نظام الإرث في الشريعة الإسلامية الغراء

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
438 /
3

[مقدمات التحقيق]

كلمة شيخنا الأُستاذ- دام ظلّه-:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

الحمد لله المتفرّد بالبقاء، المتوحّد بالكبرياء، وارث الأرض و السماء، الّذي لا تنقص بالعطاء خزائنه، و لا ينضب بالحباء معين عوائده.

و الصلاة و السلام على أشرف و أفضل بريته، مبيّن السنن و الفرائض، محمّد و آله، حملة علومه و ناقلي سننه و أحاديثه، صلاة دائمة، ما لاح بدر في السماء، و نجم في الدجى.

أمّا بعد: فانّ العلم بالفرائض و المواريث من أهم الأبواب الفقهية، و قد أُلّفت فيه قديماً و حديثاً كتب و رسائل أدّى فيها حق الكلام و المقال، و قد طلب مني حضّار بحوثي الفقهية إلقاء محاضرات في هذا المضمار علماً منهم بمشاكلها و معضلاتها حيث إنّه روي انّ الفرائض نصف العلم، و ورد الحث الأكيد على تعلّمها و تعليمها للناس، قال (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «تعلموا الفرائض و علِّموها الناس».

فلأجل هذه الأهمية الكبيرة نزلت عند رغبتهم، فألقيت محاضرات عليهم في هذا المجال، و جعلت المتن كتاب الشرائع للمحقّق الحلي (رحمه الله) مقتصراً على أهم المسائل، و موضحاً لمشاكلها، بعبارات سهلة و بيانات شافية عسى أن يكون مصباحاً للطالب و مشكاةً للسائر. و قد قام بتحرير ما ألقيت ثلّة من الأفاضل، منهم: العلم العلام، فخر الفضلاء، حجة الإسلام السيد رضا «پيغمبرپور» الكاشاني- دامت افاضاته- فضبط ما ألقيته بتحرير رائق، لا بإيجاز مخلّ، و لا باطناب مملّ، و لقد أعجبتني إحاطته بالمعادلات الرياضية، وسعة باله في قوانينها، و بفضل براعته فيها قام بتصوير المسائل رياضياً، و قد أضفى بذلك للكتاب ثوباً جديداً.

و أرجو من الله سبحانه أن يجعله نبراساً للمشتغلين، و من أصحاب الفتيا و مراجع الأحكام في المستقبل ان شاء الله تعالى.

جعفر السبحاني

28 رجب المرجب 1415 ه‍-

4

كلمة المؤلِّف:

بسم الله الرحمن الرحيم‌

الحمد لله الّذي له البقاء، و له العظمة و الكبرياء، و الجلال و البهاء، و الصلاة و السلام على أشرف أنبيائه، و أفضل سفرائه محمّد و أهل بيته، ورثة علومه، و خلفائه في أُمّته.

أمّا بعد: فقد كان بي ظمأ شديد، و شغف زائد لمعرفة الأحوال الشخصية و ما لها من الأحكام في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء، و كنت أنتهز الفرص لسبر أغوارها، علماً مني بأنها تشكل جزءاً كبيراً من الفقه الإسلامي، و لا تختص بباب النكاح و الظهار و الايلاء و اللعان، و الطلاق بأقسامه المختلفة من الخلع و المباراة و الميراث، بل تعم أبواباً أُخر كالوصية و الحجر، و غيرهما، إلى أن حالفني التوفيق بقيام شيخنا العلّامة الحجة آية الله الشيخ جعفر السبحاني، بدراسة هذه الأبواب دراسة معمقة دورة بعد دورة، فقمت بكتابة أكثر هذه المحاضرات، و ها أنا أقدم لطلاب الفقه باقة أزاهير عطرة من كتاب المواريث و الفرائض حتّى يكون باكورة خير لنشر ما كتبته من دروس شيخنا الأُستاذ (مدّ ظلّه) طيلة سنوات حضرت فيها دروسه و أندية بحثه.

فحيّاه الله من رجل علم و فقاهة، و تقى و صلاح، و تربية و توعية، و تأليف و تصنيف إلى غير ذلك من فضائل و مآثر، و زاده توفيقاً و سداداً في هذا المضمار.

قم- الحوزة العلمية

السيد رضا پيغمبرپور

الكاشاني

20 رجب الأصب 1415 ه‍-

5

[تمهيد]

[المواريث و الفرائض لغة و اصطلاحاً]

بسم الله الرحمن الرحيم‌

قال شيخنا الأُستاذ (مدّ ظلّه):

«المواريث»: جمع الميراث الذي هو اسم بمعنى المصدر أعني «الإرث» و عرّف باستحقاق إنسان بموت آخر بنسب أو سبب شيئاً بالأصالة، أو بمعنى اسم المفعول أي الموروث و يعرّف بأنّه ما يستحقّه إنسان بموت آخر الخ و يستعمل غالباً في المعنى الثاني.

و «الفرائض»: جمع الفريضة، بمعنى التقدير، و منه قوله سبحانه: (لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (1) أي مقدّراً، و يمكن أن يراد منه العطيّة باعتبار كون الارث عطية من اللّه تبارك و تعالى، أو يراد منه القطع يقال: فرضت الثوب، أي قطعته فكأنّ التركة تتقطّع بين الورّاث، و على أيّ حال فإن أُريد منه السهام المفصلة المقدرة في الكتاب فهو أخصّ من المواريث، و إن أُريد مطلق السهام المقدرة في السنّة أو الحاصلة من آية (أُولُوا الْأَرْحٰامِ) (2) فهما متساويان.

____________

(1) النساء/ 7.

(2) الأحزاب/ 6.

العناية بتعلّم الفرائض:

6

و قد استفاضت الأخبار على لزوم تعلّم الفرائض و تعليمها:

1- عن النبي الأكرم (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) أنّه قال: «إنّما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة و ما خلاهنّ فهو فضل». (1) بناء على أنّ المراد من «فريضة عادلة» هو الفرائض و المواريث.

2- روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «تعلّموا القرآن و علّموه الناس و تعلّموا العلم و علّموه الناس و تعلّموا الفرائض و علّموه الناس فإنّ العلم سينقضي، و تظهر الفتن حتّى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما». (2)

3- روى أبو هريرة: أنّ النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) قال: «تعلّموا الفرائض و علّموه الناس فإنّه نصف العلم و هو ينسى و هو أوّل شي‌ء ينتزع من أُمّتي». (3)

4- روى الترمذي و الحاكم: «تعلّموا القرآن و الفرائض و علّموا الناس فإنّي مقبوض». (4)

5- عن عليّ (عليه السلام) في بيان الناسخ و المنسوخ، قال: «إنّ النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) لما هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه المهاجرين و الأنصار و جعل المواريث على الإخوة في الدين، لا في ميراث الأرحام و ذلك قوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَ هٰاجَرُوا وَ جٰاهَدُوا بِأَمْوٰالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا أُولٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ

____________

(1) الكليني: الكافي: 1/ 32 باب صفة العلم، و السنن الكبرى للبيهقي: 6/ 208 كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض.

(2) السنن الكبرى: 6/ 209.

(3) المصدر نفسه.

(4) التاج الجامع للأُصول: 2/ 250، كتاب الفرائض.

7

بَعْضٍ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهٰاجِرُوا مٰا لَكُمْ مِنْ وَلٰايَتِهِمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ حَتّٰى يُهٰاجِرُوا) فأخرج الأقارب من الميراث و أثبته لأهل الهجرة و أهل الدين خاصة فلمّا قوى الإسلام أنزل اللّه: (النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوٰاجُهُ أُمَّهٰاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهٰاجِرِينَ إِلّٰا أَنْ تَفْعَلُوا إِلىٰ أَوْلِيٰائِكُمْ مَعْرُوفاً). (1)

و للبحث عن صحّة ما تضمّنته الرواية مجال آخر فإنّ في وجود النسخ في القرآن كله و في خصوص هذه الآية كلاماً نرجئه إلى محلّه.

6- عن عبد اللّه بن مسعود: من تعلّم القرآن فليتعلّم الفرائض و لا يكن كرجل لقيه أعرابي فقال له: يا عبد اللّه أعرابي أم مهاجر؟ فإن قال: مهاجر، قال: إنسان من أهلي مات فكيف نقسّم ميراثه، فإن علم كان خيراً أعطاه اللّه إيّاه، و إن قال: لا أدري، قال: فما فضلكم علينا إنّكم تقرءون القرآن و لا تعلمون الفرائض. (2)

7- و عنه أيضاً: تعلّموا الفرائض و الحج و الطلاق فانّه من دينكم. (3)

إلى غير ذلك من الروايات الحاثّة على تعلّمها و قد اختلفت كلماتهم في تفسير كون الفرائض نصف العلم ذكرها و أنهاها المحقّق العلياري (4) إلى أربعة عشر وجهاً و الأولى، حملها على المبالغة في كثرة شُعبها و تشتتها و شدة الحاجة إليها مع ما كانت العرب على التسامح في ميراث البنات و النساء فجاء الإسلام بنظام خاص في تقسيم الميراث يبهر العقول و من وقف على عادات العرب في تقسيمها يقدّر نظام الميراث في الإسلام بأكمل تقدير، و إليك بعض ما روي عن دأبهم و عادتهم في الميراث.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب الأوّل من أبواب موجبات الإرث، ح 4. و الآيتان من سورة الأنفال/ 72 و الأحزاب/ 6.

(2) السنن الكبرى: 6/ 209.

(3) السنن الكبرى: 6/ 209.

(4) إيضاح الغوامض: 8.

نظام الارث في العهد الجاهلي:

8

1- جاءَت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أُحد شهيداً و أنّ عمّهما أخذ مالهما و لا يُنكحان إلّا و لهما مال قال: فنزلت آية الميراث فأرسل رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) إلى عمّهما فقال: «أعطِ ابنتي سعد الثلثين و أُمّهما الثمن و ما بقي فهو لك». (1)

و ذيل الرواية مخالف لما اتفقت عليه الإمامية من عدم توريث العمّ مع الولد للميّت.

2- لما مات أوس الأنصاري عن زوجة و ولد و بنات، عمد أبناء عمّه و أخذوا المال فشكت زوجته إلى رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) فدعاهم فقالوا: يا رسول اللّه إنّ ولدها لا يركب و لا ينكأ عدواً فأنزل اللّه: (لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ) إلى آخرها ثمّ أنزل: (يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ) إلى آخرها. (2)

اختلاف الصحابة في الفرائض:

1- عن سماك عن عبيدة السلماني قال: كان علي (عليه السلام) على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رجل مات و ترك ابنتيه و أبويه و زوجة، فقال (عليه السلام): «صار ثمن المرأة تسعاً»، قال سماك: فقلت لعبيدة: و كيف ذلك؟ قال: إنّ عمر بن الخطاب وقعت في أمارته هذه الفريضة فلم يدر ما يصنع و قال: للبنتين الثلثان، و للأبوين السدسان، و للزوجة الثمن، قال: هذا الثمن باقياً بعد الأبوين‌

____________

(1) المغني: 6/ 224.

(2) الدر المنثور: 2/ 122، لا ينكأ أي لا يقتل عدواً.

9

و البنتين؟ فقال له أصحاب محمّد (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): أعط هؤلاء فريضتهم، للأبوين السدسان، و للزوجة الثمن و للبنتين ما يبقى، فقال: فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي (عليه السلام): «لهما ما يبقى»، فأبى ذلك عليه عمر و ابن مسعود، فقال علي (عليه السلام) على ما رأى عمر، قال عبيدة: و أخبرني جماعة من أصحاب علي (عليه السلام) بعد ذلك في مثلها: أنّه أعطى الزوج الربع مع الابنتين و للأبوين السدسين و الباقي ردّ على البنتين، و ذلك هو الحقّ و إن أباه قومنا. (1)

2- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد للّه الّذي لا مقدّم لما أخّر، و لا مؤخّر لما قدّم، ثمّ ضرب بإحدى يديه على الأُخرى، ثمّ قال: يا أيتها الأُمّة المتحيرة بعد نبيّها لو كنتم قدّمتم من قدّم اللّه، و أخّرتم من أخّر اللّه، و جعلتم الولاية و الوراثة لمن جعلها اللّه ما عال ولي اللّه، و لا طاش سهم من فرائض اللّه، و لا اختلف اثنان في حكم اللّه، و لا تنازعت الأُمّة في شي‌ء من أمر اللّه إلا و عند عليّ علمه من كتاب اللّه، فذوقوا وبال أمركم و ما فرّطتم فبما قدمت أيديكم و ما اللّه بظلّام للعبيد». (2)

3- عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال: جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث، فقال ابن عباس: سبحان اللّه العظيم أ ترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً و نصفاً و ثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري: [يا أبا العباس] فمن أوّل من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب لمّا التفّت الفرائض عنده و دفع بعضها بعضاً فقال: و اللّه ما أدري أيّكم قدّم اللّه و أيّكم أخّر و ما أجد شيئاً هو أوسع من أن أُقسّم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم حقّ ما‌

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، ح 14.

(2) المصدر نفسه: ح 5.

10

دخل عليه من عول الفرائض، و أيم اللّه لو قدّم من قدّم اللّه و أخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة، فقال له زفر: و أيّها قدّم و أيّها أخّر؟

فقال: كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلّا إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه، و أمّا ما أخّر: فلكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلّا ما بقي فتلك التي أخّر. فأمّا الذي قدّم: فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شي‌ء، و الزوجة لها الربع فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شي‌ء، و الأُمّ لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس و لا يزيلها عنه شي‌ء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه، و أمّا التي أخّر: ففريضة البنات و الأخوات لها النصف و الثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلّا ما بقي فتلك التي أخّر، فإذا اجتمع ما قدّم اللّه و ما أخّر بُدِئ بما قدّم اللّه فأُعطي حقّه كاملًا، فإن بقي شي‌ء كان لمن أخّر و إن لم يبق شي‌ء فلا شي‌ء له. (1)

4- عن هذيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري و سلمان ابن ربيعة الباهلي فسألهما عن رجل ترك ابنته و ابنة ابنه؟ فقالا: للابنة النصف، و ليس لابنة الابن شي‌ء و ائت ابن مسعود! فإنّه سيتابعنا قال: فجاء الرجل إلى عبد اللّه بن مسعود فأخبره بما قالا، قال: (قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) و لكن سأقضي فيها بقضاء رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) قضى رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) في رجل ترك ابنته و ابنة ابنه و أُخته، فجعل للابنة النصف و لابنة الابن السدس و ما بقي للأُخت. (2)

5- عن الشعبي قال: اختلف علي و ابن مسعود و زيد بن ثابت و عثمان بن عفان و ابن عباس في جدّ و أُمّ و أُخت لأب و أُمّ، فقال علي: «للأُخت النصف، و للأُمّ الثلث، و للجدّ السدس»، و قال ابن مسعود: للأُخت النصف و للأُمّ السدس،

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موجبات الإرث، ح 6.

(2) المتقي الهندي: كنز العمال: 11/ 45.

11

و للجدّ الثلث، و قال عثمان: للأُمّ الثلث، و للأُختِ الثلث، و للجد الثلث، و قال زيد: هي على تسعة أسهم: للأُمّ الثلث ثلاثة، و ما بقي فثلثان للجد و الثلث للأُخت، و قال ابن عباس: للأُمّ الثلث و ما بقي فللجدّ و ليس للأُخت شي‌ء. (1)

6- عن عكرمة قال: أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج و أبوين؟ فقال: للزوج النصف و للأُمّ الثلث ممّا بقي و للأب الفضل، فقال ابن عباس: أ في كتاب اللّه وجدتَه أم رأي تراه؟ قال: رأي أراه، لا أرى أن أُفضِّل أُمّاً على أب، و كان ابن عباس يجعل لها الثلث من جميع المال. (2)

هذه نماذج من مناظرات الصحابة بعضهم مع بعض و اختلافهم في الفرائض و قد تركنا الكثير و ربما يمرّ عليك بعضها، كل ذلك يعرب عن عدم وقوفهم على الفرائض التي جاء بها الإسلام، وقوفاً كاملًا مغنياً عن أيّ تشريع بشريّ.

نعم من رجع إلى أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أعدال الكتاب و قرناؤه، يقف على أنّه كان عندهم النظام الدقيق للمواريث، الذي ورثوه عن رسول الإسلام (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم)، وراثة إلهيّة لا تعليمية بشرية.

هل كان زيد بن ثابت «أفرض» الصحابة؟

ورد عن طريق أهل السنّة أنّ زيد بن ثابت أفرضهم (3)، و لكن بكير بن أعين قال: دخل رجل على أبي جعفر (عليه السلام) فسأله عن امرأة تركت زوجها و إخوتها لأُمّها و اختاً لأب؟ قال: «للزوج النصف ثلاثة أسهم، و للإخوة من الأُمّ الثلث‌

____________

(1) المتقي الهندي: كنز العمال: 11/ 68.

(2) المصدر نفسه: 43.

(3) السنن الكبرى: 6/ 210.

12

سهمان، و للأُخت للأب سهم»، فقال له الرجل. فإنّ فرائض زيد و ابن مسعود و فرائض العامّة و القضاة على غير ذا يا أبا جعفر! يقولون:

للأب و الأُمّ ثلاثة أسهم نصيب من ستّة يعول إلى ثمانية. فقال أبو جعفر (عليه السلام): «و لم قالوا ذلك؟» قال: لأنّ اللّه قال: (وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهٰا نِصْفُ مٰا تَرَكَ) فقال أبو جعفر: «فما لكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجّون بأمر اللّه فإنّ اللّه سمّى لها النصف و انّ اللّه سمّى للأخ الكل، فالكل أكثر من النصف فانّه قال: (فَلَهَا النِّصْفُ) و قال للأخ: (وَ هُوَ يَرِثُهٰا) يعني جميع المال إن لم يكن لها ولد، فلا تعطون الذي جعل له الجميع في بعض فرائضكم شيئاً و تعطون الذي جعل اللّه له النصف تامّاً». (1)

ثمّ إنّ أصل الميراث ممّا وقع عليه إجماع المسلمين، بل يعد من ضروريات الدين أو الكتاب و السنّة.

فمن الكتاب قوله تعالى: (وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ

____________

(1) البحار: 101، الباب 5 من أبواب الميراث، ح 25.

13

وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيداً). (1)

و المعنى: (وَ لِكُلٍّ) الناس جعلنا من هو أولى بالارث يرثونه (مِمّٰا تَرَكَ) و هم (الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ) كضامن الجريرة كما عليه المشهور من المفسرين، و يمكن أن يكون المراد منه الزوجة، و الأولى، أن يراد الأعم و عليه تكون الآية متعرّضة لكافّة أسباب الارث من نسب أو سبب. و قوله سبحانه: (لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسٰاءِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ مِمّٰا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً). (2)

و قوله سبحانه: (وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهٰاجِرِينَ إِلّٰا أَنْ تَفْعَلُوا إِلىٰ أَوْلِيٰائِكُمْ مَعْرُوفاً). (3)

و قوله سبحانه: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). (4)

و غير ذلك من الآيات التي ستمر عليك في ثنايا البحث.

____________

(1) النساء/ 33، و على ما ذكرنا يكون الموصول مقطوعاً عن ما قبله فإنّ الوالدين في الآية ممّن يورثون و الحال انّ الموصول وصلته من الوارثين و لأجل ذلك قال: (فآتُوهُمْ نَصيبهم ...) و في تفسير قوله سبحانه: (و الذين عقدت) وجوه اخر، لاحظ مجمع البيان: 2/ 42.

(2) النساء/ 7.

(3) الأحزاب/ 5.

(4) النساء/ 11.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

في موجبات الارث

إنّ مجموع ما يبحث عنه في كتاب «الميراث» لا يتجاوز عن أُمور ستة:

1- موجبات الإرث و أسبابه.

2- موانع الإرث و حواجبه.

3- مقادير سهام الورّاث.

4- رتبة الورّاث في الاستحقاق.

5- تفصيل أحكامهم مع الانفراد و الاجتماع.

6- كيفية القسمة عليهم.

فكان اللازم تقديم تفصيل الموجب على المانع إلّا أنّ المحقق عكس ذلك، فقدّم تفصيل الموانع على الموجبات، فنحن نتّبعه. غير أنّا نقدّم كلاماً موجزاً في الموجبات و نترك التفصيل لما يأتي فنقول:

أمّا الموجبات، فله سببان: النسب، و السبب، كما قيل:

«الارث في الشرع بأمرين وجب*** بالنسب الثابت شرعاً و سبب»‌

و المراد من النسب: هو الاتصال بالولادة بانتهاء أحدهما إلى الآخر كالأب‌

16

و الابن غايةُ الأمر أنّ اتصال الأب إلى الابن نزولًا و انتهاء الابن إلى الأب صعوداً، أو بانتهائهما إلى ثالث كالإخوة و الأخوات.

و أمّا مراتب النسب فثلاث، لا يرث واحد من المرتبة التالية مع المرتبة السابقة إذا كانت خالية من الموانع.

الأُولى: و هي تنحصر في صنفين:

1- الآباء فقط دون آبائهم، فإنّ آباء الآباء يرثون في المرتبة الثانية كما سيجي‌ء.

2- الأولاد و إن نزلوا، فانّهم يرثون مطلقاً سواء كان للميّت أب أو لا، نعم ذهب الصدوق (رحمه الله) إلى اشتراط توريث أولاد الأولاد بعدم وجود الآباء حيث قال: فإن ترك ابن ابن و أبوين فللأُمّ الثلث و للأب الثلثان و سقط ابن الابن (1) و سيوافيك ضعفه.

ثمّ إنّ الميزان في الأولاد في المقام، و هكذا فيما سيوافيك من أولاد الإخوة و العمومة و الخؤولة هو المساواة في التعزّي إلى الميّت، فالواحد من بطن أعلى و إن كان أُنثى يمنع جميع مَنْ في بطن أسفل منه.

الثانية: الجدّ و الجدة و الإخوة و الأخوات و أولادهم، و إنّما أفردنا الأولاد من الإخوة و الأخوات بالذكر في هذا القسم لعدم صدق هذه العناوين على أولادهم، فلا يصحّ إذا قيل: و إن نزلوا، لأنّ ابن الأخ لا يكون أخاً و هذا بخلاف الأولاد و الأجداد.

الثالثة: الأعمام و الأخوال للأبوين أو أحدهما فصاعداً كأعمام الأب و الأُمّ، و أعمام الأجداد، و أخوال الأب و الأُمّ، و أخوال الأجداد، و يقوم مقامهم أولادهم‌

____________

(1) المقنع و الهداية، باب المواريث: 169.

17

فيترتبون على درجات:

الأُولى: أعمام الميت و عماته و أخواله و خالاته، و يقوم أولادهم مقامهم مع موتهم إلّا ما قام عليه الإجماع من تقديم ابن العم من الأبوين على العمّ من الأب فقط.

الثانية: عمومة أبويه و خئولتهما و أولادهم بعدهم.

الثالثة: عمومة أجداده و جداته و خئولتهما و أولادهم بعدهم.

الواحد من كل درجة و إن كان أُنثى يمنع من وراءه من الدرجات. كلّ ذلك يدلّ عليه الكتاب و السنّة أعني قوله تعالى: (وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ) و يكفيك ذلك في رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ابنك أولى بك من ابن ابنك، و ابن ابنك أولى بك من أخيك قال: و أخوك لأبيك و أُمك، أولى بك من أخيك لأبيك، و أخوك لأبيك، أولى بك من أخيك لأُمّكَ قال: و ابن أخيك لأبيك و أُمّك، أولى بك من ابن أخيك لأبيك قال: و ابن أخيك من أبيك، أولى بك من عمّك قال: و عمّك أخو أبيك من أبيه و أُمّه، أولى بك من عمّك أخي أبيك من أبيه قال: و عمك أخو أبيك من أبيه، أولى بك من عمّك أخي أبيك لأُمّه، قال: و ابن عمّك أخي أبيك من أبيه و أُمّه، أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأبيه، قال: و ابن عمّك أخي أبيك من أبيه، أولى بك من ابن عمّك أخي أبيك لأُمّه». (1)

و السند صحيح إلى هشام بن سالم و أمّا يزيد الكناسي الواقع في آخر السند، فهو لم يوثَّق و اختلف في ضبطه بين يزيد و بريد، غير أنّ شيخنا الشوشتري رجح‌

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب موجبات الإرث، الحديث 2.

و الرواية و إن جعل المتقرّب بالأب وحده أولى من المتقرب بالأُمّ وحدها من الإخوة و الأعمام و أولادهم، لكنّ المراد منه هنا هو زيادة الميراث و في غيرهم بمعنى الحجب كما سيوافيك.

18

كونه يزيد لكون كنيته أبو خالد و هي كنية غالب من سمي يزيداً.

فتلخّص أنّ للنسب طبقات ثلاث و لكل طبقة درجات:

1- الطبقة الأُولى: الأبوان و الأولاد مرتبة واحدة، و الأولاد ذوو درجات.

2- الطبقة الثانية: الجدّ و الجدّة و الإخوة و الأخوات و للكل مراتب، فللجد و الجدّة صعود، كالجد وجد الأب و جدّ جده، و للإخوة و الأخوات نزول مثل أولادهما و أولاد أولادهما.

3- الطبقة الثالثة: أعني طبقة العمومة و الخؤولة فلها درجات متصاعدة و درجات متنازلة، و المتصاعدة كعم الميت و عمّته، و خاله و خالته، ثمّ عمّ الأب و عمّته، و خاله و خالته، و مثله عمّ الأُمّ و عمّتها، و خالها و خالتها.

و لكلّ درجة مراتب متنازلة كأولاد عم الميت و عمّته، و خاله و خالته، و أولاد أولادهم، متنازلين كأولاد عمّ أب الميّت و عمّته، و خاله و خالته، و أولاد عمّ أُمّ الميّت و عمتها و خالها و خالتها و أولادهم متنازلين.

إنّ واحداً من كل درجة و لو كان أُنثى يمنع من وراءه من الدرجات و ليعلم أنّ المتقرب من الجانبين (الأب و الأُمّ) يمنع المتقرب بالأب عن الفرض و الرد معاً في الجملة، و أمّا المتقرب بالأُمّ فإنّما يمنعه من الردّ لا من الفرض.

و المتقرب من الجهتين لا يمنع المتقرب من جهة واحدة، نعم يرث من الجهتين كزوج هو ابن عم.

و أمّا الكلام في السبب: فهو ينحصر في الزوجية و الولاء و عرّف بالاتصال بهما، أو الاتصال بغير الولادة.

أمّا الأوّل: فيشترط فيها الدوام أو تأجيله مع اشتراط الإرث على القول بصحة الاشتراط فيه.

19

و أمّا الثاني: أعني الولاء (بالكسر) و هو أحد الأسباب الموجبة للارث فهو على ثلاثة أقسام، ولاء العتق، و ولاء ضمان الجريرة، و ولاء الإمامة. و زاد الشيخ الطوسي (1) ولاء من أسلم على يده كافر و ولاء مستحق الزكاة إذا اشتريت الرقبة منها و أُعتقت و سيوافيك ضعفه. أمّا ولاء العتق، فيشترط فيها أُمور ثلاثة:

1- أن لا يكون للمعتَق (بالفتح) قريب من النسب من الطبقات الثلاثة، و يدلّ عليه ما في الصحيح: أنّه قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الآية: (وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ) (2) و دفع الميراث إلى الخالة و لم يعط المولى. (3)

2- أن لا يتبرأ المعتِق عن جريرة المعتَق.

3- أن يعتقه تبرّعاً و إنعاماً عليه، فلو أعتقه في واجب الكفارة فلا.

و أمّا ولاء ضمان الجريرة و هي الجناية فهو من العقود المعتبرة التي يعتبر فيها الإيجاب و القبول و صورته أن يقول: عاقدتك على أن تنصرني و تدفع عني و تعقِل عنّي و ترثني و يقبل الآخر.

و أمّا ولاء الإمامة، فلا إشكال في أنّه مع عدم وجود الوارث، المال للإمام (عليه السلام) و أمّا في زمن غيبته فالمشهور أنه يصرف إلى الفقراء، هذا هو إجمال الكلام في موجبات الإرث و سيوافيك تفصيله مع الأدلّة و بيان محلّ الخلاف.

***

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 1، أبواب ميراث ولاء العتق، الحديث 3.

(2) الأحزاب/ 6.

(3) النهاية و نكتها: 1، كتاب الزكاة، ص 438 و المبسوط: 6، كتاب العتق، ص 70.

20

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

21

الكلام في موانع الارث

قد تعرفت على موجبات الإرث على وجه الإجمال بقي البحث عن موانع الإرث، فالمعروف أنّها ثلاثة:

1- الكفر.

2- القتل.

3- الرقّ.

الأوّل: الكفر:

و فيه مسائل:

المسألة الأُولى: الكفر بعامة أقسامه يمنع عن الارث:

فلا يرث الكافر، المسلم مطلقاً إجماعاً محققاً بين المسلمين كما سيوافيك النصّ بذلك عن الفقهاء. و قد تضافرت الروايات أيضاً و نأتي بها في المسألة التالية.

22

المسألة الثانية: المسلم يرث الكافر:

يرث المسلم الكافر أصلياً كان أم مرتداً إجماعاً محقّقاً منّا (1) مع تضافر الروايات عليه من أئمَّة أهل البيت. و أمّا الصحابة و التابعون و سائر الفقهاء، فقد اختلفت كلمتهم، فقد روى الشيخ في الخلاف: أنّه قد قال بمقالتنا علي (عليه السلام) و معاذ بن جبل، و معاوية بن أبي سفيان من الصحابة. و مسروق و سعيد و عبد اللّه بن معقل و محمد ابن الحنفية و محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) و إسحاق بن راهويه من التابعين.

و قال الشافعي: لا يرث المسلمُ الكافرَ، و حكوا ذلك عن علي (عليه السلام) و عمر، و عبد اللّه بن مسعود، و عبد اللّه بن عباس، و زيد بن ثابت و الفقهاء كلهم. (2)

و قال ابن قُدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم، و قال جمهور الصحابة و الفقهاء: لا يرث المسلم الكافر، يروى هذا عن أبي بكر و عمر و عثمان، و علي، و اسامة بن زيد، و جابر بن عبد اللّه. و به قال عمرو بن عثمان، و عروة، و الزهري، و عطاء، و طاووس، و الحسن، و عمر بن عبد العزيز، و عمرو بن دينار، و الثوري، و أبو حنيفة و أصحابه، و مالك، و الشافعي و عامة الفقهاء و عليه العمل.

و روي عن عمر و معاذ و معاوية، أنّهم وَرّثوا المسلمَ من الكافر و لم يُورِّثوا الكافر من المسلم، و حكي ذلك عن محمد بن الحنفية، و علي بن الحسين، و سعيد ابن المسيب، و مسروق، و عبد اللّه بن معقل، و الشعبي، و النخعي، و يحيى بن يعمر، و إسحاق و ليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لا يرث الكافر (3).

____________

(1) الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 16.

(2) الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 16.

(3) ابن قدامة: المغني: 6/ 340.

23

دليلنا: إطلاقات الكتاب و عموماته مثل قوله: (يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلٰادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) و قوله سبحانه: (وَ لَكُمْ نِصْفُ مٰا تَرَكَ أَزْوٰاجُكُمْ) و قوله تعالى: (لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ ...) فإنّها تعمّ ما إذا كان المورِّث كافراً و الوارث مسلماً و أمّا عكس المسألة فقد خرج بالدليل.

أضف إلى ذلك: ما تضافر من الروايات- عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الصريحة في التوريث:

منها: صحيحة أبي ولّاد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «المسلم يرث امرأته الذمية، و هي لا ترثه». (1)

منها: موثقة سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال: «نعم فأمّا المشرك فلا يرث المسلم». (2)

و قد علّل في بعض الروايات حكم التوريث بقولهم: «نحن نرثهم و لا يرثونا إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يزدنا بالإسلام إلّا عزّاً». (3) و في رواية أُخرى قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «نرثهم و لا يرثونا إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلّا شدة». (4)

و قد فهم معاذ بن جبل عن قول النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «الإسلام يزيد و لا ينقص»، حكم المسألة فورّث المسلمَ من أخيه اليهودي. (5)

نعم استدل المخالف بأُمور:

1- رواية أُسامة بن زيد عن النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) أنّه قال: «لا يرث الكافر المسلم، و لا المسلم الكافر». و قال ابن قُدامة: متفق عليه. (6)

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1 و 5، و لاحظ 6، 7، 8، 14، 17 و 19 من ذلك الباب.

(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1 و 5، و لاحظ 6، 7، 8، 14، 17 و 19 من ذلك الباب.

(3) لاحظ الروايات 6، 17 و 8 من ذلك الباب.

(4) لاحظ الروايات 6، 17 و 8 من ذلك الباب.

(5) لاحظ الروايات 6، 17 و 8 من ذلك الباب.

(6) المغني: 6/ 341.

24

يلاحظ عليه: أنّها رواية واحدة لا تقابل إطلاق الكتاب و عمومه، و قد قلنا في البحوث الأُصولية: أنّه لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد و أنّ موقِفَ الكتاب أرقى من أن يخصصَ بالظن و قد قال به أيضاً المحقق الحلّي في المعارج.

2- رُوِي عن عمر أنّه قال: لا نرث أهل الملل و لا يرثوننا (1) لكنّه خبر موقوف لم يسنده إلى النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) فهو كسائر موقوفات الصحابة ليس حجة، كما حققناه في «أُصول الحديث و أحكامه».

3- ما رواه الفريقان عن النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) أنّه قال: «لا يتوارث أهل ملتين». لكنّه غير دالّ، إذ الحديث بصدد نفي التوارث، لا الإرث من جانب واحد، أي وراثة الكافر عن المسلم فقط لا العكس و قد تضافرت الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) على هذا التفسير: روى عبد الرحمن بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم و لا يرثونا، إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يزدنا بالإسلام إلّا عزّاً». (2)

و في صحيحة جميل و هشام، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «فيما روى الناس عن النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) أنّه قال: «لا يتوارث أهل ملتين»- قال:- نرثهم و لا يرثونا إنّ الإسلام لم يزده في حقّه إلّا شدّة». (3)

و روى أبو العباس، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا يتوارث أهل ملتين يرث هذا هذا، و يرث هذا هذا، إلّا أنّ المسلم يرث الكافر و الكافر لا يرث المسلم» (4) إلى غير ذلك من الروايات المفسّرة للنبوي و الرادة على فتوى الفقهاء المشهور في عصرهم (عليهم السلام).

____________

(1) المغني: 6/ 341.

(2) الوسائل: 17 الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 6، 14، 15.

(3) الوسائل: 17 الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 6، 14، 15.

(4) الوسائل: 17 الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 6، 14، 15.

25

نعم، هناك روايات متعارضة، لا بدّ من علاجها:

1- رواية الصدوق، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل النصراني تكون عنده المرأة النصرانية فتسلم أو يسلم ثمّ يموت أحدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث». (1)

2- رواية سُدير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته: يتوارثان أهل ملتين؟ قال: «لا». (2)

3- رواية جميل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الزوج المسلم و اليهودية، و النصرانية؟ قال: «لا يتوارثان». (3)

4- رواية عبد الملك بن عمير القبطي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال للنصراني الذي أسلمت زوجته: «بضعها في يدك و لا ميراث بينكما». (4)

إنّ الصالح للاستدلال دلالة هو الأُولى و الرابعة، و إلّا فمدلول الثانية و الثالثة، هو ما ذكرناه فيما روي عن النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) من أنّه «لا يتوارث أهل ملتين»، فهما ينفيان التوارث، لا الإرث.

و أمّا الأُولى فمرسلة، و الرابعة ضعيفة جداً مع أنّ مفاد هاتين الروايتين كمفاد النبوي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) من أنّه لا يتوارث أهل ملتين، و لو سلمنا أنّهما صالحتان للاحتجاج لكنّهما موافقتان للعامة و مخالفتان لإطلاق الكتاب خرج عنه ارث الكافر المسلم، و مخالفتان للسنة فانّ الإسلام يزيد و لا ينقص، و يعلو و لا يعلى عليه، و مخالفتان للمتفق عليه عندنا خصوصاً أنّ ما يدلّ على الوراثة أكثر عدداً و مقترن بالدليل، و الاحتجاج، بخلاف المخالف. هذا كلّه حول المسألتين.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 12، 20، 21 و 22.

(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 12، 20، 21 و 22.

(3) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 12، 20، 21 و 22.

(4) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 12، 20، 21 و 22.

26

المسألة الثالثة: في حجب المسلم الكافر:

المسلم يحجب الوارث الكافر، فلو مات كافر و له ورثة كفّار و وارث مسلم غير الإمام، يرثه المسلم دون الكافر، قال العلّامة: و لو خلّف الكافر ورثةً كفّاراً وَرثوه، و إن كان معهم مسلم كان الميراث كلّه له سواء قرب أو بعد حتّى أنّ مولى النعمة بل ضامن الجريرة المسلم يمنع الولَد الكافر من ميراثه من أبيه الكافر.

و قد ادّعى العلّامة عليه الإجماع في التحرير، و الشهيد في المسالك، و الأردبيلي في المجمع و غيرهم، و توقف الشهيد الثاني في الحكم لضعف الرواية في المقام و تبعه صاحب الكفاية لكنّه قال بانجبار ضعفها بعمل المشهور كما في مفتاح الكرامة. (1)

و أمّا رأي غيرنا في المسألة فيعرف ممّا ذكرنا في المسألة السابقة، فقد قالوا بحرمان المسلم من الارث إذا كان المورِّث كافراً، فكيف يكون حاجباً عن ارث الكافر. و محل الكلام في الحجب: إذا كان المورّث غير مسلم و إلّا فالكافر محروم من الارث سواء كان في طبقته وارث مسلم أم لا.

دليل القول بالحجب:

استدل على القول بالحجب بروايات:

1- حسنة الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المسلم يحجب الكافر و يرثه و الكافر لا يحجب المسلم و لا يرثه». (2)

و دلالة الرواية واضحة و السند نقيّ غير أنّ الحسن بن صالح لم يرد فيه توثيق‌

____________

(1) السيد جواد العاملي: مفتاح الكرامة: 8/ 19- 20.

(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 2.

27

لا في رجال النجاشي و لا في فهرست الشيخ، قال الثاني: له أصل رويناه بالاسناد عن ابن محبوب و إليه تنسب الفرقة الصالحيّة. و قال في التهذيب: هو زيدي بتريّ متروك العمل بما يختص بروايته (1) و لأجل ذلك توقف الشهيد الثاني و قال: إثبات الحكم برواية الحسن غير حسن. نعم رواية الحسن بن محبوب عنه، يجعله من الممدوحين و لكنّها بوحدتها لا تصلح لاثبات الحكم المخالف لإطلاق الكتاب.

2- رواية عبد الملك بن أعين و مالك بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن نصرانيّ مات و له ابن أخ مسلم و ابن أُخت مسلم و له أولاد و زوجة نصارى؟ فقال: «أرى أن يُعطى ابنَ أخيه المسلم ثلثي ما تركه، و يعطى ابن اخته المسلم ثلث ما ترك إن لم يكن له ولد صغار، فإن كان له ولد صغار فإنّ على الوارثين أن ينفقا على الصغار مما ورثا عن أبيهم حتى يُدركوا» قيل له: كيف ينفقان على الصغار؟ فقال: «يُخْرج وارثُ الثلثين ثلثي النفقة، و يخرج وارث الثلث ثلث النفقة فإذا أدركوا قطعوا النفقة عنهم». الحديث. (2)

و دلالة الرواية واضحة و للبحث عن سندها و ما اشتمل عليه من حكم شاذ عن القواعد مجال آخر و سيوافيك عند البحث فيمن أسلم قبل القسمة أو بعدها.

3- رواية الميثمي، عن أخيه، أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن ابن رباط رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو أنّ رجلًا ذمياً أسلم و أبوه حيّ و لأبيه ولد غيره ثمّ مات الأب ورثه المسلم جميع ماله و لم يرثه ولده و لا امرأته مع المسلم شيئاً». (3)

هذه الروايات الثلاث لو تمّ اسنادها لا غبار على دلالتها. و ربما يستدل‌

____________

(1) التهذيب: 1، باب المياه و أحكامها، الحديث 1282.

(2) الوسائل: 17، الباب 2، من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.

(3) المصدر نفسه: الباب 5 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.

28

بروايات قاصرة الدلالة:

1- ما تقدم مستفيضاً في المسألة الثانية من أنّ المسلم يرث الكافر و هو لا يرثه و إنّا نرثهم و لا يرثوننا. و قد جاء في بعضها: «إنّ اللّه عزّ و جلّ، لم يزدنا بالإسلام إلّا عزّاً فنحن نرثهم و هم لا يرثونا». (1) و في بعضها الآخر: «نرثهم و لا يرثونا إنّ الإسلام لم يزده في ميراثه إلّا شدّة». (2)

يلاحظ عليه: بعدم الدلالة فإنّها بصدد بيان ميراث المسلم عن الكافر لا حجبه ميراث الكافر.

2- ما ورد من الروايات في الإسلام قبل القسمة و بعده، و إنّ الكافر إذا أسلم قبل القسمة شارك إن كان مساوياً و اختصّ به إن كان أولى، و إن أسلم بعد القسمة لم يرث، و فيه روايات خمس:

منها: صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أسلم على ميراث قبل أن يُقَسَّم فله ميراثه، و إن أسلم و قد قُسِّم فلا ميراث له». (3)

و محل الاحتجاج هو قوله: «و إن أسلم بعد القسمة ...» احتجّ به صاحب الجواهر قائلًا بأنّها تعم الارث من المسلم و الكافر مع المسلم و بدونه، خرج الأخير بالإجماع فيبقى غيره. (4)

يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من روايات الباب، ورودها فيما إذا كان المورِّث مسلماً و لأجله فرّق بين كون الإسلام قبل القسمة أو بعدها، لا ما إذا كان المورّث كافراً.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 4 و 17.

(2) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 4 و 17.

(3) المصدر نفسه: الباب 3، من أبواب موانع الإرث، الحديث 2، و لاحظ أحاديث الباب.

(4) الجواهر 39/ 16.

29

ما يدلّ على عدم الحجب:

هذا و أنّ في المقام روايات ربما توهم الخلاف و عدم الحجب و إليك البيان:

1- صحيحة ابن أبي نجران عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في يهودي أو نصراني يموت و له أولاد مسلمون و أولاد غير مسلمين، فقال: «هم على مواريثهم». (1)

ظاهر الرواية أنّهم جميعاً يشتركون في الميراث و لما كان ظاهره ينافي ما عليه الأصحاب صار الشيخ الطوسي إلى تأويله و نقله صاحب الوسائل في ذيل الحديث بقوله: معنى قوله (عليه السلام) «هم على مواريثهم» أي على ما يستحقّونه من ميراثهم، و قد بيّنا أنّ المسلمين إذا اجتمعوا مع الكفّار كان الميراث للمسلمين دونهم قال: و لو حملنا الخبر على ظاهره لكان محمولًا على ضرب من التقية.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف ظاهرها، و يتوقف على كون السائل واقفاً على الحكم المسلم بين الأصحاب و أبعد منه حمله على التقية، لما عرفت أنّ القول المعروف بينهم هو حرمان المسلم عن الارث إذا كان المورث كافراً لا اشتراكه مع الآخرين.

و قال الحرّ العاملي: و يحتمل أن يكون الواو في قوله: و أولاد غير مسلمين بمعنى أو، يعني أنّ الكافر يرثه أولاده، مسلمين كانوا، أو كفّاراً لما مرّ، لا في صورة كون بعضهم مسلمين و بعضهم كفّاراً. (2) و هو كما ترى.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2 و ابن أبي نجران هو عبد الرحمن بن عمرو بن مسلم التميمي الذي وصفه النجاشي بقوله: ثقة ثقة.

(2) المصدر نفسه.

30

2- صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في يهودي أو نصراني يموت و له أولاد غير مسلمين؟ فقال: «هم على مواريثهم». (1)

فلو كان مفاد الرواية أنّ له أولاداً كفّاراً و أولاداً غير مسلمين، كان شاهداً لعدم الحجب، و لو كان مفادها انحصار أولاده في غير المسلمين، فلا يصلح للاستدلال لعدم الوارث المسلم، حتى يحجب الكافر.

فانحصر المخالف برواية ابن أبي نجران، فلو دار الأمر بين الصنفين فالترجيح مع الأوّل للصراحة فيه و الكثرة، بخلاف الثاني لانحصاره في واحد، مع عدم الصراحة الحاسمة.

غير أنّ الذي يصدّ الإنسان عن الافتاء بالحجب، هو عموم الكتاب و إطلاقه الحاكمان على التشريك في الارث، خرج منه ما إذا كان المورث مسلماً و بقي ما كان كافراً تحت الإطلاقات، فهل يمكن تخصيص عمومه و تقييد إطلاقه بما مرّ من الروايات الثلاثة منضمة إلى الشهرة الفتوائية إلى عصر الشهيد الثاني (909- 966) أو لا؟ فالظاهر هو الأوّل خصوصاً بعد ما علمنا مذاق الشارع في حقّ الكافر، و حرمانه في بعض الصور.

فعلى القول بالحجب فهل الوارث المسلم يحجب جميع الطبقات و إن كان متأخّراً في الدرجة، فالأخ المسلم يحجب الولد الكافر، و العم المسلم يحجب الولد و الأخ الكافرين حتّى أنّ ضامن الجريرة المسلم، يحجب سائر الطبقات، أولا؟ الظاهر هو الأوّل، لما عرفت في رواية ابني أعين من أنّ ابن الأخ و الأُخت المسلمين يحجبان الولد الكافر، و هو مقتضى إطلاق رواية الحسن بن صالح. نعم مورد رواية الميثمي هو حجب من في طبقته، و ليس له إطلاق بالنسبة إلى غيرهم.

***

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، و في السند يعقوب بن يزيد.

31

بقي هنا فروع:

1- على القول بالحجب: فلا يحجب الإمام، الوارثَ الكافر، لما سيوافيك و إلّا يلزم حرمان الكافر من الإرث مطلقاً لوجود الإمام في جميع الأعصار.

2- لو لم يكن للميّت الكافر إلّا وارث كافر: يرثه إجمالًا بلا كلام، لإطلاقات الكتاب و عموماته و سيوافيك تفصيله.

3- حكم المورّث المرتد: اتفقت كلمة الأصحاب على أنّ المرتد مطلقاً أو خصوص الفطري بحكم المسلم، فلا يرثه الكافر، لتحرّمه بالإسلام.

قال العلّامة في القواعد: و لو كان الميّت مرتداً، فإن كان له وارث مسلم ورثه، و إلّا كان ميراثه للإمام. و لا شي‌ء لأولاده الكفّار سواء كانت ردّته عن فطرة أو عن غيرها. و لا تجد من الأصحاب مخالفاً فكل من تعرّض للمسألة حكم بعدم إرث الكافر من المرتد، إلّا أنّ جماعة منهم لم يتعرّضوا لها، مثل مؤلّفي النكت و اللمعة و الروضة و الإيضاح و كنز الفرائد. و لعلّ ذلك لوضوحه. (1)

و أمّا المرتد الفطري فربما عرف: إذا كان أحد أبويه مسلماً وقت انعقاد نطفته و إن صار أحد الأبوين بعد ذلك كافراً.

و ربما يقال: إنّ مرادهم من بقي على الإسلام من حين العلوق إلى بلوغ الإسلام، و تحقيق الكلام في حدّه موكول إلى محله. هذا كلّه في الفطري.

و على ضوء ما ذكره فالمرتد الفطري بمنزلة المسلم، لا يرثه الكافر أصلًا و لو لم يكن له وارث في جميع الطبقات، يرثه الإمام.

____________

(1) السيد جواد العاملي: مفتاح الكرامة: 8/ 23.

32

و أمّا الملّي، فأكثر الأصحاب يتعاملون معه معاملة المسلم، فيرثه المسلم دون الكافر مطلقاً و لو لم يكن له وارث مسلم حتى مثل ضامن الجريرة يرثه الإمام و يكون من بيت المال.

غير أنّ الصدوق في المقنع، و الشيخ في التهذيب و الاستبصار قال بخلاف ذلك، ففي المقنع: و النصراني إذا أسلم، ثمّ رجع إلى النصرانية ثمّ مات فميراثه لولده النصراني، و إذا تنصّر مسلم ثمّ مات فميراثه لولده المسلمين. (1)

و لا بدّ من تقييد كلامه في المرتد الملّي بعدم وجود وارث مسلم و إلّا فهو يحجب الكافر: و لأجل ذلك قال الشيخ في التهذيب- بعد نقل مرسلة «إبراهيم بن عبد الحميد»: الوجه في هذا الخبر أنّ ميراث النصراني إنّما يكون لولدهِ النصارى إذا لم يكن له ولد مسلمون، و ميراث المسلم يكون لولده المسلمين إذا كانوا حاصلين (2) و لكنّه (قدّس سرّه) ذهب في النهاية و المبسوط ما ذهب إليه المشهور و قال في الأوّل: و من كان كافراً فأسلم ثمّ ارتد- إلى أن قال:- فإن مات على كفره و له أولاد كفّار و لم يخلف وارثاً مسلماً كان ميراثه لبيت المال، و قد روى أنّه يكون ميراثه لورثته الكفّار و ذلك محمول على ضرب من التقية لأنّها مذهب العامّة (3).

و قال في الثاني: المرتد إذا ارتد و قتل أو مات فماله لمن تقرّب إليه من المسلمين كان قريباً أو بعيداً، فإن لم يكن له أحد من المسلمين كان للإمام و لا يرثه كافر على حال. (4)

هذا ما لدى الشيعة في كلا المقامين و أمّا سائر المذاهب فإليك آراءهم الأربعة:

____________

(1) الصدوق: المقنع: 179.

(2) الطوسي: التهذيب: 9/ 372، الحديث 1328.

(3) الطوسي: النهاية: 666.

(4) الطوسي: المبسوط: 4، كتاب الفرائض و المواريث، ص 112.

33

1- يكون فيئاً في بيت مال المسلمين، و هو قول ابن عباس و ربيعة و مالك و ابن أبي ليلى و الشافعي و أبي ثور و ابن المنذر.

2- يكون لورثته من المسلمين، و روي ذلك عن أبي بكر، و علي و ابن مسعود، و به قال ابن المسيب و جابر بن زيد، و الحسن و عمر بن عبد العزيز و عطاء و الشعبي و الحكم، و الأوزاعي و الثوري و ابن شبرمة و أهل العراق و إسحاق. و «عليه فقهاء الإمامية».

3- و يحكى عن الثوري و أبو حنيفة و اللؤلؤي و إسحاق: أنّ ما اكتسبه في ردّته يكون فيئاً فيكون قولًا بالتفصيل بين تلاد ماله فيكون ميراثاً، و طارفه فيكون فيئاً.

4- و روي عن أحمد: أنّ ماله لأهل دينه الذي اختاره إن كان منه من يرثه و إلّا فهو في‌ء و به قال داود، و روى عن علقمة و سعيد بن أبي عروة لأنّه كافر فورثه أهل دينه كالحربي و سائر الكفّار. و المشهور عندهم هو القول الأوّل (1) و لا يخفى أنّ تطبيق هذه الآراء على القواعد مشكل.

أمّا الأوّل فلم يدل عليه دليل و قياسه بمال الذمي الذي لم يخلف وارثاً، قياس مع الفارق لأنّ المفروض وجود الوارث.

و القول الثاني هو الموافق للأُصول، و لا ينافيه قوله (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «لا يرث المسلم الكافر» لأنّ المتبادر منه- على فرض صدوره- هو الكافر الأصلي، لا المرتد المتمسّك بالإسلام فإلحاقه بالمسلم، أولى من إلحاقه بالكافر، و لأجل ذلك لا يسترقّ و لا يجوز له نكاح الكافر.

و التفريق بين تلاد المال و طارفه مبني على أنّ المرتد لا يملك بعد الارتداد، و أسوأ من ذلك، ما عزي إلى أحمد من إلحاقه بأهل دينه لو كان وارث من أهله و إلّا‌

____________

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 346.

34

فهو في‌ء.

دليلنا في كلتا المسألتين الاتفاق الكاشف عن وجود النص و قد عرفت نصّ النهاية فإنّ متنه مستخرج من الفقه المنصوص بإلغاء الاسناد مع ملاحظة أنّ الإسلام يتعامل مع المرتدّ معاملة المسلم في غير واحد من مسائله.

و ربما يؤيّد حرمان الكافر عن إرث المرتدّ أُمور:

1- مرسلة أبان بن عثمان عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل يموت مرتداً عن الإسلام و له أولاد؟ فقال: «ماله لِولده المسلمين». (1)

يلاحظ عليه: أنّها تدلّ على حصر الوارث بالمسلم، سواء أ كان منفرداً أم مجتمعاً مع الكافر، و أمّا أنّه لا يرثه الكافر عند عدم الوارث المسلم، فلا يدلّ عليه.

2- حسنة الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المسلم يحجب الكافر و يرثه» (2) و المرتد أحد أقسام الكافر، فيشمله قوله «و يرثه» و لو قيل: إنّ الكافر منصرف إلى الأصلي فلا يضر بالمقال، لأنّه إذا ورث الكافر الأصلي فيرث المرتد بوجه أولى فثبت أنّ الوارث المسلم يحجب الكافر سواء كان المورِّث كافراً أصلياً أو مرتداً.

نعم هنا لا يثبت تمام المدعى، لانصراف المسلم إلى الرعية لا الإمام و إن كان من أعالي أفراده و مصاديقه، فيدل على الحجب في جميع الطبقات إذا كان بين الورّاث مسلم، و أمّا إذا لم يكن وارث مسلم و كان الوارث منحصراً بالكافر، فلا تدلّ على حرمان الكافر و انتقال المال إلى الإمام. و الحاصل أنّه لا يستفاد من الروايتين تنزيل المرتد منزلة المسلم.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 6.

(2) المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2.

35

3- الاستصحاب التعليقي: إنّ الكافر كان محروماً من الإرث قبل ارتداد المورث، و الأصل بقاؤه بعد الارتداد و الممات، و هو مبني على حجّية الاستصحاب في الأحكام الشرعية الكلية خصوصاً القسم التعليقي منه.

أدلة المخالف في المرتد الملّي:

قد عرفت أنّ الحكم في المرتد الفطري مورد اتّفاق. إنّما الكلام في الملّي. فقد قيل بأنّه يرثه ولده الكافر و استدل عليه بأُمور:

1- رواية إبراهيم بن عبد الحميد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): نصراني أسلم ثمّ رجع إلى النصرانية ثمّ مات؟ قال: «ميراثه لولده النصارى»، و مسلم تنصَّر ثمّ مات؟ قال: «ميراثه لولده المسلمين» (1) فالحديث يتعامل مع المرتدّ الفطريّ معاملة المسلم، دون المرتد الملّي.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الحديث اختصاص ما تركه لولده النصارى مطلقاً و إن كان معه أولاد مسلمون و هو على خلاف الإجماع. و لما عمل به الشيخ في التهذيب حمله على ما إذا لم يكن معه أولاد مسلمون و إلّا فالتركة لهم ... و لعلّه حمله على ذلك بقرينة ما مرّ من حجب المسلم، الكافر فلا يكون الحمل تبرّعياً.

و حمله في النهاية على التقية، و هو فرع كون القول به مشهوراً عندهم، و قد عرفت أنّ المشهور عندهم إمّا كونه فيئاً، أو كونه لأولادهم المسلمين.

2- صحيحة أبي ولّاد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل ارتدّ عن الإسلام لمن يكون ميراثه؟ فقال: «يقسّم ميراثه على ورثته على كتاب اللّه». (2)

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1. رواه الشيخ عن كتاب ابن أبي عمير و سنده إليه ضعيف و إلّا فإبراهيم بن عبد الحميد ثقة. و الحديث 3.

(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1. رواه الشيخ عن كتاب ابن أبي عمير و سنده إليه ضعيف و إلّا فإبراهيم بن عبد الحميد ثقة. و الحديث 3.

36

وجه الاستدلال هو إطلاق الجواب الشامل لما إذا كان أولاده مختلفين في الكفر و الإسلام.

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر، كونه مرتداً فطرياً و الغالب في مورده كون أولاده مسلمين.

و يمكن الجواب عنه بوجه آخر، و هو أنّ الرواية ناظرة إلى ردّ قول العامّة بأنّه في‌ء أو لبيت مال المسلمين من دون أن يكون له إطلاق شامل لما إذا كان للمرتد أولاد مختلفين من حيث الكفر و الإيمان.

3- عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتد؟ فقال: «من رغب عن الإسلام و كفر بما أنزل اللّه على محمّد (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) بعد إسلامه، فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت امرأته منه فليقسّم ما ترك على ولده». (1)

يلاحظ عليه: أنّ الغالب في المرتدّ الفطري كون أهل البيت و العشيرة مسلمين، فتحمل على كون الورثة مسلمة.

4- ما رواه في قرب الاسناد عن علي (عليه السلام) قال: «ميراث المرتد لولده» و يظهر (2) حالها ممّا ذكرناه في السابقتين من انصرافهما إلى المرتد الفطري و الغالب فيه كون الورثة مسلمين، فلم يبق ما يدلّ على هذا القول إلّا رواية إبراهيم. و هي و إن كانت موافقة للكتاب، لكن الشهرة الفتوائية على القول الأوّل، و كفى بها مخصّصة لعمومه و مقيّدة لإطلاقه. و قد عرفت أنّ الإسلام يتعامل مع المرتد، معاملة المسلم.

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5 و 7.

(2) الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5 و 7.

37

لو أسلم الكافر قبل القسمة أو بعدها:

قد عرفت أنّ الكافر لا يرث المسلمَ و لا الكافرَ إذا كان بين الورثة مسلم و إن كان في طبقة متأخّرة غير الإمام، لكن هذا فيما إذا بقي الوارث على كفره، و أمّا لو أسلم فالمشهور عند الإمامية أنّه إن أسلم بعد القسمة فلا شي‌ء له، و إن أسلم قبل القسمة شارك أهل الميراث في ميراثهم و انفرد به إن كان أولى، نصّاً و فتوى.

قال الشيخ في الخلاف: إذا أسلم الكافر قبل قسمة الميراث شارك أهلَ الميراث في ميراثهم، و إن كان بعد قسمته لم يكن له شي‌ء. و به قال عمر و عثمان و الحسن، و قتادة و جابر بن زيد، و عكرمة و أحمد و إسحاق.

و قالوا: كان علي- عليه الصلاة و السلام- لا يُورِّث مَنْ أسْلَم على ميراث، و به قال ابن المسيب و عطاء و طاووس و أهل العراق و مالك و الشافعي. (1)

و قال ابن قدامة: روي نحو هذا عن عمر، و عثمان و الحسن بن علي و ابن مسعود، و به قال جابر بن زيد، و الحسن و مكحول، و قتادة و حميد و أياس بن معاوية و إسحاق، فعلى هذا إن أسلم قبل قسم (2) بعض المال ورث ممّا بقي.

و نقل أبو طالب فيمن أسلَم بعد الموت لا يرث، قد وجبت المواريث لأهلها و هذا هو المشهور عن علي- رضي اللّه عنه- و به قال سعيد بن المسيب، و عطاء و طاووس، و الزهري و سليمان بن يسار و النخعي و الحكم و أبو الزناد، و أبو حنيفة و مالك و الشافعي و عامة الفقهاء، لقول النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «لا يرث الكافر المسلم»، و لأنّ الملك قد انتقل بالموت إلى المسلمين، فلم يشاركهم من أسلم كما لو اقتسموا. و لأنّ المانع من الإرث متحقّق حال وجود الموت فلم يرث، كما لو كان رقيقاً‌

____________

(1) الطوسي: الخلاف: 2 كتاب الفرائض، المسألة 18.

(2) كذا في المطبوع و الأولى «تقسيم».

38

فاعتق، أو كما لو بقي على كفره (1).

إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أنّه يبدو أنّ الأصحاب اتفقوا على أُمور:

1- التفريق بين إسلام الوارث قبل القسمة أو بعدها.

2- إذا كان الإسلام قبلها يشارك الباقين إن كان مساوياً و ينفرد به إن كان أولى بالميراث.

3- إنّ اتحاد الوارث بمنزلة القسمة، فإذا أسلم و كان الوارث واحداً، فلا نصيب له.

4- إلّا إذا كان الوارث الواحد إماماً أو أحد الزوجين.

فنقول: أمّا الأوّل أي التفريق بين كون إسلام الوارث قبل القسمة أو بعدها فقد تضافرت عليه الروايات.

ففي صحيحة عبد اللّه بن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه و إن أسلم و قد قسّم فلا ميراث له». (2)

و في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسلم على الميراث، قال: «إن كان قسم فلا حقّ له، و إن كان لم يقسّم فله الميراث». (3)

و أمّا الثاني أي الاشتراك في التساوي و الاختصاص عند الأولويّة: فإنّ لسان الروايات الواردة في المقام على قسمين:

قسم يفيد الاشتراك حيث قال: «فله ميراثه» (4) و كأنّه ورد فيما إذا كان من‌

____________

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 344.

(2) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2 و 4 و في سند الحديث الثاني أبان بن عثمان قال الكشي في حقّه: و كان يسكن الكوفة و كان من الناووسية و احتمل المحقّقون أنّ الناووسية بدل «القادسية» و على كلّ حال فهو من أصحاب الإجماع و الصدوق نقل الحديث عن كتاب ابن أبي عمير و سنده إليه صحيح. و لاحظ الحديث الأوّل و الثالث من ذلك الباب.

(3) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2 و 4 و في سند الحديث الثاني أبان بن عثمان قال الكشي في حقّه: و كان يسكن الكوفة و كان من الناووسية و احتمل المحقّقون أنّ الناووسية بدل «القادسية» و على كلّ حال فهو من أصحاب الإجماع و الصدوق نقل الحديث عن كتاب ابن أبي عمير و سنده إليه صحيح. و لاحظ الحديث الأوّل و الثالث من ذلك الباب.

(4) المصدر نفسه: الحديث 2 من الباب 3 من أبواب موانع الإرث.

39

أسلم في طبقة الوارث حين الموت.

و قسم يفيد الانحصار كما في أكثر روايات الباب حيث قال: «فهو له» كما في موردين (1) أو «فلها الميراث» (2) أو «فله الميراث». (3)

و يمكن الاستدلال بوجه آخر، و هو أنّ الشارع نزّل «من أسلم قبل القسمة» منزلة «من كان مسلماً قبل الموت» فيترتّب على الأوّل حكم الثاني من الاشتراك تارة، و الانفراد أُخرى.

و أمّا الثالث أي إنّ اتّحاد الوارث بمنزلة القسمة و أنّه لو أسلم و الحال هذه لا يكون له نصيب: فالدليل عليه هو أنّ الأصل فيمن أسلم بعد الموت، عدم الإرث خرج عنه من أسلم قبل القسمة و هو غير صادق مع الوحدة و لم ينقل الخلاف إلّا عن ابن الجنيد فورث من أسلم ما دامت التركة باقية.

قال العلّامة في المختلف: المشهور أنّ الوارث المسلم إذا كان واحداً فأسلم نظيره لم يشارك الكافر إذا أسلم، و لم يفصّل علماؤنا بين كون التركة باقية أو تالفة، بل أطلقوا القول في ذلك. و قال ابن الجنيد: إن كان الوارث واحداً فأسلم نظيره أو الذي يحجبه عن الميراث و كانت التركة باقية في يد الوارث الأوّل شاركه إن كان نظيره، أو جازه دونه إن كان حاجباً. (4)

نعم يظهر من الشيخ الحرّ العاملي عدم الفرق بين اتّحاد الوارث و تعدّده‌

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3 و 5، و البقباق هو الفضل بن عبد الملك، و توصيفه بالموثقة لوقوع الحسن بن محمّد بن سماعة في سنده و الميثمي في السند هو أحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم، و يعبّر عن أحمد بالميثمي نسبة إلى جدّه.

(2) لاحظ الحديث 3 من الباب.

(3) لاحظ ذيل الحديث 4 من الباب.

(4) العلّامة: المختلف، كتاب الفرائض: 199.

40

و قال: «و إلحاق اتّحاد الوارث بصورة عدم القسمة قريب جدّاً و ذلك بوجهين:

1- وجود النص الخاص بالإمام و هو من أفراد المسألة و هم يكتفون بمثله غالباً.

2- و لصدق عدم القسمة قطعاً بطريق الحقيقة لا المجاز و هو مناط الحكم الشرعي بالنص المتواتر، و عدم صدق تحقّق القسمة حقيقة و لا مجازاً». (1)

يلاحظ عليه: بأنّ إلغاء الخصوصية بين الإمام و غيره فرع عدم وجود خصوصية في الإمام غير موجودة في غيره، و هي أنّ الإمام ليس وارثاً لا حقيقة و لا مجازاً، بل له ميراث من لا وارث له. و هو شأن كل مال ليس له مالك شخصي.

و أمّا ما ذكره أخيراً فهو غريب، لأنّ بين القسمة و اللاقسمة تقابل العدم و الملكة كالعمى و البصر و لا يصدقان إثباتاً و لا نفياً إلّا إذا كان المحل قابلًا لها. و هو مع اتحاد الوارث غير قابل للانقسام فلا يصدق القسمة و لا اللاقسمة.

و أمّا الرابع أي استثناء موردين من الضابطة، فهما:

الاستثناء الأوّل: إذا كان الوارث الواحد إماماً:

إذا أسلم الوارث و لم يكن للميت وارث سوى الإمام، فهو أولى بالميراث من الإمام و هو خيرة المحقق في الشرائع و الشهيد الثاني في المسالك.

و هناك قولان آخران:

1- لا يرث من أسلم بعد الموت، لأنّ الإمام كالوارث الواحد و هو بمنزلة القسمة، و هو للشيخ في النهاية و ابن ادريس و غيرهما.

2- إن أسلم قبل النقل إلى بيت المال فهو أولى و إلّا فللإمام، و هو خيرة المبسوط و الإرشاد و الوسيلة و غيرها، و يظهر من العلّامة التوقف في القواعد. (2)

____________

(1) الوسائل: 17، تعليقة الحرّ على الرواية الأُولى من روايات الباب الثالث من أبواب موانع الإرث.

(2) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/ 28- 29 و الجواهر: 39/ 20- 21.

41

استدل للقول الأوّل بصحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مسلم مات و له أُمّ نصرانيّة و له زوجة و ولد مسلمون؟ فقال: «إن أسلمت أُمّه قبل أن يقسم ميراثه أُعطيت السدس». قلت: فإن لم يكن له امرأة و لا ولد و لا وارث له سهم في الكتاب مسلمين و له قرابة نصارى ممّن له سهم في الكتاب لو كانوا مسلمين لمن يكون ميراثه؟ قال: «إن أسلمت أُمّه فإنّ ميراثه لها، و إن لم تسلم أُمّه و أسلم بعض قرابته ممّن له سهم في الكتاب فانّ ميراثه له، فإن لم يسلم أحد من قرابته فانّ ميراثه للإمام». (1)

و صحيحة أبي ولّاد الحناط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل مسلم قتل رجلًا مسلماً، فلم يكن للمقتول أولياء من المسلمين إلّا أولياء من أهل الذمة من قرابته؟ فقال: «على الإمام أن يعرض على قرابته من أهل بيته الإسلام، فمن أسلم منهم فهو وليّه، يُدفع القاتل إليه، فإن شاء قتل و إن شاء عفا و إن شاء أخذ الدية، فإن لم يسلم أحد كان الإمام وليّ أمره، فإن شاء قتل، و إن شاء أخذ الدية فجعلها في بيت مال المسلمين». (2)

و لعلّ الفرق بين الإمام و سائر الورثة، هو أنّ الإمام ليس وارثاً حقيقة و لا كالوارث الحقيقي، بل له ميراث من لا وارث له، فيصرفه في مصالح المسلمين. بخلاف غيره فانّهم ورّاث حقيقة كما مرّ.

و ربما يُعْترض بأنّه إذا كان إسلام أحد الأقرباء مانعاً عن تملّك الإمام يلزم عليه أن يحبس المال و لا يتصرف فيه الإمام إلى أن ينقرض جميع الورثة و لا يبقى وارث أصلًا و هو كما ترى.

و إن كان العرض شرطاً فمع أنّه لم يقل به أحد، قد يتعذّر لغيبة أو جنون أو‌

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.

(2) المصدر نفسه: 19، الباب 60 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 1، و أبو ولّاد الحناط هو حفص بن سالم وثّقه النجاشي و الشيخ.

42

صغر كما إذا كان الميت مرتدّاً. (1)

يلاحظ عليه: أنّ التكاليف المحوّلة إلى الحاكم مثل حبس المديون، و حدّ الزاني، و قطع يد السارق، و إن كانت لا تشترط فيها، الفورية العقلية أو العرفية و لكن لا يجوز فيها التساهل و التسامح على وجه ينتزع منه تعطيل الأحكام و الحقوق، و على هذا فلو أسلم أحد من الورثة في هذه الفترة، يختص بالتركة، و بما أنّ تحديد تلك الفترة أمر مشكل كفى في حرمانه، حكم الحاكم بضبطها لبيت المال، أو تصرّفه فيها بنفسه أو وكيله و إن لم ينقل، و عندئذ لا ينفع إسلام من أسلم من الورثة.

و بذلك ظهر ضعف القول الثالث من اشتراط النقل اللّهمّ إلّا أن يكون النقل كناية عن التصرف.

و أمّا القول الثاني من تنزيل الإمام منزلة الوارث الواحد، فقد ظهر ضعفه، و أنّه ليس وارثاً حقيقةً و لا مجازاً، بل له ميراث من لا وارث له، و ذلك لأنّه المسئول عن كلّ حادثة لم يُعَيَّن عليها في الشرع مسئول، و هو بما أنّه قائد الأُمّة و المسئول عنها، يعالج تلك المشاكل حسب ما يراه مصلحة. كما هو الحال في سائر الأموال من الأخماس و الزكوات و الأنفال، و المجهولة مالكها و ليس وارثاً، كسائر الأفراد حتى يجري في حقّه حكم سائر الورّاث.

الاستثناء الثاني: إذا كان الوارث الواحد زوجاً أو زوجة:

لا شك أنّ الزوج يرث النصف فرضاً و بالأصالة إذا لم يكن لها ولد، كما أنّ الزوجة ترث الربع أصالة و فرضاً، فإن قلنا بأنّهما يرثان الفاضل عن النصف و الربع، رداً، فيكون كل واحد من الزوجين كالوارث الواحد لا يصدق في حقهما: أسلم قبل القسمة، لأنّ كلًا من الزوجين يرث التركة بالفرض و الرد. و أمّا إذا قلنا‌

____________

(1) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/ 28.

43

بأنّهما يرثان النصف أو الربع، و يرد الباقي إلى الإمام فإذا أسلم قبل القسمة اندرج تحت النصوص و يصير الفاضل للوارث الجديد.

و لكن المشهور هو التفصيل بين الزوج و الزوجة فيردّ الفاضل إلى الزوج دون الزوجة، فيشارك الزوجة دون الزوج. و على هذا لا ينفع إسلام مَن أسلم إذا كان الوارث، الزوج، و إنّما ينفع إذا كان الزوجة، و هو خيرة السيد الأُستاذ (قدّس سرّه) نعم لو كان الواحد زوجة ينفع إسلام من أسلم قبل قسمة التركة بينهما و بين الإمام (عليه السلام) أو نائبه. (1)

ثمّ إنّ هنا إشكالًا طرحه صاحب الجواهر و حاصله: أنّه لو قلنا بالتفصيل فلو كان من أسلم أخاً للميت، فهو يرث ما يردّ إلى الإمام، و لا يتغير مع إسلامه، سهم الزوجة، فانّ سهمها مع عدم الولد للزوج هو الربع، و أمّا لو كان الوارث الجديد هو ولد الميت الكافر، فلو قلنا بأنّه يرث فإمّا أن ترث معه الزوجة، الربع و هو خلاف فرضها مع الولد الوارث، أو الثمن فيلزم حجب المسلم، بالكافر و هو باطل، بالنصّ و الإجماع. (2)

و الحاصل: أنّ مشاركته مع الزوجة إن كانت فيما يرد إلى الإمام، أعني: الأرباع الثلاثة، يلزم أن ترث خلاف فرضها مع الولد الوارث، و إن كانت فيما عدا الثمن، يلزم حجب المسلم بالكافر.

و لكن الإجابة سهلة و هي أنّه إذا نزل الشارع إسلام الولد قبل القسمة كإسلامه قبل موت المورث، كان فرضها في الواقع هو الثمن من أوّل الأمر قد كشف عنه إسلام الولد، و لا يعنى هذا، حجب المسلم بالكافر، بل يكشف عن أنّ التصور الأوّل بأن سهمها في المقام الربع كان خطأ.

***

____________

(1) تحرير الوسيلة: 2/ 364.

(2) الجواهر: 39/ 22.

44

لو أسلم بعد قسمة بعض التركة:

لو أسلم بعد قسمة بعض المال ورث ممّا بقي، و به قال الحسن (1). و المشهور عند الشيعة أنّه يشارك الباقي مع المساواة، أو ما يختص به مع الانفراد، و دليله واضح لأنّه أسلم على الباقي من قبل أن يقسم و ربما يحتمل الحرمان لصدق القسمة، كما ربما يحتمل إرثه لما قسم أيضاً، لأنّ الميراث و هو المجموع لم يقسّم.

و الأقوى هو الأوّل، لأنّ وحدة التركة وحدة اعتبارية، و إلّا فكل واحد من آحادها، تركة مستقلّة و ميراث مستقل و لكلّ حكمه.

فلو ترك الميت إخوة للأب، و إخوة للأُمّ (2)، قسّم المال بينهم بالثلثين للأُولى و الثلث للثانية. و لو أسلم أخ قبل اقتسام كل من الفريقين، الثلثين أو الثلثَ، فلو كان للأبوين اختصّ بالثلثين و إن كان لأحدهما يشارك نظيره.

بقي هنا بحث و هو هل الإسلام كاشف عن انتقال سهمه من التركة إليه من بدء الموت، أو ناقل؟ تظهر الثمرة في النماءات المتخلّلة، فعلى الكشف يتبع الأصل، و على النقل هو لباقي الورثة فنقول: هناك احتمالات:

1- إنّ سهمه من المال المورث، ينتقل إليه بموت المورِّث، و يكون إسلامه كاشفاً عن الانتقال.

2- إنّ سهمه يبقى في ملك المورث، و ليس هذا أمراً بعيداً و له نظائر في الفقه كما إذا أحاط الدينُ بالتركة، أو أوصى بمال معيّن أن يصرف في عمل خير أو أصاب جسد الميت سهم فيملك ديته، أو وقع السمك في شبكته.

3- أو يدخل في ملك اللّه سبحانه.

____________

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 344.

(2) و في الجواهر: ص 24: «أو إخوة للأُمّ» و لكنّه مصحّف و الصحيح ما أثبتناه.

45

و على هذه الوجوه الثلاثة يكون النماء المتخلّل بين الموت و الإسلام، للجميع.

4- أو ينتقل إلى الموجودين المسلمين انتقالًا متزلزلًا.

لا ريب في ضعف الثاني لأنّ بقاء التركة في ملك الميت أو مالكيته أمر لا يساعده العرف و لو دلّ عليه دليل يؤخذ به في مورده مع أنّ بعض الأمثلة ليست مورداً للاتفاق و مثله كونه ملكاً للّه.

و الظاهر هو الأوّل لظهور الأدلة في انتقال التركة إلى الوارث، غاية الأمر أنّ الكفر مانع عن تأثير المقتضي، و أمّا الرابع فلازمه، إرث الوارث من الورّاث الأحياء مع أنّ الارث، هو انتقال المال من الميّت إلى الحيّ.

أضف إلى ذلك: أنّ الفرع يتبع الأصل فإذا كان الأصل محكوماً بالانتقال، فالتفكيك بينه و بين الفرع يحتاج إلى الدليل. نعم لو دلّ الدليل يؤخذ به كما في النماء المتخلّل بين البيع و فسخه فهو للمشتري.

لو خلّف مالًا ينقسم قبل التراضي عليه فأسلم وارث له، ورث لبقاء التركة على الإشاعة و إنّما تخرج عنها، إذا رضوا.

و لو اختلفوا في تحقّق القسمة، فالقول، قول منكرها بيمينه، لا لأجل استصحاب عدم القسمة، بل لأجل كون مدّعي القسمة مدعياً في العرف و ليست الموافقة و المخالفة للأصل ملاكاً لتمييز المدعي عن المنكر.

و لإيضاح الحال نقدم بياناً في أحكام التنازع:

46

أحكام التنازع:

و لو اختلفا في تحقّق القسمة، فالقول، قول منكرها بيمينه. و بما أنّ المدّعي و المنكر من المفاهيم العرفية، يرجع في تعيينه إلى العرف و هو في المقام منكر القسمة.

و أمّا إذا كان الملاك في تعيينه هو ما وافق قوله الأصل، فالأصل يوافق قول منكرها لأصالة عدم القسمة. لكنّك قد عرفت أنّ المقياس هو الرجوع إلى العرف و المقياس عندهم في تشخيص المدّعي و المنكر، هو أنّ الأوّل من لو ترك، تُرِك، بخلاف المنكر. فلا يترك النزاع لو ترك.

و أمّا الأُصول العملية الجارية في المسألة، فهي حجّة للشاك، لا في مقام التنازع فانّ المخالف يدّعي العلم بالخلاف، و القاضي مخاطب، بطلب البيّنة عن المدّعي، و إلّا فاليمين عن المنكر. و في هذا المجال يجب عليه التحرّي في تشخيص المدّعي عن المنكر، كسائر المفاهيم العرفية الواقعة موضوعاً للحكم، لا المراجعة إلى الأصل الذي جعله الشارع حجة للشاك إذا لم ينازعه أحد.

و بذلك يظهر حال الفروع الثلاثة:

1- إذا اتفقا على زمان الإسلام و اختلفا في زمان القسمة.

2- إذا صار الأمر على العكس، أي: اتّفقا على زمان القسمة و اختلفا في زمان الإسلام.

3- إذا لم يتفقا على شي‌ء في الأمرين.

ترى أنّ الفقهاء يعتمدون في تشخيص المدّعي عن المنكر، بتصحيح الأصل الجاري في المورد، أورده و نقده بالمثبتية و غيرها. و أمّا نحن ففي غنى عن هذه‌

47

المباحث، فالمرجع في مقام القضاء في تشخيص المدّعي و المنكر، هو العرف، لا المطابقة للأصل، و الأصل حجة في مقام الشك في غير مقام التخاصم و التنازع.

و بذلك يظهر عدم الحاجة إلى تصحيح الأُصول أو نقدها في المقام.

أمّا الصورة الأُولى فيقال: إنّ الأصل في المقام هو أصالة عدم القسمة إلى زمان الإسلام، و يشكل عليه بأنّ الموضوع للأثر، تقدّم الإسلام على القسمة كما هو ظاهر قوله (عليه السلام) «من أسلم على ميراث قبل أن يقسّم فهو له» (1) و هو لا يثبت بالأصل.

و أمّا الصورة الثانية: فالأصل عدم تقدّم الإسلام على زمان القسمة و يشكل عليه، بأنّ الموضوع للحرمان هو تأخر الإسلام عن القسمة كما هو ظاهر قوله: «و إن أسلم و قد قسّم فلا ميراث له». (2)

و منه يظهر حال الصورة الثالثة.

نعم على القول بكون العرف هو المرجع في التشخيص، هل الملاك في تشخيصه هو مصب الدعوى، أو نتيجتها؟ ففيه كلام ذكرناه في محله و لا نعود إليه.

مسألة: في توارث الفرق بعضهم من بعض:

اشتهر بين الأصحاب ضابطتان:

1- المسلمون يتوارثون و إن اختلفوا في المذاهب.

2- الكفّار يتوارثون و إن اختلفوا في الملل.

أمّا الضابطة الأُولى فقد نصّ عليها غير واحد:

____________

(1) الوسائل: 17، الباب 3 من أبواب موانع الإرث، الحديث 5.

(2) المصدر نفسه: الحديث 2.

48

1- قال القاضي: و المسلمون يرث بعضهم بعضاً و إن اختلفوا في المذاهب و الآراء، لأنّ الموارثة تثبت بإظهار الشهادتين، و الإقرار بأركان الشريعة من صلاة، و صيام و زكاة و حج دون الإيمان الذي يستحق به الثواب. (1)

2- و قال المحقّق: المسلمون يتوارثون و إن اختلفوا في المذاهب. (2)

3- و قال ابن سعيد: و المسلمون يتوارثون و إن اختلفوا في الآراء. (3)

و قال العلّامة في القواعد بمثل هذه العبارات. و المسألة مشهورة، لا يظهر الخلاف إلّا من المفيد. فحكى عن بعض نسخ المقنعة: يرث المؤمن أهل البدع من المعتزلة و المرجئة و الخوارج و الحشوية و لا ترث هذه الفرق مؤمناً. و نقل العلّامة في مختلف الشيعة انّ في بعض نسخها ما يخالف ذلك و جاء فيه: «و المسلمون يتوارثون و إن اختلفوا في المذاهب». (4)

كما يظهر الخلاف من أبي الصلاح في كافيه، حيث جعل جحد النبوّة و الإمامة في صفّ واحد. (5) و ما عليه المشهور هو الذي يدلّ عليه إطلاق الكتاب أوّلًا خرج إرث الكافر عن المسلم، لا المخالف عنه، و السنّة ثانياً فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ الإسلام يحقن به الدم و تؤدّى به الأمانة و تستحل به الفروج، و عليه تجري المناكح و المواريث و الثواب على الإيمان. (6)

و هذه الروايات، تدلّ على أنّ ملاك التوارث هو كون المتوارثين مسلمين،

____________

(1) ابن البراج: المهذب: 2/ 160.

(2) جواهر الكلام: 39/ 31، قسم المتن.

(3) يحيى بن سعيد: الجامع للشرائع: 502.

(4) العاملي: مفتاح الكرامة: 8/ 34.

(5) أبو الصلاح: الكافي: 374- 375.

(6) الكليني: الكافي: 2، باب الاسلام يحقن به الدم، الحديث 1 و 2 و باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 2 و 5.

49

لا متفقين في جميع الأُصول و الآراء.

و أمّا الإسلام، فقد روى الفريقان روايات تدلّ على كفاية الشهادتين و ما في بعضها من الإشارة إلى بعض الأعمال، فلعلّها ترمي إلى المرتبة العالية.

أمّا ما يدلّ على الأمر الأوّل و هو أنّ الموارثة و المناكحة و حقن الدم، وحل الذبيحة تدور مدار الإسلام، فإليك بعض ما ورد من الروايات:

1- روى سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه بعد ما فسر الإسلام- قال: «به حقنت الدماء، و عليه جرت المناكح و المواريث، و على ظاهره جماعة الناس».

2- روى (1) فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «و الإسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء». (2)

3- روى حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل، و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها و به حقنت الدماء، و عليه جرت المواريث، و جاز النكاح، و اجتمعوا على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج، فخرجوا بذلك من الكفر». (3)

4- روى شريك المفضّل قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «الإسلام يحقن به الدم، و تؤدّى به الأمانة، و تستحلّ به الفروج، و الثواب على الإيمان». (4)

5- روى المحدثون عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوها فقد حرم عليّ دماؤهم و أموالهم». (5)

6- و روى أهل السنّة روايات تقارب ما نقلناه عن أئمة أهل البيت: رووا‌

____________

(1) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 3 و 5.

(2) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 3 و 5.

(3) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإيمان يشارك الإسلام، الحديث 1، 3 و 5.

(4) الكليني: الكافي: 2، باب أنّ الإسلام يحقن به الدم، الحديث 1 و 6 و هما حديث واحد، و عدم ورود المواريث في الأخير لا يضر بالاستدلال لاشتراكه مع غيرها في الحكم كما في سائر الروايات.

(5) المجلسي: البحار: 68/ 242 ط طهران.

50

عن عمر بن الخطاب أنّ النبي قال لعلي- يوم خيبر-: «امش و لا تلتفت حتى يفتح اللّه عليك» فسار عليّ شيئاً ثمّ وقف و لم يلتفت و صرخ: «يا رسول اللّه على ما ذا أُقاتل؟ قال (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم و أموالهم إلّا بحقّها و حسابهم على اللّه». (1)

إلى هنا تبيّن أنّ الملاك في المواريث هو الإسلام. و أمّا ما هو الإسلام؟ فيكفي في ذلك ما نتلوه عليك من الروايات:

1- روى سماعة: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الإيمان يشارك الإسلام و الإسلام يشارك الإيمان فقلت: فصفهما لي، فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم)». (2)

2- روى سفيان بن السمط أنّه لقي أبا عبد اللّه (عليه السلام) فسأله عن الإسلام و الإيمان، ما الفرق بينهما؟ فقال: «الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّداً عبده و رسوله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان». (3)

و ذكره الأعمال بعد الشهادتين للإشارة إلى المرتبة العليا من الإسلام و إلّا فتكفي في تحقّقه الشهادتان و به تفسير الرواية الآتية.

3- روى البخاري عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسول اللّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم): «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّداً رسول اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و الحج، وصوم رمضان». (4)

____________

(1) البخاري: الصحيح 2 باب مناقب علي، و صحيح مسلم باب فضائل علي (عليه السلام).

(2) الكليني: 2 باب أنّ الإيمان شارك الإسلام، الحديث 1.

(3) المصدر نفسه: باب أنّ الإسلام يحقن به الدم، الحديث 4.

(4) البخاري: الصحيح: 1/ 14، كتاب الإيمان.

51

و قد مرّ أنّ ذكر الأعمال في حدّ الإسلام لأجل الإشارة إلى درجته العالية قال سبحانه: (قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لٰا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمٰالِكُمْ شَيْئاً) (الحجرات/ 14)

فعلى ضوء هذين الأمرين يرث المسلم من المسلم و إن اختلفا في الأُصول و الآراء إلّا من حكم بكفره كالنصيرية من الغلات، و الدروز من الباطنية و بالكفر كالمجسّمة و المجبرة.

و أمّا الضابطة الثانية: أعني كون الكفر بأقسامه ملّة واحدة، يرث بعضهم بعضاً كاليهود من النصارى و بالعكس، فهي مثل الضابطة السابقة، نالت من الشهرة مثل ما نالت الأُولى منها.

قال الشيخ: الكفر ملّة واحدة، فالذمي يرث من الذمي، كما أنّ المسلم يرث من المسلم، و به قال أبو حنيفة و مالك و الشافعي و الثوري و أصحاب أبي حنيفة. و ذهب قوم إلى أنّ الكفر ملل و لا يرث الذمي من الذمي، و به قال شريح و الزهري و ابن أبي ليلى و أحمد و إسحاق. دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم، و روى أُسامة بن زيد أنّ النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) قال: «لا يرث المسلم الكافر، و لا الكافر المسلم فجعل الكفر ملّة واحدة». (1)

قال ابن قدامة- بعد ما ذكر أنّ الكفّار يتوارثون إذا كان دينهم واحداً: فإن اختلفت أديانهم فاختلف عن أحمد فروى عنه: أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة يرث بعضهم بعضاً. رواه عنه حرب و اختاره الخلال، و به قال حماد و ابن شبرمة و أبو حنيفة و الشافعي و داود، لأنّ توريث الآباء من الأبناء، و الأبناء من الآباء مذكور في كتاب اللّه ذكراً عاماً فلا يترك إلّا فيما استثناه، و ما لم يستثنه الشرع يبقى على العموم و لأنّ قول اللّه تعالى: (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ) عام في جميعهم. و روي‌

____________

(1) الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الفرائض، المسألة 17.

52

عن أحمد أنّ الكفر ملل مختلفة لا يرث بعضهم بعضاً، اختاره أبو بكر و هو قول كثير من أهل العلم. (1)

هذه هي الآراء بين الفقهاء.

و مع ذلك فقد خالف «سلار» في مراسمه فقال بأنّ الحربي لا يرث الذمي و يكون ميراثه للإمام. (2)

و خالف الحلبي أيضاً فيمن حكم بكفره من المسلمين فقال: ما عدا كفّار ملّتنا فإنّهم يرثون غيرهم من الكفّار، و لا يرثونهم. (3)

و أراد بكفّار ملّتنا: أمثال الغلاة و الخوارج و المجسّمة، و لعلّ مستنده قوله: «نحن نرثهم و لا يرثونا» (4) بناء على اندراجهم تحت لفظ المسلمين.

و على كل تقدير فإرث كل كافر، عن كافر سواء اتّحدا في الشريعة أم اختلفا، هو مفاد إطلاقات الكتاب، فقوله سبحانه: (لِلرِّجٰالِ نَصِيبٌ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ ...) (النساء/ 7) يدلّ على أنّ ملاك الوراثة هو الولادة و التلاحم، كما عليه العرف، و لا مدخلية لوحدة المذهب فيه، خرج ما نص عليه الشارع من عدم إرث الكافر عن المسلم و بقي الباقي تحت الاطلاق. أضف إليه الشهرة الفتوائية بين الأصحاب.

و في الجواهر: لعموم الأدلّة، و خصوص النصوص و الإجماع بقسميه لأنّ الكفر ملّة واحدة، و نفي التوارث بين الملّتين مفسّر في النصوص بالإسلام و الكفر. (5)

____________

(1) ابن قدامة: المغني: 6/ 341- 342.

(2) سلار الديلمي: المراسم: 140.

(3) الحلبي: الكافي: 375.

(4) الوسائل: 17، الباب 1، من أبواب موانع الإرث، الحديث 4 و 6.

(5) النجفي: الجواهر: 39/ 32.