّم ...». (1)

3- العلّامة المجلسي (قدس سرّه): «قال بعد رواية زيد النرسي عن الصادق (عليه السلام): من صامه كان حظّه من صيام ذلك اليوم حظّ ابن مرجانة و آل زياد ...» قال: ... يدلّ على ان عاشوراء هو العاشر كما هو المشهور ...» (2).

آراء السّنة:

1- البغوي: «اختلف العلماء في يوم عاشوراء؛ قال بعضهم: هو اليوم العاشر من المحرّم، و قال بعضهم: هو اليوم التاسع، و روي عن ابن عبّاس أنّه قال: صوموا التاسع و العاشر. و به قال الشافعى و أحمد و إسحاق». (3)

2- العسقلاني: «اختلف أهل الشرع في تعيينه، فقال الأكثر: هو اليوم العاشر». (4)

3- الشوكاني: «عن النووي: ذهب جماهير السلف و الخلف انّ عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرّم ...». (5)

4- عبد الرّزاق: «... عن ابن عبّاس، قال: يوم عاشوراء العاشر». (6)

أقول: و ممّن يرى انّه هو التاسع- من فقهاء العامّة- هو ابن حزم. (7)

____________

(1) غنائم الأيّام 6: 78.

(2) مرآة العقول 16: 362.

(3) التهذيب 3: 191.

(4) فتح الباري 4: 288.

(5) نيل الأوطار 4: 245.

(6) المصنّف 4: 288، ح 7841.

(7) المحلّى 7: 17.

17

حكم صوم عاشوراء قبل نزول صوم رمضان

اختلف فقهاؤنا في حكم صوم عاشوراء قبل نزول آية صوم رمضان، و هل انّه كان واجبا أم لا؟

فاختار الأوّل المحقّق النجفي في الجواهر، و المحقّق القمّي في الغنائم، و مال إليه السيّد الطباطبائي في المدارك.

و اكتفى المحقّق السبزواري في الذخيرة و العلّامة الحلّي في التذكرة و المنتهى بنقل الخلاف.

كما انّ مفاد بعض رواياتنا هو الأوّل (1)- أعني الوجوب-، و أمّا العامّة فعن أبي حنيفة أنّه كان واجبا، و ظاهر مذهب الشافعي، انّه لم يكن واجبا، و عليه أكثر العامّة كما عن النووي و للشافعى قولان، و لأحمد روايتان. و سنشير الى الروايات في فصل «حكم صوم عاشوراء».

آراء فقهائنا:

1- العلّامة الحلّي: «اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا أم لا؟ فقال أبو حنيفة: إنّه كان واجبا، و قال آخرون: إنّه لم يكن واجبا، و للشافعي قولان، و عن‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 51، الرقم 224. عنه و سائل الشيعة 10: 459 ب 21 ح 1. الكافي 4: 146/ ح 4. التهذيب 4: 301/ ح 910. الاستبصار 2: 134. مرآة العقول 16: 360.

18

أحمد روايتان.

احتجّ الموجبون بما روت عائشة: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صامه و أمر بصيامه، فلمّا افترض رمضان كان هو فريضة و ترك عاشوراء فمن شاء تركه.

و أيضا فإنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كتب إلى أهل العوالي (1) انّه من أكل منكم فليمسك بقيّة يومه، و من لم يأكل فليصم، و هذا يدلّ على وجوبه، و احتجّ الآخرون بما رووه عن معاوية أنّه سمع يوم عاشوراء على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماءكم؟ و سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: هذا يوم عاشوراء لم يكتب اللّه عليكم صيامه ... و قد ورد في أحاديثنا ما يدلّ عليهما ...». (2)

2- المحقّق النجفي: «و منه يعلم أنّ صومه كان واجبا ...». (3)

3- المحقّق القمّي: «انّ الظاهر من الأخبار أنّه كان واجبا قبل نزول شهر رمضان ثمّ ترك». (4)

4- السيّد العاملي: «اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا أم لا؟ و المرويّ في أخبارنا أنّه كان واجبا قبل نزول صوم شهر رمضان، و ممّن روى ذلك زرارة و محمد بن مسلم.». (5)

5- السبزواري: «و اعلم أنّه اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا أم لا؟ و في بعض أخبارنا انّه كان واجبا قبل نزول صوم شهر رمضان و صوم كلّ خميس و جمعة ...». (6)

____________

(1) هى ضيعة بينها و بين المدينة أربعة أميال، و قيل: ثلاثة أميال، معجم البلدان 4: 166.

(2) منتهى المطلب 2: 611- مثله: تذكرة الفقهاء 6: 192.

(3) جواهر الكلام 17: 107.

(4) غنائم الأيّام 6: 78.

(5) المدارك 6: 268.

(6) ذخيرة المعاد: 520.

19

6- المجلسي: «عن المنتقى: و في هذه السنّة- الاولى للهجرة- صام- أي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)- عاشوراء و أمر بصيامه». (1)

أقول: لم يتبنّ الفقهاء في أقوالهم رأيا معيّنا- على ما نعلم- و إنّما اكتفوا بنقل الخلاف و مفاد الروايات، إلّا المحقّق القمّي حيث استند إلى ظاهر الروايات الّذي يعلم منه الوجوب.

ثمّ إنّ العلّامة المجلسي اكتفى بنقل كلام المنتقى من دون أيّ تعليق.

آراء فقهاء السنّة:

1- العيني: «اختلفوا في حكمه أوّل الإسلام، فقال أبو حنيفة: كان واجبا، و اختلف أصحاب الشافعي على وجهين: أشهر هما انّه لم يزل سنّة من حين الشرع و لم يك واجبا قطّ في هذه الامّة، و لكنّه كان يتأكّد الاستحباب، فلمّا نزل صوم رمضان صار مستحبّا دون ذلك الاستحباب.

الثاني: كان واجبا كقول أبي حنيفة، و قال عياض: كان بعض السلف يقول: كان فرضا و هو باق على فرضيته لم ينسخ. و انقرض القائلون بهذا، و حصل الاجماع على انّه ليس بفرض أنّما هو مستحبّ». (2)

2- ابن قدامة: «اختلف في صوم عاشوراء هل كان واجبا؟ فذهب القاضي إلى انّه لم يكن واجبا، و قال: هذا قياس المذهب، و استدلّ بشيئين. و روي عن أحمد أنّه كان مفروضا.». (3)

3- الكاساني: «و صوم عاشوراء كان فرضا يومئذ ...». (4)

____________

(1) بحار الأنوار 19: 130.

(2) عمدة القاري 11: 118- مثله المجموع 6: 383.

(3) المغني 3: 174.

(4) بدائع الصنائع 2: 262.

20

4- القسطلاني: «ذيل حديث «أنا أحقّ بموسى منكم» فصامه و أمر بصيامه، قال: فيه دليل لمن قال: كان قبل النسخ واجبا، لكن أجاب أصحابنا بحمل الأمر هنا على تأكّد الاستحباب ...». (1)

5- العسقلاني: «و يؤخذ من مجموع الأحاديث انّه كان واجبا ثمّ يأتي بأدلّة ستّة لإثبات دعواه». (2)

6- الزرقاني في شرح قوله: «فمن شاء صامه». قال: لأنّه ليس متحتّما فعلى هذا لم يقع الأمر بصومه إلّا في سنة واحدة و على القول بفرضيته فقد نسخ، و لم يرد انّه جدّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للناس أمرا بصيامه بعد فرض رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فان كان أمره بصيامه قبل فرض رمضان للوجوب ففي نسخ الاستحباب إذا نسخ الوجوب خلاف مشهور، و إن كان للاستحباب كان باقيا على استحبابه.

و في الاكمال: قيل: كان صومه في صدر الإسلام قبل رمضان واجبا ثمّ نسخ على ظاهر هذا الحديث.

و قيل: كان سنة مرغّبا فيه ثمّ خفّف فصار مخيّرا فيه، و قال بعض السلف: لم يزل فرضه باقيا لم ينسخ، و انقرض القائلون بهذا، و حصل الاجماع اليوم على خلافه، و كره ابن عمر قصد صيامه ... (3)

____________

(1) إرشاد الساري 4: 649.

(2) فتح الباري 4: 290.

(3) شرح الزرقاني 2: 178.

21

هل كان النبيّ يحبّ موافقة اليهود؟

يرى زين الدين الحنفي و هكذا العسقلاني- من علماء السنّة- انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يحبّ موافقة أهل الكتاب في صيامهم، حيث انّ هذا المؤلّف بعد أن قسّم صيام النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على أربع حالات، قال: الحالة الثانية انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لمّا قدم المدينة و رأى صيام أهل الكتاب له و تعظيمهم له و كان يحبّ موافقتهم! فيما لم يؤمر به صامه، و أمر النّاس بصيامه، و أكّد الأمر بصيامه و الحثّ عليه حتى كانوا يصوّمونه أطفالهم». (1)

و قال العسقلاني: «و قد كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشي‌ء و لا سيّما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان». (2)

و الملاحظ هو انّ زين الدين الحنفي يؤكّد على أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يحبّ موافقتهم و بالتالي وافقهم و حثّ الناس على ذلك!!!

و هذا يناقض ما رواه هو و غيره عن ابن عبّاس، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من أنّ صيام عاشوراء كان لمخالفة اليهود:

«صوموا عاشوراء و خالفوا فيه اليهود ...». (3)

فكيف يجتمع هذا النّص مع ما استظهره الحنفي و العسقلاني من أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

____________

(1) لطائف المعارف: 102.

(2) فتح الباري 4: 288.

(3) السنن الكبرى 4: 475.

22

كان يحب موافقة اليهود!!؟

كما انّه يناقض أيضا ما ورد عن يعلى بن شدّاد، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) «صلّوا في نعالكم و خالفوا اليهود». (1)

و في رواية اخرى: «لا تشبّهوا باليهود». (2)

و هل هذا الصوم المدّعى إلّا تشبّه بهم و قد نهينا عن التشبّه بهم، بل صرّح القاضي في شرح قوله: «لأصومنّ التاسع» بأنّ ذلك لعلّه على طريق الجمع مع العاشر لئلّا يتشبّه باليهود». (3)

و هكذا في المحيط: «كره إفراد يوم عاشوراء بالصوم لأجل التشبّه باليهود». (4)

ثمّ هل يجوز لنا أن نشارك اليهود أو النصارى ببعض أعيادهم و صيامهم بحجّة انّنا أحقّ بموسى أو بعيسى منهم!؟ ثمّ لا ندري ما هذه المحاولة من البعض في ربط المفاهيم الاسلاميّة و أحكامها و سننها و آدابها و عقائدها، بسنن أهل الكتاب و أحكامهم و عاداتهم؟ و لما ذا و ما هو السرّ- في الدعوى، بل في التظاهر بالتنسيق بين الرسول الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أهل الكتاب خاصّة اليهود؟! و للأسف نرى أحاديث منسوبة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الصحاح و مضمونها انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يصدّق و يتعجّب (5) من قول حبر من اليهود، و انّ اليهوديّ حينما يمرّ بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يطلب النبي (6) منه أن يحدّثه!!

____________

(1) المعجم الكبير 7: 290، ح 7165- المستدرك على الصحيحين 1: 260- صحّحه الذهبي.

(2) المعجم الكبير 7: 290، ح 7164.

(3) عمدة القاري ج 11: 117.

(4) عمدة القاري ج 11: 117.

(5) صحيح البخاري 4: 300. كتاب التوحيد: «جاء حبر من اليهود فقال: إنّه إذا كان يوم القيامة جعل اللّه السماوات على إصبع، و الأرضين على إصبع، و الماء و الثرى على إصبع، و الخلائق على إصبع، ثمّ يهزّهنّ، ثمّ يقول: أنا المالك أنا المالك، فلقد رأيت النبي يضحك حتى بدت نواجذه تعجّبا و تصديقا لقوله ...».

(6) فتح الباري 13: 409: «مرّ يهوديّ بالنبي فقال: يا يهوديّ حدّثنا، فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا-

23

و انّ امرأة يهوديّة تعلّم النبي (1) قضايا فتنة القبر!! و «انّ تميم الدارى النصرانى يصدّقه النبي و يروي عنه حدّثني حديثا وافق الّذي كنت احدّثكم عن المسيح الدّجال ... فإنّه أعجبني حديث تميم انّه وافق الّذي كنت احدّثكم عنه و عن المدينة ...». (2)

____________

- وضع اللّه السماوات على ذه ...».

(1) سنن النسائي 4: 104/ باب التعوّذ من عذاب القبر: «انّ عائشة قالت: دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و عندي امرأة من اليهود و هي تقول: إنّكم تفتنون في القبور، فارتاع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: إنّما تفتن يهود، و قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنّه اوحي إليّ أنّكم تفتنون في القبور ...».

(2) صحيح مسلم 4: 337: قدم على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تميم الداري فأخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انّه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقط إلى جزيرة فخرج إليها يلتمس الماء فلقي إنسانا يجرّ بشعره ... و في آخر: فلمّا قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلاته جلس على المنبر و هو يضحك فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلّاه، ثمّ قال:

أ تدرون لم جمعتكم ...؟

24

هل اليهود تصوم يوم عاشوراء؟

إنّ المستفاد من مراجعة التاريخ و كلمات اللغويّين و الفقهاء و المحقّقين و غيرهم انّ مدار السنة عند اليهود ليست قمريّة، بل شمسيّة، و لم يكن صومهم في عاشوراء و لا في محرّم، كما انّ اليوم الّذي غرق فيه فرعون لم يتقيّد بكونه دائما هو عاشوراء المحرّم، و إنّما هو في اليوم العاشر من شهرهم الأوّل: تشري، و يسمّونه يوم كيپور Kipur - أي الكافرة- و هو اليوم الّذي تلقّى فيه الإسرائيليّون اللوح الثاني من الشريعة.

ثمّ على الفرض- البعيد- انّه اتّفق ذلك اليوم مع قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الكريم المدينة و عاشوراء المحرّم فهو محض اتّفاق.

أضف إلى ذلك انّ كيفيّة الصوم عندهم أيضا تختلف عن الصوم عندنا، فإنّهم يصومون من غروب الشمس إلى غروبها في اليوم التالي.

و عليه فلا وجه و لا أساس لما نسب في المرويّات إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من انّ صوم عاشوراء كان ذا أصل يهودي و انّهم كانوا يصومونه في هذا اليوم.

و لنعرض بعض الأقوال في هذا الشأن:

1- قال الدكتور جواد علي:

«و يقصدون بصوم اليهود يوم عاشوراء ما يقال له:

«يوم الكفّارة» و هو يوم صوم و انقطاع و يقع قبل عيد المظال بخمسة أيّام أي في يوم عشرة تشري و هو يوم الكيپور kipur ، و يكون الصوم فيه من غروب الشمس إلى‌

25

غروبها في اليوم التالي، و له حرمة كحرمة السبت، و فيه يدخل الكاهن الأعظم قدس الأقداس لأداء الفروض الدينيّة المفروضة في ذلك اليوم». (1)

2- و قال السقّاف:

«في واقعنا الحاضر لا نجد أيّ يهوديّ يصوم في العاشر من محرّم أو يعدّه عيدا، و لم يوجد في السجلّات التاريخيّة ما يشير إلى انّهم صاموا في العاشر من محرّم أو عدوّه عيدا، بل اليهود يصومون يوم العاشر من شهر تشرين و هو الشهر الأوّل من سنتهم في تقويمهم و تاريخهم إلّا انّهم لا يسمّونه يوم عاشوراء، بل يوم أو عيد كيپور». (2)

3- و قال أيضا: «إنّ لليهود تقويما خاصّا بهم يختلف عن تقويمنا العربي الاسلامي اختلافا بيّنا و يبتدئ بشهر (تشري) ثمّ (حشران) و ينتهي بشهر (أيلول) و هو الشهر الثاني عشر، و في كلّ سنة كبيسة يضاف إليها شهر واحد حتى يكون للسنة الكبيسة ثلاثة عشر شهرا و هو شهر (آذار الثاني) الّذي يتخلّل بين آذار الشهر السادس و بين نيسان الشهر الثامن، و يكون (آذار الثاني) الشهر السابع و عدد أيّام السنة في السنوات العادية 353، أو 354، أو 355 يوما، و في الكبيسة 383، أو 384، أو 385 يوما، و التقويم اليهودي المستعمل الآن شهوره قمريّة و سنواته شمسيّة». (3)

3- و قال محمود باشا الفلكي في تقويم العرب قبل الإسلام:

«يظهر أنّ اليهود من العرب كانوا يسمّون أيضا عاشوراء و عاشور اليوم العاشر من شهر تشري الّذي هو أوّل شهور سنتهم المدنيّة و سابع شهور السنة الدينيّة عندهم.

و السنة عند اليهود شمسيّة لا قمريّة، فيوم عاشوراء الّذي كان فيه غرق فرعون‌

____________

(1) المفصّل في تاريخ العرب 6: 339. دار الملايين- انظر كتاب المقدس 2: 2660.

(2) مجلّة الهادي 7 العدد 2: 37.

(3) مجلّة الهادي 7 العدد 2: 36.

26

لا يتقيّد بكونه عاشر المحرّم، بل اتّفق وقوعه يوم قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». (1)

0‌

4- و قال أبو ريحان: (2)

«تشرين و هو ثلاثون يوما ... و في اليوم العاشر منه صوم الكبور و يدعى العاشوراء و هو الصوم المفروض من بين سائر الصيام فإنّها نوافل، و يصام هذا الكبور من قبل غروب الشمس من اليوم التاسع بنصف ساعة إلى ما بعد غروبها في اليوم العاشر بنصف ساعة تمام خمس و عشرين ساعة ... و صومه كفّارة لكلّ ذنب على وجه الغلط، و يجب على من لم يصمه من اليهود القتل عندهم، و فيه يصلّي خمس صلوات و يسجد فيها». (3)

5- و قال العلّامة الشعراني:

«اعلم أنّ يوم عاشوراء كان يوم صوم اليهود و لا يزالون يصومون إلى الآن، و هو الصوم الكبير، (4) و وقته اليوم العاشر من الشهر الأوّل من السنة، و لمّا قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المدينة كان أوّل اليهود مطابقا لأوّل المحرّم و كذلك بعده إلى أن حرم النسي‌ء و ترك في الإسلام و بقي عليه اليهود إلى زماننا هذا فتخلّف أوّل سنة المسلمين عن أوّل سنتهم، و افترق يوم عاشوراء عن يوم صومهم، و ذلك لأنّهم ينسئون إلى زماننا فيجعلون في كلّ ثلاث سنين سنة واحدة ثلاثة عشر‌

____________

(1) دائرة المعارف للبستاني 11: 446.

(2) هو محمد بن أحمد الخوارزمي الحكيم الرياضي الطبيب المنجّم المعروف، كان فيلسوفا عالما بالفلسفة اليونانيّة و فروعها و فلسفة الهنود، و برع في علم الرياضيّات و الفلك، بل قيل: إنّه أشهر علماء النجوم و الرياضيّات من المسلمين، كان معاصرا لابن سينا و بينهما مراسلات و أبحاث، كان أصله من بيرون- بلد في السند- و سافر إلى بلاد الهند أربعين سنة اطّلع فيها على علوم الهنود. و أقام مدّة في خوارزم و أكثر اشتغاله في النجوم و الرياضيّات و التاريخ، و خلّف مؤلّفات نفيسة، منها: الآثار الباقية عن القرون الخالية ألّفه لشمس المعالي قابوس. حكي أنّه كان مكبّا على تحصيل العلوم متفنّنا على التصنيف لا يكاد يفارق يده العلم، و عينه النظر، و قلبه الفكر، و كان مشتغلا في تمام أيّام السنة إلّا يوم النيروز و يوم المهرجان ...». الكنى و الألقاب 1: 78.

(3) الآثار الباقية: 277.

(4) لعلّ الصحيح: كبور.

27

اشهرا، كما كان يفعله العرب في الجاهليّة، فصام رسول اللّه و المسلمين يوم عاشوراء كما كانوا يصومون و قال: نحن أولى بموسى ... إلى أن نسخ وجوب صومه بصوم رمضان و بقى الجواز ...» (1)

أقول: أوّلا إنّ قدوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هجرته إلى المدينة المنوّرة كان في ربيع الأوّل (2) لا في محرّم، و معه كيف يطابق سنة اليهود لقدوم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لمحرّم؟؟

ثانيا: المعروف أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يصم عاشوراء إلّا سنة واحدة كما ستأتي الاشارة إلى ذلك و معه كيف يقول السيّد الشعراني: «و كذلك بعده إلى أن حرم النسي‌ء ...».

ثالثا: يبدو من كلامه انّ صومه كان واجبا إلى أن نسخ بصوم رمضان، مع ان الأمر مختلف فيه عندنا و عند العامّة أيضا- كما مرّ فالظاهر أنّ العلّامة الشعراني تبنّى أمرا من دون إراءة أىّ مستند و دليل.

أقول: سوف يتّضح انّه تخطيط أمويّ للتغطية على قضيّة كربلاء، و ما صدر من الجرائم اللاإنسانيّة بحقّ أهل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

____________

(1) الوافي (الهامش 2: 114).

(2) تاريخ الطبري 2: ص 3- الكامل في التاريخ 2: 518 «لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل يوم الإثنين» بحار الأنوار 19: 104- فتح الباري 4: 289.

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الباب الثاني حكم صوم عاشوراء

أ- الروايات المانعة ب- الروايات الدالّة على الجواز ج- الروايات من طرق السنّة‌

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الروايات المانعة

وردت روايات متعارضة بشأن هذا الصوم، ففي بعضها أنّه كفّارة سنة، و انّ يوم عاشوراء يوم البركة و النجاة، و انّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يأمر حتى الصبيان بالامساك و الصيام، كما في التهذيب و الكافي و الجعفريّات.

و في بعضها الآخر: ما ينافي هذا، إذ مفادها: انّه صوم متروك، و في بعض آخر:

انّه منهيّ عنه، و في بعض آخر: انّه بدعة و ما هو يوم صوم، و في بعض آخر: انّه صوم الأدعياء، أو انّ حظّ الصائم فيه هو النار، و في بعض آخر: انّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كان يصومه. هذا ما في كتبنا الروائيّة.

و أمّا السيرة العمليّة للأئمّة الطاهرين فالجدير بالذكر هو انّه لم يعهد منهم و لا من أصحابهم الصوم في هذا اليوم، كما صرّح به السيّد الخوئي في تقرير بحث أستاذه، فلو كان مستحبّا لما استمرّ المعصوم على ترك هذا المستحبّ.

و أمّا في كتب السنّة: فالروايات عندهم مختلفة، إذ مفاد كثير منها الاستحباب و التأكيد على الصوم، و أخرى: تغايرها، إذ فيها انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كان يصوم يوم عاشوراء، أو انّه لم يأمر به بعد نزول صوم شهر رمضان، كما في البخاري و مسلم و سائر كتب السنن، و قد جمعها الهيثمي في زوائده و ضعّف أسانيد أكثرها.

و فيما يلي عرض الروايات:

32

الروايات من طرقنا:

ما دلّ منها على المنع:

[1- رواية الفقيه]

1- الفقيه: «سأل محمد بن مسلم و زرارة بن أعين أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء، فقال: كان صومه قبل شهر رمضان، فلمّا نزل شهر رمضان ترك». (1)

عبّر عنه المجلسي الأوّل بالصحيح، و قال: قوله: «كان صومه»: أي وجوبه أو استحبابه، و قوله: «ترك» أي نسخ». (2)

أقول: على القول بأنّ الصوم كان واجبا ثمّ عرض النسخ يرد البحث الاصولي: و هو إذا نسخ الوجوب هل يبقى معه الجواز أم لا؟

و المراد بالجواز إمّا بالمعنى الأعمّ و هو غير التحريم، و إمّا بالمعنى الأخصّ و هو الإباحة. فالمعروف هو عدم دلالة دليل الناسخ و لا دليل المنسوخ على بقاء الجواز، فتعيين أحد الأحكام الأربعة بعد نسخ الوجوب يحتاج إلى دليل.

كما لا مجال لإثبات الجواز من خلال استصحاب الجواز الّذي كان ضمن الوجوب و كان بمنزلة الجنس له فيما لم نقل باستصحاب الكلّي القسم الثالث. و يطلب التفصيل من مظانّه. (3)

[2- الرواية الأولى للكافي]

2- الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن نوح، عن شعيب النيسابوري، عن ياسين الضرير، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) قالا:

لا تصم (4) في يوم عاشوراء و لا عرفة بمكّة و لا في المدينة و لا في وطنك و لا في مصر من الأمصار». (5)

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2: 51/ ح 224. عنه الوسائل 10: 452/ ب 21/ ح 1.

(2) روضة المتّقين 4: 247.

(3) انظر الكفاية: 140.

(4) في الوافي: ج 11: 73 لا تصومنّ.

(5) الكافي 4: 146/ ح 3. عنه الوسائل 10: 462/ ب 41/ ح 6.

33

قال المجلسي: الحديث مجهول، و حمل على ما إذا اشتبه الهلال، أو ضعف عن الدعاء، و النهي على الكراهة». (1)

أقول: و إن كان هذا الحمل خلاف الظاهر و لكن يصار إليه بقرينة النهي عن صيام عرفة الّذي لا شكّ في عدم حرمته.

[3- الرواية الثانية للكافي]

3- و فيه: الحسن بن علي الهاشمي، عن محمد بن موسى، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن على الوشّاء، قال: حدّثني نجبة بن الحارث العطّار، قال: سألت: أبا جعفر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء، فقال: صوم متروك بنزول شهر رمضان، و المتروك بدعة.

قال نجبة: فسألت أبا عبد اللّه من بعد أبيه (عليهما السلام) عن ذلك فأجابنى بمثل جواب أبيه ثمّ، قال: أما إنّه صوم يوم ما نزل به كتاب، و لا جرت به سنّة إلّا سنّة آل زياد بقتل الحسين بن علي (صلوات اللّه عليهما)» (2).

عبّر عنه المجلسي الأوّل: بالقويّ، فقال: و يؤيّده ما رواه الكليني في القوي (3) و عبّر عنه المجلسي الثاني: بأنّه مجهول.

و قال: قوله: «صوم متروك» يدلّ على أنّه كان واجبا قبل نزول صوم شهر رمضان. و قال بعض الأصحاب: لم يكن واجبا قطّ.

قوله: «و المتروك بدعة»: يدلّ على أنّه نسخ وجوبه و رجحانه مطلقا إلّا أن يقال: غرضه انّه نسخ وجوبه، و ما نسخ وجوبه لا يبقى رجحان إلّا بدليل آخر كما هو المذهب المنصور، و لم يردّ ما يدلّ على رجحانه إلّا العمومات الشاملة له و لغيره،

____________

(1) مرآة العقول 16: 360.

(2) الكافي 4: 146/ ح 4. عنه الوسائل 10: 461/ ب 21/ ح 5. التهذيب 4: 301/ ح 910. الاستبصار 2: 134.

(3) روضة المتّقين 3: 247. اقول: القويّ و الموثّق في اصطلاح الفقهاء واحد، و عند العامة مساوي للجيّد، اي دون الصحيح برتبة و اولى من الحسن مقاما. انظر: مقباس الهداية 5: 136.

34

فإذا صام الانسان بقصد انّه من السنن أو مندوب إليه على الخصوص كان مبتدعا، لكنّ الظاهر من الخبر عدم رجحان لا خصوصا و لا عموما». (1)

و رماه في الملاذ بالمجهوليّة، فقال: مجهول». (2)

[4- الرواية الثالثة للكافي]

4- و فيه: عن الحسن بن علي الهاشمي، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن ابان، (3) عن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صوم تاسوعاء و عاشوراء من شهر المحرّم، فقال: تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين و أصحابه رضي اللّه عنهم بكربلاء، و اجتمع عليه خيل أهل الشام و أناخوا عليه، (4) و فرح ابن مرجانة و عمر بن سعد بتوافر (5) الخيل و كثرتها، و استضعفوا فيه الحسين و أصحابه، و أيقنوا أن لا يأتي الحسين ناصر، و لا يمدّه أهل العراق بأبي المستضعف الغريب، ثمّ قال: و أمّا يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين صريعا بين أصحابه و أصحابه صرعى حوله (عراة) أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلّا و ربّ البيت الحرام و ما هو يوم صوم و ما هو إلّا يوم حزن و مصيبة دخلت على أهل السماء و أهل الأرض و جميع المؤمنين، و يوم فرح و سرور لابن مرجانة و آل زياد و أهل الشام غضب اللّه عليهم و على ذرّيّاتهم، و ذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن صامه أو تبرّك به حشره اللّه مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوط عليه، و من ادّخر إلى منزله ذخيرة أعقبه اللّه تعالى نفاقا في قلبه إلى يوم يلقاه، و انتزع البركة عنه و عن أهل بيته و ولده، و شاركه الشيطان في جميع ذلك. (6)

____________

(1) مرآة العقول 16: 360.

(2) ملاذ الأخيار 7: 117.

(3) كتب في هامش الوسائل: في نسخة: أبان بن عبد الملك 10: 460.

(4) أي أبركوا إبلهم، و لعلّ المراد هنا: انّهم أحاطوا به و أحكموا حصارهم.

(5) أي بكثرة الخيل و العدّة و العدّة.

(6) الكافي 4: 147/ ح 7. عنه الوسائل 10: 459/ ب 21/ ح 2.

35

قال الفيض: «بأبي المستضعف الغريب»: أي فديت بأبي الحسين إذ كان مستضعفا غريبا. «من ادّخر إلى منزله ذخيرة». أشار به إلى ما كان المتبرّكون بهذا اليوم يفعلونه فانّهم كانوا يدّخرون قوت سنتهم في هذا اليوم تبرّكا به و تيمّنا و يجعلونه أعظم أعيادهم لعنهم اللّه». (1)

قال المجلسي: «ضعيف على المشهور، و يدلّ على أنّ عاشوراء هو العاشر كما هو المشهور، و يدلّ على كراهة صوم يوم تاسوعاء أيضا». (2)

تحقيق في سند الرواية:

لعلّ ضعف الرواية لأجل محمد بن سنان فإنّه ضعيف غال، يضع الحديث، لا يلتفت إليه، كما عن ابن الغضائري و انّه مطعون فيه لا تختلف العصابة في تهمته و ضعفه، و من كان هذا سبيله لا يعتمد عليه في الدين، كما عن الشيخ المفيد. (3)

و انّ ما يختصّ بروايته و لا يشركه فيه غيره لا يعمل عليه، كما عن الشيخ الطوسي. (4)

و انّه لا يستحلّ أيّوب بن نوح الرواية عنه. (5)

لكن نقول: إنّ الفضل روى عنه و أجاز لآخرين رواية أحاديثه بعده، و انّ الكشّى في عنوانه الثاني و الرابع اقتصر على أخبار مدحه، و انّ النجاشي قال في آخر كلامه: يدلّ خبر صفوان على زوال اضطرابه، و انّ المفيد قد وثّقه في الارشاد، و انّ الشيخ الطوسي و انّ ضعّفه في التهذيبين و الفهرست و رجاله لكنّه جعله في كتاب‌

____________

(1) الوافي 11: 73/ ح 10437.

(2) مرآة العقول 16: 362.

(3) مصنّفات الشيخ المفيد: 9. جوابات أهل الموصل في العدد و الرؤية.

(4) الاستبصار 3: 224. تسمية المهر.

(5) الكشى: 389.

36

الغيبة من ممدوحي أصحاب الائمّة و روى أخبار مدحه.

كما انّ جمعا من العدول و الثقات رووا عنه كيونس بن عبد الرحمن و الحسين بن سعيد الأهوازى و أخيه و الفضل بن شاذان و أبيه و أيّوب بن نوح و محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب و غيرهم. و هذا يدلّ على اعتبار أخباره إن لم يدلّ على حسنه في نفسه، فأخباره معتبرة إلّا ما كان فيها غلوّا أو تخليطا، و هذه الرواية لم يظهر عليها آثار الغلوّ و التخليط، بل مؤيّدة بروايات اخرى فلا نرى مانعا من الأخذ بهذه الرواية و العمل بها.

أمّا لو كان الضعف لأجل أبان فالظاهر هو ابن تغلب، أو ابن عثمان، أو ابن عبد الملك، (1) فعلى الأوّل فلا كلام في جلالته، و على الثاني: فقد عدّه الكشّي من الستّة الّذين اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، (2) و على الثّالث: فهو حسن الحال كما قاله المامقاني (3). فلم يبق إيراد في السند، فتأمّل.

[5- الرواية الرابعة للكافي]

5- و فيه: الحسن بن علي الهاشمي. و عن محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدّثني جعفر بن عيسى أخوه، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن صوم عاشوراء و ما يقول الناس فيه، فقال: عن صوم ابن مرجانة تسألني؟ ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين و هو يوم يتشاءم به آل محمد و يتشاءم به أهل الإسلام، و اليوم الّذي يتشاءم به أهل الإسلام لا يصام و لا يتبرّك به، و يوم الاثنين يوم نحس قبض اللّه عزّ و جلّ فيه نبيّه، و ما اصيب آل محمد إلّا في يوم الاثنين (4) فتشأّمنا به و تبرّك به ابن مرجانة و يتشاءم به آل محمد، فمن صامها أو تبرّك بها لقى اللّه تبارك و تعالى ممسوخ القلب و‌

____________

(1) انظر معجم رجال الحديث 16: 138.

(2) انظر تنقيح المقال 1: 5. ثمّ انّ السيّد الخوانساري عبّر عن رواية عبد الملك بالصحيحة ظانّا (رحمه اللّه) أنّها عن زرارة و محمد بن مسلم. «انظر جامع المدارك: 226».

(3) المصدر.

(4) الكافي 4: 146/ ح 5. التهذيب 4: 301/ ح 911. الاستبصار 2: 135/ ح 442. عنه الوسائل 10:

460/ ب 21/ ح 3. الوافي 11: 72/ ح 10435.

37

كان حشره مع الّذين سنّوا صومها و التبرّك بها. (1)

مناقشة السند:

1- لقد تأمّل العلّامة الحلّي في صحّة سند هذه الرواية حيث قال: فإن صحّ السند كان صوم الاثنين مكروها و إلّا فلا». (2)

2- و قد عبّر المجلسي الأوّل عن هذا الحديث بالقوي». (3)

3- كما رماه المجلسي الثاني بالمجهوليّة فقال: الحديث مجهول. (4)

أقول: لعلّ منشأ التأمّل في السند هو الحسن أو الحسين بن علي الهاشمي إذ لم يرد له ذكر في الكتب الرجاليّة.

و قد أورده السيّد الخوئي في معجمه ساكتا عن أيّ رأي فيه، (5) كما أورده النمازي في مستدركه معبّرا عنه بقوله: إنّه من مشايخ الكليني. (6) فإن كان المبنى وثاقة أو حسن مشايخ الثقات كما تبنّاه المامقاني (7) فلا غبار على السند و ترتفع الجهالة فيه، و إلّا يكفي في المقام: الوثوق الخبري.

فقه الحديث:

أ- قال المجلسي:

قوله: «الأدعياء»: أي أولاد الزنا. قال في القاموس: (8) الدعيّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة 10: 460.

(2) مختلف الشيعة 3: 370.

(3) روضة المتّقين 3: 247.

(4) مرآة العقول 16: 360. ملاذ الأخيار 7: 118.

(5) معجم رجال الحديث 5: 74.

(6) مستدركات علم رجال الحديث 3: 17.

(7) تنقيح المقال 1: 5. قال في أبان بن عبد الملك الثقفي: «يثبت بشيخوخته حسنه أقلّا».

(8) القاموس في اللغة 4: 328.

38

كغنيّ المتّهم في نسبه.

قوله: «فمن صامها» يدلّ ظاهرا على حرمة صوم يوم الإثنين و يوم عاشوراء، فأمّا الأوّل: فالمشهور عدم كراهته أيضا و قال ابن الجنيد: صومه منسوخ، و يمكن حمله على ما إذا صام متبرّكا للعلّة المذكورة في الخبر أو لقصد رجحانه على الخصوص فإنّه يكون بدعة حينئذ.

و أمّا صوم يوم عاشوراء: فقد اختلفت الروايات فيه، و الأظهر عندي: انّ الأخبار الواردة بفضل صومه محمولة على التقيّة، و إنّما المستحبّ الامساك على وجه الحزن إلى العصر لا الصوم، كما رواه الشيخ في المصباح ... صمه من غير تبييت، و افطره من غير تشميت ... و بالجملة: الأحوط ترك صيامه مطلقا. (1)

ب- و قال الفيض الكاشاني:

«مسخ القلب عبارة عن تغيّر صورته في الباطن إلى صورة بعض الحيوانات، كما اشير إليه بقوله عزّ و جلّ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا (2)». (3)

[ج-] كلام القطيفي:

لقد استظهر الطعان من عبارة «فمن صام أو تبرّك» انّ ماهيّة الصوم و نفس الامساك إلى الغروب بنيّة الصوم مورد للكراهة عند أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا معنى لحمل الأخبار المانعة عن الصيام على الصوم لغير الحزن، و حمل الأخبار المجوّزة للصيام على الصوم على وجه الحزن، فإنّ هذا الجمع مردود قال: «... تصريح الأئمّة بعدم قبول ذلك اليوم لماهيّة الصيام و يكون نفس الصوم موجبا للحشر مع آل زياد و سائر ما هو مذكور من المهالك، كما انّ التبرّك أيضا موجب لذلك، و بأنّ الصوم أيضا‌

____________

(1) مرآة العقول 16: 360.

(2) سورة الإسراء: 97.

(3) الوافي 11: 73/ ح 10435.

39

لا يكون للحزن و المصيبة و إنّما يكون شكرا للسلامة ... ففي خبر عبد الملك: أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلّا و ربّ البيت الحرام ما هو يوم صوم و ما هو إلّا يوم حزن و مصيبة ... فمن صام أو تبرّك به حشره اللّه مع آل زياد.

قال: ألا ترى كيف جعل الصيام مسبّبا لتلك الأمور العظام و رتّب عليه الوعيد كما رتّبه على التبرّك بذلك اليوم النكيد.

و في خبر أبي غندر: انّ الصوم لا يكون للمصيبة و لا يكون إلّا شكرا للسلامة.

فإنّ ظاهر هذه ... أنّ الحزن لم يكن سببا لاستحباب الصيام في شي‌ء من الأيّام، و انّ الصوم إنّما يستحبّ في الأيّام الّتي يتجدّد فيها الفرح و السرور دون الأيّام الّتي يحدث فيها الترح- الهمّ- و الشرور». (1)

[6- الرواية الخامسة للكافي]

6- و فيه: الحسن بن علي الهاشمي، عن محمد بن عيسى، قال: حدّثنا محمد بن أبي عمير، عن زيد النرسي، قال: سمعت عبيد بن زرارة يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صوم عاشوراء، فقال: من صامه كان حظّه من صيام ذلك اليوم حظّ ابن مرجانه و آل زياد.

قال: قلت: و ما كان حظّهم من ذلك اليوم؟

قال: النار أعاذنا اللّه من النار، و من عمل يقرّب من النار». (2)

أقول: و في التهذيب زيادة: قال: سمعت زرارة بعد قوله: عن عبيد بن زرارة، و لعلّه من زيادات النسّاخ.

و قد رماه المجلسي الثاني بالمجهوليّة، فقال: مجهول، (3) و لكن عبّر المجلسي الأوّل عن الحديث بالحسن كالصحيح، فقال: «و في الحسن كالصحيح عن محمد بن‌

____________

(1) الرسالة العاشورائيّة: 284.

(2) الكافي 4: 147/ ح 6. التهذيب 4: 301/ ح 912. الاستبصار 2: 135/ ح 443. الوسائل 10: 461/ ب 21/ ح 4. الوافي 11: 73/ ح 10436.

(3) ملاذ الأخيار 7: 118.

40

أبي عمير، عن زيد النرسي». (1)

أقول: إن كان وجه التأمّل في السند هو الحسن بن علي الهاشمي فقد تقدّم الكلام فيه.

[7- رواية الأمالي للطوسي]

7- أمالي الطوسي: «محمد بن الحسن في المجالس و الأخبار، عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبشي، عن العبّاس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صوم يوم عرفة، فقال: عيد من أعياد المسلمين، و يوم دعاء و مسألة.

قلت: فصوم عاشوراء؟ قال: ذاك يوم قتل فيه الحسين (عليه السلام)، فإن كنت شامتا فصم، ثمّ قال: إنّ آل اميّة عليهم لعنة اللّه و من أعانهم على قتل الحسين (عليه السلام) من أهل الشام، نذروا نذرا إن قتل الحسين (عليه السلام) و آله و سلّم من خرج إلى الحسين (عليه السلام) و صارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتّخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصوموا فيه شكرا، و يفرّحون أولادهم فصارت في آل أبي سفيان سنّة إلى اليوم في الناس، و اقتدى بهم الناس جميعا، فلذلك يصومونه و يدخلون على عيالاتهم و أهاليهم الفرح ذلك اليوم، ثمّ قال:

إنّ الصوم لا يكون للمصيبة و لا يكون إلّا شكرا للسلامة، و إنّ الحسين (عليه السلام) أصيب يوم عاشوراء فإن كنت فيمن أصيب به فلا تصم، و إن كنت شامتا ممّن سرّك سلامة بني أميّة فصم شكرا للّه». (2)

[8- رواية مصباح المتهجد]

8- المصباح: عن عبد اللّه بن سنان، قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) يوم عاشوراء فألقيته كاسفا (3) و دموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: ممّ بكاؤك؟

____________

(1) روضة المتّقين 3: 247.

(2) أمالي الطوسي 667. عنه الوسائل 10: 462/ ب 21/ ح 7.

(3) أي مهموم و قد تغيّر لونه، و هزل من الحزن. لسان العرب 9: 319.

41

فقال: أ في غفلة أنت؟ أما علمت أنّ الحسين أصيب في مثل هذا اليوم؟

فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لى: صمه من غير تبييت، و افطره من غير تشميت، و لا تجعله يوم صوم كملا، و ليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء فإنّه في مثل هذا الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء على آل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)». (1)

9- [رواية] ابن طاوس:

«أقول: و رأيت من طريقهم في المجلّد الثالث من تاريخ النيسابوري للحاكم في ترجمة: نصر بن عبد اللّه النيسابوري بإسناده إلى سعيد بن المسيّب، عن سعد أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يصم عاشوراء». (2)

أقول: لعلّه أشار بذلك إلى ما رواه الهيثمي، عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بصوم عاشوراء و كان لا يصومه. (3) و فيه إشكال بيّن: إذ كيف يأمر بمعروف و لا يأتي هو به؟!

و قال ابن طاوس في أوّل الفصل: «اعلم أنّ الروايات وردت متظافرات في تحريم صوم يوم عاشوراء على وجه الشماتات، و ذلك معلوم من أهل الديانات، فإنّ الشماتة يكسر حرمة اللّه جلّ جلاله و ردّ مراسمه، و هتك حرمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هدم معالمه، و عكس أحكام الإسلام و إبطال مواسمه، ما يشمت بها و يفرح لها، إلّا من يكون عقله و قلبه و نفسه و دينه قد ماتت بالعمى و الضلالة، و شهدت عليه بالكفر و الجهالة ...». (4)

____________

(1) مصباح المتهجّد: 724. عنه الوسائل 10: 458/ ب 20/ ح 7. مستدرك الوسائل 7: 524/ ب 16/ ح 6، عن المزار للمشهدي: 685 و ص 525/ ب 17/ ح 1، عن الإقبال 3: 59. بحار الأنوار 101: 313/ ح 6.

(2) الإقبال 3: 51. عنه البحار 95: 341.

(3) مجمع الزوائد 3: 183.

(4) الإقبال 3: 50.

42

تحقيق في الروايات المانعة:

بما انّ كثيرا من هذه الروايات عرضة لمناقشة أسانيدها- كما سيأتي تفصيله عن السيّد الخوئي فلذا تصدّى الفقهاء للدفاع عن هذه الروايات و ترميم ضعفها بما يلي:

1- وجودها في الكتب المعتبرة، كما عن النراقي حيث قال: «لا يضرّ ضعف إسناد بعض تلك الأخبار بعد وجودها في الكتب المعتبرة، مع أنّ فيها الصحيحة». (1)

2- كون هذه الروايات مستفيضة، بل قريبة من التواتر، كما عن الطباطبائي حيث قال: «النصوص المرغّبة و هي مع قصور أسانيدها و عدم ظهور عامل بإطلاقها بالكلّية معارضة بأكثر منها كثرة زائدة تكاد تقرب التواتر، و لأجلها لا يمكن العمل بتلك و لو من باب المسامحة، إذ هي حيث لم تحتمل منعا و لو كراهة و هي محتملة من جهة الأخبار المانعة». (2)

3- أنّها معتبرة سندا: و ذلك لأنّ جمع الشيخ بين الطائفتين و جعل التعارض بينهما يدلّ على تسليمه للأخبار، و ذلك لأنّ التعارض فرع اعتبار السند و حجّيّته كما عن الشيخ الاستاذ الوحيد الخراساني.

4- وثاقة الحسين بن علي الهاشمي، و ذلك لأنّه من مشايخ الكليني، و على مبنى اعتبار مشايخ الثقات يخرج الهاشمي عن الاهمال و الجهالة إلى رتبة الاعتبار.

إلّا ان يناقش في هذا المبنى و يقال: إنّ نقل الثقة عن شخص لا يدلّ على كون المرويّ عنه ثقة لشيوع نقل الثقات من غيرهم.

نعم، لقد تبنّى هذا الرأي جمع؛ منهم المامقاني في التنقيح، و النوري في المستدرك، و جعل نقل الثقة أية كون الشخص المرويّ عنه ثقة. (3)

____________

(1) مستند الشيعة 10: 492.

(2) رياض المسائل 5: 467.

(3) تنقيح المقال 1: 5. ترجمة أبان بن عبد الملك الخثعمي.

43

أقول: إنّ المبنى المقبول عند البعض هو كثرة نقل الثقة عن شخص يدلّ على اعتباره و حسن وثاقته.

5- اعتبار هذه الروايات لأجل موافقتها لسيرة المتشرّعة، و لأصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، كما عن الشيخ الاستاذ حيث قال في درسه في نقاشه كلام السيّد الخوئي:

«إنّ إسقاط هذه الروايات لمجرّد ضعف سندها مع انّ المسلّم موافقتها لسيرة المتشرّعة القطعيّة و لأصحاب الأئمّة الّذين كانوا ملتزمين بترك الصوم في يوم عاشوراء غير مقبول، بل مخدوش، و لسنا نحن مع السيّد الخوئي في طريقته هذه في الفقه فلا بدّ:

أوّلا: ملاحظة عدد هذه الروايات.

ثانيا: كيفيّة تلقّي السلف لهذه الروايات‌

ثالثا: ملاحظة انّ السيرة القطعيّة هل هي موافقة لهذه الروايات أم لا؟

و قد جمع الشيخ الطوسي بين الروايات المانعة و الروايات الدالّة على المطلوبيّة فهل ترى انّه جمع بين الروايات الضعيفة و القويّة؟

إذن طريقة السيّد الخوئي محلّا للمناقشة و الاشكال، أضف إلى ذلك انّا لا نقول بأنّ مستند الحكم هو الرواية الضعيفة، بل نقول إنّ الروايات إذا كانت متعدّدة و كانت موردا لتسالم الأصحاب و قبولهم و كانت السيرة مطابقة لهذه الروايات فتكون الروايات الّتي تحمل هذه المواصفات مستندا للحكم لا الرواية الضعيفة، و ما نحن فيه من هذا القبيل». (1)

أقول: يرد على السيّد الخوئي: إنّ تصريحه في أجود التقريرات بمداومة الأئمّة (عليهم السلام) على الترك و أمرهم أصحابهم به ينافي ما يتبنّاه من القول بالاستحباب. (2)

كما يرد على الشيخ الاستاذ: انّ موافقة الروايات للسيرة لا توجب قوّة الضعيف.

____________

(1) تقرير أبحاث شيخنا الاستاذ الوحيد الخراساني 27/ ذي القعدة 1414 ه‍، ش. المصادف 18/ 2/ 1373 ه‍. ش.

(2) أجود التقريرات 1: 364.

44

فلا بدّ و أن ينظر إلى هذه السيرة و لم يحرز أنّها لأجل استنكار صوم يوم عاشوراء، بل لعلّه لأجل الحفاظ على إقامة مراسم عزاء أبي عبد اللّه (عليه السلام) كما أشار إليه السيّد الخوئي. (1)

كلام السيّد الخوئي حول الروايات المانعة:

إنّ الخوئي يرجع اربعا من الروايات المانعة الّتي يعود سندها إلى الحسين أو الحسن بن علي الهاشمي إلى رواية واحدة و يضعّف طريقها بالهاشمي لأنّه مجهول.

أضف إلى وجود ابن سنان في روايته الاولى، و زيد النرسي في طريقه الآخر.

قال: «ما رواه الكليني عن شيخه الحسين بن علي الهاشمي- كما في الوسائل-، و عن الحسن- كما في الكافي-، و لهذا الشخص روايات أربع رواها في الوسائل إلّا إنّنا نعتبر الكلّ رواية واحدة لأنّ في سند الجميع رجلا واحدا هو الهاشمي، و حيث إنّه لم يوثّق و لم يذكر بمدح، فهي بأجمعها محكومة بالضعف، مضافا إلى ضعف الاولى بابن سنان أيضا، و الثالثة بزيد النرسي على المشهور، و إن كان مذكورا في إسناد كامل الزيارات.

و ما في الوسائل في سند الرابعة من كلمة نجية غلط و الصواب نجبة، و لا بأس به، و كيف كان فلا يعتدّ بشي‌ء منها بعد ضعف أسانيدها.

أقول: إنّ روايات الهاشمي قويّة عند المجلسي الأوّل، كما مرّ آنفا، ثمّ إنّ السيّد الخوئي قال في وجه تضعيف الرواية الثانية- ياسين الضرير-، «أمّا الرواية الثانية فهي ضعيفة السند بنوح بن شعيب و ياسين الضرير على أنّ صوم عرفة غير محرّم قطعا، و قد صامه الامام كما في بعض الروايات. نعم، يكره لمن يضعفه عن الدعاء فمن الجائز أن يكون صوم يوم عاشوراء أيضا مكروها لمن يضعفه عن القيام‌

____________

(1) مستند العروة الوثقى 2: 304.

45

بمراسيم العزاء». (1)

و قال حول الرواية الأخيرة- رواية غندر-.

و هي ضعيفة السند جدّا لاشتماله على عدّة من المجاهيل، فهذه الروايات بأجمعها ضعاف». 2

ثمّ أضاف في مجال تضعيف الروايات المانعة و سقوطها عن الاعتبار فضلا عن المعارضة: «فالروايات الناهية غير نقيّة السند برمّتها، بل هي ضعيفة بأجمعها، فليست لدينا رواية معتبرة يعتمد عليها ليحمل المعارض على التقيّة كما صنعه صاحب الحدائق». (3)

أقول: و قد عرفت الجواب عن السيّد الخوئي خلال عرض كلام الشيخ الاستاذ و الشيخ النراقي و السيّد الطباطبائي و ... و معه لا يبقى مجال لما يراه السيّد الخوئي.

مناقشة السيّد الخوئي رواية المصباح:

حاصل مناقشته للرواية هو: انّ الشيخ الطوسي التزم في التهذيبين الرواية عمّن له أصل أو كتاب، فيذكر اسم صاحب الكتاب ثمّ يذكر طريقه إليه في المشيخة أو في الفهرست، و لم يلتزم بهذا المعنى في مصباح المتهجّد بأنّه كلّما يرويه هنا عن شخص فهو رواية عن كتابه.

و هذه الرواية في المصباح عن ابن سنان و طريقه إلى كتابه و ان كان صحيحا و لكنّه لم يعلم أنّ ما رواه هنا فهو عن كتابه، بل لعلّه رواه عن نفس الرجل ابن سنان لا عن كتابه و لم يعرف طريقه إليه و انّه صحيح أم لا. و عليه فالرواية في حكم المرسل، و بالتالي يصحّ ما تبنّاه «من انّ الروايات الناهية كلّها ضعيفة السند فتكون الروايات‌

____________

(1) (1) و (2) مستند العروة الوثقى 304- 305.

(3) الحدائق الناضرة 16: 376.

46

الآمرة سليمة عن المعارض». (1)

مناقشة الشيخ الاستاذ كلام الخوئي:

قال الشيخ الاستاذ في نقاشه كلام السيّد الخوئي: أوّلا: بالنسبة إلى خصوص رواية ابن سنان فللشيخ الطوسي في الفهرست طريق إلى كتابيه:

1- كتاب الصلاة 2- كتاب اليوم و الليلة، و لم ينقل في الفهرست أكثر من‌

____________

(1) مستند العروة الوثقى 1: 306. و إليك نصّ كلامه «قال: و هي- أي رواية المصباح عن عبد اللّه بن سنان من حيث التصريح بعدم تبييت النيّة، و عدم تكميل الصوم، و لزوم الافطار بعد العصر- واضحة الدلالة على المنع عن الصوم الشرعي، و انّه مجرّد إمساك صوري في معظم النهار تأسّيا بما جرى على الحسين و أهله الأطهار عليهم صلوات الملك المنتقم الجبّار إلّا انّ الشأن في سندها: و الظاهر أنّها ضعيفة السند لجهالة طريق الشيخ إلى عبد اللّه بن سنان فيما يرويه في المصباح فتكون في حكم المرسل. توضيح: انّ الشيخ في كتابي التهذيب و الاستبصار التزم أن يروي عن كلّ من له أصل أو كتاب فيذكر أسماء أرباب الكتب أوّل السند مثل محمد بن علي بن محبوب و محمد بن الحسن بن الصفّار و عبد اللّه بن سنان و نحو ذلك، ثمّ يذكر في المشيخة طريقه إلى أرباب تلك الكتب لتخرج الروايات بذلك عن المراسيل إلى المسانيد، و قد ذكر طريقه في كتابيه إلى عبد اللّه بن سنان و هو طريق صحيح. و ذكر (قدس سرّه) في الفهرست طريقه إلى أرباب الكتب و المجاميع سواء روى عنهم في التهذيبين أم في غيرهما، منهم عبد اللّه بن سنان و طريقه فيه صحيح أيضا، و أمّا طريقه إلى نفس هذا الرجل لا إلى كتابه فغير معلوم، إذ لم يذكر لا في المشيخة و لا في الفهرست و لا في غيرهما لأنّهما معدّان لبيان الطرق إلى نفس الكتب لا إلى أربابها و لو في غير تلكم الكتب، و هذه الرواية مذكورة في كتاب المصباح و لم يلتزم الشيخ هنا بأنّ كلّ ما يرويه عمّن له أصل أو كتاب فهو يرويه عن كتابه كما التزم في التهذيبين حسبما عرفت، و عليه فمن الجائز أن يروي هذه الرواية عن غير كتاب عبد اللّه بن سنان الّذي له إليه طريق آخر لا محالة و هو غير معلوم كما عرفت فإنّ هذا الاحتمال يتطرّق بطبيعة الحال و لا مدفع له، و هو بمجرّده كاف في عدم الجزم بصحّة السند، بل إنّ هذا الاحتمال قريب جدّا، بل هو المظنون، بل المطمأنّ به، إذ لو كانت مذكورة في كتاب عبد اللّه بن سنان فلما ذا أهملها في التهذيب و الاستبصار مع عنوانه (قدس سرّه) فيها: صوم يوم عاشوراء و نقله سائر الروايات الواردة في الباب و بنائه (قدس سرّه) على نقل ما في ذلك الكتاب و غيره من الكتب فيكشف هذا عن روايته هذه عنه عن غير كتابه كما ذكرناه، و حيث إنّ طريقه إليه غير معلوم فالرواية في حكم المرسل، فهي أيضا ضعيفة السند كالروايات الثلاث المتقدّمة». مستند العروة الوثقى 1: 306.

47

كتابين لابن سنان، و لكنّ النجاشي نقل له ثلاثة كتب، ثمّ قال في ذيله: «له كتاب الصلاة الّذي يعرف بعمل يوم و ليلة: و كتاب الصلاة الكبير، و كتاب في سائر الأبواب من الحلال و الحرام، روى هذه الكتب عنه جماعات من أصحابنا لعظمه في الطائفة و ثقته و جلالته». (1)

فلنفرض عدم وجود هذه الرواية في كتاب الصلاة لابن سنان أو في كتابه الآخر.

و لكنّه يحتمل (2) وجودها في كتاب «الحلال و الحرام» الّذي يوجد لأكثر العظماء إليه سند.

ثانيا: عبّر الشيخ في المصباح بقوله: «روى عبد اللّه بن سنان» و فرق بين «روي» و بين «روى»، ففي الثاني يسند المطلب إلى الصادق (عليه السلام)، فلو لم يكن قابلا للاعتبار لما أسنده إلى الصادق (عليه السلام) مع ما يمتلكه من الدّقة و العلم و الإحاطة بالفقه و الرجال.

إذن لا إشكال في صدورها و صحّتها، و الشاهد عليه: أوّلا: قوّة المتن، و ثانيا:

تعبير الشيخ بقوله: روى و لم يعبّر بقوله روي». (3)

طريق آخر لرواية ابن سنان:

ثمّ إنّ لرواية عبد اللّه بن سنان طريق آخر صحيح غير ما رواه الشيخ الطوسي في المصباح و هو ما رواه المشهدي في مزاره، و قد تبنّى الاستاذ هذا الطريق و اعتمد عليه نتيجة لاعتماد السيّد عبد الكريم بن طاوس و ولده عليه.

قال الاستاذ: «هذا كلّه إضافة إلى وجود طريق آخر صحيح، و هو ما رواه المشهدي في مزاره عن عماد الدين الطبرى و هو ثقة بلا إشكال، عن، أبي علي حسن و هو ولد الشيخ الطوسي، عن والده أبي جعفر الطوسي، عن المفيد، عن ابن قولويه و الصدوق، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد اللّه‌

____________

(1) النجاشي: 148.

(2) تقرير أبحاث الشيخ الاستاذ الوحيد الخراساني 27/ ذي القعدة/ 1414- الموافق 28/ 2/ 1373 ه‍. ش.

(3) قد يقال: لا يكفى الاحتمال، بل اللازم هو الاحراز، و هو غير حاصل.

48

بن سنان، قال: دخلت على سيّدي أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) يوم عاشوراء». (1)

إذن حتى و لو لم يتمّ طريق الشيخ في المصباح إلى نفس هذا الرجل- ابن سنان- مع ذلك لا تسقط الرواية عن الاعتبار و ذلك لوجود طريق آخر.

أضف إلى ذلك انّه اعتمد على هذه الروايات من ليس مبناه الاعتماد على أخبار الآحاد كابن إدريس و ابن زهرة، فهذه الروايات موضوع لأدلّة الاعتبار قطعا». (2)

الروايات الدالّة على الجواز

1- [ما في] التهذيب

«و عنه- علي بن الحسن بن فضّال-، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي همّام، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: صام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يوم عاشوراء». (3)

وثّقه المجلسي فقال: «موثّق»، (4) و حمله المحقّق القمّي و غيره على التقيّة. (5)

2- [ما في التهذيب أيضا]

و فيه: «سعد بن عبد اللّه، عن أبي جعفر، عن جعفر بن محمد بن عبيد اللّه بن ميمون القدّاح، عن أبي جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) قال: صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة». (6)

رماه المجلسي بالمجهوليّة، فقال: مجهول. (7)

____________

(1) المزار للمشهدي: 685. عنه بحار الأنوار 101: 313. و المستدرك 7: 524/ ب 16/ ح 9.

(2) استفدناه من استدراكات الشيخ الاستاذ في درسه يوم الأحد 18/ 2/ 73، كما انّه قال في اوّل درسه يوم الإثنين 19/ 2/ 73: اعتمادنا على المزار للمشهدي نتيجة لاعتماد السيّد عبد الكريم بن طاوس و ولده عليه.

(3) التهذيب 4: 299/ ح 906. الاستبصار 2: 134/ ح 438 و عنه الوسائل 10: 457/ ب 20/ ح 1.

الوافي 11: 75/ ح 10440.

(4) ملاذ الأخيار 7: 116.

(5) غنائم الأيّام 6: 76.

(6) التهذيب 4: 300/ ح 907. الاستبصار 2: 134/ ح 439. عنه الوسائل 10: 457/ ب 20/ ح 1 و فيه:

جعفر بن محمد بن عبد اللّه. الوافي 11: 75/ ح 10442.

(7) ملاذ الأخيار 7: 116.

49

3- [ما في التهذيب أيضا]

و فيه: «علي بن الحسن، عن محمد بن عبد اللّه بن زرارة، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان بن عثمان الأحمر، عن كثير النّواء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجوديّ فأمر نوح (عليه السلام) من معه من الجنّ و الإنس أن يصوموا ذلك اليوم.

و قال أبو جعفر (عليه السلام): أ تدرون ما هذا اليوم؟ هذا اليوم الّذي تاب اللّه عزّ و جلّ فيه على آدم و حوّاء، و هذا اليوم الّذي فلق اللّه فيه البحر لبني إسرائيل فأغرق فرعون و من معه، و هذا اليوم الّذي غلب فيه موسى (عليه السلام) فرعون، و هذا اليوم الّذي ولد فيه إبراهيم (عليه السلام)، و هذا اليوم الّذي تاب اللّه فيه على قوم يونس (عليه السلام)، و هذا اليوم الّذي ولد فيه عيسى بن مريم (عليه السلام)، و هذا اليوم الّذي يقوم فيه القائم (عليه السلام)». (1)

قال المجلسي: «ضعيف، الأظهر حمله على التقيّة لما رواه الصدوق في أماليه (2) و غيره: انّ وقوع هذه البركات في هذا اليوم من أكاذيب العامّة و مفترياتهم.

و يظهر من الأخبار الآتية أيضا أنّ تلك الأخبار صدرت تقيّة، بل المستحبّ الامساك إلى ما بعد العصر بغير نيّة، كما رواه الشيخ في المصباح (3) و غيره في غيره، و اللّه يعلم». (4)

و قد ذكر القمّي انّ كثير النّواء عامّي بتري، و قال: «مع انّ روايته من حيث المضمون مخالفة لسائر الأخبار في ولادة عيسى (عليه السلام) فقد مرّ أنّها في أوّل ذي الحجّة، و توبة قوم يونس (عليه السلام) فقد ورد أنّها كانت في شوّال، و توبة آدم (عليه السلام) فقد ورد أنّها كانت‌

____________

(1) التهذيب 4: 300/ 908. عنه الوسائل 10: 458/ ب 21/ ح 5. و ملاذ الأخيار 7: 116. الإقبال 3:

51. بإسناده إلى علي بن فضّال. الوافي 11: 74/ ح 10443. مستدرك الوسائل 7: 523/ 16/ ح 7.

بحار الأنوار 95: 132.

(2) الأمالي: 132.

(3) مصباح المتهجّد: 713.

(4) ملاذ الأخيار 7: 116. أي رواه غير الطوسي في غير المصباح.

50

في يوم الغدير، و غير ذلك.

و أمّا ذكر قيام القائم (عليه السلام) فلعلّه من جهة تخليطه حتى لا يكذّب في سائر ما ذكره». (1)

تحقيق في كثير النّواء:

انّ كثير النّواء بن قاروند ضعيف عندنا.

ففي الكشّي عن الصادق (عليه السلام): اللّهمّ إنّي إليك من كثير النّواء أبرأ في الدنيا و الآخرة». (2)

و عن أبي جعفر (عليه السلام): انّ الحكم بن عيينة و سلمة و كثير النّواء ... أضلّوا كثيرا ممّن ضلّ من هؤلاء». (3)

4- [ما في التهذيب أيضا]

و فيه: علي بن الحسن بن فضّال، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه، عن أبيه (عليهما السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) قال: صوموا العاشوراء التاسع و العاشر فإنّه يكفّر ذنوب سنة». (4)

ضعّفه المجلسي، فقال: ضعيف. (5)

و قال والده المجلسي الأوّل: أمّا ما رواه الشيخ عن مسعدة بن صدقة و غيره من الأخبار فمحمولة على التقيّة، أو على الصوم حزنا، أو الامساك بغير نيّة الصوم‌

____________

(1) غنائم الأيّام 6: 73.

(2) اختيار معرفة الرجال: 241.

(3) اختيار معرفة الرجال 230. انظر قاموس الرجال 8: 564. معجم رجال الحديث 14: 108. الرقم 9713.

كما أنّه ضعيف عند بعض العامّة كالنسائي و أبي حاتم، و مجهول عند ابن قطّان، انظر: ميزان الاعتدال 5:

410. تهذيب التهذيب 8: 380. تهذيب الكمال 15: 374.

(4) التهذيب 4: 299/ ح 905. الاستبصار 2: 134/ ح 438. عنهما الوسائل 10: 457/ ب 20/ ح 2.

و الوافي 11: 75/ ح 10440. الإقبال 3: 51. عنه المستدرك 7: 524/ ب 16/ ح 8.

(5) ملاذ الأخيار 7: 115.

51

إلى العصر. (1)

و قال القمّي: و يمكن الجواب عن الأخبار الاوّلة بحملها على التقيّة، و مسعدة عامّي أو بتري. (2)

5- [ما في التهذيب أيضا]

و فيه: أحمد بن محمد، عن البرقي، عن يونس بن هشام، عن حفص بن غياث، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كثيرا ما يتفل يوم عاشوراء في أفواه أطفال المراضع من ولد فاطمة (عليها السلام) من ريقه و يقول: لا تطعموهم شيئا إلى الليل، و كانوا يروون من ريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قال: و كانت الوحش تصوم يوم عاشوراء على عهد داود (عليه السلام)». (3)

قال المجلسي: الحديث ضعيف أو مجهول (4)

قال الفيض: كأنّ الوجه في ذلك ما روي أنّ الوحش كانت تحضر وعظ داود (عليه السلام) و تذكيره لحسن صوته و إعجاب كلامه، فلعلّها سمعت منه (عليه السلام) من ذلك شيئا أو أوقع اللّه في نفوسها في ذلك اليوم حزنا فتركت الأكل». (5)

أقول: و لا دلالة فيها على استحباب الصوم.

6- [ما في] الكافي:

«علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن سليمان بن داود، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن على بن الحسين (عليه السلام)، قال: ...

أمّا الصوم الّذي صاحبه فيه بالخيار ... صوم عاشوراء ... (6)

____________

(1) روضة المتّقين 3: 248.

(2) غنائم الأيّام 6: 76.

(3) التهذيب 4: 333/ ح 1045. و عنه الوسائل 10: 457/ ب 20/ ح 4. و فيه: يونس بن هاشم بدل «هشام» و جعفر بن عثمان بدل «حفص بن غياث» و سيأتي روايته عن طريق العامّة و تعليقنا عليه و رأي الهيثمي في مسنده مجمع الزوائد 3: 186.

(4) ملاذ الأخيار 7: 174.

(5) الوافي 11: 74.

(6) الكافي 4: 86/ ح 1. التهذيب 4: 296/ ح 895. الفقيه 2: 48/ ح 208. عنه الوسائل 10: 458/-

52

قال المجلسي: ضعيف، و الزهري نسبته إلى زهرة أحد أجداده و اسمه محمد بن مسلم بن عبيد اللّه ... و هو من علماء المخالفين، و كان له رجوع إلى سيّد السّاجدين (عليه السلام) ... ثمّ إنّه لعلّ المراد بصوم العاشر بل التاسع أيضا: الإمساك حزنا، لورود النهي عن صومهما كثيرا، و الأظهر أنّه محمول على التقيّة، بل الظاهر أنّ صوم السّنة و الاثنين أيضا موافقان للعامّة، كما يظهر من بعض الأخبار مع أنّ الراوى أيضا عامّى. (1)

و قال المجلسي الأوّل: الزهري من علماء العامّة و فقهائهم، و كان له انقطاع إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) و يروي عنه كثيرا.

قوله: «بالخيار» أي يجوز له الافطار بعد الشروع فيه، أو لا يجب صومه ...

و الظاهر أنّه وقع تقيّة و ستجي‌ء الأخبار في ذمّه و انّه يوم تبرّكت به بنو اميّة لعنهم اللّه بقتلهم الحسين (عليه السلام) فيه. (2)

أقول: و إن كان المعروف بل المقطوع به انّه من العامّة، و لكن نسب إلى الوحيد البهبهاني (3) القول بتشيّعه، و يميل إليه التستري (4) و يقول السيّد الخوئي: «الزهري و إن كان من علماء العامّة، إلّا انّه يظهر من هذه الرواية- رواية ابن شهر آشوب و غيرها- انّه كان يحبّ علي بن الحسين و يعظّمه». (5)

[7- ما في الجعفريات]

8- الجعفريّات: «أخبرنا محمد، حدثني موسى، حدّثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمد (عليه السلام)، عن أبيه قال: كان عليّ (عليه السلام) يقول: صوموا يوم عاشوراء التاسع و‌

____________

- ب 20/ ح 6 و 10: 411/ ب 5/ ح 1. الهداية: 50. المقنع: 57. مستدرك الوسائل 7: 522.

(1) مرآة العقول 16: 246.

(2) روضة المتّقين 3: 230 و 235.

(3) تنقيح المقال 3: 178.

(4) قاموس الرجال 9: 584.

(5) معجم رجال الحديث 16: 182. انظر منتهى المقال 6: 202.

53

العاشر احتياطا فإنّه كفّارة للسنة الّتي قبله، و إن لم يعلم به أحدكم حتى يأكل فليتمّ صومه». (1)

أقول: و في كتاب الجعفريّات كلام قد ضعّفه صاحب الجواهر و نفى كونه من الاصول المشهورة. (2)

[8- رواية ابن طاوس]

9- ابن طاوس: «رأيناه في كتاب دستور المذكّرين بإسناده عن ابن عبّاس، فقال: إذا رأيت هلال المحرّم فاعدد، فإذا أصبحت من تاسعه فاصبح صائما. قال: قلت:

كذلك يصوم محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟ قال: نعم. (3)

أقول: مع غضّ النظر عن السند لا دلالة فيها على المطلوب، إذ ظاهرها استحباب أو وجوب صوم التاسع من المحرّم، و قريبا يأتي البحث حول كتاب دستور المذكّرين.

[9- رواية الصدوق]

10- الصدوق: في عشر من المحرّم و هو يوم عاشوراء أنزل اللّه توبة آدم- إلى أن قال:- فمن صام ذلك اليوم غفر له ذنوب سبعين سنة و غفر له مكاتم (4) عمله. (5)

أقول: إنّ كتاب المقنع مجموعة (6) روايات حذف المؤلّف اسنادها لئلّا يثقل حمله و يصعب حفظه و لا يملّ قارؤه، كما صرّح بذلك في أوّل مقدّمته، إلّا انّ هذه الرواية كسائر رواياته مرسلة عندنا و أنّها معارضة بما يأتي من النهي عن الصوم في يوم عاشوراء، و أنّ توبة آدم (عليه السلام) لم تكن في عاشوراء.

____________

(1) الجعفريّات: 63. عنه مستدرك الوسائل 7: 523/ ب 16/ ح 5. جامع أحاديث الشيعة 11: 730/ ب 18.

(2) جواهر الكلام 21: 397. انظر كلام المحدّث النوري في الدفاع عن هذا الكتاب في خاتمة المستدرك 19: 24.

(3) الإقبال 3: 45. عنه البحار 8: 335. مستدرك الوسائل 7: 523/ ب/ ح.

(4) المكتوم: المخفي و المستور، لسان العرب 12: 506/ مادة كتم.

(5) المقنع: 66. عنه المستدرك 7: 523/ ب 16/ ح 4.

(6) انظر الذريعة 22: 123.

54

10- [رواية] فقه الرضا

: و أمّا الصوم الّذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة- إلى أن قال:- و يوم عاشوراء. (1)

11- [رواية] دعائم الإسلام:

«عن جعفر بن محمد (عليه السلام) أنّه قال: أوفت (2) السفينة يوم عاشوراء على الجوديّ فأمر نوح من معه من الإنس و الجنّ بصومه، و هو اليوم الّذي تاب اللّه فيه على آدم (عليه السلام)، و هو اليوم الّذي يقوم فيه قائمنا أهل البيت (عليهم السلام)». (3)

أقول: لا دلالة فيها على مطلوبيّة الصيام في شرعنا.

أضف إلى ذلك: الكلام و التأمّل في اعتبار هذا الكتاب و اعتبار مؤلّفه القاضي نعمان المصرى، و كذلك الكلام في اعتبار الفقه المنسوب إلى الامام الرضا (عليه السلام)، و قد تعرّضنا لذلك في كتابنا موارد السجن، فراجع. (4)

لمحة عن دستور المذكّرين و مؤلّفه:

لم يعرف عن مؤلّفه شي‌ء، و لعلّه شافعيّ المذهب- كما عن الذهبي-، إلّا أنّ ابن طاوس نقل عنه في مواضع من الإقبال، منها: في تسمية شوّال و صيامه، و في الخامس و العشرين من رجب، و في صوم ثلاثة أيّام من الشهر الحرام، و مواضع اخرى.

و لم يتعرّض له بمدح و لا ذمّ، و قد اختلف في اسمه، فعن الطهراني و النمازي و الذهبي- من العامّة- أنّ اسمه محمد بن أبي بكر، و عن خليفة في كشف الظنون: اسمه محمد بن عمر.

____________

(1) فقه الرضا: 23- عنه مستدرك الوسائل 7: 522/ ب 16/ ح 2.

(2) أوفت على المكان: أتته و أشرفت عليه، لسان العرب 15: 399.

(3) دعائم الإسلام 1: 284. عنه مستدرك الوسائل 7: 522/ ب 16/ ح 1.

(4) موارد السجن: 271.