المرتقى إلى الفقه الأرقى - كتاب الحج - ج1

- السيد محمد الروحاني المزيد...
461 /
7

المجلد الأول

تقديم

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لولي النعم، و الصلاة و السلام على نبيّه هادى الامم، و على آله مصابيح الهدى و أولياء الكرم، و اللعن على أعدائهم ناشرى الضلال و الظلم.

و بعد، هذا الكتاب هو جمع لما ألقاه سماحة آية اللّه العظمى، سيدنا الأستاذ الروحاني اكرم اللّه تعالى مثواه بمستوى الدراسات العالية فى الجامعة الاسلاميّة الكبرى، النجف الأشرف، منذ فترة تتجاوز ربع قرن من الزمن، بقلم أحد أعلام المشاركين فى الحضور، و هو فقيدنا الشهيد السعيد، آية اللّه السيد عبد الصاحب الحكيم طاب ثراه.

[2] لقد شارك المؤلف طاب ثراه في حضوره جلسات سيدنا الاستاذ المعظّم نور اللّه ضريحه مشاركة ممتازة باستيعابه دقائق البحث، و فهمه البالغ فى الإحاطة بجوانبه، و أن لا يترك من فوائد شاردة و لا واردة، و لا تفوته منها نكتة و لو‌

8

كانت عابرة، و إن كتاباته طاب ثراه لمحاضر الدرس- حقّا- لتمثل بوضوح تلك الخصيصة، و الميزة التي امتاز بها (رحمه اللّه)، و من جملتها كتاب الحج، و هو هذا الكتاب.

[3] النسخة الأصليّة من الكتاب، و هي بخطّ يد المؤلّف (رحمه اللّه) مودعة في مكتبة آية اللّه العظمى، السيد الحكيم (قدّس سرّه) فى النجف الأشرف، و قد وصلت منها نسخة مصورة، و خطيت بموافقة سيّدنا الاستاذ المعظم (قدّس سرّه) على نشرها، لكن المقادير شاءت فكان الأمر كما شاءت، و التحق سيّدنا الاستاذ طاب ثراه بالرفيق الأعلى، و لم يمهّد بعد مقدّمات طبع الكتاب. و سوف يودع- إن شاء اللّه تعالى- نسخة مصورة أخرى منه في مكتبة آية اللّه العظمى النجفي المرعشي طاب ثراه- العامّة- بقم المقدّسة.

[4] الكتاب يقع في جزءين، و قد عرفت- بادئ الأمر- اللجنة الثقافيّة مشرفة على نشر آثار سيدنا الاستاذ المعظّم طاب ثراه أن تستدرك ما جاء فى الكتاب على ضوء ما ألقاه سماحة سيّدنا الاستاذ (قدّس سرّه) فى الدورة الثانية بقم المقدّسة، ثمّ استقرّ الرأي على إلحاق ذلك بالكتاب في جزء مستقل، إن شاء اللّه تعالى.

[5] تمّ الإعداد لنشر الكتاب، و قد مضى قرابة ستّة عشر عاما من السنين على تاريخ الاستشهاد المؤلف طاب ثراه و لم يكن (قدّس سرّه) قد اختار لكتابه عنوانا خاصا، و لكن اللجنة مشرفة آنفة الذكر رأت- بعد أخذها الموافقة المبدئيّة من انجال‌

9

المؤلّف الأكارم حرسهم اللّه تعالى بعينه الّتي لا تنام- أن يكون العنوان هو ما سبق نشره من تقرير سيّدنا الاستاذ باسم «المرتقى إلى الفقه الأرقى»، و هو العنوان الّذي كان قد نال رضا سيدنا الاستاذ طاب ثراه في حينه. فجاء الكتاب بهذا العنوان، ضمن سلسلة «موسوعة الامام الروحاني (قدّس سرّه)».

و الحمد للّه أولا و أخرا، و هو المستعان مبدأ و ختاما.

محمد صادق الجعفري 3/ ربيع الاول/ 1419‌

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

كتاب الحجّ

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الحج و هو يعتمد على ثلاثة أركان:

الركن الأوّل: في المقدمات

و هي أربع:

المقدّمة الأولى: فى المعنى

الحجّ و إن كان في اللغة القصد، فقد صار في الشرع اسما لمجموع المناسك المؤدّاة فى المشاعر المخصوصة (1).

____________

(1) اختلف القوم في بيان حقيقة الحج الشرعيّة. فعرّفه المصنف بأنه مجموع المناسك المؤدّاة فى المشاعر المخصوصة.

14

و هو فرض على كل من اجتمعت فيه الشرائط الآتية (2)، من الرجال و النساء و الخناثي. و لا يجب بأصل الشرع (3) إلّا مرّة واحدة (4)، و هي حجّة الإسلام.

و عرّفه غيره (1) بأنّه القصد إلى بيت اللّه تعالى لاداء مناسك خاصة.

و قد صارت هذه التعريفات مجالا للنقض و الإبرام و الإيراد بعدم الطرد و العكس، و بما أن المقصود من هذه التعاريف ليس إلّا شرح الاسم و تقريبه إلى الذهن، مضافا إلى أنه ليس هناك أي أثر في تحقيق حقيقته، لأجل ذلك رأينا ان الإغماض عن سرد الإيرادات و المناقشة فيها- لو كانت- و الاكتفاء بمجرّد الإشارة هو المتعين.

____________

(2) لا شبهة في وجوب الحج، بل هو من الضروريات التي لا تقبل الإنكار، كيف و صريح القرآن يدل عليه. و وجوبه على مطلق من اجتمعت فيه الشرائط من رجل و امرأة و خنثى، مما يدل عليه اطلاق الآية الكريمة: ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا- الآية (2)، كما يدل عليه الإجماع و الضرورة الفقهية مضافا إلى إطلاق النصوص.

(3) إشارة إلى أنّه قد يجب لعارض، كالنذر و نحوه.

(4) كما عليه إجماع المسلمين. و الآية الكريمة لا تدلّ على أكثر من المرة و‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 220، الطبعة الاولى.

(2)- سورة آل عمران، 3: 97

15

..........

يشهد له بعض النصوص، ك‍:

رواية هشام بن سالم، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «ما كلف اللّه العباد إلا ما يطيقون إنما كلفهم في اليوم و الليلة خمس صلوات- إلى أن قال:- و كلفهم حجة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك (1)».

و رواية الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السّلام)، قال: «إنما امروا بحجة واحدة لا أكثر من ذلك، لأن اللّه وضع الفرائض على أدنى القوة، كما قال: ... فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ- الآية (2)، يعنى شاة ليسع القوي و الضعيف و كذلك سائر الفرائض إنما وضعت على أدنى القوم قوة فكان من تلك الفرائض الحج المفروض واحدا ثم رغّب بعد أهل القوّة بقدر طاقتهم (3)».

و رواية محمد بن سنان: إن أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) كتب إليه فيما كتب إليه من جواب مسائله، قال: «علة فرض الحج مرة واحدة لأن اللّه تعالى فرض الفرائض على أدنى القوم قوّة فمن تلك الفرائض الحج المفروض واحدا ثم رغّب أهل القوة على قدر طاقتهم (4)».

و لكن نسب إلى الصدوق (قدّس سرّه) في علله الافتاء بإن الحج على أهل الجدة في كل عام فريضة (5). و الوجه فيه ما ورد في بعض النصوص مما يظهر في ذلك، ك‍:

رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السّلام)، قال: «إن اللّه عز و جل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام، و ذلك قوله عز و جل: ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 3: من ابواب وجوب الحج، ح 1.

(2)- سورة البقرة، 2: 196.

(3)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 3: من ابواب وجوب الحج، ح 24.

(4)- المصدر، ح 3.

(5)- الصدوق، محمد بن علي: علل الشرائع، ج 2: ص 108/ ح 5، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

16

..........

الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ. قال: قلت:

فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا و لكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر (1)».

و رواية حذيفة بن منصور، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «إن اللّه عز و جل فرض الحج على أهل الجدة في كل عام (2)».

و بهذا التعبير و نحوه وردت بعض الروايات الأخرى، و قسم منها صحيح السند، و لكن لأجل وجود ما يدل بالنص على عدم وجوب الحج إلّا مرّة واحدة و انعقاد إجماع المسلمين عليه، التزم بالتصرف بظاهر هذه الروايات، و حملها على خلاف ما يظهر منها من الوجوب مكررا في كل عام.

و قد قيل في مقام الجمع أوجه:

الأول: ما اختاره صاحب الوسائل (رحمه اللّه) (3) و استظهر أنه مراد الصدوق (قدّس سرّه) و هو أن المقصود من الطائفة الدالة على استمرار الوجوب هو الوجوب الكفائي، و ما دل على أن الوجوب مرة واحدة لا اكثر يراد منه الوجوب العيني، فترتفع المنافاة بين المدلولين، و استشهد له بما يأتي من عدم جواز تعطيل الكعبة و وجوب اجبار الناس عليها و لو لم يكن لهم مال.

و ناقشه (4) فى «الجواهر (5)»، بأن هذا يستلزم ما دلت النصوص على خلافه، و هو أن يكون الحج الصادر ممن كان قد أتى بالحج واجبا مع إتيان غيره‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 2: من ابواب وجوب الحج، ح 1.

(2)- المصدر، ح 2.

(3)- المصدر، ح 3.

(4)- مع أنه يختص بمورد تعطيل الكعبة كما لا يختص باهل الجدة كما تشير إليه النصوص الدالة على الصرف من بيت المال.

(5)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 222، الطبعة الاولى.

17

..........

للحج لأول دفعة مع أن النصوص تدل على أن الحج الآخر تطوع.

الثاني (1): كون المقصود منها هو استحباب الحج مكررا في كل عام على أهل الجدة. و نسبه صاحب الوسائل (رحمه اللّه) إلى الشيخ (قدّس سرّه).

الثالث: كون المقصود الاستحباب المؤكّد بحيث يتناسب مع التعبير بالفرض و الوجوب.

الرابع: ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) (2) و اختاره صاحب الجواهر (رحمه اللّه) (3) و هو كون المقصود ثبوت الوجوب على سبيل البدل، بمعنى أن من وجب عليه الحج فلم يأت به وجب عليه في الثانية و لم يسقط عنه، فإذا لم يأت به في الثانية وجب عليه في الثالثة و هكذا يستمر الوجوب في كل عام و لا يسقط حتى يأتي به.

و يحتمل (4) أن يكون المراد من هذه النصوص بيان استمرار تشريع الحج و عدم انقطاعه في سنة من السنين، من دون نظر إلى تعيين مقدار الواجب.

و بالجملة، مما يقطع به عدم إرادة ظاهر هذه الروايات خصوصا انه لو كان للوجوب المكرّر وجود لبان في السيرة العملية للمسلمين، مع أنه لا أثر له في عمل المسلمين فالفقيه بالخيار في حملها على ما يراه أظهر و أقرب إلى المعنى الحقيقي من هذه الاحتمالات المذكورة، فتدبر.

____________

(1)- لكنّه خلاف ظاهر الاستشهاد بالآية خصوصا بملاحظة الذيل فإنّها في مقام بيان الوجوب.

(2)- الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن: تهذيب الاحكام، ج 5: ص 16، ط النجف الأشرف.

(3)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 221، الطبعة الاولى.

(4)- قواه السيد الخوئي [(رحمه اللّه)] و ذهب إلى امكان نظرها إلى ما كان يجري عليه أهل الجاهلية من التعطيل في بعض السنين كما تشير إليه آية تحريم النسي‌ء.

18

و تجب على الفور. و التأخير مع الشرائط كبيرة موبقة (5).

____________

(5) الكلام في مسألتين:

الأولى: كون ترك الحج إلى الموت كبيرة.

الثانية: وجوب الفورية و كون تأخيره عن أول عام من الاستطاعة معصية كبيرة.

أما ترك الحج إلى الموت فهو يتصور على انحاء ثلاثة:

الأول: أن يتعمد المكلف الترك و يبنى على عدم الإتيان أصلا و يموت، و هو على ما بنى عليه و لم يأت بالحج.

الثاني: أن يتهاون المكلف في الحج و يستخف به و يموت و هو لم يحج.

الثالث: أن يؤخر الحج من عام لآخر من دون تهاون، بل لداع عقلائي أو شرعي يراه في نفسه- لا فى الواقع- أرجح من الحج من باب الاستحسان بحيث لا يكون معذّرا له في سقوط الحج ثم يموت و هو لم يأت بالحج.

أما النحو الأول، فهو مما لا اشكال في كونه معصية كبيرة فإنه المتيقن مما دل على أن من ترك الحج بدون أي عذر يموت يهوديا أو نصرانيا. و هكذا.

النحو الثاني، لدلالة بعض الروايات عليه مع أن الاستخفاف في نفسه معصية كبيرة، لذكره من جملة الكبائر في بعض النصوص كما فى «الجواهر (1)».

كما يشمله اطلاق قوله (عليه السّلام)- في رواية ذريح المحاربي-: «من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 224، الطبعة الاولى.

19

..........

سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا (1)».

و أما النحو الثالث، فهو كأخويه في كونه معصية، بل يمكن دعوى شمول اطلاق رواية ذريح له فيكون كبيرة لدلالة بعض النصوص عليه، كرواية زيد الشحام، قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السّلام) التاجر يسوّف الحج، قال: «ليس له عذر فإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام (2)» و نحوها غيرها. و التسويف يشمل التأخير لعذر، كما ورد التصريح به في بعض النصوص، فلاحظه.

أما كونه كبيرة، فهو يبتني على كون مطلق الوعيد على المعصية يقتضي كونها من الكبائر.

و أما التأخير عن عام الاستطاعة، فقد جزم صاحب المتن (رحمه اللّه) و تبعه غيره (3) في كونه من الكبائر، و الأقوى- بملاحظة النصوص- التفصيل بين ما إذا علم الإنسان و جزم ببقائه إلى العام الآخر و بنى على اداء الحج فيه، فلا يجب عليه الفورية و جاز له التأخير، و ما إذا لم يعلم ذلك و إنما يبني على الحج فى المستقبل بحسب الارتكاز العرفي على البقاء و استصحاب الحياة الاستقبالي الذي هو العمدة في أصل تحقق البناء على الفعل في المستقبل، فيجب عليه المبادرة و لم يجز له التأخير.

بيان ذلك: أن ما تتضمنه النصوص هو التوبيخ و الوعيد على ترك الحج.

نعم، ورد في كثير منها ان من سوّف الحج لا عذر له أو لا يسعه. و هذه الجملة في حدّ نفسها تقتضي عدم جواز التأخير و انه يلزمه البدار، إلا ان هذه الجملة‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 7: من ابواب وجوب الحج، ح 1.

(2)- المصدر.

(3)- الشهيد الثاني، زين الدين: مسالك الافهام، ج 2: ص 122، ط مؤسسة المعارف الإسلامية.

20

..........

الحقت بجملة أخرى في جميع مواردها صرفتها عن ظاهرها الأولي و هي قوله (عليه السّلام): «... و إن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام ... (1)»‌

فإن ظاهر هذا الذيل هو أن الملحوظ في نفي العذر هو ترك اداء الحج، و إنه لا عذر له في تركه بعد تسويفه و عدم وجود ما يمنع من ادائه، إلا أن نفس التسويف و التأخير مما لا يعذر فيه الكاشف عن لزوم الفورية. بل رواية معاوية بن عمار، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: «قال اللّه تعالى: ... وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: هذه لمن كان عنده مال و صحة و إن كان سوفه للتجارة فلا يسعه و إن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحج به (2)» ظاهرة فيما قلناه بدون لحاظ الذيل، لأن الظاهر ان قوله (عليه السّلام): «هذه لمن كان ...- الخ» إنما هو تفسير للآية الشريفة، و ليس بيانا لحكم مستقل، فإرادة وجوب المبادرة و عدم جواز التأخير من قوله: «فإن كان سوفه للتجارة فلا يسعه» لا وجه له إذ ليس هذا مفاد الآية، بل لا بدّ أن يكون النظر في قوله (عليه السّلام) إلى ترك الحج الواجب و أنه لا يسعه تركه تسويفا بدون عذر، فلاحظ.

يبقى هاهنا كلام و هو ما أشار إليه فى «المدارك (3)» من أن الوعيد المطلق يقتضي التضييق، و توضيحه: أن الوعيد على ترك الحج بقول مطلق بحيث يشمل صورة التأخير لداع عقلائي يقتضي أن يكون الحج مضيقا، لأنه إذا كان واجبا موسعا و أخّره المكلف بانيا على الأداء ثم مات قبل أدائه فلا عقاب عليه لكونه معذورا بعد إن كان الواجب موسعا، و لذلك لا يلتزم أحد باستحقاق من مات‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 6: من ابواب وجوب الحج. ح 1.

(2)- المصدر.

(3)- العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 7: ص 18، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

21

..........

في اثناء وقت الصلاة و لم يؤدها و كان بانيا على أدائها للعقاب، لأنه معذور من قبل الشارع بتوسعة الوقت.

و لكن هذا الكلام لا ينهض دليلا على المدعى و ذلك لأن غاية ما يقتضيه هذا الكلام هو عدم معذورية العبد فى الترك الكاشف عن وجود منجز للتكليف في ظرفه، و هذا إنما يدل على التضييق لو انحصر المنجز بوجوب الفورية و عدم جواز التأخير. أما لو تصورنا منجزا غير هذا الحكم، فلا دلالة له على التضييق، و الأمر كذلك، فإنا نقول: أن الحج و إن كان واجبا موسعا إلا أن تركه الواقعي غير مرغوب لدى الشارع و قد أوضح هذا المعنى بالروايات المزبورة، فإنها تقتضي أنّ المكلف لا يعذر في تركه للحج إذا كان عن تسويف. و هذا لا ينافي كون الحج موسعا في وقته، فالأحكام الثابتة بالروايات ليست إلا أحكاما طريقية لأجل التحفظ عن عدم الوقوع في مخالفة الأمر الواقعي بالحج غير المرغوب شرعا، فهي شبيهة بالأحكام الاحتياطية المجعولة لإدراك الواقع. و مع جعل هذا الحكم الظاهري الطريقي و بيانه يكون التكليف منجزا و لو كان الوقت واسعا.

و بالجملة، الروايات مسوقة لبيان أمر على خلاف القاعدة الاولية فى الواجبات الموسعة و للتنبيه على أن هذا الواجب الموسع لا يشبه سائر الواجبات الموسعة في الأحكام، و لا يخفى أن الحكم الطريقي لا يثبت في صورة العلم بالبقاء و الجزم به، إذ لا يكون التأخير تسويفا و اهمالا لكونه معذورا بالعلم، فلا ينافي التحفظ المطلوب، فلا يشمل صورة العلم بل يشمل صورة التردد التي هي مجرى الاستصحاب، فهو هاهنا غير معتبر و لا يجدي في المعذورية.

و من الواضح أن هذا الحكم الطريقي لا تكون مخالفته من الكبائر؛ بل لو‌

22

..........

استتبع حكما نفسيّا كان كسائر الاحكام فلا دليل على كون مخالفته من الكبائر.

و هذا المعنى الذي ذكرناه هو الظاهر من الروايات لما عرفت من أن الملحوظ فيها نفي المعذورية من جهة ترك الحج، لا من جهة نفس التسويف و التأخير. و عليه فلا وجه لوجوب الفورية.

نعم، ارتكاز المتشرعة على الفورية، فمن جعله دليلا اعتمد عليه فى الحكم و إلا فلا دليل عليه أصلا و هذا هو ظاهر «الجواهر (1)» إذ ذكر ان العمدة فى الفورية كونه كذلك في نظر أهل الشرع، فلاحظ.

ثم أنه بناء على وجوب الفورية لو اخّره في العام الأول وجب فيما يليه فورا ففورا، إذ ما يقتضي الفورية في العام الأول يقتضيها في العام الثاني و الثالث و هكذا. فتدبر و افهم و اللّه العالم.

تذييل:

تعرض بعض الأعلام كصاحب الجواهر (2) و المدارك (3) و تابعهم صاحب العروة الوثقى (4) إلى تحرير فرع و البحث فيه في ذيل مسألة وجوب الفورية و لم يذكره المحقق صاحب الشرائع. و هو أنه بناء على وجوب الفورية و كان هناك قافلتان الاولى منهما يجزم أو يطمئن بادراك الحج معها، و الثانية لا يطمئن بادراك الحج معها، بل يحتمل عدم وصولها، فهل يجوز تأخير سفره عن القافلة الأولى إلى الثانية، أو لا؟ و هل يعدّ من يؤخره و لا يدرك الحج عاصيا، أو لا؟ و‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 224، الطبعة الاولى.

(2)- النجفي، الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 225، الطبعة الاولى.

(3)- العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 7: ص 18، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(4)- اليزدي، السيد محمد كاظم: العروة الوثقى/ كتاب الحج: [فصل] المسألة 2.

23

..........

لم تحقق المسألة في كلامهم كما ينبغي.

فالتحقيق أن يقال ان البحث في مقامين:

الأول: في استقرار الحج في ذمة من لم يسافر مع الأولى، و سافر مع الثانية و لم يدرك الحج فيترتب عليه آثار من كان الحج مستقرا في ذمته.

الثاني: في عصيانه بتأخيره السفر إلى القافلة الثانية و عدم ادراكه الحج.

أمّا استقرار الحج في ذمته، فلا ينبغى الإشكال فيه، لما دل على أن من تمكن من الحج و لم يحج استقر الحج في ذمته. و من المعلوم، أن هذا الشخص ممن تمكن من الحج إذ كان يتمكن من السفر مع القافلة الأولى، فيستقر الحج في ذمته، و لا يختلف الحال في استقرار الحج بين صورة وثوقه بادراك الحج مع القافلة الثانية و صورة عدم وثوقه لصدق التمكن عليه. نعم، يختلف الحال بينهما من ناحية المعذورية و عدمها بناء على عدم معذورية من لا يثق ادراك الثانية في التأخير.

و أمّا عصيانه بالتأخير، فقد يتخيل لأول وهلة عدم تحقق العصيان، لأن الواجب إذا كان موسعا و أخره المكلف ثم انتفت قدرته عليه لم يكن عاصيا.

و لكن التحقيق تحقق العصيان، و ذلك لأن التأخر عن السفر- مع احتمال عدم ادراك الحج، و ليس هناك ما يرفع هذا الاحتمال تعبدا أو تكوينا ليكون المكلف معذورا، أن التأخر مع ذلك- و عدم ادراكه الحج يعدّ تأخيرا عمديا للحج، لالتفاته إلى إمكان عدم إدراكه الحج و عدم مبالاته به، فيكون قاصدا للتأخير على تقدير عدم الإدراك واقعا، فيكون ذلك عصيانا للتكليف بوجوب الفورية.

و إذا كان التأخير و عدم ادراك الحج بالقافلة الثانية عصيانا تعين السفر مع القافلة الأولى بحكم العقل بدفع الضرر المحتمل، لاحتمال الضرر و العقاب في‌

24

..........

تأخيره السفر إلى القافلة الثانية، و هو واجب الدفع عقلا.

و هذا هو الملاك في تطبيق قاعدة الاشتغال هنا- كما أشار إليها صاحب الجواهر (1)- بتقريب: أن التكليف بالفورية يمتثل جزما بالسفر مع القافلة الأولى و لا يعلم بتحقق امتثاله بالسفر مع القافلة الثانية، فيقال أنه يتعين الإتيان بما به فراغ الذمة يقينا و هو السفر مع القافلة الأولى، و الملاك فيه دفع الضرر المحتمل.

و هذا التقريب لقاعدة الاشتغال ليس بالمعنى المعروف لها، فإن موردها المعروف ما إذا شك في تحقق الامتثال فيما أتى به من العمل فيقال بعدم جواز الاكتفاء به، و لزوم تحصيل العلم بالفراغ.

و بالجملة، لما لم يكن لديه معذر عقلي أو شرعي للتأخير مع احتماله عدم الإدراك كان تأخيره و عدم إدراكه عصيانا، لأنه مخالفة عمدية لوجوب الفورية.

و لأجل ذلك لو وثق بوصول الثانية و إدراكها فأخر السفر إليها، ثم انكشف عدم إدراكها لم يكن عاصيا لعدم قصده إلى المخالفة مع كونه معذورا لعلمه بعدم التأخر.

و قد ساق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) (2) من جملة الأدلة على حرمة التأخير و كونه عصيانا لو صادف عدم ادراك الحج ما دل على ان من ترك الحج و قد تمكن منه مات يهوديا أو نصرانيا.

و لا يخفي ما فيه: لأن موضوع الكلام هو العصيان بنفس تأخير الحج عن هذه السنة مع اتيانه به في العام المقبل لا ترك الحج من رأس و ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه اللّه) إنما يرتبط بترك الحج ابدا لا بتأخيره عن هذه السنة إلى غيرها. و‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 227، الطبعة الاولى.

(2)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 224، الطبعة الاولى.

25

..........

مثل ذلك يستغرب بصدوره من مثل صاحب الجواهر (رحمه اللّه).

ثم إن لصاحب الجواهر كلاما ظاهره ترتب استقرار الحج فى الذمة على عدم جواز التأخير إلى القافلة الثانية، حيث قال: «مع أن الظاهر استقرار الحج بالتمكن من الرفقة الاولى (1)» و قد عرفت ان استقرار الحج لا يرتبط بكون التأخير عصيانا أو لا، بل ملاكه التأخير مع التمكن و لو كان معذورا فيه كما في صورة العلم بإدراك الحج مع القافلة الثانية، فانتبه.

هذا كله فيما إذا كان سفر القوافل كلها بعد دخول أشهر الحج، و أما إذا كان سفر الأولى قبل أشهر الحج و احتمل عدم ادراك الحج مع القافلة الثانية التي تسافر بعد دخول اشهر الحج، فهل يجب عليه السفر مع القافلة الأولى، أو لا يجب؟

ذهب صاحب المدارك (2) إلى عدم وجوب السفر مع الأولى عليه، حيث قال: بعد إن احتمل قويا عدم وجوب السفر مع الاولى و المسافرة بعد أشهر الحج، و نسب إلى العلامة في «التذكرة (3)» اطلاق القول بجواز التأخير عن الرفقة الاولى و استدرك بأن كلامه (رحمه اللّه) مفروض في حج النائب: «و ينبغي القطع بالجواز إذا كان سفر الأولى قبل أشهر الحج».

و فيه أنه قد تقرر في الأصول حرمة تفويت المقدمات إذا كانت غير دخيلة فى الغرض للزوم تحصيل غرض المولى و حرمة تفويته، و المفروض ان السفر كذلك إذ الدخيل في المصلحة ليس إلا الاستطاعة و هي متحققة، أما السفر فهو‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 226، الطبعة الاولى.

(2)- العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 7: ص 18، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(3)- الحلّي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 7: ص 136، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

26

..........

مقدمة وجودية».

و بالجملة، السفر فيما نحن فيه يكون من المقدمات المفوتة، و قد تقرر وجوب الإتيان بها عقلا.

و لم يرتض صاحب الجواهر ما جاء فى «المدارك»، فقال: «إن ما ادعاه من القطع إنما يستقيم لو كان وجوب قطع المسافة لتعلق الخطاب المنجز، و هو باطل، و إلّا لزم جواز التخلف عن الوفد الخارج قبل أشهر الحج مع الانحصار، و عدم استقرار الحج فى الذّمة بالتمكن من الخروج قبلها، و سقوطه عن البعيد إذا كان بحيث لا يمكنه قطع المسافة في تلك المدة. و اللوازم كلها باطلة فكذا الملزوم، فتجب إناطة التكليف بالخطاب المعلق و لا يختلف الحال بدخول اشهر الحج و عدمه كما هو ظاهر (1)».

و توضيح ما افاده: إنه اما أن تكون الاستطاعة المأخوذة شرطا للوجوب هي الاستطاعة بعد دخول أشهر الحج و إما أن تكون هي الاستطاعة بقول مطلق في أي وقت تحققت.

فعلى الأول، لا عبرة بالاستطاعة قبل أشهر الحج و لا ينشأ بوجودها خطاب بوجوب الحج لكنه يستلزم اللوازم الثلاثة الباطلة، فإنه مما لا يلتزم بها من قبل أي أحد- و لزومها واضح- فيتعين أن يكون شرط الوجوب هو الاستطاعة مطلقا. فبحصولها قبل أشهر الحج يتعلق التكليف بالحج بنحو الواجب المعلق لاشتراطه بالزمان الخاص، فتجب مقدماته قبل أشهر الحج و لا فرق حينئذ بين المسير قبل أشهر الحج و بعده، فتدبر.

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 227، الطبعة الاولى.

27

و قد يجب الحج بالنذر (6) و ما في معناه. و بالإفساد (7)، و بالاستيجار (8)

ثم إنه ورد فى «العروة الوثقى (1)» تعين المسير مع الأوثق سلامة و ادراكا من القافلتين، و هو غير واضح و الكلام فيه من جهتين:

الأولى: في عدم وضوح المقصود من السلامة في قبال الادراك، إذ المراد منه إن كان هو السلامة بمعنى عدم الموت، فهو و إن كان واجبا من باب حفظ النفس لكنه لا يرتبط بوجوب الحج، و هكذا إن كان السلامة بمعنى العافية، فإن وجوبه لو سلم فهو من باب حرمة الإضرار و لا ربط له بوجوب الحج و تعينه.

و بالجملة، العمدة هو ادراك الحج و عدم ادراكه دون شي‌ء آخر.

الثانية: في عدم وضوح تعيّن المسير مع الأوثق، فإنه مما لا يعلم له وجه، إذ بعد ما كان مجرد الوثوق معذرا و حجة للعبد على المولى لم يظهر وجه في تعين الأوثق فإن كلا منهما جائز. نعم، هو أولى عقلا و عرفا كما جاء التعبير به فى «الجواهر»، لا أنه متعين. فتدبر و افهم.

____________

(6) لدليل وجوب الوفاء به.

(7) كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

(8) لوجوب الوفاء بالعقود، هذا إن صح الاستيجار على الحج و سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1)- اليزدي، السيد محمد كاظم: العروة الوثقى/ كتاب الحج: فصل [المسألة 2].

28

للنيابة، و يتكرر بتكرر السبب (9)، و ما خرج عن ذلك [فهو] مستحب (10).

و يستحب لفاقد الشروط (11)،

____________

(9) لأن الأصل عدم التداخل و لا دليل على التداخل هنا كما فى الغسل.

(10) يعني ما لم يكن له سبب يوجبه، كفاقد شرائط الاستطاعة أو واجدها، و لكن كان قد حج حجة الاسلام و لم تلزمه حجة غيرها لسبب من الأسباب الموجبة من نذر، أو إفساد، أو غيرهما. و الوجه في استحبابه النصوص المتظافرة في الحث على الحج و الترغيب فيه و بيان ما يترتب عليه من الثواب، فلتراجع في محلها.

(11) لما عرفت، و قد يشكل: إن ما يدل على اعتبار الاستطاعة يقيّد المطلقات الدالة على استحباب الحج كما يقيد ما يدل على وجوبه.

و يندفع: بأن الظاهر ورود ما دل على اعتبار الاستطاعة في مقام تفسير الآية الدالة على الوجوب و بيان المراد منها، و بعبارة اخرى: الظاهر مما دلّ على اعتبار الاستطاعة اعتبارها شرطا في وجوب الحج لا في أصل مشروعيّة الحج، فهي غير ناظرة إلى أدلة استحبابه فتبقى على اطلاقها.

29

كمن عدم الزاد و الراحلة (12) إذا تسكع، سواء شقّ عليه السعي أو سهل: و كالمملوك إذا أذن له مولاه.

المقدمة الثانية: في الشرائط

و النظر في حجة الإسلام، و ما يجب بالنذر، و ما في معناه، و في أحكام النيابة.

____________

(12) يدل على استحباب الحج في هاتين الصورتين مضافا إلى أدلة استحبابه العامّة النصوص الواردة في خصوصهما. فلاحظها.

(13) لحديث رفع القلم عن الصبي (1)، مع التنصيص على ذلك في بعض الأخبار، ك‍:

رواية اسحاق بن عمار، عن ابي الحسن (عليه السّلام): عن ابن عشر سنين يحج، قال: «عليه حجة الاسلام إذا احتلم ... (2)».

و رواية مسمع، عن الصادق (عليه السّلام)- في حديث- قال: «لو أن غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كانت عليه فريضة الإسلام (3)».

هذا في المميز، أما غيره فيقبح تكليفه عقلا من دون حاجة إلى الاستدلال عليه من الأخبار.

____________

(1)- وسائل الشيعة/ باب 4: من ابواب مقدمة العبادات، ح 11.

(2)- المصدر/ باب 12: من أبواب وجوب الحج، ح 1.

(3)- المصدر/ باب 13: من أبواب وجوب الحج، ح 2.

30

[القول في حجة الاسلام و شرائط وجوبها خمسة]

[الأوّل: البلوغ و كمال العقل]

القول في حجة الاسلام و شرائط وجوبها خمسة:

الأوّل: [البلوغ و كمال العقل، فلا يجب على الصبي (13)، و لا على المجنون (14). و لو حج الصبي أو حجّ عنه، أو عن المجنون، لم يجز عن حجة الإسلام (15).

____________

(14) المجنون: تارة يكون بنحو لا شعور له اصلا لاداء العمل، فيقبح تكليفه و لا يكون قابلا لتعلّق الخطاب به عقلا.

و أخرى: يكون ذا شعور له في أداء العمل و ذا التفات إليه بأن كان جنونه في غير موارد العمل.

فقد يدعى بعدم وجوب الحج عليه- أيضا- لإطلاق حديث رفع القلم عن المجنون. إلا أن يقال: إن مناسبة الحكم و الموضوع في حديث الرفع توجب ظهور الكلام في اختصاص رفع القلم عن موارد الجنون دون غيرها مما يمكن صدور العمل منه كاملا. فتدبر.

(15) قد يدعى أن الأصل الأولي لمثل هذه الموارد هو الإجزاء، كما لو صلى الصبي قبل بلوغه ثمّ بلغ بعد صلاته، فإنّه لا تجب عليه الصلاة حينئذ. و الوجه فيه أمران:

الأول: انصراف أدلة الوجوب إلى صورة عدم الإتيان بالعمل و يشهد له ملاحظة موارد الأوامر العرفيّة، فإنها لا تشمل صورة تحقق المتعلق من المأمور.

فلا يكون الصبي بعد اتيانه بالحج مشمولا لأدلة وجوبه.

الثاني: وفاء الفرد المأتي به بالغرض و المصلحة. و تقريب ذلك بوجهين:

31

..........

أحدهما: إن أوامر الحج كانت شاملة لجميع الأفراد و منهم الصبي، إلا أنه ورد ما يدل على أن جعله في حق الصبى بنحو الاستحباب و في حق غيره بنحو الوجوب، فالمجعول واحد لكنه صنف و كان بنحو الوجوب على بعض و بنحو الاستحباب على آخرين بداعي الإرفاق و التسهيل.

و الآخر: إن أدلة الحج و إن اختصت بغير الصبي، لكن الدليل الدال على استحبابه عليه ظاهر في استحباب نفس الحج الواجب على غيره، و إنما جعل عليه استحبابا ارفاقا و تسهيلا.

و في كلا الوجهين نظر: أما دعوى الانصراف، فيدفعها أنه لا شاهد لها و الاستشهاد بالأوامر العرفية مما يدرك فيه الملاك و أنه يتحقق بذات العمل الموجب للانصراف، لا وجه له، إذ ملاكات الأحكام الشرعية لدينا مجهولة.

و أما دعوى وفاء الفرد المأتي به بالملاك، فيرد التقريب الأول لها وجهان:

أحدهما: منع دعوى كون أدلة الحج بنحو من الإطلاق بحيث تشمل جميع الإفراد حتى غير المكلفين.

و ثانيهما: أنه لو سلم ذلك فلا يعلم ان جعله بنحو الاستحباب على الصبي إنما هو لمصلحة الإرفاق لا غير، بل لعله لمصلحة أخرى تمنع من إدراك مصلحة الواجب.

و من هنا يظهر الإشكال في التقريب الثاني، إذ لا ظهور في كون المستحب هو عين الواجب من جهة الملاك و إنما جعل مستحبا للإرفاق و التسهيل، فإنه مما لا شاهد له و مجرد دعوى ذلك لا يجدي فى المطلوب.

إذن، فالأصل الأولي هو عدم الإجزاء لشمول دليل الوجوب له و إن أتى بالعمل. و لو سلم أن الأصل الاولي في مثل هذه الموارد هو الإجزاء، فالحج‌

32

و لو دخل الصبي المميّز و المجنون في الحجّ ندبا، ثم كمل كل واحد منهما و أدرك المشعر، أجزأ عن حجة الإسلام (16)، على تردد.

خارج عنه بالدليل الخاص و هو ما تقدم من رواية مسمع و غيرها.

و أعلم أن الكلام المذكور في حج الصبي المميز دون حج الولي بغيره أو بالمجنون، فإن له كلاما آخر سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

____________

(16) هذا هو المشهور بين الأصحاب و استدل له بوجوه:

الأول: الإجماع.

الثاني: ما يأتي من أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه، الظاهر في صلاحية الوقت لإنشاء الإحرام فكذلك يصلح لقلبه أو انقلابه، فإن من أحرم من مكة و أتى بجملة من الأفعال لا يكون أسوأ حالا ممن أحرم من عرفات و لم يدرك إلّا المشعر.

الثالث: ما دلّ على أنّ العبد لو اعتق في الاثناء أجزأ عن حجة الاسلام، إمّا بدعوى تنقيح المناط و عدم الفرق بين العبد و غيره، أو بدعوى ظهور النصوص في عدم خصوصيّة للعبد، و إنّما الحكم ثابت لكل من اجتمعت فيه الشرائط قبل إدراك المشعر.

الرابع: ما ورد من انّ من أدرك المشعر فقد أدرك الحج (1).

و قد ذهب البعض (2) إلى عدم الإجزاء. و تردد المصنف (قدّس سرّه) فى الحكم‌

____________

(1)- وسائل الشيعة/ باب 23: من ابواب الوقوف بالمشعر، ح 14.

(2)- ابن إدريس، محمّد بن منصور: السرائر، ج 1: ص 636، ط مؤسسة نشر الإسلامي.

33

..........

بالإجزاء. و التحقيق أن يقال: إنه إذا التزم بأن القاعدة الأولية تقتضي إجزاء الفرد الذي أتى به الصبي ثم بلغ بعده، فالحكم بالإجزاء هنا متعين، لجريان عين التقريب فيه و النص الخاص الدال على عدم الإجزاء لا يشمله لظهوره في كون موضوعه خصوص من جاء بالحج لا من هو في اثنائه.

و إن لم يلتزم بكون القاعدة الأولية تقتضي الإجزاء في مثل هذه الموارد، فالحكم بعدم الإجزاء أوجه، إذ لا دلالة لما ذكر من الوجوه على المدعى.

أمّا الإجماع، لو سلم تحققه، فلعدم إحراز أنه تعبدي بل يمكن أن يكون مستند القائلين بالإجزاء أحد الوجوه المذكورة.

و أما ما دل على أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث أمكنه، فلأن موضوعه من أراد إنشاء الاحرام و إحداثه من غير مكة، فلا يتجه تعميم الحكم به إلى مورد تلبس فيه الشخص بالإحرام و قصده قلبه و صرف النظر عن احرامه الأول- كما هو ظاهر الدليل-، لاحتمال ثبوت الفرق بين صورة إنشاء الإحرام و صورة قلبه و صرف النظر عما كان متلبسا به من الإحرام.

و أما نصوص العبد، فلأن دعوى تنقيح المناط جزافية، و دعوى ظهور النص في عدم الخصوصية للعبد لا شاهد عليها بعد ان كان موضوع الحكم هو العبد، و احتمال الخصوصية احتمالا عقلائيا.

و أما ما ورد من أن من أدرك المشعر فقد ادرك الحج، فلأن هذه الصيغة تحتمل وجهين:

الأول: أن تكون مسوقة لبيان ركنية إدراك المشعر و أنه من لم يدرك المشعر لا يدرك الحج، فالجملة ناظرة إلى أداء المفهوم ليس إلا.

و الثاني: أن تكون واردة لبيان أن أدرك الحج يحصل بإدراك المشعر، نظير‌

34

..........

من أدرك ركعة فى الوقت فقد أدرك الصلاة.

و الملحوظ في طرف النفي و المقابلة، تارة: يكون سائر اعمال الحج بأن يكون المراد من لم يدرك شيئا من اجزاء الحج و أدرك المشعر فقد أدرك الحج، فهي نظير من أدرك ركعة، كما عرفت. و اخرى: يكون نحو خاص من الوقوف بالمشعر، بأن يكون الملحوظ في طرف النفي و الإثبات خصوصيات إدراك المشعر من كونه في الوقت الخاص و إلى الوقت الخاص، فالمعنى يكون من لم يدرك المشعر في هذا الوقت مثلا و أدركه في هذا فقد أدرك الحج، فلا نظر إلى سائر الأجزاء.

و هذه الاحتمالات الثلاثة تضمنت بيانها النصوص باختلاف الموارد. و الجملة المذكورة بالمعنى الأول لا تصلح شاهدا على المدعى، فإنها أجنبية عنه كما لا يخفى، و هكذا بالمعنى الثالث، و لكنها تصلح شاهدا على المدعى بالمعنى الثاني، لأنها تتضمن بيان التوسعة فى الواجب و ان بادراك هذا الجزء يتحقق إدراك الواجب، فيتمسك بإطلاقها لتشمل ما نحن فيه.

إلا أنه يناقش شمولها لما نحن فيه بوجوه:

الأول: أنها إنما تتكفل تصحيح الحج بإدراك المشعر و لا نظر لها إلى العمرة، و هي جزء مقوم لصحة حجة الإسلام و أدائه، فلو صحح حج الصبي بهذه النصوص فبم تصحح عمرته؟ و قد ذكر هذا الوجه صاحب المستند (1).

الثاني: أنها ظاهرة في كون موضوعها من أدرك المشعر و لم يدرك سائر الأجزاء لا من أدركها و لكن كان إتيانه بها بنية اخرى غير نيّة الوجوب كما فيما نحن فيه، فلا تشمل مثل ما نحن فيه.

____________

(1)- النراقي، المولى أحمد: مستند الشيعة، ج 11: صص 22- 21، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

35

..........

و بعبارة اخرى: أنها ناظرة إلى تصحيح الحج الناقص لإدراك المشعر، و ما نحن فيه يتكلم في أن الحج الصحيح المفروض صحته هل يجزي عن حجة الإسلام، أم لا؟

الثالث:- و هو عمدة وجوه المناقشة- أن الصبي إذا بلغ يتوجه عليه وجوب إكمال حجه و عدم جواز قطعه و لزوم الاستمرار فيه. و من الواضح أنه يحتمل أن يكون هذا الوجوب مانعا عن تعلق وجوب حجة الإسلام بالبالغ، فهذه النصوص و إن تكفلت التوسعة في متعلق الحكم بلحاظ ثبوت الحكم للفرد المنزّل أو الاعتباري، إلا أنها انما تنظر لثبوت الحكم لهذا الفرد من جهة إلغاء تأثير فقدان بعض الإجزاء و الشرائط، أما جهة وجود مانع آخر يمنع أو يحتمل أن يمنع من تعلق وجوب الحج فهي غير ناظرة لالغائه و إثبات الحكم في مثل هذه الصورة، لأنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة. و قد عرفت ثبوت التشكيك في ثبوت وجوب حج الإسلام من جهة احتمال مانعية وجوب الإكمال له. و هذه الأخبار لا تتكفل بإلغاء هذا الشك و إثبات وجوب الحج لأنها غير ناظرة إليه.

و بعبارة أوضح: أن الشك في ثبوت وجوب الحج للبالغ فى الاثناء، تارة ينشأ من جهة فقدان العمل لبعض الاجزاء. و اخرى ينشأ من جهة احتمال وجود مانع يمنع منه كوجوب الإكمال. و هذه النصوص إنما تتكفل إلغاء الشك من الجهة الأولى و بيان أن هذا العمل الفاقد كالواجد في الحكم، و لا تتكفل الغاء الشك من الجهة الثانية، لأن محط نظرها هو الجهة الأولى، فليست هي في مقام بيان غيرها.

و قد عرفت تحقق الشك من الجهة الثانية فيما نحن فيه، فلا يجدي التمسك بهذه النصوص لالغائه. و على هذا يظهر أن القول بعدم الإجزاء أوجه، لعدم الدليل‌

36

..........

على الإجزاء.

و يقع الكلام بعد ذلك في بعض الفروع التي تعرض لها الفقهاء في ذيل المسألة.

أحدها: أنه لو التزم بالإجزاء، فهل يلزمه تجديد النية و قصد الوجوب بعمله، أو لا يلزمه؟ و الثمرة تظهر فيما لو لم يجدد النية و استمر على نية الندب غفلة (1) أو جهلا ببلوغه أو غفلة عن الحكم أو جهلا به ثم انكشف له الواقع، او قصد القربة المطلقة. فإنه بناء على لزوم تجديد النية لا يقع عمله مجزيا لفقدانه النية المعتبرة، بخلافه لو بنى على عدم لزوم تجديدها، كما لا يخفى.

و على كل، فلا وجه لاعتبار تجديد النية و قصد الوجوب بعمله إلا أمران:

الأول: اعتبار قصد الوجه في صحّة العمل، فيلزم قصد الوجوب في عمله.

و فيه: انه قد تقرر في محله انه لا دليل على اعتبار قصد الوجه و لا شاهد له.

الثاني: أن تكون في حج الاسلام خصوصية قصدية لا تتحقق إلا بالقصد، و لا طريق إلى قصدها سوى قصد الوجوب لتحقق الإشارة إليها، فيكون حالها حال صلاة الظهر و العصر.

و فيه أنه لا شاهد على ثبوت الخصوصية من الاخبار و غيرها، بل الظاهر ان الحج ليس إلا نفس الاعمال الخارجية بذاتها، و أما التسمية بحجة الاسلام فليس لخصوصية فيه قصدية، بل لأجل أنه ما بني عليه الإسلام، فهي منتزع عن أثره.

و من هما يظهر أنه لا وجه للاستدلال على لزوم تجديد النية بما ورد من انه‌

____________

(1)- التقييد بالغفلة أو الجهل لأن الاستمرار بنية الندب مع العلم بالموضوع و الحكم و الالتفات إليهما يكون تشريعا محرّما.

37

..........

لا عمل إلا بنيّة- كما جاء فى «الجواهر (1)»-، إذ ظاهر الخبر لزوم صدور العمل عن قصد إليه و اعتبار قصده في صحته. و المفروض تحقق ذلك فيما نحن فيه، إذ الحج مقصود و لم يأت به غفلة، فلا دلالة له على المدعى إلا بثبوت خصوصية قصدية في العمل، كي يلزم قصدها و نيتها استنادا إلى هذا الخبر. و لا وجه لدعوى استفادة الخصوصية منه، إذ قد اخذ العمل في موضوع الحكم و الخصوصية- لو ثبتت- جزء العمل، فلا تستفاد من الحكم. فتدبر.

فالمتعين هو الالتزام بعدم لزوم تجديد النية و قصد الوجوب بعمله.

و يمكن الاستشهاد له بإطلاق ما دل على إجزاء الحج الصادر من العبد لو اعتق قبل المشعر، لانه يشمل بإطلاقه من لم يعلم بعتقه إلا بعد تمام الحج فلم يجدد النية.

ثانيها: في اعتبار استطاعة الصبي لو بلغ في الاثناء في وجوب الحج عليه و عدم اعتبارها، بمعنى أنه هل يعتبر في وجوب الحج عليه ان يكون مستطيعا من البلد، او الميقات؛ او لا يعتبر ذلك؟ احتمالات و أقوال:

أحدها: عدم اعتبار الاستطاعة في حقه.

و الآخر: اعتبار الاستطاعة من بلده.

و الثالث: اعتبار الاستطاعة حال بلوغه، و بعبارة اخرى: اعتبار الاستطاعة في مرحلة البقاء، لا الحدوث و البقاء كما هو الاحتمال الثاني.

و تحقيق الكلام أن يقال: إنه إذا ثبت فيما يأتي- إن شاء اللّه تعالى- عدم اعتبار الاستطاعة من البلد في وجوب حج الاسلام بحيث إذا أتى المكلّف بالحج و لو بتسكع أجزأ و لم يجب عليه الحج بعد حصول المال لديه- إذا ثبت فيما يأتي‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمّد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 231، الطبعة الاولى.

38

..........

ذلك-، فلا موضوع للنزاع هنا، إذ لا معنى للنزاع في اعتبار استطاعة البالغ فى الأثناء بعد فرض عدم اعتبارها من رأس. و لا اشكال على هذا في صحة الحج فيما نحن فيه و اجزائه عن حج الاسلام. و إذا ثبت اعتبار الاستطاعة في حج الاسلام بحيث لا يجزي حج المتسكع و يجب عليه الحج لو استطاع بعد ذلك، فالنزاع المذكور له وجه.

و حينئذ نقول: إن تصحيح حج الصبي البالغ في الاثناء و الالتزام باجزائه من جهة البلوغ:

تارة: يكون مستندا إلى أنه مقتضى القواعد الأولية من باب إجزاء المستحب عن الواجب، فلا إشكال في إجزاء حجه و لو لم يكن مستطيعا، إذ لو فرضنا اعتبار الاستطاعة في الوجوب و لم يكن مستطيعا بعد بلوغه فحجه و إن لم يكن واجبا لكنه يكون مستحبا، و المفروض ان القاعدة تقتضي إجزاءه عن الواجب.

و اخرى: يكون مستندا لنصوص من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، فالوجه هو اعتبار الاستطاعة في صحة الحج، إذ هذه الروايات لا تتكفل سوى التوسعة في متعلق الحكم و فرض العمل الناقص تاما من جهة ثبوت الحكم له، من دون نظر إلى الغاء شرائط الحكم، بل الحكم تابع فى الثبوت لشرائطه، و هذه الأدلة تتكفل تعلق الحكم بالناقص و الغاء احتمال عدم ثبوته من جهة نقصان المتعلق فقط، لا من جهة أخرى، نظير من أدرك ركعة في الوقت فقد أدرك الصلاة، فانه لا يشمل مورد عدم الوجوب، كالحائض و نحوها.

و بالجملة: هذه النصوص تتكفل إلغاء التوقف في ثبوت الوجوب من جهة نقصان المتعلق لا من جهات اخرى، كفقدان الاستطاعة.

39

..........

و ثالثة: يكون مستندا إلى نصوص إجزاء حج العبد المعتق في الاثناء. فإن كان المقصود من تلك النصوص بيان اجزاء العمل المأتي به بعد العتق عن حج الإسلام لا بأن يكون من أفراده، بل يكون من باب اجزاء فرد مستحب عن الواجب لرفعه موضوع الوجوب- و هذا هو ظاهر التعبير بالإجزاء الظاهر في أنه يكتفي به عن حج الإسلام، لا أنه هو حج الإسلام-.

إن كان المقصود ذلك، فلا إشكال في عدم اعتبار الاستطاعة، إذ الاستطاعة غير معتبرة في غير حج الإسلام. و المفروض ظهور النص في عدم كون الحج الصادر من العبد المعتق و الصبي البالغ من افراد حج الواجب.

و إن كان المقصود منها بيان وجوب الحج عليه و انه مجز لأنه من مصاديق حج الإسلام.

فإن اعتبرنا ملكية العبد و تصورنا استطاعته قبل الحج، فلا اشكال في اعتبارها لدليل اشتراطها، و هذه النصوص انما تتكفل الاجزاء من جهة الرّقية في بعض الوقت، فهي تنفي التوقف من هذه الجهة دون سائر الجهات، فالمرجع في غيرها أدلتها.

و ان لم نتصور ملكية العبد فلا اشكال في عدم اعتبار في الاستطاعة، لان الحكم باجزاء حجه مع عدم تصور الاستطاعة له قبل العمل يكشف عن عدم اعتبارها و كفاية الاستطاعة على العمل من حين زوال المانع.

و الخلاصة: انه ان كان الاجزاء على طبق القاعدة، فلا تعتبر الاستطاعة. و ان كان بنصوص من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، فهي معتبرة جزما، و ان كان بنصوص العبد، ففيه تفصيل. فتدبر.

40

و يصحّ احرام الصبي المميّز، و إن لم يجب عليه (17).

____________

(17) لا اشكال في مشروعية حج الصبي و إحرامه، إذ يدل عليه مضافا إلى مطلقات مشروعية الحج- لعدم شمول رفع القلم لها لانه يرفع الالزام لا أصل المشروعية- الروايات الخاصة الدالة على أن الصّبي لو حج عشر حجج فلا يجزي عن حج الإسلام، الظاهر في مشروعية العمل و إلا لم يكن وجه لتوهم الاجزاء، بل قد يدعى أنه لا يطلق عليه لفظ الحج.

و انما وقع الكلام في أنه يعتبر في مشروعية الحج المستحب للولد سواء كان كبيرا، أو صبيا إذن أبويه أو لا يعتبر إذنهما؟

قد يستدل على الاعتبار برواية هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «و من بر الولد أن لا يصوم تطوعا، و لا يحج تطوعا، و لا يصلي تطوعا، إلّا باذن ابويه و امرهما (1)».

و لكنها مروية في «الفقيه (2)» و «الكافي (3)» بغير هذه الزيادة. و عليه، فلا يحصل وثوق بوجود هذه الزيادة، خصوصا و ان «الفقيه» و «الكافي» أكثر ضبطا من «العلل»، و لو سلّم وجودها فلا دلالة على اللزوم، أوّلا لذكر الصلاة، و من الواضح انه لا يعتبر في النوافل إذن الوالد، و لم يقل بذلك احد. و ثانيا لذكر اعتبار الامر، و هو مما لا يقول به احد، فيمكن ان يكون المنظور في النص أعلى‌

____________

(1)- الصدوق، محمّد بن علي: علل الشرائع، ج 2: ص 86/ ح 4، ط دار الحجة للثقافة.

(2)- الصدوق، محمد بن علي: من لا يحضره الفقيه، ج 2: ص 154، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

(3)- الكليني، محمّد بن يعقوب: الفروع من الكافي، ج 4: ص 151/ ح 2، الطبعة الاولى.

41

..........

درجة البر، بحيث يكون الولد طوع أمر أبيه، و هو أمر مستحب، لا واجب.

و قد اختلفت كلمات الفقهاء (قدّس سرّهم) في اعتبار اذنهما، أو إذن الأب خاصة، و عدم اعتباره، و لم يتعرض المصنف (قدّس سرّه) في كتابه إلى ذكر ذلك، و لكن الشروح تعرضت إليه.

و التحقيق: انه ان استلزم ذهابه إلى الحج إيذائهما إما لتشويش البال، أو لاجل النهي عنه، فيكون عصيانه ايذاء، كان الحج محرّما لحرمة الايذاء، و إن لم يستلزم إيذائهما، فلا دليل على اعتبار إذنهما في مشروعية حج البالغ، فيتعين التمسك بالإطلاقات الدالة على المشروعية من دون تقييد.

و أما الصبي المميز، فان ثبتت مشروعية حجه بالمطلقات كالبالغ لم يكن وجه لتقييد المشروعية بصورة الأذن، للاطلاق و عدم النص الخاص على التقييد. و ان ثبتت المشروعية بالنصوص الخاصة المشار إليها تمسكا بدلالتها الالتزامية، فهي غير مطلقة من جهة اعتبار الاذن و عدمه، إذ المسوق له الكلام ليس بيان أصل المشروعية، بل بيان ما يلازم المشروعية، فلا اطلاق لها من جهة خصوصيات المشروعية. و عليه فالثابت بها هو المشروعية في الجملة و القدر المتيقن منه صورة الاذن دون غيرها. فاعتبار الإذن من باب عدم الدليل على المشروعية بدونها.

و أما دعوى اعتبار إذنه، لأن الحج يستلزم مصاريف مالية كالذبح و هي غير مشروعة بدون إذن الولي.

فتندفع: بأن الدليل أخص من المدعى لانه يمكن أن يتكفل شخص بجميع ما ينفقه الصبي في حجه. هذا مع أن هذا المحذور لا يندفع بالاذن، إذ إذن الولي إنما يصحح التصرف في مال الصبي فيما إذا كان الصرف فيه مصلحة للصبي و ليس في‌

42

و يصح أن يحرم عن غير المميّز وليه ندبا (18)، و كذا المجنون.

و الوليّ: هو من له ولاية المال، كالأب، و الجدّ للأب، و الوصيّ. و قيل للأم ولاية الاحرام بالطفل، و نفقته الزائدة تلزم الولي دون الطفل.

صرف المال في الحج مصلحة للصبي، فاذنه لا يصحح الحج و لا يرفع المحذور. و تحقيق الحال في ذلك ما سيأتي من أن المصرف المالي من مال الصبي أو من مال الولي؟ فانتظر.

هذا بالنسبة الى المميز.

____________

(18) و الكلام فى الصبي غير المميز من جهات:

الأولى: في مشروعية احرام الولي به بمعنى توليه للنّية و التلبية إن لم يحسنوها، فإنه أمر على خلاف القاعدة فلا بد فيه من دليل، و هو مما لا اشكال في ثبوته، فالنصوص الكثيرة دالة على أن غير المميز يحرم به الولي، كرواية معاوية بن عمار، عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام): «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموهم إلى الجحفة، أو إلى بطن مرّ و يصنع بهم ما يصنع بالمحرم و يطاف بهم و يرمى عنهم و من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه (1)».

الثانية: في اختصاص الحكم المذكور بالصبي أو عمومه للصبية؟ فقد يدعى اختصاصه بالصبي لأجل قصور النصوص عن شموله للصبية، فيقتصر فيه على المتيقن الذي دلت عليه النصوص و هو الصبي، لأن الحكم على خلاف القاعدة‌

____________

(1)- وسائل الشيعة/ باب 17: من أبواب أقسام الحج، ح 3.

43

..........

كما عرفت.

و فيه: ان رواية معاوية المتقدمة تشمل الصبية فان لفظ الصبيان شامل (1) للصبي و الصبية و لا يختص بالصبي. هذا مضافا إلى القطع بعدم الفرق بين الصبي و الصبية فى الحكم.

الثالثة: في اختصاص الحكم المذكور بالولي أو يجوز أن يتولاه غير الولي؟ و الوجه فى الاختصاص هو أن الحكم على خلاف القاعدة، فيقتصر فيه على القدر المتيقن و هو الولي.

و فيه: أن رواية معاوية بن عمار مطلقة فإن قوله (عليه السّلام): «انظروا من كان معكم من الصبيان» لا يختص بمن للمخاطبين ولاية عليه، بل مقتضى اطلاقه (2) شموله لكل صبي و لو كان مع من لا ولاية له عليه.

و استشكل: في دلالة الرواية بأنها نقل فعل و هو ممّا لا اطلاق فيه.

و يرده: انه ليس نقل فعل، بل نقل قول في واقعة، فيجوز التمسك بإطلاقه و إلا لوقف العمل بسائر المطلقات لأنها أقوال صدرت في وقائع خاصة.

هذا، مع ان عدم تنبيه الراوي إلى التفصيل لو اريد مع امكان استفادة العموم من الكلام يعد خيانة في النقل من الراوي، فيكشف ذلك عن عدم ارادته لأن الأصل عدم الخيانة منه.

و يؤيد ما ذكرناه رواية عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السّلام)، قال: سمعته‌

____________

(1)- لعله يراد ان العرف يفهم عدم الخصوصية، و ان السؤال بلحاظ عدم البلوغ في قبال البلوغ لا الذكورة في قبال الانوثة، و الّا فنفس اللفظ غير شامل للصبية، كما لا يخفى.

(2)- هذا يتأتى لو فرض عدم حرمة مثل هذا التصرف في الطفل من دون اذن وليه، كما عليه السيد الخوئي [(رحمه اللّه)]- في «معتمد العروة الوثقى» (ج 1: ص 36)-، و الّا فالاطلاق لا يشمل التصرف المحرّم كما هو واضح.

44

..........

يقول: «مرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) برويثة و هو حاج إليه امرأة و معها صبى لها، فقالت: يا رسول اللّه، أ يحج بمثل هذا؟ قال: نعم، و لك اجره (1)».

فان قولها: «أ يحج بمثل هذا؟»، ظاهر في أنها تحج به لا انها تسأل عن اصل المشروعية من دون معرفة من يشرع له العمل، و ان احتمل ذلك قويّا.

هذا مع أن قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «و لك أجره» ظاهر في أنها تحرم به، و الّا فلا معنى لثبوت الاجر لها مع كون الغير يقوم بالعمل، فلاحظ.

إلّا أن يقال: إنه لا مانع من ثبوت الاجر للام من دون توليها العمل، كما ثبت أن ثواب صلاة الصبي لوالديه.

الرابعة: بيان من هو الولي، فقد ذكر في المتن أنه الأب و الجد و الوصي، و الأولى ايكال البحث فيه إلى محله، فكل من تثبت ولايته على الطفل يشرع له القيام بالعمل المزبور بمقتضى دليله.

الخامسة: في نفقته، و قد حكم في المتن بان نفقته الزائدة على نفقة الحضر تلزم الولي دون الطفل، و الوجه فيه ان صرف النفقة من مال الطفل صرف له في غير مصلحة الطفل، إذ لا مصلحة له في هذا العمل اصلا. نعم، إذا توقف حفظه على السفر به و احجاجه جاز الانفاق عليه من ماله كسائر موارد الانفاق عليه لمصلحة تعود إليه. فالقاعدة تقضي بما حكم به فى المتن و تسندها رواية زرارة، عن احدهما (عليهما السّلام): «... فان قتل صيدا فعلى أبيه (2)».

و بالجملة، نفقة السفر و الهدي على الولي بمقتضى القاعدة و النصوص، و أما الكفارة كما إذا ارتكب الطفل بعض محرمات الإحرام التي عليها الكفارة، فهل‌

____________

(1)- وسائل الشيعة/ باب 20: من ابواب وجوب الحج، ح 1.

(2)- المصدر/ باب 17: من ابواب اقسام الحج، ح 5.

45

..........

هي على الصبي، أو لا؟ قد يدعى أنها تكون على الصبي كضمانه لو اتلف مال غيره، فان اشتغال الذمة لا يفرق فيه بين المميز و غيره، كما ادعي أنها ليست على الصبي (1) بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول: انصراف أدلة الكفارة عن مثل الصبي غير المميز. و قد نوقش فيه بأن الأدلة مطلقة و دعوى الانصراف بدون شاهد.

و لكن الإنصاف، أن الصبي غير المميز خارج عن وصف المحرم فلا يطلق عليه أنه محرم حقيقة، بل صورة. و لو فرض أنه يصدق عليه عنوان المحرم، فادلة الكفارة تنصرف إلى خصوص العمل الصادر من المحرم استقلالا دون من يحرم به.

الوجه الثاني: أن احرام الصبي حيث كان بسبب الولي، فالكفارة تكون عليه لأنه هو السبب.

و فيه: أن هذا لو ثبت فإنما يختص بمورد يكون السبب فيه أقوى من المباشر كما لو كان المباشر ذا إرادة ضعيفة جدا، بحيث يعد الفعل صادرا من المسبب. و في مثل ذلك يتوقف ثبوت الكفارة فيما نحن فيه- إذ هي من موارد كون السبب أقوى من المباشر- على أمرين:

الأول: أن يكون الفعل الصادر من الطفل من اللوازم العادية لا حجاج الصبي، بحيث يكون احجاجه تسبيبا إليه دون غيره.

____________

(1)- و هو مختار السيد الخوئي- كما في «معتمد العروة الوثقى» (ج 1/ صص 41- 42)- لا لاجل انصراف أدلة الكفارة الى صورة كون الفعل الموجب لها محرّما، لثبوت الكفارة في موارد الضرورة، بل لاجل ارتفاع قلم التكليف عن الصبي، فلا تجب عليه الكفارة، و ثبوتها على الولي لا دليل عليه، الّا في خصوص الصيد، و لا وجه لالغاء الخصوصية مع اختصاص الصيد ببعض الاحكام، كثبوت الكفارة فيه و لو صدر خطأ.

46

..........

الثاني: أن يكون الفعل مما يسند للمسبب بالتسبيب، إذ الأفعال على قسمين:

منها ما يسند إلى المسبب بتسبيبه كالقتل، فيطلق على المسبب بالقاتل، و كالإتلاف فيقال للمسبب متلف. و منها ما لا يسند إلى المسبب و لو صدر من المباشر من دون اختيار، كالأكل و المشي و اللبس و نحوها، فلا يقال لمن أكره غيره على المشي، أو اللبس أنه ماش أو لابس.

و من الواضح أن كثيرا من محرمات الإحرام مما لا يسند إلى السبب، كلبس المخيط و شم الطيب و التظليل و نحوها. فصدورها من الطفل لا يستلزم اسنادها إلى الولي كي تجب عليه الكفارة. هذا مع أن الولي غير محرم، فصدق تحقق الفعل منه، كقتل الصيد- مثلا- لا يجدي في ثبوت الكفارة عليه، لأن الكفارة على المحرم القاتل دون غيره. نعم، لو فرض أنه محرم فصدر من الصبي القتل ثبتت الكفارة في حقه.

لكن هذا اجنبيّ عما نحن بصدده من اثبات الكفارة من قبل الصبي على الولي.

الوجه الثالث: ما ورد من أن عمد الصبي خطأ، فلا تثبت عليه الكفارة لأنها إنما تثبت في صورة العمد دون غيره، و قد نزل عمد الصبي منزلة الخطأ، فلا تترتب عليه أحكام العمد.

و ناقشه فى «الجواهر (1)» بأنه مختص بباب الديات، و لم يبين الوجه فيه.

و لعل الوجه فيه أمران:

أحدهما: أن لسان النص تنزيل العمد منزلة الخطأ في ترتيب آثار الخطأ‌

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 240، الطبعة الأولى.

47

[الثاني الحرية]

الثاني: الحرية

فلا يجب على المملوك (19) و لو أذن له مولاه. و لو تكلّفه باذنه صحّ حجّه، لكن لا يجزيه عن حجة الإسلام، فان أدرك الوقوف بالمشعر معتقا أجزأه. و لو أفسد حجه ثم اعتق مضى فى الفاسد و عليه بدنة و تضاه و اجزأه عن حجة الإسلام. و إن اعتق بعد فوت الموقفين، وجب عليه القضاء، و لم يجزه عن حجة الإسلام.

عليه فيختص بمورد يكون للخطأ فيه أثر كباب الديات، و الأثر فيما نحن مترتب على العمد، و نفيه عن الخطأ من باب عدم تحقق العمد لا بعنوان الخطأ.

و الآخر: ما ذيلت به بعض الروايات مما يظهر منه اختصاص التنزيل بباب الديات و هو قوله (عليه السّلام): «عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة (1)». فان قوله: تحمله العاقلة ظاهر في اختصاص الصدر بباب الدية، و لا ترتبط بمسألة كفارة الاحرام. فلاحظ و تدبر.

____________

(19) يترك البحث في هذا الشرط و خصوصياته لعدم كونه محل ابتلاء في هذه الأزمنة.

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 19/ باب 11: من ابواب العاقلة، ح 3.

48

[الثالث الزاد و الراحلة]

الثالث: الزاد و الراحلة (20) و هما يعتبران فيمن يفتقر إلى قطع المسافة.

____________

(20) اختلف الأعلام الفقهاء (قدّس سرّهم) في اعتبار الراحلة لكل مكلف و لو كان يقدر على المشي من دون كلفة، و قد ادعي اعتباره مطلقا و ادعي الإجماع (1) عليه و الضرورة الفقهية. إلا أنه خالف في ذلك جماعة، كصاحب المستند (2) و استشكل فيه فى «المدارك (3)» و نسبه فى «المستند» إلى ظاهر «الذخيرة (4)» و صريح «المفاتيح (5)» و شرحه (6). و ادعي نسبة شرح المفاتيح ذلك إلى الشهيدين (قدّس سرّهما)، و نسب إلى «التذكرة (7)»، و ادعي صاحب المستند إلى امكان استفادة ذلك من كلام جماعة، حيث قيّدوا شرطية الراحلة بالاحتياج أو الافتقار.

و على كل، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الراحلة لمطلق المكلفين، بل لخصوص المحتاج إليها، فيجب الحج على من يقدر على المشي من دون كلفة، و بذلك يظهر ان الفتوى الأولى ليست بمرتبة الضرورة و البداهة.

و يقع الكلام قبل كل شي‌ء في مفاد الآية في حد نفسها و من دون ملاحظة الروايات. و هي قوله تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ

____________

(1)- النراقي، المولى أحمد: مستند الشيعة، ج 11: ص 27، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(2)- النراقي، المولى أحمد: مستند الشيعة، ج 11: ص 32، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(3)- العاملي، السيد محمد: مدارك الاحكام، ج 7: ص 36، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(4)- السبزواري، العلامة محمد باقر: ذخيرة المعاد، ص 559، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

(5)- الفيض، محمد محسن: مفاتيح الشرائع، ج 1: ص 297، ط مجمع الذخائر الإسلاميّة.

(6)- حكاه صاحب المستند في «مستند الشيعة» (ج 11/: ص 28).

(7)- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف: تذكرة الفقهاء، ج 7: ص 51، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

49

..........

سَبِيلًا.

و قد يدعى دلالة الآية على اعتبار الراحلة، ببيان: ان الأمر بالحج ينصرف إلى المستطيع ببدنه كما تنصرف سائر الأوامر إليه، فلا معنى لتقييده بالاستطاعة إلا بلحاظ إرادة معنى آخر للاستطاعة و ليس هو غير الزاد و الراحلة باجماع الأمة.

و ناقشه فى «المستند (1)» بأن إرادة معنى آخر من الاستطاعة وراء الاستطاعة البدنية لا يعني اعتبار الزاد و الراحلة بقول مطلق، بل يكفي اعتبارها في حق المحتاج و اعتبار تخلية السرب.

أقول: إن الذي ينبغي أن يقال في معنى الآية بحيث يتضح اندفاع الدعوى المزبورة هو: ان الاستطاعة بالمعنى الدقي هي القدرة على الشي‌ء و التمكن منه بأي نحو من الأنحاء في مقابل عدم القدرة عليه كالطيران إلى السماء، و لكن لها اطلاق عرفي أضيق من المفهوم العقلي لها، و هو التمكن على الشي‌ء من دون لزوم مشقة و عسر باتيانه، فمن يرى أن في عمله مشقة عليه يصح له أن يقول لا أقدر على العمل و لا يرى انه متسامح في هذا الاطلاق عرفا. و من الواضح، أن القدرة المأخوذة شرطا للتكليف ليس إلا القدرة العقلية.

و امّا القدرة العرفية، فليست مأخوذة شرطا له، إذ لا يقبح لدى العقل تعلق التكليف بما فيه عسر و لو كان شديدا.

نعم، ورد من الشارع ما يحدّد التكليف بغير مورد العسر و الحرج و ينفيه في موردهما و هو أدلة نفي العسر و الحرج، فانها حاكمة على أدلة التكاليف و مبينة لاختصاص مدلولها بغير مورد الحرج؛ إلا ان أدلة نفي العسر و الحرج لا تشمل‌

____________

(1)- النراقي، المولى احمد: مستند الشيعة، ج 11: ص 32، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام).

50

..........

مورد التكاليف الملازمة للحرج عادة بحيث تكون مواردها مطلقا أو غالبا حرجية نظير التكليف بالجهاد، لاستلزام شمولها لتلك الموارد الغاء تلك التكاليف بعدم المورد لها أو بندرته.

و التكليف بالحج كسائر التكاليف مشروط بالقدرة العقلية فلا يجب على غير القادر عقلا. أما غير القادر عرفا، يعني من يكون الحج ذا مشقة عليه، فقد يتخيل عدم الوجوب عليه أيضا لدليل نفي الحرج، إلا انه من الواضح ان الحج كان فى الأزمنة السابقة من الأفعال الحرجية لغالب الناس، لاستلزامه تعطيل الاعمال مدة السفر الطويلة لعدم توفر وسائل النقل الفعلية فى العصور السابقة، و هذا أمر لا يهون على كل أحد، بل هو عسر على غالب الناس لما فيه من الكلفة.

و إذا كان أمر الحج كذلك، فلا يكون مشمولا لدليل نفي الحرج، لاستلزامه تخصيص الوجوب بالفرد النادر، فلو لم يؤخذ قيد الاستطاعة في الآية الكريمة، امتنع علينا تقييد وجوب الحج بصورة القدرة العرفية، لعدم شمول دليل نفي الحرج له، فيلزم ان يكون الحج واجبا على كل من يقدر عليه عقلا، كالجهاد.

و أما بعد تقييد الوجوب في الآية الشريفة بالاستطاعة الظاهرة في العرفية منها- كسائر الالفاظ الواردة في الادلة الشرعية فانها تحمل على المعنى العرفي لها- اختص وجوب الحج بمن يستطيع عرفا و لم يكن في الحج أي مشقة زائدة على أصل مشقة اعمال الحج اللازمة لها. ففائدة تقييد الوجوب بالاستطاعة لا تنحصر بما فرضه المدعي من اعتبار الزاد و الراحلة، بل يمكن ان يكون ما عرفت من نفي وجوب الحج على غير المستطيع عرفا. فانه لا يعرف ذلك بغير التقييد المزبور، و هذا المعنى هو المتعين في معنى الآية دون ما ذكر لان فيه تحفظا على ظهور الاستطاعة في معناها العرفي بخلاف حملها على إرادة الزاد و الراحلة.

51

..........

و أمّا ما ذكره فى «المستند» من المناقشة، فهو لا يخلو عن ابهام، فان اختصاص اعتبار الزاد و الراحلة بالمحتاج نتيجته الغاء فائدة قيدية الاستطاعة، لانّ اعتبارهما في حق المحتاج لا يتوقف على البيان الشرعي.

و على أي حال، فالّذي نستظهره من الآية في حد نفسها ليس إلا ما عرفت من بيان التقييد بالاستطاعة العرفية، و فائدته ما عرفته من نفي تعميم وجوب الحج الثابت بدون التقييد. هذا ما يرتبط بالآية نفسها.

و أما الروايات، فقد ورد في بعضها بيان كون المراد من الاستطاعة هو الزاد و الراحلة، ك‍:

رواية الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (عليه السّلام)- و أنا عنده- عن قول اللّه عز و جل: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحا في بدنه مخلّى سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج ... (1)».

و رواية السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: سأله رجل من أهل القدر فقال: يا بن رسول اللّه، أخبرني عن قول اللّه عز و جل: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أ ليس قد جعل اللّه لهم الاستطاعة؟ فقال: «ويحك، انما يعني بالاستطاعة الزاد و الراحلة ليس استطاعة البدن (2)».

و رواية الفضل بن شاذان المروية فى «عيون الاخبار»، عن الرضا (عليه السّلام)- في كتابه إلى المأمون- قال: «و حج البيت فريضة على من استطاع إليه سبيلا، و‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 8: من ابواب وجوب الحج، ح 4.

(2)- المصدر، ح 5.

52

..........

السبيل الزاد و الراحلة مع الصحة (1)». و نحوها غيرها.

و قد استند من ذهب إلى اعتبار الزاد و الراحلة إلى هذه الروايات لظهورها في المدعى. و لكن يخدش ذلك بوجهين:

الأول: انكار ظهور هذه الروايات في اعتبار الزاد و الراحلة، لانها واردة في بيان تفسير الاستطاعة المذكورة في الآية الشريفة، و ظاهرها ليس بيان معنى الآية تعبدا، بل بيان معنى الآية عرفا و بحسب المتفاهم العرفي، إذ قد يتبادر إلى الذهن بدوا من الآية إرادة الاستطاعة العقلية، فيرد اشكال لغوية التقييد- كما هو ظاهر تساؤل القدري-، فأبان (عليه السّلام) ان المراد منها الاستطاعة العرفية و تعيين الزاد و الراحلة باعتبار انه الفرد الغالب و الواضح.

و يدلّ على ما ذكرناه انه (عليه السّلام) ذكر ان المراد من الاستطاعة هو الزاد و الراحلة لمن لا يرى التعبد بقوله (عليه السّلام) كالقدري و المأمون، فلا معنى لحمل التفسير على التعبد، بل لا بدّ من كونه تفسيرا لها بالمعنى العرفي كي يقبله الخصم و غيره.

فليس تفسير الاستطاعة بالزاد و الراحلة إلا بيانا لارادة المعنى العرفي لها لان الزاد و الراحلة مقومان للاستطاعة غالبا. فلا ظهور في هذه الروايات في إرادة غير المعنى العرفي لها.

الثاني: انه لو سلم ظهور هذه الروايات في اعتبار الزاد و الراحلة، فلا بد من رفع اليد عنه، لوجود النصوص الدالة على وجوب الحج مشيا لمن أطاقه ك‍:

رواية معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل عليه دين أ عليه أن يحج؟ قال: «نعم، إنّ حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 8: من ابواب وجوب الحج، ح 6.

53

..........

و لقد كان أكثر من حج مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مشاة ... (1)».

و رواية أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) قول اللّه عز و جل: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قال: «يخرج و يمشي إن لم يكن عنده. قلت: لا يقدر على المشي؟ قال: يمشى و يركب، قلت: لا يقدر على ذلك أعني المشي؟ قال: يخدم القوم و يخرج معهم (2)».

و رواية محمد بن مسلم- في حديث- قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): فان عرض عليه الحج فاستحيى؟ قال: «هو ممن يستطيع الحج و لم يستحيي و لو على حمار أجدع أبتر. قال: فان كان يستطيع أن يمشى بعضا و يركب بعضا فليفعل (3)» و نحوها.

رواية الحلبي (4) و أبي بصير (5) و أبي اسامة (6)، فان هذه النصوص دالة على وجوب الحج على من يستطيع المشي كل الطريق أو بعضه مع قدرته على ركوب البعض الآخر، و ظاهرها ان ذلك لانطباق عنوان المستطيع عليه كما هو صريح قوله (عليه السّلام) في رواية محمد بن مسلم: «هو ممن يستطيع الحج» بعد ملاحظة ذيلها.

و بما ان هذه النصوص نص في وجوب الحج على القادر على المشي و نفي اعتبار الزاد و الراحلة، و تلك ظاهرة في اعتبار خصوصية الزاد و الراحلة، كان‌

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 8/ باب 11: من ابواب وجوب الحج، ح 1.

(2)- المصدر، ح 2.

(3)- المصدر/ باب 10: من ابواب وجوب الحج، ح 1.

(4)- المصدر، ح 5.

(5)- المصدر، ح 7.

(6)- المصدر، ح 10.

54

..........

مقتضى الجمع العرفي الغاء خصوصية الزاد و الراحلة تقديما للنص او الاظهر على الظاهر.

و قد ادعي حمل هذه الطائفة على استحباب الحج لمن يقدر على المشي.

و يدفعه ان بعضها و ان كان لا يأبى الحمل على الاستحباب، إلا ان البعض الآخر يأباه، كرواية معاوية بن عمار للتعبير فيها بالوجوب، و ب‍: «عليه»، فانه لا يعبّر بهما عن الاستحباب. و كرواية أبي بصير لورودها في مقام تفسير الآية الواردة في ايجاب الحج. و عدم العمل بذيلها- أعني قوله: يخدم القوم و يخرج معهم- لا يستلزم طرحها أجمع لإمكان التفكيك في مدلول الرواية الواحدة.

و أما ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) (1) من أن الآية تكفلت بيان كلا الحكمين- أعني وجوب الحج و استحبابه-، فلا مانع من أن تكون هذه الرواية لبيان متعلق الاستحباب فقط.

ففيه: ان ذلك خلاف ظاهر الآية، فان ظاهر لفظ: «عليه» هو خصوص الوجوب لا مطلق الطلب، كما أن ذيل الآية لا يتلاءم مع الاستحباب و هو قوله تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ ....

و على كل، فرواية معاوية بن عمار تكفينا في اثبات المدعى.

و قد يدعى ان طريق الجمع بين هاتين الطائفتين عموما و خصوصا مطلقا، فان روايات الزاد و الراحلة ظاهرة في اعتبارهما لمطلق الافراد من يقدر على المشي و من لا يقدر، و هذه الروايات ظاهرة في نفي اعتبار هما لمن يقدر على المشي، فتكون النسبة بينهما نسبة المطلق و المقيد، فتكون هذه الروايات مقيدة لروايات الزاد و الراحلة، فلا تنافي بينهما.

____________

(1)- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام، ج 17: ص 251، الطبعة الاولى.

55

..........

و هذا الكلام و ان كان لا بأس به بحسب الصورة، إلا انه ناشئ من الغفلة عن منشأ التنافي، فان منشأ التنافي هو ظهور روايات الزاد و الراحلة في ان للزاد و الراحلة خصوصية شأن كل موضوع يؤخذ معروضا للحكم، فبعد الاعتراف بظهورها في ذلك لا بدّ من حلّ هذه العقدة، و ليس التنافي ناشيا من اطلاق الكلام كي يرفع اليد عنه لان المعارض مقيّد. و ليست الخصوصية ناشئة من الاطلاق في الواقع- كما قد يتخيل- حتى يدعى بارتفاعها- بارتفاع منشئها- و هو الاطلاق، بل هي ناشئة من نفس المدلول الاستعمالي.

و يشهد لذلك: انه لو كان الكلام مجملا بحيث لم تتم فيه مقدمات الحكمة، كان ظهور الكلام في الخصوصية كاشفا عن إرادة الاطلاق لملازمته لها واقعا لا انه متفرع عنه، و إلا لما كان للكلام ظهور في الخصوصية في الفرض. فعليه فما يكون مصادما للاطلاق و ان كان مصادما لظهور الكلام في الخصوصية، إلا انه لا وجه لتقدمه عليه، فكما يكون المقيد دالا على عدم الاطلاق كذلك ظهور الكلام في الخصوصية يدل على إرادة الاطلاق، فما الوجه في تقديم ظهور المقيد على ظهور المطلق فى الخصوصية- لا فى الاطلاق-؟

هذا ما ينبغي حلّه و قد عرفته، إذ عرفت ان المقيد نص في نفي الخصوصية و المطلق ظاهر في الخصوصية، و ظهوره ليس بمرتبة من القوة إذ قد عرفت ما يستلزم الخدشة فيه بالمرة فضلا عن قوته. و من الواضح تقدم النص على الظاهر عند تعارضهما.

و الذي يتحصل: ان الزاد و الراحلة انما يعتبران لمن لا يستطيع عرفا الحج بدونهما دون من يستطيع المشي من دون أي مشقة.

ثم انه لو بني على اعتبار الزاد و الراحلة مطلقا يقع الكلام في فروع:

56

..........

الأول: انه هل يختص اعتبار ذلك بالنائي أو يعم القريب و البعيد؟

ذهب جماعة إلى اختصاصه بالنائي و هو ظاهر المحقق (قدّس سرّه)، حيث قال: «و هما (يعنى الزاد و الراحلة) معتبران فيمن يفتقر الى قطع المسافة». و قد اختلف في بيان المقصود بالنائي و القريب.

إلا ان السيد (رحمه اللّه) (1) في «العروة» أنكر الفرق بين النائي و القريب لاطلاق أدلة اعتبار الزاد و الراحلة من دون تقييد. و ادعى ان ما ذهب إليه جماعة من عدم اشتراطه بالنسبة إليهم- يعني أهل مكة- لا وجه له.

أقول: لعدم اشتراطه بالنسبة إلى أهل مكة وجه وجيه لان ما دل على اعتبار الزاد و الراحلة وارد في مقام بيان المراد بالآية. و من الواضح اختصاص الآية بغير أهل مكة، و أن قوله تعالى: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ظاهر في المورد الذي يحتاج فيه الحج الى قصد مسافة و انتقال من محل إلى محل و هذا لا يشمل أهل مكة و نحوهم ممن لا ينطبق عليهم هذا العنوان فليس حكم الجماعة حكما جزافيا لا وجه له. نعم، إذا كان المشي على المكي حرجيا ارتفع الوجوب عنه بدليل نفي الحرج.

الثاني: هل يعتبر وجود الراحلة و توفرها بالنسبة إلى الذهاب و الإياب، أو يختص اعتبارها بالذهاب؟

ظاهر الكلمات هو الأول، و لكن الأقوى هو الثاني و ذلك لان دليل اعتبار الراحلة و هو الآية بضميمة تفسيرها بالنصوص لا يدل على اكثر من اعتبارها ذهابا و لا تعرض فيه لحال الرجوع.

و عليه، فالمرجع في حكم الرجوع هو القواعد العامة السارية في كل‌

____________

(1)- اليزدي، السيد محمد كاظم: العروة الوثقى/ الثالث من شرائط الاستطاعة، المسألة 2.