منهاج الفقاهة - ج4

- السيد محمد صادق الروحاني المزيد...
465 /
3

-

4

الجزء الرابع

[مقدمة المؤلف]

«بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»‌

الحمد لله على ما أولانا من التفقه في الدين و الهداية الى الحق، و افضل صلواته و اكمل تسليماته على رسوله صاحب الشريعة الخالدة، و على آله العلماء بالله الامناء على حلاله و حرامه، سيما بقية الله في الارضين ارواح من سواه فداه.

و بعد.

فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا منهاج الفقاهة و قد وفقنا الى طبعه،

و المرجو من الله تعالى التوفيق لنشر بقية المجلدات فانه ولى التوفيق.

5

[تتمة كتاب البيع]

[تتمة الكلام في شروط المتعاقدين]

مسالة و من شروط المتعاقدين أن يكونا مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع

(1) فعقد الفضول لا يصح اى لا يترتب عليه ما يترتب على عقد غيره من اللزوم.

و هذا مراد من جعل الملك و ما في حكمه شرطا، ثمّ فرع عليه بأن بيع الفضولى موقوف على الاجازة، كما في القواعد، فاعترض جامع المقاصد عليه بأن التفريع في غير محله، لعله في غير محله، و كيف كان، فالمهم التعرض لمسألة عقد الفضولى التى هى من اهم المسائل، فنقول: اختلف الاصحاب و غيرهم في بيع الفضولى بل مطلق عقده بعد اتفاقهم على بطلان ايقاعه (2) كما في غاية المراد على اقوال

____________

بيع الفضولى

(1) قوله و من شروط المعتقدين ان يكونا مالكين أو ماذونين من المالك أو الشارع.

و تنقيح القول بالبحث في مواضع و قبل الشروع فيها لا بد من التنبيه على جهات:

الاولى: ان الكلام في المقام ليس في ترتب اللزوم على عقد الفضولى و عدمه، بل في صحته الفعلية و عدمها، و انه هل يترتب عليه الاثر ام لا؟ فما في المكاسب من تفسير عدم صحته بعدم ترتب اللزوم على عقده كانه سهو من قلمه الشريف.

(2) الجهة الثانية: ان المصنف (قدس سره) ارسل عدم جريان الفضولى في الايقاعات ارسال المسلمات، و نقل دعوى الاجماع عليه من غاية المراد.

و الحق ان يقال: انه ان بنينا على بطلان الفضولى على القاعدة في العقود و خرجنا عنها لدليل خاص فلا يصح ايقاع الفضولى لعدم الدليل.

و أما بناء على صحته مع الاجازة على القاعدة فلا وجه لما افاده، و ذلك لانه لم يذكر دليلا على بطلان ايقاعه عموما سوى الاجماع.

و يرد عليه: اولا: انه غير ثابت، بل المتتبع يقف على شواهد يطمئن بعدمه، فان ظاهر جمع منهم و صريح آخرين البناء على صحته مع الاجازة في جملة من الموارد كالوصية بما زاد على الثلث بناء على انها ايقاع، و عتق الراهن العبد المرهون، و عتق‌

6

و المراد بالفضولى (1) كما ذكره الشهيد هو الكامل الغير المالك للتصرف و لو كان غاصبا. و في كلام بعض العامة انه العاقد بلا اذن من يحتاج الى اذنه، و قد يوصف به نفس العقد و لعله تسامح و كيف كان فيشمل العقد الصادر من الباكرة الرشيدة بدون إذن الولى، و من المالك إذ لم يملك التصرف لتعلق حق الغير بالمال، كما يومئ إليه استدلالهم لفساد الفضولى بما دل على المنع من نكاح الباكرة بغير اذن وليها، و حينئذ فيشمل بيع الراهن و السفيه و نحو هما، و بيع العبد بدون اذن السيد، و كيف كان فالظاهر

____________

المرتهن اياه و غير ذلك من الموارد، و لذا قال في الجواهر: بل عرفت مما قدمناه جريانه في العقود و غيرها من الافعال كالقبض و نحوه و الاقوال التى رتب المشارع عليها الاحكام الا ما خرج بالدليل كما اومئ إليه في شرح الاستاد.

و ثانيا: انه لو ثبت فليس اجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم فلا يستند إليه‌

(1) الثالثة: ان الفضول جمع الفضل، و هو فعل ما لا يعنى بالشخص و لا يهمّه،

و الفضول من الجموع التى جاءت بمعنى المفرد إذا استندت الى الشخص، فهو يطلق على من يعمل عملا لا يهمّه و غير مربوط به. و ليس له في الاصطلاح معنى خاص، بل هو عبارة عمن يعامل معاملة لا يكون مالكا لها، اما لعدم مالكيته للعين التى هى مورد المعاملة كبيع مال الغير، أو لتعلق حق الغير بالعين كالمرهون، أو لمنع الشارع عنها الا باذن شخص خاص كنكاح بنت الاخ، حيث انه يعتبر في صحته اذن عمته لو كانت زوجته.

و يترتب على ما ذكرناه امران:

احدهما: ان الاولى التعبير ببيع الفضولى بنحو الاضافة لا البيع الفضولى بنحو التوصيف.

ثانيهما: ان مراد المصنف (قدس سره) بقوله ان يكونا مالكين ان كانت مالكيتهما للتصرف اغنى عن ذكر قسيمه، و ان كانت مالكيتهما للعين فيرد عليه: ان مجرد ذلك لا يكفى مع عدم مالكيتهما للتصرف لتعلق حق الغير مثلا بما هو مورد المعاملة.

7

شموله لما إذا تحقق رضاء المالك للتصرف باطنا و طيب نفسه بالعقد من دون حصول اذن منه صريحا أو فحوى (1) لأن العاقد لا يصير مالكا للتصرف، و مسلطا عليه بمجرد علمه برضاء المالك. و يؤيده اشتراطهم في لزوم العقد كون العاقد مالكا أو مأذونا أو وليا و فرعوا عليه بيع الفضولى.

و يؤيده ايضا استدلالهم على صحة الفضولى بحديث عروة البارقى مع ان الظاهر علمه برضاء النبي (صلى الله عليه و آله) بما يفعله، و ان كان الذى يقوى في النفس لو لا خروجه عن ظاهر الاصحاب عدم توقفه على الاجازة اللاحقة، بل يكفى فيه رضا المالك المقرون بالعقد،

____________

(1) هذه هى الجهة الرابعة: و هى انه هل يشمل عقد الفضولى العقد المقرون برضا المالك من دون اذن منه صريحا أو فحوى كما هو المنسوب الى ظاهر الاصحاب.

ام لا يشمله بل يكفى مجرد رضاه في صحة العقد و ترتب اثره كما اختاره المصنف (قدس سره)،

ام يفصل بين ما إذا كانت الاجازة لتحقق استناد العقد الى من يملك التصرف حتى يكون العقد عقده فلا يكفى، و بين ما إذا كانت لجهة اخرى كالعين المرهونة إذا باعها مالكها،

فان اجازة المرتهن ليست لاجل تحقق استناد العقد إليه بل لان العين وثيقته كما اختاره السيد الفقيه. وجوه،

و قد استدل للثانى بوجوه:

الأول: عموم وجوب الوفاء بالعقود (1).

و اورد عليه جمع منهم المحقق النائينى (قدس سره): بان مقابلة الجمع بالجمع تقتضى التوزيع،

اى كل مكلف يجب عليه الوفاء بعقده، و عقد الفضولى لا يكون عقد المالك بمجرد رضاه،

لان كونه عقدا له يتوقف على مباشرته أو نيابة الغير عنه بالاذن أو الاجازة بعد صدور العقد من الفضولى.

و فيه: اولا: ان هذا لو تم لاقتضى البناء على القول الثالث لا الأول.

و ثانيا: انه لا يتم، فان المراد من الاستناد ليس هو بنحو يصدق عليه انه اوجد العقد، لانه لا يصدق مع الاجازة، بل مع الاذن الذى حقيقته الترخيص، و اظهار الرضا‌

____________

(1) المائدة، 2.

8

سواء علم به العاقد أو انكشف بعد العقد حصوله حينه أو لم ينكشف اصلا، فيجب على المالك فيما بينه و بين الله تعالى امضاء ما رضى به، و بترتيب الآثار عليه لعموم وجوب الوفاء بالعقود و قوله تعالى: الا ان تكون تجارة عن تراض (1) و لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفسه (2) و ما دل ان علم المولى بنكاح العبد و سكوته، اقرار منه، و رواية عروة البارقى الآتية حيث اقبض المبيع و قبض الدينار لعلمه برضاء النبي (صلى الله عليه و آله) و لو كان فضوليا موقوفا على الإجازة لم يجز التصرف في المعوض و العوض، بالقبض و الاقباض و تقرير النبي (صلى الله عليه و آله) له على ما فعل، دليل على جوازه، هذا مع ان كلمات الاصحاب في بعض

____________

به لتوقف صدقه على كون الفعل صادرا عنه بالمباشرة أو التسبيب و شي‌ء منهما ليس في مورد الاذن، فضلا عن الاجازة، بل المراد منه هو الاستناد، بمعنى انه عقده و بيعه كما هو الظاهر من الآية الشريفة، فان ظاهر قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عقودكم لاما عقدتم،

و عليه فهذا المعنى من الاستناد كما يتحقق بالاجازة- التى حقيقتها اظهار الرضا بما وقع- يتحقق بالرضا به.

و بالجملة: المعنى المصدرى لا يستند الى المجيز و لا إلى الراضى، بل و لا إلى الاذن،

و المعنى الاسم المصدرى ينسب إليه بمجرد الرضا.

و دعوى ان الاجازة التزام بالعقد و لذا لا يصح من غير المالك بخلاف الرضا و لذا يصح رضا الأجنبي بالعقد.

مردودة، لان الالتزام بالعقد لا أتصور له معنى سوى الرضا به.

و بما ذكرناه ظهر صحة الاستدلال ب) احل الله البيع، (1) و لا يرد عليه ما اورده جمع من ان البيع- لا سيما المعنى المصدرى منه- لا ينتسب الى المالك بمجرد الرضا.

(1) الثانى: مما استدل به المصنف (قدس سره) قوله تعالى) تجارة عن تراض (2)

و اورد عليه بما اورده على سابقيه، و الجواب الجواب.

(2) الثالث: ما دل على انه لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه (3).

____________

(1) البقرة، 275.

(2) النساء، 29.

(3) راجع الوسائل باب 3 من ابواب مكان المصلى و المستدرك ج 1 ص 212 و فروع الكافى ج 1 ص 26

9

المقامات يظهر منه خروج هذا الفرض عن الفضولى، و عدم وقوفه على الاجازة،

مثل قولهم في الاستدلال على الصحة ان الشرائط كلها حاصلة الا رضا المالك،

و قولهم ان الاجازة لا يكفى فيها السكوت، لأنه اعم من الرضا و نحو ذلك، ثمّ لو سلم كونه فضوليا ليكن ليس كل فضولى يتوقف لزومه على الاجازة لأنه لا دليل على توقفه مطلقا على الاجازة اللاحقة، كما هو احد الاحتمالات فيمن باع ملك غيره ثمّ ملكه، مع انه يمكن

____________

و فيه: ما تقدم من انه في مقام بيان شرط الحلية التكليفية، و لا كلام في انه يشمل الرضا النفسانى، مع انه انما يدل على اعتبار الرضا لا على كفايته، و الفرق واضح.

الرابع: ما دل على ان علم المولى بنكاح العبد و سكوته اقرار منه (1).

و اورد عليه جمع من الاساطين: بان السكوت عن مثل النكاح له خصوصية و هى كاشفيته النوعية عن الرضا.

و فيه: ان هذه الخصوصية لا تنكر، الا انها لا توجب الفرق بين هذا الرضا المستكشف بالقرينة النوعية و الرضا المستكشف من قرينة خاصة.

و بالجملة: غاية ما هناك كاشفية السكوت عن الرضا، فلو لم يكن الرضا كافيا لم يكن ذلك مجديا. و بذلك يظهر صحة الاستدلال بما دل على كفاية سكوت الباكرة.

الخامس: رواية عروة البارقى، (2) و سيأتى الكلام فيها مفصلا، و يمكن الاستدلال له مضافا الى ذلك كله بصحيح الحميرى الآتي: الضيعة لا يجوز ابتياعها الا عن مالكها أو بامره أو رضا منه (3).

فتحصل: ان الأظهر هو ما ذهب إليه المصنف (قدس سره).

و بما ذكرناه ظهر مدرك القول الأول و الجواب عنه.

و دعوى ان الحالات النفسانية غير البارزة ساقطة عن درجة الاعتبار في باب‌

____________

(1) الوسائل باب 26 من ابواب نكاح العبيد و الاماء.

(2) المستدرك باب 18 من أبواب عقد البيع و شروطه.

(3) الوسائل باب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه حديث 8.

10

الاكتفاء في الاجازة بالرضا الحاصل بعد البيع المذكور آنا ما، إذ وقوعه برضاه لا ينفك عن ذلك مع الالتفات (1) ثمّ انه لو اشكل في عقود غير المالك فلا ينبغى الاشكال في عقد العبد نكاحا أو بيعا، مع العلم برضا السيد، و لو لم يأذن له لعدم تحقق المعصية التى هى مناط المنع في الاخبار و عدم منافاته لعدم استقلال العبد في التصرف.

[صور بيع الفضولى]

ثمّ اعلم ان الفضولى قد يبيع للمالك، و قد يبيع لنفسه و على الأول فقد لا يسبقه منع من المالك، و قد يسبقه المنع

فهنا مسائل ثلاث:

الاولى: ان يبيع للمالك مع عدم سبق منع من المالك

و هذا هو المتيقن من عقد الفضولى

و المشهور الصحة. [و أدلتهم]

بل في التذكرة نسبه إلى علمائنا تارة صريحا و اخرى ظاهرا بقوله عندنا إلا أنه ذكر عقيب ذلك إن لنا فيه قولا بالبطلان.

و في غاية المراد: حكى الصحة عن العمانى و المفيد و المرتضى و الشيخ في النهاية و سلار و الحلبى و القاضى و ابن حمزة، و حكى عن الاسكافى و استقر عليه رأى من تأخر عدا فخر الدين، و بعض متأخرى المتأخرين كالاردبيلى و السيد الداماد و بعض متأخرى المحدثين

____________

العقود و الايقاعات.

مندفعة بان ذلك انما هو في المؤثر و هو العقد دون الشروط، و لا ريب في ان الرضا الباطنى شرط كما عرفت. كما انه ظهر مدرك القول الاخير، فانه استدل لعدم الاكتفاء به في معاملة غير المالك بما تقدم، و لكفايته في معاملة المالك بان اعتبار اجازة ذى الحق ليس لاجل تحقق الاستناد بل لاعتبار رضاه، و قد عرفت الجواب عنه.

(1) و فيه ان اكتفينا في الاجازة بالرضا اكتفينا به في الاذن بطريق اولى‌

بيع الفضولى للمالك مع عدم سبق المنع

إذا عرفت هذا فاعلم: ان الفضولى قد يبيع للمالك، و قد يبيع لنفسه، و على الأول فقد لا يسبقه منع من المالك و قد يسبقه المنع فها هنا مسائل ثلاث:

الأولى: ان يبيع للمالك مع عدم سبق منع من المالك، و هذا هو المتيقن من عقد‌

11

لعموم ادلة البيع و العقود (1) لأن خلوه عن اذن المالك لا يوجب سلب اسم العقد و البيع عنه، و اشتراط ترتب الاثر بالرضا و توقفه عليه ايضا لا مجال لإنكاره، فلم يبق الكلام الا في اشتراط سبق الاذن، و حيث لا دليل عليه، فمقتضى الاطلاقات عدمه، و مرجع ذلك كله الى عموم حل البيع و وجوب الوفاء بالعقد، خرج منه العارى عن الاذن و الاجازة معا، و لم يعلم خروج ما فقد الاذن و لحقه الاجازة،

____________

الفضولى، و المشهور الصحة، بل عن التذكرة: نسبته الى علمائنا تارة صريحا و اخرى ظاهرا بقوله عندنا، الا انه ذكر عقيب ذلك: ان لنا فيه قولا بالبطلان.

و في المكاسب: و استقر عليه رأى من تأخر عدا فخر الدين و بعض متأخرى المتأخرين كالاردبيلى و السيد الداماد و بعض متأخرى المحدثين و مراد صاحب الحدائق و حيث ان القائلين بالصحة منهم من استند الى القاعدة و منهم من استند الى النص فالأقوال في المسألة ثلاثة:

الأول: الصحة على القاعدة.

الثانى: الصحة بواسطة النص.

الثالث: البطلان.

ذهب الى كل جمع.

(1) و قد استدل المصنف (قدس سره) للاول: بان مقتضى العمومات مثل) أوفوا بالعقود (و) احل الله البيع (و غيرهما ترتب الاثر على كل عقد، و قد قيد ذلك بما دل على اشتراط ترتب الاثر بالرضا و توقفه عليه، و المتيقن من ذلك الجامع بين الرضا السابق و اللاحق،

فالعقد الملحوق بالرضا يشك في ترتب الاثر عليه فيرجع الى العمومات المقتضية لذلك.

و فيه: اولا: انه بناء على ما اسسه في الاصول- من انه إذا فرض خروج بعض الافراد في بعض الأزمنة عن العموم و لم يكن لدليل ذلك العموم عموم ازمانى بعد ذلك‌

12

و إلى ما ذكرنا يرجع استدلالهم بأنه عقد صدر عن اهله في محله، فما ذكره في غاية المراد: من انه من باب المصادرات لم اتحقق وجهه، لأن كون العاقد اهلا للعقد من حيث أنه بالغ عاقل لا كلام فيه، و كذا كون المبيع قابلا للبيع فليس محل الكلام إلا خلو العقد عن مقارنة اذن المالك و هو مدفوع بالاصل، و لعل مراد الشهيد ان الكلام في اهلية العاقد،

____________

الزمان المخرج بالنسبة الى ذلك الفرد، لا يصح التمسك بالعموم، بل لا بد من الرجوع الى الاستصحاب- لا وجه لتمسكه بالعمومات في المقام، إذ خرج عنها العقد قبل لحوق الاجازة، لانه لم يقل احد بوجوب الوفاء عليه بان يجيزه، فبعد الاجازة يشك في انه يجب الوفاء به و يترتب عليه الاثر ام لا، فحيث انه ليس لها عموم ازمانى فلا مورد للتمسك بها بل يتعين الرجوع الى الاستصحاب المقتضى لعدم ترتب الاثر.

و ثانيا: ان المستفاد من الادلة- بحسب المتفاهم العرفى كما تقدم- لزوم انتساب العقد و المعاملة الى المالك و ليس مفادها لزوم الوفاء بكل عقد.

و بالجملة: ان المستفاد منها وجوب وفاء كل شخص بعقد نفسه، فليس الموضوع كل عقد كى يصح التمسك بالعموم مع عدم الانتساب، و قد اعترف قده بذلك في مبحث الاجازة، قال: ان وجوب الوفاء بالعقد تكليف الى العاقدين، و من المعلوم ان المالك لا يصير عاقدا أو بمنزلته الا بعد الاجازة، فلا بد من تنقيح ذلك و انه هل ينسب العقد و المعاملة الى المالك بمجرد الاجازة ام لا، و قد تقدم تقريب اضافته إليه بالاجازة في الحاشية السابقة، و حاصله: ان المعتبر انما هو استناد المسببات لا الأسباب و هى تستند إليه بالاجازة.

و على هذا البيان لا يرد ما اوردناه اولا على المصنف، فان العقد قبل الاجازة لا يكون مشمولا للعمومات، لا انه مشمول لها و خارج عنها للمخرج.

و اورد السيد الفقيه (قدس سره) على هذا الوجه: بان الاجازة لا تغير ما وقع عليه بحيث تنقلب النسبة، أ لا ترى انه لو امر بضرب احد فضرب يصدق انه ضربه، و لكن لو ضربه احد و اطلع هو عليه بعد ذلك فرضى به لا يصدق انه ضربه.

13

و يكفى في اثباتها العموم المتقدم، و قد اشتهر الاستدلال عليه بقضية عروة البارقى (1) حيث دفع إليه النبي (صلى الله عليه و آله) دينارا، و قال له: اشتر لنا به شاة للاضحية، فاشترى به شاتين، ثمّ باع احدهما في الطريق بدينار فأتى النبي (صلى الله عليه و آله) بالشاة و الدينار، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله) بارك الله لك في صفقة يمينك، فإن بيعه وقع فضولا و ان وجهنا شراءه على وجه يخرج عن الفضولى، (2) هذا، و لكن لا يخفى ان الاستدلال بها يتوقف على دخول المعاملة المقرونة برضا المالك في بيع الفضولى

____________

و فيه: ان ما ذكره (قدس سره) يتم في الموجودات التكوينية الخارجية كالضرب و الاسباب في باب العقود و الايقاعات، و لذا ذكرنا انها لا تستند إليه بالاجازة، و لا يتم في الموجودات الاعتبارية و هى المسببات في المقام فانها تستند إليه بالاجازة فتشملها العمومات.

فتحصل: ان مقتضى العمومات صحة الفضولى.

و يمكن ان يستدل لها بالسيرة العقلائية بضميمة عدم ردع الشارع الاقدس عنها.

و أما ما افاده المحقق الايروانى (قدس سره) في وجه الصحة بان الاجازة بنفسها انشاء من قبل المجيز فمع انشاء الاصيل هو عقد تشمله العمومات.

فيرد عليه: انه على هذا عقد فاقد للتوالى بين الايجاب و القبول و مقدم قبوله على ايجابه فيما إذا كان الأصيل مشتريا، فالحق ما ذكرناه.

ثمّ انه قد استدل لصحة الفضولى بالادلة الخاصة:

(1) احدها: ما تضمن قضية عروة البارقى، المذكور في المتن (1). فان شراءه و بيعه وقعا فضوليين.

(2) و قد افاد المصنف (قدس سره) انه يمكن توجيه شراءه بنحو يخرج عن الفضولية. و لم يذكر التوجيه، و افيد فيه امور:

منها: ما افاده المحقق النائينى (قدس سره)، و هو: انه مسبوق بالاذن الفحوى، حيث ان اذنه بشراء شاة بدينار يقتضى اذنه و رضاه بشراء شاتين بهذا المبلغ بطريق اولى.

____________

(1) المستدرك باب 18 من أبواب عقد البيع و شروطه حديث 1.

14

توضيح ذلك ان: الظاهر علم عروة برضا النبي (صلى الله عليه و آله) بما يفعل. (1) و قد اقبض المبيع و قبض الثمن و لا ريب ان الاقباض و القبض في بيع الفضولى حرام، لكونه تصرفا في مال الغير، فلا بد أما من التزام إن عروة فعل الحرام في القبض و الإقباض و هو مناف لتقرير النبي (صلى الله عليه و آله). و أما من القول بأن البيع الذى يعلم بتعقبه للإجازة يجوز التصرف فيه قبل الاجازة، بناء على كون الاجازة كاشفة و سيجي‌ء ضعفه، فيدور الامر بين ثالث و هو جعل

____________

و فيه: انه ان كان النبي (صلى الله عليه و آله) اعد دينارا لصرفه في شراء الشاة كان هذا متينا، و لكنه (صلى الله عليه و آله) انما اراد شاة واحدة للاضحية، و معه لا سبيل الى دعوى الاذن الفحوى كما لا يخفى.

و منها: ما افاده السيد الفقيه، و هو: ان المراد جنس الشاة الصادق على الواحد و المتعدد.

و فيه: مضافا الى انه خلاف الظاهر في نفسه، يأباه بيع عروة احدى الشاتين.

و منها: غير ذلك مما هو واضح الدفع.

و لكن يرد على الاستدلال به امران:

الأول: انه ضعيف السند، لأنه مروى من طرق العامة، و عروة لم يوثق، مضافا الى نقل الشيخ (قدس سره) و العلامة اياه من عرفة، و القدماء من الأصحاب لو لم يكونوا معرضين عنه لا سبيل الى دعوى عملهم به كى ينجبر به ضعف السند.

الثانى: انه يحتمل ان عروة من حيث كونه معدا لخدمة النبي (صلى الله عليه و آله) كان وكيلا مفوضا في امر البيع و الشراء، فلم يكن بيعه و لا شراؤه فضوليا، و حيث انه قضية في واقعة و لا إطلاق له، فالاحتمال يسقطه عن الاستدلال.

و قد اورد على الاستدلال به المصنف (قدس سره) بايرادين.

احدهما:

(1) انه حيث كان عروة قبض الثمن و اقبض الشاة، و لا سبيل الى دعوى انه فعل حراما لمنافاته لتقرير النبي (صلى الله عليه و آله)، و لا إلى جواز التصرف في المبيع ببيع الفضولى قبل الاجازة بناء على كونها كاشفة لا ناقلة لما سيجي‌ء من ضعفه، و لا إلى دعوى علم عروة برضا النبي‌

15

هذا الفرد من البيع، و هو المقرون برضا المالك، خارجا عن الفضولى كما قلناه،

و رابع: و هو علم عروة برضاء النبي (صلى الله عليه و آله) باقباض ماله للمشترى حتى يستأذن و علم المشترى بكون البيع فضوليا حتى يكون دفعه للثمن بيد البائع على وجه الامانة،

و الا فالفضولي ليس مالكا و لا وكيلا فلا يستحق قبض المال. فلو كان المشترى عالما،

فله ان يستأمنه على الثمن حتى ينكشف الحال بخلاف ما لو كان جاهلا. و لكن الظاهر هو اول الوجهين «الاخيرين و هو القول الثالث» كما لا يخفى خصوصا بملاحظة أن الظاهر وقوع تلك المعاملة على جهة المعاطاة. (1)

و قد تقدم ان المناط فيه مجرد المراضاة، و وصول كل من العوضين الى صاحب الآخر و حصوله عنده باقباض المالك أو غيره و لو كان صبيا أو حيوانا، فإذا حصل التقابض بين الفضوليين أو فضولى و غيره مقرونا برضاء المالكين، ثمّ وصل كل من العوضين الى صاحب الآخر و علم برضاء صاحبه كفى في صحة التصرف، و ليس هذا من معاملة الفضولى لأن الفضولى صار آلة في الايصال و العبرة برضاء المالك المقرون به،

____________

(صلى الله عليه و آله) باقباض ماله للمشترى حتى يستأذن، و علم المشترى بكون البيع فضوليا حتى يكون دفعه للثمن بيد البائع على وجه الامانة. فيتعين البناء على خروج المعاملة المقرونة برضا المالك عن معاملة الفضولى.

و فيه: اولا: لا وجه لاستظهار فساد الاحتمال الثالث، إذ لا سبيل له سوى دعوى كون المشترى جاهلا و هو غير ثابت، مع انه لو كان جاهلا يمكن ان يكون دفع الثمن على وجه الاستئمان بان يدفعه على وجه الرضا المطلق، اى على جميع التقادير على انه ان كان مالكا فبما انه مالك، و الا فبما انه امين نعم الشيخ (قدس سره) لا يحتاج الى اثبات فساده، بل مجرد‌

الاحتمال الرابع يسقطه عن الاستدلال.

و ثانيا: ان المعاملة المقرونة برضا المالك الفعلى خارجة عن الفضولية لا المقرونة بالرضا التقديرى، و المقام من قبيل الثانى.

(1) ثانيهما: ان الظاهر وقوع المعاملة في مورد الرواية بنحو المعاطاة بين رسول الله (صلى الله عليه و آله) و مشترى الشاة، و يكون عروة آلة محضة في ايصال العوضين،

16

و استدل له ايضا تبعا للشهيد في الدروس (1) بصحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام) قال: قضى امير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة باعها ابن سيدها و ابوه غائب،

فاستولدها الذى اشتراها فولدت منه، فجاء سيدها فخاصم سيدها الآخر، فقال:

وليدتى باعها ابنى بغير اذني، فقال (عليه السلام): الحكم أن يأخذ وليدته و ابنها فناشده الذى اشتراها، فقال له: خذ ابنه الذى باعك الوليدة حتى ينفذ البيع لك، فما رآه ابوه قال له أرسل ابنى قال: لا و الله لا أرسل ابنك حتى ترسل ابنى فلما رأى ذلك سيد الوليدة اجاز بيع ابنه، الحديث قال في الدروس و فيها دلالة على صحة الفضولى (2) و ان الاجازة كاشفة و لا يرد عليها شي‌ء مما يوهن الاستدلال بها، فضلا عن ان يسقطه، و جميع ما ذكر فيها

____________

و يكفى في صحة المعاطاة وصول العوضين الى المالكين مع رضاهما، و ان كان الموصل غير ذى شعور.

و فيه: اولا: ان ظاهر قوله (صلى الله عليه و آله) بارك الله في صفقة يمينك التبريك في المعاملة الصادرة منه لا على كونه آلة في ايصال الثمن و المثمن و ثانيا: ان الكافى على فرض القول به القصد الى انشاء البيع بايصال العوض باى وجه اتفق، و ما هو موجود في المقام هو الرضا بالبيع الصادر من الغير فالصحيح ما ذكرناه.

(1) ثانيها صحيح محمد بن قيس المذكور في المتن (1)

(2) و عن الدروس: ان فيه دلالة على صحة الفضولى.

الكلام فيه يقع في جهتين:

الاولى: في فقه الحديث.

الثانية: في دلالته على صحة الفضولى.

اما الاولى: فقد يقال انه مشتمل على احكام لا يمكن الالتزام بها، و لأجل ذلك يرد علمه الى اهله.

____________

(1) الوسائل باب 88 من أبواب نكاح العبيد و الاماء حديث 1.

17

من الموهنات موهونة الا ظهور الرواية في تأثير الاجازة المسبوقة بالرد (1) من جهة ظهور المخاصمة في ذلك و اطلاق حكم الامام (عليه السلام) بتعين اخذ الجارية. و انها من المالك بناء على انه لو لم يرد البيع وجب تقييد الاخذ بصورة اختيار الرد (2)

و مناشدة المشترى للإمام (عليه السلام) و إلحاحه إليه في علاج فكاك ولده و قوله حتى ترسل ابنى (3) الظاهر في انه حبس الولد و لو على قيمة يوم الولادة و حمل امساكه الوليدة على حبسها لأجل ثمنها كحبس ولدها على القيمة ينافيه قوله (عليه السلام)، فلما رأى ذلك سيد الوليدة اجاز بيع الولد.

____________

(1) منها: انه يدل على نفوذ الاجازة بعد الرد، و الاجماع قام على عدم نفوذها،

و سيأتى الجواب عن ذلك.

(2) و منها: حكمه (عليه السلام) باخذ الوليدة و ابنها من دون تقييد بعدم الاجازة.

و فيه: انه بيان للحكم في فرض عدم الاجازة.

منها: حكمه (عليه السلام) باخذ الوليدة و ابنها قبل ان يسمع من المشترى دعواه، و لعله كان يدعى اذن السيد أو رضاه، فكان يتعين تكليفه باقامة البينة، و مع عدمها ان يكلف السيد بالحلف اورد الحلف كما هو الشأن في سائر موارد المخاصمات.

و فيه: انه حيث كان نقل ابى جعفر (عليه السلام) هذه القضية لبيان ان البيع قابل للاجازة، لم تكن وظيفته (عليه السلام) بيان جميع الخصوصيات، فلعله لم يكن المشترى مدعيا للاذن أو الوكالة أو الرضا، أو انه انما حكم (عليه السلام) بذلك بعد تكليفه باقامة البينة.

و منها: حكمه (عليه السلام) باخذ الولد مع انه حر، إذ الظاهر ان الوطء كان بالشبهة.

و فيه: ان يمكن ان يكون الاخذ لاجل تعلق حقه به من جهة كونه نماء امته، و ان ابيت عن استحقاق القيمة الا على تقدير عدم الاجازة فقد حكم (عليه السلام) بذلك قبل الاجازة.

(3) و منها حكمه باخذ ابن السيد، مع ان غاية الامر كونه غاصبا.

18

و الحاصل ان ظهور الرواية في رد البيع اولا مما لا ينكره المصنف (1)

الا ان الانصاف أن ظهور الرواية في أن أصل الإجازة مجدية في الفضولى مع قطع النظر عن الإجازة الشخصية في مورد الرواية غير قابل للانكار، فلا بد من تأويل ذلك الظاهر لقيام القرينة و هى الإجماع على اشتراط الإجازة بعدم سبق الرد.

و الحاصل ان مناط الاستدلال لو كان نفس القضية الشخصية، من جهة اشتمالها على تصحيح بيع الفضولى بالاجازة بناء على قاعدة اشتراك جميع القضايا المتحدة نوعا في الحكم الشرعى، كان ظهورها في كون الاجازة الشخصية في تلك القضية مسبوقة بالرد مانعا عن الاستدلال بها موجبا للاقتصار على موردها، لوجه علمه الامام (عليه السلام) مثل كون مالك الوليدة كاذبا في دعوى عدم الاذن للولد،

فاحتال (عليه السلام) حيلة يصل بها الحق

____________

و فيه: انه لاجل صيرورته سببا لتلك الخسارة و غاصبا للثمن لا مانع من ذلك للتوصل به الى حقه.

و منها: تعليمه (عليه السلام) اياه الحيلة، مع ان وظيفة الحاكم ليست ذلك.

و فيه: اولا: انه لم يثبت كون ذلك قضاوة، بل لعله كان جوابا عن المسألة و بيانا للحكم الشرعى.

و ثانيا: لم يدل دليل على عدم جواز تعليم الحيلة.

و أما الثانية: فقد اورد على الاستدلال به على صحة بيع الفضولى.

(1) بانه ظاهر في تأثير الاجازة المسبوقة بالرد، و هو خلاف الاجماع و الكلام في ذلك يقع في موردين:

الأول: في ظهوره في ذلك.

الثانى: في انه على فرض الظهور هل يمنع من الاستدلال به على صحة الفضولى ام لا؟ اما الأول: فقد استند المصنف (قدس سره) في دعواه تلك الى امور:

احدها: اطلاق حكمه (عليه السلام) بتعين اخذ الجارية و ابنها من المالك، إذ لو لم يكن رادا للبيع وجب تقييد الاخذ بصورة اختيار الرد.

19

الى صاحبه. اما لو كان مناط الاستدلال ظهور سياق كلام الامير (عليه السلام) في قوله: خذ ابنه حتى ينفذ لك البيع، و قول الباقر (عليه السلام) في مقام الحكاية، فلما رأى ذلك سيد الوليدة اجاز بيع ابنه، في ان للمالك ان يجيز العقد الواقع على ملكه و ينفذه (1) لم يقدح في ذلك ظهور الاجازة الشخصية في وقوعها بعد الرد، فيؤول ما يظهر منه الرد بارادة عدم الجزم بالإجازة و الرد، أو كون حبس الوليدة على الثمن أو نحو ذلك، و كأنه قد اشتبه مناط الاستدلال على من لم

____________

و فيه: انه مع عدم الاجازة يكون الحكم ذلك ايضا، فلعله كان مرددا في الرد و الاجازة فحكم (عليه السلام) باخذهما ما لم يجز.

ثانيها: ظهور المخاصمة في ذلك.

و فيه: انها ظاهرة في كراهة البيع لا في الرد الذى هو حل للعقد و رفع له، و مجرد اظهار الكراهة الباطنية ليس ردا، بل يمكن منع ظهورها في ذلك ايضا، إذ لعلها كانت لاجل استحصال ثمن الجارية الذى اخذه ابوه.

ثالثها: مناشدة المشترى للامام (عليه السلام)، و إلحاحه إليه في علاج فكاك ولده.

و فيه: انه حيث لم يجز البيع و استرد ماله و نماءه الى ان ينفك باداء قيمته طلب منه (عليه السلام) علاجا ليجيز البيع.

رابعها: قوله حتى ترسل ابنى الظاهر في انه حبس الولد و لو على قيمة يوم الولادة.

و فيه: انه ظاهر في عدم الاجازة لا في الرد، إذ للمالك التصرف في ماله قبل الاجازة حتى على الكشف.

فتحصل: انه لا ظهور للرواية في كون الإجازة بعد الرد، فالاستدلال به على صحة الفضولى لا إشكال فيه.

و أما الثانى: فقد ذهب السيد الفقيه (قدس سره) الى ان الرواية تكون دليلا على صحة الاجازة حتى بعد الرد، و لا مانع من العمل بها.

و فيه: انه خلاف الاجماع لا يمكن المصير إليه.

(1) و افاد المصنف (قدس سره) في وجه صحة الاستدلال به في المقام: بان هذا الخبر المتضمن لقوله (عليه السلام) حتى ينفذ لك البيع و قوله اجاز بيع ابنه ظاهر في ان حكم الفضولى ذلك، و عليه‌

20

يستدل بها في مسألة الفضولى أو يكون الوجه في الاغماض عنها ضعف الدلالة المذكورة، فإنها لا تزيد على الاشعار، و لذا لم يذكرها في الدروس في مسألة الفضولى، بل ذكرها في موضع آخر لكن الفقيه في، غنى منه بعد العمومات المتقدمة،

و ربما يستدل ايضا بفحوى صحة عقد النكاح من الفضولى في الحر و العبد الثابتة بالنص (1) و الاجماعات المحكية، فإن تمليك بضع الغير إذا لزم بالاجازة كان تمليك ماله اولى بذلك، مضافا الى ما علم من شدة الاهتمام في عقد النكاح لانه يكون منه الولد، كما في بعض الاخبار. و قد اشار الى هذه الفحوى في غاية المراد و استدل بها في الرياض، بل قال: انه لولاها اشكل الحكم من جهة

____________

فيتصرف في ظهور صدره في الاجازة بعد الرد ويؤول بارادة عدم الجزم بالاجازة و الرد أو غير ذلك.

و فيه: ان الظاهر من قول الأمير (عليه السلام) البيع ارادة البيع الخاص الذى اوقعه الابن،

و صريح قول الإمام الباقر (عليه السلام) ذلك، فهو ظاهر في القضية الشخصية، و حيث انه على هذا لا يعمل بالخبر فيما تضمنه بحسب ظاهره، فلا بد من تأويله، و معه يصير مجملا فلا يمكن الاستدلال به.

و دعوى انه بالدلالة المطابقية يدل على صحة الفضولى في المورد، و بالدلالة الالتزامية يدل على قابلية كل فضولى للنفوذ بالاجازة، و الاجماع المشار إليه يوجب سقوط الاولى لا الثانية.

مندفعة بتبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية وجودا و حجية. فتدبر فالحق ما ذكرناه.

(1) ثالثها النصوص (1) الواردة في النكاح الدالة على نفوذ بالاجازة.

و تقريب الاستدلال بها من وجوه:

الأول: بعموم التعليل الوارد في صحة نكاح العبد باجازة المولى- حيث علله (عليه السلام) بان نكاحه مشروع ذاتا و ليس معصية لله تعالى، بل انما يكون عدم‌

____________

(1) الوسائل باب 24 و 25 و 26 و 27 و 70 من أبواب نكاح العبيد و الاماء و باب 6 و 7 و 13 من أبواب عقد النكاح و اولياء العقد.

21

..........

____________

نفوذه من باب كونه عصيانا للسيد فإذا اجاز جاز- فانه يدل على ان كل معاملة لا تكون غير مشروعة بذاتها كبيع الخمر و الخنزير، بل انما لا تكون نافذة لرعاية حق الغير تصح باجازة من اعتبر رضاه، فان كونها معصية لذلك الغير قابلة للزوال بسبب تبدل كراهته بالرضا.

الثانى: ما افاده صاحب الجواهر (قدس سره)، و هو: ان ما ورد في نكاح الفضولى الدال على صحته بالاجازة باطلاقه يشمل ما إذا تضمن الصداق بيعا، كما إذا باع شخص مال زيد من عمرو فضولا بمائة دينار و تزوج له هندا بتلك الدنانير، فاطلاق تلك الاخبار يقتضى صحة هذا النكاح، و لازمه صحة البيع ايضا، و يتم في غير هذه الصورة بالاجماع المركب.

و فيه: اولا: ان الاخبار مسوقة لبيان حكم النكاح من هذه الجهة خاصة، و لا نظر لها الى الجهات الاخر، فلا وجه للتمسك باطلاقها.

و ثانيا: ان النكاح لعدم توقفه على المهر لان بطلان المهر لا يستلزم بطلان النكاح- لا يلازم امضاؤه في الفرض امضاء البيع و انفاذه.

الثالث: ان جملة من النصوص تدل على ان النكاح يصح بالاجازة، فإذا صح تمليك البضع بالاجازة صح تمليك ماله بها بالاولوية، اما لأن الأول لا عوض له بخلاف الثانى، أو لأن النكاح مبنى على الاحتياط و احرى بشدة الاهتمام، لانه يكون منه الولد. و الكلام فيه يقع في جهات:

الاولى: في ثبوت هذا الحكم في مطلق النكاح.

الثانية: في التعدى عنه الى سائر العقود بحسب القواعد.

الثالثة: في ان الرواية التى اشار إليها المصنف هل تمنع عن هذه الاولوية ام لا؟ اما الاولى: فعن الشيخ في المبسوط و الخلاف: انكاره فيه من الأصل، و عن فخر المحققين ايضا ذلك، و عن أبى حمزة: اختصاصه بتسعة مواضع لوجود النص فيها‌

22

..........

____________

دون غيرها، و استشكل السيد الفقيه في التعدى عن تلك الموارد المخصوصة، و المشهور بين الأصحاب التعدى، بل نقل الاجماع عليه غير واحد.

و الحق ان: صحة نكاح الفضولى في الجملة مما لا ينبغي التوقف فيه لورود جملة من الأخبار (1) في نكاح الأب لابنه، و الاخ لاخيه، و العم لابن اخيه، و الام لابنها، و نكاح الوصى، و غير ذلك من الموارد، و فيها الصحاح و الموثقات.

و أما التعدى عن تلك الموارد الى مطلق النكاح فالظاهر ذلك، لأن غاية ما ذكر في وجه عدم التعدى: ان موارد النصوص الواردة في المقام ما بين ما يكون العاقد عاقدا لنفسه الا انه منوط برضا الغير، و ما بين ما يكون العاقد وليا شرعيا أو عرفيا، فالتعدى عنهما الى ما إذا كان العاقد عاقدا لغيره و لم يكن وليا يحتاج الى دليل.

و لكنه فاسد، و ذلك لوجهين:

احدهما: ان من جملة تلك النصوص ما ورد في (2) نكاح الاخ و العم، و هما ليسا عاقدين لأنفسهما، و لا ولاية لهما عرفا ايضا.

ثانيهما ان من جملتها ما ورد في عبد مملوك بين رجلين زوجه احدهما و الآخر لا يعلم و علم به بعد ذلك، قال (عليه السلام) للذى لم يعلم و لم يأذن: ان يفرق بينهما، و ان شاء تركه على نكاحه (3). و نحوه ما ورد في جارية مملوكة بين رجلين (4) فانهما يدلان على توقف نكاح احد الشريكين على اجازة الآخر من حيث انه تصرف ورد على ماله، و معلوم انه ليس عاقدا لنفسه و لا ولاية له عرفا و لا شرعا فإذا ثبوت ذلك في مطلق نكاح الفضولى مما لا ينبغي التوقف فيه.

و أما الجهة الثانية: فالحق عدم صحة التعدى الى سائر العقود‌

____________

(1) راجع الوسائل باب 13 و 8 و 6 و 7 من ابواب عقد النكاح.

(2) راجع الوسائل باب 13 و 8 و 6 و 7 من ابواب عقد النكاح.

(3) الوسائل باب 25 من أبواب نكاح العبيد و الاماء.

(4) الوسائل باب 70 من أبواب نكاح العبيد و الاماء.

23

الاجماعات المحكية على المنع و هو حسن الا انها ربما توهن بالنص الوارد (1) في الرد على العامة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول مع جهله بالعزل و بين بيعه بالصحة في الثانى لأن المال له عوض و البطلان في الأول لان البضع ليس له عوض،

حيث قال الامام (عليه السلام) في مقام ردهم و اشتباههم في وجه الفرق سبحان الله ما اجور هذا الحكم و افسده، فإن النكاح اولى و اجدر ان يحتاط فيه، لانه الفرج و منه يكون الولد، الخبر.

____________

لعدم تمامية الوجهين المتقدمين،

اما الاول: فلان في النكاح لا يملك البضع، بل هناك تسلط محض، مع انه لا يجرى في الهبة و الصلح في موردها، مضافا الى ان هذه الاولوية ظنية لخفاء المصالح المقتضية لجعل الاحكام.

و أما الثانى: فلأن الشارع الأقدس و ان اهتم بالنكاح- و هو احرى بالاحتياط- الا ان ذلك في مقام عمل المكلفين برعاية ما جعل الشارع سببا له، و في موارد الشبهات الحكمية و الموضوعية، و لا ربط لذلك بجعل الشارع، فتوسعة الشارع في اسباب النكاح لا تستلزم توسعته في اسباب البيع، بل الشارع الأقدس اعتبر في سائر العقود ما لم يعتبر في هذا العقد- كالتقابض في الصرف و السلم- و وسع في اسباب النكاح بتشريع عقد التمتع و ملك اليمين و جواز تقديم القبول على الايجاب و جواز الاقتصار على السكوت في مقام الاذن و الرضا.

و بالجملة: اهمية النكاح ربما تستدعى التوسعة في اسبابه لئلا يقع الناس في الزنا فتحصل: ان الأظهر عدم التعدى الى سائر العقود.

و أما الجهة الثالثة: فقد افاد المصنف (قدس سره):

(1) انها ربما توهن بالنص الوارد في الرد على العامة الفارقين بين تزويج الوكيل المعزول و النص المشار إليه هو صحيح العلاء بن سيابة عن مولانا الصادق (عليه السلام) و فيه: ما اجور هذا الحكم و افسده ان النكاح احرى و احرى ان يحتاط فيه و هو فرج و منه يكون الولد (1)

____________

(1) الوسائل باب 2 من ابواب كتاب الوكالة حديث 2 و باب 157 من ابواب مقدمات النكاح.

24

و حاصله أن مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع أولى بالصحة من البيع من حيث الاحتياط المتأكد في النكاح دون غيره، فدل على ان صحة البيع تستلزم صحة النكاح بطريق اولى (1) خلافا للعامة حيث عكسوا و حكموا بصحة البيع دون النكاح، فمقتضى حكم الامام (عليه السلام) ان صحة المعاملة المالية الواقعة في كل مقام تستلزم صحة النكاح الواقع بطريق اولى، و حينئذ فلا يجوز التعدى من صحة النكاح في مسألة الفضولى الى صحة البيع، لأن الحكم في الفرع لا يستلزم الحكم في الأصل، في باب الأولوية و إلا لم يتحقق الأولوية كما لا يخفى، فالاستدلال بصحة النكاح على صحة البيع مطابق لحكم العامة، من كون النكاح أولى بالبطلان، من جهة أن البضع غير قابل للتدارك بالعوض.

____________

(1) و ذكر المصنف (قدس سره) ما حاصله ان مقتضى الاحتياط كون النكاح الواقع اولى بالصحة من البيع من حيث الاحتياط، فدل على ان صحة البيع تستلزم صحة النكاح بطريق اولى خلافا للعامة، و عليه فلا يجوز التعدى عما دل على صحة نكاح الفضولى الى صحة البيع.

اقول: بعد التنبيه على امرين:

الأول: ان الحكم الواقعى عدم الفرق بين النكاح و غيره في مسألة العزل مع عدم بلوغ الخبر الى الوكيل.

الثانى: ان العامة لم يكونوا معللين الفرق بين النكاح و البيع بالاحتياط، بل انما عللوه بوجه استحسانى، حيث انه (عليه السلام) لما سأل الراوى عما يقول العامة قال: و يقولون المال منه عوض لصاحبه و الفرج ليس منه عوض إذا وقع منه ولد.

ان الامام (عليه السلام) لما لم يتمكن من بيان الحكم من دون وجه، و لا من بيان بطلان ما ركنوا إليه، راعى جانب الاحتياط و اجاب بان النكاح بما انه مهم في نظر الشارع و احرى بان يحتاط فيه من غيره من العقود فيتعين فيه الاستناد الى حجة شرعية، و لا يعتمد الى القياس و الاستحسان و ما شابهما من الوجوه العليلة، و قد عقبه (عليه السلام) بقضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) الذى يكون متبعا عندهم لقوله (صلى الله عليه و آله): اقضاكم على (عليه السلام)، و عليه فهو لا يدل على ما ذكر المصنف (قدس سره).

25

بقي الكلام في وجه جعل الامام (عليه السلام) الاحتياط في النكاح هو ابقاؤه (1) دون ابطاله، مستدلا بأنه يكون منه الولد مع ان الامر في الفروج كالاموال دائر بين محذورين و لا احتياط في البين، و يمكن ان يكون الوجه في ذلك ان ابطال النكاح في مقام الاشكال و الاشتباه يستلزم التفريق بين الزوجين على تقدير الصحة واقعا،

فيتزوج المرأة و يحصل الزنا بذات البعل بخلاف ابقائه، فإنه على تقدير بطلان النكاح لا يلزم منه الا وطى المرأة الخالية عن المانع، و هذا أهون من وطى ذات البعل.

فالمراد بالأحوط هو الأشد احتياطا.

و كيف كان، فمقتضى هذه الصحيحة انه إذا حكم بصحة النكاح الواقع من الفضولى لم يوجب ذلك التعدى الى الحكم بصحة بيع الفضولى، نعم لو ورد الحكم بصحة البيع امكن الحكم بصحة النكاح، لأن النكاح اولى بعدم الابطال كما هو نص الرواية، ثمّ ان الرواية و ان لم يكن لها دخل بمسألة الفضولى (2) الا ان المستفاد منها قاعدة كلية هى ان امضاء العقود المالية يستلزم امضاء النكاح من دون العكس الذى هو مبنى الاستدلال في مسألة الفضولى هذا.

____________

و بما ذكرناه: ظهر عدم تمامية ما افاده السيد الفقيه (قدس سره) في المقام في الرد على المصنف (قدس سره)، و حاصله: انه (عليه السلام) بصدد الرد على العامة الجاعلين حكمة الحكم الاحتياط،

و انه ليس كذلك و الا كان النكاح اولى بان يحتاط فيه، و ان الاحتياط لو كان مقتضيا للصحة في البيع ففى النكاح بالاولوية.

فانه يرد عليه: ما عرفت من ان العامة لم يجعلوا حكمة الحكم الاحتياط.

(1) قوله بقي الكلام في وجه جعل الامام (عليه السلام) الاحتياط في النكاح هو ابقائه.

و فيه ان الامام (عليه السلام) لم يحكم بابقاء النكاح لكونه على طبق الاحتياط، و انما اعترض على العامة حيث حكموا بصحة بيع المعزول الجاهل بالعزل و بطلان النكاح.

(2) قوله ثمّ ان الرواية و ان لم يكن لها دخل بمسألة الفضولى و ذلك من جهة اختصاص موردها بما وقع بعنوان الوكالة و لو باعتقاد العاقد.

26

ثمّ انه ربما يؤيد صحة الفضولى بل يستدل عليها، بروايات كثيرة وردت في مقامات خاصة، مثل موثقة جميل عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل دفع الى رجل مالا ليشترى به ضربا من المتاع مضاربة فاشترى غير الذى امره، قال: هو ضامن و الربح بينهما على ما شرطه و نحوها غيرها الواردة في هذا الباب فإنها ان ابقيت على ظاهرها من عدم توقف ملك الربح على الاجازة، كما نسب الى ظاهر الاصحاب وعد هذا خارجا عن بيع الفضولى بالنص، كما في المسالك و غيره، كان فيها استئناس لحكم المسألة من حيث عدم اعتبار إذن المالك سابقا في نقل مال المالك إلى غيره (1)

و إن حملناه على صورة رضاء المالك بالمعاملة بعد ظهور الربح، كما هو الغالب،

و بمقتضى الجمع بين هذه الأخبار و بين ما دل على اعتبار رضاء المالك في نقل ماله،

و النهى عن أكل المال بالباطل اندرجت المعاملة في الفضولى و صحتها في خصوص المورد، و ان احتمل كونها للنص الخاص، الا

____________

(1) و حاصل ما افاده المصنف في هذه الاخبار: (1) انه ان قلنا بعدم لزوم الاجازة في صحة المعاملة المزبورة كانت هى مما يستأنس به للحكم في المقام لاشتراكهما في عدم لزوم الاذن السابق، و ان قلنا بلزومها في صحتها كانت دليلا على جريان الفضولى في العقد السابق و صحته في المورد الخاص. و ان احتمل كونها للنص الخاص الا انها لا تخلو عن تأييد للمطلب.

و في كلا شقى كلامه نظر:

اما الأول: فلأنه إذا دل دليل على عدم اعتبار الرضا في مورد خاص كيف يستأنس منه لحكم ما يعتبر فيه ذلك قطعا، و انما الكلام في اعتبار سبقه.

و أما الثانى: فلأنه ان بنينا على صحة ما صدر بالاجازة كان اللازم كون تمام الربح للمالك، إذ تقسيم الربح انما يكون من آثار المضاربة المفروض بطلانها، و البائع اما ان‌

____________

(1) الوسائل باب 1 من أبواب كتاب المضاربة حديث 9.

27

انها لا تخلو عن تأييد للمطلب و من هذا القبيل الاخبار الواردة في اتجار غير الولى في مال اليتيم و ان الربح لليتيم (1) فإنها ان حملت على صورة اجازة الولى، كما هو صريح جماعة تبعا للشهيد كان من افراد المسألة (2) و ان عمل باطلاقها، كما عن جماعة ممن تقدمهم، خرجت عن مسألة الفضولى لكن يستأنس لها بالتقريب المتقدم، و ربما احتمل دخولها في المسألة من حيث ان الحكم بالمضى اجازة الهية لاحقة للمعاملة (3) فتأمل.

____________

يستحق اجرة لان عمل المسلم محترم، أو لا يستحق لانه عمل من دون امر.

و الحق ان يقال: ان نصوص الباب محمولة على صورة الاشتراط لا التقييد، اى اشتراط المالك على العامل ان لا يشترى الا الجنس الفلانى.

و عليه فإذا تخلف الشرط و اشترى غير الذى امر به فان خسر فيه كان عليه الضمان لمخالفته للمالك، و لانه لا محالة يرد العقد.

و ان ربح فيه فلا محالة لا يفسخ المالك المضاربة فيكون الربح بينهما. و بهذا يظهر ان النصوص موافقة للقاعدة و اجنبية عن المقام.

و ان ابيت عن كون ذلك مما تقتضيه القاعدة فلا مانع من الالتزام به للنصوص الخاصة الواردة في المقام.

(1) قوله و من هذا القبيل الاخبار الواردة في اتجار غير الولى في مال اليتيم.

و ما افاده المصنف (قدس سره) في وجه ادخال المسألة في الفضولى امران.

(2) الاول: انها تحمل على صورة اجازة الولى.

(3) الثانى: ان الحكم بالمضى اجازة الهية لاحقة للمعاملة.

و يرد على الاول: انه ليس في النصوص ما يستفاد منه ارادة معاملة غير الولى، بل ظاهر بعضها و صريح آخر معاملة الولى، مع انه ليس فيها ما يشهد باجازة الولى.

و يرد على الثانى: ان التاجر ان كان مأذونا من قبل الله تعالى لا تكون معاملته فضولية، و الحق اختصاصها بصورة معاملة الولى، و تكون اجنبية عن مسألة الفضولى‌

28

و ربما يؤيد المطلب ايضا برواية ابن اشيم (1) الواردة في العبد المأذون، الذى دفع إليه مال ليشترى به نسمة و يعتقه، أو يحجه عن ابيه، فاشترى اباه و اعتقه، ثمّ تنازع مولى المأذون و مولى الأب و ورثة الدافع، و ادعى كل منهم انه اشتراه بماله،

فقال أبو جعفر (عليه السلام) يرد المملوك رقا لمولاه، و أي الفريقين اقاموا البينة بعد ذلك على انه اشتراه بماله كان رقا له، الخبر. بناء على انه لو لا كفاية الاشتراء بعين المال في تملك المبيع بعد مطالبته المتضمنة لإجازة البيع لم يكن مجرد دعوى الشراء، بالمال و لا إقامة البينة عليها كافية في تملك المبيع.

و مما يؤيد المطلب ايضا صحيحة الحلبى (2) عن الرجل يشترى ثوبا و لم يشترط على صاحبه شيئا، فكرهه ثمّ رده على صاحبه فأبى ان يقبله الا بوضيعة،

قال: لا يصلح له أن يأخذ بوضيعة، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه يرد على صاحبه الأول ما زاد فإن الحكم برد ما زاد لا ينطبق بظاهره إلا على صحة بيع الفضولى لنفسه و يمكن التأييد له

____________

(1) قوله و ربما يؤيد المطلب ايضا برواية ابن اشيم الواردة في العبد (1).

ما يتوهم ان يكون مؤيدا للمطلب حكمه (عليه السلام) بكون العبد لورثة الميت إذا اقاموا البينة، و أما بالنسبة الى مولى العبد فالظاهر انه كان ماذونا من قبله، و أما بالنسبة الى مولى الاب فالمعاملة باطلة بلا كلام، و الظاهر من الرواية كون الورثة راضين بالمعاملة و آذنين اياه فيها، و عليه فتخرج عن محل الكلام.

(2) قوله و مما يؤيد المطلب ايضا صحيحة الحلبى (2) عن رجل يشترى ثوبا.

فان الحكم برد ما زاد لا ينطبق بظاهره الا على صحة بيع الفضولى.

و فيه: أنه لا ينطبق عليها إذ الحكم بفساد الاقالة في الفرض المستلزم لكون المعاملة الثانية فضولية لازمه الاستجازة من المشترى الأول لا الحكم برد ما زاد و عدم الفرق بين البيع بالازيد و بالمساوى و بالانقص، و لا يبعد دعوى ان الرواية ظاهرة في كراهة الاقالة بالوضعية كما ذهب إليها ابن الجنيد و استحباب رد ما زاد، فتكون اجنبية عن المقام‌

____________

(1) الوسائل باب 25 من أبواب بيع الحيوان من كتاب التجارة حديث 1.

(2) الوسائل باب 17 من أبواب احكام العقود من كتاب التجارة حديث 1.

29

ايضا بموثقة عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن السمسار يشترى بالاجر، فيدفع إليه الورق فيشترط عليه انك تأتى بما تشترى، فما شئت اخذته و ما شئت تركته، فيذهب ليشترى، ثمّ يأتى بالمتاع، فيقول خذ ما رضيت ودع ما كرهت، قال لا بأس (1)

الخبر.

بناء على الاشتراء من السمسار يحتمل أن يكون لنفسه ليكون الورق عليه قرضا فيبيع على صاحب الورق ما رضيه من الأمتعة و يوفيه دينه، و لا ينافي هذا الاحتمال، فرض السمسار في الرواية ممن يشترى بالاجر، لأن توصيفه بذلك باعتبار اصل حرفته و شغله، لا بملاحظة هذه القضية الشخصية، و يحتمل ان يكون لصاحب الورق باذنه مع جعل خيار له على بائع الأمتعة، فيلتزم بالبيع فيما رضى و يفسخه فيما كره، و يحتمل ان يكون فضوليا عن صاحب الورق فيتخير ما يريد و يرد ما يكره و ليس في مورد الرواية ظهور في اذن صاحب الورق السمسار، على وجه ينافى كونه فضوليا، كما لا يخفى، فإذا احتمل مورد السؤال لهذه الوجوه، و حكم الامام (عليه السلام) بعدم البأس من دون استفصال عن المحتملات، افاد ثبوت الحكم على جميع الاحتمالات.

و ربما يؤيد المطلب بالاخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد بدون اذن مولاه (2) معللا بأنه لم يعص الله، و انما عصى سيده، و حاصله ان المانع من صحة العقد، إذا كان لا يرجى زواله فهو الموجب لوقوع العقد باطلا، و هو عصيان الله تعالى. و أما المانع الذى يرجى زواله كعصيان السيد، فبزواله يصح العقد، و رضا المالك من هذا القبيل،

____________

(1) قوله بموثقة (1) عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن السمسار بناء على ان الاشتراء من السمسار يكون فضوليا عن صاحب الورق، فيتخير ما يرد و يرد ما يكره.

و لكن الظاهر من الخبر كون الاشتراء لصاحب الورق مع جعل خيار له على بائع الأمتعة فيلتزم بالبيع فيما رضى و يفسخه فيما كره.

(2) و أما الاخبار الدالة على عدم فساد نكاح العبد فقد مر الكلام فيها مفصلا فلا نعيد‌

____________

(1) الوسائل باب 20 من أبواب احكام العقود حديث 2 و الراوى عبد الرحمن بن أبى عبد الله لا عبد الله.

30

فانه لا يرضى اولا و يرضى ثانيا بخلاف سخط الله عز و جل بفعل فانه يستحيل رضاه.

هذا غاية ما يمكن ان يحتج و يستشهد به للقول بالصحة، و بعضها و ان كان مما يمكن الخدشة فيه، الا ان في بعضها الآخر غنى و كفاية.

و احتج للبطلان بالأدلة الأربعة: (1)

اما الكتاب فقوله تعالى: (لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ) دل بمفهوم الحصر أو سياق التحديد، على ان غير التجارة عن تراض أو التجارة لاعن تراض غير مبيح، لأكل مال الغير، و إن لحقها الرضا. و من المعلوم ان الفضولى غير داخل في المستثنى، و فيه ان دلالته على الحصر ممنوعة (2) لانقطاع الاستثناء كما هو ظاهر اللفظ و صريح المحكى عن جماعة من المفسرين، ضرورة عدم كون التجارة عن تراض فردا من الباطل خارجا عن حكمه. و أما سياق التحديد الموجب لثبوت مفهوم القيد، فهو

____________

ادلة بطلان بيع الفضولى و الجواب عنها.

(1) و قد استدل للبطلان بالادلة الاربعة.

اما الكتاب: فقوله تعالى: [وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ]

(لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (1) بدعوى انه دل بمفهوم الحصر أو سياق التحديد على ان غير التجارة و التجارة لاعن تراض غير مبيحة لأكل مال الغير و ان لحقها الرضا، و من المعلوم ان الفضولى غير داخل في المستثنى.

و قد اجابوا عن الاستدلال به باجوبة.

الأول: انه لا مفهوم له، و قد اشبعنا الكلام في ذلك في اول مبحث الاكراه و المعاطاة.

(2) و عرفت انه لا يدل على الحصر لان الاستثناء منقطع غير مفرع و هو لا يفيد الحصر.

الثانى: ان التجارة التى هى اسم للمسبب لا السبب انما تكون تجارة للمالك‌

____________

(1) النساء: 29

31

مع تسليمه مخصوص بما إذا لم يكن للقيد فائدة اخرى (1) لكونه واردا مورد الغالب كما فيما نحن فيه و في قوله تعالى:) و ربائبكم اللاتى في حجوركم (مع احتمال ان يكون عن تراض خبرا بعد خبر ليكون على قراءة نصب التجارة لا قيدا لها (2) و ان كان غلبة توصيف النكرة تؤيد التقييد فيكون المعنى إلا أن يكون سبب الاكل تجارة و يكون عن تراض.

و من المعلوم ان السبب الموجب لحل الأكل في الفضولى انما نشأ عن التراضى،

مع ان الخطاب لملاك الاموال و التجارة في الفضولى، انما يصير تجارة المالك بعد الاجازة، فتجارته عن تراض.

و قد حكى عن المجمع أن مذهب الإمامية و الشافعية و غيرهم، أن معنى التراضى بالتجارة امضاء البيع بالتصرف أو التخاير بعد العقد، و لعله يناسب ما ذكرنا من كون الظرف خبرا بعد خبر.

____________

بعد الاجازة، فتكون عن تراض و قد مر في اول مبحث الفضولى تمامية ذلك ايضا.

(1) قوله مع تسليمه مخصوص بما اذا لم يكن للقيد فائدة اخرى.

و يرد عليه انه لو سلم سياق التحديد لم يكن مناص من تسليم الدلالة على المفهوم و لم يكن مورد لحمل القيد على الغالب.

(2) الثالث: انه يحتمل ان يكون) عن تراض (خبرا بعد خبر، ليكون على قراءة نصب التجارة لا قيدا لها.

و حاصله: انه يحتمل ان يكون اسم كان مقدرا و هو سبب الاكل، و يكون له خبران:

الأول: تجارة، الثانى:

عن تراض. و لكن لا بنحو الاستقلال بل بنحو الاشتراك، كما في قولنا: الرمان حلو حامض فيكون مفاده سببية التجارة و التراضى، و هى متحققة في بيع الفضولى.

و فيه: انه لا يحتمل ذلك مع التعبير بحرف المجاوزة، إذ السبب لو كان هو المجموع لما كان منبعثا عن التراضى و ان كان خصوص التجارة لزم قيدية التجارة بصدورها عن التراضى، و ان كان غيرهما لزم عدم كون السبب هو التجارة و التراضى و هو خلف، مع انه على فرض قراءة التجارة بالرفع يتعين التقييد، إذ احتمال كونه خبرا و الاسم هو التجارة،

يدفعه ان لازمه تعريف التجارة فالصحيح هو الأولان.

32

و أما السنة فهي اخبار

منها: النبوي المستفيض (1) و هو قوله (صلى الله عليه و آله) لحكيم بن حزام لاتبع ما ليس عندك، فان عدم حضوره عنده كناية عن عدم تسلطه على تسليمه، لعدم تملكه، فيكون مساوقا للنبوى الآخر لا بيع الا فيما يملك، بعد قوله (صلى الله عليه و آله) لا طلاق الا فيما يملك و لا عتق الا فيما يملك، و لما ورد في توقيع العسكرى الى الصفار لا يجوز بيع ما ليس يملك.

و ما عن الحميرى أن مولانا عجل الله فرجه، كتب في جواب بعض مسائله أن الضيعة لا يجوز ابتياعها الا عن مالكها أو بامره أو رضا منه، و ما في الصحيح عن محمد بن مسلم الوارد في ارض بفم النيل اشتراها رجل، و اهل الأرض يقولون هى ارضنا و اهل الاسناف يقولون هى من ارضنا، فقال: لا تشترها الا برضاء اهلها.

____________

(1) و أما السنة فهي اخبار،

منها: النبوي المستفيض، و هو قوله (صلى الله عليه و آله) لحكيم بن حزام: لاتبع ما ليس عندك (1).

لا يخفى ان اقضية النبوي (صلى الله عليه و آله) المذكورة في كتب العامة مجتمعة عن عبادة بعينها مروية عن طرقنا برواية عقبة متفرقة على حسب تفرق الابواب، و عليه فهذا النبوي مروى عن طرقنا و عن طرق العامة، فلا سبيل الى الخدشة في سنده هذا بحسب السند.

مع ان هذا المضمون موجود في جملة من الاخبار: كخبر سليمان بن صالح عن مولانا الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) و خبر الحسين بن زيد عنه (عليه السلام) عن آبائه في مناهى النبي (صلى الله عليه و آله) (3).

و أما من حيث الدلالة: فما قيل أو يمكن ان يقال في الجواب عن الاستدلال به- و ما يساوقه من النبوي الآخر: لا بيع الا فيما يملك، (4) و التوقيع: لا يجوز بيع ما ليس يملك (5)- للبطلان امور.

____________

(1) راجع سنن الترمذى ج 3 ص 534 باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك.

(2) الوسائل باب 7 من أبواب احكام العقود من كتاب التجارة حديث 2.

(3) نفس المصدر حديث 5.

(4) المستدرك باب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه حديث 3.

(5) الوسائل باب 2 من أبواب عقد البيع و شروطه.

33

و ما في الصحيح عن محمد بن القاسم بن الفضل في رجل اشترى من امراة من آل فلان بعض قطائعهم فكتب إليها كتابا قد قبضت المال و لم تقبضه، فيعطيها المال ام يمنعها، قال: قل يمنعها اشد المنع، فانها باعت ما لم تملكه، و الجواب عن النبوي اولا ان الظاهر من الموصول هى العين الشخصية للاجماع و النص على جواز بيع الكلى، و من البيع البيع لنفسه لاعن مالك العين، و حينئذ فإما ان يراد بالبيع مجرد الانشاء،

فيكون دليلا على عدم جواز بيع الفضولى لنفسه فلا يقع له و لا للمالك بعد اجازته.

و أما ان يراد ما عن التذكرة: من أن يبيع عن نفسه، ثمّ يمضى ليشتريه من مالكه،

قال: لأنه (صلى الله عليه و آله) ذكره جوابا لحكيم بن حزام حيث سأله عن ان يبيع الشي‌ء فيمضى و يشتريه و يسلمه فإن هذا البيع غير جائز، و لا نعلم فيه خلافا للنهى المذكور و للغرر لأن صاحبها قد لا يبيعها، انتهى.

____________

الأول: انها لمعارضتها مع النصوص الكثيرة الدالة على جواز بيع ما ليس عنده، لاحظ صحيحى عبد الرحمن بن الحجاج عن مولانا الصادق (عليه السلام)، ففى الأول منهما: عن الرجل يشترى الطعام من الرجل ليس عنده فيشترى منه حالا قال (عليه السلام): ليس به باس،

قلت: انهم يفسدون عندنا، قال (عليه السلام): و أى شي‌ء يقولون في السلم؟ قلت: لا يرون به بأسا،

يقولون: هذا الى اجل فإذا كان الى غير اجل و ليس عند صاحبه فلا يصلح، فقال (عليه السلام): فإذا لم يكن الى اجل كان اجود، ثمّ قال: لا بأس بان يشترى الطعام و ليس هو عند صاحبه حالا و إلى اجل. الحديث، (1) و قريب منه الآخر (2) تحمل هذه على التقية لتكذيبه (عليه السلام) فيهما للعامة القائلين ببطلان بيع ما ليس عنده.

و فيه: ان الجمع بينهما يقتضى تخصيص هذه النصوص ببيع العين الشخصية من جهة اختصاص تلك النصوص ببيع الكلى، أو حملها على بيع كل ما خرج عن السلطنة و ان كان المبيع كان المبيع كليا كما لو باع الكلى في ذمة الغير.

____________

(1) الوسائل باب 7 من ابواب احكام العقود حديث 1.

(2) الوسائل باب 7 من ابواب احكام العقود حديث 3.

34

و هذا المعنى يرجع الى المراد من روايتى خالد و يحيى: الآتيتين في بيع الفضولى لنفسه، و يكون بطلان البيع بمعنى عدم وقوع البيع للبائع، بمجرد انتقاله إليه بالشراء،

فلا ينافى اهليته لتعقب الاجازة من المالك. و بعبارة اخرى: نهى المخاطب عن البيع دليل على عدم وقوعه مؤثرا في حقه، فلا يدل على الغائه بالنسبة الى المالك حتى لا تنفعه باجازة المالك، في وقوعه له، و هذا المعنى اظهر من الاول، و نحن نقول به كما سيجي‌ء، و ثانيا سلمنا دلالة النبوي على المنع لكنها بالعموم، فيجب تخصيصه بما تقدم من الأدلة الدالة على تصحيح بيع ما ليس عند العاقد لمالكه إذا اجاز (1)

____________

و لعل الثانى اظهر، و تكذيبه (عليه السلام) للعامة يمكن ان يكون في تطبيق بيع ما ليس عنده على بيع الكلى في ذمة نفسه لا في اصل الحديث.

(1) الثانى: ما افاده المصنف (قدس سره) بقوله: و ثانيا سلمنا دلالة النبوي على المنع، لكنها بالعموم، فيجب تخصيصه بما تقدم من الادلة الدالة على تصحيح بيع ما ليس عند العاقد لمالكه إذا اجاز.

و فيه: انه بناء على ما استظهره المصنف (قدس سره) من ان المراد من البيع البيع لنفسه لاعن مالك العين، تكون النسبة عموما من وجه لأخصية النبوي من هذه الجهة، فلا وجه لتقدم تلك.

الثالث: أن الظاهر البدوى من النبوي النهى عن بيع ما ليس حاضرا عنده، سواء أ كان مملوكا له ام لا، قدر على تسليمه ام لا، كليا ام شخصيا، و حيث انه لا يمكن الالتزام به تعين حمله اما على النهى عن بيع ما ليس مملوكا له، أو على النهى عن بيع ما لا يقدر على تسليمه، و ان لم يكن الثانى اقرب لا كلام في عدم اقربية الأول.

و أما النبوي الآخر و التوقيع، فيحتمل ان يكون يملك فيهما مبنيا للمفعول، فلا ربط لهما بما نحن فيه.

الرابع: ان المنفى البيع لغير المالك، فتختص هذه النصوص بالمسألة الآتية، و هى ما لو باع الغاصب لنفسه، و لا ربط لها بهذه المسألة و هى البيع للمالك.

35

و بما ذكرناه من الجوابين، يظهر الجواب عن دلالة قوله لا بيع إلا في ملك، فإن الظاهر منه كون المنفى هو البيع لنفسه، و ان النفى راجع الى نفى الصحة في حقه، لا في حق المالك، مع ان العموم لو سلم وجب تخصيصه بما دل على وقوع البيع للمالك إذا اجاز.

و أما الروايتان: (1) فدلالتهما على ما حملنا عليه السابقين اوضح، و ليس فيهما ما يدل، و لو بالعموم على عدم وقوع البيع الواقع من غير المالك له إذا اجاز و أما الحصر في صحيحة ابن مسلم و التوقيع، فإنما هو في مقابلة عدم رضا اهل الأرض (2) و الضيعة رأسا على ما يقتضيه السؤال فيهما، و توضيحه ان النهى في مثل المقام و ان كان يقتضى الفساد، الا انه بمعنى عدم ترتب الأثر المقصود من المعاملة عليه.

____________

الخامس: ان النهى في هذه النصوص لم يتعلق بانشاء البيع، إذ البيع اسم للمنشأ و المسبب لا الإنشاء كما تقدم، مع انه لا يعتبر صدور الانشاء من المالك قطعا، بل المتعلق هو حقيقة البيع، و هى بالاجازة تنتسب الى المالك، فيكون بيع ما عنده.

و بعبارة اخرى: ان الروايات على فرض دلالتها على عدم صحة بيع الفضولى تدل على عدم وقوع البيع للفضولى، و لا نظر لها الى وقوعه للمالك إذا اجاز، إذ المنفى فيها وقوع البيع لنفسه، فينتفى هذا، و هو لا يلازم عدم وقوع البيع و لو للمالك، إذ سلب الاخص لا يستلزم سلب الاعم، فإذا كان وقوع البيع للمالك مع اجازته مسكوتا عنه في هذه الاخبار فيرجع فيه الى الادلة المتقدمة الدالة على الوقوع.

(1) و منها روايتا يحيى و خالد الآتيتان، (1) و يظهر الجواب عنهما مما ذكرناه في النبوي.

و منها صحيح محمد بن مسلم (2) و التوقيع الشريف (3) المذكوران في المتن.

و اجاب عنهما المصنف (قدس سره) بقوله.

(2) و أما الحصر في صحيحة محمد بن مسلم و التوقيع فانما هو في مقابلة عدم رضا.

اهل الارض.

محصل ما افاده الماتن في الجواب عنهما، توضيحه انه لا يستفاد من الخبرين‌

____________

(1) الوسائل باب 8 من ابواب احكام العقود.

(2) الوسائل باب 1 من ابواب عقد البيع حديث 3.

(3) نفس المصدر حديث 8.

36

و من المعلوم ان عقد الفضولى لا يترتب عليه بنفسه الملك المقصود منه، و لذا يطلق عليه الباطل في عباراتهم كثيرا.

و لذا عد في الشرائع من شروط المتعاقدين، اعنى شروط الصحة كون العاقد مالكا أو قائما مقامه، و ان ابيت الا عن ظهور الروايتين في لغوية عقد الفضولى رأسا وجب تخصيصها بما تقدم من ادلة الصحة.

و أما رواية القاسم بن فضل فلا دلالة فيها، إلا على عدم جواز إعطاء الثمن للفضولى، لأنه باع ما لا يملك، و هذا حق لا ينافي صحة الفضولى.

____________

الا النهى عن الشراء الفاقد للرضا رأسا، و هذا لا يدل على فساد عقد الفضولى غير الفاقد له بلحاظ الاجازة، و لا يدل على صحته ايضا، فالنهي فيهما لا يدل الا على بطلان العقد الفاقد للرضا، بمعنى عدم ترتب الاثر المقصود و نحن نقول به. و أما في البيع الملحوق بالرضا فيرجع الى العمومات الدالة على الصحة.

و بهذا البيان يظهر ان ما افاده في التوضيح ليس جوابا آخر كما افاده السيد الفقيه.

و المحقق النائينى (قدس سره) قال: ان دلالة خبر الحميرى على صحة الفضولى اظهر، فان مقابلة الرضا بالأمر ظاهرة، في كفاية الاجازة اللاحقة، فان الرضا المقابل للشراء عن المالك أو بامره هو الرضا اللاحق لا المقارن، فانه متحقق حين الأمر.

و فيه: ان يمكن ان يكون المراد من الرضا ما هو ظاهره، و هى الصفة النفسانية غير المبرزة التى عرفت كفايتها في الخروج عن الفضولية فراجع.

فالحق ان يقال: ان مقتضى اطلاق الخبرين النهى عن الاشتراء الا بالرضا، تقدم أو تأخر، فيدلان على صحة الفضولى لكونه داخلا في المستثنى، مع ان المراد بالاشتراء حقيقته، و هو انما يكون اشتراء للمالك بعد الاجازة، فيشمله الخبر ان كان المراد بالرضا فيهما المقارن.

37

و أما توقيع الصفار (1) فالظاهر منه نفى جواز البيع فيما لا يملك، بمعنى وقوعه للبائع على جهة الوجوب و اللزوم. و يؤيد تصريحه (عليه السلام) بعد تلك الفقرة بوجوب البيع فيما يملك، فلا دلالة على عدم وقوعه لمالكه إذا اجاز. و بالجملة فالانصاف انه لا دلالة في تلك الاخبار باسرها على عدم وقوع بيع غير المالك للمالك إذا اجاز، و لا تعرض فيها الا لنفى وقوعه للعاقد.

الثالث: الاجماع على البطلان (2)

ادعاه الشيخ في الخلاف معترفا بأن الصحة مذهب قوم من اصحابنا، معتذرا عن ذلك بعدم الاعتداد بخلافهم، و ادعاه ابن زهرة ايضا في الغنية، و ادعى الحلى في باب المضاربة: عدم الخلاف في بطلان شراء الغاصب إذا اشترى بعين المغصوب.

و الجواب عدم الظن بالاجماع بل الظن بعدمه، بعد ذهاب معظم القدماء كالقديمين، و المفيد، و المرتضى، و الشيخ بنفسه في النهاية، التى هى آخر مصنفاته على ما قيل، و اتباعهم على الصحة. و اتباع المتأخرين عليه عدا فخر الدين، و بعض متأخرى المتأخرين.

____________

(1) قوله و أما توقيع الصفار (1) فالظاهر منه نفى جواز البيع فيما لا يملك.

و فيه ان الجواز عبارة عن الصحة- و عدمه عبارة عن الفساد.

فالحق في الجواب مضافا الى ما تقدم.

ان عدم الجواز لم يضف الى العقد من حيث هو بل إليه من حيث انه ممن لا يملك فإذا اضيف الى من يملك بالاجازة لم يكن مصداقا لما حكم عليه بالفساد.

(2) الثالث: الاجماع، و قد ادعاه غير واحد من الاساطين.

و الجواب عنه- مضافا الى معارضته بما ادعى من الاجماع على الصحة-: انه لمعلومية مدرك المجمعين لا يعتمد عليه.

____________

(1) الوسائل باب 2 من ابواب عقد البيع و شروطه حديث 1.

38

الرابع: ما دل من العقل و النقل على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذنه (1)

فإن الرضا اللاحق لا ينفع في رفع القبح الثابت حال التصرف. ففى التوقيع المروى في الاحتجاج: لا يجوز لأحد ان يتصرف في مال غيره الا باذنه. و لا ريب ان بيع مال الغير تصرف فيه عرفا.

و الجواب (2) ان العقد على مال الغير متوقعا لإجازته غير قاصد لترتيب الآثار عليها ليس تصرفا فيه

____________

(1) الرابع: ما دل من العقل و النقل على عدم جواز التصرف في مال الغير الا بإذنه (1).

و قد اجاب المصنف (قدس سره) عن هذا الوجه بوجوه:

(2) الاول: ان العقد على مال الغير متوقعا لإجازته غير قاصد لترتيب الآثار عليه ليس تصرفا فيه.

و اورد عليه بايرادين:

احدهما: ما افاده المحقق الايروانى (قدس سره)، و هو: انه و ان فرض كون العقد علة تامة لحصول الآثار عرفا، لم يكن مجرد العقد تصرفا في العين و قبيحا، فلا وجه للتقييد في كلامه،

و مرجعه الى عدم كون التصرف الاعتبارى غير المماس بالعين تصرفا عرفا في العين بل هو تصرف في لسان العاقد.

و فيه: انه لو فرضنا كون الانشاء مخرجا للمال عن ملك صاحبه قهرا عليه كان ذلك تصرفا فيه و قبيحا لكونه ظلما، بل من اقبح افراده، نعم مجرد العقد غير المؤثر في حصول النقل و الانتقال عرفا و شرعا لا يعد تصرفا فيه لا خارجا و لا اعتبارا.

ثانيهما: ما افاده السيد الفقيه في تعليقته، و هو: ان الفضولى انما يقصد النقل و الانتقال جدا مطلقا لا هزلا معلقا على الاجازة، و يصدق التصرف عليه عرفا.

و فيه: ان العقد غير المؤثر عرفا و شرعا و ان قصد به الجد لا يعد تصرفا لا خارجا و لا اعتبارا، اما الأول فواضح، و أما الثانى فلفرض عدم التأثير، و مجرد تأثيره في اعتباره لا يكفى في صدق التصرف عرفا أو شرعا. فما افاده المصنف (قدس سره) تام.

____________

(1) الوسائل باب 3 من أبواب مكان المصلى.

39

نعم لو فرض كون العقد علة تامة و لو عرفا لحصول الآثار، كما في بيع المالك أو الغاصب المستقل، كان حكم العقد جوازا و منعا حكم معلوله المترتب عليه، ثمّ لو فرض كونه تصرفا فمما استقل العقل بجوازه مثل الاستضاءة و الاصطلاء بنور الغير و ناره (1) مع أنه قد يفرض الكلام فيما إذا علم الأذن في هذا من المقال أو الحال بناء على أن ذلك لا يخرجه عن الفضولى (2) مع أن تحريمه لا يدل على الفساد (3) مع أنه لو دل لدل على بطلان البيع بمعنى عدم ترتب الأثر عليه و عدم استقلاله في ذلك (4)

و لا ينكره القائل بالصحة خصوصا إذا كانت الإجازة ناقلة، و مما ذكرنا ظهر الجواب عما لو وقع العقد من الفضولى قاصدا لترتيب الأثر من دون مراجعة المشترى بناء على أن العقد المقرون في هذا القصد قبيح محرم، لا نفس القصد المقرون بهذا العقد،

و قد يستدل للمنع بوجوه اخر ضعيفة

أقواها أن

____________

(1) الثانى: انه لو فرض كونه تصرفا فما استقل العقل بجوازه مثل الاستضاءة و الاصطلاء بنور الغير و ناره.

و فيه: ان الجواز في المثالين انما يكون من جهة عدم صدق التصرف عليهما أو السيرة على الجواز، و الا فمع صدق التصرف لا سبيل الى دعوى استقلال العقل بجواز التصرف.

(2) الثالث: انه قد يفرض الكلام فيما لو علم الاذن في هذا من المقال أو الحال.

و فيه: اولا: ما تقدم من خروجه بذلك عن الفضولية، و ثانيا ان المستدل يمكن ان يكون ملتزما بالصحة في خصوص هذا المورد، و الفساد في سائر الموارد.

(3) الرابع: ان تحريمه لا يدل على الفساد.

و هذا الجواب ايضا متين، و قد مر في اول الجزء الاول من هذا الشرح تحقيق القول في ذلك.

(4) الخامس: انه لو دل على الفساد لدل على بطلان البيع، بمعنى عدم ترتب الاثر عليه و عدم استقلاله في ذلك، و القائل بالصحة لا ينكر ذلك.

و فيه: ان البناء على الفساد سواء كان من جهة كون السبب تصرفا و مبغوضا‌

40

القدرة على التسليم معتبرة في صحة البيع و الفضولى غير قادر و إن الفضولى غير قاصد حقيقة الى مدلول اللفظ كالمكره، كما صرح في المسالك و يضعف الأول مضافا إلى أن الفضولى قد يكون قادرا على رضا المالك بأن هذا الشرط غير معتبر في العاقد قطعا، بل يكفى تحققه في المالك فحينئذ، يشترط في صحة العقد مع الإجازة قدرة المجيز على تسليمه و قدرة المشترى على تسلمه على ما سيجي‌ء و يضعف الثانى بأن المعتبر في العقد هو هذا القدر من القصد الموجود في الفضولى و المكره لا أزيد منه بدليل الاجماع على صحة نكاح الفضولى و بيع المكره بحق فإن دعوى عدم اعتبار القصد في ذلك للإجماع كما ترى.

المسألة الثانية: أن يسبقه منع المالك (1)

و المشهور أيضا صحته، و حكى عن فخر الدين إن بعض المجوزين للفضولى اعتبر عدم سبق نهى المالك، و يلوح إليه ما عن التذكرة في باب النكاح من حمل النبوي: ايما عبد تزوج بغير اذن مولاه فهو عاهر. بعد تضعيف السند على انه ان نكح بعد منع مولاه و كراهته، فإنه يقع باطلا.

و الظاهر انه لا يفرق بين النكاح و غيره، و يظهر من المحقق الثانى حيث حمل فساد بيع الغاصب نظرا الى القرينة الدالة على عدم الرضا: و هى الغصب، و كيف كان، فهذا القول

____________

للشارع فلا سببية له، ام كان من جهة كان المسبب منهيا عنه و مبغوضا، ينافى مع هذا الجواب، إذ لو الغي الشارع سببية عقد الفضولى و كان كالعدم كيف يحكم بالصحة مع اجازة المالك، كما انه إذا الغي الشارع المسبب من جهة مبغوضيته فلا شي‌ء حتى يجيزه المالك.

فتحصل: ان الحق في الجواب هو الأول و الثالث.

بيع الفضولى للمالك مع سبق المنع

(1) قوله المسألة الثانية: ان يسبقه منع المالك.

و المشهور ايضا صحته، و عن فخر الدين: ان بعض المجوزين للفضولى اعتبر‌

41

لا وجه له ظاهرا عدا تخيل ان المستند في عقد الفضولى هى رواية عروة المختصة بغير المقام، و إن العقد إذا وقع منهيا عنه، فالمنع الموجود بعد العقد و لو آنا ما كاف في الرد فلا ينفع الإجازة اللاحقة (1) بناء على أنه لا يعتبر في الرد سوى عدم الرضا الباطنى بالعقد، على ما يقتضيه حكم بعضهم بأنه إذا حلف الموكل على نفى الاذن في اشتراء الوكيل انفسخ العقد لأن الحلف عليه امارة عدم الرضا، هذا،

____________

عدم سبق نهى المالك، و هو الظاهر من المحقق الثانى.

و ملخص القول في المقام: ان صحة بيع الفضولى، اما ان تكون على القاعدة، أو تكون للاخبار الخاصة.

اما على الأول: فلا تتوقف الصحة الا على العقد و استناده الى المالك الموجودين في المقام، و لا يضر النهى السابق، و ذلك لان ما قيل في وجه مضريته امور.

(1) احدها: ان العقد إذا كان منهيا عنه فالمنع الموجود بعد العقد و لو آنا ما كاف في الرد، فلا ينفع الاجازة اللاحقة.

و فيه: ان الكراهة النفسانية و ان ابرزت ليست ردا، فانه عبارة عن حل العقد و فسخه، كما ان النهى- الذى هو تسبيب الى اعدام الشي‌ء بعدم ايجاده- غير الرد.

ثانيها: ان الكراهة المتخللة بين اركان العقد كالايجاب و القبول مانعة عن تحقق المعاهدة و المعاقدة، و حيث ان منها الاجازة فالكراهة المتخللة بينها و بين العقد مانعة عن تحققها، و المفروض في المقام وجودها.

و فيه: ان الكراهة المتخللة لا تمنع عن ذلك، و لذا بنينا على صحة عقد المكره إذا لحقه الرضا.

ثالثها: ان المالك إذا نهى عن ايقاع المعاملة على ماله نهيا عاما شاملا لزمان العقد كان ذلك في قوة ان يقول: لا أرضى ان توقع العقد على مالى و لو اوقعته كان مردود أو باطلا،

فيكون ذلك انشاء للرد، غاية الأمر الانشاء متقدم على العقد، و المنشأ متأخر عنه، فلا تنفع الاجازة بعد ذلك.

42

و لكن الاقوى عدم الفرق لعدم انحصار المستند، حينئذ في رواية العروة، و كفاية العمومات مضافا الى ترك الاستفصال في صحيحة محمد بن قيس (1) و جريان فحوى ادلة نكاح العبد بدون اذن مولاه مع ظهور المنع فيها و لو بشاهد الحال بين الموالى و العبيد مع ان رواية اجازته صريحة في عدم قدح معصية السيد (2) حينئذ جريان المؤيدات المتقدمة له،

____________

و فيه: اولا: ان النهى ليس الا التسبيب الى عدم ايجاد العقد، و أما انشاء الرد بعد وجوده فليس ذلك مربوطا بالنهى.

و ثانيا: ان ذلك من قبيل ايجاب ما لم يجب، و سيأتى عدم العبرة به.

و ثالثا: ان وجه عدم نافعية الاجازة بعد الرد هو الاجماع و المتيقن منه ما إذا كان انشاؤه بعد العقد.

فتحصل: ان الأظهر هى الصحة على القول بصحة الفضولى على القاعدة.

و أما على الثانى: فالنصوص التى سلمنا دلالتها على صحة الفضولى انما هى صحيحة محمد بن قيس، (1) و نصوص نكاح العبد المتضمنة للتعلل للصحة بانه لم يعص الله و انما عصى سيده (2).

(1) اما صحيح قيس فقد افاد المصنف (قدس سره) في وجه شموله للمقام: انه بترك الاستفصال يشمله.

و فيه: ان ظهور قوله في مقام المخاصمة وليدتى باعها ابنى بغير اذني في صورة عدم النهى لا ينكر، و الا كان يقول باعها مع نهيى فهو لا يشمل المقام.

و أما نصوص النكاح: ففى المكاسب.

(2) رواية اجازته صريحة في عدم قدح معصية السيد.

و فيه: ان عصيان العبد لا يتوقف على العمل مع النهى عنه، بل بما ان العبد لا بد و ان تكون اعماله من اذن مولاه فإذا فعل بلا اذن منه كان خارجا عن رسم العبودية و يعد‌

____________

(1) الوسائل باب 88 من أبواب نكاح العبيد و الاماء حديث 1.

43

من بيع مال اليتيم و المغصوب (1) و مخالفة العامل لما اشترط عليه رب المال الصريح في منعه عما عداه. و أما ما ذكره من المنع الباقى بعد العقد و لو آنا ما، فلم يدل دليل على كونه فسخا لا ينفع بعده الاجازة، و ما ذكره في حلف الموكل غير مسلم، و لو سلم فمن جهة ظهور الاقدام على الحلف (2) على ما انكره في رد البيع و عدم تسليمه له، و مما ذكرنا يظهر وجه صحة عقد المكره بعد الرضا، و ان كراهة المالك حال العقد و بعد العقد لا يقدح في صحته إذا لحقه الاجازة.

المسألة الثالثة: ان يبيع الفضولى لنفسه (3)

و هذا غالبا يكون في بيع الغاصب، و قد يتفق من غيره بزعم ملكية، المبيع كما في مورد صحيحة الحلبى المتقدمة في الإقالة بوضيعة

____________

عاصيا بذلك، فالمراد من معصية السيد ايجاد العقد بلا اذن منه كما هو صريح الرواية.

و دعوى ان اطلاقها يشمل المقام.

مندفعة بانها انما وردت لبيان ان عصيان السيد من حيث هو لا يمنع عن صحة العقد بالاجازة، و أما ان نهيه هل يمنع عن تلك ام لا فالنصوص ساكتة عنه.

فالأظهر انه على القول بالصحة في المسألة السابقة بواسطة الأخبار الخاصة لا سبيل الى البناء عليها في المقام.

(1) قوله من بيع مال اليتيم و المغصوب اما في بيع مال اليتيم فالمنع غير موجود سابقا لو سلم شمول نصوصه لبيع غير الولى- و أما المغصوب فلم ينقل سابقا دليلا يدل على صحة بيعه.

(2) قوله فمن جهة ظهور الاقدام على الحلف.

هذا اجتهاد في مقابل نص الفقهاء فانه قده نقل عنهم البناء على الانفساخ من جهة كون الحلف امارة عدم الرضا.

بيع الفضولى لنفسه

(3) المسألة الثالثة: ان يبيع لنفسه، و هذا غالبا يكون في بيع الغاصب.

44

و الاقوى فيه الصحة وفاقا للمشهور (1) للعمومات المتقدمة بالتقريب المتقدم،

و فحوى الصحة في النكاح و اكثر ما تقدم من المؤيدات مع ظهور صحيحه ابن قيس المتقدمة، و لا وجه للفرق بينه و بين ما تقدم من بيع الفضولى للمالك، الا وجوه تظهر من كلمات جماعة بعضها مختص على بيع الغاصب، و بعضها مشترك بين جميع صور المسألة.

منها إطلاق ما تقدم من النبويين: لاتبع ما ليس عندك. و لا بيع إلا في ملك (2)

بناء على اختصاص مورد الجميع ببيع الفضولى لنفسه، و الجواب عنها يعرف مما تقدم من أن

____________

و كثيرا ما يتفق في غيره كما في البيوع المبنية على الامارات و الاصول الظاهرية من اليد و اصالة الصحة و نحوهما.

و كيف كان: ففى المسألة اقوال:

(1) احدها: الصحة و هو المشهور و اختاره المصنف.

ثانيها: التفصيل بين الغاصب و غيره، كما عن ابن ادريس.

ثالثها: التفصيل في الغاصب بين علم المشترى و جهله كما عن العلامة و غيره.

ان بنينا على صحة بيع الفضولى بواسطة الاخبار الخاصة فلا وجه للبناء على الصحة في المقام، فان عمدة المستند على هذا صحيح ابن قيس و نصوص نكاح العبد،

و شي‌ء منهما لا يشمل المقام.

اما الأول: فلأنه لو كان الابن بائعا للوليدة لنفسه كان التنبيه عليه اولى لأنه ادخل في الانكار.

و أما الثانية: فلأن موردها و ان كان النكاح لنفسه لكن الاجازة فيها لنفسه لا لمولاه،

و أما ان بنينا على الصحة بواسطة العمومات فهي تقتضى الصحة في المقام ايضا بلا فرق،

و قد ذكروا في وجه الفرق و انه لا يمكن الحكم بالصحة في المقام امورا:

(2) الاول: نصوص بيع ما ليس عنده (1) بناء على ان موردها بيع الفضولى لنفسه،

و قد مر الجواب عنها.

____________

(1) راجع الوسائل باب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه و باب 7 من أبواب احكام العقود.

45

مضمونها عدم وقوع بيع غير المالك لبايعه الغير المالك بلا تعرض فيها، لوقوعه و عدمه بالنسبة إلى المالك إذا أجاز.

و منها بناء المسألة على ما سبق من اعتبار عدم سبق منع المالك، و هذا غالبا مفقود في المغصوب. (1) و قد تقدم عن المحقق الكركى ان الغصب قرينة عدم الرضا.

و فيه اولا: ان الكلام في الاعم من بيع الغاصب.

و ثانيا: ان الغصب امارة عدم الرضا بالبيع للغاصب لا مطلقا، فقد يرضى المالك ببيع الغاصب لتوقع الاجازة و تملك الثمن. فليس في الغصب دلالة على عدم الرضا باصل البيع، بل الغاصب و غيره من هذه الجهة سواء.

و ثالثا: قد عرفت ان سبق منع المالك غير مؤثر.

و منها ان الفضولى إذا قصد الى بيع مال الغير لنفسه، فلم يقصد حقيقة المعاوضة (2) إذ لا يعقل دخول احد العوضين في ملك من لم يخرج عن ملكه الآخر.

فالمعاوضة الحقيقية غير متصورة، فحقيقته يرجع الى اعطاء المبيع واخذ الثمن لنفسه،

و هذا ليس بيعا.

و الجواب من ذلك مع اختصاصه ببيع الغاصب ان قصد المعاوضة الحقيقية مبنى على جعل الغاصب نفسه مالكا حقيقيا (3) و إن كان هذا الجعل لا حقيقة له لكن المعاوضة المبنية على

____________

(1) الثانى: انه غالبا يكون منع المالك من البيع موجودا في المغصوب.

و يعتبر عدم سبق المنع.

و فيه- مضافا الى ما عرفت من عدم اعتباره- ان المنع غير موجود في غير المغصوب، بل و فيه ايضا إذ الغصب امارة عدم الرضا بالبيع للغاصب لا مطلقا.

(2) الثالث: أن الفضولي إذا قصد البيع لنفسه فهو غير قاصد لحقيقة المعاوضة التي هى عبارة عن دخول العوض في كيس من خرج المعوض عن كيسه، فقصد هذا المعنى لا يلائم مع قصد وقوع البيع لنفسه، فما يقصده هذا الفضولى ليس بيعا.

(3) و اجاب عنه المصنف (قدس سره) بان البائع في هذا المورد يجعل نفسه مالكا حقيقيا، و هذا‌

46

هذا الأمر الغير الحقيقى حقيقية، نظير المجاز الادعائي في الأصول، نعم لو باع لنفسه من دون بناء على ملكية المثمن و لا اعتقاد له، كان المعاملة باطلة غير واقعة له و لا للممالك، لعدم تحقق معنى المعاوضة و لذا ذكروا أنه لو اشترى بماله لغيره شيئا بطل و لم يقع له و لا لغيره، و المراد ما لو قصد تملك الغير للمبيع بإزاء مال نفسه و قد تخيل بعض المحققين أن البطلان هنا يستلزم البطلان للمقام و هو ما لو باع مال غيره لنفسه لأنه عكسه و قد عرفت أن عكسه هو ما إذا قصد تملك الثمن من دون بناء و لا اعتقاد لتملك المثمن لأن المفروض الكلام في وقوع المعاملة للمالك إذا أجاز

____________

الجعل و ان كان لا حقيقة له لكن المعاوضة المبنية على هذا الأمر الادعائى حقيقية نظير المجاز الادعائى في الاصول.

و اورد عليه بايرادين:

الاول: ما افاده السيد في التعليقة، و هو: انه لو كان الملاك ذلك لزم البناء على الصحة فيما إذا احرز هذا البناء، إذ مع عدمه لا وجه له، و لم ينقل التفصيل عن احد.

و فيه: ان المصنف لا يدعى ان المصحح هو التنزيل حال العقد، بل يدعى ان الغاصب يجعل نفسه مالكا عدوانا، و انما يبنى بالسرقة و الغصب على ان الاضافة الملكية منسوبة إليه باعها ام لم يبعها، فإذا باع فهو يبيع ما يراه ملكا له بعد سرقة الاضافة، و أما غير الغاصب فبنائه على مالكية نفسه واضح.

الثانى: ما افاده المحقق الايروانى (قدس سره): من انه ان ادعى ان الغاصب يقصد المعاملة للمالك الواقعى ثمّ يدعى انه هو هو لاجل تملك العوض فيكون له قصدان: قصد كبروى و هو قصد وقوع المعاملة للمالك الواقعى، و قصد صغروى و هو قصد انه المالك الواقعى.

فيرد عليه: ان الوجدان يكذب ان يكون للغاصب قصد ان، و انما له قصد واحد للمعاملة في حق نفسه كالمالك، و ان ادعى انه يقصد وقوع المعاوضة لنفسه و كان مصححة دعواه الملكية، فيرد عليه: ان ادعائه كونه مالكا لا يصحح القصد الى المعاوضة الحقيقية، فان المعاوضة المبنية على الادعاء لا تكون حقيقية، و كيف يكون حقيقيا ما اساسه الادعاء‌

47

و منها أن الفضولى إذا قصد البيع لنفسه (1) فإن تعلقت اجازة المالك بهذا الذى قصده البائع كان منافيا لصحة العقد لان معناها هو صيرورة الثمن لمالك المثمن باجازته، و ان تعلقت بغير المقصود كانت بعقد مستأنف لا إمضاء لنقل الفضولى،

فيكون النقل من المنشئ غير مجاز، و المجاز غير منشئ.

____________

الظاهر ان مراده الثانى، و يمكن ان يدفع هذا الايراد بان المراد بالمعاوضة الحقيقية هو اعتبار البائع نفسه ملكية المشترى للمعوض بازاء ملكيته للثمن، فطرفاها امران اعتباريان، و عليه فلا مانع من ابتناء هذه المعاوضة على الادعاء و بناء البائع على كونه مالكا.

و قد اجاب عن الاشكال السيد الفقيه (قدس سره): بان حقيقة البيع ليست الا مبادلة مال بمال من غير نظر الى كونه لنفسه أو لغيره، و هذا المعنى موجود في بيع الغاصب، و قصد كونه لنفسه خارج عن حقيقته و لا ينافيه ايضا.

و فيه:- مضافا الى تصريحه (قدس سره) في اول كتاب البيع بان البيع ليس مبادلة بل تمليك و تملك بعوض-: ان حقيقة المبادلة لا تتم الا بلحاظ شي‌ء آخر، و هو في المقام الملكية،

و قصد المبادلة في الملكية التى هى صفة اضافية قائمة بالمال و صاحبه يستدعى قصد انتقال المال عن ملك مالكه و دخول عوضه في ملك صاحب هذا المال، و هذا ينافى مع قصد وقوع البيع لنفسه.

و الحق ما تقدم في اول هذا الجزء من ان البيع ليس من المعاوضة بالمعنى المتقدم كى يرد الاشكال المزبور، بل حقيقته اعطاء شي‌ء لا مجانا- فراجع ما حققناه- و عليه فلا يرد هذا المحذور.

(1) الرابع ان الفضولى إذا قصد البيع لنفسه فان تعلقت اجازة المالك بهذا الذى قصده البائع كان منافيا لصحة العقد، لان معناها صيرورة الثمن لمالك المثمن باجازته، و ان تعلقت بغير المقصود كانت عقدا مستأنفا فيكون النقل من المنشئ غير مجاز و المجاز غير منشئ.

48

و قد اجاب عن هذا المحقق القمى رحمهم الله في بعض اجوبة مسائله بأن الاجازة في هذه الصورة مصححة للبيع لا بمعنى لحوق الاجازة لنفس العقد، كما في الفضولى المعهود، بل بمعنى تبديل رضى الغاصب و بيعه لنفسه برضى المالك و وقوع البيع عنه (1) و قال نظير ذلك فيما لو باع شيئا ثمّ ملكه، و قد صرح في موضع آخر بأن حاصل الاجازة يرجع الى ان العقد الذى قصد الى كونه واقعا على المال المعين لنفس البائع الغاصب و المشترى العالم قد بدلته بكونه على هذا الملك بعينه لنفسى فيكون عقدا جديدا كما هو احد الاقوال في الاجازة. (2) و فيه أن الإجازة على هذا تصير كما اعترف معاوضة جديدة من طرف المجيز و المشترى، لأن المفروض عدم رضاء المشترى ثانيا بالتبديل المذكور، لأن قصد البائع البيع لنفسه إذا فرض تأثيره في مغايرة العقد الواقع للعقد المجاز، فالمشتري انما رضى بذلك الايجاب المغاير لمؤدى الإجازة. فإذا التزم يكون مرجع الإجازة الى تبديل عقد بعقد و بعدم الحاجة إلى قبول المشترى ثانيا فقد قامت الإجازة من المالك مقام إيجابه و قبول المشترى و هذا خلاف الإجماع و العقل (3).

____________

و اجابوا عنه باجوبة:

منها: ما عن المحقق القمى (قدس سره) و ما نقل عنه امران.

(1) احدهما: ان مرجع الاجازة في المقام الى تبديل رضا الغاضب بالبيع لنفسه برضا المالك بالبيع لنفسه، و ظاهره التصرف في الايجاب برضا المالك بالبيع لنفسه، و ظاهره التصرف في الايجاب فقط.

و اورد عليه بعدم تطابقه حينئذ لقبول المشترى، لان قبوله انما تعلق بايجاب البائع لا بمضمون الاجازة.

و لكن للتامل في ذلك من جهة عدم الدليل على اعتبار التطابق في هذه الموارد مجالا واسعا.

(2) ثانيهما: ان مرجع الاجازة في المقام الى التصرف في طرفى العقد معا، و مفادها:

ان العقد الذى قصد الى كونه واقعا على المال المعين لنفس البائع الغاصب و المشترى العالم قد بدلته بكونه على هذا الملك بعينه لنفسى، فيكون عقدا جديدا.

(3) و اورد عليه المصنف (قدس سره) بان هذا مخالف للاجماع و العقل. و لم يذكر وجه مخالفته للعقل‌

49

و أما القول بكون الإجازة عقدا مستأنفا فلم يعهد من أحد من العلماء و غيرهم و إنما حكى كاشف الرموز عن شيخه و هو المحقق أن الاجازة من مالك المبيع بيع مستقل بغير لفظ البيع و هو قائم مقام إيجاب البائع و ينضم إليه القبول المقدم من المشترى، و هذا لا يجرى فيما نحن فيه لأنه إذا قصد البائع البيع لنفسه، فقد قصد المشترى تمليك الثمن للبائع و تملك مبيع منه فإذا بنى على كون وقوع البيع للمالك مغايرا لما وقع فلا بد له من قبول آخر فالاكتفاء عنه بمجرد اجازة البائع الراجعة الى تبديل البيع للغاصب بالبيع لنفسه التزام بكفاية رضاء البائع و انشائه عن رضاء المشترى و انشائه، و هذا ما ذكرنا انه خلاف الاجماع و العقل

____________

و ذكروا في وجهه امورا:

الأول: ان تبديل قصد وقوعه لنفسه و رضاه به بقصد وقوعه لغيره مستلزم لانقلاب ما وقع عليه عما وقع، و هو محال.

و فيه: ان المراد ان العقد الواقع المضاف الى الغاصب ملغاة هذه الخصوصية منه،

بمعنى انها لا تؤثر، و بالاجازة يضاف الى المالك و يكون بذلك مؤثرا، فلا يلزم الانقلاب.

الثانى: ان المالك لا سلطنة له على المشترى، فكيف يبدل قبوله.

و فيه: ان عدم سلطنة المالك على المشترى شرعى لا عقلي، مع ان تبديل قبوله ليس من شئون سلطنته عليه بل على ماله، فان المشترى انما ملك ماله للبائع لا مجانا، بل بازاء مال المالك فللمالك من حيث سلطنته على ماله ان يجيز بدلية ماله لمال المشترى بان يسقط خصوصية البائع في طرفيته لمال المشترى بازاء ماله. فتدبر.

الثالث: ان لازم ما ذكر اتحاد الايجاب و القبول، مع انه لا يعقل ذلك.

و فيه: ان المحقق لا يدعى كون الاجازة عقدا و انما ادعى كونها بمنزلة العقد الجديد،

اى تكون تصرفا في الايجاب و القبول باسقاط الخصوصيتين غير القابلتين للاجازة.

فالانصاف ان ما افاده المحقق القمى (قدس سره) غير مناف للعقل.

50

فالاولى في الجواب منع مغايرة ما وقع لما اجيز.

و توضيحه ان البائع الفضولى انما قصد تمليك المثمن للمشترى بازاء الثمن. (1)

و أما كون الثمن مالا له أو لغيره فإيجاب البيع ساكت عنه فيرجع فيه الى ما يقتضيه مفهوم المعاوضة من دخول العوض في ملك مالك المعوض تحقيقا لمعنى المعاوضة و المبادلة و حيث أن البائع يملك المثمن بانيا على تملكه له و تسلطه عليه، عدوانا أو اعتقادا، لزم من ذلك بنائه على تملك الثمن و التسلط عليه، و هذا معنى قصد بيعه لنفسه، و حيث ان المثمن ملك لمالكه واقعا. فإذا اجاز المعاوضة انتقل عوضه إليه،

فعلم من ذلك ان قصد البائع البيع لنفسه غير مأخوذ في مفهوم الايجاب حتى تردد الامر في هذا المقام بين المحذورين المذكورين، بل مفهوم الايجاب هو تمليك المثمن بعوض من دون تعرض فيه لمن يرجع إليه العوض إلا باقتضاء المعاوضة لذلك،

و لكن يشكل فيما إذا فرضنا الفضولى مشتريا لنفسه بمال الغير (2) فقال للبائع الأصيل تملكت منك أو ملكت «بالتخفيف» هذا الثوب بهذه الدراهم. فإن مفهوم هذا الانشاء هو تملك الفضولى للثوب، فلا مورد لإجازة مالك الدراهم على وجه ينتقل الثوب إليه، فلا بد من التزام كون الإجازة نقلا مستأنفا غير ما أنشأه الفضولى الغاصب.

____________

(1) و منها ما افاده المصنف (قدس سره) و هو ان ايجاب البائع الغاصب يتضمن امرين:

احدهما تمليك المشترى المال بعوض.

الثانى: دخول العوض في ملكه.

و الثانى خارج عن مضمون الايجاب، نعم مقتضى طبع المعاوضة دخوله في ملك مالك المبيع، و حيث ان المبيع ملك للمجيز واقعا فيدخل العوض في ملكه كذلك في فرض الاجازة، و حيث انه مالك ادعاء و اعتقادا فيكون بانيا على تملكه العوض، و عليه فلا مانع من تعلق الاجازة بما هو مضمون الايجاب.

(2) ثمّ اورد على نفسه بانه لا يتم فيما لو كان الفضولى مشتريا لنفسه بمال الغير و قال للبائع تملكت منك أو ملكت هذا الثوب بهذه الدراهم إذ مفهومه شي‌ء واحد‌

51

و بالجملة فنسبة المتكلم الفضولى بتملك المثمن الى نفسه بقوله ملكت أو تملكت كايقاع المتكلم الاصلى التمليك على المخاطب الفضولى بقوله ملكتك هذا الثوب بهذه الدراهم مع علمه بكون الدراهم لغيره أو جهله بذلك، و بهذا استشكل العلامة رحمهم الله في التذكرة حيث قال: لو باع الفضولى مع جهل الآخر، فاشكال من ان الآخر انما قصد تمليك العاقد، و لا ينتقض بما لو جهل الآخر وكالة العاقد أو ولايته،

لانه حينئذ انما يقصد به المخاطب بعنوانه الأعم من كونه اصليا أو نائبا. و لذا يجوز مخاطبته و اسناد الملك إليه مع علمه بكونه نائبا و ليس الا بملاحظة المخاطب باعتبار كونه نائبا، فإذا صح اعتباره نائبا صح اعتباره على الوجه الأعم عن كونه نائبا أو اصليا.

اما الفضولى فهو اجنبي عن المالك لا يمكن فيه ذلك الاعتبار، و قد تفطن بعض المعاصرين لهذا الاشكال في بعض كلماته، فالتزم تارة ببطلان شراء الغاصب لنفسه مع انه لا يخفى مخالفته للفتاوي و اكثر النصوص المتقدمة في المسألة، كما اعترف به اخيرا، و اخرى بأن الاجازة انما تتعلق بنفس مبادلة العوضين و ان كانت خصوصية ملك المشترى الغاصب للمثمن مأخوذة فيها، و فيه ان حقيقة العقد في العبارة التى ذكرناها في الأشكال أعنى قول المشترى الغاصب تملكت أو ملكت هذا منك بهذه الدراهم، ليس إلا إنشاء تملكه للمبيع فإجازة هذا الانشاء لا يحصل بها تملك المالك الأصلى له، بل يتوقف على نقل مستأنف فالأنسب في التفصى أن يقال أن نسبة الملك الى الفضولى العاقد لنفسه في قوله، تملكت منك أو قول غيره له ملكتك ليس من حيث هو بل من حيث جعل نفسه مالكا للثمن اعتقادا أو عدوانا (1).

____________

و هو تملك الفضولى للثوب، و لا يكون ذلك منحلا الى شيئين كى تتعلق الاجازة باحدهما دون الآخر.

(1) ثمّ تفصى عن الاشكال بان نسبة الملك الى الفضولى ليست بما هو هو، بل بما هو مالك، فحيثية المالكية ماخوذة فيه، و من المعلوم ان كل محمول مترتب على المتحيث بحيثية في الحقيقة مترتب على تلك الحيثية، فيكون المنسوب إليه الملك هو المالك‌

52

و لذا لو عقد لنفسه من دون البناء على مالكيته للثمن التزمنا بلغويته،

ضرورة عدم تحقق مفهوم المبادلة بتملك شخص المال بازاء مال غيره، فالمبادلة الحقيقية من العاقد لنفسه لا يكون الا إذا كان مالكا حقيقيا أو ادعائيا، فلو لم يكن احدهما و عقد لنفسه لم يتحقق المعاوضة و المبادلة حقيقة، فإذا قال الفضولى الغاصب المشترى لنفسه تملكت منك كذا بكذا، فالمنسوب إليه التملك انما هو المتكلم لا من حيث هو، بل من حيث عد نفسه مالكا اعتقادا أو عدوانا و حيث ان الثابت للشي‌ء من حيثية تقييدية ثابت لنفس تلك الحيثية، فالمسند إليه التملك حقيقة هو المالك للثمن، الا ان الفضولى لما بنى على انه المالك المسلط على الثمن اسند ملك المثمن الذى هو بدل الثمن الى نفسه، فالاجازة الحاصلة من المالك متعلقة بانشاء الفضولى و هو التملك المسند إلى مالك الثمن و هو حقيقة نفس المجيز، فيلزم من ذلك انتقال الثمن إليه هذا مع انه ربما يلتزم صحة ان يكون الاجازة لعقد الفضولى، موجبة لصيرورة العوض ملكا للفضولى، ذكره شيخ مشايخنا في شرحه على القواعد و تبعه غير واحد من اجلاء تلامذته، و ذكر بعضهم في ذلك وجهين:

____________

و الاجازة تتعلق بهذا المضمون، غاية الأمر ان الفضولى لما بنى على انه المالك اسند ملك العوض الى نفسه.

و فيه اولا: كون هذه الحيثية حيثية تقييدية غير ثابت، بل الظاهر كونها حيثية تعليلية، إذ المالك انما يبيع أو يشترى لنفسه لا للمالك.

و ثانيا: ان الحيثية التقييدية المفروضة هى كونه مالكا ادعاء لا حقيقة، و ايقاع العقد للمالك الادعائى غير قابل للتأثير بالاجازة، و وقوعه للمالك الحقيقى بالاجازة موجب لكون المجاز غير منشأ، و المنشأ غير مجاز.

و الحق في المقام يقتضى ان يقال: ان بيع الفضولى لنفسه على اقسام:

الأول: ان يكون داعيه من البيع التصرف في الثمن و الا يوقعه لمالكه، و في هذا القسم لا كلام في انه لو اجازه المالك صح و وقع له، و يكون المنشأ مجازا.

الثانى: ان يبيع لنفسه من غير بناء على مالكيته للمبيع و يقصد خروج المعوض‌