مهذب الأحكام - ج27

- السيد عبد الأعلى السبزواري المزيد...
320 /
5

الجزء السابع و العشرون

[كتاب القضاء]

كتاب القضاء

[القضاء و معانيه في اللغة و الاصطلاح]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي يقضي بالحق في الدنيا و العقبى، و الصلاة و السلام على من أرسله لفصل القضاء في الآخرة و الأولى. و آله الذين شرحوا لنا موازين القضاء.

____________

القضاء يستعمل لغة في عدة معان، و الجامع بينها هو: «انقطاع الشي‌ء و تمامه»، و قد وردت تلك المعاني في الكتاب الكريم، فقد استعمل فيه بمعنى الخلق، قال تعالى فَقَضٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (1)، أي خلقهن، و بمعنى الأمر كقوله تعالى وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ (2)، أي أمر بذلك، و بمعنى الإنهاء كقوله تعالى فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ (3)، أي فرغتم منها، و بمعنى الإعلام كقوله تعالى وَ قَضَيْنٰا إِلَيْهِ ذٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دٰابِرَ هٰؤُلٰاءِ مَقْطُوعٌ (4)، أي أعلمناهم، أو أوحينا إليهم وحيا جزما، و بمعنى الحتم كقوله‌

____________

(1) سورة فصلت: 12.

(2) سورة الإسراء: 23.

(3) سورة البقرة: 200.

(4) سورة الحجر: 66.

6

.....

____________

تعالى ثُمَّ قَضىٰ أَجَلًا (1) أي حتم، و بمعنى العلم كقوله تعالى وَ قَضَيْنٰا إِلىٰ بَنِي إِسْرٰائِيلَ (2) أي علّمناهم، و بمعنى الحكم قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ (3) أي يحكم بينهم، و بمعنى الفعل كقوله تعالى أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ (4)، إلى غير ذلك مما أنهاها بعضهم إلى عشرة أو أكثر.

و مقتضى أصالة عدم تعدد الوضع، و إمكان إرجاع بعض هذه المعاني إلى بعض بجامع قريب عرفي، كما تقدم عدم الاشتراك اللفظي بين تلك المعاني، كما أن مقتضى أصالة عدم لحاظ الجامع القريب العرفي حين الوضع، عدم كونها من المشترك المعنوي، و كون جميع ذلك من دواعي الاستعمال معلوم، فيكون القضاء متّحد المعنى: و هو «الحتم أو الانقطاع»، و البقية من دواعي الاستعمال، و حيث ثبت في محله أن الظهور الاستعمالي حجة معتبرة، و لو لم يستند إلى الحقيقة بل استند إلى القرائن المعتبرة، و ما ليس بظاهر لا اعتبار به و لو كان الاستعمال حقيقيا، لا وجه لتطويل البحث في أن لفظ القضاء في موارد استعماله من المشترك اللفظي أو المعنوي أو الحقيقة و المجاز، بل المدار على ظهوره في كل مورد في معنى يناسبه و لو بالقرائن.

و الظاهر أن اصطلاح الفقهاء ليس مغايرا للمعنى اللغوي، بل هو من بعض مصاديق الحتم و الحكم على ما سيأتي.

و لا بد من تقديم أمور:

الأول: القضاء من أهم الأمور النظامية في حياة الإنسان من حين هبوط آدم (عليه السّلام) إلى انقراض العالم، فبدأ القضاء منه سبحانه و تعالى و يختتم به عزّ و جل يوم القيامة، و لا يختص بملة دون أخرى، فلكل ملة قاض، و في كل واقعة قضاء،

____________

(1) سورة الانعام: 2.

(2) سورة الإسراء: 4.

(3) سورة يونس: 93.

(4) سورة القصص: 29.

7

.....

____________

و كل قضاء لو انطبق على القوانين المقدسة الشرعية لا ريب فيه، و كل ما خالفها فهو باطل بلا شبهة تعتريه، و كل قاض بذل وسعه و أعمل جهده في أن يوافق قضاؤه مع قضاء اللّٰه جلّ جلاله، فمصيره إلى الجنة لا محالة، و كل من خالف ذلك يكون مصيره إلى النار، فلا بد من الاهتمام الكثير و نهاية بذل الوسع في هذا الأمر العظيم، الذي هو أعظم أمانات اللّٰه على النفوس و الأعراض و الأموال، و لا بد و أن ترد هذه الأمانة الكبرى إلى أهلها، و هم الأنبياء و المعصومون (عليهم السّلام)، و من يقتفون أثرهم علما و عملا من كل جهة، لئلا تهتك أعراض الناس و أموالهم و نفوسهم، التي عصمها اللّٰه عزّ و جل عن أدنى وصمة الهتك.

الثاني: القضاء يلحظ تارة بالنسبة إلى نفسه، و أخرى بالنسبة إلى من يقوم به، كما هو شأن جميع الصفات التي تكون ذات الإضافة إلى المحل- كالحكم و الفتوى و العلم و نحوها- و هو عند الفقهاء بالاعتبار الأول: الحكم بين الناس بما هو صلاحهم، سواء كان مسبوقا بالخصومة الفعلية أم لا، و هي الغالب فيه في ظرف عدم بسط اليد.

و بالاعتبار الثاني: ولاية على الناس فيما يصلح به شؤونهم بالطريقة الشرعية.

و إن شئت قلت: القضاء سلطة شرعية على النفوس و الأعراض و الأموال بما جعلها اللّٰه عزّ و جل، و لا يختص بمورد التخاصم و التنازع، و إن كان هو الغالب فيها مع عدم بسط اليد، بل يشمل كلما فيه صلاح الناس من إيجاب أمور و تحريم اخرى فيما فيه الصلاح، و تتسع تلك السلطة و تتضيق بحسب بسط اليد و ضيقها.

و بذلك يمكن أن يجمع بين الكلمات، فمن فسره بالحكم نظر إلى اللحاظ الأول، و من فسره بالولاية نظر إلى اللحاظ الثاني، و كل منهما حق.

8

.....

____________

الثالث: القضاء بين الناس مقام رفيع عظيم و منصب جليل، لأنه من فروع ولاية اللّٰه تبارك و تعالى على عباده، و من أغصان النبوات السماوية، كما أنه منصب خطير جدا، لا ينجو من خطراته إلا من عصمه اللّٰه تعالى و كان اللّٰه معه فيه في جميع حركاته و سكناته و أفعاله و أقواله، بل و خطرات قلبه، قال النبي صلّى اللّٰه عليه و آله:

«من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين» (1)، و عنه صلّى اللّٰه عليه و آله: «يجاء بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض في تمرة قط» (2)، و عن الصادق (عليه السّلام) في الموثق: «من حكم في درهمين بغير ما انزل اللّٰه عزّ و جل فهو كافر باللّه العظيم» (3)، و قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي، أو وصي، أو شقي» (4)، و عن الصادق (عليه السّلام): «القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنة: رجل قضى بجور و هو يعلم فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة» (5)، و قال (عليه السّلام) أيضا:

«اتقوا الحكومة، إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل بين المسلمين، كنبي أو وصي نبي» (6)، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة.

الرابع: القاضي و المفتي و المجتهد و الفقيه، ألفاظ متحدة مصداقا و مختلفة اعتبارا، فيسمّى قاضيا و حاكما باعتبار حكمه و إلزامه في الوقائع الشخصية، و مفتيا باعتبار الإخبار عن الحكم كليا، و مجتهدا باعتبار بذل الوسع في رد الفروع إلى الأصول، و فقيها باعتبار علمه بالأحكام الإلهية. فهذه مناصب أربعة، كل واحد منها من أجلّ المناصب و أعظمها، و سيأتي الفرق بين الفتوى‌

____________

(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي.

(2) سنن البيهقي ج: 10 باب (كراهية الإمارة): 8 من كتاب القضاء الحديث: 20.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب صفات القاضي الحديث: 2.

(4) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث: 2.

(5) الوسائل: باب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث: 4.

(6) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث: 3.

9

.....

____________

و الحكم إن شاء اللّٰه تعالى.

و المراد من الاجتهاد في القضاء إعمال الوسع في فهم خصوصيات المخاصمة و الدعاوي.

الخامس: مقتضى أصالة عدم الحجية و الاعتبار، عدم حجية قول كل أحد و رأيه و عمله قاضيا كان أو غيره، إلا ما خرج بالدليل، و قد دلّ الدليل على خروج القاضي المنصوب عن هذا الأصل، و هو الذي أذن له الإمام (عليه السّلام) بالخصوص في القضاوة، و يقال له: النائب الخاص و القاضي المنصوب، و لا وجود له في زمان الغيبة، لاختصاصه بالإذن الخاص منه (عليه السّلام)، و النصب المخصوص منه (عليه السّلام) لشخص خاص، الذي لا موضوع له في هذه الأعصار، و مقتضى الإطلاقات و العمومات- على ما سيأتي اعتبار جميع الشرائط المعتبرة في مطلق القاضي في القاضي المنصوب أيضا، و لا وجه للتعرض للفروع المتعلقة به.

أما في زمان الغيبة فلعدم الموضوع له، و أما في زمان الحضور فلأن الإمام (عليه السّلام) اعرف بمن يأذن له في القضاوة، من حيث خصوصيات الشخص المأذون له و خصوصيات الإذن و سائر الجهات، و الظاهر عدم تحقق القاضي المنصوب في زمان حضور الأئمة (عليهم السّلام)، لقصور الظروف عن تصدّيهم لهذا الأمر حتى بالنسبة إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في زمان خلافته الظاهرية، إذ لم ينقل بوجه معتبر أنه (عليه السّلام) نصب قاضيا، إلا ما قيل بالنسبة إلى شريح في خبر النصب عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السّلام) قال: «لما ولّى أمير المؤمنين (عليه السّلام) شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه» (1)، و هو ظاهر في عدم النصب، و يشهد له قوله (عليه السّلام) لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي» (2)- نعم قد حصل بالنسبة إلى مثل مالك الأشتر دون غيره- فتكون هذه المسألة من المسائل الفرضية التي تعرضوا لها.

و كذا خرج بالدليل النائب العام، و هو الذي انطبقت عليه الأدلة العامة.

____________

(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1- 2.

(2) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1- 2.

10

.....

____________

ممن اتصف بالصفات الخاصة المعتبرة في القاضي، مثل قوله (عليه السّلام): «من نظر في حلالنا و حرامنا» (1)، و قوله (عليه السّلام): «رواه أحاديثنا» (2)، و نحو ذلك من العناوين العامة المنطبقة على أفراد مخصوصة.

و بالجملة: القضاء منصب إلهي لا بد له من إذن، أو إذن من يكون إذنه إذن اللّٰه تعالى، و الإذن إما عام أو خاص، و يأتي التفصيل في مستقبل المقال إن شاء اللّٰه تعالى.

فالنائب العام- أو القاضي المنصوص بالنص المطلق و الإذن العام- يتحقق في زمان الغيبة و الحضور، لعموم الأدلة الشامل لهما، و النائب الخاص يختص بزمان الحضور و لا يتحقق في زمان الغيبة، فليس في البين قسم ثالث من القضاء.

و لكن نسب إلى المشهور وجود قسم ثالث اصطلحوا عليه ب‍ (قاضي التحكيم)، قال في الشرائع: «لو تراضى الخصمان بواحد من الرعية فترافعا إليه لزمهما حكمه»، و قريب منه عبارات غيره، و البحث في قاضي التحكيم من جهات:

الأولى: في معناه، و هو في العرف- و منه اصطلاح الفقهاء- من يجعله المتخاصمان حكما بينهما و يرضيان بحكمه. و هو شائع و متعارف بين الناس خصوصا في قديم الأيام، كما يشهد له الخبر الآتي.

الثانية: في دليل اعتباره، قد يقال: إن قاضي التحكيم من كان فاقدا للاجتهاد، كما عن جمع، أو فاقدا لبعض الشرائط، كما عن آخر مع كونه من الخاصة لا من غيرهم، فإن قلنا بجواز القضاوة للمقلد فلا وجه للبحث عنه أصلا، و إن قلنا بعدم جوازها- كما سيأتي- و تمت الأخبار التي استدلوا بها عليه فهو، و إلا فمقتضى الأصل و إطلاق الأدلة عدم اعتباره، و سيأتي اعتبار جميع‌

____________

(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9.

11

.....

____________

شرائط القضاوة فيه أيضا.

و قد استدلوا على اعتبار قاضي التحكيم.

تارة: بالإجماع، الذي ادعاه جمع.

و أخرى: بخبر ابن الفضل قال: «قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام): أي شي‌ء بلغني عنكم؟ قلت: ما هو؟ قال: بلغني أنكم أقعدتم قاضيا بالكناسة، قلت: نعم جعلت فداك رجل يقال له عروة القتات، و هو رجل له حظ من عقل نجتمع عنده فنتكلم و نتساءل ثمَّ يرد ذلك إليكم، قال: لا بأس» (1).

و ثالثة: بمفهوم النبوي صلّى اللّٰه عليه و آله: «من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون» (2)، و روى أبو شريح أن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله قال له: «إن اللّٰه هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟! قال: إن قومي إذا اختلفوا في شي‌ء أتوني فحكمت بينهم و رضي عليّ الفريقان، قال: ما أحسن هذا، فمن أكبر ولدك؟ قال شريح قال صلّى اللّٰه عليه و آله: فأنت أبو شريح» (3).

و مقتضى الأصل عدم حجية قوله و عمله إلا مع دليل معتبر على الخلاف، و جميع هذه الأدلة قابلة للمناقشة.

أما الإجماع فلكثرة اختلافهم في خصوصيات المسألة و فروعها، حتى من العامة الذين هم الأصل لاعتبار قاضي التحكيم، كما لا يخفى على أهله.

و أما الأخبار فهي قاصرة السند عن إثبات هذه السلطنة على الناس المخالفة للأصول العقلائية و الشرعية، و لا ثمرة في هذا البحث أصلا كما يأتي.

نعم، لو أريد من قاضي التحكيم إيجاد الصلح و المراضاة بين الخصمين عرفا بغير ما هو منهي عنه شرعا، من غير أن تترتب عليه أحكام القضاء المعروف، الذي وضعوا لها كتابا مستقلا، لكان له وجه، بل هو حسن و مطلوب،

____________

(1) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 31.

(2) المغني لابن قدامة: ج: 11 صفحة: 484.

(3) سنن أبي داود كتاب الآداب باب تغيير الاسم القبيح الحديث: 4955.

12

.....

____________

لعموم قوله تعالى فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (1).

الثالثة: ظاهرهم الاتفاق على أنه يعتبر في قاضي التحكيم جميع ما يعتبر في مطلق القاضي من الشرائط، التي منها الاجتهاد و غيره، و قال في المسالك، و نعم ما قال: «اعلم أن الاتفاق واقع على أن قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط، التي من جملتها كونه مجتهدا، و على هذا فقاضي التحكيم مختص بحال حضور الإمام (عليه السّلام) فيفرق بينه و بين غيره من القضاة، بكون القاضي منصوبا و هذا غير منصوب من غير الخصمين، أما في حال الغيبة فسيأتي أن المجتهد ينفذ قضاؤه لعموم الإذن، و غيره لا يصح حكمه مطلقا، فلا يتصور حالتها قاضي التحكيم»، و قال في الجواهر بعد نقل عبارة المسالك: «و مراده بحال الغيبة ما يشمل زمان الصادق (عليه السّلام) أيضا، لأن نصب مطلق المجتهد كان فيه، و هو من زمان الحضور و لا يتصور فيه قاضي التحكيم. نعم يتصور فيما قبله مما لا إذن فيه لمطلق المجتهد، كزمن النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، بل لعله خاص فيه أيضا لظهور دليل نصب المجتهد في جميع زمان الجور، الذي نهينا فيه عن المرافعة إلى قضاتهم من حيث غلبة الجائرين، فيكون نصب الصادق (عليه السّلام) مبنيا على نصب من قبله، و أن هذا من قبيل الحكم الشرعي المتفق عليه فيما بينهم، و حكم آخرهم كحكم أولهم».

أقول: و هو كلام متين جدا موافق للاعتبار و مذاق أئمتنا الأطهار (عليهم السّلام)، فلا موضوع لقاضي التحكيم لا في زمان الحضور و لا في زمان الغيبة، لشمول الإذن للجميع، فينحصر القضاء في المأذون العام من قبل الإمام (عليه السّلام).

و يحتمل قريبا أن أساس هذا الحكم حدث لأجل تصحيح ما وقع من جعل الحكام لمصلحة زمانية في مقابل المصالح الواقعية، و تبعهم أصحابنا في التعرض لأصل المسألة، مع اشتراطهم في مثل هذا القاضي جميع الشرائط المعتبرة في سائر القضاة.

____________

(1) سورة الحجرات: 10.

13

.....

____________

الرابعة: اختصاص قاضي التحكيم بزمان الحضور، أو يعم زمان الغيبة أيضا؟ لا موضوع لهذا البحث بناء على ثبوت الاذن العام لمن كان مستأهلا للقضاء، مع إجماع الإمامية على أن قاضي التحكيم لا بد و أن يستجمع جميع الشرائط، و إجماعهم أيضا على تقوّم صحة القضاء بالإذن، فالأمر حينئذ يدور بين الصحة مطلقا و الفساد كذلك.

و كذا لا وجه للبحث عن الجهة الخامسة: و هي أن حكمه متبع مطلقا أو في خصوص من تراضيا به.

و كذا الجهة السادسة: في أنه هل يجب إنفاذ حكمه أو لا؟ و ذلك لأنه بعد كونه جامعا للشرائط يترتب عليه جميع آثار الحكم من كل جهة، و لقد أحسن من أعرض عن ذكر قاضي التحكيم مطلقا، لأنه كالقاضي المنصوب من الموضوعات الفرضية. و العجب من بعض أصحابنا أنه تعرض لجملة كثيرة من فروعه أصالة أو تبعا للقوم.

السادس: اتفق أصحابنا على أن صحة القضاء متقوّمة بالإذن من اللّٰه تعالى في كتابه الكريم، أو ما نطق به السنة خلفائه المعصومين (عليهم السّلام)، و البحث فيه من جهات:

الاولى: في الدليل على هذا المدعى، استدل عليه أولا بالإجماع المتكرر في كلماتهم.

و ثانيا: بأصالة عدم حدوث المنصب، و عدم حجية القول و الفعل إلا بذلك، بعد عدم كون الإطلاقات في مقام البيان من هذه الجهة.

و ثالثا: بأن الحكم للّه عزّ و جل أولا و بالذات، كما دلت عليه الآيات مثل قوله تعالى وَ اللّٰهُ يَحْكُمُ لٰا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (1)، و قال تعالى وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً (2)، و قال تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلّٰا لِلّٰهِ (3)، إلى غير ذلك من الآيات‌

____________

(1) سورة الرعد: 41.

(2) سورة المائدة: 50.

(3) سورة الانعام: 57.

14

.....

____________

المباركة، بل تدل عليه الأدلة العقلية الدالة على أنه منه تعالى، ثمَّ أفيض إلى الأنبياء، قال تعالى فَبَعَثَ اللّٰهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ (1)، فجعل تعالى الحكم لنفسه و إن صدر عن كتبه و أنبيائه، فالحكم من خاصة اللّٰه و خلفائه، لا يصح للغير إلا بالإذن.

و رابعا: بنصوص مستفيضة بل متواترة، منها قول أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في صحيح ابن خالد: «اتقوا الحكومة، فإن الحكومة: إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي» (2)، و قال علي (عليه السّلام) لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي، أو وصي نبي، أو شقي» (3)، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة.

و خامسا: إن الحكومة و القضاء سلطة تشريعية مع أنها تنفذية على البشر، لا تعطى هذه السلطة إلا لأمين إلهي- و هو المعصوم- أو من نصبه المعصوم، و إلا يصير الأمر فوضى تستباح الأموال و الأعراض و الدماء، خصوصا في هذه الدنيا التي لا تتبع إلا الهوى، و مع الشيطان الذي أقسم بربه في الإغواء بسلطته على الإنسان، و النفوس التي جبلت على الظلم و النزاع و الدعوى. و كل من رجع إلى فطرته يجد صحة ما قلناه من دون احتياج إلى دليل من الخارج، و لا اختصاص لذلك بخصوص مذهب الإسلام، بل كل سلطة كذلك لا بد و أن تكون تحت نظر ولي الأمر، و بإذنه في العالم كله بجميع أديانه. و على هذا يمكن التمسك للمدعي بسيرة العقلاء في شؤونهم الدينية و الدنيوية.

الثانية: في طريق إثبات هذا الإذن، و تدل عليه الأدلة الأربعة، فمن الكتاب قوله تعالى:

____________

(1) سورة البقرة: 213.

(2) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي.

(3) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي.

15

.....

____________

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (1)، و هو ترغيب إلى الحكم بالعدل و أمر به، و هو مستلزم للإذن فيه عرفا.

و من الإجماع: إجماع الإمامية فتوى و عملا على تحقق الإذن فيه، مع استجماع الشرائط الآتية، و يعضده السيرة العملية بين العلماء بل بين العوام في الجملة، بالرجوع إلى العلماء في التخاصم الذي يجري فيما بينهم.

و من السنة: نصوص كثيرة، كخبر أبي خديجة: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» (2)، و في مقبولة عمر بن حنظلة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين، أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة، أ يحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، و ما أمر اللّٰه أن يكفر به، قال اللّٰه تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، قلت:

فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم اللّٰه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّٰه و هو على حد الشرك باللّه» (3).

و من العقل أن الحوادث الواقعة بين الناس، إما أن تترك مهملا، أو يرجع فيها إلى قضاة الجور، أو يديرونها العوام بأفكارهم، أو فقهاء أهل البيت الموثوق بهم في التصدي لها و الناس مأمورون بالرجوع إليهم.

و الكل باطل إلا الأخير إذ الأول خلاف الحكمة بل العدل و هو محال‌

____________

(1) سورة النساء: 58.

(2) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

(3) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

16

.....

____________

بالنسبة إليه تعالى. و الثاني باطل بالنصوص المتواترة. و الثالث من ترجيح المرجوح على الراجح مع مفاسد أخرى تترتب عليه، فيتعين الأخير.

بل نقول: يجب عقلا على اللّٰه تعالى و خلفائه المعصومين (عليهم السّلام) الإذن في هذا الأمر العام البلوى، دفعا للفساد و اختلال النظام، و جميع ما ورد في الشريعة إرشاد إلى حكم العقل، فلا وجه للبحث عن السند أو في سائر الجهات، لأن المقام من صغريات قاعدة اللطف.

فأصل الإذن ثابت بالأدلة الأربعة، كما في جميع الواجبات النظامية التي يكون المقام من أهمها. فقوام الولاية الخاصة و نفوذ الحكم إنما هو بالإذن، و الشروط المذكورة لها متفرعة عليه و لذا تعرضنا للإذن في المقدمات لا في الشروط، فالشروط التي يذكرونها شروط صحة الإذن، و بانتفاء كل واحد منها ينتفي أصل الإذن فينتفي أصل الموضوع.

الثالثة: قامت الضرورة بين المسلمين على جواز تصدي الفقيه الجامع للشرائط لمنصب القضاء في الجملة، و أثبتنا في الجهة السابقة وجوب الإذن على ولي الأمر حفظا للنظام عن الاختلال، و هذا الإذن عام يشمل كل من كان واجدا للشرائط، كما هو مقتضى ظواهر الآيات و النصوص، مثل قوله تعالى:

وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (1)، و قول أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام):

«انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» (2)، و قريب منه غيره كما تقدم. إلا أن الإذن على قسمين:

الأول: ما يعتبر في العقود المسبوقة بالإذن.

الثاني: ما يكتفى به بمجرد العلم بالرضا، كالصلاة في دار الغير، و الوضوء من مائه، مما يحرز بالفحوى و شاهد الحال، فهل المقام من قبيل الأول أو‌

____________

(1) سورة النساء: 58.

(2) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

17

.....

____________

الثاني؟ فلو علم فقيه من نفسه جامعيته للشرائط، يجوز له التصدي أو لا؟ الظاهر أنه لا ثمرة لهذا البحث أصلا، لأنه بعد ثبوت الإذن العام، و كون انطباقه على المورد قهريا فمهما وجد مورد ينطبق عليه الإذن يكون إذنا لا محالة، و مع العدم فلا إذن و لا رضا أبدا، سواء جعلنا الإذن شرطا أم اكتفينا بمجرد إحراز الرضا، و مع الشك لا يصح التصدي سواء جعل الإذن شرطا أم اكتفى بمجرد الرضا، بل لا يتصور إحراز الرضا مع الشك.

و خلاصة المقام أن الوجوه المتصورة خمسة.

الأول: أن يكون القضاء منصبا مجعولا إلهيا لأهله في عرض المنصب المجعول للنبي و الإمام (عليهم السّلام)، و الفرق بينهما بالشدة و الضعف.

الثاني: أن لا يكون القضاء منصبا مجعولا أصلا من اللّٰه تعالى، و لا من الإمام (عليه السّلام)، بل كان من الأمور الانطباقية القهرية و لم يكن متوقفا على إذن الإمام (عليه السّلام) أيضا، بل كان مثل منصب إمامة الجماعة و الفتوى و التدريس مثلا، فمع وجود الشرائط ينطبق عليه المنصب قهرا، و مع عدمها لا موضوع للنصب.

الثالث: أن يكون القضاء منصبا إلهيا في طول المنصب المجعول للإمام (عليه السّلام)، كالطهارة الترابية- مثلا- المجعولة للّه تعالى في طول الطهارة المائية.

الرابع: أن يكون المنصب مختصا بالإمام فقط، و غيره يقوم بالحكم بالقسط و العدل و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، للعمومات، و الإطلاقات من الآيات و الروايات- المتقدمة- الدالة على هذه الأمور بلا توقف فيها على الإذن، و قد اختار هذا الوجه صاحب الجواهر.

الخامس: عين الوجه الرابع مع التوقف على الإذن، و المنساق من الأدلة و ظهور إجماعهم على اعتبار الإذن هو هذا الوجه.

و حيث لا ثمرة فيه بعد الإجماع، بل الضرورة على صحة تصدي الفقيه الجامع للشرائط لهذا المنصب، فلا وجه للتطويل.

18

و هو: الحكم بين الناس فيما يحتاجون إليه لفصل الأمر بينهم عند التخاصم و نحوه بالشرائط الآتية (1)، و هو منصب جليل ذو خطر عظيم (2)، و فيه فصول:

____________

(1) لغة كما تقدم، و شرعا، و تلزمه الولاية في الجملة أيضا، إذ الحكم يتقوّم بالحاكم، و الحاكم له نحو ولاية و سلطة على الحكم لا محالة، فمن عبّر بالحكم أو الولاية عبّر بأحد المتلازمين، و من عبّر بهما عبّر بالمتلازمين معا تبيينا و استيضاحا، فالقضاء تارة قضاء إلهي، و اخرى بشري، و الأول: هو الحكم المستند إلى اللّٰه تعالى، الذي يفاض منه تعالى إلى النبي صلّى اللّٰه عليه و آله، و منه إلى الإمام (عليه السّلام)، و منه إلى الحاكم الشرعي الجامع للشرائط، فالحكومة الشرعية من أغصان شجرة النبوة و الإمامة كما تقدم، و يأتي التعرض للشروط إن شاء اللّٰه تعالى.

(2) لما تقدم في الأمر الثالث و الأول من المقدمة، فلا وجه للتكرار.

ثمَّ إنه لو قرن القضاء بالفتوى لحقه خطر الفتوى أيضا، قال أبو جعفر (عليه السّلام) في الصحيح: «من أفتى الناس بغير علم و لا هدى من اللّٰه تعالى، لعنته ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب، و لحقه وزر من عمل بفتياه» (1)، فيجتمع فيه حق اللّٰه و حق الناس.

____________

(1) الوسائل: باب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

19

[الفصل الأول في أحكام القضاء]

الفصل الأول في أحكام القضاء

[ (مسألة 1): القضاء واجب كفائي]

(مسألة 1): القضاء واجب كفائي (1)، و يصير عينيّا مع الانحصار (2)، و تعرضه الأحكام الخمسة (3).

____________

(1) بضرورة من المذهب إن لم تكن من الدين، كما في جميع الواجبات النظامية، فضلا عن الإجماع.

(2) كما في جميع الواجبات النظامية إذا انحصر، و ذلك لأن ذات الوجوب في العيني و الكفائي و التعييني و التخييري واحد بذاته، و خصوصية الكفائية و التخييرية إنما تحصل من جهات خارجية، فإذا انعدمت تلك الجهات يبقى ذات الوجوب المطلق، و الإطلاق يقتضي أن يكون عينيا تعيينا نفسيا، ما لم تكن قرينة على الخلاف، و المفروض عدم القرينة. هذا إذا انحصر و لم يتمكن غيره من تحصيل الشرائط.

و أما إذا انحصر المجتهد فعلا في شخص و تمكّن غيره من تحصيل الاجتهاد مثلا، فالظاهر عدم الانقلاب الى الوجوب العيني، للأصل بعد عدم دليل عليه حينئذ، ثمَّ إنه يمكن أن يكون شي‌ء واجبا كفائيا فينقلب عينيا، ثمَّ ينقلب كفائيا- كما في المقام- إذا وجد من به الكفاية بعد صيرورته عينيا ثمَّ فقد.

ثمَّ إن المراد من الانحصار، العرفي منه دون الدقي العقلي، لابتناء الأحكام على العرفيات دون الدقيات العقلية.

(3) أما الوجوب- عينا أو كفاية- فعلى ما مر.

20

[ (مسألة 2): تجب مقدماته عينا مع وجوبه العيني، و كفاية مع وجوبه الكفائي]

(مسألة 2): تجب مقدماته عينا مع وجوبه العيني، و كفاية مع وجوبه الكفائي (4).

____________

و أما الحرام: فهو قضاء كل من فقد شرطا من الشرائط الآتية المعتبرة فيه، و يدل على ذلك النصوص، و الإجماع، كما سيأتي.

و أما الاستحباب: فهو مستحب ذاتا- فيما إذا قام به من به الكفاية- لمن يثق من نفسه العمل بوظائفه، و عدم الوقوع في المخاطر، لما يترتب عليه من الإصلاح و غيره من الفوائد المعلوم رجحانها عقلا و نقلا، و لعظم المقام لأنه تشبّه بالأنبياء و المرسلين، مضافا إلى ظهور إجماعهم عليه، و عن علي (عليه السّلام): «يد اللّٰه فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة فإذا حاف وكله اللّٰه إلى نفسه» (1)، و الحيف الظلم.

و توهم: عدم جواز اجتماع الاستحباب و الوجوب في شي‌ء واحد.

مدفوع: بأنه لا بأس به مع تعدد الجهة، كما هو واقع كثير في الفقه.

و أما الكراهة فهي في موارد تأتي الإشارة إليها.

و أما الإباحة: فيمكن فرضها فيما إذا تعارضت مصلحة تولي القضاء مع مصلحة عدم توليه، أو ظن من نفسه السلامة عن خطراته، و لم يصل ظنه إلى مرتبة الاطمئنان الجازم.

(4) لقاعدة تبعية مقدمة الواجب لذيها في أصل الوجوب و خصوصياته، و قد أثبتناها في الأصول.

و المقدمات كثيرة: منها تحصيل أحكام القضاء، و العلم بالموازين الشرعية المقررة لفصل الخصومة على الأدلة المعتبرة، و تنظيم وقائع الخصومات و المرافعات نظما صحيحا شرعيا، و هذا هو العمدة في القضاء إلى غير ذلك من المقدمات.

____________

(1) الوسائل: باب 9 من أبواب آداب القاضي الحديث: 1.

21

[ (مسألة 3): يحرم القضاء بين الناس و لو في الأشياء اليسيرة- لمن لم يكن من أهله]

(مسألة 3): يحرم القضاء بين الناس و لو في الأشياء اليسيرة- لمن لم يكن من أهله- لعدم العدالة أو الاجتهاد أو لجهات أخرى- (5)، و إن اعتقد أنه واجد للشرائط (6).

[ (مسألة 4): لو وجد من يكون متصديا للقضاء و الناس يرجعون إليه في دعاويهم]

(مسألة 4): لو وجد من يكون متصديا للقضاء و الناس يرجعون إليه في دعاويهم و كان أهلا له لا يجب على غيره عينا (7).

____________

(5) إجماعا، بل ضرورة من الفقه، و نصوصا كثيرة، منها صحيح ابن خالد عن الصادق (عليه السّلام) قال: «اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنما هي الإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي (كنبي) أو وصي نبي» (1)، و منها ما تقدم من قول علي (عليه السّلام) لشريح: «قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي، أو وصي نبي، أو شقي» (2)، و انه تصرف في سلطان اللّٰه بغير إذن منه، فيحرم تكليفا و وضعا بالأدلة الأربعة (3)، و تقدم في مسألة 43 من بحث الاجتهاد و التقليد، و كذا في مسألة 37 منه ما يناسب المقام، و سيأتي في مسألة 15 من (فصل شرائط القاضي) ما ينفع المقام.

(6) لأن تلك الشرائط شرائط واقعية، للإجماع، و ظواهر الأدلة، و لا دليل على كفاية إحرازها عند نفسه، بل مقتضى الأصل عدم الكفاية، و عدم الاعتبار لقوله و فعله. نعم تقدم في مسألة 16 من فصل شرائط إمام الجماعة جواز تصدّي الشخص لإقامة الجماعة، إذا لم يعرف من نفسه العدالة و اعتقد المأموم عدالته فان الشرط فيه احرازي تسهيلا على الناس، بخلاف الفتوى و القضاء، فاشتراط الأهلية فيهما واقعية بالنسبة إلى المتلبس بهما، و بالنسبة إلى من يرجع إليهما، كما في أصل النبوة و الإمامة.

(7) لفرض قيام الغير به و وجود من به الكفاية، فلا موضوع للوجوب‌

____________

(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي.

(2) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي.

(3) راجع تهذيب الأصول ج: 2 صفحة: 68.

22

و إن علم بعدم أهليته- لعدم الاجتهاد أو عدم العدالة أو نحو ذلك- وجب إعلام الناس مع جهلهم بالحال (8)، و إرشادهم إلى من تستجمع فيه الشرائط و لو كان ذلك نفسه (9)، و إن علم الناس بأنه ليس أهلا للقضاء و مع ذلك تعمدوا في الترافع إليه وجب نهيهم عن ذلك (10)، و إن لم يعلم كونه أهلا أو لا، حمل على الصحة (11)، و لم يجب التصدي عينا (12)، و يصح له إنفاذ حكمه و ترتيب الأثر عليه (13).

____________

العيني، مضافا إلى الأصل و الإجماع، و كذا الكلام في جميع الواجبات النظامية.

(8) لوجوب قطع مادة الفساد لكل من يعلم بها و يقدر عليه، و تصدّي من ليس أهلا للقضاء لهذا المنصب من أقوى موارد الفساد و أشدها، و لا اختصاص لهذا الوجوب بالمجتهدين، بل يجب على الجميع مع العلم و القدرة.

(9) لوجوب إقامة العدل و بسطه بين الناس، و المقام من أجلى موارده.

(10) لأنه حينئذ من أظهر موارد النهي عن المنكر و أوجبها، و لا اختصاص لهذا الوجوب بشخص دون آخر، بل هو واجب كفاية على الكل مع العلم به و القدرة عليه، و مع الانحصار يصير واجبا عينيا.

ثمَّ إنه لا بد و أن يكون منشأ العلم بالأهلية أو العلم بعدمها، ما اعتبر شرعا.

(11) لقاعدة الصحة، التي هي من القواعد النظامية المقررة شرعا.

(12) لفرض قيام الغير به بحسب الموازين الشرعية و قواعدها الظاهرية، التي منها قاعدة الصحة، فيصح قضاؤه و يسقط الوجوب العيني عن غيره.

(13) لفرض صحة القضاوة، و صحة الحكم بحسب الموازين الشرعية، كما في سائر موارد جريان الأصول و القواعد المعتبرة الشرعية، فيصير حكمه بذلك حكم الإمام (عليه السّلام) و حكم اللّٰه تعالى، كما إذا اعتمد نفس الحاكم في حكمه إلى أصل معتبر، أو قاعدة معتبرة، فيجب إنفاذه و يحرم نقضه.

و احتمال انصراف ما دل على وجوب الإنفاذ و حرمة النقض عن مثله،

23

[ (مسألة 5): لو تعدد من له أهلية القضاء بين الناس- أو خصوص المتنازعين]

(مسألة 5): لو تعدد من له أهلية القضاء بين الناس- أو خصوص المتنازعين و اختاروا واحد منهم لا يتعين عليه سواء علموا بأهلية الباقين أم لم يعلموا بها و أمكنهم الفحص و العثور عليه (14).

[ (مسألة 6): لا يجوز الترافع إلى قضاة الجور اختيارا]

(مسألة 6): لا يجوز الترافع إلى قضاة الجور اختيارا (15)

____________

بدعوى أن مورده ما إذا استند الحكم بنفسه إلى ما وصل عنهم (عليهم السّلام) إلينا، بأن يكون مفاد أمارة معتبرة بحيث انطبق قولهم (عليهم السّلام) عليه انطباق الكلي على الفرد.

فاسد: لفرض أن اعتبار الأصول و القواعد يستند إليهم (عليه السّلام)، فيجب إنفاذ مفادها و يحرم نقضه إن كان مورد حكم الحاكم.

إن قيل: إن الحكم الذي يجب إمضاؤه و يحرم نقضه هو ما إذا علم بأنه حكم الحاكم الجامع للشرائط، و مع الشك في الصحة لا يعلم ذلك.

يقال: لا موضوعية لهذا العلم، بل هو طريق محض للثبوت الشرعي، و بأصالة الصحة يثبت ذلك، كما في جميع الموارد مثل ما لو شك في صحة فتوى المفتي و عدمها، و في صحة صلاة الإمام و نحو ذلك من موارد جريان أصالة الصحة.

(14) لأن خصوصية العينية خصوصية مشكوكة، و مقتضى الأصل عدم تحققها، و كذا في كل ما إذا شك في تحقق العينية. نعم لو لم يمكنهم الفحص و العثور عليه يتحقق الانحصار و يجب عينا، كما هو واضح، و كذا لو اثبتوا بالحجة الشرعية عدم أهلية غير ما اختاروه، فيتعين القضاء عليه حينئذ.

(15) للأدلة الأربعة: من الكتاب قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ (1).

و من السنة: نصوص مستفيضة دالة على حرمته وضعا و تكليفا، منها قول‌

____________

(1) سورة البقرة: 188.

24

- أي: من لم يوجد فيهم شرائط القضاء (16)-

____________

الصادق (عليه السّلام) في خبر أبي خديجة: «إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور» (1)، و منها موثق عمر بن حنظلة قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ فقال (عليه السّلام): من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقه ثابتا، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّٰه أن يكفر به، قال اللّٰه تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ الحديث» (2).

و من الإجماع: الضرورة المذهبية بل الدينية.

و من العقل: أنه تأييد و تقرير للباطل و هو قبيح، و بناء العقلاء في كل مذهب من المذاهب- خالقيا كان أو خلقيا- إذا اعتبروا شروطا في قضاتهم يستنكرون الرجوع إلى شخص إذا فقد شرطا من الشروط المعتبرة لديهم. نعم غير المبالين بدينهم لا يبالون بذلك أيضا.

(16) لتحقق الجور أيضا، إذ ليس المناط فيه خصوص صنف خاص من فاقدي الشرط، بل يعم كل من لم يستجمع فيه جميع ما ورد في الشرع من الشرائط للقضاء، و لو أطلق على صنف خاص في الأزمنة القديمة لكان الإطلاق من المثال في تلك الأزمنة. فكل من فقد شرطا من شرائط القضاء. أو الفتوى، و مع ذلك أبدى نفسه لتصدي المنصب فهو جائر، و أي جور أشد من ذلك؟! إلا إذا دل دليل على أن حكما مخصوصا بخصوص صنف خاص منه، مع إطلاق حديث أن القضاة أربعة (3)، و فاقد الشرط لا يمكن أن يكون في الجنة فلا بد و أن‌

____________

(1) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 4.

(2) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

(3) تقدم في صفحة: 8.

25

و لو ترافع إليهم كان عاصيا (17)، و لا يحل ما أخذ بحكمهم إذا كان دينا (18)، و في العين إشكال (19).

____________

يكون في النار، و الحصر في قول نبينا الأعظم صلّى اللّٰه عليه و آله: «لسان القاضي بين جمرتين من النار حتى يقضي بين الناس، فإما إلى الجنة و إما إلى النار» (1)، و فاقد أي شرط لا يكون في الجنة، و لا بد و أن يكون في النار.

(17) لأنه ترويج للباطل، و هو حرام بالأدلة الأربعة- كما تقدم في المكاسب المحرمة- و إعانة على الإثم، مضافا إلى نصوص خاصة يأتي بعضها، بل يشكل جواز الجلوس عند مثل هذه القضاة و لو لعدم فصل الخصومة، قال محمد بن مسلم: «مرّ بي أبو جعفر (عليه السّلام) و أنا جالس عند قاض بالمدينة، فدخلت عليه من الغد، فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟ قلت: جعلت فداك إن هذا القاضي لي مكرم فربما جلست إليه، فقال: و ما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعم من في المجلس» (2).

(18) إجماعا، و نصا، قال الصادق (عليه السّلام) في موثق عمر بن حنظلة: «و ما يحكم له فإنما يأخذ سحتا، و إن كان حقه ثابتا» (3)، و لأن المال في الدين باق على ملك مالكه، و عدم خروجه عنه بحكم مثل هذا الحاكم، فيكون سحتا.

(19) لفرض كونه ملكا للآخذ، فكيف يكون سحتا حينئذ؟ فهو كما إذا سرق شخص مال زيد، فأخذ زيد ماله عن السارق بحيلة، فيحمل قوله (عليه السّلام) «فإنما يأخذ سحتا»، على أنه سحت حكما، للتوصل في أخذه إلى الحرام، لا أن يكون سحتا موضوعا، فلا يكون تصرف الآخذ فيه كتصرفه في مال غيره، و من الجمود على الإطلاق فلا يحل.

____________

(1) الوسائل: باب 12 من أبواب آداب القاضي الحديث: 2.

(2) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 10 و 4.

(3) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 10 و 4.

26

[ (مسألة 7): لو توقف استيفاء الحق على الترافع إلى قضاة الجور يجوز مع عدم مفسدة أخرى في البين]

(مسألة 7): لو توقف استيفاء الحق على الترافع إلى قضاة الجور يجوز مع عدم مفسدة أخرى في البين (20)، خصوصا في صورة الحرج (21)، و لو توقف استيفاء الحق على الحلف كاذبا جاز أيضا (22).

[ (مسألة 8): لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال ان لم يتعيّن عليه القضاء]

(مسألة 8): لا بأس للقاضي أن يرتزق من بيت المال ان لم يتعيّن عليه القضاء (23)،

____________

(20) لانصراف الأدلة المانعة عن هذه الصورة، و يشهد له ما ورد من جواز الحلف كاذبا للمصلحة (1)، مع انسباق إمكان الرجوع إلى الأهل من مجموع الأدلة، فلا تشمل صورة الانحصار و الاضطرار، مضافا إلى حديث نفي الضرر (2).

(21) لشمول أدلة نفي الحرج (3)، و الضرر لهذه الصورة أيضا.

(22) إجماعا، و نصوصا، منها قول أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام): «إن خفت على مالك و دمك فاحلف تردّه بيمينك» (4)، و قال زرارة: «قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم و يخلون سبيلنا و لا يرضون منا إلا بذلك، قال (عليه السّلام): فاحلف لهم فهو أحلى من التمر و الزبد» (5)، إلى غير ذلك من الأخبار.

(23) للأصل، و الإجماع، و أن بيت المال معدة للمصالح العامة، و هذا من أهمها، و لقول علي (عليه السّلام): «لا بد من قاض و رزق للقاضي، و كره أن يكون رزق القاضي على الناس الذين يقضي لهم، و لكن من بيت المال» (6)، و أما صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السّلام) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن قاض بين قريتين يأخذ من‌

____________

(1) الوسائل: باب 12 من أبواب الأيمان.

(2) الوسائل: باب 12 من أبواب إحياء الموات.

(3) سورة الحج: 78.

(4) الوسائل: باب 12 من أبواب الأيمان الحديث: 3 و 6.

(5) الوسائل: باب 12 من أبواب الأيمان الحديث: 3 و 6.

(6) مستدرك الوسائل: باب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث: 2.

27

و لو كان غنيا (24)، و إن كان الأولى التنزه حينئذ (25)، و كذا يجوز مع تعينه عليه خصوصا إن كان محتاجا (26)، و أما أخذ الأجرة من المتخاصمين أو أحدهما أو غيرهما فالأحوط الترك حتى مع عدم التعين عليه (27).

____________

السلطان على القضاء الرزق؟ فقال (عليه السّلام): ذلك السحت» (1)، و ما ورد من أن السحت أنواع كثيرة منها: «أجور القضاة» (2)، فلا بد من حملهما على غير المورد، و إلا لكان مخالفا للإجماع، و تقدم في بحث المكاسب المحرمة ما ينفع المقام.

(24) لما مر من الأصل، و الإجماع.

(25) لما نسب إلى المشهور من الكراهة حينئذ.

(26) للأصل، و إطلاق ما دل على أن بيت المال لمصالح المسلمين، و هذا من أهم مصالحهم، و جعل المال للقضاة من بيت المال و لو كانوا أغنياء نحو توقير للمنصب و تعظيم له، و هو بنفسه من مصالح بيت المال، فكيف إذا كان محتاجا، و يدل على ذلك عهد علي (عليه السّلام) إلى مالك الأشتر: «و أفسح له بالبذل ما يزيح علّته و تقل معه حاجته إلى الناس» (3)، و ما أطنبوه من عدم جواز أخذ الأجرة على الواجب قد أثبتنا فساده كما تقدم (4)، و أن المورد ليس من أخذ الأجرة بل هو من وظائف الشرع تشويقا للقضاة و ترغيبا لغيرهم.

(27) عمدة الدليل على عدم الجواز أن المنصب من فروع الرسالات السماوية، و هي بأصولها و فروعها لا بد و أن تكون منزهة عن المقابلة بالمال، و إلا لهانت على أهل الأرض أصولها، فضلا عن فروعها. فإن تمَّ هذا الوجه، و إلا فالأدلة التي ذكروها و أطالوا الكلام فيها من عدم جواز أخذ العوض على‌

____________

(1) الوسائل: باب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث: 12.

(3) الوسائل: باب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث: 9.

(4) راجع ج: 16 صفحة: 177- 180.

28

نعم لو كان محتاجا يجوز له أخذ الأجرة على بعض المقدمات (28)، دون الحكم.

[ (مسألة 9): تحرم الرشوة أخذا و دفعا]

(مسألة 9): تحرم الرشوة أخذا و دفعا (29)، و هي:

____________

الواجبات، قد ذكرناها في هذا الكتاب مع المناقشات الواردة عليها، من شاء فليراجع بحث عدم أخذ الجعل على الواجبات (1)، و عدم أخذه على الأذان و نحوه.

(28) الخارجة عما يتعلق بالحكم تعظيما للحكم، مهما أمكن من أن يتدخل فيه توهم المقابلة بالمال، و على هذا يجوز و لو كان غنيا، و إن كان الأولى تركه في هذه الصورة أيضا.

(29) للأدلة الأربعة، أما الكتاب فقوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوٰالِ النّٰاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (2).

و أما السنة: فهي متواترة منها قوله (عليه السّلام) في خبر عمار: «فأما الرشا في الأحكام فإن ذلك الكفر باللّه العظيم و برسوله صلّى اللّٰه عليه و آله» (3)، و عن أبي جعفر (عليه السّلام):

«لعن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله رجلا احتاج الناس إليه لتفقهه فسألهم الرشوة» (4)، إلى غير ذلك من الأخبار كما تقدم في المكاسب المحرمة.

و أما الإجماع فهو من المسلمين، بل جميع العقلاء الذين لهم قاض و حاكم، لاستقباحهم أخذ الرشوة للحكم.

و أما العقل: فلأنه إحقاق للباطل و إبطال للحق، و هو ظلم و أي ظلم أشد‌

____________

(1) راجع ج: 16 صفحة: 177.

(2) سورة البقرة: 188.

(3) الوسائل: باب 5 من أبواب ما يكتسب به الحديث: 12.

(4) الوسائل: باب 8 من أبواب آداب القاضي الحديث: 5.

29

ما يبذل للقاضي للتوصل إلى الحكم له بالباطل (30)، نعم لو توقف التوصل إلى حق لم يأثم الدافع لها و إن حرمت على الآخذ (31)، و تحرم أيضا إن كان محقا و لم يتوقف التوصل إلى الحق عليها (32).

[ (مسألة 10): يجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها]

(مسألة 10): يجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها (33)، و لا يجوز له التصرف فيها (34)، و لو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها له (35)،

____________

منه. ثمَّ إنه لا فرق في حرمتها بين الدافع و الآخذ، لشمول ما تقدم من الإطلاق.

(30) فيكون المعنى المصطلح فيها أخص من معناها اللغوي، و قد أخذ و فيه الاتصال و لكن في المصطلح اتصال خاص.

(31) أما الجواز للدافع، فلحديث نفي الضرر، و حديث رفع ما اضطروا إليه، و ما ورد من جواز الحلف كاذبا لأخذ ماله كما مر. و اما الحرمة للآخذ فلصدق الرشوة عليه، و عدم مجوّز له على ذلك، فتشمله أدلة الحرمة حينئذ، لوجود المقتضي و فقد المانع، و مثله صورة الإكراه على الدفع.

(32) لصدق الرشوة مع قصد الباذل، فيشملها إطلاق الأدلة.

و لكن يظهر من المحقق في الشرائع و الفاضل، الجواز في هذه الصورة، و لعلهما أرادا صورة عدم الصدق، فلا يجوز الرجوع إلى الإطلاق، لكونه من التمسك بالدليل في الموضوع المشكوك، فيرجع إلى أصالة الإباحة.

و لكنه مخدوش مع قصد الرشوة المتعارفة، و يمكن جعل النزاع لفظيا.

(33) لبقاء المال على ملك مالكه شرعا، و إسقاط الشارع رضاءه في النقل، فيجب ردّه إليه بالأدلة الأربعة، كما تقدم في كتاب الغصب.

(34) لفرض أنها ملك الغير، و لا يجوز التصرف فيه إلا بمجوز شرعي، و المفروض عدمه.

(35) إجماعا، و لقاعدة «اليد»- على ما مر في كتاب الغصب- بعد عدم قصد المجانية المحضة من الراشي.

30

بلا فرق فيها بين أن تكون بعنوان الرشوة أو بعنوان آخر كالهدية أو البيع المحاباتي أو نحو ذلك (36)، كما لا فرق فيها بين أن يكون ذلك بالمشارطة أو كان ذلك من قصدهما أو قصد الباذل و علم الآخذ بها (37).

[ (مسألة 11): لا فرق في الرشوة بين كونها عينا أو منفعة أو انتفاعا]

(مسألة 11): لا فرق في الرشوة بين كونها عينا أو منفعة أو انتفاعا كما لو خاط للقاضي ثوبا لأن يحكم له أو مدحه كذلك أو سلم عليه بقصدها (38).

[ (مسألة 12): كل قاض أخذ الرشوة يسقط حكمه و لا اعتبار به مطلقا]

(مسألة 12): كل قاض أخذ الرشوة يسقط حكمه و لا اعتبار به مطلقا (39).

[ (مسألة 13): ما يبذل بإزاء تمشية محرّم يكون من الرشوة]

(مسألة 13): ما يبذل بإزاء تمشية محرّم يكون من الرشوة، و كل ما يبذل بإزاء الحلال لا يكون منها و إن أطلق عليه الرشوة (40).

____________

(36) لأن الجميع مع قصد الرشوة إما أن يكون منها موضوعا، أو يلحق بها حكما، فيحرم الجميع قهرا.

(37) لصدق الرشوة على الجميع، فيكون من الخيانة المستقبحة بحكم الفطرة.

(38) لأنه مع القصد المذكور يصدق عليه الرشوة، فيشمله الإطلاق لا محالة.

(39) لخروجه بأخذها من العدالة إلى الفسق، و لا وجه لاعتبار حكم الفاسق و حجيته أبدا.

(40) أما الأول: فلأن الرشوة عبارة عما تستعمل في إحقاق باطل، أو إبطال حق- على ما تقدم في المكاسب المحرمة- و هو يشمل جميع المعاصي و المحرمات.

و أما الثاني: فللأصل، و قاعدة السلطنة، و ما عن الصادق (عليه السّلام) في الصحيح:

«الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحول من منزله فيسكنه، قال (عليه السّلام): لا بأس‌

31

[ (مسألة 14): لو شك في شي‌ء إنه من الرشوة المحرمة أو لا؟]

(مسألة 14): لو شك في شي‌ء إنه من الرشوة المحرمة أو لا؟ يحل دفعه و أخذه و إن كان الاحتياط في الترك (41).

[ (مسألة 15): لا ترتب بين نفوذ الحكم و قبول الشهادة]

(مسألة 15): لا ترتب بين نفوذ الحكم و قبول الشهادة فينفذ الحكم مطلقا و لو كان من الولد على والده و من الخصم على خصمه (42).

[ (مسألة 16): يجوز للمترافعين أن يختارا مجتهدين أو أكثر]

(مسألة 16): يجوز للمترافعين أن يختارا مجتهدين أو أكثر للحكم بينهما على وجه الانضمام (43)، فلا ينفذ الحكم بينهما إلا مع اتفاقهما فيه (44)،

____________

به» (1)، و المراد منه الأماكن المحازة المشتركة، و ما يستفاد منه المنع محمول كما تقدم (2).

(41) أما الحلية: فلأصالة الحلية، و البراءة، سواء كانت الشبهة حكمية أو موضوعية، أما الاحتياط فلأنه حسن على كل حال.

(42) لعدم الملازمة بينهما من عقل، أو نقل.

و دعوى أن الحكم شهادة و زيادة، فيعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة مخالف للّغة و العرف، لحكمهما بالتغاير بينهما، فالدليل باطل، و الإجماع غير متحقق، فالملازمة باطلة.

(43) لأصالة عدم اعتبار الوحدة، و إطلاق ما تقدم من الأدلة، و لكون ذلك أوثق في قطع الخصومة، كما يصح ذلك في الوكيلين و الوصيين و المتوليين للوقف، كما تقدم كل ذلك في محله.

(44) لأنه لا معنى للتشريك و الانضمام إلا ذلك، كما في نظائر المقام من الأمثلة التي ذكرناها.

و توهم: عدم الصحة قياسا على الخلافة الإلهية العظمى.

____________

(1) الوسائل: باب 85 من أبواب ما يكسب به: الحديث: 2.

(2) راجع ج: 16 صفحة: 96.

32

و مع اختلافهما يوقف الحكم و لا ينفذ (45)، كما يجوز ذلك على وجه الاستقلال (46)، و لو طلب أحدهما ذلك لا تجب الإجابة على الآخر (47)، و إن كانت أحوط إن كان الطالب هو المدعي (48).

[ (مسألة 17): إذا رجع المتخاصمان في الخصومة إلى الحاكم الشرعي]

(مسألة 17): إذا رجع المتخاصمان في الخصومة إلى الحاكم الشرعي الجامع للشرائط و حكم فيها على موازين القضاء لا يجوز لهما الرجوع إلى حاكم آخر، و ليس للحاكم الثاني النظر فيه و نقضه (49)، و كذا لو تراضى الخصمان بذلك (50).

____________

باطل: أما أولا فلأنه قياس، و أما ثانيا فلأنه مع الفارق، لأن المقيس عليه مؤيد بالوحي السماوي و التأييد الغيبي الإلهي، مع أنه منقوض بنبوة ابني عمران موسى و هارون.

(45) لفرض أنهما رجعا إليهما بعنوان التشريك و الانضمام.

(46) للأصل، و الإطلاق، و تظهر الثمرة بين الانضمام و الاستقلال في صورة مخالفة حكمهما، فلا ينفذ الحكم عند المخالفة في مورد الانضمام، و ينفذ حكم من سبق الى الحكم مع المخالفة في صورة الاستقلالية، لوجود المقتضي و فقد المانع حينئذ.

(47) للأصل بعد عدم دليل على وجوبها.

(48) لما قالوا من أن تعيين الحاكم بيد المدعي، و لكن لا دليل لهم على هذه الدعوى، كما سيأتي إن شاء اللّٰه تعالى.

(49) لأن كلا منهما كالنقض على الأول، و هو حرام إجماعا. و نصا (1).

(50) لأنه أيضا نقض و ردّ، إلا أن يعنون بعنوان آخر لا يصدق عليه الرد و النقض. و منه يعلم أنه يمكن أن يجعل هذا النزاع لفظيا، فلا يجوز‌

____________

(1) تقدم في صفحة: 15.

33

و لو ادعى أحد الخصمين بأن الحاكم الأول لم يكن جامعا للشرائط- كفقدان العدالة أو عدم الاجتهاد- حال القضاء كانت الدعوى مسموعة (51)، فيجوز للحاكم الثاني النظر في الخصومة فلو تبين عند الحاكم الثاني عدم صلوحه للقضاء نقض حكمه (52)، و كذا يجوز النقض لو كان الحكم مخالفا لضروري الفقه على نحو لو تنبّه الحاكم الأول يرجع عنه برفع غفلته (53).

[ (مسألة 18): لا يجوز نقض الحكم لحاكم آخر إن كان الحكم نظريا و اجتهاديا]

(مسألة 18): لا يجوز نقض الحكم لحاكم آخر إن كان الحكم نظريا و اجتهاديا و لا يسمع دعوى المدعي لو ادعى خطأه في اجتهاده (54).

____________

مع صدق النقض و يجوز مع عدمه.

(51) لعدم كونه نقضا بل دعوى صحيحة شرعا، فالمقتضي للسماع موجود و المانع عنه مفقود، فيسمع لا محالة.

(52) لعدم استناده إلى الموازين الشرعية في القضاء، فلا اعتبار بحكمه.

(53) لأن الحكم الشرعي لم يتحقق من الأول حتى يحرم رده و نقضه، بل يجب تنبيهه و إرشاده إلى خطئه.

(54) لأن الظنون الاجتهادية الحاصلة من الجهد و الجد في المدارك المعتبرة، مختلفة باختلاف الأنظار، و ليس اجتهاد أحد أولى من اجتهاد الآخر، فعموم دليل الاعتبار يشمل الجميع مع ما عليه من هذا الاختلاف في مراتب الانظار و الاستعدادات، فالشارع قرر الجميع تسهيلا على الناس، و الواقع واحد و إن كان طرق الاعتذار للواقع متعددة، فالشريعة وردت على نفوس مختلفة الاستعدادات جدا، الموجب ذلك لاختلاف الآراء و الأنظار، و تبقى الشريعة مع هذه النفوس أيضا فلا بد له من التقرير عند تماميته. نعم لو اثبت دعوى الخطأ بالطرق المعتبرة بحيث رجع عن خطئه يسقط قوله حينئذ لا محالة.

34

[ (مسألة 19): لا فرق في وجوب تنفيذ حكم الحاكم الجامع للشرائط]

(مسألة 19): لا فرق في وجوب تنفيذ حكم الحاكم الجامع للشرائط بين أن يكون حيا أو ميتا باقيا على الأهلية أو لا (55).

[ (مسألة 20): لا يجوز نقض الحكم بالحكم]

(مسألة 20): لا يجوز نقض الحكم بالحكم و كذا نقضه بالفتوى (56).

[ (مسألة 21): الفرق بين الفتوى و الحكم من وجوه]

(مسألة 21): الفرق بين الفتوى و الحكم من وجوه:

الأول: أن الفتوى بيان الحكم الكلي للموضوع الكلي، و الحكم تطبيق الكلي على الموارد الجزئية.

الثاني: أن الفتوى حجة للعامي الذي يقلّد المجتهد فيها بخلاف الحكم فإنه حجة في حق العامي و المجتهد و يجب على الكل إنفاذه.

الثالث: أن الفتوى تنقض بالحكم دون العكس (57).

____________

(55) لشمول إطلاق ما دل على إنفاذ حكم الحاكم، و إن رده حرام- كما تقدم (1)- لجميع ذلك بعد كونه حين الصدور جامعا للشرائط.

(56) لعموم ما دل على وجوب إنفاذ الحكم و حرمة رده الشامل للقسمين.

نعم لو علم بفقده للشرائط حين الصدور و تقصيره فيه، لا موضوع للنقض حينئذ، بل يجب رده. و في المقام فروع تعرضنا لها في مباحث الاجتهاد و التقليد (2).

(57) يظهر منهم التسالم على هذه الفروق الثلاثة، و المراد بنقض الفتوى بالحكم إبطال الحكم الكلي في خصوص الجزئي، الذي يكون مورد الحكم بالنسبة إلى كل احد، من غير فرق بين الحاكم و مقلديه و غيرهم من الحكام المخالفين له و مقلديهم، فيبطل حكم الاجتهاد و التقليد في خصوص ذلك الجزئي، بلا فرق في ذلك بين العقود و الإيقاعات، و الأحكام التكليفية و الوضعية، حتى الطهارة و النجاسة، فلو تنازع شخصان في بيع شي‌ء من‌

____________

(1) راجع ج: 1 صفحة: 101- 104.

(2) راجع ج: 1 صفحة: 101- 104.

35

[ (مسألة 22): لا ينفذ حكم الحاكم الفاقد للشرائط]

(مسألة 22): لا ينفذ حكم الحاكم الفاقد للشرائط بل لا يجوز إنفاذه و إن كان مطابقا للقواعد من باب الاتفاق (58).

____________

المائعات لاقى عرق الجنب من الحرام، عند حاكم يرى طهارته، فحكم بالطهارة، كان طاهرا مملوكا للمحكوم عليه، و يترتب أثر الطهارة، و لو كان مجتهدا يرى النجاسة أو مقلد المجتهد كذلك، و كذا في نظائر المسألة، و ذلك كله لإطلاق ما تقدم من الأخبار من أن حكمه حكمهم (عليهم السّلام)، و الرد عليه رد على الإمام (عليه السّلام) (1).

ثمَّ إن الصور المتصورة أربعة:

الأولى: نقض الفتوى بالحكم، و قد تقدم.

الثانية: نقض الفتوى بالفتوى، و ذلك يتصور فيما إذا رجع شخص عن فتواه و تبين له خطأه فيه و ظهر له رأي جديد.

الثالثة: نقض الحكم بالحكم، يتصور فيما إذا ظهر للحاكم خطأه في حكمه السابق، فيحكم بحكم مستأنف ينقض حكمه السابق.

الرابعة: نقض الحكم بالفتوى، و لا يقول به أحد.

و لا فرق في عدم صحة نقض الحكم بالفتوى، بين ما إذا كان الفتوى المخالفة للحكم من غير الحاكم، أو من نفس الحاكم، بأن حكم بشي‌ء ثمَّ تغيرت فتواه إلى خلافه، فيبقى حكمه صحيحا، للأصل، و عموم الأدلة الدالة على أن حكمه حكمهم (عليهم السّلام)، كما تقدم.

(58) أما الأول: فللأصل، و الاتفاق، و الأدلة الدالة على اعتبار تلك الشرائط في صحة الحكم، و المفروض فقد بعضها. و منه يظهر الوجه في الثاني أيضا إذ لا معنى لوجوب إنفاذ ما هو باطل و غير واجد للشرائط.

____________

(1) تقدم في صفحة: 15.

36

[ (مسألة 23): ليس للمحكوم عليه بعد تمامية الحكم حق استينافه عند حاكم آخر أو الأول]

(مسألة 23): ليس للمحكوم عليه بعد تمامية الحكم حق استينافه عند حاكم آخر أو الأول إلا مع إبداء الخدشة في تمامية الحكم (59)، و يجوز مع رضا الطرفين و احتمال الخطأ في الحكم (60).

[ (مسألة 24): لو احتاج الحاكم إلى مترجم]

(مسألة 24): لو احتاج الحاكم إلى مترجم لسماع الدعوى أو الشهادة أو غير ذلك- يعتبر أن يكون شخصين عدلين (61).

____________

(59) أما الأول: فللأصل، و عموم ما دل على عدم صحة نقضه ورده.

و أما الثاني: فلأصالة صحة دعواه، فيسمع حتى يثبت أن يرد.

(60) لعدم صدق النقض حينئذ، خصوصا مع فرض احتمال الخطأ فيه.

(61) أما اعتبار التعدد، فلعدم ثبوت الموضوعات شرعا إلا بالبينة، و أما اعتبار العدالة في البينة فهو من ضروريات المذهب بل الدين، و يأتي في كتاب الشهادات بقية الكلام.

37

[الفصل الثاني في شرائط القاضي]

الفصل الثاني في شرائط القاضي

[و هي عشرة]

و هي عشرة (1).

[الأول: البلوغ]

الأول: البلوغ (2)، فلا يصح من الصبي و إن كان مراهقا و كان واجدا

____________

(1) هذا الحصر استقرائي بحسب المستفاد من الأدلة، و بعض تلك الشروط مورد الخلاف بين الفقهاء، كما يأتي التعرض له إن شاء اللّٰه تعالى. و لا بد و أن يعلم أولا أن مقتضى الأصل- الموضوعي و الحكمي- عدم ثبوت ولاية القضاء لأحد إلا بدليل معتبر يدل عليه، كما أن مقتضى الأصل عدم اعتبار الحكم و القول و الفعل إلا بدليل معتبر يدل عليه، و قد ثبت هذا الأصل بالأدلة الأربعة- كما قررناه في الأصول (1)- و تقدم أيضا. لكن ليس في كل شرط مشكوك يرجع فيه إلى الأصل، بل لا بد من ملاحظة جميع الأدلة و ردّ بعضها إلى بعض، ثمَّ الأخذ بالمتحصل منها.

(2) لما تقدم من الأصل، مضافا إلى الإجماع، و انصراف الإطلاقات عنه، مع التقييد بالرجل في بعض الأخبار كقول أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في خبر أبي خديجة:

«انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» (2).

و قد يستدل على اشتراط البلوغ بأن الصبي مسلوب العبارة، و مولّى عليه،

____________

(1) راجع تهذيب الأصول ج: 2 صفحة: 65.

(2) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

38

لسائر الشرائط من الاجتهاد و العدالة و نحوها (3).

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل فلا يصح من المجنون و إن كان جامعا لسائر الشرائط و لو كان أدواريا في دور جنونه (4).

[الثالث و الرابع: الإسلام و الإيمان]

الثالث و الرابع: الإسلام و الإيمان (5).

____________

فلا يصلح لهذا المقام و المرتبة.

و الأول: خلاف العرف و الوجدان، كما تقدم في كتاب البيع.

و الثاني: من مجرد الدعوى بلا برهان. هذا كله في غير المعصوم.

و أما اعتبار حكم بعض الصبيان في المعصومين، كما في قوله تعالى:

وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (1)، فإنه خارج موضوعا، لأن الكلام فيما يختاره الخلق بإذن اللّٰه تعالى، لا فيما يختاره اللّٰه تعالى مباشرة لأسرار لا يعلمها غيره.

(3) تقدم دليله، فلا وجه للإعادة.

(4) لما تقدم في الصبي من الأصل، و الإجماع، مضافا إلى سلب أقوال و أفعال المجنون عن الاعتبار عرفا، فلو ادعي لاشتراط هذا الشرط إجماع العقلاء كان لا بأس به.

(5) أما الأول: فلأن القضاء نحو ولاية كما مر وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (2)، مضافا إلى الضرورة الدينية.

أما الثاني: فللإجماع- بل الضرورة المذهبية- و نصوص متواترة، الناهية عن الرجوع إلى غير المؤمن (3)، و تقدم قول أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في خبر أبي خديجة: «انظروا إلى رجل منكم» (4).

____________

(1) سورة مريم: 12.

(2) سورة النساء: 141.

(3) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 6 و غيره.

(4) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

39

[الخامس: العدالة]

الخامس: العدالة (6).

____________

ثمَّ إنه هل يكون لاشتراط الإيمان- بالمعنى الأخص- موضوعية خاصة، فلو حكم قاضي العامة في مرافعة بحكم الخاصة، يكون حكمه باطلا، أو، أنه طريق إلى صدور الحكم بحسب الموازين الواصلة إلينا عن أئمة الدين؟

وجهان: يظهر من تقرير علي (عليه السّلام) لشريح (1)، و أنه لا يحكم في واقعة إلا و يعرضها على الإمام (عليه السّلام)، الثاني: و يستفاد ذلك أيضا من قوله (عليه السّلام): «و رجل قضى بالحق و هو يعلم فهو في الجنة» (2)، إن حمل ذلك على أنه يعلم أن الحكم حق، و أما إن حمل على أنه يعلم المذهب الحق و يعمل به، فيدل على الخلاف، و لكنه قاصر سندا.

(6) لقصور غير العادل عن الولاية على الأموال و الأنفس و الأعراض، مضافا إلى الإجماع، و ما تقدم من الأصل، و لقوله تعالى وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ (3)، و الفاسق ظالم، و لما تقدم في صحيح ابن خالد: «فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين» (4)، و لما ورد من الأخذ بالأعدل عند التعارض، بأن ظاهره المفروغية عن اعتبار العدالة (5)، مع أن مرتبة القضاء مرتبة تجل عن أن يتقمصها الفاسق، و يشير إليه ما تقدم من قول علي (عليه السّلام) لشريح، فالعدالة معتبرة بنحو الموضوعية الخاصة، كما في إمام الجماعة و مرجع التقليد مثلا، لأنها المنساق من الأدلة لا الطريقية إلى مطلق الوثاقة، كما في خبر العدل في أخبار الآحاد على ما استقر عليه آراء المحققين بين المتأخرين، لعدم كون الطريقية متفاهما منها في المقام عرفا، مع أن‌

____________

(1) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 4 من أبواب صفات القاضي الحديث: 8.

(3) سورة هود: 113.

(4) الوسائل: باب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث: 3.

(5) الوسائل: باب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

40

[السادس: طهارة المولد]

السادس: طهارة المولد (7).

[السابع: الاجتهاد المطلق]

السابع: الاجتهاد المطلق (8).

____________

المنصب منصب لا يناسب إلا العدالة بنحو الموضوعية المحضة، لكونه من فروع النبوة و الإمامة، فلا بد و أن يكون القاضي من أغصان تلك الشجرة.

و عن بعض مشايخنا في بحثه الشريف تقرير كفاية الوثوق، و لكن بعد مدة قد صرّح فيه بعدم رضا نسبة هذا القول إليه (رحمه اللّٰه تعالى)، و قال: «بأنه لو لا المخالفة للمشهور لقلنا باعتبار فوق العدالة فيه، كما يقال في المقدس الأردبيلي و السيد هاشم البحراني».

(7) للأصل، و الإجماع، و تنفّر النفوس عن المولود من الزنا، و فحوى ما دلّ على عدم قبول شهادته- كما يأتي- و عدم صحة إمامته، كما تقدم (1).

(8) لأصالة عدم ترتب الأثر على حكمه إلا بذلك، و لأنه المنساق من قول أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام): «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما» (2)، فإن المنساق من هذه الجملة هو المجتهد المطلق، و مثله قوله (عليه السّلام):

«اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا» (3)، مع أن المقام مقام خطير لا بد له من استعداد كامل، و لا يحصل إلا بالاجتهاد المطلق، كما هو معلوم عند أهله.

و أما قوله (عليه السّلام): «و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم. فإني قد جعلته قاضيا» (4)، فلا يستفاد منه صحة قضاؤه‌

____________

(1) راجع ج: 8 صفحة: 130.

(2) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1 و 6.

(3) الوسائل: باب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1 و 6.

(4) الوسائل: باب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.

41

[الثامن: الذكورة]

الثامن: الذكورة فلا يصح قضاء المرأة و لو للنساء (9).

[التاسع: الحرية]

التاسع: الحرية (10).

____________

المتجزئ، لأن لفظ النكرة لوحظ بالنسبة إلى علومهم (عليهم السّلام)، و المجتهد المطلق بكل معنى الإطلاق لا يعلم إلا شيئا يسيرا من قضاياهم، و نسبته إليهم نسبة القطرة إلى البحر.

(9) للأصل، و الإجماع، و انصراف أدلة الإذن عنها، و تقييد بعضها بالرجل- كما تقدم في الشرط السابق- و لجملة من النصوص منها قول النبي صلّى اللّٰه عليه و آله: «ليس على المرأة جمعة و لا تولّي القضاء» (1)، و قوله (عليه السّلام) «لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها» (2)، و قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (3)، إلى غير ذلك من الأخبار التي يمكن أن يستفاد منها عدم رضا الشارع بذلك.

و عن المحقق الأردبيلي الخدشة في اشتراط الذكورة في القاضي، أما في الأخبار فبضعف السند، و أما في الإجماع فبعدم ثبوته.

و فيه: أن هذا الإجماع لا يقل عن سائر الإجماعات التي قبلها (قدّس سرّه)، و الأخبار من حيث المجموع مع عمل المشهور توجب الاطمئنان بالحكم.

(10) نسب هذا الشرط إلى الأكثر، و استدل عليه.

تارة: بقصور المملوك عن المنصب.

و اخرى: بأن أوقاته مستغرقة في خدمة المولى.

و ثالثة: بقوله تعالى لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ (4).

____________

(1) الوسائل: باب 2 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 87 من مقدمات النكاح و آدابه.

(3) سنن البيهقي ج: 10 باب لا يولي الوالي امرأة و لا فاسقا.

(4) سورة النحل: 75.

42

[العاشر: كونه أعلم]

العاشر: كونه أعلم ممن في البلد أو ما يقربه على الأحوط (11).

[ (مسألة 1): يعتبر أن لا يغلب عليه النسيان]

(مسألة 1): يعتبر أن لا يغلب عليه النسيان بحيث يسلب عنه الاطمئنان (12)، بل الأحوط أن يكون ضابطا و بصيرا و قادرا على الكتابة (13)، و متصفا بسائر الكمالات النفسانية كالورع و التقوى و العفة و الحلم و الزهد و غيرها (14).

[ (مسألة 2): لا يجوز الترافع إلى العامي]

(مسألة 2): لا يجوز الترافع إلى العامي و إن كان مقلدا تقليدا صحيحا للمجتهد المطلق (15).

____________

و الكل مخدوش، إذ رب مملوك أجمع للقضاء، بل و أقدر على فصل الخصومة من الحر، و بطلان الأخيرين واضح بعد اعتبار إذن المولى، و أما مع عدم إذنه فهو عاص و خارج عن العدالة، فلا تصح قضاوته من هذه الجهة.

(11) لإرجاعهم (عليهم السّلام) عند التعارض إلى الأفقه (1)، و عدم كون الإطلاقات و العمومات واردة في مقام بيان هذه الجهة، حتى يصح التمسك بها، و الشك فيه يكفي في سقوط التمسك بها، لو لم نقل بأن المراد بقولهم (عليهم السّلام): «الأفقه» أكثر فقها كما كان هو المراد في تلك الأعصار، لا أكثر تعمقا في الفقه كما هو مصطلح فقهائنا الأخيار، و تقدم في الاجتهاد و التقليد بعض القول. فراجع.

(12) لسلب الوثوق عنه، فلا يعتمد الناس على حكمه و رأيه.

(13) خروجا عن خلاف جمع ذهبوا إلى اشتراط ذلك كله، و استدلوا لذلك بأمور يمكن الخدشة فيها، فراجع المطولات.

(14) لكثرة ما ورد من الشرع الأقدس من التأكيد في اتصاف سواد الناس بهذه الصفات، فضلا عن ولاة الأمر و من بيدهم أزمة الأمور.

(15) للأصل على ما تقدم، و أن المنساق من الأدلة إنما هو فيما إذا كانت‌

____________

(1) الوسائل: باب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.

43

نعم يصح بعنوان التصالح و التراضي و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (16).

[ (مسألة 3): ما تقدم من الشرائط في القاضي تثبت بالعلم]

(مسألة 3): ما تقدم من الشرائط في القاضي تثبت بالعلم سواء كان وجدانيا أو حصل من الشياع- و الاطمئنان العرفي و البينة العادلة (17)، و في الأخيرة لا بد و أن تكون من أهل الخبرة (18).

[ (مسألة 4): يعتبر في ثبوت ما مر من الصفات أن تكون عند كل واحد من المترافعين]

(مسألة 4): يعتبر في ثبوت ما مر من الصفات أن تكون عند كل واحد من المترافعين (19).

[ (مسألة 5): لا بد للقاضي أن يحكم بمقتضى رأي نفسه لا رأي غيره و إن كان أعلم]

(مسألة 5): لا بد للقاضي أن يحكم بمقتضى رأي نفسه لا رأي غيره و إن كان أعلم (20).

____________

الواجدية لصفات القضاة من باب الوصف بحال الذات لا الوصف بحال المتعلق، و لا يصح التمسك بعمومات صحة الحكم بالحق و نحوها، على ما مر، لعدم كونها واردة في مقام البيان من هذه الجهات.

(16) لعموم أدلتها الشامل لكل من يقدر على ذلك بشرائطها، على ما تقدم في محله.

(17) لاعتبار ذلك كله عرفا و شرعا، كما تقدم مرارا في هذا الكتاب، فلا وجه للتكرار.

(18) لتوقف تشخيص كل موضوع على إحرازه، و مع عدم كونها من أهل الخبرة كيف تعرّف ذلك و تشخصه؟!

(19) للأصل، و الإجماع، و السيرة، و أن الحق لهما فلا يكفي الثبوت عند أحدهما.

(20) لأنه المنساق من الأدلة، و لأصالة عدم الاعتبار في غيره، و لكن لو اتفق رأيه مع رأي غيره من حيث تمامية الدليل لديه لا اعتمادا على نظره، يصح حينئذ.

44

[ (مسألة 6): إذا اختار كل من المدعي و المنكر حاكما لرفع الخصومة فالاحتياط في تقديم ما اختاره المدعي]

(مسألة 6): إذا اختار كل من المدعي و المنكر حاكما لرفع الخصومة فالاحتياط في تقديم ما اختاره المدعي (21)، إن كان القاضيان متساويين في العلم و إلا فالأحوط اختيار الأعلم (22)، و لو كان كل منهما مدعيا من جهة و منكرا من جهة أخرى ففي صورة تساويهما يعين بالقرعة (23).

[ (مسألة 7): لو ادعى أحد من الرعايا دعوى على القاضي فرفعها إلى قاض آخر تقبل دعواه فيحضره]

(مسألة 7): لو ادعى أحد من الرعايا دعوى على القاضي فرفعها إلى قاض آخر تقبل دعواه فيحضره و يجب على القاضي إجابته (24)، فيكونان حينئذ عند الحاكم كغيرهما في آداب القضاوة (25).

[ (مسألة 8): إذا تراضيا بالترافع إلى حاكم يجوز لهما الرجوع عنه ما لم يحكم]

(مسألة 8): إذا تراضيا بالترافع إلى حاكم يجوز لهما الرجوع عنه ما لم يحكم (26).

____________

(21) استدل على ذلك أولا: بدعوى الإجماع عن صاحب المستند، و ثانيا:

بأن الحق للمدعي، فإنه إذا ترك ترك. و في الثاني ما لا يخفى، فإنه أول الدعوى، و لا يثبت ذلك إلا بعد فصل الخصومة، فالاعتماد على الأول لو تمَّ.

(22) تقدم وجهه هنا، و في مباحث التقليد، فراجع.

(23) لعدم طريق لفصل هذا النزاع إلا بها.

(24) أما سماع دعوى الرعية، فلوجود المقتضي و فقد المانع، و أما إحضار الحاكم للمدعي عليه، فلأن ذلك من لوازم سماع الدعوى و القيام بلوازم القضاء، و أما وجوب الإجابة على المدعى عليه فللإجماع.

(25) لإطلاق أدلتها الشامل لمثل المقام أيضا، و لما وقع عن علي (عليه السّلام) في منازعته مع خصمه عند شريح (1)، كما يأتي.

(26) للأصل، و إطلاق الأدلة، و ظهور الاتفاق.

____________

(1) راجع صفحة: 53.

45

[ (مسألة 9): لو كان للحاكم خصومة مع غيره لا ينفذ حكمه فيها لنفسه]

(مسألة 9): لو كان للحاكم خصومة مع غيره لا ينفذ حكمه فيها لنفسه (27). نعم يجوز له توكيل غيره في الخصومة ثمَّ الحكم بنفسه فيها (28).

[ (مسألة 10): يجوز لكل حاكم تنفيذ الحكم الصادر من حاكم آخر]

(مسألة 10): يجوز لكل حاكم تنفيذ الحكم الصادر من حاكم آخر (29)، بل قد يجب (30)- إذا أحرز جامعية الحاكم الآخر لشرائط الحكم، و أما مع الشك في أهليته- كاجتهاده أو عدالته- لا يجوز إلا بعد الإحراز (31)، كما لا يجوز نقضه مع الشك و احتمال صدور حكمه صحيحا (32)،

____________

(27) لأن المنساق من الأدلة مغايرة الحاكم مع المتخاصمين، فلا يصح الاتحاد، مضافا إلى الأصل، و الإجماع.

(28) لحصول المغايرة في الجملة، و تحقق المقتضي و فقد المانع، فيصح حكمه حينئذ.

(29) لإطلاق أدلة اعتباره، و ما تقدم أن حكمه حكمهم (عليهم السّلام)، مضافا إلى السيرة خلفا عن سلف.

(30) كما إذا ترتب على عدم التنفيذ مفسدة، من هتك أو إهانة أو نحوهما.

(31) للأصل بعد انسباق واجد الشرط من الأدلة، مع أنه يمكن أن يكون من إحقاق الباطل، و هو حرام.

(32) للإجماع، و إطلاق قوله (عليه السّلام): «الراد عليه كالراد علينا، و الراد علينا كالراد على اللّٰه تعالى» (1). الشامل بإطلاقه لصورة الشك أيضا، مضافا إلى قاعدة الصحة، و لأن العلم من جميع الجهات بصحة حكم الحاكم لحاكم آخر قليل، لكثرة الاحتمالات و الشبهات، و الظاهر أن قبح نقض حكم الحاكم و حرمته مسلّم في جميع الملل الذين لهم حاكم و قاض، فحرمة نقض حكمه فطرية‌

____________

(1) تقدم في صفحة: 15.

46

و مع علمه بعدم أهليته ينقض حكمه (33).

[ (مسألة 11): يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه من دون بينة أو إقرار أو حلف في حقوق الناس و حقوق اللّٰه تعالى]

(مسألة 11): يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه من دون بينة أو إقرار أو حلف في حقوق الناس و حقوق اللّٰه تعالى (34)،

____________

عقلائية قررها الشارع، كما في جملة كثيرة من الفطريات التي قررها، و قد مر ما يدل على ذلك.

(33) لعدم الموضوع لحرمة النقض حينئذ لفرض بطلانه، بل قد يجب ذلك.

(34) للإطلاقات الدالة على الحكم بالحق و القسط، و ما أنزل اللّٰه تعالى من الآيات (1)، و الروايات كما تقدم (2)، و الأخبار الدالة على أنه «أمين اللّٰه» (3)، و لا معنى لكونه أمينا إلا العمل بما اؤتمن فيه، مضافا إلى الإجماع، و إطلاق أدلة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (4)، و ما دلّ على الحصر مثل قول نبينا الأعظم صلّى اللّٰه عليه و آله: «إنما أقضي بينكم بالبينات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجته من بعض» (5)، و قول علي (عليه السّلام): «جميع أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنة جارية مع أئمة الهدى» (6)، إلى غير ذلك مما يدل على الحصر، انما المراد منها الحصر بالنسبة إلى الحجج الخارجية، فلا ينافي حجية العلم الحاصل له و اعتباره، و أنه أصل الحجج. نعم إذا كان الحكم في حق الناس متوقفا على مطالبة من له الحق لا بد حينئذ من مطالبته، و عليه يحمل خبر ابن خالد: «الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب خمرا أن يقيم عليه‌

____________

(1) سورة ص: 26- سورة المائدة: 42.

(2) راجع صفحة: 14.

(3) الوسائل: باب 32 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 3.

(4) راجع الوسائل: باب 1 و 3 من أبواب المعروف.

(5) الوسائل: باب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث: 1.

(6) راجع الوسائل: باب 1 من أبواب كيفية الحكم الحديث: 6.

47

إذا كان حاصلا من الطرق العادية المتعارفة (35)، بل لا يجوز له الحكم بالبينة إذا كانت مخالفة لعلمه أو إحلاف من يكون كاذبا في نظره (36). نعم يجوز له عدم التصدي للقضاء في هذه الصورة إن لم يتعين عليه (37).

[ (مسألة 12): إذا ترافعا إلى الحاكم في واقعة قد حكم فيها سابقا]

(مسألة 12): إذا ترافعا إلى الحاكم في واقعة قد حكم فيها سابقا يجوز له أن يحكم على طبقه فعلا إن تجددت و تذكّر حكمه و إن لم يتذكر مستنده (38)، و أما إن لم يتذكّر الحكم و لكن قامت البينة عليه جاز له الحكم أيضا و كذا لو رأى خطه و خاتمه و حصل منهما القطع أو الاطمئنان به (39)،

____________

الحد، و لا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين اللّٰه في خلقه، و إذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه ان يزجره و ينهاه و يمضي و يدعه، فقلت: كيف ذاك؟ فقال:

لأن الحق إذا كان للّه تعالى فالواجب على الإمام إقامته، و إذا كان للناس فهو للناس» (1).

(35) لأنه المنساق من جميع الأدلة، و في غيره يرجع إلى أصالة احترام النفس و العرض و المال.

(36) لعدم تمامية موازين الحكم لديه، فكيف يحكم حينئذ مع انصراف أدلة اعتبار البينة و اليمين عن هذه الصورة؟!

(37) للأصل، و ظهور الإجماع.

(38) لأصالة بقاء حجية حكمه بعد صدوره عن مستند صحيح، كما هو المفروض، سواء تذكّره أو لا.

(39) لحجية البينة الشرعية، و حجية القطع على ما تقدم مرارا، و كذا الاطمئنان العرفي العادي، بل عن جميع- منهم صاحب الجواهر- أن المراد بالعلم و القطع في اصطلاح السنة هو الاطمئنان العادي.

____________

(1) الوسائل: باب 32 من أبواب مقدمات الحدود الحديث: 3.

48

و لو تبدل رأيه فعلا عن رأيه السابق الذي حكم به جاز تنفيذ حكمه إلا مع العلم بخلافه بأن يكون حكمه مخالفا لحكم ضروري أو إجماع قطعي فيجب عليه نقضه (40).

[ (مسألة 13): لو ترافعا عند الحاكم في واقعة فتذكّر أنه ثبت عنده الحق]

(مسألة 13): لو ترافعا عند الحاكم في واقعة فتذكّر أنه ثبت عنده الحق بالموازين الشرعية و لكن لم يصدر منه الحكم فيها، فإن تذكّر مستند الثبوت أو قامت البينة عليه و لم يتبدل رأيه فيها جاز له الحكم فعلا (41)، و لو تبدل رأيه في تلك الموازين لا يجوز له الحكم (42)، و كذا لو شك في تبدل رأيه فيها (43)، أو لم يتذكر مستند الثبوت و لم تقم البينة عليه (44).

[ (مسألة 14): للحاكم تنفيذ الحكم الصادر ممن له أهلية القضاء]

(مسألة 14): للحاكم تنفيذ الحكم الصادر ممن له أهلية القضاء كما تقدم- من دون فحص عن مدركه و مستنده (45)،

____________

(40) أما جواز التنفيذ فلفرض حجيته حين صدوره و عدم العلم بخلافه، و اما وجوب النقض في الفرضين فلثبوت بطلان الأول ضرورة أو إجماعا قطعيا.

(41) لفرض تحقق المدارك الشرعية بالنسبة إلى الثبوت، و لا يجب مقارنة الحكم للثبوت، و يجوز الفصل بينهما للأصل.

(42) لأن المناط في الحكم أن يكون مستندا إلى الحجة الشرعية الفعلية، و المفروض عدمها.

(43) لأصالة عدم حجية الحكم إلا إذا ثبت استناده إلى وجه صحيح معتبر شرعي.

(44) لما مر في سابقة من غير فرق.

(45) اما جواز أصل التنفيذ فللأصل، و العمومات، و الإطلاقات الدالة على‌

49

و يحرم له الحكم في الواقعة مع عدم العلم بموافقته لرأيه (46)، و لا أثر لحكمه بعد حكم الحاكم الأول بحسب ذات الواقعة و إن كان له أثر بالنسبة إلى التنفيذ في الجملة (47)، و لا فرق في جواز التنفيذ بين كونه حيا أو ميتا أو كونه باقيا على الأهلية أم لا (48) بشرط أن لا يوجب الإغراء (49).

____________

الحكم بالحق، و العدل و القسط (1)، الشاملة للتنفيذ أيضا- كما مر في مسألة 10- و أما عدم لزوم الفحص عن مدركه أو مستنده فللأصل، بعد فرض صحته و صدوره عن أهله و في محله.

(46) لاحتمال المخالفة فيدخل في موضوع نقض الحكم، و هذا الاحتمال منجز في المقام، لكثرة أهمية حرمة نقض الحكم، و أنه كالرد على اللّٰه تعالى، كما عرفت في أول القضاء.

(47) حيث أن نفس الحكم في الواقعة واحد فلا أثر لحكم الحاكم الثاني بالنسبة إلى ذات الحكم. نعم حكم الحاكم الثاني يضاف إليه أيضا، فيترتب حرمة النقض و وجوب الإنفاذ بالنسبة إليه أيضا، إن قلنا بشمول حرمة النقض و وجوب الإنفاذ لمثله أيضا.

(48) لفرض كونه معتبرا حين الصدور، فيشمله الإطلاق و العموم، بل لنا أن نؤسس أصلا في الحكم، و هو أصالة الاحترام، و وجوب الإنفاذ، و حرمة النقض، للعمومات و الإطلاقات المتقدمة (2)، إلا ما خرج بالدليل.

(49) لأن حرمة إغواء الناس و إغرائهم إلى الباطل أهم من حرمة نقض الحكم و وجوب تنفيذه، بالأدلة الأربعة: فمن الكتاب قوله تعالى:

وَ لٰا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبٰاطِلِ (3)، و من السنة ما تقدم من حرمة القضاء لغير‌

____________

(1) سورة النساء: 58.

(2) راجع صفحة: 34.

(3) سورة البقرة: 42.

50

[ (مسألة 15): يحرم إمضاء الحكم الصادر من غير الأهل]

(مسألة 15): يحرم إمضاء الحكم الصادر من غير الأهل (50)، سواء كان ذلك لأجل عدم الاجتهاد أو لفقد شرط آخر (51)، و إن علم بكونه موافقا للقواعد (52)، بل يجب نقضه مطلقا (53).

[ (مسألة 16): جواز إمضاء حكم الحاكم الأول للحاكم الثاني]

(مسألة 16): جواز إمضاء حكم الحاكم الأول للحاكم الثاني كما مر مشروط بإحراز صدوره منه إما بنحو المشافهة منه أو التواتر أو نحو ذلك (54)،

____________

الأهل (1)، و من العقل: أنه ظلم و قبيح، و أما من الإجماع فمن المسلمين بل العقلاء كافة.

(50) للأدلة الأربعة: فمن الكتاب: بأنه حكم بغير ما أنزل اللّٰه تعالى (2)، و من السنة: نصوص كثيرة، منها مقبولة ابن حنظلة المتقدمة (3)، و من الإجماع:

إجماع المسلمين، و من العقل: حكمه بقبح ذلك.

(51) لشمول الإطلاق و العموم لجميع ذلك.

(52) لأنه لا أثر للموافقة للقاعدة، بعد عدم أهلية نفس الحاكم، فالحكم من حيث الإضافة إلى الحاكم الأهل مضاف إلى الإمام (عليه السّلام)، و مضاف إلى اللّٰه تعالى، لا من حيث الإضافة إلى القاعدة، فإنه يصح أن يضاف إليها حكم من كان أهلا و من ليس بأهل، فيختل النظام و تتعطل الأحكام و يضطرب حكام الأنام، خصوصا إن عممنا القواعد النظامية العقلائية.

(53) لكونه من صغريات إبطال الباطل و النهي عن المنكر، فيجب على الكل خصوصا من صار مورد الابتلاء.

(54) لأصالة عدم الحجية و الاعتبار إلا بذلك مما يوجب العلم.

____________

(1) تقدم في صفحة: 8.

(2) سورة المائدة: 44.

(3) تقدم في صفحة: 24.

51

أو بإقرار المحكوم عليه مع حصول الاطمئنان للحاكم الثاني (55)، أو بقيام البينة على حكمه (56)، و لا يكفي مشاهدة خطه و إمضائه (57).

[ (مسألة 17): إذا حكم القاضي في واقعة بحكم ثمَّ وقع التخاصم و الترافع مرة أخرى في عين الموضوع مستقلا]

(مسألة 17): إذا حكم القاضي في واقعة بحكم ثمَّ وقع التخاصم و الترافع مرة أخرى في عين الموضوع مستقلا لا يجوز له الحكم في الواقعة الثانية بعين الحكم في الواقعة الأولى (58)، بلا فرق في ذلك بين أن تكون القضية واحدة أو متعددة (59).

____________

(55) لأنه العلم العادي المعتبر عرفا و شرعا.

(56) لما تقدم من عموم حجيتها، مع أنها توجب الاطمئنان العادي أيضا، كما يأتي.

(57) للأصل، و عن الصادق (عليه السّلام) في خبر السكوني: «أن عليا (عليه السّلام) كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد و لا غيره، حتى وليت بنو أمية فأجازوا بالبينات» (1).

(58) لعدم إحراز خصوصيات الموضوع حتى يكون الحكم الثاني تأكيدا للحكم الأول. نعم لو أحرزت الوحدة من كل جهة يجوز ذلك، كما تقدم في مسألة 12.

(59) لظهور التعدد حينئذ كما عرفت، و عدم رجوعه إلى الأول و لم يكن منه.

____________

(1) الوسائل: باب 28 من أبواب كيفية الحكم و احكام الدعوى.

52

[الفصل الثالث في آداب القاضي]

الفصل الثالث في آداب القاضي

[و هي أمور]

و هي أمور:

[الأول: وجوب التسوية بين الخصماء]

الأول: وجوب التسوية بين الخصماء (1) و إن اختلفا في الشرف و الضعة (2)- في التحيّة و الرد و محل الجلوس و النظر و الكلام و الإنصات

____________

(1) نسب ذلك إلى الأكثر لجملة من النصوص، منها ما عن الصادق (عليه السّلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): من ابتلى بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة، و في النظر، و في المجلس» (1)، و عنه (عليه السّلام) لشريح: «ثمَّ واس بين المسلمين بوجهك، و منطقك، و مجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حيفك، و لا ييأس عدوك من عدلك» (2)، و عن نبينا الأعظم صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه، و إشارته، و مقعده، و لا يرفعن صوته على أحدهما ما لا يرفع على الآخر» (3)، و نحوها غيرها.

و عن جمع منهم صاحب الجواهر الاستحباب، لضعف الأخبار.

و فيه: أن اهتمام الفقهاء بالفتوى و العمل بها، و المحدثين بضبطها، يوجب الاطمئنان بها.

(2) لإطلاق الأخبار الشامل لذلك، و في بعضها إشارة إلى ذلك، كما مر.

____________

(1) الوسائل: باب 3 من أبواب آداب القاضي الحديث: 1.

(2) الوسائل: باب 1 من أبواب آداب القاضي الحديث: 1.

(3) سنن البيهقي ج: 10 باب: اتصاف الخصمين صفحة: 135.

53

و طلاقة الوجه و غيرها من الآداب و الإكرام، و كذا العدل في الحكم (3)، و لا يجب التسوية في الميل بالقلب (4)، هذا إذا كانا مسلمين و لو كان أحدهما غير مسلم فلا يسقط وجوب العدل بالحكم مطلقا (5)، و لكن يكرم المسلم أكثر من غيره (6).

[الثاني: يحرم على القاضي أن يلقّن أحد الخصمين ما يغلب به على خصمه]

الثاني: يحرم على القاضي أن يلقّن أحد الخصمين ما يغلب به على خصمه (7)،

____________

(3) لشمول إطلاقها لجميع ذلك، و التسوية.

تارة: في المجاملات القولية.

و اخرى: فعلية.

و ثالثة: في مجرد الميل القلبي، و الأخيرة متعسرة غالبا، و الأولان مورد شمول الإطلاق.

(4) للأصل بعد عدم دليل على الوجوب و أنه متعسر، كما عرفت.

(5) لإطلاق ما دل على الحكم بالقسط من الكتاب، و السنة، و الإجماع، بل العقل أيضا، كما تقدم.

(6) للإجماع، و لفعل علي (عليه السّلام) ذلك، فإنه (عليه السّلام) جلس بجنب شريح في حكومة له مع يهودي في درع، و قال (عليه السّلام): «إن خصمي لو كان مسلما لجلست معه بين يديك، و لكني سمعت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم يقول: لا تساووهم في المجلس» (1).

(7) للإجماع، و لأنه منصوب لبسط العدل بين الخصمين، و التلقين ربما ينافيه. ثمَّ إن التلقين يختلف باختلاف الخصوصيات، و الجهات، و الأشخاص، و جميع ما ذكر في المتن من التلقين، و يمكن الاختلاف باختلاف الموارد، و إعمال القرائن.

____________

(1) المغني لابن قدامة ج: 11 صفحة: 444 ط بيروت.

54

كما إذا كانت دعواه بنحو الاحتمال فيلقنه أن يجزم فيه حتى يصير مقبولا، أو يدعي رد الأمانة أو أداء الدين فيلقنه الإنكار. و كذا يحرم أن يعلّمه كيفية الاحتجاج و طريق الغلبة و وجوه المشاجرة و نحوها (8)، هذا مع عدم علمه بأن الحق معه و إلا جاز (9)، و كذا يجوز له الحكم بعلمه (10)، هذا بالنسبة إلى الحاكم، و أما غيره فيجوز ما ذكر ان علم بصحة دعواه و يحرم مع علمه بعدم الصحة بل الأحوط الترك في صورة الجهل أيضا (11).

[الثالث: من لهم حق الدعوى]

الثالث: من لهم حق الدعوى إما أن يردوا على الحاكم على نحو الترتيب- أولا فأولا- أو يردوا عليه مجتمعين أو لم يعلم كيفية الورود، و في الأول يبدأ الحاكم بسماع دعوى الأول فالأول (12)، و لا يجوز تقديم المتأخر مطلقا (13)، و في الأخيرين يعمل بالقرعة مع التشاح (14).

____________

(8) لأنه خلاف العدل المنصوب لأجل إقامته، و أنه نصب لسد أبواب المنازعة و المشاجرة، و تعليمها مناف لمنصبه.

(9) للأصل، بعد عدم شمول دليل المنع لذلك.

(10) للأصل، و لأن المتيقن من الدليل غير صورة العلم.

(11) أما الجواز في الصورة الأولى، فللأصل بعد عدم دليل على الحرمة.

و أما عدمه في الصورة الثانية، فلأنه ترويج للباطل، و هو حرام بالأدلة الأربعة، كما تقدم مكررا. و أما الاحتياط في الأخير، فلا ريب في حسنه على كل حال، و إن كان مقتضى أصالة الصحة الحمل عليها.

(12) لأحقية السابق من لاحقه في جميع الحقوق المشتركة، من غير فرق بين كون اللاحق شريفا و السابق وضيعا، أو بالعكس.

(13) لما تقدم من أحقية السابق، إلا إذا رضى من له الحق بذلك.

(14) لأن القرعة لكل أمر مشكل، و المقام منه.