ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
446 /
5

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي جعلَ الصلاة على المؤمنين كتاباً موقُوتاً، و عموداً للدّين، و قرّة عين لسيّد المرسلين، و سبباً للإقرار بربوبيته، و إظهاراً للذل و المسكنة لديه.

اللهمّ اجعل شريف صلواتك و نوامي بركاتك على محمد عبدك، و رسولك، الذي عبَدك حتى تورّمت قدماه، و نزل في حقّه قولك:

(طه* مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ* إِلّٰا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشىٰ) (طه/ 31) و على أهل بيته الطيّبين الطاهرين الّذين إن نطقوا صدَقوا و إن صَمَتوا لم يُسبَقُوا، صلاة نامية و زاكية. أمّا بعد:

فقد طلب منّي حضّار بحوثي الفقهية بعد ما انتهيت عن البحث في القضاء و الشهادة إلقاء محاضرات في أحكام صلاة المسافر، لكثرة الابتلاء بمسائلها فنزلت عند رغبتهم، و جعلت المحور كتاب العروة الوثقى، للسيد الفقيه الطباطبائي (رضوان اللّه عليه) مع الرجوع إلى أُمّهات الكتب و مصادر الأحكام. عسى أن ينتفع بها الإخوان. فنقول:

يقع الكلام في فصول:

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأوّل في أنّ التقصير عزيمة

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

اختلفت كلمة الفقهاء في أنّ التقصير عزيمة أو رخصة، و اتّفق أئمّة أهل البيت و تبعهم فقهاؤهم على أنّه عزيمة و الأصل في ذلك قوله سبحانه:

(وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً) (النساء/ 101).

و معنى الآية:

«إذا سافرتم في الأرض فليس عليكم إثم أن تقصروا من الصلاة» و المعنى المعروف للتقصير هو الإتيان بالرباعيات ركعتين، و هذا ما فهمه أكثر الفقهاء من أهل السنّة و عامة مشايخنا من الشيعة و هو مذهب أهل البيت. و روي عن ابن عباس أنّ المراد هو القصر في صفة الصلاة و أنّها تصلّى إيماءً، و السجود أخفض من الركوع، فإن لم يقدر على ذلك فالتسبيح المخصوص كاف عن كلّ ركعة.

و هو خيرة ابن عباس و طاووس اليماني. (1) يلاحظ عليه بوجهين:

1. انّها رواية شاذة مخالفة لما هو المشهور عند المسلمين.

2. انّ القصر يقابل الطول، فطول الصلاة عبارة عن كثرة ركعاتها و أجزائها قبال القصر، و أمّا التخفيض و الإيماء مكان الركوع و السجود فلا يُسمّى قصراً، و إنّما هو انتقال من فرد إلى فرد آخر.

____________

(1). الطبرسي: مجمع البيان: 3/ 153.

10

و بذلك يظهر ضعف التفسير الثاني و ان اختاره الجصاص‌

(1) من أهل السنّة، و المرتضى (2) و القطب الراوندي في فقه القرآن من الشيعة. (3) و قبل الورود في شرائط القصر نوضح مفاد الآية و نذكر ما يستفاد منها فنقول:

يستفاد من الآية و لو بضميمة الإجماع أُمور:

1. انّ الآية لا تدلّ على جواز القصر إلّا في صورة الخوف، و تعميم حكمها إلى غيرها ثبت بفعل النبي و سيرة المسلمين و كلمات أئمّة أهل البيت.

2. انّ الصلاتين: التامة و المقصورة متحدتان ماهية، و مختلفتان قلّة و كثرة، و وظيفة الضارب في الأرض هو تقصير نفس الصلاة المأمور بها الحاضر، بشهادة قوله: (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ) فما يأتيه المسافر ليس إلّا نفس ما يأتيه الحاضر من الصلاة إلّا أنّها مقصورة.

3. انّ هنا أمراً واحداً متعلقاً بطبيعة الصلاة متوجهاً لعامة المكلّفين و لها فردان، و الحاضر مأمور بإيجادها في الفرد التام، و المسافر مأمور بإيجادها في غيره. و يستفاد ذلك كلّه من قوله: (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ)، أي قصر الصلاة المعهودة لعامة المكلّفين.

4. انّ الأصل في الصلاة هو التمام و القصر أمر طارئ، فلو شكّ في مورد أنّ الوظيفة هو التمام أو القصر و كانت الشبهة حكمية كان المرجع هو التمام إلّا أن يدلّ دليل على القصر.

5. انّ الآية ليست بصدد تشريع القصر بل هي في مقام رفع الحظر‌

____________

(1). أحكام القرآن: 2/ 252.

(2). الانتصار: 53.

(3). الينابيع الفقهية: 4/ 516.

11

و الاستبعاد و إنّما دلّ على أصل الحكم شي‌ء آخر من كلام الرسول، و عمله، نظيره قوله سبحانه:

(إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّٰهَ شٰاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة/ 158). كان للمشركين صنمان على جبلين فكانوا يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام استغربَ بعضُ المسلمين كون السعي من أجزاء الحج، و توهموا انّه من مبتدعات المشركين لأجل تكريم صنميهم فجاءت الآية لرفع ذلك التوهم.

روى ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الصيرفي، عن بعض أصحابنا قال:

سئل أبو عبد اللّه عن السعي بين الصفا و المروة، فريضة أم سنّة؟ فقال: فريضة. قلت: أو ليس قد قال اللّه عزّ و جلّ: (فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا)؟ قال: كان ذلك في عمرة القضاء. انّ رسول اللّه شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصفا و المروة فتشاغل رجل، ترك السعي حتى انقضت الأيّام و أُعيدت الأصنام، فجاءوا إليه فقالوا: يا رسول اللّه إنّ فلاناً لم يسع بين الصفا و المروة و قد أُعيدت الأصنام. فأنزل اللّه: (فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا) أي: و عليهما الأصنام. (1) و نظير ذلك مورد القصر حيث إنّ تقليل الركعات صار مورد استغراب و استبعاد، فنزلت الآية لرفعه، و لأجل ذلك قال النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) في روايته:

«صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته». فإن قلت:

إذا لم تكن الآية بصدد التشريع فلما ذا تجب الإعادة على من أتم في السفر إذا كان ممن قرأت عليه آية التقصير و فسّرت كما في صحيح محمد بن مسلم؟ (2)

____________

(1). الوسائل: الجزء 9، الباب 1 من أبواب السعي، الحديث 6. و لاحظ الكشاف: 1/ 247، في تفسير الآية.

(2). الوسائل، الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

12

قلت:

إنّ الحديث دالّ على خلاف المطلوب بقرينة انّه لم يكتف بقراءة الآية، بل أضاف عليها تفسيرها، و المراد من تفسيرها تبيين كون رفع الجناح في الآية مثل رفع الجناح في آية السعي بين الصفا و المروة، فلا ملازمة بين رفع الجناح و الرخصة، بل هو أعمّ من الرخصة و العزيمة، و أمّا عدم التعبير بما هو نصّ في العزيمة، فلأجل انّها ليست بصدد بيان أصل الحكم، حتى تأتي بما هو نصّ فيه، بل هي بصدد رفع توهم الحظر الموجود في الأذهان. و الحاصل أنّ استخدام لفظة «لا جناح»، بدل الأمر بالقصر و السعي، لأجل عدم كونهما بصدد التشريع بل لرفع توهم الحظر، و إلّا كان المتعين هو الأمر بالقصر و السعي.

و بذلك يعلم انّ الآيتين ساكتتان عن كون كلّ من القصر و السعي عزيمة أو رخصة، و إنّما يعلم حكمهما من الدليل الخارج، فليس لأحد أن يتمسك بهما في إثبات أحد الأمرين و سيوافيك تفصيله. 6. اختلف فقهاء أهل السنّة في وجوب القصر و عدمه إلى أربعة أقوال:

الأوّل:

انّ القصر هو فرض المسافر المتعين عليه. ذهب إليه أبو حنيفة و أصحابه و الكوفيون بأسرهم. الثاني:

انّ القصر و الإتمام كلاهما فرض مخيّر له، كالخيار في واجب الكفارة. و به قال بعض أصحاب الشافعي. الثالث:

انّ القصر سنّة. و به قال مالك في أشهر الروايات عنه. الرابع:

انّ القصر رخصة، و انّ الإتمام أفضل. و به قال الشافعي في أشهر الروايات عنه و هو المنصور عند أصحابه. و نقل هذه الأقوال ابن رشد القرطبي في «بداية المجتهد» (1) و ذكر‌

____________

(1). ابن رشد: بداية المجتهد: 1/ 161.

13

انّ اختلافهم ناشئ من اختلاف الأدلّة، فالآية ظاهرة في الترخيص، غير أنّ بعض الأدلّة دلّت على العزيمة، أعني:

حديث عائشة الثابت باتّفاق قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرَّتْ صلاة السفر، و زيد في صلاة الحضر، كما يخالفه دليل الفعل، فإنّ المنقول انّ النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) كان يقصر في كلّ أسفاره، و انّه لم يصح عنه (عليه السَّلام) انّه أتمّ الصلاة قط. أقول:

اتّفقت الإماميّة على أنّ التقصير في السفر واجب لا غير. قال الشيخ:

التقصير في السفر فرض و عزيمة و الواجب من هذه الصلوات، الثلاث: الظهر و العصر و العشاء الآخرة، ركعتان، فإن صلّى أربعاً مع العلم وجب عليه الإعادة. (1) و قد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السَّلام) على ذلك و نذكر منها: 1. روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء إلّا المغرب ثلاث». (2)

2. روى حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السَّلام) أنّهما قالا: «الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما و لا بعدهما شي‌ء». (3)

3. روى الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام): صلّيت أربع ركعات و أنا في سفر. قال: «أعد». (4)

*** و أمّا أهل السنّة فقال ابن قدامة:

أمّا السنّة فقد تواترت الأخبار انّ رسول‌

____________

(1). الطوسي: الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة 321.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 و 1.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2 و 1.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6 و لاحظ عامة روايات الباب.

14

اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) كان يقصر في أسفاره حاجّاً و معتمراً و غازياً.

(1) و قال ابن القيّم الجوزيّة:

و التقصير في الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، و لم يثبت انّه أتم الرباعية في سفره البتة. (2) أقول:

لقد تضافرت رواياتهم على أنّ عمل النبي كان على القصر و لم يُرَ منه التمام طيلة عمره، و قد تبعه الخلفاء الأوّل و الثاني و حتى الثالث إلى السنة السادسة من خلافته، و أتمّ بعدها، فهو أوّل من أتمّ في موضع القصر باتّفاق الفريقين. روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر قال:

حجّ النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) فأقام بمنى ثلاثاً يصلّي ركعتين، ثمّ صنع ذلك أبو بكر، و صنع ذلك عمر، ثمّ صنع ذلك عثمان ست سنين، ثمّ أكملها عثمان أربعاً فصلى الظهر أربعاً، ثمّ تمارض ليشد (ليسد) بذلك بدعتَه، فقال للمؤذن: اذهب إلى علي (عليه السَّلام) فقل له: فليصل بالناس العصرَ، فأتى المؤذن علياً (عليه السَّلام) فقال له: إنّ أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلّي بالناس العصر، فقال: إذن لا أُصلي إلّا ركعتين كما صلّى رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) فرجع المؤذن فأخبر عثمان بما قال علي (عليه السَّلام)، فقال: اذهب إليه و قل له: إنّك لستَ من هذا في شي‌ء اذهب فصلّ كما تؤمر، فقال (عليه السَّلام): لا و اللّه لا أفعل، فخرج عثمان فصلّى بهم أربعاً». فلمّا كان في خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه و قُتِل أمير المؤمنين (عليه السَّلام) حجَّ معاوية فصلّى بالناس بمنى ركعتين الظهر، ثمّ سلّم فنظر بنو أُمية بعضهم إلى بعض و ثقيف و من كان من شيعة عثمان، ثمّ قالوا:

قد قضى على صاحبكم و خالف و أشْمتَ به عدوّه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أ تدري ما صنعتَ؟ ما زدت على أن قضيتَ على صاحبنا و أشمتّ به عدّوه و رغبتَ عن صنيعه و سنته،

____________

(1). ابن قدامة: المغني: 2/ 209.

(2). ابن القيم: زاد المعاد: 1/ 158.

15

فقال:

ويلكم أما تعلمون أنّ رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) صلّى في هذا المكان ركعتين و أبو بكر و عمر و صلّى صاحبكم ست سنين كذلك فتأمروني أن أدع سنّة رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل أن يُحدِث، فقالوا: لا و اللّه ما نرضى عنك إلّا بذلك، قال: فاقبلوا فإنّي متبعكم و راجع إلى سنّة صاحبكم فصلّى العصر أربعاً، فلم يزل الخلفاء و الأُمراء على ذلك إلى اليوم. (1) و رواه مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد يقول:

«صلّى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللّه بن مسعود فاسترجع ثمّ قال: صليتُ مع رسول اللّه بمنى ركعتين، و صلّيتُ مع أبي بكر بمنى ركعتين، و صلّيت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان. (2) و هل استرجاع ابن مسعود إلّا للظاهرة التي طرأت آنذاك أول مرّة و هي عدم الاكتراث بسيرة النبي، و الّتي استمر عليها الشيخان و نفس عثمان في صدر خلافته.

ثمّ قد استدل القائل بالرخصة بوجوه أتمّها أمران:

1. ظاهر الآية: أعني قوله سبحانه: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ ...) (النساء/ 101) فإنّ الجناح هو الإثم و هو ظاهر في الجواز لا في الوجوب، فتكون النتيجةُ أنّ القصر رخصة، و المكلّف مخيّر بين الفعل و الترك كسائر الرخص.

يلاحظ عليه:

أنّ الآية ليست بصدد بيان انّ القصر رخصة أو عزيمة، بل هي بصدد بيان رفع توهم الحظر، و كأنّ المخاطب يتصور انّ القصر نقصان في الصلاة و هو أمر محظور، فنزلت الآية لدفع هذا التوهم لتطيب أنفسهم بالقصر،

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

(2). مسلم: الصحيح بشرح النووى: 5/ 204.

16

و أمّا انّه واجب أو سائغ فإنّما يطلب من دليل آخر، و الآية لا تصلح للاستدلال لواحد من القولين.

2. ما استدل به ابن قدامة من أنّ ابن أُمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) و قد أمن الناس، فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول اللّه فقال: صدقة تصدق اللّه بها عليكم فأقبلوا صدقته. أخرجه مسلم (1)، و هذا يدل على أنّه رخصة و ليس بعزيمة و انّها مقصورة.

يلاحظ عليه:

أنّها على خلاف المقصود أدلّ، حيث إنّ الرسول أمر بقبول الصدقة، و الأمر ظاهر في الوجوب، فكيف تحمل الآية على الرخصة؟! أضف إليه:

انّ قياس صدقة اللّه بصدقة الناس قياس مع الفارق، فإنّ صدقته ليست أمراً اعتباطياً، بل هي ناشئة من الحكمة البالغة الإلهية، فيصبح القبول أمراً واجباً. على أنّ الظاهر من أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السَّلام) أنّ رد صدقته محرم حيث قال الصادق (عليه السَّلام):

«إنّ رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ تصدّق على مرضى أُمّتي و مسافريها بالتقصير و الإفطار، أ يسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن تردّ عليه». (2) فتلخص انّ القصر عزيمة، و الإتمام في موضع القصر غير صحيح إلّا ما خرج بالدليل.

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ لوجوب القصر شروطاً ذكرها الفقهاء في كتبهم، و إليك بيانها.

____________

(1). ابن قدامة،: المغني: 2/ 209، و لاحظ صحيح مسلم بشرح النووى: 5/ 196.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 22 من أحكام صلاة المسافر، الحديث 7.

17

الفصل الثاني في شروط القصر

1. المسافة و هي ثمانية فراسخ.

2. قصد قطع المسافة.

3. استمرار قصد المسافة.

4. أن لا يكون من قصده إقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية أو المرور على الوطن.

5. أن لا يكون السفر حراماً.

6. أن لا يكون ممن بيته معه.

7. أن لا يكون ممن اتخذ السفرَ عملًا و شغلًا.

8. الوصول إلى حدّ الترخص.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الشرط الأوّل: المسافة

اتّفق الفقهاء إلّا داود الظاهري على أنّ مطلق السفر غير كاف في التقصير، بل تعتبر فيه المسافة الخاصة، و اختلفوا في حدّها.

فقالت الشيعة الإماميّة و الأوزاعي من أهل السنّة:

إنّه تكفي مرحلة واحدة، و تقدَّر بثمانية فراسخ. و قال أبو حنيفة و أصحابه:

السفر الذي تقصر فيه ثلاث مراحل التي تقدر بأربعة و عشرين فرسخاً، و روي ذلك عن ابن مسعود. و قال الشافعي:

مرحلتان، و تقدر بستة عشر فرسخاً. و قال داود الظاهري:

أحكام السفر تتعلق بالسفر الطويل و القصير. (1) و قد فسرت ثمانية فراسخ في رواياتنا بالبريدين و بأربعة و عشرين ميلًا، و على ضوء ذلك فالعناوين الأربعة التالية واحدة:

1. مرحلة واحدة‌

2. ثمانية فراسخ‌

3. بريدان‌

24. 4 ميلًا‌

و لنقدم شيئاً في توضيح هذه العناوين الأربعة:

____________

(1). الطوسي: الخلاف: 1/ 320، صلاة المسافر.

20

[وحدة هذه العناوين الأربعة]

الأوّل: المرحلة

و هي ثمانية فراسخ، و كانت القوافل بعد نزولها على رأس ثمانية فراسخ يستريحون ثمّ يرحلون، و لأجل ذلك أطلقت المرحلة على نفس المسافة.

و قد عرفت نص الشيخ الطوسي في الخلاف على أنّ المرحلة مصطلح في ثمانية فراسخ.

الثاني: الفرسخ

قال ابن منظور:

الفرسخ: ثلاثة أميال أو ستة أميال سُمِّي بذلك لأنّ صاحبه إذا مشى قعد و استراح من ذلك كأنّه سكن، و هو واحد الفراسخ فارسي معرب. (1) و قال الطريحي:

الفرسخ بفتح السين فارسي معرب، و قُدِّر بثلاثة أميال. (2) أقول:

إذا كان اللفظ فارسياً معرباً، فلعلّه معرب پرسنگ أو پارسنگ. (3) و المراد من پارسنگ هي الأحجار المتراكمة بعضها فوق بعض حتى تصير كتلة واحدة، و تكون علامة لمقدار السير.

و المعروف انّ كلّ فرسخ ثلاثة أميال، و ما ذكره في اللسان من كون كلّ فرسخ ستة أميال فهو قول غير مشهور.

و لعلّ كلّ ميل كان يوم ذاك نصف الميل المعروف، فتصير ستةُ أميال مساويةً لثلاثة أميال.

الثالث: البريد

قال في اللسان:

البريد ما بين كلّ منزلين بريد، و البريد الرّسل على دوابِّ‌

____________

(1). اللسان: 3، مادة فرسخ.

(2). مجمع البحرين، مادة فرسخ.

(3). انظر فرهنگ فارسي للدكتور محمد معين، ص 743.

21

البريد و الجمع بُرُد.

و في الحديث انّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) قال: «إذا أبردتم إليَّ بريداً فاجعلوه حسن الوجه و حسن الاسم»، البريد: الرسول، و إبراده: ارساله، و قيل لدابة البريد بريد أيضاً. (1) و على ضوء ذلك فأصل البريد هو الرسول، ثمّ أطلق مجازاً على ما بين المنزلتين و نفس الدابة.

و يمكن أن يقال انّ البريد من البرد إمّا بمعنى النوم، أو ضدّ الحرارة، و الأصل في ذلك في أنّ الحضارات القديمة كالمعاصرة تهتم بالبريد و كان على رأس كلّ منزل، مأمور يسمى بالبريد يستلم الرسالة ليوصلها إلى منزل آخر و هكذا تتكرر العملية عند كلّ منزل حتى تصل الرسالة إلى محلها، و بما انّ حامل الرسالة كان ينام أو يتبرد حين وصوله بالمنزل سمي بريداً، ثمّ تطور فأطلق البريد على مركبه و المسافة التي يقطعها.

قال ابن إدريس:

و أصل البريد انّهم كانوا ينصبون في الطرق أعلاماً، فإذا بلغ بعضها راكبُ البريد، نزل عنه و سلّم ما معه من الكتب إلى غيره فكان ما به من الحر و التعب يبرد في ذلك، أو ينام فيه الراكب و النوم يسمى برداً، فسمي ما بين الموضعين بريداً، و إنّما الأصل الموضع الذي، ينزل فيه الراكب، ثمّ قيل للدابة بريد، و إنّما كانت البرد للملوك ثمّ قيل للسير بريد. و قال مزرّد بن ضرار يمدح عرابة الاوسي:

فدتك عراب اليوم نفسي و اسرتي * * *و ناقتي الناجي إليك بريدها

(2) و أمّا مقدار المسافة بين البريدين فقد قال الطريحي:

البريد بالفتح على فعيل أربعة فراسخ اثنا عشر ميلًا، و روى فرسخين ستة أميال و المشهور الذي عليه‌

____________

(1). لسان العرب: 3/ 86، مادة «برد».

(2). السرائر: ج 1، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر، ص 328.

22

العمل خلافه.

و في الحديث عن الصادق (عليه السَّلام):

البريد ما بين ظل عير إلى في‌ء وعير ذرعته بنو أُميّة ثمّ جزّءوه اثني عشر ميلًا، فكان كلّ ميل ألفاً و خمسمائة ذراع، و هو أربعة فراسخ. (1) و ما ذكره في تفسير الميل من أنّ كلّ ميل ألفاً و خمسمائة ذراع هو خلاف المشهور كما سيوافيك.

الرابع: الميل

قال في اللسان:

و قيل للأعلام المبنية في طريق مكّة أميال، لأنّها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل و كلّ ثلاثة أميال منها فرسخ. (2) و قال الطريحي:

الميل مسافة مقدّرة بمدّ البصر أو بأربعة آلاف ذراع، بناء على أنّ الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع (3). قال ابن إدريس:

و حدّ السفر الذي يجب معه التقصير بريدان و البريد أربعة فراسخ و الفرسخ 3 أميال و الميل 4000 ذراع على ما ذكره المسعودي في كتاب مروج الذهب (4)، فإنّه قال: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود، و هو الذراع التي وضعها المأمون لذرع الثياب و مساحة البناء و قسمة المنازل، و الذراع أربعة و عشرون اصبعاً. (5) بقي الكلام في أمر خامس و هو الذراع و هو من المرفق إلى أطراف الأصابع،

____________

(1). مجمع البحرين: 3/ 13، مادة «برد».

(2). اللسان: 11/ 639 مادة «ميل».

(3). مجمع البحرين: 5/ 476، مادة «ميل».

(4). مروج الذهب: 1/ 103 ط دار الأندلس بيروت، و في المطبوع مائة مكان أربعة و هو تصحيف.

(5). السرائر: 1/ 328.

23

و يحدد بست قبضات و القبضة أربعة أصابع.

(1) قال الفيومي:

الذراع اليد من كلّ حيوان، لكنّها في الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع، و ذراع القياس ست قبضات معتدلات و يسمى ذراع العامة. (2) و على ذلك فالمسافة الشرعية هي ثمانية فراسخ أو بريدان، و كلّ بريد أربعة فراسخ، و كلّ فرسخ ثلاثة أميال، و كلّ ميل‌

4000 ذراع. نعم يظهر من بعض الروايات انّ الميل أقلّ من‌

4000 ذراع، ففي مرسلة محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) في حديث: انّ رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) لمّا نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم): في كم ذاك؟ فقال: في بريد قال: و أيّ شي‌ء البريد؟ فقال: ما بين ظل عير إلى في‌ء وعير قال: ثمّ عبرنا زماناً ثمّ رأى بنو امية يعملون أعلاماً على الطريق و انّهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر فذرعوا ما بين ظل عير إلى في‌ء وعير، ثمّ جزّءوه على اثني عشر ميلًا فكانت ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كلّ ميل. و في مرسلة الصدوق:

فذرعته بنو أُميّة، ثمّ جزّءوه على اثني عشر ميلًا، فكان كلّ ميل ألفاً و خمسمائة ذراع، و هو أربعة فراسخ. (3) و قال الفيض في الوافي:

«عير» و «وعير» جبلان بالمدينة معروفان. و إنّما قال ما بين ظل عير إلى في‌ء وعير، لأنّ الفي‌ء إنّما يطلق على ما يحدث بعد النّور من فاء يفي‌ء إذا رجع و لعلّ عيراً في جانب المشرق و وعيراً في جانب المغرب، و إنّما العبرة بالظّل عند الطلوع و الغروب. (4)

____________

(1). الطريحي: مجمع البحرين: 4/ 327، مادة «ذرع».

(2). الفيومي، المصباح المنير، مادة «ذرع».

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13 و 16.

(4). الوافي: 5/ 124.

24

و هاتان الروايتان مع تعارضهما في تعيين حدّ الميل لا يعتد بهما.

و ما نقلناه من المعاجم هو الظاهر من روايات الباب.

المسافة الشرعية في لسان الأدلّة

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ المسافة الشرعية الواردة في النصوص عبارة عن الأُمور التالية:

1. ثمانية فراسخ.

2. البريدان.

24. 3 ميلًا.

4. مسيرة يوم أو بياض يوم.

و مرجع الجميع واحد، فهذه العناوين مختلفة مفهوماً متحدة مصداقاً.

و الروايات تارة تقتصر بذكر واحد منها، و أُخرى تثنّي و تجمع بين العنوانين، و ثالثة تثلّث و تذكر ثلاثة منها، و إليك نماذج من كلّ واحدة.

أمّا القسم الأوّل:

أي ما يعتمد على عنوان واحد، و هو: إمّا ثمانية فراسخ فرواها الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السَّلام) في كتابه إلى المأمون:

«و التقصير في ثمانية فراسخ و ما زاد، و إذا قصّرت أفطرت». (1) أو البريدان و يدل عليهما صحيح عاصم، عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال:

«خرج رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) إلى ذي خُشب فقصّر و أفطر» قلت: و كم ذي خشب؟ قال: «بريدان». (2)

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.

25

أو أربعة و عشرون ميلًا، فقد ورد في رواية عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) في حديث قال:

«في التقصير، حدّه 24 ميلًا». (1) أو مسيرة يوم، ففي رواية علي بن يقطين، قال:

سألت أبا الحسن الأوّل عن الرجل يخرج في سفره و هو في مسيرة يوم، قال: يجب عليه التقصير في مسيرة يوم، و إن كان يدور في عمله. (2) و أمّا القسم الثاني أي ما اجتمع فيه العنوانان:

فتارة جمع في الروايات بين بريدين مع أربعة و عشرين ميلًا، و أُخرى بين بريدين و بياض يوم، ففي رواية الكاهلي أنّه سمع الصادق (عليه السَّلام) يقول في التقصير في الصلاة بريد في بريد، أربعة و عشرون ميلًا.

(3) و في صحيحة أبي أيّوب عن الصادق (عليه السَّلام) قال:

سألته عن التقصير، قال: فقال: «في بريدين أو بياض يوم». (4) و أمّا القسم الثالث أي ما اجتمع فيه العناوين الثلاثة:

فتارة يشتمل على مسيرة يوم و بريدين و ثمانية فراسخ، و أُخرى على مسيرة يوم مع بريدين و أربعة و عشرين ميلًا.

ففي رواية سماعة قال:

سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية (5) فراسخ. و في مرسلة الصدوق قال:

و قد سافر رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) إلى ذي خشب و هو مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان، 24 ميلًا فقصّر و أفطر فصار سُنّة. (6) و بذلك يمكن القول بأنّ العناوين الأربعة متحدة مصداقاً.

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 16.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 16.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7.

(5). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8، 4.

(6). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8، 4.

26

نعم هناك روايات تعارضها و هي إمّا محمولة على التقيّة أو مؤوّلة، ففي رواية زكريا بن آدم، انّ الرضا كتب:

«التقصير في مسير يوم و ليلة». (1) و لعلّ الواو بمعنى‌

(أو) أو محمولة على من يسير ثمانية فراسخ في يوم و ليلة. و في رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام):

«لا بأس للمسافر أن يتمّ الصلاة في سفره مسيرة يومين». (2) و هي محمولة على التقية.

و قد عرفت انّ الشافعي يقول بشرطية المرحلتين و هما مسيرة يومين، و مع ذلك يجوّز الإتمام و لعلّه كانت لهذه الفتوى أصل قبل الشافعي.

و في صحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السَّلام) في جواب كم يقصر، فقال:

«في ثلاثة برد» (3) فهو محمول على التقية أيضاً. و أمّا ما رواه سليمان بن حفص المروزي قال:

قال الفقيه (عليه السَّلام): «التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهباً و جائياً، و البريد ستة أميال و هو فرسخان، و التقصير في أربعة فراسخ». (4) فتفسير البريد بالفرسخين مخالف للمشهور، و لعلّ المراد من الفرسخ هو الفرسخ الخراساني و هو ضِعف الشرعي، و يقرّبه انّ الراوي خراساني.

و يؤيد ذلك انّه جعل البريد ستة أميال مع أنّ المشهور انّ البريد اثنا عشر ميلًا، و هو يقرب انّ كل ميل خراساني ضعف الميل المشهور، و لأجل ذلك قال:

و البريد ستة أميال. فعلى من يريد أن تصير المسألة حسّية، فعليه القيام بأُمور ثلاثة على وجه‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، 9، 10.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، 9، 10.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، 9، 10.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

27

مانعة الخلو:

1. ذرع ما بين المدينة وذي خشب الذي قصّر فيه الرسول حسب ما ورد في الرواية.

2. ذرع ما بين الجبلين في المدينة: «عير» و «وعير».

و يظهر من خارطة المملكة السعودية انّ المسافة بين الجبلين‌

20 كيلومتراً و نصف، و الظاهر أنّ المحاسبة على الخط الجوي المستقيم، و هو أقصر الفواصل، و لعلّ السير كان يوم ذاك على غير الطريق المستقيم. 3. ذرع ما بين بغداد القديمة و النهروان على ما في بعض الروايات.

هل الموضوع هو المسافة أو السير الزمني؟

لا شكّ انّ العناوين الثلاثة الأُول لا تختلف، فثمانية فراسخ تعادل بريدين و تعادل‌

24 ميلًا أيضاً. نعم يتصوّر الاختلاف بين التحديد بالمسافة و التحديد بالسير الزمني. فلو افترضنا انّه قطع في مسيرة يوم أقلّ من بريدين، هناك احتمالات ثلاثة:

1. أن يكون كلّ موضوعاً مستقلًا، فأيّهما تحقّق يكفي في الحكم بالتقصير.

2. أن يكون الموضوع هو التحديد بالمسافة، غير انّه لما لم توضع علامات على كلّ الطرق، جعل السير الزمني أمارة على قطع المسافة الشرعية، ففي موارد الشكّ يتمسك بالأمارة إلّا إذا علم التخلف.

3. عكس الثاني بأن يكون الموضوع هو السير الزمني غير انّ القوافل ربما تسير في أوقات مختلفة فتأخذ بالسير تارة من أوّل الفجر، و أُخرى من طلوع الشمس، و ثالثة من انتشار ضوئها، فجعل التحديد بالمسافة أمارة إلى السير‌

28

بياض يوم.

و لا طريق للاحتمال الأوّل لأنّه (عليه السَّلام) جعل التحديدين موضوعاً واحداً، فعن سماعة قال:

سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ. (1) و الأمر مردّد بين الاحتمالين الأخيرين، و الأقوى هو الاحتمال الثاني، و انّ الموضوع في الواقع هو قطع المسافة الشرعية، و لما كان الوقوف على مقدار المسافة أمراً متعسّراً في الأزمنة الغابرة لعدم وجود الاعلام في أكثر الطرق، جعل السير الزمني أمارة على تحقّق المسافة الشرعية، و ذلك بالبيان التالي:

إنّ التحديد بالمسافة تحديد حقيقي قطعي عرفاً، و هو أليق بأن يكون موضوعاً للحكم الشرعي خلافاً للسير الزمني، إذ ربّ قافلة تسير في بياض يوم أربعة فراسخ، و في يوم آخر ستة فراسخ، و في ثالث ثمانية فراسخ، و هو يختلف حسب قصر النهار و طوله، و حسب سهولة الطريق و وعورته و حسب خروجها من أوّل الفجر، أو أوّل الطليعة، أو بعد انتشار ضوء الشمس كما هو المشهود.

فاللائق في مقام التحديد، هو الحد الدقيق العرفي، و أمّا السير في زمن خاص فيجعل طريقاً إليه و يؤخذ بها إذا لم يعلم التخلف، كما هو الحال في الكرّ فإنّ المقياس هو الوزن، و المساحة طريق إليه يؤخذ بها ما لم يخالف الأوّل. ربما يتصور بعض الجدد انّ الموضوع هو السير بياض يوم، و على ذلك لا تقصر في مثل أيّامنا هذه إلّا إذا استغرق السفر بياض يوم بمعنى أن يسير بياض يوم و إن تخللت بينها قسطاً من الراحة.

يلاحظ عليه:

أنّه مبني على أن يكون موضوعه بياض يوم، و قد عرفت انّ‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

29

الموضوع هو السير ثمانية فراسخ، و أمّا التركيز على بياض يوم في بعض الأحاديث فليس لأجل كونه موضوعاً و إنّما الغرض هو رد العامة الذين لا يقصرون إلّا عند مسير يومين‌

(16 فرسخاً) أو ثلاثة أيام (24 فرسخاً). و الإمام يردّها بأنّه إذا لم يكن السير بياض يوم موجباً للقصر، فلا يكون موجباً له حتى في يومين أو ثلاثة أيّام لأنّ كلّ يوم موضوع مستقل مغاير لليوم اللاحق.

نقل الفضل بن شاذان عن الرضا انّه يقول:

«إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، و ذلك لأنّ كلّ يوم يكون بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم فما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله لا فرق بينهما». (1) أضف إلى ذلك إنّ لازم ما ذكر هو عدم جواز التقصير لمن سافر من طهران إلى جدة بالطائرة، فإنّ السفر لا يستغرق إلّا ساعتين و نصف الساعة، و ليست الطائرة من وسائل النقل النادرة، بل أصبحت وسيلة رائجة خاصة في عصرنا هذا و هو كما ترى.

و أمّا ما يقال انّ تشريع التقصير كان لأجل الحرج في السفر، و أمّا السفر في زماننا هذا فترافقه الراحة في غالب الموارد، فلا وجه للقصر.

يلاحظ عليه:

أنّ ما ذكر من قبيل حكمة الحكم لا ملاكه، فكم فرق بين ملاك الحكم و حكمته، فلو قال: الخمر حرام لإسكاره، فهو ملاك الحكم، فلو تبدّل خلًا يكون طاهراً، بخلاف ما إذا قال: وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ

____________

(1). وسائل الشيعة: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

30

قُرُوءٍ، و علم من الخارج أو دلّ الدليل على أنّ سبب التربص استبراء الرحم و العلم بانّ المطلّقة حامل أو لا؟

و الشاهد على أنّه من قبيل الحِكَم، انّه لو علم انّها ليست بحامل، أو كان الزوج غائباً طيلة سنة يجب عليها التربص.

و الحرج في المقام من قبيل حكمة الحكم على أنّ عدم الحرج في مطلق السفر في زماننا أمر غير مقبول، كما انّ اشتمال كون جميع الأسفار على الحرج حتى السفر القريب ليس صحيحاً.

مبدأ المسافة

إذا كان السير بمقدار بريدين موضوعاً للقصر يقع الكلام في مبدأ المسافة، فهل هو فناء الدار، أو آخر المحلة التي يقطنها، أو آخر البلدة، أو حدّ الترخيص، أو يفرق بين المدن الكبيرة و غيرها؟

ففي المدن الكبيرة يكتفى بآخر المحلة و في الصغيرة منها بسورها وجوه و أقوال:

و قد ذكر الشهيد في الذكرى الأقوال على الشكل التالي:

قال الصدوق:

الاكتفاء بالخروج من منزله و هو قول ابن بابويه في الرسالة، و رواه ولده مرسلًا عن الإمام الصادق (عليه السَّلام): إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه. و قال ابن الجنيد:

إنّ المسافر في خروجه يقصر إذا فارق منزله و انقطع عنه رؤية أبيات قريته. (1)

____________

(1). الذكرى، كتاب الصلاة، الشرط السادس من شروط قصر الصلاة و المطبوع غير مرقم.

31

و لا يخفى انّ قول ابن الجنيد ينطبق على القول الأخير و هو الوصول إلى حدّ الترخيص.

و قال الشهيد في الروضة:

و المعتبر آخر البلد المتوسط فما دون و محلته في المتسع. (1) و المسألة من الفقه المستنبط لا المنصوص.

فلا حاجة إلى تتبع الأقوال. فلا بدّ من استنباط الحكم من الأدلّة فنقول:

من اعتبر فناء الدار فلأجل انّه يصدق عليه السفر، و مثله من اعتبر آخر المحلة إذا كانت كبيرة.

يلاحظ عليه:

أنّ صدق السفر و المسافر أحد ركني التقصير، و الركن الآخر كون السفر بمقدار البريدين، فيقع الكلام انّ مبدأ المسافة هل هي فناء الدار، أو آخر المحلة؟ فما لم يحرز الشرط الثاني فلا يكفي صدق السفر أو المسافر. و أمّا القول بأنّ المعيار هو الوصول إلى حدّ الترخص، فلأنّ الشارع لم يرخص الإفطار و التقصير إلّا بعد الوصول إليه، و هو يعرب عن عدم اعتبار هذا المقدار من السير.

يلاحظ عليه:

بأنّه قياس لا نقول به، فإنّ عدم الاعتداد بهذا المقدار من السير في عدم قصر الصلاة و إفطار الصوم لا يكون دليلًا على عدم الاعتداد به في المسافة الشرعية. و الحقّ انّ المعتبر هو آخر المدينة و سورها و ذلك لوجهين:

الأوّل:

انّ التحديد الرائج في جميع الأزمنة هو سور المدينة، فيقال بين بغداد و الحلة كذا فرسخ، و المقياس بين المبدأ و المنتهى هو سور المدينتين.

____________

(1). زين الدين العاملي: الروضة: 1/ 154.

32

و الشاهد عليه انّهم ينصبون الإشارات أوّل المدينة أو آخرها لا في داخلها.

الثاني:

انّه المتبادر عند أصحاب الأئمّة و إليك بعض ما يمكن الاستئناس به. قال الصادق (عليه السَّلام):

و قد سافر رسول اللّه إلى ذي خشب و هو مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان، أربعة و عشرون ميلًا، فقصّر و أفطر فصار سُنة. (1) فالمتبادر من الحديث كون المقياس سور المدينة حتى يصل إلى ذي خُشب.

و مرسلة إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، قال:

سألت الرضا (عليه السَّلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلًا على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان، و هي أربعة فراسخ (2) من بغداد. فبما انّ الراوي يقول «خرج من بغداد» ثمّ يقول و هي «أربعة فراسخ من بغداد» يريد كونها كذلك من المبدأ إلى المنتهى.

و رواية أبي ولاد قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام): إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء. (3) و المتبادر من هذه الروايات انّ المبدأ للحد المذكور فيها هو سور البلد و نهايته.

نعم ربما يفصل بين المدن الكبيرة و غيرها بكون المبدأ هو السور في غير المدن الكبيرة، و المحلة في المدن الكبيرة كما قال المحقّق الهمداني:

بأنّه لا ينبغي الاستشكال في صدق تلبّسه بالسفر من حين خروجه من محلّته، و لا في اندراجه في‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

33

إطلاقات أدلّة التقصير من مثل قوله:

«إذا ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه» فإنّ تقييد مثل هذه المطلقات بما إذا ذهب بريداً بعد خروجه من البلد خصوصاً في مثل هذه البلاد يحتاج إلى دليل، و دعوى انّه لا يصدق عليه اسم المسافر ما لم يخرج عن البلدان فهي غير مجدية في ارتكاب التقييد في مثل هذه المطلقات، لأنّها مسوقة لبيان ما به يتحقّق السفر الموجب للتقصير لا ما يعتبر من المسافة بعد اندراجه في مسمّى المسافر، فلو لم يساعد العرف أو الشرع على تسميته مسافراً إلّا بعد قطعه مقداراً معتداً به من هذه المسافة بل جميعه فليس منافياً لإطلاق هذه المطلقات. (1) يلاحظ عليه:

أنّ الشك إنّما هو في شمول ما أشار إليه من المطلقات لهذا النوع من السير، فإنّ قوله: «إذا ذهب بريداً و رجع بريداً» إذا ضمَّ إلى ما هو المتعارف في ذلك الزمان من نصب الإشارات خارج البلد ينصرف إلى قطع البريدين ذهاباً و إياباً من خارج البلد فلا فرق بين المدن الكبيرة و غيرها. أضف إلى ذلك انّه يلزم أن يحكم على شخص بحكمين متغايرين، فلو افترضنا انّ المقيم في شرق طهران إذا خرج من محلته قاصداً السوق للتجارة فهو يتم و يصوم، و لكنّه إذا خرج عازماً السفر إلى قم فهو يقصر و يفطر في السوق حين وصوله إليها، و هو حكم لا يرتضيه الذوق الفقهي.

و بعبارة أُخرى انّ المقيم في شرق طهران حينما يتجوَّل في شوارعها لشراء السلع لا يحكم عليه بالقصر، و لكنّه إذا عزم السفر إلى منطقة نائية يفطر و يقصر في الشارع الذي كان بالأمس يشتري منه السلع.

نعم فرق المحقّق البروجردي بين الصورتين قائلًا:

بأنّ السير في شوارع البلد من دون أن يكون مقدمة للخروج عن البلد لا يوجب صدق عنوان المسافر، و أمّا‌

____________

(1). المحقق الهمداني: مصباح الفقيه، كتاب الصلاة، ص 724.

34

إذا وقع في امتداد السير إلى خارج البلد كان المجموع ملاكاً لصدق عنوانه كما يشهد بذلك إطلاق العرف هذا العنوان على من خرج من منزله قاصداً للثمانية.

يلاحظ عليه:

بأنّ ما ذكره ادعاء محض، فإنّ إطلاق السفر و المسافر على المتجوّل في شوارع البلد الكبير من باب المجاز و المشارفة خصوصاً بعد وقوفنا على أنّ السفر خلاف الحضر. و بمعنى البروز خلاف الستر، و كأنّ البلد كالمخيَّم ساتر للإنسان و الخروج منه إلى الصحراء موجب للبروز و السفور. قال الأزهري:

و سمّي المسافر مسافراً لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، و منازل الحضر عن مكانه، و منزل الخفض عن نفسه، و بروزه إلى الأرض الفضاء. (1) و معنى ذلك هو ترك البلد بتاتاً، و كأنّ البلد بمنزلة الساتر، و هو بتركه البلد يكشف الستر و يبرز، كما هو الحال في النساء السافرات.

بقي هنا ما يستظهر منه كون المبدأ هو فناء الدار‌

؛ ففي حديث سليمان بن حفص المروزي «و التقصير في أربعة فراسخ. فإذا خرج الرجل من منزله، يريد اثني عشر ميلًا ...» (2) و في رواية عمار: «لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة». (3) و لعلّه إليهما يشير الصدوق في «الفقيه»:

«روي عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) أنّه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه». (4) قال الطريحي:

المنزل واحد المنازل: و هي الدور، هذا و لكن الرائج في التعبير عن المسكن هو الدار، أو البيت، قال سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى

____________

(1). اللسان، مادة سفر.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

35

الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ.

..) (النور/ 61) و قال سبحانه: (تمتعوا في داركم ثَلاثة أيّام ذلِكَ وعدٌ غير مَكذُوب) (هود/ 65) و الظاهر انّ المراد هو محل النزول المعادل للبلد، و يؤيده قوله في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال: «إنّ أهل مكة إذا خرجوا حجّاجاً قصّروا، و إذا زاروا و رجعوا إلى منزلهم أتموا». (1) فإنّ المقصود إذا دخلوا مكة بقرينة صدرها. أو يحمل على منازل الأعراب، حيث إنّ مفارقة البيوت فيها مفارقة للمنطقة كما لا يخفى.

ما هي الحجّة لإحراز الموضوع

إذا كان الموضوع للتقصير هو قصد المسافة المحدودة، فما هو الطريق لإحرازها؟

أقول:

إنّ هناك طرقاً لإحرازه كسائر الموضوعات. 1. العلم بالمسافة.

2. البيّنة: و هي حجّة لإثبات الموضوعات مطلقاً، من غير فرق بين موضوع دون موضوع، و لا باب دون باب؛ و توهم اختصاص حجّيتها لباب التداعي و الترافع، كما هو المحكي عن صاحب الذخيرة، غير تام، لإطلاق أدلّة حجّية البيّنة، مثل قوله في رواية مسعدة بن صدقة: «و الأشياء كلّها على هذا، حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة». (2)

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

(2). الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

36

و الاستبانة هي الحجّية العقلية، و البيّنة هي الحجّية الشرعية.

نعم البيّنة في القرآن تطلق على كل ما يتبيّن به الشي‌ء، قال سبحانه:

(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّٰى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البيّنة/ 1). و لكنّها في لسان الصادقين، هي الشاهدان، و يدل على ذلك روايات:

منها:

انّه جاء لفظ: «الشاهدين» مكان البيّنة في مثل الحديث السابق. قال (عليه السَّلام): «كلّ شي‌ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان انّ فيه ميتة». (1) و منها:

ما ورد في مورد القسامة في صحيح بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال سألته عن القسامة فقال: الحقوق كلّها البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه إلّا الدم خاصة، فإنّ رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلًا منهم، فوجدوه قتيلًا، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيدوه برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قسامة خمسين رجلًا أقيدوه برمّته. (2) ترى أنّ الرسول (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) يطبق البيّنة الواردة في صدر كلامه على رجلين عدلين في ذيل كلامه.

و منها:

ما في مرسلة يونس عمّن رواه قال: استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين، فإن لم يكن رجلين فرجل و امرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل و يمين المدعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه. (3)

____________

(1). الوسائل: الجزء 17، الباب 16 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

(2). الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2، لاحظ في الوقوف على تمام الحديث تعليقة المحقّق.

(3). الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.

37

فقوله:

«البيّنة للمدّعي» ضابطة كلية و الرواية مبينة للصغرى، فلاحظ. 3. العدل الواحد: فإنّه و إن لم يكن حجّة في باب الترافع و في مثل رؤية الهلال، لكنّه حجّة في الموضوعات، و يمكن استنباط القاعدة الكلية مما ورد من حجّية العدل الواحد في موارد مختلفة و قد جمعنا ما ورد في ذلك المجال في كتابنا «كليات في علم الرجال». (1)

4. الاطمئنان: و هو علم عرفي يسكن إليه العقلاء في معاشهم و حياتهم، و جرت السيرة على العمل به و لم تردع، و هذا كاف في حجّيته.

5. الظن: و الأصل في الظن و إن كان هو عدم الحجّية من غير فرق بين الأحكام و الموضوعات، لكن قام الدليل على حجّيته في المقام، و يمكن استظهارها من وجهين:

الأوّل:

روى الصدوق في «العلل» و «العيون» عن الرضا (عليه السَّلام)، أنّه قال: و إنّما جعل مسير يوم، ثمانية فراسخ، لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال و القوافل، و هو الغالب على المسير، و هو أعظم المسير الذي يسيره الحمّالون و المكاريّون. و يستفاد من الحديث أمران:

1. انّ الموضوع الواقعي هو ثمانية فراسخ، و إنّما جعل مسير يوم أمارة على مسير ثمانية فراسخ، فإنّ معنى قوله: «و إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ» هو جعل الأوّل علامة للثاني و أمارة له.

2. فإنّ قوله: «و هو الغالب على المسير» يدل على أنّ قسماً من الجمال و القوافل يسيرون أقلّ من ثمانية فراسخ و إن كانت قليلة، و مع هذا التخلّف جعل مسير القوافل بياض يوم دليلًا على طيّ المسافة و هذا آية انّه لا يشترط العلم بطيّ‌

____________

(1). لاحظ ص 160159.

38

المسير بل يكفي دونه مطلقاً.

الثاني:

انّ الاشارات المنصوبة في عصر الأئمة في الطرق لم يكن على وجه الدقة و إنّما كان على التخمين و الحدس. 6. الشياع: و قد حقّقنا في باب القضاء أنّ الشياع حجّة في موارد خاصّة و ليس المورد منها. قال (عليه السَّلام): «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات، التناكح، المواريث، الذبائح، الشهادات». (1) إلّا أن يكون مستلزماً للظن فلا يكون أمارة مستقلة.

*** في تعارض البيّنتين

: لو تعارضت بينتان فمقتضى الضابطة في سائر الموارد هو تقديم بيّنة المثبت على النافي، في جميع الموارد، و ذلك لأنّ المثبت يدّعي الاطلاع على ما لم يطلع عليه النافي، و لكن الضابطة غير منطبقة على المقام، فانّ الظاهر انّ كلًا من البيّنتين تدعي الاثبات.

انّ احداهما تقول ذرعت و المسافة ثمانية فراسخ، و الأُخرى تقول ذرعتُه و هي أقلّ من ذلك، و على ضوء ذلك فتسقطان، فيرجع إلى القواعد المقررة في باب التعارض، فيدخل في القسم الآتي، و هو الشكّ في المسافة. و لو شكّ في مقدار المسافة بين المبدأ و المنتهى، فهل عليه الجمع بين التمام و القصر، بحجّة العلم الإجمالي بوجوب أحدهما، أو يجب التمام؟

الظاهر هو الثاني، لدخول المقام تحت الدليل الاجتهادي، حيث إنّ المستفاد من جمع الأدلّة هو انّه يجب التمام على كلّ مكلّف إلّا المسافر، أو غير‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 8، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، برقم 1.

39

المسافر على نحو المعدولة و يمكن إحراز عنوان العام بالأصل و يتمسك بالدليل الاجتهادي.

بيانه:

قد تقدم انّ الآية تدل على أنّ الأصل في الصلاة هو التمام، و القصر أمر طارئ، فكأنّه سبحانه يقول: يجب على كلّ مكلّف الإتيان بالصلاة تماماً إلّا إذا كان ضارباً في الأرض و مسافراً، فالموضوع هو المكلف غير المسافر، و من المعلوم انّ المكلّف كان على يقين بأنّه غير مسافر، و شك في بقاء الموضوع، و الأصل بقاؤه على الوصف السابق، و هذا التقرير أسهل ممّا جاء في مصباح الفقيه، أو في تقريرات سيدنا المحقّق البروجردي. هذا هو الاستصحاب الموضوعي الذي ينقح به وجود الموضوع للعام‌

؛ و يمكن أن يتمسك بالاستصحاب الحكمي، و هو استصحاب وجوب التمام على الشاك، و الأصل بقاؤه. و لكن لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي مع وجود الأصل الموضوعي المنقّح لوجود الموضوع العام، الذي هو دليل اجتهادي.***

هل يجب الفحص عن مقدار المسافة؟

ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّه هل يجب الفحص عن مقدار المسافة أو لا؟

ربّما يقال بعدمه، تمسكاً بما هو المشهور منذ عصر الشيخ الأنصاري من عدم وجوب الفحص عن الموضوعات، في الشبهات التحريمية، و الوجوبية، إلّا في موارد ثلاثة كالدماء، و الأعراض، و الأموال.

يلاحظ عليه:

أنّه على خلاف السيرة، فلو شكّ في انّه مستطيع أو لا، أو في انّ ما يجب فيه الزكاة بلغ حدّ النصاب أو لا؟ قد أفتوا بوجوب الفحص إذا لم‌

40

يكن حرجيّاً، و سيرة العقلاء تدعمه، و لأجل ذلك ذهبنا إلى وجوب الفحص عند الشكّ في وجود الموضوع للحكم الشرعي الإلزامي، إلّا إذا كان مستلزماً للحرج.

و في نهاية المطاف نقول:

لو صلّى اعتماداً على الدليل، فظهر الخلاف، فالأقوى هو الإجزاء من غير فرق بين كون الدليل هو الأصل العملي، أو الأمارة، لما قلنا في محلّه من أنّ معنى الأمر بالأصل و الأمارة في تشخيص الوظيفة يلازم عرفاً باكتفاء المولى في تحصيل أغراضه بما يؤدى إليه الدليل. و ما يقال من أنّ حجّية البيّنة أو الأمارة من باب الطريقية، و هذا يدل على أنّ الملاك هو الواقع، فإذا تخلّف عن الواقع تجب عليه الإعادة أو القضاء، غير تام، لأنّ معنى اعتبارها من باب الطريقية، ليس إلّا انّ الشارع لاحظ انّها تطابق الواقع في أغلب الموارد و تخالفها في أقلّها، فصار ذلك سبباً للاعتبار على وجه الإطلاق و الاقتصار في تحصل الأغراض، بالأغلب مطابقة، و صرف النظر عن بعث المكلف إلى تحصيل العلم لما فيه من الحرج، و قد أشبعنا الكلام في باب الاجزاء من علم الأُصول.

في المسافة التلفيقية

لا شكّ في وجوب التقصير إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ فما فوقها، إنّما الكلام فيما إذا كانت المسافة دون الثمانية فراسخ و إن كان المجموع ذهاباً و إياباً ثمانية فراسخ أو أزيد، و لنذكر صور المسألة و الأقوال فيها:

الأُولى:

أن يكون كلّ من الذهاب و الإياب أربعة فراسخ. الثانية:

أن يكون الذهاب خمسة فراسخ و الإياب ثلاثة فراسخ. الثالثة:

أن يكون الذهاب ثلاثة فراسخ و الإياب خمسة فراسخ. و على جميع التقادير فإمّا أن يكون الذهاب و الإياب في يوم واحد أو ليلة‌

41

واحدة أو الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه و عدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء، أو يكون الذهاب في يوم و الإياب بعد المبيت.

و اعلم أنّ اشباع جميع الصور يتوقف على الكلام في مقامين:

الأوّل:

فيما إذا لم يكن كلّ من الذهاب و الإياب أقلّ من أربعة فراسخ. الثاني:

فيما إذا كان أحدهما أقلّ من أربعة فراسخ و لكن المجموع لا يقل عن ثمانية فراسخ. فإليك الكلام في المقام الأوّل، فقد اختلفت فيه كلمة الأصحاب إلى أقوال أنهاها بعضهم إلى سبعة:

الأوّل:

تعيّن الاتمام مطلقاً. و قد نسب إلى الحلبي في «الكافي»، و المرتضى في «الانتصار»، و ابن زهرة في الغنية. قال الحلبي:

و فرض التمام يختص الحاضر، و المسافر في معصية، و المسافر للّعب و النزهة، و المسافر أقلّ من بريدين و هما أربعة و عشرون ميلًا. (1) و قال المرتضى في «الانتصار»:

و ممّا انفردت به الإمامية تحديدهم السفر بالذي يجب فيه التقصير في الصلاة ببريدين، و البريد أربع فراسخ، و الفرسخ ثلاثة أميال، فكانت المسافة أربعة و عشرون ميلًا. (2) و قال ابن زهرة في «الغنية» عند البحث عمّن يجب عليه التمام:

أو كان في سفره أقلّ من بريدين و هما ثمانية فراسخ. (3) و لا يخفى دلالة العبائر الثلاث على وجوب التمام في المسافة التلفيقية لأجل‌

____________

(1). الحلبي: الكافي: 116.

(2). المرتضى: الانتصار: 50.

(3). ابن زهرة: الغنية: 73.

42

تخصيص القصر بالمسافة الامتدادية و هي قابلة للتأمل، لأنّها منصرفة إلى الامتدادية.

الثاني:

تعيّن القصر مطلقاً سواء قصد الرجوع أم لم يقصد فتكون نفس الأربعة تمام الموضوع لتعين القصر. نسب هذا القول إلى الكليني لأنّه اقتصر في مقام بيان المسافة على ما تدل على أربعة فراسخ و لم يذكر مما يدل على اعتبار الثمانية. (1) و هو عجيب جدّاً. و قال في «الحدائق»:

حكى ذلك بعض مشايخنا من متأخري المتأخرين. (2) الثالث:

تعيّن القصر إذا أراد الرجوع سواء رجع في يومه أو بعده و هو خيرة الصدوق في «المقنع»، قال: و الحدّ الذي يجب فيه التقصير مسيرة بريدين ذاهباً و جائياً و هو مسيرة يوم. (3) و هو أيضاً خيرة السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى».

(4) الرابع:

التقصير إذا أراد الرجوع ليومه و الإتمام فيما إذا لم يرد و هو خيرة ابن إدريس في «السرائر» و المحقّق في «الشرائع». قال ابن إدريس:

و إن كانت قدر المسافة أربعة فراسخ للمارّ إليها و نوى، و أراد الرجوع من يومه عند الخروج من منزله لزمه أيضاً التقصير، فإن لم ينو الرجوع من يومه و لا أراده وجب عليه التمام و لا يجوز له التقصير. (5) و قال المحقّق:

و لو كانت المسافة أربعة فراسخ و أراد العود ليومه فقد كمل‌

____________

(1). الكافي: 3/ 432.

(2). البحراني: الحدائق: 11/ 316.

(3). الصدوق: المقنع: 125.

(4). العروة الوثقى، فصل في صلاة المسافر.

(5). ابن إدريس: السرائر: 1/ 329.

43

مسير يوم و وجب التقصير.

(1) الخامس:

التقصير إذا أراد الرجوع ليومه و التخيير بين القصر و الإتمام إذا لم يرد الرجوع نسبه المحقّق البروجردي إلى المشهور بين القدماء من أصحابنا (2) نقله ابن إدريس عن بعض أصحابنا و قال يكون مخيراً بين الإتمام و التقصير في الصوم و الصلاة و هو مذهب شيخنا المفيد. (3) و قال الشيخ:

فمتى ما كانت المسافة أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه وجب أيضاً التقصير و من لم يرد الرجوع فهو بالخيار في التقصير و الإتمام. (4) و قال سلّار:

فإن كانت المسافة أربعة فراسخ و كان راجعاً من يومه قصر واجباً و إن كان راجعاً من غده فهو مخير بين التقصير و الإتمام. (5) و عليه «فقه الرضا»، و الصدوق في «أماليه». قال في الأوّل:

«فإن كان سفرك بريداً واحداً و أردتَ أن ترجع في يومك قصّرت، لأنّ ذهابك و مجيئك بريدان» ... «فإن سافرت إلى موضع مقدار أربعة فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار إن شئت تممت و إن شئت قصرت». (6) و قال الصدوق في «الأمالي»:

من انّ المسافة إن كانت أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتم و إن شاء قصّر و لو كانت أربعة فراسخ و أراد الرجوع ليومه وجب القصر فانّه من دين الإمامية. (7)

____________

(1). المحقّق الحلي: الشرائع: 1/ 101، منشورات الاستقلال.

(2). البدر الزاهر: 70.

(3). السرائر: 1/ 329.

(4). النهاية: 122.

(5). ابن سلار: المراسم: 75.

(6). المستدرك: الجزء 6، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

(7). الصدوق: الأمالي: 383، الطبعة الحجرية.

44

السادس:

التخيير مطلقاً سواء رجع أو لم يرجع نسب إلى الشيخ في التهذيب. (1) السابع:

تعيّن القصر لمن أراد الرجوع قبل العشرة و تعيّن الإتمام لغيره. نقل عن ابن أبي عقيل كما في المختلف‌

(2) و الوسائل (3). و أظنّ انّ هذا القول نفس القول بتعين التقصير مطلقاً سواء رجع في يومه أو لا و ليس شيئاً مغايراً له، فتكون الأقوال ستة لا سبعة.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الروايات في المقام على طوائف ثلاث:

الطائفة الأُولى:

ما تدل على كون المسافة ثمانية فراسخ. الطائفة الثانية:

ما تدل على كفاية أربعة فراسخ. الطائفة الثالثة:

ما تدل على كفاية كون الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ.

فإليك عرض الروايات

الطائفة الأُولى:

ما تدل على أنّ القصر إنّما هو في ثمانية فراسخ أو بريدين أو بياض يوم أو مسيرة يوم أو أربع و عشرين ميلًا على اختلاف التعبيرات، و قد قلنا انّ مآل الجميع واحد و هي بصدد بيان المسافة الواقعة بين المبدأ و المقصد، و قد تعرّفت على الروايات فلا حاجة للتكرار، و الهدف الأساسي للأئمّة من نقل فعل رسول اللّه من أنّه قصر عند مسيره إلى ذي خُشب. (4) أو بين الجبلين، أو جعل حد‌

____________

(1). الطوسي، التهذيب، ج 3، الباب 23 من أبواب الصلاة في السفر ذيل الحديث 3، ص 208 و مختاره في هذا الكتاب يغاير مختاره في النهاية.

(2). العلّامة: المختلف: 3/ 102.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، ص 502.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

45

الأميال من ظل عير إلى في‌ء وعير‌

(1) إنّما هو ردّ ما اشتهر بين العامة في ذلك الزمان حيث كانوا يشترطون المرحلتين كما عليه الشافعي، أو ثلاث مراحل كما عليه أبو حنيفة فالإمام يرد فتاواهم بأنّ رسول اللّه قصر في مسافة أقلّ ممّا اعتبروه. (2) و بما انّ النزاع بين أئمة أهل البيت و سائر الفقهاء كان في مورد السفر الامتدادي دون التلفيقي فلا تكون ناظرة إلى السفر التلفيقي.

الطائفة الثانية:

ما تدل على التقصير في أربعة فراسخ أو بريد من دون تقييد بالذهاب و الإياب على وجه لو أخذ بإطلاقها لكانت معارضة للطائفة الأُولى و هي كثيرة. 1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السَّلام)، قال: «التقصير في بريد، و البريد أربعة فراسخ». (3)

2. صحيحة زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) يقول: «يقصّر الرجل في مسيرة اثني عشر ميلًا». (4)

3. صحيحة إسماعيل بن الفضيل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن التقصير قال: «في أربعة فراسخ». (5)

4. صحيحة أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام): أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ قال: «بريد». (6)

5. موثقة عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن القادسية أخرج إليها أُتم أم أُقصر؟ قال: «و كم هي؟» قلت: هي التي رأيت، قال: «قصّر». (7)

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1312.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 7، 6، 12، 13.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 5.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 5.

(5). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 5.

(6). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، 7.

(7). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، 7.

46

و القادسية موضع بينه و بين الكوفة خمسة عشر ميلًا.

6. رواية أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر: في كم التقصير؟ قال: «في بريد». (1)

و هذه الروايات بظاهرها تنافي الطائفة الأُولى حيث إنّ الأُولى تدل على أنّ المسافة المرخصة للقصر هي ثمانية و هذه الطائفة تدل على أنّها أربعة، فلولا الطائفة الثالثة التالية لبقي التعارض إلّا أنّه يعالج بالطائفة الثالثة و هي الآتية.

الطائفة الثالثة:

ما تدل على التحديد بأربعة فراسخ مع التقيد بأنّ ذلك لأجل ضم الإياب إلى الذهاب حتى تحصل منها جميعاً ثمانية فراسخ و هي: 1. صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ قال: «بريد ذاهباً و بريد جائياً». (2)

2. صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن التقصير فقال: «بريد ذاهب و بريد جائي».

و كان رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) إذا أتى ذباباً قصر، و «ذباب» على بريد، و إنّما فعل ذلك، لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».

(3) 3. موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السَّلام) قال: سألته عن التقصير، قال: «في بريد» قلت: بريد؟ قال: «إنّه إذا (4) ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه».

4. رواية سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه (عليه السَّلام): «التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهباً و جائياً». (5)

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9، 4.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9، 4.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9، 4.

(5). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9، 4.

47

5. رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السَّلام) في كتابه إلى المأمون قال: «إنّما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك، لأنّ ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهباً، أو بريد ذاهباً و بريد جائياً، و البريد أربعة فراسخ». (1)

6. مرسل «تحف العقول» عن الرضا (عليه السَّلام) في كتابه إلى المأمون قال: «و التقصير في أربعة فراسخ بريد ذاهباً و بريد جائياً اثني عشر ميلًا، و إذا قصّرت أفطرت». (2)

7. خبر صفوان عن الرضا في حديث انّه سأل عن رجل خرج من بغداد، فبلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد، قال: «لو انّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً و جائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً و الإفطار. فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصّر و لم يفطر يومه ذلك». (3)

8. رواية محمد بن أسلم: هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال: لأنّ التقصير في بريدين و لا يكون التقصير في أقلّ من ذلك، فإذا كانوا قد ساروا بريداً و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، و إن كانوا ساروا أقلّ من ذلك، لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة. (4)

أقول:

لا شكّ في وجود التنافي بين الطائفتين: الأُولى و الثانية حيث تركِّز الأُولى على ثمانية فراسخ، و الثانية على كفاية أربعة فراسخ، غير انّ الذي يرفع التعارض و يوجد الوفق بينهما هو الطائفة الثالثة حيث تدل على أنّ المقصود من الثمانية فراسخ، هو الأعمّ من الامتدادية و التلفيقية و الاكتفاء بالبريد، لأجل انّه مع الرجوع يكون ثمانية. إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مقامين:

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 18، 19، 8.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 18، 19، 8.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 18، 19، 8.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.

48

[إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مقامين]

المقام الأوّل: في عدم اشتراط قصد الرجوع في يومه في المسافة التلفيقية

لا يشترط في طي المسافة الامتدادية وقوع السير في يوم واحد، بل يكفي وقوعه في يومين أو أكثر ما لم يخرج عن كونه مسافراً و ضارباً في الأرض، كما إذا سافر كلّ يوم كيلومتراً واحداً للتنزه، و حينئذ يقع الكلام في طي المسافة التلفيقية، هل يشترط قصد وقوعها في يوم واحد أو لا؟

و بعبارة أُخرى:

يقع الكلام في شمول الروايات الدالة على كفاية كون الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ لمن لم يرد الرجوع ليومه، أو اختصاصها بما إذا قصد الرجوع في يومه؟ و التحقيق عدم الاشتراط و ذلك لوجوه:

الأوّل:

إطلاق ما تضافر عنهم (عليهم السَّلام) من أنّه يكفي بريدان ذاهباً و جائياً من دون تقييد للرجوع في يومه، و إليك بعض النصوص: 1. رواية زرارة: بريد ذاهب و بريد جائي. (1)

2. رواية الفضل بن شاذان: لأنّ ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهباً أو بريد ذاهباً و بريد جائياً. (2)

3. رواية معاوية بن وهب: بريد ذاهباً و بريد جائياً. (3)

4. رواية سليمان بن حفص المروزي: بريدان ذاهباً، أو بريد ذاهباً و جائياً. (4)

فلو كان الرجوع شرطاً لزم التعرض به مع كثرة الابتلاء، فإنّ المسافر تارة يبيت في المقصد و أُخرى يرجع.

مضافاً إلى ما سيوافيك من رواية إسحاق بن عمّار‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.

49

من إطلاقها للراجع في يومه و عدمه في الوجه الثالث.

الثاني:

ما يدل على أنّ أهل مكة عليهم التقصير إذا خرجوا إلى عرفات. 1. ففي صحيحة معاوية بن عمار المروية في كتب المشايخ الثلاثة بالاسانيد الصحيحة انّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام): إنّ أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات، فقال: «ويلهم أو ويحهم و أي سفر أشد منه، لا تتم». (1)

2. موثقة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام): في كم أقصر الصلاة؟ فقال: «في بريد أ لا ترى انّ أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير». (2)

3. خبر إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السَّلام) في كم التقصير؟ فقال: «في بريد، ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه، فقصَّروا». (3) و المراد أهل مكة بقرينة الرواية السابقة.

4. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال: «إنّ أهل مكة إذا خرجوا حجاجاً قصّروا، و إذا زاروا و رجعوا إلى منزلهم أتمّوا». (4) و المراد من منزلهم هو بلدهم.

5. صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السَّلام) قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى عرفات (منى ن ل) وجب عليه التقصير» (5) و الرواية عند المشايخ دليل على أنّ الإقامة قاطعة لموضوع السفر لا قاطعة لحكمه بشهادة انّ الإمام نزّل المقيم منزلة أهل مكة، و سيوافيك الكلام فيه.

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.

(4). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.

(5). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

50

6. و في رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) قال: «أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم، ثمّ رجعوا إلى منى أتموا الصلاة، و إن لم يدخلوا منازلهم قصّروا». (1)

وجه ذلك انّه إذا لم يدخلوا منازلهم فهم مسافرون، لأنّهم خرجوا يوم التروية للوقوف في عرفات و لما ذهبوا إلى منى و رجعوا يوم العاشر لأداء مناسك الحجّ فقد دخلوا أوطانهم، فإذا خرجوا إلى منى للبيتوتة في ليلة الحادي عشر فقد خرجوا إلى ما دون المسافة.

إنّ دلالة هذه الطائفة من الروايات لفظية بخلاف دلالة الطائفة الأُولى فإنّها بالإطلاق، و لذلك لو دلّ شي‌ء على اشتراط قصد الرجوع ليومه يمكن تقييد الطائفة الأُولى بخلاف الطائفة الثانية فلا يمكن تقييدها، بل يقع التعارض بينها و بين الطائفة الثانية.

الثالث:

الروايات المنزلة للمسافة التلفيقية مكان الامتدادية. إنّ الروايات المنزلة للمسافة التلفيقية منزلة الامتدادية توجب وحدة الحكم في كلا الموردين.

بيان ذلك:

انّ القسم الأوّل من الروايات، أعني: ما دلت على اشتراط قصد ثمانية فراسخ، أو بريدين، أو أربعة و عشرين ميلًا، أو بياض يوم، ظاهر في المسافة الامتدادية. و لا يتبادر منه التلفيق بين الذهاب و الإياب غير انّ الطائفة الثالثة كشفت عن مصداق كان خفياً على العرف، و هو انّه إذا بلغ الذهاب و الإياب ثمانية فراسخ، فهو أيضاً من مصاديق الطائفة الأُولى، و هذا ما نسمّيه بالحكومة.

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

51

روى الصدوق، عن زرارة بن أعين، قال:

قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السَّلام) عن التقصير، فقال: «بريد ذاهب و بريد جائي». قال:

و كان رسول اللّه (صلَّى الله عليه و آله و سلَّم) إذا أتى ذباباً قصر، و ذباب على بريد، و إنّما فعل ذلك، لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ». (1) إنّ لسان الحديث لسان الحكومة حيث يعلل بأنّه إذا رجع يكون سفره من مصاديق الموضوع الواقعي‌

(بريدان أو ثمانية فراسخ). و على ضوء ذلك فالمسافة التلفيقية و الامتدادية مصداقان لموضوع واحد، و كأنّ الموضوع هو السير ثمانية فراسخ بأيّ وجه اتّفق، أو بياض يوم كذلك، و لهما مصداقان:

أحدهما:

أن يسير ثمانية فراسخ امتداداً، و الثاني: أن يذهب أربعة و يرجع أربعة، و عند ذلك يتّحد المصداقان في الحكم، فكما انّه لا يشترط في كون السير مستغرقاً لبياض يوم بل يمكن أن يستغرق أيّاماً، فكذلك الفرد الثاني لهذا الموضوع لا يشترط فيه الرجوع ليومه أيضاً. و مثل رواية زرارة خبر إسحاق بن عمّار قال:

سألت أبا الحسن عن قوم خرجوا في سفر فلما انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا من الصلاة، فلمّا صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلّا به ... قال: «إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة قاموا أو انصرفوا، فإذا مضوا فليقصروا ثمّ قال: هل تدري كيف صار هكذا؟» قلتُ: لا، قال: «لأنّ التقصير في بريدين و لا يكون التقصير أقلّ من‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14 و 15.

52

ذلك، فإذا كانوا قد ساروا بريداً و أرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير».

(1) و دلالتها على التنزيل واضحة مضافاً إلى إطلاق قوله «أم انصرفوا» الشامل للراجع من يومه و عدمه، كما أوعزنا إليه في الوجه الأوّل. و مثله مرسل إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، عن الرضا (عليه السَّلام) في حديث:

«لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً و جائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً و الإفطار». (2) و الاستدلال لأجل التنزيل. نعم في سند رواية إسحاق بن عمار:

محمد بن أسلم حيث لم يوثق. فتلخص من جميع ما ذكرنا انّ الأقوى هو القصر من غير فرق بين قصد الرجوع و عدمه.

دليل من اشترط قصد الرجوع

استدل على شرطية الرجوع و عدم تخلل الفصل بوجهين:

1. موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السَّلام) قال: سألته عن التقصير، قال: «في بريد»، قلت: بريد؟ قال: «إنّه إذا ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه». (3)

فإنّ المتبادر من الحديث هو شغل اليوم و هو يتوقف على عدم الفصل بين الذهاب و الإياب غير المتعارف.

و حاصل الاستدلال انّ هنا ظهورين ظهور لصدرها و ظهور لذيلها.

أمّا الصدر، أعني قوله:

«إذا ذهب بريداً و رجع بريداً»، فهو شامل لمطلق الرجوع أي رجع في يومه أو بعده. و أمّا الذيل فإنّ قوله: فقد شغل يومه فله فردان، الشغل الشأني و الشغل الفعلي إلّا انّ الظاهر هو الثاني، فيتعارض الظهوران فيقدم ظهور الذيل على ظهور الصدر لكونه من متمماته. يلاحظ عليه:

مضافاً إلى أنّه لا يتجاوز عن حدّ الإشعار بأنّ الرواية بصدد دفع تعجب الراوي من افتاء الإمام بكفاية البريد الواحد مع أنّ الضابطة عندهم (عليهم السَّلام) هو البريدان، أو مسيرة يوم، فأجاب الإمام (عليه السَّلام) بأنّ إيجاب التقصير هنا لا ينافي الضابطة السابقة، لأنّه إذا رجع يكون سيره بريدين أو مقدار مسيرة يوم.

فالرواية بصدد دفع التعجب و انّ المورد غير خارج عن الضابطة و أمّا كون السير متصلًا أو منفصلًا فليست ناظرة له.

و إن شئت قلت:

إنّ قوله: «فقد شغل يومه» بصدد إدخال المورد إمّا تحت البريدين، أو بياض يوم، فقوله: «إذا ذهب بريداً‌

____________

(1). الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.

(2). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

(3). الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.

53

و رجع بريداً» بصدد إدخاله تحت البريدين و قوله:

«فقد شغل يومه» بصدد بيان انّه داخل تحت بياض يوم و مسيرته، من دون نظر إلى كون السير متصلًا أو منفصلًا، لأنّهما ليسا مطروحين للمتكلم في المقام، حتى نأخذ بأحدهما. و عند ذلك لا وجه لحمل الشغل، إلى الشغل الفعلي، و لا وجه للقول بكونه ظاهراً فيه لما عرفت من أنّ مصب الرواية شي‌ء آخر.

و بعبارة أُخرى يريد الإمام بيان انّ المشقة الموجودة في السير الامتدادي موجودة في السير التلفيقي، و أمّا شرطية الاتصال و عدمه فليس بصدد بيانه.

و لأجل ما ذكرنا نقل عن السيد السند في «المدارك» إلى أنّها غير صريحة في المدعى، بل ربّما لاح منها انّ التعليل بكونه إذا ذهب بريداً و رجع بريداً شغل يومه، إنّما وقع على سبيل التقريب إلى الافهام.

54

الثاني:

ما ورد في «الفقه الرضوي»: فإن كان سفرك بريداً واحداً و أردت أن ترجع من يومك قصرت، لأنّ ذهابك و مجيئك بريدان. (1) و يلاحظ عليه:

أنّ «الفقه الرضوي» ليس كتاباً حديثياً، و إنّما هو كتاب فتوى لأحد العلماء السابقين، و هو مردّد بين كتاب التكليف للشلمغاني، أو كتاب الشرائع لوالد الصدوق. و بذلك تبيّن قوة القول المختار و ضعف بقية الأقوال.

أمّا القول بتعيّن القصر مطلقاً سواء أراد الرجوع أم لم يرد، فهو منسوب إلى الكليني، لأنّه اكتفى برواية البريد و لم يذكر من الثمانية شيئاً.

و لا أظن انّ الكليني يفتي بذلك، فانّه لم يقل به أحد من علماء الإمامية. و أمّا انّه لم يذكر من روايات الثمانية شيئاً، فلم أقف على وجهه.

و أمّا القول بتعيّن القصر مطلقاً بشرط قصد الرجوع، سواء رجع من يومه أو بعده، فهو القول المختار، و قد عرفت دليله القاطع، و عليه مشايخنا العظام.

و أمّا التفصيل بين الرجوع في يومه فيقصر و الإتمام إذا لم يرجع فقد استند إلى رواية محمد بن مسلم و الفقه الرضوي، و قد عرفت عدم دلالة الأُولى و عدم حجّية الثانية.

و أمّا القول بالتخيير مطلقاً سواء رجع في يومه أو لا، فهو الظاهر من الشيخ في كتابي التهذيب و الاستبصار، و لعلّ وجهه انّه (قدَّس سرَّه) وجد الروايات متعارضة فأفتى بالتخيير بين القصر و الإتمام عند قصد الرجوع سواء رجع ليومه أو بعده، فالتخيير، تخيير في المسألة الأُصولية لا في المسألة الفقهية و إن كان ينتهي إليها أيضاً.

و لكن التعارض فرع عدم الجمع الدلالي، و قد عرفت بإمكان الجمع بين الروايات.

____________

(1). مستدرك الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.