مصباح المنهاج ـ كتاب التجارة - ج1

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
472 /
5

[الجزء الأول‏]

بسم‏الله الرحمن الرحيم‏

وفيه مقدمة وفصول‏

مقدمة:

التجارة (1) في الجملة

____________

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(1) الذي يظهر من كلمات جملة من اللغويين أن التجارة عبارة عن البيع والشراء بقصد الاسترباح. وبذلك صارت من وجوه التكسب عرفاً، وشاع استعمالها وإرادة الحرفة منها. لظهور أن التكسب يبتني على محاولة الكسب، وهو لا يكون في البيع والشراء إلا بلحاظ الربح. كما أن الحرفة تبتني على التكسب أيضاً.

لكن المراد منها هنا مطلق البيع والشراء، كما يظهر من الأحكام المذكورة لها في كلمات الفقهاء. وهو المفهوم من إطلاقات الأدلة، إما لأن ذلك هو معنى التجارة لغة، وما سبق من اللغويين ناشئ من الانصراف لقصد الاسترباح بسبب شيوع استعمالها وإرادة الحرفة منها، أو لقضاء المناسبات الارتكازية بإلغاء خصوصية قصد الاسترباح في موضوع الإطلاقات المذكورة. وهو المناسب لكون موضوع أكثر الأدلة عنوان البيع والشراء اللذين لا إشكال في عمومهما لغير صورة قصد الاسترباح.

6

بل قد استظهر في الجواهر أن مرادهم بها هنا مطلق المعاملات المعاوضية بنحو تشمل الإجارة والجعالة ونحوهما، لمعروفية ذلك منها، كما يناسبه ما في مجمع البحرين من قوله:" التجارة بالكسر هي انتقال شي‏ء مملوك من شخص إلى آخر بعوض مقدّر على جهة التراضي". ولأنهم تعرضوا في مقدمة التجارة لحكم التكسب بالواجبات والمحرمات، مع وضوح أنها من سنخ الأعمال التي تكون موضوعاً للإجارة والجعالة ونحوهما.

لكنه في غاية المنع، لوضوح اختصاص التجارة لغة وعرفاً بالبيع والشراء. ولذا كان التاجر مقابلًا عرفاً للصانع والعامل الأجيرين. والمادة في التاجر وإن أريد منها الحرفة، دون مطلق الحدث الذي هو المراد في المقام، إلا أن سعة الحرفة وضيقها تابعان لسعة مفهوم الأمر الذي يحترف وضيقه. والظاهر جري الفقهاء على المعنى اللغوي، لاحتياج خروجهم عنه إلى عناية وكلفة لا قرينة عليهما. بل هو لا يناسب تعرضهم لبقية المعاملات في كتب مستقلة عن كتاب التجارة، لا في ضمنه.

وأما ما سبق من مجمع البحرين فلا يبعد انصرافه للمعاوضة على الأعيان الخارجية، لأنها هي المملوكة قبل المعاوضة، دون المنافع والأعمال وسائر الذميات، لأنها لا تملك إلا بالمعاوضة على أن التسامح في تعاريف اللغويين غير عزيز.

ومن هنا كان الظاهر أن تعرضهم لحكم التكسب بالواجبات والمحرمات ليس لدخوله في التجارة، بل هو مبني على الاستطراد، لاهتمامهم بضبط المكاسب المحرمة.

وكيف كان فحيث كان مبنى التجارة على تبديل حال المال في الملكية ونحوها فالمرجع بدواً مع الشك في نفوذها استصحاب الحال السابق، كما هو الحال في جميع المعاملات. وهو المراد بأصالة عدم ترتب الأثر التي شاع ذكرها في كلماتهم.

ومن هنا كان المناسب التعرض في المقام لما يخرج به عن الأصل المذكور من الأدلة والعمومات المقتضية للنفوذ، ليكون هو المرجع مع الشك. وهو على قسمين:

7

القسم‏ الأول: ما يعم التجارة وغيرها. وهو أمور:

الأول: قوله تعالى: ( (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) (1). حيث لا يراد بالوفاء بالعقد إلا الجري على مضمونه، فالأمر به لازم عرفاً لنفوذ العقد وترتب أثره شرعاً.

ومنه يظهر أنه لا مجال لدعوى: أن الأمر بالوفاء بالعقد إنما يكون بعد الفراغ عن نفوذه، فلا يدل على نفوذه، بل لابد من الرجوع فيه لأدلة أخر.

لاندفاعها بأن ذلك وإن كان مسلماً، إلا أن الأمر بالوفاء بالعقد لما كان لازماً عرفاً لنفوذه كان الدليل على أحدهما دليلًا على الآخر.

ومثلها دعوى إجمال المراد بالعقود، لاحتمال إرادة العهود التي أخذها الله تعالى على العباد بالإيمان والطاعة، أو عقود الجاهلية التي كانوا يعقدونها على النصرة والمؤازرة، أو ميثاق أهل الكتاب بالعمل بما في كتبهم من تصديق النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، كما ذكر ذلك كله في التبيان ومجمع البيان.

لاندفاعها بظهوره في العموم لجميع العقود بنحو يشمل ما نحن فيه وبعض ما سبق أو جميعه. ولا موجب لاحتمال التخصيص بالبعض إلا احتمال كون اللام للعهد الذهني، لقيام القرينة الحالية على تعيين المراد. وهو مدفوع بالأصل، الراجع لأصالة عدم القرينة المعول عليها عند أهل اللسان. ولذا كان الأصل في اللام الجنس، وكان البناء على العموم لتمام أفراد مدخولها.

على أن بعض هذه المعاني أو جميعها بعيد في نفسه، لاحتياج صدق العقد على الأول إلى تكلف وعناية، وخطاب المؤمنين في الآية لا يناسب الأخريين. إلا أن يراد بالثاني ما أوقعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) مع أهل الجاهلية من العقود المذكورة.

وبالجملة: لا ينبغي التأمل في ظهور الآية الشريفة في العموم لما نحن فيه. ومن ثم اشتهر الرجوع لها والاستدلال بها بينهم.

____________

(1) سورة المائدة آية: 1.

8

ومنه يظهر وهن ما في كلام بعضهم من حملها على خصوص العقود المتعارفة- كالبيع والإجارة- دون العقود المستحدثة. إذ فيه- مع عدم الضابط لذلك-: أن التعارف لا يخصص العموم. ولاسيما إذا كان ارتكازياً، كما في المقام.

نعم في صحيح عبدالله بن سنان المروي في تفسير القمي عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قوله: أوفوا بالعقود، يعني بالعهود" (1). ورواه العياشي مرسلًا (2). وعموم العهد للمعاملات المالية لا يخلو عن إشكال، حيث قد ينصرف العهد للتعهد بالعمل، كالنصرة ونحوها، دون مثل المعاوضة المالية.

لكن يظهر من مجمع البيان أن العهد أعم مطلقاً من العقد، لاختصاص العقد بما يكون بين طرفين، وعموم العهد ما يكون من طرف وحد، مع اتحادهما موضوعاً ومتعلقاً. ومن ثم لا مجال للخروج بالصحيح عن ظهور الآية الكريمة في العموم. ولاسيما مع قرب احتمال وروده لمجرد التطبيق، لا للحصر. أو كون المراد بالعهود هي العهود المبنية على التعهد من الطرفين، فتطابق العقود.

الثاني: عموم الشروط الذي تضمنته النصوص المستفيضة، كصحيح عبدالله ابن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قال: المسلمون عند شروطهم، إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل، فلا يجوز" (3)، وغيره، بناءً على ما أصّر عليه شيخنا الأعظم (قدس سره) من عموم الشرط للإلزام والالتزام الابتدائيين، وعدم اختصاصه بالالتزام في ضمن الالتزام. وهو المناسب لإطلاق بعض اللغويين، وللاستعمال في جملة من النصوص.

كقوله (عليه السلام) فيمن اشترط على المكاتب أن له ميراثه:" شرط الله قبل شرطك" (4) وقوله (عليه السلام) فيمن اشترط لامرأته إن هو تزوج عليها أو هجرها أو تسرّى عليها فهي‏

____________

(1) تفسير القمي ج: 1 ص: 160.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 25 من أبواب كتاب النذر والعهد حديث: 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 2.

(4) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 22 من أبواب موانع الإرث حديث: 1، 2.

9

طالق:" فقضى في ذلك أن شرط الله قبل شرطكم" (1)، مع وضوح أن المراد بشرط الله تعالى حكمه، وكذا إطلاقه على نذر عدم التزويج على المرأة وعدم طلاقها (2) وعلى خيار الحيوان‏ (3).

ويناسب ذلك أنه يعدّى للمشروط له وعليه باللام و (على)، فيقال: شرط له وشرط عليه، ولو كان قوام الشرطية الإناطة بالتزام آخر لكان المناسب أن يقال: شرطه أو شرط فيه، ولم يكن من شؤون الطرفين، ليعدّى لهما. وعلى ذلك يشمل كل عقد، لما في العقد من الإلزام والالتزام.

لكنه يشكل بأنه خلاف المتبادر من الشرط، بل الظاهر عدم صحة إطلاقه إلا بلحاظ نحو إناطة ونسبة بين المشروط والمشروط فيه، وأنه مأخوذ من الشرط التكويني، الذي يناط به وجود الشي‏ء، ويكون من أجزاء علته. وهو وإن كان بذلك المعنى جامداً، إلا أنه قد يشتق من الجامد على خلاف القياس في مثل: (بال) من البول، (وأمنى) من المني، كل ذلك لبعد الاشتراك اللفظي جداً ولاسيما بعد فهم الإناطة من الشرط فيما نحن وابتنائه عليها ارتكازاً.

ولعل إطلاق بعض اللغويين مبني على طريقتهم في بيان المعنى من الاكتفاء بالإشارة الإجمالية إليه والتسامح في بيانه. ومن ثم لا مجال للتعويل عليه، ولاسيما مع تقيده في كلام غير واحد، حيث ذكروا أنه الالتزام في ضمن الالتزام.

وأما الاستعمالات المشار إليها فقد تبتني على المشاكلة في التعبير، أو على ملاحظة نحو من الإناطة، كإناطة كمال الإيمان بتنفيذ أحكام الله تعالى والوقوف عندها، أو على التوسع والمجاز بمناسبة أخرى. كما أن كونه من شؤون المشروط له وعليه بنحو يعدّى لهما لا ينافي كونه من شؤون ما يناط به أيضاً.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 38 من أبواب المهور حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب المهور حديث: 4.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3، 4، 5 من أبواب الخيار.

10

نعم إذا ابتنى العقد على التزام كل من المتعاقدين للآخر بشي‏ء- كما في البيع والإجارة والمزارعة ونحوها- صدق الشرط على كل منهما بلحاظ ابتنائه على التزام الآخر. فالتزام البايع والمستأجر والمزارع مثلًا بتمليك المثمن والأجر وبذل الأرض، يبتني على التزام المشتري والأجير والعامل بتمليك الثمن وبالعمل الذي تقتضيه الإجارة أو المزارعة. فلا يكون العقد بتمامه شرطاً واحداً، بل كل طرف من أطراف متعلقه شرط، ولا يختص الشرط بما يلتزم به زائداً على المضمون العقدي، كاشتراط الخياطة في ضمن عقد البيع.

أما لو لم يتضمن العقد إلا التزاماً واحداً من أحد الطرفين للآخر- كما في الهبة- فلا يصدق الشرط عليه. وكذا لا يصدق الشرط على الإيقاع والوعد الابتدائي غير المشروطين، لعدم تحقق الإناطة فيها.

ومن ثم يشكل استفادة عموم نفوذ العقود من عموم نفوذ الشروط، فإن ما ذكرنا إن لم يكن هو الظاهر من إطلاق الشرط فلا أقل من كونه المتيقن منه. نعم لا بأس بالاستدلال به لنفوذ خصوص العقود المشار إليها آنفاً.

هذا ولا إشكال ظاهراً في قصور عموم نفوذ الشروط عن الشرط الابتدائي، وهو الذي لا يلتزم به في ضمن العقد، لخروجه عن عموم نفوذ الشرط تخصصاً أو تخصيصاً. وهو غير مهم في محل الكلام، إذ الكلام في نفوذ العقد، لا في عدم نفوذ غيره.

الثالث: إطلاقات الصلح، كقوله تعالى: ( (وَالصُّلحُ خَيرٌ)) (1)، وصحيح حفص عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قال: الصلح جائز بين الناس [المسلمين‏]" (2). بدعوى: أن الصلح كل ما يقع عن تراض واتفاق بين أكثر من واحد، فيصدق على العقد الذي يبتني على الاتفاق بين المتعاقدين.

____________

(1) سورة النساء آية: 128.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب كتاب الصلح حديث: 1.

11

توضيح ذلك: أنه ذكر غير واحد أن الصلح يتضمن إنشاء التسالم على أمرٍ، فإن كل عقد من العقود المعهودة- كالبيع والإجارة ونحوهما- وإن كان مبنياً على التسالم والتراضي بين الأطراف وناشئاً عنهما، إلا أنه لا يتضمن إنشاء التسالم على المضمون الاعتباري من بيع أو إجارة أو غيرهما، بل إنشاء المضمون الاعتباري رأساً، فلا تكون صلحاً، بل ليس الصلح إلا ما تضمن إنشاء التسالم على متعلقه. ومن ثم كان الصلح مبايناً لسائر العقود وإن كان قد يفيد فائدتها. فلا تنهض عموماته دليلًا على نفوذها.

لكن ما ذكروه خال عن الدليل، إذ لم يتضح الوجه في أخذ إنشاء التسالم في قوام مفهوم الصلح، بعد أن كان الصلح بمفهومه العرفي أمراً حقيقياً خارجياً، كالاتفاق والرضا ونحوهما، حيث يتعين حمله في أدلة النفوذ على المعنى المذكور، وليس هو كالبيع والزواج من المفاهيم الاعتبارية الإنشائية التي ليس لها ما بإزاء في الخارج وراء الاعتبار والإنشاء ومن ثم يتعين حمل أدلتها على إنشاء مضامينها واعتبارها.

وإذا تعين حمل أدلة الصلح على المعنى الحقيقي العرفي يكون المراد بنفوذه وجوازه في الأدلة ترتب متعلقه، وهو الأمر الذي يكون موضوعاً للمصالحة ويتم التصالح والتسالم عليه. وحيث لا يختص عندهم بما يرفع به التخاصم والتشاجر، أو يدفع به الفساد، فالمتعين حمله في أدلة النفوذ على مطلق التراضي والاتفاق.

وبذلك تكون أدلة نفوذه شاملة لجميع العقود، لابتنائها بأجمعها على الاتفاق والتراضي، من دون فرق بين العقود ذات المضامين الإنشائية المعروفة- كالبيع والإجارة- والعقود المتضمنة لإنشاء التسالم والتصالح، وغيرها. وقد مال إلى هذا شيخنا الأستاذ (قدس سره). وإن لم يبسط الكلام في وجهه.

هذا ولكن الشأن في تمامية عموم مفهوم الصلح بهذه السعة، فإنه وإن لم يختص بإنشاء التسالم، لما سبق، إلا أنه لا مجال لحمله على مطلق التراضي والاتفاق بعد اختصاصه لغة وعرفاً بما يرفع به الفساد للتقابل بينهما، ومنه سمّى السلم صلحاً. بل هو مردد بين وجهين.

12

الأول: أن يختص بما إذا أوجب رفع النزاع والخصومة عند اشتباه الحقوق، كما هو مقتضى تعريفه في كلام بعضهم بأنه عقد شرع لقطع التجاذب والتنازع. وقد يناسبه مرسل الفقيه:" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): البينة على من المدعى، واليمين على المدعى عليه. والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالًا" (1). لقرب سوقه لبيان فصل الخصومة بالصلح كما تفصل بالحكم نتيجة البينة واليمين.

الثاني: أن يعم جميع موارد دفع الفساد وحلّ المشاكل ولو مع عدم الخصومة، كما في مورد اشتباه الحقوق، أو استلزام بقاء الحق بحاله بعض المحاذير، كتوقع خراب ذات البين، أو التقصير في أداء الحق، أو نحو ذلك، فيكون الصلح سبباً لدفع ذلك. وهو الأنسب بإطلاق معناه اللغوي والعرفي.

كما يناسبه أيضاً ما في جملة من النصوص تشريع الصلح بين الزوجين إذا أراد الزوج الطلاق بأن تصالحه الزوجة على أن تتنازل عن حقوقها في مقابل عدم طلاقها (2). وظاهرها بل صريح بعضها أن ذلك هو المراد بقوله تعالى: ( (وَإِن امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَن يُصلِحَا بَينَهُمَا صُلحًا وَالصُّلحُ خَيرٌ)) (3)، مع وضوح حق كل من الزوجين وعدم التنازع بينهما، ولا يكون في الصلح المذكور إلا إصلاح أمر الزوجين في قبال فساد الحال.

وأما التعميم لما زاد على ذلك بحيث يعم كل اتفاق على شي‏ء ولو لم يكن به دفع لفساد وحلّ لمشكلة، فلا مجال له بعد عدم مناسبته لمفهوم الصلح لغة ولا عرفاً.

نعم قد يناسبه ما تضمن جواز الصلح عن الحق ببعضه، كمعتبر علي بن أبي حمزة:" قلت لأبي الحسن (عليه السلام): رجل يهودي أو نصراني كانت له عندي أربع آلاف درهم مات [فمات‏]. ألي أن أصالح ورثته ولا أعلمهم كم كان؟ قال: لا يجوز حتى‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب كتاب الصلح حديث: 2.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 15 باب: 11 من أبواب القسم والنشوز والشقاق.

(3) سورة النساء آية: 128.

13

تعلمهم" (1) وغيره، حيث لم يؤخذ فيه دفع الفساد.

لكن مجرد إطلاق الصلح على ذلك ونفوذه لا يستلزم دخوله في إطلاقات الصلح، ليكشف عن عمومها، فإن الاستعمال أعمّ من الحقيقة، والنفوذ قد يكون لعموم نفوذ العقود، لا لعموم نفوذ الصلح. ومن ثم يتعين الاقتصار على المتيقن من العمومات المذكورة، وهو ما سبق.

اللهم إلا أن يقال: قصور عمومات الصلح لفظاً عن صورة عدم دفع الفساد بالعقد لا يمنع من الاستدلال بها في الصورة المذكورة بلحاظ العلم بعدم خصوصية دفع الفساد في تشريع المعاملة، حيث لا يحتمل تشريع الشارع الأقدس العقود الباطلة من أجل الإصلاح ودفع الفساد، فما هو الجائز من العقود في الصلح جائز في غيره، وما هو الممنوع في غيره ممنوع فيه، كما يناسبه الاستثناء في النبوي المتقدم، وما هو المعلوم من طريقة الأصحاب من تحكيم عموم أدلة المنع من بعض المعاملات- كالربا

على عمومات الصلح، وعدم احتمالهم خصوصية الصلح في تسويغها.

وبالجملة: خصوصية الصلح لا ترجع إلى تنويع المعاملة، ليحتمل دخلها في صحة المعاملة، بل هي من سنخ الحالة والداعي لإيقاع المعاملة، المعلوم عدم دخلهما في الصحة، وذلك كاف في استفادة العموم من الأدلة.

الرابع: أن نفوذ العقد مقتضى الارتكازيات التي فطر الله الناس عليها، وهو مقتضى سيرة العقلاء المبنية على الارتكازيات المذكورة، ومثل هذه السيرة حجة ما لم يثبت الردع عنها، من دون حاجة إلى ثبوت الإمضاء لها، على ما أوضحناه في الأصول. ومن هنا يتعين البناء على ذلك حتى لو فرض قصور الأدلة المتقدمة عن إثبات العموم المذكور.

بل الإنصاف أن الارتكاز المذكور يصلح أن يكون قرينة على ورود الأدلة النقلية المتقدمة والآتية وغيرها مورد الإمضاء له والجري على مقتضاه، بحيث ل‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب كتاب الصلح حديث: 2.

14

تنهض عموماتها وإطلاقاتها بالنفوذ في مورد لا ينفذ فيه العقد ارتكازاً. فلاحظ.

القسم الثاني: ما يختص بالبيع والتجارة وهو أيضاً أمور:

الأول: قوله تعالى: ( (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُم)) (1). لظهور أن الترخيص في أكل المال بسبب التجارة راجع عرفاً إلى نفوذها وترتب الأثر عليها وتملك المال بسببها، نظير ما تقدم في آية الوفاء بالعقد.

نعم لابد فيها من الرضا. والكلام في تحديده موكول للكلام في فروع نفوذ العقد، كحكم عقد المكره والفضولي وغيرهما.

الثاني: قوله تعالى: ( (الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِن المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَالُوا إِنَّمَا البَيعُ مِثلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ...)) (2). فإن حلية البيع إن كانت وضعية كانت نصاً في المطلوب، وإن كانت تكليفية كانت ظاهرة في نفوذ البيع تبعاً بمقتضى إطلاقها المقامي. لظهور أن الإقدام على البيع إنما يكون من أجل نفوذه وترتب أثره، فلو لم ينفذ لزم التنبيه على ذلك واستدراكه. ولاسيما بعد ورودها في سياق النهي عن أكل الربا المبتني على ترتيب الأثر على نفوذه. وكيف كان فإطلاق الآية ينهض دليلًا على عموم نفوذ البيع.

اللهم إلا أن يقال: سياق الآية الشريفة لا يناسب ورودها لبيان حلية البيع وحرمة الربا وتشريعهما، ليكون مقتضى إطلاقهما عموم الحلية والحرمة المذكورتين، بل ورودها لاستنكار تشبيه البيع بالربا استهواناً بتحريم الربا ورداً له، بعد الفراغ عن حرمة الربا وحلية البيع، فلا يكون لها إطلاق في ذلك، بل لا تدل إلا على حلية البيع وحرمة الربا في الجملة، ولو بلحاظ الأفراد الشايعة منهما.

____________

(1) سورة النساء آية: 29.

(2) سورة البقرة آية: 275.

15

من المستحبات الأكيدة (1) في نفسها. وقد تستحب لغيرها (2)، وقد تجب كذلك (3) إذا كانت مقدمة لواجب أو مستحب.

____________

الثالث: النصوص الكثيرة المتضمنة للحث على التجارة والنهي عن تركها (1). فإنها وإن لم تكن واردة لبيان صحة التجارة ونفوذها، إلا أن ذلك يستفاد عرفاً من إطلاقاتها المقامية، لما هو المعلوم من أن الغرض من التجارة هو ترتب أثرها والاسترزاق منها، فعدم بيان الشارع الأقدس للنافذ منها ظاهر في إمضائها وترتب أثرها.

وربما يستفاد النفوذ من أدلة أخر قد تظهر بالسبر والتأمل لا مجال لإطالة الكلام فيها بعد وفاء ما سبق بالمطلوب. ولعله لذا كان ظاهر الأصحاب (رضي الله عنهم) المفروغية عن نفوذ البيع والتجارة واحتياج المنع من بعض أقسامهما للدليل. ومنه سبحانه وتعالى نستمد العون والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(1) للنصوص المستفيضة المتضمنة للحث عليها. بل يظهر من بعضها كراهة تركها، كصحيح حماد عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قال: ترك التجارة ينقص العقل" (2)، وغيره. فراجع الباب الأول والثاني من أبواب مقدمة التجارة من الوسائل.

نعم لا يبعد كون موضوع الكراهة تركها بالتعطل عن الكسب والعمل، دون تركها مع الاشتغال بكسب آخر، كما قد يناسبه التعليل المتقدم، ومثل صحيح الفضيل:" قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أني قد كففت عن التجارة وأمسكت عنها. قال: ولم ذلك؟ أعجز بك؟ كذلك تذهب أموالكم، لا تكفوا عن التجارة، والتمسوا من فضل الله عز وجل" (3). فلاحظ النصوص في البابين المذكورين.

(2) كالتجارة للإنفاق في وجوه البر والخير.

(3) كالتجارة للنفقات الواجبة. إذا لم يكن واجداً للمال، ولم يكن وجدانه قيداً، في موضوع وجوب الإنفاق.

____________

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1، 2 من أبواب كتاب الصلح وغيرهما.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 1، 8.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب مقدمات التجارة حديث: 1، 8.

16

وقد تكره لنفسها (1) أو لغيرهما (2). وقد تحرم كذلك (3) والمحرم منها أصناف. وهنا مسائل.

(مسألة 1): تحرم ولا تصح (4)

____________

(1) كما يأتي في المسألة الأربعين إن شاء الله تعالى التعرض لجملة من موارده.

(2) كالتجارة للإنفاق المكروه.

(3) يعني: لنفسها ولغيرها. أما حرمتها لغيرها فهي إذا كانت مقدمة للإنفاق المحرم، أو ترتب عليها محذور محرم، كالخطر على النفس. وهي لا توجب بطلان المعاملة، لعدم الملازمة بينهما.

أما الحرمة لنفسها فهي التي يأتي التعرض لها في المسائل الآتية، وهي راجعة لبطلان المعاملة، لظهور أدلتها في ذلك. على ما يتضح إن شاء الله تعالى. نعم لا يبعد البناء على الحرمة التكليفية والوضعية معاً في مثل المعاملة الربوية.

(4) النهي عن الشي‏ء وتحريمه ظاهران بدواً في الحرمة التكليفية المستتبعة لاستحقاق العقاب على المخالفة، إلا أنهما بالإضافة إلى ما يتصف بالصحة والفساد بلحاظ ترتب أثره المرغوب فيه كالعبادات والمعاملات ينصرفان للحرمة الوضعية الراجعة إلى بطلان العمل وعدم ترتب الأثر المطلوب منه.

نعم الحرمة المذكورة تستتبع الحرمة التكليفية إذا ابتنى الإتيان بالعمل على البناء على ترتيب أثره رداً لحكم الشارع الأقدس بالفساد. كما أنه لو جرى المكلف في عمله على ما يناسب ترتب أثر المعاملة خارجاً فقد يلزم الحرام، كأكل مال الغير والاستمتاع بالأجنبية وترك الحج وغير ذلك مما يترتب على نفوذ المعاملة.

بل قد يظهر من بعض أدلة المعاملات المحرمة تأكد حرمة أكل المال بسببها، بحيث يزيد عقابه على عقاب أكل مال الغير. ولعل منه أكل مال الربا وجميع السحت، كالرشا في الأحكام وأجر الزانية وغيرهما.

17

التجارة بالأعيان النجسة (1)، كالخمر وباقي المسكرات والميتة والدم وغيرهما.

____________

هذا وأما حمل النهي فيما يتصف بالصحة والفساد على الحرمة التكليفية المحضة فهو يحتاج إلى عناية خاصة، لو تمت دخل المنهي عنه في مسألة ملازمة النهي للفساد التي كان التحقيق فيها ثبوت الملازمة في الجملة في العبادات دون المعاملات على ما ذكرناه في الأصول.

(1) بلا خلاف معتد به كما في الجواهر. بل ادعي عليه جماعة الإجماع عموماً، أو في خصوص بعض النجاسات كالكلب- في الجملة- والخنزير والميتة والدم والخمر والفقاع والسرجين النجس.

وقد استدل عليه بوجوه كثيرة يضيق الصدر عن عرضها واستقصاء الكلام فيها وتضييع الوقت بذلك بعد ظهور ضعفها واستيفاء الكلام في ذلك من غير واحد.

نعم قد يحسن التعرض لوجهين، ربما كانا هما أو أحدهما المنشأ لفتوى سيدنا المصنف (قدس سره) بالحرمة في المقام.

الأول: النصوص الواردة في العذرة والميتة والدم والخمر والخنزير والكلب الذي لا يصيد مما يأتي التعرض له، بضميمة عدم القول بالفصل- كما في الجواهر- أو إلغاء خصوصية مواردها عرفاً وفهم عدم الخصوصية لها، وأن موضوع المنع هو النجاسة العينية التي هي مشتركة بين الكل.

لكن عدم القول بالفصل لا ينهض حجة ما لم يرجع إلى الإجماع على الملازمة وعدم الفصل بين النجاسات، الذي هو عبارة عن الإجماع المركب. ولا طريق لإحرازه بعد عدم تنبيههم له، بل غاية ما يدعى هو الإجماع البسيط على المنع الذي يأتي الكلام فيه. كما لا مجال لفهم عدم الخصوصية، لعدم كون القدر المشترك- وهو النجاسة- عرفياً، بحيث ينسبق له الذهن من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة المذكورة.

18

ولاسيما بعد الإطباق على حرمة بيع الخمر حتى بناءً على طهارته، وعلى جواز بيع العبد الكافر مع أن المشهور نجاسته، وعلى جواز بيع بعض أقسام الكلب، وكذا الميتة عند اشتباهها بالمذكى، حيث يأتي جواز بيعها على المستحل لها. مضافاً إلى معارضة النهي عن بيع العذرة بالترخيص فيه بنحو قد يقتضي تقديم الثاني إلى غير ذلك مما يمنع من استفادة العموم المذكور من تلك النصوص.

الثاني: الإجماع المشار إليه ففي التذكرة في فصل العوضين من كتاب البيع:" يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية ... ولو باع نجس العين- كالخمر والميتة والخنزير- لم يصح إجماعاً". معتضداً ذلك بدعوى الإجماع من غير واحد على الحرمة في جملة من النجاسات، كالكلب- في الجملة- والخنزير والميتة والدم والخمر والفقاع والسرجين النجس، وبتصريح جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين بالحكم، بنحو يظهر منهم أو من كثير منهم المفروغية عن ذلك.

وفيه: أنه لا مجال للتعويل على دعوى الإجماع المذكورة بعد كون المسألة ذات نصوص وردت في خصوص بعض النجاسات، حيث يحتمل ابتناء الفتوى بالعموم أو دعوى الإجماع عليه من بعضهم على فهمهم منها أن موضوع الحكم هو نجس العين بالوجه الذي عرفت الإشكال فيه، من دون أن يكون إجماعاً تعبدياً.

ولاسيما وأنه يظهر من بعض كلماتهم ابتناء حرمة البيع على حرمة جميع وجوه الانتفاع بالنجس، أو خصوص الانتفاع الظاهر منه. ففي الغنية بعد أن اشترط في المعقود عليه في البيع أن يكون منتفعاً به منفعة مباحة قال:" وقيدنا بكونها مباحة تحفظاً من المنافع المحرمة. ويدخل في ذلك كل نجس لا يمكن تطهيره إلا ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلم ... وهو إجماع الطائفة".

وعن شرح الإرشاد للفخر والتنقيح في بيان حرمة بيع الأعيان النجسة:" إنما يحرم بيعها، لأنها محرمة الانتفاع، وكل محرم الانتفاع لا يصح بيعه. أما الصغرى فإجماعية". وقال شيخنا الأعظم (قدس سره):" وكيف فالمتتبع يقطع بأن اشتراط قابلية

19

الطهارة إنما هو فيما يتوقف الانتفاع المعتد به على طهارته" ... إلى غير ذلك من كلماتهم. حيث لا مجال مع ذلك لاستفادة قيام الإجماع على حرمة بيع النجس تعبداً مع قطع النظر عن حرمة الانتفاع به.

مضافاً إلى أن قدماء الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) لا تعرف فتاواهم إلا من طريق إثبات النصوص ورواياتها، فإذا لم يكن العموم ظاهراً من النصوص كيف يمكن نسبته لهم؟! خصوصاً بعد عدم وضوح شيوع المنافع المحللة للأعيان النجسة في العصور السابقة، بنحو يقتضي الاهتمام بها وتعمد جمعها وحفظها من أجل بيعها، ليمكن الإطلاع على تحريم بيعها من سيرة متوارثة متصلة بعصور المعصومين (عليهم السلام) أو مفروغية كذلك.

فإن مثل التسميد بالعذرة وإن كان أمراً شايعاً، إلا أنه لم يعلم كونه بنحو يقتضي الاهتمام بجمعها ثم بيعها، بل من القريب جداً ضيق عامة الناس بها، واهتمامهم بالتخلص منها، وإن كانت مورداً لانتفاع الزرّاع ونحوهم. حتى قد يبذلون المال للعاملين في الكنف أو لمن يخرجها من المدن من أجل أن يلقوها في مزارعهم.

وبالجملة: لا طريق لإحراز الإجماع التعبدي على عدم جواز بيع الأعيان النجسة بعد قصور النصوص- التي اقتصر قدماء الأصحاب على روايتها- عنه، وعدم وضوح سيرة عليه أو مفروغية عنه متصلتين بعصور المعصومين عليهم الصلاة والسلام.

ومن هنا يتعين التعرض للموارد الخاصة التي هي مورد النصوص، أو قيل بحرمة بيعها والنظر في أدلتها. وهي أمور:

الأول: الخنزير، فإن المعروف بين الأصحاب (رضي الله عنهم) عدم جواز بيعه، كما يظهر مما تقدم عن التذكرة، وفي المبسوط الإجماع على تحريم بيعه وإجارته واقتنائه والانتفاع به. وعن المنتهى إجماع المسلمين على ذلك.

ويشهد به النصوص. ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام):" في‏

20

2 رجل كانت له على رجل دراهم، فباع خمراً أو خنازير وهو ينظر فقضاه. فقال: لا بأس به. أما للمقتضي فحلال، وأما للبايع فحرام" (1)، ونحوه صحيح داود بن سرحان‏ (2). وفي خبر معاوية بن سعيد عن الرضا (عليه السلام):" سألته عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير وعليه دين، هل يبيع خمره وخنازيره ويقضي دينه؟ قال: لا" (3)، ونحوها غيرها.

ومن هنا كان الحكم من الوضوح بحيث لا ينبغي أطالة الكلام فيه، وإنما ينبغي الكلام في أمرين.

أحدهما: أنه قد تضمن الصحيحان المتقدمان جواز أخذ الغير للثمن من البايع وإن حرم على البايع. ومثلهما في ذلك صحيح زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام):" في الرجل يكون لي عليه الدراهم، فيبيع بها خمراً وخنزيراً ثم يقضي منها؟ قال: لا بأس، أو قال: خذها" (4)، وغيره.

وصرح غير واحد باختصاص ذلك بما إذا كان البايع كافراً أو ذمياً، وفي الجواهر:" بلا خلاف معتد به أجده في شي‏ء من ذلك". وعليه حملوا النصوص المتقدمة، تنزيلًا لها على ما هو المعلوم من إقرار الذمي على ما عنده بمقتضى الذمة، كما جرت عليه السيرة القطعية، وتضمنته النصوص أيضاً، كموثق منصور:" قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): لي على رجل ذمي دراهم، فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر، فيحل لي أخذها؟ فقال: إنما لك عليه دراهم، فقضاك دراهمك" (5)، وغيره. أما إذا كان مسلماً فمن المعلوم بطلان المعاملة منه، وأن أثمانها سحت، فكيف تحل لاخذها منه؟!.

لكنه يشكل بأن المراد بإقرار الذمي على ما عنده إن كان هو صحة المعاملة في حقه وحلية الثمن له شرعاً. فهو في غاية المنع، لوضوح أن الذمة لا تقتضي تبدل‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 60 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 28 من أبواب الدين والقرض حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 57 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 60 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3، 1.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 60 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3، 1.

21

أحكام الذمي في نفسه. بل هو لا يناسب قوله (عليه السلام) في صحيح محمد بن مسلم المتقدم:" أما للمقتضي فحلال، وأما للذمي فحرام".

وإن كان المراد به مجرد عدم منعه مما يستحله من المحرمات، فهو لا ينافي بطلان المعاملة في حقه وحرمة الثمن له، وبقاءه على ملك المشتري، كما هو الحال لو كان البايع للخمر والخنزير مسلماً.

وبذلك يظهر أن ما تضمنته النصوص المتقدمة من حلية الثمن لمن يأخذه من البايع واقعاً حتى مع علمه بالحال لا يبتني على قضية إقرار الذمي على ما عنده. بل لا ينبغي الإشكال في ذلك بلحاظ ما هو المعلوم من عموم ذلك لما إذا كان البايع حربياً أو معاهداً، من دون أن تكون له ذمة تقتضي إقراره على ما عنده وحينئذٍ لا بد أن يبتني التحليل المذكور على محض التعبد من أجل التسهيل في حق الآخذ للثمن من البايع. وبذلك يمكن عمومه لما إذ كان البايع مسلماً، ويتعين البناء عليه بعد عموم نصوص المقام له، المستفاد من ترك الاستفصال فيها.

ودعوى: أن المعهود من بيع ذلك في بلاد الإسلام بيع الكافر له دون المسلم، فينصرف إطلاق النصوص عن المسلم.

مدفوعة بأن الانصراف المذكور بدوي لا يعتد به، لما تكرر منّا من أن التعارف لا ينهض بتقييد الإطلاق. ولاسيما مع قرب شيوع بيع المسلمين الخمر، لشيوع شربه بينهم، خصوصاً أهل النفوذ والسلطان الذين لا يبالون بالتجاهر به، وبما يستتبعه من صنع وبيع وشراء وغيرها.

بل ربما كانوا يزاولون بيع الخنزير أيضاً، فإن عدم أكل المسلمين له لا يمنع من صيدهم له واتجارهم به على الكفار، بعد ضعف الوازع الديني عند كثير من الناس، وتسامح السلطة في تطبيق الأحكام الشرعية. وإلا فيصعب جداً حمل إطلاق هذه النصوص الكثيرة على خصوص الذمي أو الكافر من دون إشعار فيها بذلك.

ومثلها دعوى: سقوط هذه النصوص عن الحجية لهجر الأصحاب لها، لم‏

22

سبق من الجواهر. مدفوعة بعدم كفاية ذلك في سقوطها عن الحجية بعد ظهور حال الكليني والشيخ في التهذيب في إقرار مضمونها، وهو المحتمل في غير واحد من قدماء الأصحاب ممن تعرف فتاواهم من النصوص التي يروونها، وبعد إطلاق الشيخ في النهاية الفتوى بذلك، حيث قال في كتاب الديون:" ومن شاهد مديناً له قد باع ما لا يحل تملكه للمسلمين من خمر أو خنزير أو غير ذلك، وأخذ ثمنه، جاز له أن يأخذ منه، فيكون حلالًا له، ويكون ذنب ذلك على من باع".

وبعد قرب عدم ابتناء تقييد من قيد بالكافر على الإعراض عن هذه النصوص وهجرها، بل على الاجتهاد منهم في مفادها وتنزيلها على الكافر، لما تقدم مما عرفت ضعفه. بل كيف يمكن البناء على هجرها مع ظهور عملهم بها في الجملة ولو في حق الكافر. ولا مجال للتفكيك في الهجر والعمل- اللذين يكونان معياراً في حجية الخبر وعدمها- بالإضافة إلى أبعاض مضمون الخبر الواحد.

غاية الأمر أن يدعى تخصيص عمومها- مع حجيته في نفسه- بالإجماع. لكن الظاهر أنه لا مجال لذلك في المقام، لعدم وضوح حصول إجماع تعبدي ينهض بالحجية، وبتخصيص العموم السابق. ولاسيما بملاحظة ما سبق في تقريب عدم هجر النصوص بنحو تسقط عن الحجية. ولعله لذا استشكل في تقييدها بالكافر في محكي الكفاية، ومال إلى العموم في محكي الحدائق.

ثم إنه بعد أن كان الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار فيه على مورد النصوص، وهو بيع الخمر والخنزير، وعدم التعدي لجميع موارد البيع الباطل والمكاسب المحرمة، كما هو مقتضى إطلاق ما سبق من النهاية، لعدم الشاهد على العموم من النصوص وعدم الإشارة إليه فيها.

وأما دعوى فهم عدم الخصوصية منها عرفاً، وأن المعيار التسهيل بإمضاء المعاملة المحرمة في حق غير موقعها. فهي وإن كانت قريبة، إلا أنها ليست من الوضوح بحد يسهل معه الخروج عن مقتضى القاعدة.

23

نعم قوله (عليه السلام) في موثق منصور المتقدم:" إنما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك". وارد مورد التعليل لجواز أخذ الدراهم، ولا ينهض بالتعليل إلا بعد المفروغية عن عدم مانعية حرمة المال في حقه من حلّ المال لغيره، وارتكازية التعليل تقضي بعدم خصوصية مورده، وهو بيع الخمر والخنزير. ومن ثم كان التعميم قريباً جداً.

غاية الأمر أن يقتصر في التعدي عن مورد النصوص على ما إذا كان التحريم للمعاملة بنفسها مع قطع النظر عن حق الغير، دون ما إذا كان تحريم المعاملة لمنافاتها لحق الغير، كبيع السرقة والخيانة ونحوهما، لعدم وضوح إلغاء خصوصية ذلك ارتكازاً. فلاحظ.

ثانيهما: قال في النهاية في باب بيع الغرر:" والمجوسي إذا باع ما لا يجوز للمسلم بيعه- من الخمر والخنزير وغير ذلك- ثم أسلم كان له المطالبة بالثمن، وكان حلالًا له. وإذا أسلم وفي ملكه شي‏ء من ذلك لم يجز له بيعه على حال. فإن كان عليه دين جاز أن يتولى بيع ذلك غيره ممن ليس بمسلم ويقضي بذلك دينه ...".

أما الأول- وهو جواز قبضه بعد أن أسلم ثمن البيع الذي أوقعه قبل إسلامه‏

فالظاهر عدم الإشكال فيه، لبنائهم عملًا على أن الإسلام لا يمنع من ترتيب آثار صحة المعاملات الحاصلة قبله مما هو صحيح عند الكفار.

مضافاً إلى صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام):" سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خنزيراً أو خمراً إلى أجل مسمى، فأسلما قبل أن يقبض الثمن، هل يحل له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: إنما له الثمن، فلا بأس أن يأخذه" (1)، وما يأتي في حديث يونس.

وأما الثاني- وهو وفاء دينه من ثمن الخمر والخنزير اللذين كانا عنده قبل الإسلام- فكأنه اعتمد فيه على حديث إسماعيل بن مرار- الذي تقدم عند الكلام في تحديد أقل الحيض قبول حديثه- عن يونس:" في مجوسي باع خمراً أو خنازير إلى أجل‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 61 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

24

مسمى، ثم أسلم قبل أن يحل المال. قال: له دراهمه. وقال: إن أسلم رجل وله خمر وخنازير، ثم مات وهي في ملكه، وعليه دين. قال: يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم خمره وخنازيره، ويقضي دينه. وليس له أن يبعه وهو حي، ولا يمسكه" (1).

لكنه يشكل: أولًا: بأن يونس لم يسند الحديث للإمام، بل ظاهر إسماعيل أنه فتوى من يونس نفسه، فاللازم البناء على ظاهره. ولاسيما مع قرب كون يونس ممن يرجع إليه في الأحكام. ودعوى: أن ذلك خلاف ظاهر حال الكليني والشيخ، لإثباتها الحديث في الكافي والتهذيب المعدين لروايات الأئمة (عليهم السلام). ولاسيما بعد ظهور اعتماد الشيخ عليه في الفتوى المذكورة. مدفوعة بإمكان غفلتهما عن ذلك. بل ربما يثبت الكليني كلاماً يصرح به بأنه ليونس، فلا مجال للخروج عن ظاهر كلام إسماعيل.

نعم يتجه ذلك في المضمرات، حيث يصرح الراوي بأنه قد سأل غيره من دون أن يصرح بأنه الإمام، فإن ظهور الحال حينئذٍ صالح لحمله على الإمام، لعدم ظهور كلامي معارض له. ولاسيما إذا كان السائل من ذوي المقام الرفيع، بحيث ليس من شأنه أن يستفتي غير الإمام.

وثانياً: بأن الحديث إنما تضمن بيع الخمر والخنزير من قبل الكافر، وهو في ذلك غير وكيل عن المسلم المدين، لفرض وفاته، فلا ينتسب البيع للمسلم ليكون محرماً عليه. غايته أنه يبتني على قيامه مقامه. لكونه دائناً له أو ولياً عنه، وهو أمر يراه حلالًا في دينه وإن كان محرماً في ديننا. وحينئذٍ إذا حصل البيع منه كان وفاء دين الميت بالثمن من فروع المسألة السابقة التي سبق عدم الإشكال فيها إذا كان المتولي للبيع كافراً.

ومنه يظهر الحال في الفرع المتقدم من النهاية الذي يظهر منه فرض حياة المدين المسلم. فإنه إن كان المراد به صورة ما إذا كان الكافر المتولي للبيع وكيلًا عن المدين المسلم، بحيث ينسب البيع له. فمقتضى القاعدة حرمة البيع وعدم تملك المدين الثمن،

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 57 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2.

25

ليحل له وفاء دينه به. والحديث المتقدم لا ينهض بتحليل المال وتحقق الوفاء، لما سبق من الإشكال فيه. بل مقتضى قوله فيه:" وليس له أن يبيعه وهو حي" هو التحريم، لأن مقتضى إطلاقه العموم لما إذا باعه بتوسط وكيله.

وإن كان المراد به صورة ما إذا لم يكن وكيلًا عن المدين، بل كان متبرعاً بالبيع بدلًا عنه، لأنه يرى جوازه، فالحديث المتقدم يقتضي جواز ذلك، كما أنه مقتضى ما تقدم في المسألة السابقة.

اللهم إلا أن يقال: المتبرع بالبيع وإن كان يرى صحة المعاملة ذاتاً، إلا أنه لا يرى صحتها ونفوذها فعلًا إلا بإجازة المالك، والمفروض أن المالك مسلم لا يصح منه الإجازة. وبذلك لا يدخل في المسألة السابقة. كما لا ينهض به الحديث المتقدم، لأنه وارد في فرض موت المالك المسلم، حيث يرى الولي والدائن أن من حقهما البيع من أجل وفاء الدين من دون حاجة إلى إجازة أحد.

نعم لو استقل المتبرع ببيع الخمر والخنزير، بعد تملكه لهما لإعراض المسلم عنهما، دخل في المسألة السابقة. لكن لا يبعد خروجه عن مفروض كلام الشيخ المتقدم.

الثاني: الكلب. ولا إشكال في عدم جواز بيعه في الجملة، وفي الجواهر:" بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه". وفي الخلاف وظاهر التذكرة وعن المنتهى والتحرير الإجماع عليه. والنصوص به مستفيضة، كمعتبر أبي بصير:" سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد. قال: لا بأس بثمنه، والآخر لا يحل ثمنه" (1). وفي كثير منها أنه من السحت، كموثق محمد بن مسلم وعبد الرحمن بن أبي عبدالله أو صحيحهما عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قال: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت" (2)، وموثق السكوني عنه (عليه السلام):" قال السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ..." (3)، وغيرهما مما يأتي بعضه.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5.

26

هذا والمعروف جواز بيع بعض أنواع الكلب. خلافاً لما عن العماني من إطلاق المنع منه. وهو محجوج باستفاضة نقل الإجماع والنصوص على الجواز في الجملة.

إذا عرفت هذا فالظاهر جواز بيع كلب الصيد، كما صرح به الأصحاب، وفي الجواهر:" بلا خلاف معتد به، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر". ويشهد به النصوص المستفيضة، كحديث أبي بصير ومحمد بن مسلم وعبد الرحمن المتقدمين ومعتبر أبي بصير الآخر عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث:" أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: ثمن الخمر ومهر البغي وثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت" (1)، وغيرها.

ومقتضى إطلاق النص والفتوى العموم لغير السلوقي من الكلاب المعلمة، خلافاً لما في المقنعة وموضع من النهاية، فاقتصر على الكلب السلوقي للصيد. وكأنه لانصراف الإطلاق له، لغلبة الصيد به.

لكنها لا تنهض بتقييد الإطلاق، كما ذكرناه غير مرة، خصوصاً في مثل المقام مما كان العنوان المأخوذ فيه مناسباً للحكم- لوضوح أن الصيد لما كان من المنافع المهمة كان مناسباً لتحليل البيع- حيث يناسب ذلك تبعية الحكم للعنوان من دون فرق بين خصوصيات الذات الأخرى. ولاسيما ما تضمن من النصوص قصر الحكم بعدم حلّ البيع على الذي لا يصيد أو الذي لا يصطاد، لقوة ظهوره في دخل الفعل في الحكم، وليس هو ككلب الصيد قد يراد الإشارة به للنوع المعهود، وإن كان مخالفاً للظاهر أيضاً.

وأشكل من ذلك ما في المراسم من الاقتصار على الكلب السلوقي بنحو يظهر منه إرادة النوع الخاص وإن لم يكن معلماً. إذ فيه: أنه لا يناسب النصوص المتقدمة الظاهرة في إرادة خصوص المعلم الذي يصيد.

ومثله ما عن الإسكافي من تحريم بيع الأسود البهيم، فإن مقتضى إطلاقه‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 7.

27

العموم لما إذا كان كلب صيد معلم. إلا أن يبتني على ما حكي عنه من تحريم صيده، لموثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام):" قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الكلب الأسود البهيم لا تأكل صيده، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أمر بقتله" (1)، بدعوى: انصراف كلب الصيد للكلب الذي يشرع صيده، لأن المناسبات الارتكازية قاضية بابتناء حلّ البيع على مراعاة فائدة الصيد والاهتمام بها، فمع إلغائها في بعض الكلاب، لعدم ترتب فائدتها شرعاً يتعين قصور حل البيع عنه. ولاسيما مع التعليل في دليل إلغائها بما يناسب إهمال المالية، وهو أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقتل الكلب المذكور. ومن ثم كان ما ذكره متيناً.

إلا أن يقال بجواز الصيد بالكلب المذكور، مع حمل الموثق على الكراهة، كما هو المعروف. حيث يتجه حينئذٍ العمل بإطلاق حل بيع كلب الصيد، لعدم منافاة الكراهة له. والكلام في ذلك موكول إلى محله من مبحث الصيد.

هذا وقد ألحق ابن الجنيد والشيخ في بعض كلماته وجماعة ممن تأخر عنه بكلب الصيد في حلّ البيع كلب الماشية والزرع، أو كلب الماشية والحائط، أو الكلاب الثلاثة. بل ربما يعمم الجواز لكل كلب حارس وإن كان حارساً للدور والخيام ونحوها.

وقد يستدل على ذلك: تارة: بما أرسله في المبسوط، فإنه بعد أن ذكر جواز بيع الكلب المعلم للصيد قال:" وروي أن كلب الماشية والحائط كذلك" (2). وأخرى: بأن تقدير الدية له شرعاً يدل على مقابلته بالمال. وثالثة: بأن المقتضي لحلّ بيع كلب الصيد- وهو المنفعة المحللة- موجود في هذه الكلاب، فتكون مثله في الحلّ. ورابعة: بأنه يجوز أجارتها، فيجوز بيعها، لعدم الفارق.

والكل كما ترى. لاندفاع الأول بأن ضعف الحديث- بلحاظ إرساله- مانع من التعويل عليه. ودعوى: انجباره بعمل الأصحاب، لشهرة القول بجواز بيع هذه‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 10 من أبواب الصيد حديث: 2.

(2) المبسوط فصل ما يصح بيعه وما لا يصح ج: 2 ص: 166 الطبعة الثانية، ووسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب ما يكتسب به حديث: 9.

28

الكلاب، خصوصاً بين المتأخرين. ممنوعة، لعدم وضوح اعتمادهم عليه، بل لعلهم اعتمدوا على بعض الوجوه الأخرى المتقدمة أو غيرها. ولاسيما مع ظهور اضطرابهم في حكم هذه الكلاب. ومن هنا لا مجال للبناء على حجية المرسل المذكور.

خصوصاً مع مخالفته للنصوص الكثيرة الحاصرة لحلّ البيع بكلب الصيد، فإن الاقتصار فيها على الصيد مع شيوع الانتفاع بالكلب في الحراسة- حتى كان الصيد والحراسة المنفعتين الظاهرتين للكلب- كالصريح في عدم الاعتداد بالانتفاع المذكور في حلّ البيع. بل لعلّ قوله (عليه السلام) في معتبر أبي بصير المتقدم:" والآخر لا يحل ثمنه" مسوق لبيان ذلك.

ومنه يظهر وهن ما قد يدعى من أن ذكر كلب الصيد في النصوص لمجرد التمثيل، وأن المراد الإشارة إلى ما ينتفع به منفعة محللة. إذ فيه: أن إلغاء خصوصية الصيد مع تأكيد النصوص على ذكره وإهمال غيره بعيد جداً.

كما يندفع الثاني بأن ثبوت الدية لا يستلزم جواز البيع، بل لا يستلزم ثبوت المالية شرعاً، وإنما يدل على احترام الكلاب المذكورة، وهو أعم من جواز البيع.

وأما الثالث فهو راجع للقياس المعلوم عدم حجيته، خصوصاً في مقابل النص. على أن مقتضاه عموم الحلّ لكل ذي منفعة محللة من الكلاب، سواءً كانت معروفة سابقاً أم مستحدثة كالاستخدام، ولا يظن بأحد البناء على ذلك، بل هو مما تأباه كلماتهم.

ومثله ما قد يدعى من أن ثبوت المنفعة المحللة لهذه الكلاب يقتضي جواز بيعها بلا حاجة للقياس. لاندفاعه بأن اقتضاءه لذلك إنما هو بلحاظ عموم نفوذ البيع، الذي يلزم رفع اليد عنه بالنصوص المتقدمة المانعة.

ويندفع الرابع بأن جواز إجارتها- لملكية منفعتها تبعاً لملكيتها- لا ينافي المنع من بيعها للنصوص المتقدمة.

وبعبارة أخرى: لا ريب في أن مقتضى القاعدة الأولية جواز بيع هذه الكلاب،

29

لوجود المنفعة المحللة لها، إلا أن النصوص المتقدمة وافية بالخروج عن القاعدة المذكورة. ولا مجال للخروج عن هذه النصوص بالوجوه المتقدمة أو غيرها، وإن أتعب صاحب الجواهر نفسه في محاولة لذلك بما لا يرجع إلى محصل ظاهر يمكن الركون إليه في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي.

بل يصعب جداً حمل إطلاقات المنع عن بيع الكلب على ما عدا الكلاب الأربعة التي هي ذات المنافع الظاهرة في عصر صدور النصوص، إذ هو حمل الفرد النادر الذي لا تناسبه طبيعة البيع، لأن البيع طبعاً إنما يكون من أجل منفعة معتد بها. ومن ثم كان اللازم الاقتصار في الجواز على كلب الصيد الذي هو مورد النصوص المستفيضة، والذي هو غير شايع في الكلاب، فيسهل استثناؤه من عموم المنع. فلاحظ.

الثالث: الميتة. ولا يجوز بيعها بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، وعن غير واحد دعوى الإجماع عليه. بل في رهن الخلاف ما يظهر منه الإجماع على عدم ملكيتها. وإن كان هو غير ظاهر، كما يأتي في تتمة هذه المسألة.

وكيف كان فيدل عدم جواز بيعها- مضافاً إلى الإجماع المذكور- النصوص الكثيرة. منها: ما تضمن أن ثمنها سحت، كموثق السكوني المتقدم في الكلب، وما ورد في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام)- (1)، ومرسل الفقيه‏ (2).

ومنها: ما تضمن النهي عن بيعها. مثل ما عن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام):" قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم تقطع من إلياتها وهي أحياء، أيصلح له أن ينتفع بما يقطع؟ قال: نعم يذيبها، ويسرج بها، ولا يأكلها ولا يبيعها" (3)، ونحوه خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)- (4)، وصحيحه عنه (عليه السلام):" سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها، أيصلح له بيع جلودها ودباغه‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 9، 8.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 9، 8.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب ما يكتسب به حديث: 6.

(4) راجع قرب الإسناد ص: 115 وقد أشار إليه في الوسائل في ذيل حديث البزنطي.

30

ويلبسها؟ قال: لا. ولو لبسها فلا يصلي فيها" (1)، وغيرها.

مضافاً إلى النصوص الآتية في الميتة المختلطة بالمذكى المشعرة أو الظاهرة بعدم جواز بيع الميتة ممن لا يستحلها.

بل بناءً على عدم جواز الانتفاع بالميتة أو بمطلق النجس يتعين عدم جواز بيعها، لما يأتي في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى. لكن الظاهر ضعف المبنى المذكور، كما يأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى.

هذا وقد يشكل عدم نهوض الإجماع المتقدم بالاستدلال. لاحتمال ابتنائه على الإجماع المتقدم على عموم حرمة بيع النجس، أو على البناء على حرمة الانتفاع به، أو بخصوص الميتة، أو على عدم تملك نجس العين أو الميتة، كما يناسبه ما تقدم من الخلاف. وقد عرفت المنع من الأول، ويأتي في المسألة الخامسة المنع من الثاني، وأشرنا قريباً إلى ضعف الثالث. ويأتي التعرض لوجهه في تتمة هذه المسألة إن شاء الله تعالى. فالعمدة النصوص المتقدمة الوافية بإثبات الحكم دلالة وسنداً.

نعم في خبر أبي القاسم الصيقل وولده:" كتبوا إلى الرجل: جعلنا الله فداك، إنا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها، ونحن مضطرون إليها، وإنما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدنا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا؟ ... فكتب: اجعل ثوباً للصلاة" (2) فإن الاقتصار في الجواب على تخصيص الصلاة بثوب ظاهر في إقرار ما تضمنه السؤال من البيع والشراء وغيرها.

لكنه- مع الإشكال في سنده، لعدم النص على وثاقة أبي القاسم الصيقل ولا ولده- قد يستشكل في الاستدلال به بأنه يدل على جواز كون الميتة من شؤون المبيع- لكونها غلافاً لغمده أو لمقبضه- فهي جزء من المبيع غير معتد به، أو تابع له بنحو

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 34 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 6.

(2) وسائل الشيعة ج: 2 باب: 38 من أبواب ما يكتسب به حديث: 4.

31

الشرط، ولا يدل على جواز بيعها مستقلًا.

وقد دفع بعض مشايخنا (قدس سره) ذلك بأنه مبني على رجوع الضمائر في قوله:" عملها وشراؤها ..." إلى السيوف، وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر رجوعها إلى الجلود، إذ لا وجه لأن يشتري السياف سيوفاً من غيره، ولا للسؤال عن حكم مسها وعملها. كما أن من البعيد جداً، بل المستحيل عادة الحصول على الكميات التي تكفيهم من الجلود من دون شراء. مع أنه لا مجال للبناء على أن الغلاف هو التابع دائماً، إذ ربما تكون قيمته أكثر من قيمة السيف، فيكون السيف هو التابع.

وفيه: أن التمهيد للسؤال بقوله:" إنا قوم نعمل السيوف" موجب لقوة ظهور كون مرجع الضمائر المذكورة هو السيوف، لا الجلود المذكورة بعد ذلك تبعاً. وقوله:" إنا قوم نعمل السيوف ..." لا يراد به أنهم سيافون يصنعون السيوف بتصيير الحديد سيوفاً، بل يعملون في السيوف حتى يجعلوها صالحة للاستعمال ومهيأة له بشحذها وجعل المقبض والغمد لها، كما يناسبه بقية فقرات السؤال، وأنهم صياقلة، والصيقل هو الذي يشحذ السيوف ويجلوها ويصقلها، لا الذي يصنعها من الحديد.

وحينئذٍ لا مانع من كونهم يشترون السيوف من أجل أن يعملوا فيها حتى يجعلوها مهيأة للاستعمال وصالحة له، كما يتجه منهم حينئذٍ السؤال عن شراؤها. وكذا السؤال عن مسها، حيث يراد به حينئذٍ مسها مع مصاحبتها للميتة أو ملاقاتها لها، كما تقتضيه طبيعة العمل المذكور.

ودعوى: أنه لا منشأ للإشكال في شراء السيوف ليسأل عنه. مدفوعة بأن المستفاد من مساق السؤال أن السؤال في الحقيقة إنما هو عن الصلاة في ثياب العمل، والتفصيل المذكور في السؤال ليس لكون الخصوصيات المذكورة فيه مورداً للإشكال، بل لمجرد التمهيد لما هو مورد الغرض الحقيقي، كما يصدر كثيراً من العوام في عرض مشاكلهم، أو لكون السؤال منقولًا بالمعنى. ويناسب أحد الأمرين الاقتصار في الجواب على حكم الصلاة، وما في رواية القاسم الصيقل:" كتبت إلى الرضا (عليه السلام) إني‏

32

أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأصلي فيها. فكتب: اتخذ ثوباً لصلاتك ..." (1)، حيث يقرب جداً اتحاد المكاتبة في الروايتين.

وأما ما ذكره من أن من المستحيل عادة الحصول على الكميات التي تكفيهم من الجلود من دون شراء. ففيه: أن ذلك لا يكفي في صرف السؤال إلى شرائها ورفع اليد عن ظهوره في شراء نفس السيوف. وحينئذٍ ربما كانوا يحلون المشكلة لو توجهوا لها بالمصالحة عن حق الاختصاص الذي يأتي الكلام فيه في المسألة الثانية. على أن السؤال لم يتضمن أن جميع الجلود التي يعملون بها من جلود الميتة.

كما أن ما ذكره من أن الغلاف قد لا يكون هو التابع، لأن قيمته قد تكون أكثر من قيمة السيف، لا يتم إلا إذا كان المراد بالغلاف فيه هو الغمد. وحينئذٍ يندفع بأن الغمد- مع غلبة تبعيته للسيف- ليس بتمامه من جلد الميتة، بل جلد الميتة غلافه لا غير، وهو ملحوظ دائماً بنحو التبعية.

وبالجملة: لا موجب للخروج عما يقتضيه مساق الكلام من رجوع الضمائر للسيوف، بحيث يوجب ظهوره في رجوعها للجلود، ولا أقل من إجمال السؤال من هذه الجهة. ومن ثم لا مجال للخروج به- لو كان حجة في نفسه- عن النصوص المانعة الكثيرة الظاهرة الدلالة المعول عليها عند الأصحاب. ولاسيما مع اعتبار أسانيد بعضها.

بقي في المقام أمران:

أحدهما: إذا اختلط المذكى بالميتة فمقتضى القاعدة جواز بيع المذكى دون الميتة. وحينئذ إن بيع المذكى وحده ودفعت الميتة معه تبعاً، صح البيع. وإن بيعا معاً صح البيع في المذكى دون الميتة، وتبعض الثمن تبعاً لتبعض الصفقة. غاية الأمر أن يثبت خيار تبعض الصفقة.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 2 باب: 49 من أبواب النجاسات حديث: 1.

33

ومجرد وجوب الاجتناب عن المذكى، لمنجزية العلم الإجمالي، أو لأصالة عدم التذكية في كل منهما. لا يمنع من صحة بيعه بعد عدم المانع من بيعه واقعاً، لأن وجوب الاجتناب المذكور ظاهري عقلي لا يخرجه عن المالية، ولا عن كونه ذا منفعة محللة واقعاً.

ودعوى: أن جهالة المبيع تمنع من البيع في المقام. ممنوعة، لعدم مانعية مثل هذه الجهالة على ما يتضح في محله إن شاء الله تعالى.

هذا ولكن قد تضمن بعض النصوص جواز بيعهما معاً ممن يستحل الميتة، كصحيح الحلبي:" سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: إذا اختلط المذكى والميتة باعه ممن يستحل الميتة، وأكل ثمنه" (1)، وصحيحه الآخر عنه (عليه السلام):" أنه سئل عن رجل كان له غنم وبقر، وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة، ثم إن الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع به؟ قال يبيعه ممن يستحل الميتة، ويأكل ثمنه، فإنه لا بأس به" (2). وقريب منه صحيح علي بن جعفر (3). وبذلك أفتى في النهاية والوسيلة ومحكي الجامع والمختلف والكفاية. وعن مجمع البرهان شهرة العمل بالأخبار المذكورة.

لكن في السرائر:" والأولى اطراح هذه الرواية وترك العمل بها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا ...". وعن المختلف الجواب عن ذلك بأنه ليس بيعاً حقيقة، بل هو استنقاذ مال الكافر من يده برضاه.

ويشكل بأن الكافر قد يكون محترم المال. بل المستحل قد لا يكون كافراً كالمخالف الذي يرى ذكاة جلد الميتة بالدبغ أو يخالفنا في بعض شروط التذكية. فالأولى توجيه أخذ المال منه بقاعدة الإلزام. وكيف كان فليس ذلك عملًا بالنصوص، بل هو خروج عن ظهورها في البيع الحقيقي.

ومثله ما في الشرايع والقواعد وعن التحرير من جواز البيع إذا قصد بيع المذكى‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1، 2.

(3) البحار ج: 1 ص: 252، وأشار إليه في الوسائل في ذيل الحديث المتقدم.

34

خاصة، وما ذكره شيخنا الأعظم من جوازه إذا قصد بيع ما لا تحله الحياة، كالشعر والصوف. والى ذلك يرجع قوله في مفتاح الكرامة:" فالخبران لمكان اعتبارهما وعمل جماعة بهما لابد من تأويلهما".

على أن ذلك قد يشكل باستلزام الوجوه المذكورة تسليط المستحل على الميتة مع قصده أكلها، وهو مشكل جداً لو لم يعمل بظاهر النصوص، نظير تقديم الميتة هدية له وهو في مقام أكلها الذي يصعب البناء على جوازه. فتأمل.

والتحقيق أنه لا مجال لطرح النصوص المذكورة ولا تأويلها بعد عدم كون القاعدة المانعة من بيع الميتة عقلية، بل هي قاعدة سمعية تقبل التخصيص، فيتعين تخصيصها بالأخبار المذكورة بعد وضوح مضمونها، واعتبار أسانيدها، وظهور عمل الأصحاب بها، ولا موجب لتأويلها بالوجوه المتقدمة أو غيرها.

نعم قد ينافي ذلك حديثان:

الأول: معتبر الجعفريات عن علي (عليه السلام):" أنه سئل عن شاة مسلوخة وأخرى مذبوحة عمَى على الراعي أو على صاحبها، فلا يدري الذكية من الميتة. قال: ترم بهما جميعاً إلى الكلاب" (1). وهو ظاهر في سقوطهما عن الانتفاع رأساً بحيث لا مجال للحفاظ على ماليتهما.

لكن يمكن الجمع بينه وبين النصوص السابقة بحمله على صورة عدم تيسر البيع ممن يستحل الميتة، لما هو المعلوم من أن وجود المشتري بالنحو المذكور يحتاج إلى كلفة وعناية، فيرجع إلى تعذر أكل المسلم له، الذي تقدم أنه مقتضى العلم الإجمالي. ولو تعذر الجمع المذكور عرفاً، لعدم كفاية ذلك في القرينة عليه، تعين حمله على استحباب تجنبه وعدم الانتفاع به حتى بالبيع على المستحل.

الثاني: معتبر شعيب عن أبي عبدالله (عليه السلام):" في رجل دخل قرية فأصاب بها لحماً لم يدر أذكي هو أم ميت؟ فقال: فاطرحه على النار، فكلّ ما انقبض فهو ذكي، وكلّ م‏

____________

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 7 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

35

انبسط فهو ميت" (1). وقد عمل به في الغنية والوسيلة، وهو ظاهر الكليني في الكافي والشيخ في التهذيب.

وهو صريح في إمكان التمييز، فيعارض نصوص البيع ممن يستحل الميتة الظاهرة في كون ذلك هو الطريق الوحيد للاستفادة من اللحم بعد تعذر استعماله بسب اختلاطه وتعذر تمييزه.

وقد ذكر بعضهم أنهما مختلفان مورداً، فمورد نصوص البيع من المستحل الميت المختلط بالمذكى، الذي هو مورد العلم الإجمالي، ومورد معتبر شعيب اللحم المشتبه الحال من دون أن يكون طرفاً للعلم الإجمالي، فيعمل بكل منهما في مورده.

ويشكل بإلغاء خصوصية مورد شعيب عرفاً، لأن الانقباض إذا كان أمارة على التذكية يخرج بها عن أصالة عدم التذكية فهو أمارة عليها مطلقاً ولو في مورد العلم الإجمالي، كما هو الحال في سائر الأمارات في مورد الشبهة البدوية، كالبينة. ولاسيما في هذه الأمارة التي ينسبق من دليلها أنها من اللوازم الواقعية. على أن مورد معتبر شعيب وإن كان هو الشبهة البدوية، إلا أن لسان الجواب فيه يناسب العموم، كما يظهر بأدنى تأمل فيه.

ومنه يظهر معارضته أيضاً لمعتبر الجعفريات المتقدم. كما لا إشكال في معارضته لجميع ما تضمن عدم ترتيب أثر التذكية على اللحم في جميع موارد الشك في التذكية من دون أمارة عليها (2).

مضافاً إلى أن مضمونه لا يخلو عن غرابة، لوضوح أن أكثر شروط التذكية تعبدية، كالتسمية والاستقبال وإسلام المذكي وقطع الأوداج الأربعة مع عدم‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 37 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 1. إلا أن الموجود فيه إسماعيل بن شعيب، والموجود في الكافي والتهذيب: إسماعيل بن عمر عن شعيب.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 5، 14، 18، 19، 20، 22 من أبواب الصيد، وباب: 13 من أبواب الذبح.

36

استعصاء الحيوان، ومن البعيد دخلها في انقباض اللحم، بل يكاد يقطع بعدمه.

ومن ثم كان من المشكل الذي يرد عمله إلى أهله، أو يقتصر فيه على مورده، وهو اللحم المطروح في القرية الذي لا يعلم حاله، أو يحمل الميت فيه على الميت حتف أنفه لا مطلق غير المذكى.

وكيف كان فلا مجال للخروج به عما يظهر من نصوص البيع من المستحل والنصوص الكثيرة الأخرى المشار إليها آنفاً من تعذر تمييز المذكى من غيره بوجه شرعي.

ثانيهما: ذكر شيخنا الأعظم (قدس سره) أنه يجوز المعاوضة على الميتة من غير ذي النفس السائلة- كميتة السمك- إذا كان لها منفعة محللة معتد بها. قال:" وصرح بما ذكرنا جماعة. والظاهر أنه لا خلاف فيه". وكأنه لأن حرمة بيع الميتة عندهم من صغريات حرمة بيع نجس العين، فلا يشمل ميتة ما لا نفس له، لطهارتها.

لكن سبق المنع من ذلك، فيتعين ابتناء ما ذكره (قدس سره) على قصور أدلة حرمة بيع الميتة عن ميتة غير ذي النفس، كما هو المعلوم في أكثر تلك الأدلة، على ما يظهر بملاحظتها.

نعم قد يشكل فيما تضمن أن ثمن الميتة سحت، ومنه موثق السكوني المتقدم، حيث يخفى وجه الانصراف فيه بعد فرض كونه تعبدياً غير مبني على حرمة بيع النجس، ولذا يقتصر فيه على مورده ولا يتعدى منه لسائر النجاسات. وكذا صحيح الحلبي الأول المتقدم في الميت المختلط بالمذكى، الذي سبق ظهوره أو إشعاره بعدم جواز بيع الميتة. فلاحظ.

الرابع: الخمر بل كل مسكر، فإنه لا يجوز التكسب به بالإجماع المدعى في كلام غير واحد، بل لعله من ضروريات الدين. والنصوص به مستفيضة.

منها: ما تضمن أن ثمنه سحت، كموثق السكوني المتقدم عند الكلام في حرمة بيع الكلب، وصحيح عمار بن مروان عن أبي جعفر (عليه السلام) وفيه:" والسحت أنواع‏

37

كثيرة، منها أجور الفواجر، وثمن الخمر والنبيذ والمسكر ..." (1)، وغيرهما كثير.

ومنها: ما تقدم عند الكلام في تحريم بيع الخنزير.

ومنها: ما تضمن تحريم بيعها أو ثمنها أو لعن بايعها أو نحو ذلك، كصحيح محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) وفيه:" إن الذي حرم شربها حرم ثمنها ..." (2)، وموثق زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام):" قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الخمر وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها ..." (3) ... إلى غير ذلك مما يوجب وضوح الحكم، ويغني عن إطالة الكلام فيه.

وتقدم في بعض النصوص التعميم لغير الخمر من المسكر ومقتضى إطلاقه العموم لما لا يعد للشرب، كالكحول المستعمل للتعقيم وغيره في عصورنا.

ودعوى: انصرافه لما يعد للشرب، نظير النهي عن غرسها وعصرها وسقيها. غير ظاهرة. والقياس على الأمور المذكورة في غير محله.

أولًا: لاختصاص هذه الأمور بالخمر.

وثانياً: لأن المنصرف من تحريم هذه الأمور كونه مقدمياً بلحاظ ترتب الحرام عليها، ولا مجال لذلك في البيع، خصوصاً بعد كون تحريمه وضعياً.

بقي في المقام أمران:

الأول: أن مقتضى حرمة البيع والثمن بطلان البيع وبقاء الثمن على ملك المشتري، فيجب إرجاعه له مع معرفته، ويجري عليه حكم مجهول المالك بدون ذلك.

لكن في صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام):" في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثم باعه. قال: لا يصلح‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 55 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 55 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1، 3.

38

ثمنه ... ثم قال أبو عبدالله (عليه السلام):

إن أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدق بثمنها"

(1) وفي موثق أبي أيوب أو صحيحه عنه (عليه السلام): إن أحب الأشياء إلي أن يتصدق بثمنه" (2) ومقتضاهما جواز التصدق بالثمن مطلقاً ولو مع معرفة البايع وعدم وجوب إرجاعه إليه حينئذٍ.

إلا أنه لا يظهر من الأصحاب (رضي الله عنهم) البناء على ذلك، لعدم تنبيههم له، بل عن مرآة العقول أن المقطوع به من كلامهم وجوب الردّ مع معرفة المالك. وكأنه لاستحكام القاعدة التي أشرنا إليها.

إلا أن الخروج عنها بالحديثين غير عزيز بعد اعتبار سندهما، واحتمال ابتنائهما على نحو من العقوبة للمشتري وإلزامه بما فعل، فإنه قد أخذ الخمر وانتفع بها، فإذا رجع إليه ثمنها كان الرابح محضاً. فإن ذلك وإن لم ينهض دليلًا على الحكم، إلا أن ابتناء الحديثين عليه قريب جداً.

ودعوى: سقوطهما عن الحجية بهجر الأصحاب. غير ظاهرة، لعدم توجه الأصحاب لهذا الحكم ولا للفروع المترتبة على بطلان المعاملة، ليتضح منهم رفضه و الإعراض عن الحديثين. غاية الأمر أنهم لم ينبهوا إلى مخالفته لمقتضى القاعدة، وهو أعم من الإعراض المسقط للحديثين عن الحجية. ولاسيما بعد ظهور الكليني في الاعتماد على الحديثين. كما يحتمل ذلك في جميع القدماء الذين تعرف فتاواهم من طريق روايتهم للنصوص.

ومثلها دعوى: حملهما على صورة الجهل بالمشتري وتعذر الرجوع إليه. فإنها خالية عن الشاهد، ولا تناسب إطلاق الحديثين. فلاحظ.

الثاني: تقدم في مسألة بيع الخنزير أن في بعض النصوص ما يقتضي جواز أخذ الثمن من البايع وإن كان حراماً عليه. وهو جار في بيع الخمر، لاشتراكه مع بيع الخنزير في النصوص المذكورة. فراجع.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 55 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 55 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1، 2.

39

الخامس: الدم. ولا يجوز بيعه بلا خلاف، وعن نهاية الأحكام الإجماع عليه، وفي الجواهر:" بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه". ويقتضيه- مضافاً إلى ذلك، وإلى التنصيص عليه في حديث تحف العقول‏ (1) والرضوي‏ (2)- مرفوع الواسطي قال:" مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصابين، فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم والغدد وآذان الفؤاد ..." (3).

لكن الإجماع لم يثبت بنحو ينهض بالحجية، ومن القريب ابتناؤه على الإجماع المتقدم في نجس العين، أو نحو ذلك مما تقدم عند الكلام في الإجماع على حرمة بيع الميتة. وحديث تحف العقول ضعيف بالإرسال.

نعم في الوسائل:" ورواه المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه كما مر في الخمس غيره". ولعله منشأ ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من حكايته عن غير واحد عن الرسالة المذكورة.

لكن الموجود في الوسائل عن الرسالة المذكورة في أبواب الخمس والأنفال بإسناد أشار إليه أحاديث أخر ليس منها الحديث المذكور، بل ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) أنه ليس في هذه الرسالة من حديث تحف العقول عين ولا أثر، ولم يذكر حتى بمضمونه فيها.

على أن الحديث المذكور مضطرب المتن مشتمل على ما لا يقول به الأصحاب. وربما يستفاد منه- على اضطرابه- أن المعيار في حرمة البيع للدم وغيره حرمة المنفعة الظاهرة منه، فيكون أجنبياً عما نحن فيه من حرمة بيعه تعبداً مطلقاً.

ومثله في ذلك الرضوي. مضافاً إلى الإشكال فيه بضعف السند، بل لم يتضح كونه رواية عن المعصوم، على ما ذكره غير واحد، وأشرنا إليه في غير موضع من هذا الشرح.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

(2) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 2 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 3 من أبواب الأطعمة المحرمة حديث: 2.

40

وأما مرفوع الواسطي فهو ضعيف لا ينهض بالاستدلال. مضافاً إلى ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) وغيره من انصرافه للبيع للأكل، لأنها المنفعة الظاهرة من الدم المعروفة في الجاهلية، حتى حرم الدم من أجل ذلك في القرآن المجيد، كما يناسبه سياقها في المرفوع في عداد مستثنيات الذبيحة المعلوم عدم حرمة بيعها إلا إذا كانت المنفعة الظاهرة لها الأكل.

اللهم إلا أن يقال: من البعيد جداً تعارف أكله في عصر أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد تأكيد تحريمه في الكتاب المجيد، وبعد تحسن الوضع الاقتصادي في عصور الإسلام الأولى، بل من القريب جداً النهي عن بيعه تعبداً ولو لغير الأكل، كإطعام الكلاب والتسميد.

نعم يقصر عن بيعه للتزريق الذي تعارف في عصورنا، لعدم معهوديته في تلك العصور، وعدم كون الصالح منه لذلك مورد ابتلاء القصابين.

فالعمدة في وهن الحديث ما ذكرناه أولًا من ضعفه. ودعوى: انجباره بعمل الأصحاب. غير ظاهرة، إذ لم يورده من أهل الحديث إلا الكليني (قدس سره) في جملة نصوص محرمات الذبيحة، ولا يظهر منه تعويله عليه في حرمة البيع. وأما أهل الفتوى فالمعروف بينهم عموم حرمة بيع الأعيان النجسة ودخول الدم في ذلك، ولا طريق لإحراز تعويلهم على الحديث المذكور.

هذا وقد قرب شيخنا الأعظم (قدس سره) قصور الحرمة عن بيع الدم الطاهر إذا كانت له منفعة محللة مقصودة كالصبغ. وهو متجه بناءً على ابتناء أدلة حرمة بيع الدم على عموم حرمة بيع النجس، وأنه من صغرياته. لكن سبق المنع من العموم المذكور، وأنه يتعين الاقتصار على موارد النصوص لو نهضت بالحجية، وحيث كانت مطلقة فلابد في الاقتصار على النجس من دليل، وهو مفقود. فيتعين البناء على عدم الفرق بين الطاهر والنجس في حرمة البيع أو جوازه.

السادس: العذرة. ولا يجوز بيعها على المشهور، بل عن غير واحد نقل الإجماع‏

41

عليه، أو على حرمة بيع مطلق السرجين النجس، وفي الجواهر:" بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه". ويقتضيه- مضافاً إلى ذلك- خبر يعقوب ابن شعيب عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قال: ثمن العذرة من السحت" (1)، ومرسل دعائم الإسلام عنه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام):" إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) نهى عن بيع الأحرار ... وعن بيع العذرة. وقال: هي ميتة" (2).

لكن الإجماع يجري فيه ما سبق في الإجماع على بيع حرمة بيع الميتة. والخبران- مع ضعفهما- معارضان بمعتبر محمد بن مضارب عنه (عليه السلام):" لا بأس ببيع العذرة" (3).

هذا وقد جمع الشيخ (قدس سره) بين خبر يعقوب ومعتبر محمد بن مضارب بحمل الأول على عذرة الإنسان والثاني على عذرة غيره، كما في الاستبصار، أو على خصوص فضلة البهائم التي يحل أكلها، كما في التهذيب، وربما رجع الأول للثاني، كما يناسبه ما في المبسوط والخلاف من المنع من بيع السرجين النجس.

وكيف كان فالجمع المذكور تبرعي لا شاهد عليه. بل لو أريد حمل معتبر محمد بن مضارب على خصوص فضلة البهائم التي يحل أكلها، فهو مخالف للظاهر جداً، لعدم معهودية إطلاق العذرة على ذلك بل يطلق عليه السرجين أو الروث أو نحوهما.

وقد استشهد الشيخ على الجمع المذكور بموثق سماعة:" سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) وأنا حاضر. فقال: إني رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها وثمنها. وقال:

لا بأس ببيع العذرة"

(4) قال في التهذيب:" فلولا أن المراد بقوله: حرام بيعها وثمنها ما ذكرناه لكان قوله بعد ذلك: ولا بأس ببيع العذرة مناقضاً له، وذلك منفي عن أقوالهم (عليهم السلام)، ونحوه في الاستبصار.

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 40 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

(2) مستدرك الوسائل ج: 2 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 5.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 40 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3، 2.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 40 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3، 2.

42

لكنه كما ترى، فإن الموثق المذكور إن كان حديثاً واحداً فكما لا يمكن التناقض فيه لا يمكن التناقض بين خبر يعقوب ومعتبر محمد، لاستحالة تناقض أحكامهم (عليهم السلام)، إلا أن ذلك لا يقتضي الجمع بالوجه المذكور، بل غاية ما يلزم وجود مبرر لهذا التدافع من دون أن ينهض بتعيينه وشرحه.

على أن من القريب أنه حديثان في مناسبتين، كما يناسبه توسط قوله:" وقال" على ما أشرنا إليه غير مرة من هذا الشرح، تبعاً لما نبّه له شيخنا الأستاذ (قدس سره) من أن طريقة أصحاب الكتب إثبات أحاديث الأئمة (عليهم السلام) التي يسمعونها تدريجاً، ويفصلون بينها بمثل: (قال).

ويؤكد ذلك في المقام أمران:

أحدهما: إضافة البيع للاسم الظاهر، ولو كان في سياق جواب السؤال الأول لكان المناسب إضافته للضمير.

ثانيهما: أن من البعيد جداً اكتفاء السائل بجواب متضارب متدافع من دون طلب استيضاح الحال.

وحينئذٍ يجري على التنافي بين هذين الحديثين ما يجري على التنافي بين خبر شعيب ومعتبر محمد، من دون أن يصلحا لبيان مبرر التدافع، ووجه الجمع بينهما.

بل الإنصاف أن الموثق لا يناسب الجمع المتقدم من الشيخ (قدس سره)، لظهور حال سماعة في وحدة المراد بالعذرة في الكلامين، وإلا كان المناسب منه جداً التنبيه لاختلاف المراد ورفع الإشكال من هذه الجهة. بل كأن قوله:" وأنا حاضر" لتأكيد التدافع بين الكلامين، ودفع توهم أن صدر الحديث لم يسمعه بنفسه، بل نقله غيره له، وأخطأ في نقله وصحفه.

ومثل ذلك في الضعف ما عن المجلسي من حمل خبر المنع على بلاد لا ينتفع فيها بالعذرة وخبر الجواز على بلاد ينتفع بها فيها. إذ فيه- مع أنه جمع تبرعي- أن البلاد التي لا ينتفع فيها بالعذرة ليس من شأنها أن تباع فيها، ليسأل عن ذلك ويمنع منه.

43

وكذا ما عن المامقاني (قدس سره) من حمل رواية الجواز على الاستفهام الاستنكاري. فإنه تحكم لا شاهد له، بل مخالف للظاهر جداً. كما أن ما سبق من ظهور موثق سماعة في التدافع بين الكلامين لا يناسب هذين الوجهين أيضاً.

هذا وربما جمع بين الطائفتين بحمل نصوص المنع على الكراهة، كما عن السبزواري احتماله. وقد استبعده شيخنا الأعظم (قدس سره). ولعله لما في الجواهر من أن لفظ السحت والحرام كالصريح في خلاف الكراهة.

لكنه ليس بحدّ يمنع من الجمع العرفي بذلك بقرينة ما هو نص في الجواز، كما جرى عليه الأصحاب في موارد كثيرة، في أمثال التعابير المذكورة، حملًا لها على المبالغة الشايعة في استعمالات البلغاء.

نعم ظهور موثق سماعة في استحكام التعارض قد لا يناسب ذلك، لظهوره في عدم ظهور الحمل المذكور له ولا للسائل في مقام الحاجة للبيان، بحيث أوجب تحيره وتأكيده على التعارض. ولو كان الجمع المذكور عرفياً ولو في خصوص المقام لم يحسن منه ذلك، بل كان المناسب منه التنبيه له. فتأمل جيداً.

هذا ولو فرض استحكام التعارض في المقام فقد يدعى تقديم دليل الجواز لمخالفته للعامة.

لكن عن المامقاني أن مجرد كون المنع مذهب أكثر العامة لا ينفع مع كون فتوى أبي حنيفة المعاصر للإمام الصادق (عليه السلام) الذي صدرت عنه الروايات هو الجواز. ولعله اعتمد في ذلك على ما في التذكرة من نسبة جواز بيع السرجين النجس لأبي حنيفة، خلافاً لبقية فقهاء العامة.

إلا أنه يشكل بأن ذلك لا يناسب ما في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة من نسبة حرمة بيع العذرة لأبي حنيفة وجميع رؤساء المذاهب الأربعة. على أن حصر المذاهب في هذه الأربعة أمر متأخر. ومجرد معاصرة رؤساء بعضها لعصر صدور الروايات لا يستلزم شيوعه بين العامة في ذلك العصر، ليتعين كونه، معياراً في الترجيح.

44

وحينئذٍ إن تم إجماع العامة على تحريم بيع العذرة أو شهرة القول بينهم بذلك- كما هو غير بعيد- كان الترجيح لرواية الجواز، وإلا تعين سقوط المرجح المذكور، والعمل على عموم نفوذ العقود والتجارة عن تراض، لكونه مرجحاً أو مرجعاً بعد تساقط النصوص بالمعارضة. بل قد يدعى أن الترجيح به مقدم على الترجيح بمخالفة العامة، لما هو الظاهر من تأخر الترجيح بمخالفتهم عن الترجيح بموافقة الكتاب.

نعم ذلك كله إنما يتجه مع بلوغ جميع النصوص المتعارضة مرتبة الحجية. ويظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره) المنع منه، وسقوط ما دل على الجواز عن الحجية. وكأنه لمخالفة المشهور له، بل الإجماع المدعى من غير واحد، بناءً على ما هو الظاهر من وهن الخبر بهجر الأصحاب.

لكنه يشكل بعدم وضوح الهجر المسقط عن الحجية في المقام بعد ظهور حال الشيخ وغيره من أهل الفتوى في الاهتمام بالجمع الدلالي بين روايتي الجواز والمنع. ولعل اهتمامهم بتأويل رواية الجواز والخروج عن ظاهرها دون رواية المنع لتركز عموم حرمة بيع النجس في نفوسهم، لا لاطلاعهم على خلل فيها مسقط لها عن الحجية. بل كيف يمكن دعوى ذلك أو التعويل عليها بعد ظهور حال الكليني في الاعتماد على رواية ابن مضارب، لاقتصاره عليها في الباب المناسب؟!.

وما عن المجلسي في مرآة العقول من ضعف سندها، في غير محله بعد كون محمد بن مضارب من رجال كامل الزيارات، وممن قد روى عنه صفوان بن يحيى ويونس اللذين قيل عنهما أنهما لا يرويان إلا عن ثقة. على أنه يكفي موثق سماعة بناءً على ما سبق من كونه روايتين.

بل ذكر بعض مشايخنا (قدس سره) أنه يتعين سقوط خبر يعقوب المتضمن للمنع بضعف السند، لأن في طريقه محمد بن سكن أو مسكين المجهول. وإن كان الظاهر أنه في غير محله بعد ظهور عمل المشهور به، بناءً على التحقيق من انجبار ضعف السند بذلك. فتأمل.

45

وبالجملة: لا يبعد اعتبار كلتا الطائفتين في نفسها، إلا أنه مع ذلك يتعين البناء على جواز البيع، إما عملًا بنصوصه، لأنها نصّ في الجواز وحمل خبر المنع على الكراهة، أو لترجحها بمخالفة العامة أو بموافقة عمومات النفوذ، وإما لكون العمومات المذكورة هي المرجع بعد سقوط كلتا الطائفتين بالمعارضة.

ثم إنه بناءً على جواز بيع العذرة فلا إشكال في جواز بيع غيرها من فضلة غير مأكول اللحم، لعدم المخرج عن مقتضى عموم النفوذ فيها، بل قد يستفاد من أدلة جواز بيع العذرة بإلغاء خصوصيتها عرفاً.

وأما بناءً على المنع من بيع العذرة فالمنع من بيع فضلة غير مأكول اللحم يبتني على عموم العذرة لها، أو استفادته من أدلة المنع من بيعها بفهم عدم الخصوصية، أو بعدم الفصل، لما قيل من عدم الفرق بين الأرواث النجسة في التحريم، أو من الإجماع المدعى على عدم جواز بيع السرجين النجس، أو مطلق نجس العين. ولعل أقربها الثاني، وإن لم يخل عن إشكال.

السابع: المني. والكلام تارة: في بيعه بعد إراقته خارج الرحم، حيث يتعارف في عصورنا حفظه للتلقيح به صناعياً. وأخرى: في بيعه بعد إراقته في الرحم. وثالثة: في بيعه بنحو بيع الكلي قبل إراقته في الرحم. ورابعة: في إجارة الفحل لتلقيح الأنثى بمائه.

أما الأول فالظاهر ابتناؤه على الكلام في عموم حرمة بيع الأعيان النجسة. وحيث سبق عدم ثبوت العموم المذكور فلا مانع من بيعه.

نعم قبل ظهور الانتفاع به في عصورنا قد يمنع من بيعه، لعدم الانتفاع به منفعة معتداً بها عرفاً، كما قد يظهر من شيخنا الأعظم (قدس سره). ويظهر الكلام في ذلك مما يأتي في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى من الكلام في اعتبار وجود المنفعة المعتد بها في صحة البيع.

وأما الثاني فالكلام فيه مبني على أن الولد نماء الذكر، حيث يرجع ذلك إلى أن الولد يتبع مني الذكر، كالزرع التابع للبذر، فإذا بقي على ملك صاحب الحيوان كان‏

46

الولد له، إذ حينئذٍ يتجه الكلام في صحة بيعه ليصير الولد للمشتري.

ومقتضى العمومات المتقدمة صحة البيع. ودعوى: أن نجاسته تمنع من صحة بيعه. ممنوعة، كما تكرر غير مرة. مضافاً إلى الإشكال في نجاسته إذا خرج من الباطن إلى الباطن.

ومثلها دعوى عدم القدرة على تسليمه. لاندفاعها بأنه يتحقق تسليمه باستلام الأنثى التي أريق المني فيها. واعتبار القدرة على تسليمه منفصلًا عنها يحتاج إلى دليل.

نعم قد يستشكل فيه بأن المني بعد دفقه وإراقته في الأنثى يعتبر تالفاً عرفاً، ولا وجود له يعتد به، ليكون طرفاً في البيع، وليس هو كالبذر يبقى مدة من الزمن له وجود عرفي معتد به صالح للمعاوضة. وأما ما يتحقق به اللقاح فهو جزء منه صغير جداً لا يعتد به عرفاً، وإنما يعتد بأثره الذي يتحول إليه، وهو الولد.

وبالجملة: ليس للمني بعد إراقته قبل التحول للولد وجود عرفي صالح لأن يكون موضوعاً للبيع.

وأما بعد التحول للولد فلا إشكال في أن للولد وجود عرفي صالح للبيع والمعاوضة. إلا أنه يخرج عن محل الكلام من بيع المني، ويكون بيعاً للجنين الذي لا مانع منه، إلا ما ورد من النهي عن بيع الملاقيح‏ (1)، بناءً على تفسيرها بذلك، كما قد يظهر من بعض كلمات اللغويين. وهو غير صالح للمنع لو تم التفسير المذكور، لعدم روايته من طرقنا.

هذا كله مع أن المبنى المذكور في غير محله، لما هو المعلوم من سيرة العقلاء والمتشرعة الارتكازية من أن الولد تابع للأنثى ونمائها، وليس المني إلا كالشرط في الاستنماء، كالماء للزرع. وحينئذٍ لا أثر لبيعه وملكيته بعد إراقته في رحم الأنثى، حيث يكون الولد لمالك الأنثى على كل حال، ملك المني أو لم يملكه. وغاية ما يمكن حينئذٍ ضمان قيمة المني أو قيمة الانتفاع بالفحل على من استغله بغير إذن صاحبه، أو بإذنه‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 2.

47

بشرط العوض.

وأما الثالث- الذي لا يبعد كونه المراد ببيع عسيب الفحل- فمقتضى العمومات المتقدمة جوازه. ومجرد كون الولد نماء للأنثى لا ينافي مالية المني والاهتمام بتحصيله بلحاظ الانتفاع به لكونه شرطاً في الاستنماء، نظير الماء للزرع، فكما يصح شراء الماء لسقي الزرع قبل سقيه يصح شراء المني لتلقيح الأنثى به.

لكن في التذكرة:" مسألة: يحرم بيع عسيب الفحل، وهو نطفته، لأنه غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور عليه. ولا نعلم فيه خلافاً. لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) نهى عنه".

ويندفع بالمنع من عدم تقومه، فإن أهمية منفعته تستلزم تنافس الناس فيه الذي هو المعيار في ماليته وتقومه. على أن اعتبار التقوم والمالية في المبيع محل كلام يأتي في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى.

وأما عدم العلم به، فأن أريد به عدم العلم بوجوده فهو ممنوع، لأمكان العلم به من حال الحيوان. بل لا إشكال فيه لو أريد به ما لا ينتسب لحيوان خاص، بل للكلي. وإن أريد به عدم العلم بمقداره بكيل ولا وزن. فهو لا يقدح في صحة البيع في مثل ذلك مما ليس من شأنه التقدير بالكيل والوزن، لاختلاف الأشياء في كيفية التقدير، ويكفي التقدير في المقام بإراقة المني الحاصل باتصال الحيوانيين مرة أو مرتين أو أكثر.

وأما عدم القدرة عليه فهو ممنوع، لعين ما تقدم عند الكلام في عدم العلم بوجوده. كما أن عدم الخلاف لا يبلغ حدّ الإجماع الحجة.

فلم يبق في المقام إلا النهي عنه فقد ورد النهي عن ثمن- اللقاح بماء الفحل- وعن عسيب الفحل أو الدابة- المفسر بذلك أيضاً- في غير واحد من النصوص من طرقنا (1)، ومنها معتبر الجعفريات عن علي (عليه السلام):" قال: من السحت ثمن الميتة

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 13، 14، وباب: 12 منها حديث: 3. ومستدرك الوسائل ج: 13 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1. وباب: 10 منها حديث: 1، 2.

48

وثمن اللقاح ... وعسيب الفحل، ولا بأس أن يهدى له العلف" (1). وكذا من طرق العامة (2).

لكن لم يتضح كون موضوع النهي هو بيع المني قبل إراقته الذي هو محل الكلام، أو إجارة الفحل للتلقيح الذي ذكرناه في الوجه الرابع، بل لعل الإطلاق ينصرف للثاني، الذي لا يبعد تعارفه، وبه فسر في بعض كلماتهم.

نعم لا يبعد فهم حكم أحدهما من الآخر تبعاً، لغفلة العرف عن التفريق بينهما، فلو اختلفا حكماً كان المناسب عند النهي عن أحدهما التنبيه لِحلّ الآخر، ليعمل الناس به لسدّ حاجتهم. بل مقتضى الاقتصار في معتبر الجعفريات على التنبيه للترخيص في إهداء العلف عموم النهي لكل معاوضة ملزمة في ذلك.

وكيف كان ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (عليه السلام):" قلت له: أجر التيوس. قال:

إن كانت العرب لتعاير به. ولا بأس‏

" (3)، وفي معتبر حنان بن سدير:" دخلنا على أبي عبدالله (عليه السلام) ومعنا فرقد الحجام ... قال:

جعلني الله فداك إن لي تيساً أكريه فما تقول في كسبه؟ فقال: كل كسبه، فإنه لك حلال، والناس يكرهونه. قال حنان: قلت: لأي شي‏ء يكرهونه وهو حلال؟ قال: لتعيير الناس بعضهم بعضاً"

(4).

ولأجلهما يتعين تنزيل النصوص السابقة على التقية أو الكراهة بالعنوان الأولي، أو للعنوان الثانوي، تنزيهاً للمؤمنين عما يترفع عنه أهل المروءات، ويكون منشأ لتعييرهم والتهريج عليهم، الذي هو يختلف باختلاف الأعراف والأزمنة.

ومورد هذين الحديثين وإن كان هو الكراء- الذي هو الوجه الرابع- دون بيع المني، إلا أنه سبق عدم الفرق بينهما. ولا أقل من إجمال نصوص النهي المانع من‏

____________

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 5 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1.

(2) مسند أحمد ج: 2 ص: 415، سنن الدارقطني ج: 3 ص: 42.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2، 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2، 1.

49

ولا فرق بين أن يكون لها منفعة محللة مقصودة- كالتسميد بالعذرة- أو لا (1). كما لا فرق في الحرمة بين بيعها وشرائها، وجعلها أجرة في الإجارة، وعوضاً عن العمل في الجعالة، ومهراً في النكاح، وعوضاً في الطلاق الخلعي، وغير ذلك من الموارد التي يعتبر فيها المال (2)، لأنها ليست أموالًا شرعاً،

____________

الاستدلال بها على حرمة البيع.

ومن ذلك يظهر الحال في الوجه الرابع، حيث صرح بجوازه في الحديثين المتقدمين.

هذا تمام الكلام في الأعيان النجسة التي يحرم بيعها. وقد ظهر مما سبق أنه لا مخرج في غير ما تقدم عن العمومات المقتضية لصحة البيع.

(1) لإطلاق دليل المنع أو عمومه لو تم. بل سبق أنه لا مجال لحمل النهي في بعض الموارد على خصوص صورة عدم وجود المنفعة المحللة. فراجع ما سبق في حرمة بيع الدم، وحرمة بيع العذرة لو تم.

نعم قد يجعل الفرق المذكور في الجملة معياراً فيما لم يثبت حرمة بيعه تعبداً، على ما يأتي الكلام فيه في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى.

(2) الظاهر مفروغيتهم عن ذلك، كما يظهر بملاحظة كلماتهم في بعض الفروع كالمهر والرهن وغيرها. والوجه فيه: أن النهي المتقدم وإن كان مختصاً أو منصرفاً للبيع أو للثمن الذي هو من شؤون البيع، إلا أن المناسبات الارتكازية قاضية بابتنائه على عدم احترام هذه الأمور شرعاً، والردع عن ترتيب أحكام المال عليها.

ويؤيد ذلك أو يدل عليه موثق طلحة بن زيد عن أبي عبدالله (عليه السلام):" سألته عن رجلين من أهل الذمة أو من أهل الحرب تزوج كل واحد منهم امرأة، ومهرها خمراً وخنازير، ثم أسلما. قال: ذلك النكاح جائز حلال لا يحرم من قبل الخمر والخنازير. وقال: إذا أسلما حرم عليهما أن يدفعا إليه [إليهما] شيئاً من ذلك، يعطياهم‏

50

وإن كانت أموالًا عرفاً (1).

____________

صداقهما" (1)، وفي صحيح عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام) الوارد في نظير ذلك:" قال: ينظر كم قيمة الخنازير وكم قيمة الخمر ويرسل به إليها، ثم يدخل عليها ..." (2). وربما يستفاد من نصوص أخر. وإن كان الأمر أظهر من أن يحتاج لذلك.

(1) ظاهره أن المالية من الأمور الاعتبارية التابعة للجعل والاعتبار ممن بيده ذلك، فتختلف باختلاف من بيده الاعتبار من عرف أو شرع، وأن الشي‏ء قد يكون مالًا عرفاً فيردع الشارع عن ماليته، فلا يكون مالًا شرعاً.

لكنه لا يخلو عن إشكال، بل الظاهر تبعية المالية خارجاً لتنافس عموم الناس- ولو في بعض الأصقاع- في الشي‏ء واهتمامهم بتحصيله، فمعه يكون الشي‏ء مالًا، ولا يمكن سلخ المالية عنه شرعاً، بل ولا عرفاً. وبدونه لا يكون الشي‏ء مالًا، ولا يمكن جعل المالية له شرعاً.

وقد يناسب ذلك ما سبق في حديثي طلحة وعبيد من فرض القيمة للخمر والخنزير، وما ورد من ضمان قاتل الكلب والخنزير (3)، لأن القيمة والضمان من شؤون المالية.

ودعوى: أن المنظور في قيمة الخمر والخنزير هو الجري على ما عند غير المتدينين. مدفوعة بأن المالية وإن كانت مسببة عن تنافس غير المتدينين، إلا أنها ليست تابعة لاعتبارهم، بل هي ثابتة بوجه مطلق. ولذا كان ظاهر النصوص إقرار المالية بفرض القيمة والضمان، لا الردع عنها، بحيث يكون ثبوت البدل تعبدياً، لا بعنوان القيمة والضمان.

كما أن الحكم الشرعي قد يكون سبباً في تنافس عموم الناس في الشي‏ء، فيكون مالًا حتى في حق من لا يعترف بالدين منهم، كاستحباب السجود على‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 3 من أبواب المهور حديث: 1، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 3 من أبواب المهور حديث: 1، 2.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 19 باب: 19 من أبواب ديات النفس، وباب: 26 من أبواب موجبات الضمان.

51

نعم، يستثنى من ذلك العصير العنبي إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه (1)

____________

تربة الحسين (عليه السلام)، واتخاذ السبحة منها. وقد يكون سبباً لعدم تنافسهم فيه، فيسقط عن المالية، كتحريم ما يذبح بوجه غير شرعي، حيث قد يوجب عدم تنافس عامة الناس فيه في المجتمع المتدين، بنحو يسقطه عن المالية حتى في حق من لا يعترف بالدين منهم.

ومن هنا لا مجال لدعوى إسقاط مالية هذه الأمور شرعاً، بل غاية الأمر هو الردع عن احترامها وترتيب أحكام المال عليها، فلا يجتزأ بها في مورد يحتاج فيه له.

(1) لما كان الكلام في ذلك مبنياً على نجاسته وعلى عموم بيع الأعيان النجسة فلابد من فرض الفرق بينه وبين بقية النجاسات. وربما يذكر في وجهه أن المتيقن من دليل حرمة البيع الأعيان النجسة، والعصير المذكور من سنخ المتنجس بسبب الغليان، ويمكن تطهيره بذهاب الثلثين.

وفيه: أن المراد بالأعيان النجسة في عرف الفقهاء والمتشرعة ما تنجس بنفسها، في مقابل المتنجس، وهو الذي تكون نجاسته بملاقاة النجس أو المتنجس ومكتسبة منه. وإلا فلو كان المراد بالأعيان المتنجسة ما تنجس بالذات لا بالعرض لزم خروج الميتة، لظهور استناد نجاستها للموت، الذي هو طارئ على الجسد. وكذا الخمر، لأن التخمير حالة طارئة على المايع لا يوجب تبدل ذاته عرفاً، ولذا ذكرنا في محله أن طهارة الخمر بالتخليل تستند للأدلة الخاصة، ولولاها كان مقتضى الاستصحاب النجاسة، لأن التخليل لا يوجب تبدل الذات بالنحو المانع من جريان الاستصحاب.

ومنه يظهر أنه لا مجال لتوهم أن المنع من بيع الأعيان النجسة إنما هو لسقوطها عن المالية بسبب النجاسة، وذلك لا يشمل مثل العصير الذي يطهر بذهاب الثلثين. لاندفاعه بأن ذلك يجري في الخمر، بلحاظ طهارتها بانقلابها خلًا، الذي ذكرنا عدم تبدل الموضوع به.

52

وبالجملة: لا يتضح الفرق بين العصير والخمر في الحكم المذكور بعد عروض النجاسة لكل منهما وإمكان زوالها عنهما من دون تبدل في الموضوع. ولاسيما بناءً على أن نجاسة العصير بالغليان لصيرورته مسكراً، أو لتطبيق عنوان الخمر عليه في النص. فراجع ما سبق منّا عند الكلام في حكم العصير العنبي من فروع نجاسة الخمر.

نعم لو كان المنع من بيع النجس مستنداً للإجماع، أمكن دعوى خروج العصير عن المتيقن من معقده، ولاسيما بلحاظ عدم ظهور تصريح منهم بحرمة بيعه إلا من بعض المتأخرين، كصاحب مفتاح الكرامة.

هذا وقد يستدل على حرمة بيعه بالخصوص مع قطع النظر عن عموم حرمة بيع النجس ببعض النصوص.

الأول: صحيح محمد بن الهيثم عن رجل عن أبي عبدالله (عليه السلام):" سألته عن العصير يطبخ بالنار حتى يغلي من ساعته أيشربه صاحبه. فقال: إذا تغير عن حاله وغلا فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه" (1)، بناءً على ما هو الظاهر من إرادة تغير حاله بغليانه حين الطبخ بالنار، ليكون مما نحن فيه، لا تغير حاله وغليانه من قبل نفسه بعد طبخه على النار وتنحيته عنها. ووجه الاستدلال به حينئذٍ أن قوله (عليه السلام):" فلا خير فيه" ظاهر في حرمة بيعه، لأن البيع نحو من الخير. وفيه- مع ضعفه بالإرسال-:

أن نفي الخير فيه ظاهر في حرمة شربه الذي هو مورد السؤال، ولا يعم البيع.

الثاني: حديث أبي بصير:" سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً. قال: إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلا بأس" (2).

بدعوى: أنه ظاهر بمقتضى المفهوم في حرمة بيعه بعد حرمته ولو بالغليان. وفيه: أن موضوعه العصير قبل طبخه بالنار، لأن المفروض في السؤال أن الذي يشتريه‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 2 من أبواب الأشربة المحرمة حديث: 7.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 59 من أبواب ما يكتسب به حديث: 2.

53

إما أن يطبخه أو يجعله خمراً. وحينئذٍ فمقتضى المفهوم فيه التفصيل بين صيرورته خمراً وعدمها، فيحلّ بيعه في الثاني ويحرم في الأول. أما المطبوخ بالنار فهو خارج عن موضوع الشرطية، ويقصر عنه المفهوم والمنطوق معاً. وأما ذكر الغليان في السؤال فمن القريب جداً أن يراد به الغليان من قبل نفسه الملازم للخمرية. ولو احتمل بعيداً عمومه للغليان بالنار، ليشعر باعتقاد السائل حرمة البيع بعده، كفى الجواب في الردع عن ذلك، لجعله المعيار في الحرمة صيرورته خمراً لا غير.

هذا وقد استشكل فيه بعض مشايخنا (قدس سره): تارة: بضعف السند. وأخرى: بأنه يتعين حمله على العصير التمري، إما لأن أبا بصير كوفي، ولم يكن العنب في الكوفة من الكثرة بحيث يباع عصيراً، وإما لظهور الجواب في حله حتى بعد الغليان ما لم يصير خمراً، وذلك لا يتم في العنبي.

لكن يندفع الأول بأنه لا منشأ لاحتمال ضعف سنده إلا بلحاظ اشتماله على القاسم بن محمد الذي لا نص على توثيقه، وعلى علي بن أبي حمزة، الظاهر أنه البطائني الكذاب من رؤوس الواقفة. إلا أن الظاهر أن القاسم بن محمد هو الجوهري، وهو من رجال كامل الزيارات، وممن روى عنه ابن أبي عمير وصفوان، وذلك كافٍ في وثاقته، كما ذكرناه في غير مرة.

كما أن علي بن حمزة كان ثقة في أول أمره، كما صرح بذلك الشيخ في العدة، ويناسبه وكالته عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، ووقوعه في أسانيد كتاب كامل الزيارات ورواية ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي- الذين لا يروون إلا عن ثقة- عنه، وإنما انقلب بعد ذلك في فتنة الوقف، وقد صرح الشيخ في العدة بأن الأصحاب قد عملوا بما رواه قبل انقلابه، والظاهر أن رواياته المودعة في كتب الأصحاب كلها قبل انقلابه، لما هو المعلوم من مباينة الأصحاب لرؤساء الواقفة ممن ورد فيهم أعظم الطعون من الأئمة (عليهم السلام) وأصحابهم.

اللهم إلا أن يقال: إنما يتجه ذلك فيما إذا كان الراوي عنه من أصحابنا الإمامية

54

الاثني عشرية، أما حيث كان الراوي عنه محمد بن القاسم الجوهري الواقفي أيضاً، فلا بُعد في أن يروي عنه حال وقفه وبعد انحرافه.

لكن لا يبعد ظهور ما ذكره الشيخ من تجنب الأصحاب لروايات على بن أبي حمزة بعد انحرافه فيما يعم روايات الواقفة عنه. وذلك يناسب أن يكون تداولهم لمثل هذه الرواية لاطلاعهم على عدم صدورها عنه إلا حال استقامته. فتأمل جيداً.

كما يندفع الثاني- بعد تسليم أن السؤال عن البيع في الكوفة- بأن الكوفة كانت من أعظم البلاد الزراعية وكثرة العنب فيها قريبة جداً. ولاسيما مع قرب انصراف العصير لعصير العنب، كما ذكرناه في مباحث النجاسات. ولا أقل من جهة تعارف بيعه كما يظهر من النصوص، ولا يعهد بيع عصير التمر، لما في عصره من الكلفة.

وأما ظهور الحديث في حلّ العصير بعد الغليان قبل أن يصير خمراً، ليكون ذلك قرينة على حمله على عصير التمر. فهو ممنوع، لما سبق منّا من كون المراد من الغليان هو الغليان من قبل نفسه، الملازم للخمرية.

الثالث: خبر أبي كهمس:" سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) عن العصير، فقال: لي كرم وأنا أعصره كل سنة وأجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي. قال: لا بأس به، وإن غلا فلا يحل بيعه، ثم قال:

هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمراً

" (1).

وفيه- مضافاً إلى الإشكال في سنده، لعدم ثبوت وثاقة أبي كهمس-: أنه ظاهر في غليان العصير من قبل نفسه كما هو المنصرف من نسبة الغليان له، وهو الذي يكون من ترك العصير في الدنان، فإن الدن- كما قيل- هو الراقود العظيم الذي لا يثبت حتى يحفر له، ومثل ذلك لا يوضع في النار. وقد عرفت قرب كون غليان العصير من قبل نفسه ملازماً لإسكاره، كما يناسبه الاستشهاد منه (عليه السلام) بأنهم يبيعون تمرهم ممن يصنعه خمراً.

هذا وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدس سره) من حمل النصوص الثلاثة على البيع‏

____________

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 59 من أبواب ما يكتسب به حديث: 6.