مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج5

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
421 /
5

الجزء الخامس‏

الفصل السابع‏في أحكام الحائض‏

(مسألة 15): يحرم على الحائض جميع ما يشترط فيه الطهارة من العبادات (1)، بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(1) إذ لا إشكال في أنها دائمة الحدث و لا تطهر، كما يقتضيه مقابلة الحيض بالطهر في الكتاب المجيد و السنة الشريفة المتجاوزة حد التواتر، و الفتاوى الظاهرة في المفروغية عن ذلك. بل وضوح ذلك يغني عن تجشم الاستدلال عليه.

و منه يظهر أنه يحرم عليها غير العبادات مما يحرم على المحدث، كمس القرآن الشريف، على التفصيل المتقدم في الوضوء. و لعل إهماله في كلام بعضهم للمفروغية عن مشاركتها للجنب في المحرمات، كما يأتي من بعضهم.

هذا، إذا أخذ في موضوع التحريم عنوان المحدث، أو تضمنت الأدلة مانعية الحدث الأصغر، حيث يلزمها مانعية الأكبر بالأولوية الارتكازية، أو لما تضمن أن أسباب الحدث الأكبر نواقض للوضوء، كما تقدم في مس القرآن الشريف. و في غير ذلك لا إشكال فيما أخذ في موضوع تحريمه عنوان الحائض، كما تقدم في المكث في المسجد و قراءة العزائم.

و أما ما اختص دليله بالجنب، و هو مس اسم اللّه تعالى و الطواف المستحب‏

6

- بناء على تماميته في الجنب‏فقد استدل على حرمته على الحائض ..

تارة: بما في الجواهر من ظهور اتفاق الأصحاب على مشاركته الحائض للجنب في أحكامه، كما صرح به بعضهم، بل قد يظهر من الغنية دعوى الإجماع على أنه يحرم على الحائض كل ما يحرم على الجنب، و كان قد ذكرفي أحكام الجنب‏أنه يحرم عليه مس اسمه تعالى و أسماء الأنبياء و الأئمة (صلوات اللّه و سلامه عليهم).

و أخرى: بأن حدث الحيض أغلظ من حدث الجنابة، كما في المعتبر و غيره، فتثبت محرمات الجنب للحائض بالأولوية.

و يشكل الأول: بأنه لا مجال لتحصيل الاتفاق مع إهمال الحكم المذكور في الحيض و ذكره في الجنابة في المبسوط و السرائر و المعتبر و الشرائع و المنتهى و التذكرة و الإرشاد و القواعد و غيرها، فإنه و إن أمكن أن يبتني على المفروغية عن مشاركة الحائض للجنب في المحرمات‏كما تقدم احتماله في إهمال بعضهم مس الكتاب المجيد- إلا أنه لا مجال للقطع بالإجماع على المشاركة مع ذلك.

و أما الثاني فقد استدل عليه في الجواهر بمعتبرة سعيد بن يسار: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): المرأة ترى الدم و هي جنب أ تغتسل من الجنابة أو غسل الجنابة و الحيض واحد؟ فقال: قد أتاها ما هو أعظم من ذلك» (1). و يشكل بظهورها في إرادة الأشدية من حيثية عدم الفائدة في الغسل بسبب استمرار الحدث قهرا، لا من حيثية مرتبة الحدث، لينفع في المقام، و إلا لم يكن مناسبا للسؤال، إذ كون الحيض أعظم من حيثية مرتبة الحدث لا يقتضي عدم الغسل للجنابة لرفع حدثها. و لا أقل من الإجمال المانع من الاستدلال.

نعم، لا يبعد فهم عدم الخصوصية للجنابة من دليله، لمسانخة حدث الحيض لحدث الجنابة ارتكازا، و لا سيما مع قيام الأدلة على اشتراكهما في أكثر الأحكام الثابتة من حيثية الحدث. و إن كان الأمر لا يخلو عن إشكال. و يأتي بعض الكلام في الطواف‏

____________

(1) الوسائل باب: 22 من أبواب الحيض حديث: 2.

7

كالصلاة و الصيام و الطواف و الاعتكاف (1) في أحكام المستحاضة إن شاء اللّه تعالى.

(1) لا إشكال في حرمة العبادات المذكورة عليها، و النصوص به متواترة، و دعاوى الإجماع عليه مستفيضة، بل دعوى الضرورة عليه‏كما عن شرح المفاتيح‏غير مجازفة. و إنما الإشكال في أن حرمتها تشريعية فقط راجعة إلى اعتبار الطهارة فيها، فتبطل بدونهاكما تبطل بفقد سائر شروطهاو يكون الاتيان بها بدونها بنية المشروعية تشريعا محرما، أو هي مع ذلك ذاتية راجعة إلى حرمتها تكليفا من غير جهة التشريع أيضا، نظير حرمة الربا.

و كأن ذلك هو المراد من الترديد في كلام بعضهم بين الحرمة الذاتية و التشريعية، و إلا فثبوت الحرمة التشريعية مما لا ينبغي الإشكال فيه بالنظر لما سبق من عدم الريب في كونها دائمة الحدث، كما صرح به شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في الصلاة.

و كيف كان، فقد يستدل على الحرمة الذاتية .. تارة: بأن موضوع الحرمة التشريعية التشريع الذي هو أمر قلبي، و ظاهر الأدلة حرمة نفس الأفعال الخارجية.

و أخرى: بما تضمنته النصوص الكثيرة و جملة من معاقد الإجماعات المدعاة في المقام من التعبير بالحرمة الظاهرة في الذاتية، و كذا ما تضمن النهي عن العبادات و الأمر بتركها.

و يندفع الأول: بأن المرتكزات المتشرعية، بل العقلائية، تقتضي حرمة الجري العملي على التشريع القلبي، بحيث يكون نفس العمل محرما ثانويا يصح توجيه النهي إليه، كما يناسبه ما ورد في البدعة و أنها في النار.

و الثاني: بأن التعبير بالتحريم و النهي و نحوهما و إن كانت ظاهرة بدوا في الحرمة و الذاتية، إلا أن شيوع استعمالها في مقام بيان عدم المشروعية لبيان شروط التكليف و المكلف به و موانعهما و نحوها مما يرجع لحدود التشريع مانع من التعويل على الظهور

8

المذكور فيما يمكن حمله على ذلك، كالمقام.

و منه يظهر وجه آخر في دفع الوجه الأول، فإن ظهور الأدلة في حرمة نفس الأفعال الخارجيةدون الأمر القلبي‏إنما يناسب حرمتها ذاتا إذا كان المراد بها الحرمة التكليفية، لا الإرشاد لحدود التكليف. فلاحظ.

نعم، قد يستدل على الحرمة الذاتية بجملة من النصوص.

منها: ما ورد في الاستظهار من التعبير بالاحتياط في بعض نصوصه، كموثق فضيل و زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «قال: المستحاضة تكف عن الصلاة أيام أقرائها و تحتاط بيوم أو اثنين ...» (1)، و قريب منه خبر الجعفي‏ (2)، و موثقة البصري‏ (3) الآتية.

و استشكل فيه سيدنا المصنف (قدّس سرّه) بأن التحيض في أيام الاستظهار حيث لا يكون مطابقا للاحتياط المطلق، لمخالفته لاحتمال وجوب العبادة و غيره، فلا بد من حمله إما على الاحتياط بلحاظ أهمية حرمة العبادة حال الحيض من وجوبها حال الطهر، فيدل على الحرمة الذاتية، أو على الاحتياط بلحاظ بعض الأحكام، كحرمة الوطء و دخول المساجد و قراءة العزائم، من دون نظر للعبادة، ليدل على حرمتها الذاتية.

قال (قدّس سرّه): «و ليس الأول أولى من الثاني، بل الذي يظهر من موثقة البصري:

«عن المستحاضة أ يطؤها زوجها و هل تطوف بالبيت؟ قال: تقعد أيام أقرائها التي كانت تحيض فيه‏ (4)، فإن كان قرؤها مستقيما فلتأخذ به، و إن كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين» هو الثاني. مع أن دعوى: كون الحرمة المحتملة أهم غريبة، لأن الظاهر أن ترك الصلاة من أعظم الكبائر. و يحتمل كون وجه التعبير بالاحتياط أنه الموافق للاستصحاب و قاعدة الإمكان ... فتأمل».

لكنه يندفع بأنه لا ظهور للموثقة في الثاني، لأن السؤال فيها و إن كان عن الوطء و الطواف المستلزم لدخول المسجد الشريف، إلا أنه لا ينافي عموم الاحتياط

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 12.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 10.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8.

(4) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8. لكن فيه: (تقعد قرءها الذي كانت تحيض فيه).

9

فيها لترك الصلاة أيضا، بل هو الظاهر من التعبير فيها بالقعود المنصرف منه القعود عنها، و الذي هو أظهر أحكام الحيض، فيكنى به عن ترتيب جميع أحكامه.

و أظهر منها خبر الجعفي المشار إليه، للتعبير فيه بالقعود من دون سؤال عن شي‏ء من الأحكام، فضلا عن موثق فضيل و زرارة المتقدم المصرح فيه بالكف عن الصلاة، حيث يقوى ظهوره في إرادة الاحتياط بالكف عنها، لا عن خصوص بقية المحرمات.

و أما استغرابه دعوى أهمية الحرمة المحتملة. فهو لو سلم لا أثر له، لأن الأهمية و احتمالها إنما يكونان معيارا في الترجيح عقلا عند التزاحم بين التكليفين ثبوتا، لا عند الدوران بين المحذورين إثباتا، بل المرجع فيه التخيير، على ما حققناه في محله و اعترف به (قدّس سرّه) في احتمال الأهمية في أصوله، و إن أصر هنا على الترجيح بالأهمية.

و من هنا لا بد أن يكون الاحتياط ناقصا بلحاظ أحد الاحتمالين، و إن لم يكن المحتمل أهم، لجهات لحظها الشارع الأقدس.

و أما ما ذكره أخيرا من احتمال كون التعبير بالاحتياط بلحاظ موافقة الاستظهار للاستصحاب و قاعدة الإمكان. فيدفعه أن مفاد الاستصحاب و القاعدة التعبد بالحيضية في تمام العشرة، المناسب لوجوب ترتيب أحكامها، و هو لا يناسب التخيير بين اليوم و اليومين، فالمناسب ما ذكرنا من إرادة الاحتياط الناقص. فلاحظ.

نعم، قد يشكل الاستدلال بالنصوص المذكورة. تارة: بأن الاحتياط إنما يقتضي ترك الأداء، و ظاهر نصوص الاستظهار ترتيب أحكام الحيض مطلقا من دون تدارك.

و أخرى: بأن الاتيان بالصلاة برجاء المطلوبية لا ينافي الاحتياط حتى بناء على الحرمة الذاتية، كما يأتي. فلا بد من عدم حمل الاحتياط على المعنى المعروف بيننا، و هو احتياط المكلف في مقام العمل محافظة على الحكم الواقعي، بل على مجرد التوثق لاحتمال الحيض مع ترتيب جميع أحكامه، و إن كانت على خلاف الاحتياط بالمعنى المذكور، لعدم بناء الشارع الأقدس على تكليف المرأة بالاحتياط في أحكام الحيض، بل على التعبد لها بأحد الأمرين‏من الحيض و عدمه‏و ترتيب جميع أحكامه‏

10

فلا تنهض بالاستدلال على الحرمة الذاتية.

لكن الانصاف أن التعبير عن التوثق لاحتمال الحيض بالاحتياط ظاهر في اهتمام الشارع الأقدس بترك الصلاة حال الحيض، الذي هو أظهر أحكامه، فيناسب حرمتها الذاتية، و إن كان الاحتياط ناقصا أو من سنخ الحكمة في التعبد بجميع أحكام الحيض. فتأمل جيدا.

و منها: قوله (عليه السلام) في صحيح خلف الوارد في اشتباه دم الحيض بدم العذرة:

«فلتتق اللّه فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة حتى ترى الطهر، و ليمسك عنها بعلها، و إن كان من العذرة فلتتق اللّه و لتتوضأ و لتصل و يأتيها بعلها إن أحب ذلك، فقلت له: و كيف لهم أن يعلموا ما هو حتى يفعلوا ما ينبغي ...». لظهوره في كون ترك الصلاة حال الحيض مقتضى التقوى.

لكن ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أن الأمر بالتقوى فيه إنما هو بمعنى وجوب الفحص، لا لحرمة الصلاة، و لذا قدمه على الشرطية الأولى. و يشهد به تأخير الأمر به عن الشرطية الثانية التي موضوعها الطهر الذي تكون الصلاة معه واجبة.

و فيه: أن ظاهر الأمر بالتقوى في الفقرتين و إن كان هو تنجز الواقع المجهول المستلزم لوجوب الفحص، و لذا سأل الراوي بعده عن طريق المعرفة، ليعمل بما ينبغي على الوجهين، إلا أن بيان مقتضى التقوى بالنهي عن الصلاة مع الحيض و الأمر بها مع الطهر ظاهر في كون الأمر بالإمساك عن الصلاة تكليفيا تابعا للحيض الواقعي، كالأمر بإمساك الزوج، لا تشريعيا تابعا للعلم بالحيض، و لا مسوقا لبيان مجرد عدم وجوب الصلاة مع الحيض، و لذا اشتملت الشرطية الثانية على ترخيص الزوج في الوطء، لا أمره به لبيان الترخيص، لأن ورود الأمر لبيان الترخيص لا يناسب سوقه لبيان مقتضى التقوى، كما لعله ظاهر.

و منها: ما يظهر منه حرمة الصلاة حال الحدث مطلقا و إن لم يكن من الحيض، كمعتبرة الفضل عن الرضا (عليه السلام): «قال: إذا حاضت المرأة فلا تصوم‏

11

و لا تصلي، لأنها في حدّ نجاسة، فأحب اللّه أن لا يعبد إلا طاهرا. و لأنه لا صوم لمن لا صلاة له» (1). لظهوره في مبغوضية العبادة حال النجاسة التي يراد منها الحدث في المقام، و بعموم التعليل يتعدى لغير الحيض من أسباب الحدث.

و موثق مسعدة ابن صدقة: «إن قائلا قال لجعفر بن محمد (عليه السلام): جعلت فداك إني أمر بقوم ناصبية و قد أقيمت لهم الصلاة، و أنا على غير وضوء، فإن لم أدخل معهم في الصلاة قالوا ما شاءوا أن يقولوا، أ فأصلي معهم ثم أتوضأ إذا انصرفت و أصلي؟

فقال جعفر بن محمد (عليه السلام): سبحان اللّه أ فما يخاف من يصلي من غير وضوء أن تأخذه الأرض خسفا؟!» (2)، و صحيح صفوان عنه (عليه السلام) قال: «أقعد رجل من الأحبار في قبره فقيل له: إنا جالدوك مائة جلدة من عذاب اللّه عز و جل. فقال: لا أطيقها، فلم يزالوا به حتى انتهوا به إلى جلدة واحدة، فقال: لا أطيقها. فقالوا: ليس منها بدّ، فقال:

فيما تجلدونيها؟ قالوا: نجلدك أنك صليت يوما بغير وضوء و مررت على ضعيف فلم تنصره، فجلدوه جلدة من عذاب اللّه، فامتلأ قبره نارا» (3).

لكن قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «و لعل الظاهر من رواية العلل كون المراد:

أحب اللّه أن يعبد في حال الطهارة، لا أنه كره أن يعبد في غير حال الطهارة، و إلا لدل على عدم فائدة و خصوصية للطهارة، و هو بعيد، و لمثل هذا النحو من التعبير نظائر كثيرة ... و أما رواية مسعدة فلا يظن إمكان الالتزام بها في موردها، فإن أدلة التقية مقدمة على غيرها من الأدلة مهما كان لموردها من الأهمية».

و كأن مراده بما ذكره في رواية العلل أن حملها على إرادة قيدية الطهارة في العبادة المحبوبة مستلزم لدخل الطهارة في المحبوبية، فتكون محبوبة بلحاظ فائدتها، أما حملها

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الحيض حديث: 2. و قد رواه عن علل الشرائع و عيون أخبار الرضا (ع).

لكن في الأول: (فإن قيل: فلم إذا حاضت المرأة لا تصوم و لا تصلي؟ قيل: لأنها في حدّ نجاسة فأحب اللّه أن لا تتعبد إلا طاهرة ...): 271 طبع النجف الأشرف. و نحوه في الثاني، إلا أنه قال: (فإن قال: فلم ...) و: (فأحب اللّه أن لا تعبده إلا طاهرا ...) ج 2: 115 طبع النجف الأشرف. (منه عفي عنه).

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب الوضوء حديث: 2.

12

على إرادة رفعها لمبغوضية العبادة فهو لا يقتضي محبوبيتها، و لا ترتب الفائدة عليها.

لكن لم يتضح الوجه في استبعاد الثاني، إذ يكفي في فائدة الطهارة رفعها لمبغوضية العبادة المحبوبة ذاتا. مع أن الرواية لم ترد للحث على الطهارة، لتناسب خصوصيتها في المحبوبية، بل لبيان امتناع العبادة بدونها، فلا وجه للخروج عن ظاهر التركيب من كون المحبوب ترك العبادة حال الحدث المستلزم لمبغوضيتها حاله.

و دعوى: عدم ظهور المحبوبية في الإلزام. مدفوعة بأن ذلك لو سلم في سائر الموارد لا مجال له في المقام، لأن الحكم المعلل إلزامي.

كما أن ما ذكره (قدّس سرّه) من منافاة موثق مسعدة لأدلة التقية ممنوع، لعدم الإشعار فيه بتعذر الوضوء للصلاة معهم، فضلا عن الظهور. و لعل سؤال السائل عن الصلاة معهم بدون الوضوء لأنها أسهل عليه، خصوصا مع قرب عزمه على الإعادة على كل حال، الذي لا يبعد عمل كثير من الشيعة عليه بعد الصلاة مع المخالفين. و من يظهر الإشكال فيما يظهر من الوسائل من حرمة الصلاة بدون الوضوء حتى مع التقية.

فتأمل. على أنه يشكل رفع اليد عن الكبرى بمجرد منافاة تطبيقها للتقية.

و أما صحيح صفوان فلم يتعرض (قدّس سرّه) للاستدلال به. فإن كان لأجل وروده في أهل شريعة أخرى، أشكل بظهور حال المعصومين (عليهم السلام) في أن نقلهم لثواب أهل الشرائع السابقة و عقابهم بداعي الترغيب و الترهيب، لا لمحض بيان قضية خارجية لا يراد ترتب العمل عليها. على أنه قد يتمسك بأصالة عدم النسخ على كلام محرر في الاستصحاب.

و من جميع ما تقدم يظهر وفاء النصوص بالحرمة الذاتية، فيتعين البناء عليها.

ثم إنه يتجه لأجل النصوص الأخيرة عموم الحرمة الذاتية لما إذا طهرت المرأة من الحيض و لم تغتسل، لعدم خروجها بذلك عن الحدث، الذي يستفاد من النصوص المذكورة أنه المعيار في الحرمة. و لا مجال معه لما في الجواهر من إمكان الفرق و اختصاص الحرمة الذاتية بحال الحيض، بل هو الذي جزم به الفقيه الهمداني (قدّس سرّه).

13

و كأنه مبني على إغفال هذه النصوص و النظر لخصوص ما ورد في الحائض، الذي لا إشكال في قصوره عن حال انقطاع الحيض و بقاء حدثه.

كما أن الظاهر اختصاص الحرمة الذاتية بالصلاة دون بقية العبادات المحرمة على الحائض، لأنها المنصرف من القعود في نصوص الاستظهار و مورد بقية النصوص.

نعم، قد تضمنت رواية الفضل إطلاق النهي عن العبادة. إلا أنه لا يبعد كون المراد بها خصوص الصلاة، و لذا احتيج لتعليل حرمة الصوم فيها بأنه لا صوم لمن لا صلاة له. و احتمال كونه تعليلا ثانيا في الصوم مع عموم التعليل الأول له، لعموم العبادة لغير الصلاة، لو لم يكن خلاف الظاهر فلا أقل من عدم بلوغه مرتبة الظهور، حيث يمنع التعليل المذكور من انعقاد ظهور العبادة في العموم.

بل لا يبعد كون إطلاق العبادة على مطلق ما يعتبر فيه قصد القربة إنما شاع في ألسنة الفقهاء مع كون المراد بها في عصر صدور الروايات خصوص الصلاة و ما يسانخها، كما يناسبه تطبيقها في بعض نصوص كراهة الاستعانة في الوضوء على الصلاة، دون الوضوء كقوله (عليه السلام): «أما سمعت اللّه عز و جل يقول: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و ها أنا ذا أتوضأ للصلاة و هي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد» (1) و غيره.

بقي الكلام في ثمرة الحرمة الذاتية.

و ظاهر غير واحد أنها تظهر في تعذر الاحتياط لها لو شكت في الحيض، لدوران الأمر بين محذورين، بخلاف ما لو كانت تشريعية محضة، حيث يتيسر لها الاحتياط بالإتيان بالعبادة برجاء المطلوبية، لعدم التشريع معه، بل ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) أن ما ذكره جماعة، بل ادعي عليه الاتفاق من حسن الاحتياط للمضطربة مؤيد لكون الحرمة تشريعية محضة، ثم قال: «و تتبع كلمات الفقهاء يشرف الفقيه على القطع بما ذكرنا».

و في الجواهر بعد تقريب كون الحرمة ذاتية قال: «و عليه بني ردّ ما يذكر في‏

____________

(1) الوسائل باب: 47 من أبواب الوضوء حديث: 1.

14

بعض المقامات من الاحتياط لها بفعل العبادة بأنه معارض بمثله، لكون الترك بالنسبة إليها عزيمة». و قريب منه ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه).

لكن من الظاهر أن الصلاة مثلا لا تصدق على نفس الأفعال الخارجية بما هي هي، بل لا بد فيه من قصد عنوان الصلاة بها. و حينئذ إن كان الإتيان بها برجاء المطلوبية راجعا إلى الجزم بكونها صلاة مع احتمال الامتثال بهانظير الكون في المسجد برجاء المطلوبيةاتجه تحريمها مع مصادفة الحيض بناء على الحرمة الذاتية، فيخالف الاحتياط، كما ذكر في تقريب الثمرة.

أما إذا كان راجعا إلى قصد عنوان الصلاة بها معلقا على عدم الحيض و على ثبوت الأمر بها، و أنها مع عدمهما ليست بصلاةنظير الطلاق عند الشك في الزوجية- فلا وجه للتحريم مع مصادفة الحيض، حتى بناء على الحرمة الذاتية، لعدم تحقق موضوعها، و هو الصلاة. و الظاهر إمكان الثاني، لأن عنوان الصلاة لما كان قصديا كان قابلا للتعليق، كعنوان الامتثال القابل للتعليق على وجود الأمر.

كما أن الظاهر ابتناء الاحتياط على ذلك في الصلاة و كثير من الأمور القصدية، كالصوم و الوضوء، و ليس هو كالاحتياط بقراءة القرآن برجاء المطلوبية، حيث يبتني غالبا على الجزم بكونها قراءة للقرآن مع اختصاص التعليق بالامتثال. و حينئذ لا تتم الثمرة المذكورة.

إن قلت: بعض أدلة الحرمة الذاتية تقتضي عموم الحرمة لحال الاحتياط، فإن نصوص الاستظهار حيث تضمنت أن الاحتياط بترك الصلاة مع الشك في الحيض دلت على مخالفة الصلاة للاحتياط و لو برجاء المطلوبية من جهة احتمال الحرمة، و إلا لكان الاحتياط بفعلها معه. و كذا صحيح خلف بن حماد، إذ لو تيسر لها الاحتياط بالصلاة لاحتمال كون الدم من العذرةكما أفتى به فقهاء العامةلم يكن الفحص لازما، و لم يكن ترك الصلاة مع الحيض مقتضى التقوى، بل الحكم بحرمة الصلاة مع الحيض الواقعي قد يكون تعريضا بالعامة و ردعا عما أفتوا به من الاحتياط لها بالصلاة برجاء عدم الحيض. بل قد يستفاد من موثقة مسعدة بن صدقة حرمة الإتيان لغير

15

المتوضئ حتى بصورة الصلاة من دون نية أصلا، إذ لو لا ذلك لكان المناسب التنبيه عليه، لتأدي التقية به.

قلت: ذكرنا آنفا أنه لا يراد بالاحتياط في نصوص الاستظهار احتياط المكلف لإصابة الحكم الواقعي، بل التوثق لاحتمال الحيض مع التعبد بتمام أحكامه حتى ما خالف منها الاحتياط، لعدم بناء الشارع الأقدس على إرجاع المرأة للاحتياط. بل على التعبد بأحد الأمرين، فلا ينافي جواز الاحتياط لها لتحصيل الواقع المحتمل بالصلاة برجاء المطلوبية.

كما أن صحيح خلف لم يتضمن الأمر بالفحص، و إنما تضمن تنجز أحكام الواقع المردد بين الحيض و الطهر، و هو يقتضي التخيير بين الاحتياط و الفحص، في مقابل الاقتصار على إحدى الوظيفتين من دون فحص، لا تعين الفحص و المنع من الاحتياط.

نعم، لو أشير في السؤال لفتوى فقهاء العامة بالاحتياط لكان جواب الإمام (عليه السلام) ظاهرا في الردع عنه، و حيث لم يشر إليه فيه فلا مجال لاستفادة الردع عنه في مورد الحديث‏كما أشرنا إليه في أواخر المسألة الأولى‏فضلا عن غيره من موارد الشك في الحيض.

و أما موثقة مسعدة فعدم التنبيه فيها للإتيان بصورة الصلاة من دون نية لا يدل على حرمته من دون وضوء، كيف و لا يظن بأحد الالتزام بذلك، بل لعله لخروجه عن مفروض كلام السائل، أو لكونه بنفسه مرجوحا و لو مع الوضوء، كما يشهد به صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل دخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة و أحدث إمامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدمه، فصلى بهم، أ تجزيهم صلاتهم بصلاته و هو لا ينويها صلاة؟ فقال: لا ينبغي للرجل أن يدخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة، بل ينبغي له أن ينويها [صلاة] و إن كان قد صلى، فإن له صلاة أخرى، و إلا فلا يدخل معهم. و قد تجزي عن القوم صلاتهم و إن لم ينوها» (1).

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 1.

16

و من هنا كان الظاهر عدم نهوض النصوص بحرمة الصلاة برجاء عدم الحيض إذا رجع إلى تعليق قصد الصلاة على عدم الحيض، بحيث لا تكون معه صلاة، بل صورة صلاة.

و أما ما سبق من الجواهر من ردهم ما يذكر في بعض المقامات من الاحتياط بفعل العبادة بأنه معارض بمثله. فلعل جملة مما ذكروا رد لرد الاستدلال بالاحتياط على لزوم الاقتصار على المتيقن في التحيض مع البناء فيما زاد عليه على الطهر، فيؤتى معه بالصلاة تعبدا بشرعيتها، لا برجاء مشروعيتها.

كما أن كون ترك الصلاة للحائض عزيمة إنما هو بمعنى عدم مشروعيتها لها في مقابل مشروعيتها من دون وجوب، كمشروعية الصوم للذين يطيقونه، فلا يدل على الحرمة الذاتية، فضلا عن تعذر الاحتياط على تقديرها. و من هنا لا مجال لتوجيه الثمرة بما سبق.

و قد ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) وجها آخر للثمرة، و هو أنه بناء على الحرمة الذاتية تحرم العبادة على الحائض مطلقا، سواء جي‏ء بها بقصد الأمر أم بداعي أنها عبادة بالذات من دون قصده، أما على عدمها و تمحض الحرمة التشريعية فلا تحرم إلا إذا جي‏ء بها بقصد الأمر المستلزم للتشريع. و قد دفعه (قدّس سرّه) بأن الثمرة المذكورة موقوفة على القول بثبوت العبادة الذاتية، و التحقيق عدمه و اختصاص منشأ انتزاع العبادية بالأمر بلحاظ كشفه عن ثبوت ملاك المحبوبية، و قصده مستلزم للتشريع مطلقا على ما أوضحه (قدّس سرّه) و أطال الكلام فيه. فراجع.

و الذي ذكرناه في محله من مبحث التعبدي و التوصلي أن العبادة هي كون الشخص في منتهى الخضوع للمعبود، بحيث يكون فانيا فيه. و لذلك مظهران:

ذاتي، و هو إطاعة أوامره و نواهيه على نحو الانقياد له، و مقربيتها ذاتية. و عرفي، و هو الإتيان بأمور تبانى العرف على كونها مظهرا للخضوع و الفناء، كالركوع و السجود و التقديس و نحوها. و هو بطبعه يقتضي التقرب بلا حاجة إلى الأمر به ما لم يردع عنه‏

17

و يحرم عليها جميع ما يحرم على الجنب مما تقدم (1).

(مسألة 16): يحرم وطؤها في القبل عليها و على الفاعل (2)، كسائر الأمور العرفية القابلة للردع. فإن كان مرجع الردع إلى مجرد عدم صلوحه لأن يعبد المولى به كان النهي وضعيا موجبا لانسلاخ عنوان العبادة عنه، و إن كان مرجعه إلى النهي عن أداء العبادة به من دون ردع عما عليه العرف من كونه مظهرا لها كان النهي تكليفيا.

و كيف كان، فالعبادة بالمعنى المذكور لا تحرم على الحائض لا تشريعا و لا ذاتا، و إنما المحرم خصوص الصلاة بما هي ماهية خاصة مخترعة للشارع و عباديتها ليست ذاتية، و لا عرفية، بل متقومة بالتعبد بأمرها، فمع إتيان الحائض بها بقصد أمرها تحرم مطلقا، سواء كانت الحرمة ذاتية أم تشريعية.

و من هنا كان الظاهر انحصار الثمرة في أنه مع الاتيان بالعبادة للبناء على عدم الحيض خطأ لا تكون محرمة واقعا بناء على تمحض الحرمة في التشريعية، لعدم التشريع، و تكون محرمة بناء على كونها ذاتية، فيستحق عليها العقاب لو كان البناء على عدم الحيض لتقصير في مقدماته و لو مع الغفلة حين العمل. فلاحظ.

(1) كما تقدم في أول الفصل، و تقدم الإشكال في مشاركتها للجنب في حرمة مس اسمه تعالى. كما تقدم في أحكام الجنب الإشكال في مشاركتها للجنب في لزوم التيمم للخروج من المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و آله و سلّم).

(2) أما تحريمه على الفاعل فهو المدعى عليه الإجماع من جماعة كثيرة جدا، و جملة منهم ادعوا عليه إجماع العلماء، بل في المسالك و الروض و كشف اللثام و الجواهر و طهارة شيخنا الأعظم و عن جماعة أنه من ضروريات الدين التي يكفر مستحلها من دون شبهة.

و يقتضيه قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي‏

18

الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ (1)، و النصوص الكثيرة المتجاوزة حد التواتر، و التي يظهر من جملة كثيرة منها المفروغية عن أصل الحكم، حيث وردت في فروعه، كتعيين وظيفة المستحاضة، و ما يحل للزوج من الحائض و كفارة الوطء، و تعزيره و غير ذلك.

هذا، و قد صرح جملة من الأصحاب بعموم الحكم للزوج و السيد. و هو الذي يقتضيه إطلاق الآية الشريفة و جملة من النصوص، بل كثير منها صريح في الزوج و بعضها صريح في السيد، كحديث عبد الملك بن عمرو أو موثق عبد الكريم بن عمرو: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى جاريته و هي طامث. قال: يستغفر ربه ...» (2) و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى عند الكلام في وجوب الكفارة.

بل المناسبات الارتكازية تقضي بعدم خصوصية كل منهما و عموم الحكم حتى المزني بها كما صرح به بعضهم، فتتأكد الحرمة مع حيضها، كما لعله مقتضى إطلاق الآية الشريفة، حيث لا يبعد عدم صلوح قوله تعالى: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏ للمنع من انعقاد الإطلاق في الصدر بنحو يشمل من يحرم وطؤها، و لذا لا يظن من أحد دعوى منعه من شموله للمحلوف على ترك وطئها. و لو صلح لذلك كفى عموم التعليل بأنه أذى في استفادة العموم.

و أما تحريمه عليها بمعنى عدم جواز تمكينها فهو المصرح به في الغنية و المراسم و الوسيلة و جامع المقاصد و الروض و غيرها. و قد يظهر من تصريح جملة من الأصحاب بعدم ثبوت الكفارة عليها المفروغية عنه و ربما كان ما في المقنعة من وجوب إعلام المرأة الرجل بحيضها يبتني على ذلك. و لعله لذا كان ظاهر الغنية دعوى الإجماع عليه، بل صريح الجواهر أنها كالرجل في الإجماع و الضرورة.

و قد استدل عليه في جامع المقاصد بقوله تعالى:

____________

(1) البقرة: 222.

(2) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 2. لكن الموجود في الطبعة الحديثة مضطرب السند.

19

وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ‏ (1).

و يشكل بأن التعاون على الشي‏ء إنما يكون بالاشتراك فيه، كالتعاون على غلق الباب و رفع الحجر، بنحو لا يصلح نسبة الفعل إلى واحد بعينه، و هو غير حاصل في المقام، لأن الأدلة إنما تضمنت حرمة الوطء الذي هو فعل الزوج، و ليس التمكين إلا مقدمة اعدادية له، فلا يصدق عليه إلا الإعانة، و لا دليل على عموم حرمتها.

نعم، لو استلزمت الاعانة التشجيع على الحرام حرمت، لفحوى ما دل على وجوب النهي عن المنكر. و كذا يحرم الإكراه عليه، و إن كان المكره معذورا، على ما ذكرناه في محله. لكنه لا ينفع مع غفلة الزوج أو نحوها مما يكون معه معذورا و غير مجبور. و لعله لذا حكي عن بعضهم احتمال جواز التمكين حينئذ، و في المستند أن عموم حرمة التمكين غير معلوم بعد أن كان الدليل عليه حرمة الإعانة على الإثم.

و من هنا استدل عليه سيدنا المصنف بخبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام):

«سألته عن الرجل يطلق امرأته متى تبين منه؟ قال: حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة تملك نفسها. قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال؟ قال: نعم، و لكن لا تمكن من نفسها حتى تطهر من الدم» (2). و دلالته و إن كان وافية إلا أن سنده محتمل للإرسال، حيث رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابه أظنه محمد ابن عبد اللّه بن هلال أو علي بن الحكم عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم.

لكن لا يبعد ظهوره في أن المظنون هو كون الراوي محمد بن عبد اللّه و الموهوم كونه علي بن الحكم مع الجزم برواية أحد الرجلين له، لا أن المظنون كون الراوي أحد الرجلين مع احتمال كونه شخصا ثالثا، ليكون مرسلا. و حيث كان محمد بن عبد اللّه من رجال كامل الزيارة و علي بن الحكم ثقة، كبقية رجال السند، كان الاعتماد عليه قريبا جدا.

مضافا إلى تأيده بمعتبرة إسماعيل بن الفضل: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن‏

____________

(1) المائدة: 2.

(2) الوسائل باب: 16 من أبواب العدد من كتاب الطلاق حديث: 1.

20

بل قيل: انه من الكبائر (1). بل الأحوط وجوبا ترك إدخال بعض الحشفة رجل أتى أهله و هي حائض. قال: يستغفر اللّه و لا يعود. قلت: فعليه أدب؟ قال:

نعم، خمسة و عشرون سوطا ربع حد الزاني و هو صاغر، لأنه أتى سفاحا» (1)، و نحوه خبر محمد بن مسلم‏ (2)، لظهورهما في كون الحرمة من سنخ حرمة السفاح التي يشترك فيها الرجل و المرأة.

كما قد يستفاد من قوله (عليه السلام) في صحيح خلف المتقدم: «فلتتق اللّه، فإن كان من دم الحيض فلتمسك عن الصلاة و ليمسك عنها بعلها ...» (3)، حيث لا يبعد ظهوره في كون إمساك بعلها عنها مقتضى تقواها للّه تعالى.

و كذا ما تضمن أن المستحاضة تنظر أيامها فلا تصلي فيها و لا يقربها بعلها، أو أنها تستظهر ثم يأتيها بعلها، لظهوره في أن حرمة وطء الزوج لها من أحكامها التي لأجلها يجب عليها طريقيا الرجوع للوظيفة الظاهرية في الحيض، لا من الأحكام المختصة بالزوج التي يجب عليه فقط الرجوع فيها للوظيفة الظاهرية، و لو كانت هي اختيارها.

و لعله بلحاظ ذلك أو نحوه قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه) بعد ذكر خبر محمد ابن مسلم الأول: «و ربما يستفاد من غيره بعد سبر النصوص. و لا سيما بملاحظة مرتكزات المتشرعة من بنائهم على حرمته عليها ذاتا، لا من باب المعاونة».

(1) كما في كشف اللثام. و هو الظاهر ممن حكم بكونه موجبا للفسق، كما في التذكرة و عن جماعة، بل نفى الريب فيه في المدارك، و نفى الإشكال فيه في الجواهر، لما تقدم في المسألة الثامنة و الشعرين من مباحث التقليد من أن ظاهر الأصحاب‏كما هو صريح جملة منهم‏عدم قدح الصغائر في العدالة.

هذا، و قد تقدم في المسألة المذكورة أن المعيار في كون الذنب من الكبائر عده منها في النصوص، أو ورود الوعيد عليه بالنار في الكتاب المجيد و السنة الشريفة، أو

____________

(1) الوسائل كتاب الحدود و التعزيرات باب: 13 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات حديث: 2.

(2) الوسائل كتاب الحدود و التعزيرات باب: 13 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب الحيض حديث: 1.

21

أيضا (1).

كونه أكبر أو مساويا لبعض أفراد أحد القسمين، و الكل غير ثابت في المقام.

نعم، قد يستفاد من معتبرة إسماعيل بن الفضل المتقدمة و خبر محمد بن مسلم أنه من سنخ السفاح الذي هو من الكبائر.

لكنه يشكل: بأن مقتضى تحديد تعزيره بأنه ربع حد الزاني كون حرمته بمرتبة ضعيفة بالإضافة إلى السفاح و إن كانت من سنخها، و من الظاهر أن مقتضى ما تضمن عدّ الزنا من الكبائر إرادة الزنا ذي الحرمة التامة، لا مطلق ما كان مسانخا له موضوعا أو حكما و إن لم يبلغ مرتبته. و لبعض ما ذكرنا تنظر فيه في المستند.

(1) ففي الجواهر أنه قد يظهر من كاشف الغطاء تعميم وجوب الكفارة لإدخال بعض الحشفة و قد استدل سيدنا المصنف (قدّس سرّه) لعموم التحريم له بما تضمن النهي عن الإيقاب و الأمر باتقاء موضع الدم و الفرج و القبل و نحوها مما يشمل بإطلاقه إدخال بعض الحشفة. قال: «و اعتبار التقاء الختانين في وجوب الغسل للجنابة لا يوجب تقييد ما ذكر».

لكن ما تضمن النهي عن الإيقاب هو صحيح عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين أليتيها و لا يوقب» (1)، و هو ظاهر في الإيقاب في الدبر، لظهوره في الاستثناء مما بين الأليتين، و لأنه المحتاج للبيان، أما الإيقاب في القبل فوضوح تحريمه لأنه المتيقن من جميع الأدلة يغني عن التنبيه له، كما لا مناسبة لذكره بعد تحليل ما بين الأليتين.

و لزوم رفع اليد عنه لما دل على انحصار الحرمة بالقبل‏لو تم‏لا يكون بحمله على الإيقاب في القبل، بل بحمله على شدة الكراهة. على أنه لو حمل على الإيقاب في القبل فوضوح حرمته قرينة على عدم كون ذكره لبيان تحريمه ليكون له إطلاق يشمل‏

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 8.

22

و أما وطؤها في الدبر فالأحوط وجوبا تركه (1).

إدخال بعض الحشفة، بل للتأكيد على اجتنابه مع المفروغية عن تحريمه، فلا يكون له إطلاق من هذه الجهة.

و منه يظهر الحال فيما تضمن اتقاء موضع الدم أو القبل أو الفرج، كيف و لو كان له إطلاق لكان اللازم حرمة مسه من دون إدخال أصلا، و لا يظن منهم البناء عليه أو فهمه من الأدلة. على أن ظاهر جملة مما تضمن ذلك إرادة الحرمة من حيثية الموضع من جسد المرأة من دون نظر لكيفية المباشرة، ليشمل بإطلاقه المس أو إدخال بعض الحشفة، كما يناسبه وروده فيه جوابا عن السؤال عما يحل للرجل من الحائض، الظاهر في إرادة ما يحل من جسدها، لا من مباشرتها.

فيتجه الاقتصار في المباشرة على المتيقن و هو إدخال تمام الحشفة، لأنه المعهود منها عرفا، بل شرعا، لكونه سبب الجنابة التي هي أظهر آثار المباشرة، مؤيدا بظهور نصوص دية قطع الذكر في كون الحشفة هي المعيار في أدائه لوظيفته، لجعل قطعها معيارا في ثبوت الدية كاملة (1). فتأمل جيدا.

(1) كأنه لدعوى دخوله في إطلاق الاعتزال في الآية الشريفة، و إطلاق الفرج المستثنى مما للرجل من الحائض في جملة من النصوص الآتي بعضها. لكن سبق في مسألة الوطء في الدبر من مباحث الجنابة الإشكال في عموم الفرج للدبر، و لا سيما في المورد، لأن المناسب للحيض المنع عن موضعه لا غير.

بل في صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج و هي حائض. قال: لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع» (2). فإن السؤال فيه و إن كان عن إتيانها فيما دون الفرج، إلا أن قوله (عليه السلام): «إذا اجتنب ذلك الموضع» ظاهر في انحصار الحرمة بموضع واحد معهود، و ليس هو إلا القبل.

____________

(1) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب ديات الأعضاء.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 6.

23

و به يخرج عن إطلاق الاعتزال في الآية الشريفة لو تم شموله للوطء في الدبر و لم ينصرف لخصوص الوطء في القبل، لمناسبة الحيض، و للتعليل بأنه أذى، و لا سيما مع معلومية عدم إرادة معناه الحقيقي المقابل لمطلق الاتصال و الملامسة.

و أظهر منه في ذلك مرسل ابن بكير عنه (عليه السلام): «قال: إذا حاضت المرأة فليأتها زوجها حيث شاء ما اتقى موضع الدم» (1)، و حديث عبد الملك بن عمرو: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال: كل شي‏ء ما عدا القبل منها بعينه» (2). و إن أشكل الأول بالإرسال، و الثاني بعدم النص على وثاقة عبد الملك، غاية ما ورد فيه أنه روى هو عن الصادق (عليه السلام) أنه يدعو له دعاء مهتم به‏ (3)، و حجية الرواية فرع وثاقته.

فالعمدة في الجواز صحيح هشام بن سالم مؤيدا بالخبرين المذكورين. و لذا صرح بعضهم بالجواز، بل هو ظاهر جملة من الأصحاب، حيث خصوا التحريم بموضع الدم، و في الجواهر: «على المشهور في الجملة شهرة كادت تكون إجماعا»، بل ظاهر التبيان و مجمع البيان الإجماع على اختصاص التحريم بموضع الدم، و في الجواهر أنه ادعى هنا الإجماع المركب على عدم الفصل بين الدبر و غيره مما بين السرة و الركبة عدا القبل.

نعم، سبق ظهور صحيح عمر بن يزيد في النهي عن الوطء في الدبر. و حمله على الوطء في القبل بقرينة ما سبق بعيد. فلا بد إما من حمله على الكراهة محافظة على ما تضمن انحصار الحرمة بالوطء في القبل، أو إبقائه على ظهوره في الحرمة مع حمل الحصر المذكور على الحصر الإضافي في قبال الاستمتاع بظاهر الجسد، لانصراف الأسئلة إليه بعد كون الوطء في الدبر أمرا مغفولا عنه غير متعارف و لا معهود و الأول أنسب بملاحظة المناسبة الارتكازية بين الحكم و الموضوع و بالنظر لما سبق من الأصحاب.

و إن كان الأمر غير خال عن الإشكال.

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 1.

(3) رجال الكشي: 332 طبعة النجف الأشرف.

24

و لا بأس بالاستمتاع بغير ذلك (1)، و إن كره بما تحت المئزر مما بين السرة (1) هذا في الجملة مما لا إشكال فيه، فلا يجب اعتزالها رأسا إجماعا بيننا قد استفاضت دعواه في كلماتهم، بل في جملة منها أنه إجماعي بين المسلمين و أنه لا خلاف في جواز الاستمتاع بها فوق المئزر.

و النصوص به متظافرة قد تقدم بعضها و يأتي بعضها. و لأجل ذلك يلزم حمل الاعتزال في الآية الشريفة على الكناية عن ترك الوطء في القبل أو مطلقا، لا على المعنى الحقيقي، لاستلزامه تخصيص الأكثر. و أما حمل المحيض فيها على موضع الحيض- كما ذكره جماعةفهو مخالف لظاهر الآية جدا، بل ظاهرها أنه مصدر ميمي بمعنى الحيض، لأنه الذي يسأل عنه و يجهل حكمه، و المناسب للوصف بالأذى، و لجعله ظرفا للاعتزال، لا متعلقا له. كما أن ما قد يظهر من المنتهى من التفكيك بين صدرها و ذيلها، بحمل المحيض في الأول على الحيض و الثاني على موضعه، بعيد جدا.

هذا، و في صحيح عبد الرحمن أو موثقة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ما يحل له من الطامث؟ قال: لا شي‏ء حتى تطهر» (1). لكنه لا ينهض في قبال ما سبق.

و ربما حمل على خصوص الوطء في القبل أو مطلقا. و هو بعيد، لاستبعاد السؤال عنه بعد كون تحريمه متيقنا من الآية و غيرها، كما أنه لا يناسب التركيب اللفظي للكلام.

و مثله حمله على التقية، لما سبق من دعوى اتفاق المسلمين على جواز الاستمتاع في الجملة. و من هنا كان الأقرب حمله على الكراهة.

و مثله في ذلك موثق حجاج الخشاب: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض و النفساء ما يحل لزوجها منها؟ قال: تلبس درعا ثم تضطجع معه» (2)، فإن الدرع هو القميص على ما ذكره غير واحد من اللغويين. و لعله لذا أطلق في اللمعة كراهة الاستمتاع بغير القبل، و إن ذكر في الروضة أن المعروف من مذهب الأصحاب كراهة

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الحيض حديث: 12.

(2) الوسائل باب: 26 من أبواب الحيض حديث: 3.

25

و الركبة (1)، بل الأحوط استحبابا الترك.

و إذا نقت من الدم جاز وطؤها و إن لم تغتسل (2)، و لا يجب غسل‏ ما بين السرة و الركبة لا غير.

(1) و لا يحرم على المعروف من مذهب الأصحاب، و نسبه في المعتبر لجمهورهم، و في التذكرة و جامع المقاصد و الروض و محكي المختلف و غيره إلى المشهور، و في المنتهى إلى أكثر علمائنا، بل صريح الخلاف الإجماع عليه، كما هو ظاهر ما سبق من التبيان و مجمع البيان. و عن المرتضى التحريم.

و استدل له بصحيح الحلبي: «أنه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحائض و ما يحل لزوجها منها. قال: تتزر بإزار إلى الركبتين و تخرج سرتها، ثم له ما فوق الإزار» (1)، و قريب منه موثق أبي بصير (2).

لكن لا بد من حملهما على الكراهة، للنصوص المتضمنة انحصار التحريم بالقبل‏و قد تقدمت‏و المتضمنة انحصاره بالفرج، كموثق معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: ما دون الفرج» (3)، و غيره‏ (4)، و صحيح عمر بن يزيد المتقدم المصرح بتحليل ما بين الأليتين، و معتبرة عمر بن حنظلة: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما للرجل من الحائض؟ قال: ما بين الفخذين» (5)، و لذا كان المعروف بين الأصحاب الكراهة.

بل قرب في الحدائق حمل الموثقين على التقية، لأن العامة بين قائل بالحرمة و قائل بالكراهة. لكن لا مجال له بعد كون الكراهة مقتضى الجمع العرفي.

(2) كما هو المعروف من مذهب الأصحاب المدعى عليه الإجماع صريحا في الانتصار و الخلاف و الغنية، و ظاهرا في التبيان و السرائر و مجمع البيان و كشف اللثام و محكي أحكام الراوندي، و عن شرح المفاتيح أنه لا قائل بالتحريم من الشيعة. لكن‏

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الحيض حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 26 من أبواب الحيض حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 2، 3، 4، 9، 7.

(4) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 2، 3، 4، 9، 7.

(5) الوسائل باب: 25 من أبواب الحيض حديث: 2، 3، 4، 9، 7.

26

نسب للمشهور في التذكرة و جامع المقاصد و محكي المختلف و غيره، و للأشهر في الروض و محكي الذكرى، و للأكثر في المنتهى.

و قد نسبوا الخلاف للصدوق، و كأنه لقوله في الفقيه: «و لا يجوز مجامعة المرأة في حيضها، لأن اللّه عز و جل نهى عن ذلك فقال: وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏ يعني:

بذلك الغسل من الحيض، و نحوه في المقنع و الهداية. إلا أنه صرح بعد ذلك في الفقيه و المقنع بالاكتفاء بغسل الفرج مع شبق الزوج، و في الهداية بالاكتفاء به مع استعجاله.

و هو يناسب حمل التعميم لما بعد الطهر قبل الغسل على الكراهة، حيث يبعد جدا ارتفاع التحريم بالشبق و الاستعجال.

فما في محكي المختلف من نسبة المنع له إلا أن تغلبه الشهوة فيأمرها بغسل فرجها و يطؤها، بعيد. و أشكل منه ما في كلام غيره من نسبة المنع إليه من دون تنبيه إلى الاستثناء، مع تصريحه به.

و كيف كان، فيدل على الجواز جملة من النصوص، كموثق علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): «سألته عن الحائض ترى الطهر أيقع فيها [عليها.

يب. بها. صا] زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا بأس، و بعد الغسل أحب إلي» (1)، و موثق عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أو عن بعض أصحابنا عن علي بن يقطين عنه (عليه السلام)(2) «قال: إذا انقطع الدم و لم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء» (3)، و مرسل عبد اللّه بن المغيرة عن العبد الصالح (عليه السلام): «في المرأة إذا طهرت من الحيض و لم تمس الماء فلا يقع عليها زوجها حتى تغتسل، و إن فعل فلا بأس به. قال: تمس الماء أحب إلي» (4).

نعم، في موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): سألته عن المرأة كانت طامثا فرأت‏

____________

(1) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 5.

(2) فقد رواه بالوجه الأول في الاستبصار، و بالثاني في التهذيب، فيكون مرسلا. لكنه لا يخلو عن بعد، لأن عبد اللّه بن بكير أعلى من علي بن يقطين طبقة، فكيف يروي عنه بواسطة، و لا سيما مع ما ذكره النجاشي من أن أصحابنا ذكروا أنه لم يرو علي بن يقطين عن الصادق (ع) إلا حديثا واحدا. (منه عفي عنه).

(3) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 4.

27

الطهر أيقع عليها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل. قال: و سألته عن امرأة حاضت في السفر ثم طهرت فلم تجد ماء يوما أو اثنين أ يحل لزوجها أن يجامعها قبل أن تغتسل؟ لا يصلح حتى تغتسل» (1)، و في موثق سعيد بن يسار عنه (عليه السلام): «قلت له:

المرأة تحرم عليها الصلاة ثم تطهر فتتوضأ من غير أن تغتسل، أ فلزوجها أن يأتيها قبل أن تغتسل؟ قال: لا حتى تغتسل» (2)، و قريب منهما ما يدل على اعتبار التيمم عند عدم الماء و غيره مما يأتي.

لكن يتعين حملها على الكراهة التي يدل عليها بعض نصوص الجواز. و ربما حملت على التقية، لموافقتها للمشهور بين العامة، بل لم ينقل القول بالجواز مطلقا عنهم، و إنما حكي عن أبي حنيفة الجواز مع انقطاع الدم على أكثر الحيض. و هو و إن كان قريبا إلا أن مقتضى الجمع العرفي الأول. على أنه لا أثر له بعد ظهور بعض نصوص الجواز في الكراهة.

و أما الجمع بين الطائفتين بالتفصيل بين شبق الزوج و عدمه‏كما سبق عن المختلف حكايته عن الصدوق‏لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام):

«في المرأة ينقطع عنها الدم دم الحيض في آخر أيامها. قال: إذا أصاب زوجها شبق فليأمرها فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء قبل أن تغتسل» (3). فهو بعيد جدا، لما أشرنا إليه من بعد ارتفاع التحريم بالشبق، خصوصا مع إمكان سد الحاجة بالتفخيذ و نحوه، فجعله دليلا على الكراهة أنسب. و لا سيما مع إباء قوله (عليه السلام) في حديث ابن بكير: «إن شاء» عن الحمل المذكور. فلا مخرج عما ذكره الأصحاب.

هذا، و أما الآية الشريفة فعلى قراءة: «يطهرن» بالتشديد يتطابق الصدر و الذيل في الدلالة على النهي عن الوطء قبل الغسل. و يتعين حمله على الكراهة، لما تقدم من النصوص. و يختص بالتحريم قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ‏. و هو المناسب للتعليل بالأذى المختص ارتكازا بالحيض. و لا مانع من التفكيك بينه و بين‏

____________

(1) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 27 من أبواب الحيض حديث: 1.

28

ما بعده في الإلزام بعد أن كانا جملتين مختلفتي الموضوع.

و على قراءته بالتخفيف يكون مقتضى مفهوم الغاية في الصدر عدم النهي عن الوطء قبل الغسل، و مقتضى مفهوم الشرط في الذيل النهي عنه. و ما في الروض من أن الطهر بالتخفيف حقيقة شرعية في الطهارات الثلاث، و هي مقدمة على الحقيقة اللغوية. كما ترى، لأن الذي يطلق على الطهارات الثلاث هو الطهارة، لا الطهر، و إطلاق الطهارة عليها تابع لاصطلاح فقهي، لا لوضع شرعي. كيف و قد شاع في النصوص التي هي متأخرة عن الآية كثيرا إطلاق الطهر على ما يقابل الحيض، تبعا لمعناه اللغوي و العرفي. و من هنا لا بد من الجمع بين الصدر و الذيل.

و من البعيد جدا تنزيل أحدهما على الآخر بحمل الطهر في الصدر على الغسل، أو حمل التطهر في الذيل على انقطاع الدم، لعدم مألوفية كل منهما في الاستعمالات، و لظهور اختلاف هيئتهما في اختلاف معناهما.

و من هنا ربما يجمع بينهما بأحد وجهين:

أولهما: إلغاء مفهوم الغاية في الصدر، كي لا ينافي الذيل. و يتعين حملهما على الكراهة، كما سبق في قراءة التشديد.

ثانيهما: حمل خصوص الذيل على بيان ارتفاع مطلق المرجوحية و لو كانت تنزيهية، لا خصوص الحرمة، مع المحافظة في الصدر على مفهوم الغاية و على ظهوره في الحرمة تأكيدا لقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ‏.

و استقرب سيدنا المصنف (قدّس سرّه) الأول. لكن يبعد جدا إلغاء مفهوم الغاية، و لا سيما بعد ظهور سوق الجملة تأكيدا لما قبلها و مطابقته لمقتضى التعليل بالأذى.

و من هنا لا يبعد كون الأقرب الثاني. لو لم يكن هو الظاهر من الآية بنفسها مع قطع النظر عن النصوص المتقدمة، لما فيه من المحافظة على خصوصية الحيض في الحكم المناسبة لأخذه في موضوعه، و لجعل الغاية الطهر، و لتعليله بالأذى، و لتعليل الذيل بما يناسب ارتفاع الكراهة أو حدوث الرجحان لا مجرد ارتفاع الحرمة،

29

و هو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏.

و أما ما يظهر من غير واحد من توجيه الآية بحمل التطهر في الذيل على غسل الفرج أو الوضوء. فهو إنما ينفع لو قيل بوجوب أحدهما قبل الوطء، أما لو بني على عدم وجوب أحدهما كان خروجا عن الظاهر من غير فائدة. فلاحظ.

بقي شي‏ء، و هو أنه لو تعذر الغسل ففي قيام التيمم مقامه في ارتفاع الحرمة أو الكراهة به‏كما في الفقيه و في الدروس و جامع المقاصد و عن الذكرى و ظاهر المنتهى- أو عدم قيامه مقامه، بل ترتفع الحرمة أو الكراهة من غير تيمم‏كما يظهر من محكي نهاية الأحكام‏أو لا ترتفع بالتيمم، وجوه:

و الأول مقتضى معتبرة أبي عبيدة الآتية و رواية عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن المرأة إذا تيممت من الحيض هل تحل لزوجها؟ قال: نعم» (1).

و هو مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) في موثق عبد الرحمن أو صحيحه في المستحاضة: «و كل شي‏ء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت» (2).

نعم، مقتضى موثق أبي بصير المتقدم الثالث. و قريب منه موثق عبد الرحمن أو صحيحه‏ (3). لكن يتعين الجمع بين الطائفتين بحمل الثانية على الكراهة مع التيمم لو قيل بالحرمة بدونه، و على خفتها لو قيل بالكراهة بدونه، كما يناسبه التعبير فيه بقوله (عليه السلام): «لا يصلح». و هو المناسب أيضا لكون التيمم بدلا اضطراريا. و منه يظهر أن أضعف الوجوه الثاني. فلاحظ.

هذا، و لا مانع من إيقاع التيمم بداعي رفع كراهة الوطء أو حرمته، لأنه من الدواعي القربية الكافية في صحة الطهارات، على ما تقدم نظيره في المسألة السابعة و التسعين من فصل غايات الوضوء. فراجع.

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الحيض حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب الاستحاضة حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 21 من أبواب الحيض حديث: 3.

30

فرجها قبل الوطء (1)، و إن كان أحوط.

(1) كما في ظاهر السرائر و صريح المعتبر و المنتهى و جامع المقاصد و محكي الذكرى و البيان، كما هو الظاهر من كل من أهمل التعرض له، كما في الإرشاد و اللمعة و غيرهما، و كذا من لم يتعرض لحكم الوطء قبل الغسل و اقتصر على تحريم وطء الحائض، كما في المبسوط و الاقتصاد و الشرائع، و نسبه في الروض لأكثر القائلين بجواز الوطء قبل الغسل، و في محكي شرح المفاتيح إلى المشهور.

خلافا لظاهر الأمر به في كلام جملة من الأصحاب، كما في المقنعة و النهاية و الغنية و المراسم و السرائر و القواعد و ما تقدم من الصدوق، بل هو صريح بعضهم، بل في كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر، و في مفتاح الكرامة أنه ظاهر أكثر كتب الأصحاب.

و يستدل له بصحيح محمد بن مسلم المتقدم و معتبرة أبي عبيدة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المرأة الحائض ترى الطهر و هي في السفر و ليس معها من الماء ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة. قال: إذا كان معها بقدر ما تغسل فرجها فتغسله ثم تتيمم و تصلي. قلت: فيأتيها زوجها في تلك الحالة؟ قال: نعم، إذا غسلت فرجها و تيممت فلا بأس» (1).

و قد استشكل سيدنا المصنف (قدّس سرّه) في الصحيح بأنه إنما يكون ظاهرا في الوجوب لو كان من قبيل الأمر بالتبليغ، كي يكون الأمر شرعيا، و هو غير ظاهر، بل هو نظير أمر الولي الصبي بالعبادات. نعم، يدل على الرجحان، و هو أعم من الوجوب.

كما استشكل فيهما معا بأن الحكم المشروط بغسل الفرج هو المشروط بشبق الزوج أو التيمم، و هو الجواز بلا كراهة أو مع خفتها، فلا يدل على ثبوت الحرمة بدون غسل الفرج، بل المتيقن الكراهة، فلا مخرج عما تقتضيه المطلقات من عدم وجوب غسل الفرج.

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الحيض حديث: 1.

31

لكن الأول إنما يتوجه على ما في المستند من دعوى وجوب غسل الفرج نفسيا، و الظاهر عدم إرادته في المقام و إن نسبه لبعضهم في المستند، بل المراد هو الوجوب العقلي لتحليل الوطء، نظير وجوب الغسل لمس المصحف، و لا ريب في ظهور الصحيح فيه، لأن تعقيب الأمر بغسل الفرج بالترخيص في الوطء ظاهر في توقف الترخيص عليه.

نظير ما ورد في وطء الرجل جاريته التي زوجها من عبده، كصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سمعته يقول: إذا زوج الرجل عبده أمته ثم اشتهاها قال له: اعتزلها، فإذا طمثت وطأها ...» (1)، فإن أمر العبد باعتزالها و إن لم يكن من قبيل الأمر بالتبليغ إلا أنه ظاهر في توقف حل وطء المولى للجارية عليه.

و أما الثاني فيندفع: بأن ظاهر الصحيح كون الشبق رافعا للكراهة أو مخففا لها من حيثية عدم الغسل مع توقف الحل حينئذ على غسل الفرج، لا في أن الحل من دون كراهة موقوف على كل من الشبق و غسل الفرج، كي يكون مجملا من حيثية ما يتوقف على غسل الفرج، و أنه أصل الحل أو ارتفاع الكراهة.

مثلا إذا ورد: إن رأى الجنب مصحفا ملقى على الأرض فليتوضأ ثم له رفعه قبل أن يغتسل، كان ظاهرا في توقف حل حمل الجنب للمصحف على الوضوء، و إن كان تعرض المصحف للإهانة رافعا لكراهة حمل الجنب للمصحف.

على أن الإشكال المذكور لو تم مختص بالصحيح الظاهر في رافعية الشبق للكراهة، لما سبق من استبعاد رافعيته للحرمة، و لا مجال له في حديث أبي عبيدة، لظهوره في توقف الحل على كل من التيمم و غسل الفرج، و قيام الدليل الخارجي على عدم توقفه على التيمم، بل هو رافع للكراهة لا يوجب رفع اليد عن ظهوره في توقف الحل على غسل الفرج. فتأمل.

فالعمدة في وجه حمل الحديثين على الكراهة عدم التنبيه على غسل الفرج في‏

____________

(1) الوسائل باب: 45 من أبواب نكاح العبيد و الإماء حديث: 2.

32

(مسألة 17): الأحوط وجوبا للزوج دون الزوجة (1) الكفارة عن الوطء (2) في أول الحيض بدينار، و في وسطه بنصف دينار، و في‏ النصوص الدالة على عدم وجوب الغسل مع شدة الحاجة للتنبيه عليه. و إن كان في بلوغ ذلك حدّ القرينية إشكال.

نعم، التعبير بعدم مس الماء في حديث عبد اللّه بن المغيرة صالح للقرينية، لو لا الإشكال فيه بالإرسال. كما أن الظاهر من غسل الفرج هو تطهيره من نجاسة دم الحيض، و من البعيد جدا اعتبار ذلك في حلّ الوطء، و لذا لا يظن بأحد البناء على وجوب تطهيره منه لو تنجس به بعد ذلك، و الفرق بين النجاسة المتصلة بالحيض و النجاسة الطارئة بعد النقاء بعيد جدا. إلا أن في صلوح ذلك لرفع اليد عن ظاهر الأمر في الحديثين و حمله على الاستحباب إشكالا. فلا يترك الاحتياط.

هذا، و في التبيان حمل التطهر في الآية على الوضوء، و ظاهره وجوبه قبل الوطء، بل ظاهره الإجماع عليه، و حيث كان مخالفا لظاهر الآية كان حملها عليه و التكليف به محتاجا إلى دليل، و هو مفقود. إلا أن يريد به غسل الفرج، لأنه المذكور في صدر كلامه، فيبتني على ما سبق.

و مثله ما يظهر من مجمع البيان و عن أحكام الراوندي من وجوب أحد الأمرين من الوضوء و غسل الفرج، بل يظهر من الأول أنه إجماعي. و كذا ما عن محكي الجامع من وجوبهما معا.

(1) كما صرح به غير واحد و ادعى في الروض الإجماع عليه. لاختصاص النصوص بالزوج.

(2) حيث ذهب إلى وجوبها في الفقيه و الهداية و المقنع و المقنعة و التهذيب و الاستبصار و التبيان و الاقتصاد و طهارة المبسوط و إشارة السبق و الوسيلة و المراسم و السرائر و عن مصباح المرتضى و الجمل و العقود و الجامع و ظاهر كشف الرموز

33

و الدروس و المسالك، و إن لم يتضح صدق النسبة للأخيرين، و جعله أحوط القولين في الشرائع، و أحوط الروايتين في النافع، كما جعل الوجوب احتياطيا في اللمعة.

و هو المشهور مطلقا كما في الدروس و الروض و كشف اللثام، و بين المتقدمين، كما في الحدائق، و مذهب الأكثر، كما في التذكرة و جامع المقاصد و محكي الذكرى و شرح الجعفرية، بل في الانتصار و الخلاف و الغنية الإجماع عليه، و في مفتاح الكرامة أنه قد يحصل اتفاق قدماء الأصحاب عليه.

لكن لا مجال له بعد حكاية الشيخ في نكاح المبسوط عن أصحابنا الخلاف و قول بعضهم بالاستحباب و اختاره فيه و في النهايةفي مبحث الحيض، و إن كان مقتضى إطلاقه في كتاب الكفارات الوجوب-، و جرى عليه في المعتبر و التذكرة و المنتهى و الإرشاد و القواعد و الإيضاح و جامع المقاصد و الروض و الروضة و المدارك و كشف اللثام و الوسائل و محكي التحرير و المختلف و التلخيص و حاشية الإيضاح و حواشي الشهيد و فوائد الشرائع و الجعفرية و الموجز و مجمع البرهان و شرح المفاتيح و ظاهر الذكرى و البيان و غيرها، و في الحدائق أنه المشهور بين المتأخرين، و عن شرح المفاتيح نسبته لأكثرهم.

و منشأ ذلك اختلاف الأخبار، فقد تضمن جملة منها ثبوت الكفارة، كرواية داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في كفارة الطمث أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، و في وسطه نصف دينار، و في آخره ربع دينار. قلت: فإن لم يكن عنده ما يكفر؟

قال: فليتصدق على مسكين واحد، و إلا استغفر اللّه و لا يعود، فإن الاستغفار توبة و كفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شي‏ء من الكفارة» (1)، و قريب مما في صدره مرسل المقنع‏ (2)، بل لعله هو منقولا بالمعنى.

و صحيح محمد بن مسلم: «سألته عمن أتى امرأته و هي طامث. قال: يتصدق بدينار و يستغفر اللّه تعالى» (3)، و خبره: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يأتي المرأة و هي‏

____________

(1) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 3.

34

حائض قال: يجب عليه في استقبال الحيض دينار و في استدباره نصف دينار ...» (1)، و موثق أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به» (2)، و موثق الحلبي عنه (عليه السلام): «في الرجل يقع على امرأته و هي حائض ما عليه؟ قال: يتصدق على مسكين بقدر شبعه» (3)، و صحيحه: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي حائض. قال: إن واقعها في استقبال الدم فليستغفر اللّه و ليتصدق على سبعة نفر من المؤمنين بقوت كل رجل منهم ليومه، و لا يعد، و إن كان واقعها في إدبار الدم في آخر أيامها قبل الغسل فلا شي‏ء عليه» (4)، و مرسل علي ابن إبراهيم: «قال الصادق (عليه السلام): من أتى امرأته في الفرج في أول أيام حيضها فعليه أن يتصدق بدينار، و عليه ربع حدّ الزاني خمسة و عشرون جلدة، و إن أتاها في آخر أيام حيضها فعليه أن يتصدق بنصف دينار و يضرب اثنتي عشرة جلدة و نصفا» (5).

كما تضمن بعضها نفي الكفارة، كصحيح العيص: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هي طامث. قال: لا يلتمس فعل ذلك و قد نهى اللّه أن يقربها.

قلت: فإن فعل أ عليه كفارة؟ قال: لا أعلم فيه شيئا، يستغفر اللّه» (6)، و موثق زرارة عن أحدهما (عليهما السلام): «سألته عن الحائض يأتيها زوجها قال: ليس عليه شي‏ء، يستغفر اللّه و لا يعود» (7)، و خبر ليث المرادي: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن وقوع الرجل على امرأته و هي طامث خطأ. قال: ليس عليه شي‏ء، و قد عصى ربه» (8).

و قد جمع الشيخ (قدّس سرّه) بين الطائفتين بحمل الأولى على العلم بكون المرأة حائضا و الثانية على الجهل بذلك بشهادة خبر ليث، بحمل الخطأ فيه على ذلك، مدعيا أن الحكم فيه بأنه قد عصى ربه و الحث على الاستغفار في الصحيح و الموثق لا ينافي ذلك، و لا يلزم بحملها على العمد، إذ يمكن أن يكون بلحاظ تفريطه في ترك السؤال.

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب بقية الحدود و التعزيرات حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 5.

(4) الوسائل باب: 22 من أبواب الكفارات حديث: 2.

(5) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 6.

(6) الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 1.

(7) الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 2.

(8) الوسائل باب: 29 من أبواب الحيض حديث: 3.

35

و يشكل ما ذكره بأن الفحص عن الموضوع غير لازم، خصوصا مع كون الحل مقتضى الاستصحاب، أما مع استصحاب الحيض فيجري حكم العمد.

نعم، يمكن حمل الحكم بالمعصية في الخبر على إرادة المعصية الواقعية. و لعله أقرب مما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من حمل الخطأ فيه على الخطيئة. لكن تنزيل الصحيح و الموثق على الخطأ بعيد جدا بعد كونه على خلاف الأصل، و لا سيما مع الأمر فيهما بالاستغفار، و مع قوله في الصحيح: «لا يلتمس فعل ذلك و قد ...» الذي هو كالصريح في صلوح النهي للداعوية، و لا يكون إلا مع العمد، و قوله في الموثق:

«و لا يعود» إذ لا معنى للنهي عن العود في الخطأ و أبعد منه تنزيلهما بقرينة الطائفة الأولى على نفي شي‏ء غير الكفارة، أو على صورة عدم القدرة على الكفارة، بل هما لا يناسبان السؤال عن ثبوت الكفارة في الصحيح.

و مثله الإشكال في الصحيح و الموثق بما في الجواهر من عدم مقاومتهما للإجماعات المتقدمة، و لا سيما مع إعراض من عرفت من الأصحاب عنهما. لاندفاعه بعدم حجية الإجماع المنقول في نفسه خصوصا ما كان منقولا في الكتب الثلاثة المتقدمة، لكثرة دعاواه فيها في مورد الخلاف، بل شيوعه. و لا سيما مع خروج الشيخ عليه الذي هو أحد نقلته و اعترافه باختلاف الأصحاب الظاهر في سبق الخلاف عليه.

كما لا مجال معه لدعوى الإعراض الموهن للخبرين مع اعتبار سنديهما.

و كذا الإشكال في الطائفة الأولى بأن ما عليه الفتوى منها و هي الرواية الأولى ضعيفة بالإرسال و غيره، لإمكان اندفاعه بانجبارها بعمل الأصحاب، و لا سيما مع ما في المنتهى من اتفاق الأصحاب على صحتها و إن ضعف سندها، و إنما خلافهم في حملها على الوجوب أو الاستحباب.

و دعوى: أنه يحتمل كون ذكر جماعة منهم لذلك لبنائهم على الاستحباب الذي يتسامح في أدلته، و إنما لم ينبهوا لذلك لتعودهم على الاقتصار على ذكر مضامين النصوص.

مدفوعة: بمخالفة ذلك لظاهر جملة منهم و صريح آخرين، و لأن شيوع‏

36

التحديد المذكور بينهم دون بقية التحديدات المذكورة في النصوص المعتبرة قد يوجب الوثوق باطلاعهم على ما يوجب اعتبارها. فتأمل. و يأتي بقية الكلام في ذلك عند الكلام في مقدار الكفارة.

و من هنا كان الأقرب الجمع بين الطائفتين بحمل الأولى على الاستحباب، كما يناسبه شدة الاختلاف بينها في مقدار الكفارة، بنحو يصعب الجمع العرفي بتنزيلها على التفصيل الذي تضمنه الأول منها، بل يتعذر في بعضها. و لا سيما مع عدم ظهور الخبر المذكور في الوجوب، لوروده لبيان مقدار الكفارة مع المفروغية عن مشروعيتها، من دون أن يتضمن الأمر بها.

و لا وجه معه لحمل إحدى الطائفتين على التقية، لأنه فرع استحكام التعارض، بل لا مجال له بعد اختلاف العامة، فقد حكى في التذكرة القول بالوجوب عن الحسن البصري و عطاء الخراساني و أحمد و الشافعي في القديم، و القول بالاستحباب عن سفيان الثوري و أصحاب الرأي و مالك و الشافعي في الجديد.

و منه يظهر أنه لو فرض استحكام التعارض كان المتعين التساقط و الرجوع للبراءة، لا ترجيح نصوص الوجوب، بدعوى مخالفتها للعامة. كما لا مجال لدعوى ترجيحها بالشهرة لأنها أكثر، لأنها ليست بالنحو الكافي في الترجيح، و لا سيما مع الاختلاف بينها في المقدار اختلافا يصعب أو يتعذر معه الجمع. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالى العالم.

هذا، و في طهارة المبسوط: «و هل الكفارة واجبة أو مندوب إليها؟ فيه روايتان، إحداهما- و هي الأظهرأنها على الوجوب، و الثانية: أنها على الاستحباب».

و ظاهره دلالة بعض الروايات على الاستحباب، و لم أعثر على ذلك عدا ما عن دعائم الإسلام: «و روينا عنهم (عليهم السلام): أن من أتى حائضا فقد أتى ما لا يحل له. و عليه أن يستغفر اللّه و يتوب إليه من خطيئته، و إن تصدق بصدقة مع ذلك فقد أحسن» (1)،

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الحيض حديث: 1.

37

آخره بربع دينار (1). و الأحوط وجوبا أيضا دفع الدينار نفسه مع‏ بناء على أن الذيل من تتمة الرواية لا من المؤلف. و ربما يحمل ما في المبسوط على أن الاستحباب مقتضى الجمع بين النصوص كما ذكرنا، لا أنه مقتضى رواية خاصة دالة على الرجحان من دون إلزام.

(1) كما جرى عليه جمهور الأصحاب في بيان مقدار الكفارة سواء قيل بوجوبها أم باستحبابها، و ادعى جملة منهم الشهرة على ذلك، و هو معقد الإجماعات المتقدمة المدعات على الوجوب، و عن المهذب البارع دعوى الإجماع عليه أيضا، و ذكر في المعتبر اتفاق الأصحاب على اختصاص رواية داود بن فرقد بالمصلحة الراجحة إما وجوبا أو استحبابا، و قال: «فنحن بالتحقيق عاملون بالإجماع، لا بالرواية، لأنه لو لا أحد الأمرين يلزم خروجها عن الإرادة، و هو منفي بالاتفاق».

نعم، يظهر التردد فيه من الصدوق، كما اعترف به في الجملة في المعتبر و غيره، فإنه و إن اقتصر في نكاح المقنع و الهداية على ذلك، إلا أنه في الفقيه بعد أن ذكره قال: «و روي أنه إذا جامعها و هي حائض تصدق على مسكين بقدر شبعه»، بل في طهارة المقنع قال: «و إذا وقع الرجل على امرأة و هي حائض فإن عليه أن يتصدق على مسكين بقدر شبعه. و روي: إن جامعها في أول الحيض ...» ثم ذكر مضمون رواية داود بن فرقد. كما قد يظهر من اقتصار الكليني في نوادر الكفارات على صحيح الحلبي فتواه بمضمونه.

و كيف كان، فالوجه فيما في المتن رواية داود بن فرقد مع تنزيل غيرها عليها، فينزل صحيح محمد بن مسلم على أول الحيض، و موثق أبي بصير على وسطه، و موثق الحلبي على تعذر التصدق بالدينار و أبعاضه، حيث تضمنت رواية داود الاكتفاء حينئذ بالصدقة على مسكين واحد.

و أما ما في التهذيب من حمل الموثق على ما إذا كانت قيمته ما يبلغ الكفارة، فغريب.

38

الإمكان (1)، لكن لا يخفى بعد التنزيلات الأول أيضا كتعذر التنزيل في صحيح الحلبي و خبر محمد بن مسلم و مرسل علي بن إبراهيم. و هذا ما يؤيد ما سبق من كون الحكم استحبابيا. بل قد يقوى معه احتمال كون ذكر غير واحد من القدماء لمضمون رواية داود ليس لبنائهم على وجوبه، بل لاستحبابه، و لم ينبهوا على ذلك كما لم ينبهوا في كثير من المستحبات التي اثبتوها بلسان نصوصها التي قد تظهر بدوا في الوجوب، و إنما رجحوا رواية داود لأنها أقرب للاعتبار، لأن مبناهم على التسامح في المستحبات.

و من هنا كان المناسب العمل بجميع النصوص و الجمع بينها بالحمل على اختلاف مراتب الفضل أو التخيير، قال في محكي مجمع الفائدة و البرهان: «أن الظاهر من التكفير مطلق التكفير، مثل شبع شخص و عشرة، كما هو في بعض الروايات، و يكون المذكور مستحبا في مستحب».

(1) كما جزم به في جامع المقاصد و المسالك و المدارك، و هو ظاهر الروضة و عن غيرها. جمودا على مفاد النص.

و يشكل: بأن إطلاق التكليف بالعناوين النقدية كالدينار و الدرهم و التومان و الليرة و غيرها ينصرف إلى إرادة المالية المحفوظة في النقد المسكوك المتداول في مورد تداول النقد المكلف به، لأنها الغرض النوعي من النقود المضروبة، بنحو يكون سببا لإلغاء خصوصياتها عرفا، فإذا كلف في زماننا بالدينار العراقي اجتزأ بدفع ما يساويه من نقد العراق، كنصفي دينار، و نصف و ربعين، و عشرين درهما و غيرها، لا من باب التبديل، بل لفهمها من الإطلاق. و يناسبه وروده في النص في سياق نصف الدينار و ربعه مع أن الظاهر عدم ضربهما في عصر الصدور. و حملهما على التصدق بالكسر المشاع بعيد جدا، بل المفهوم ما ذكرنا.

و عليه لا يلزم الجمود على الدينار، و لا التعدي لمطلق النقد، فضلا عن كل ما يساويه في القيمة و لو من غير النقد. و كأن هذا هو مراد جملة ممن وصف الدينار بما

39

و إلا دفع القيمة (1) يكون قيمته عشرة دراهم جياد، حيث وصفه بذلك جماعة كثيرة كالشيخين و العلامة و غيرهم، بل في جامع المقاصد أنه المعروف من مذهب الأصحاب، فلا يبعد أن يكون مراد جملة منهم جواز دفع الدراهم، لأنها بقدره في البلاد الإسلامية التي يتعارف فيها استعمال الدينار، كما احتمله منهم في كشف اللثام و نسبه صريحا للجامع، لا أن مرادهم تقييد الدينار بها بحيث لا يجب دفعه بتمامه لو زادت قيمته عليها، و لا يجزي لو نقصت قيمته عنها، فإنه بعيد جدا، و لا أن مرادهم مجرد تعريفه بذلك، لبيان وجوب كون الدينار ذهبا خالصا بوزن مثقال، لأن التصريح بذلك أخصر و أفيد.

و منه يظهر أنه لا مجال لما ذكره جماعة كثيرة من إطلاق عدم إجزاء دفع القيمة، و لا لما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) و سبقه إليه في المنتهى و محكي التحرير و نهاية الأحكام من الاكتفاء بالذهب غير المسكوك. قال (قدّس سرّه): «إذا كانت قرينة السياق مانعة من حمل الدينار على خصوص المسكوك يدور الأمر بين حمله على القيمة و حمله على المقدار من الذهب، و الثاني أولى، لأنه أقرب إلى الحقيقة و إلى الاحتفاظ بخصوصية الذهب، فيكون هو المتعين».

و فيه: أن الأقربية للحقيقة و الاحتفاظ بخصوصية الذهب لا تصلح قرينة في المقام ما لم ترجع للأقربية ذهنا، و هي ممنوعة بعد ما ذكرنا. و أضعف منه ما في المنتهى من تناول الاسم للذهب المضروب و غيره. لأن اختصاصه بالمضروب من الواضحات، و التعدي لما ذكرنا للخصوصية التي أشرنا إليها آنفا، لا لعموم الاسم له.

(1) قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه) بعد أن جزم بعد إجزاء القيمة اختيارا: «ثم إنه لو تعذر الدينار فلا كلام في الاجتزاء بالقيمة، و العمدة فيه الإجماع المذكور. و لو لاه أشكل الحكم، لأن قاعدة الميسور على تقدير تماميتها كلية فاقتضاؤها وجوب القيمة غير واضح، لعدم صدق الميسور على القيمة».

و ما ذكره (قدّس سرّه) في محله، لأن قيمة الشي‏ء ارتكازا بدل عنه لا ميسور منه. على أن‏

40

وقت الدفع (1).

القاعدة غير تامة، كما أشرنا إليه غير مرة.

هذا، و في جامع المقاصد: «و مع تعارض القيمة و التبر يحتمل التخيير، و ترجيح التبر لقربه من المنصوص».

و فيه‏مع ما سبق من الإشكال في الترجيح بالقرب من المنصوص-: أن التبر و إن كان أقرب من حيثية الماهية و الحقيقة، إلا أن القيمة أقرب من حيثية المالية، التي هي أنسب ارتكازا بالملاحظة في أمثال المقام مما يكون التكليف فيه بالمال، بل حيث كان أصل التعدي عن الدينار مع تعذره من جهة الإجماع فالظاهر من حال المجمعين تعين القيمة، و إنما ذهب من ذهب للاكتفاء بالذهب لتخيل كونه في عرض الدينار، كما سبق. فتأمل.

نعم، يقع الكلام في الاجتزاء بكل ما يساوي الدينار في المالية أو بخصوص النقد، قد ينسب لظاهر كلماتهم الأول. لكنه لا يخلو عن إشكال، لانصراف القيمة إلى النقد دون غيره بل هو مساو للمضمون في القيمة، لا قيمة له. و لا أقل من لزوم الاقتصار على المتيقن. اللهم إلا أن يدعى أن المرجع البراءة، بناء على ما يأتي من احتمال التكليف بالقيمة مع التعذر، لا بالدينار و القيمة مسقطة له. فتأمل.

هذا، و بناء على ما سبق منا يتجه التخيير بين الدينار الذهب المضروب و الدراهم، و مع تعذرهماكما في عصورناينتقل للقيمة بالنقد، و المتيقن الاقتصار على نقد البلاد التي تدفع بها الكفارة أو تجب فيهاعلى ما يأتي نظيره في وقت القيمة- أما نقد غيرها فهو فيها كسائر أفراد العروض الأخرى، فيجري فيه ما سبق فيها.

(1) لأنه وقت الانتقال إليها، بناء على ما هو الظاهر من إمكان انشغال الذمة وضعاالذي هو بمعنى الضمان‏بالمتعذر، بلحاظ إمكان تفريغها ببدله. إلا أن يدعى أن مرجع الأمر بالكفارة ليس إلى انشغال الذمة بها وضعا، بل إلى وجوب أو استحباب دفعها تكليفا، و حيث يمتنع التكليف بالمتعذر يتعين الانتقال للقيمة المستلزم لوجوب قيمة

41

نعم لا شي‏ء على الساهي، و الناسي (1)، وقت التعذر لو كان متأخرا عن التكليف و قيمة وقت التكليف لو كان متأخرا عن التعذر.

هذا، و حيث كان الدينار الشرعي مساويا للمثقال الشرعي الذي سبق تحديده في مبحث الكر كان اللازم مراعاة قيمته، و المعيار فيها على قيمة الذهب المقدر بذلك.

و لا مجال لملاحظة قيمة بعض الدنانير الأثريةالتي هي عالية جدالأن نسبة القيمة إليها ليس بلحاظ كونها دينارا، بل بلحاظ قدمها و أثريتها، و الظاهر خروج ذلك عن مقام التقدير في الماليات. بل لا يبعد عدم وجوب دفعها مع التمكن منها، لانصراف الدينار إلى ما يتعامل به. فتأمل جيدا. و اللّه سبحانه و تعالى العالم.

(1) فقد صرح بعدم وجوبها مع النسيان في التذكرة و المنتهى و المسالك، و هو مقتضى التقييد بالعلم و العمد في المبسوط و الشرائع و الدروس، بل الظاهر عدم الإشكال فيه بينهم و إن قصرت عنه بعض عباراتهم. لانصراف إطلاق الكفارة إلى كونها عقوبة على الذنب أو مسقطة له كالتوبة، فيقصر عما لو لم يكن الفاعل مسئولا به لعذر من نسيان أو نحوه، و لعله إليه يرجع استدلال بعضهم بحديث رفع النسيان، لأن المرفوع به ما هو من سنخ المسؤولية و شئونها، كالعقاب و نحوه، دون غيره من الآثار.

و لا ينافي ذلك ثبوت الكفارة في قتل الخطأ و الصيد خطأ في الإحرام، لأن قيام الدليل الخاص على شي‏ء لا ينافي انصراف الإطلاق عنه. بل لعل السقوط مقتضى إطلاق الخطأ في خبر ليث المتقدم بناء على ما سبق في الاستدلال به. مضافا إلى اختصاص أكثر نصوص المقام بصورة تحقق المعصية، للأمر فيها بالاستغفار، و تضمنها أنه توبة و كفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شي‏ء من الكفارة، لوضوح أن الاستغفار و التوبة من شئون الذنب الذي يسأل به.

بل رواية داود بن فرقد التي هي دليل الأصحاب في المقام، واردة في مقام بيان مقدار الكفارة بعد الفراغ عن مشروعيتها، لا في مقام تشريعها، ليكون لها إطلاق يقتضي تشريعها مع السهو و النسيان. فلاحظ.

42

و الصبي (1)، و المجنون (2)، و الجاهل بالموضوع (3)، بل بالحكم (4) إذا (1) كما في المنتهى و التذكرة، بل في الأول دعوى الإجماع عليه. و الظاهر عدم الإشكال فيه بينهم. لما سبق في السهو و النسيان. مضافا إلى حديث رفع القلم، حيث يخرج به عن عموم وجوب الكفارة لو تم، بناء على ما أشرنا إليه في تعيين وقت القيمة من أن وجوبها تكليفي لا وضعي، بل و إن كان وضعيا بناء على ما هو الظاهر من عموم حديث رفع القلم للوضعي إذا كان من سنخ المسؤولية و شئونها، كنفوذ العقد. و وجوبها عليه بعد البلوغ يحتاج إلى دليل، لظهور نصوصها في وجوبها بمجرد الوطء من دون فصل.

(2) الكلام فيه هو الكلام في الصبي.

(3) و هو كون المرأة حائضا، كما صرح به في المقنعة و التهذيب و الاستبصار و الخلاف و التذكرة و المنتهى و ظاهر المسالك، و هو مقتضى التقييد بالعمد ممن سبق، و بالعلم بحالها في الروض و كشف اللثام، بل لعله لا إشكال فيه بينهم، بل ظاهر الخلاف نفي الخلاف فيه. و الوجه فيه ما سبق في الساهي و الناسي.

(4) و هو حرمة وطء الحائض، فقد أطلق سقوط الكفارة مع الجهل بذلك في الخلاف و التذكرة و المنتهى. و هو مقتضى التقييد بالعلم ممن سبق، كما هو المحكي عن الجامع و التحرير و نهاية الأحكام و المختلف الذكرى، و ظاهر الخلاف نفي الخلاف فيه، و عن الهادي أنه إجماعي.

و يقتضيه ما سبق في الساهي و الناسي من انصراف إطلاق الكفارة إلى صورة المسؤولية بالذنب و المؤاخذة عليه، مؤيدا باختصاص جملة من نصوصها بذلك، لاشتمالها على الاستغفار و التوبة. لكنه يختص بما إذا كان الجهل عذرا، كما قيده به في المتن، دون ما لو كان عن تقصير.

إلا أن يتمسك لإطلاق سقوط الكفارة مع الجهل بالإجماع المتقدم، و بما سبق التنبيه عليه من عدم الإطلاق في رواية داود التي هي دليل الأصحاب في المقام، حيث‏

43

كان عن عذر. و لو وطأ السيد أمته في الحيض فالأحوط وجوبا أن يتصدق بثلاثة أمداد (1)

يلزم الاقتصار معه على المتيقن. و لا يهم إطلاق غيرها بعد عدم العمل به و صعوبة تنزيله على مفادها أو تعذره، كما سبق فتأمل.

و أما مع الجهل بثبوت الكفارة و العلم بالتحريم فظاهرهم ثبوت الكفارة، و هو قريب جدا، لمناسبته لما عرفت من كون الكفارة من شئون المسؤولية بالذنب. و لا يهم معه ما ذكرناه من عدم الإطلاق في رواية داود بعد الإشارة فيها للجهة المذكورة التي لا دخل فيها ارتكازا للعلم بثبوت الكفارة، و ليس هو كالعلم بحرمة الوطء، حيث يكون الجهل بها موجبا لتخفيف الذنب و إن كان عن تقصير، فلا يبعد سقوط الكفارة به. فافهم.

هذا، و في مفتاح الكرامة: «و أما التفصيل بالمضطر و غيره و الشاب و غيركما قاله الراوندي‏فلا عبرة به. و هو في محله. إلا أن يراد بالاضطرار ما يرفع الحرمة، فيتجه سقوط الكفارة لما سبق.

(1) كما في المقنع و الهداية و الفقيه و المقنعة و الانتصار و السرائر و الوسيلة و محكي كشف الالتباس، و نفى في السرائر الخلاف فيه، و ادعى في الانتصار أنه إجماعي، و صريحه كمحكي كشف الالتباس الوجوب، كما هو ظاهر غيرهما، بل في كشف اللثام أنه ظاهر أكثر من ذكره.

و صرح بالاستحباب في المعتبر و المنتهى، كما لعله الظاهر ممن صرح باستحباب التكفير بوطء الزوجة بالدينار و نصفه و ربعه، كما في النهاية و القواعد و محكي نهاية الأحكام و التحرير و البيان، بل عدم الوجوب كالصريح من جامع المقاصد و الروض.

و قد يظهر من إطلاق جملة منهم مشاركة الأمة للزوجة في التكفير بالدينار و نصفه و ربعه، بل هو كالصريح من الشيخ في التهذيبين، حيث حمل ما تضمن التصدق على عشرة مساكين في الأمة على ما إذا كان في آخر الحيض، فيحسن توزيع الربع دينار عليهم.

و ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من قيام الإجماع على انتفاء الكفارة بذلك في‏

44

الأمة غير ظاهر، كيف و في حاشية المدارك نسبته للمشهور.

هذا، و قد استدل في الانتصار لوجوب الأمداد الثلاثة بعد الإجماع بإطلاق ما تضمن الأمر بفعل الخير و الطاعة، الذي لا يمنع من الاستدلال به الخروج عنه في بعض الموارد. لكن لا مجال لدعوى الإجماع بعد ما سبق. و عموم الأمر بفعل الخير لما كان استغراقياكما هو مبنى الاستدلال‏فلا مجال لحمله على الوجوب المولوي لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن، بل يحمل على الاستحباب. أو الإرشاد الذي هو المتعين في أوامر الطاعة.

نعم، في الرضوي: «و إن جامعت أمتك و هي حائض فعليك أن تتصدق بثلاثة أمداد من الطعام» (1). بل من البعيد جدا فتوى الأصحاب بمثل هذا الحكم التعبدي من دون رواية به.

لكن ضعف الرضوي و عدم العثور على الرواية و النظر في لسانها مانع من الاستدلال بهما. و احتمال اعتمادهم على الرضوي بعيد جدا، لعدم ظهوره إلا في العصور المتأخرة. بل ذكرنا في بعض مواضع هذا الشرح إلى أن بعضه أشبه بكلام الفقهاء منه بكلام الأئمة (عليهم السلام) و إن كانت موافقة الصدوق له في كثير من الموارد و الخصوصيات التي قد ينفردان بها قد تكشف عن اطلاعه و اعتماده عليه، أو أخذهما من مشرب واحد.

و قد يستدل لمشاركة الأمة للزوجة في الدينار و نصفه و ربعه بإطلاق بعض ما سبق في الزوجة و بعضه و إن كان مختصا بالزوجة إلا أن خصوصيتها ملغية عرفا، لقضاء المناسبات الارتكازية بأن الكفارة لحيثية حرمة الوطء. و يشكل بأن عمدة الدليل على التفصيل المذكور هو رواية داود بن فرقد، التي سبق أنها واردة لتحديد الكفارة بعد الفراغ عن مشروعيتها، فلا إطلاق لها يقتضي مشروعيتها بوطء غير الزوجة فضلا عن وجوبها.

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام الحيض حديث: 1.

45

نعم، لو علم بثبوت الكفارة في الأمة كان مقتضى إطلاق الرواية المذكورة أنها بالمقدار الذي تضمنته، لكن لا طريق للعلم بذلك. و أما الاستدلال عليه بإطلاق قوله (عليه السلام) في موثق أبي بصير السابق: «من أتى حائضا فعليه نصف دينار يتصدق به»، كما هو مقتضى إطلاق خبر محمد بن مسلم المتقدم المتضمن للتفصيل في الدينار و نصفه بين استقبال الحيض و استدباره. فهو لا يخلو عن إشكال، لصعوبة تنزيل الموثق على مفاد الرواية، و امتناع تنزيل الخبر عليه، كما سبق، فمبنى الاستدلال بالرواية على طرحهما، و معه كيف يستدل بإطلاقهما في المقام.

و أما إلغاء خصوصية الزوجة فهو يحتاج إلى لطف قريحة، خصوصا مع ظهور القول بالفرق بينها و بين الأمة.

هذا كله مع أن النصوص النافية للكفارة و إن اختصت بالزوجة إلا أنها تصلح لرفع اليد عن ظهور نصوص الكفارة في الوجوب حتى في الأمةلو تم شمول إطلاقها لهالأن حملها على خصوص الأمة بعيد جدا، و على التفصيل بينها و بين الزوجة في الوجوب و الاستحباب متعذر عرفا.

و لا سيما مع ما رواه الشيخ بطريق معتبر في الاستبصار عن عبد الكريم بن عمرو الموثق، و في التهذيب عن عبد الملك بن عمرو الذي لا يخلو عن مدح: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أتى جاريته و هي طامث. قال: يستغفر اللّه ربه. قال عبد الكريم [عبد الملك‏]: فإن الناس يقولون: عليه نصف دينار أو دينار. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فليتصدق على عشرة مساكين» (1). فإنه كالصريح في عدم وجوب الدينار و نصفه. بل اقتصاره (عليه السلام) أول الأمر على الاستغفار و عدم ذكره للصدقة إلا بعد ذكر الراوي ما يقوله الناس ظاهر جدا في عدم وجوب الصدقة أيضا. بل قد يكون ذكر الصدقة على عشرة مساكين مماشاة للناس في الجملة. لا لاستحبابها شرعا.

و لعله لذا لم يذكرها الأصحاب. فتأمل.

____________

(1) الوسائل باب: 28 من أبواب الحيض حديث: 2.

46

من الحنطة أو الشعير (1) على ثلاثة مساكين (2).

هذا، و قد استظهر منه سيدنا المصنف (قدّس سرّه) كون الصدقة بعشرة أمداد. و كأنه لبعد إرادة الإطلاق المستلزم للاكتفاء بمسمى الصدقة، و صلوح معهودية الصدقة على المسكين بمد في كثير من الموارد للقرينية على إرادته هنا.

(1) لم يتضح الوجه في الاقتصار عليهما مع إطلاق الطعام في الفتوى و الرضوي و معقد الإجماع و نفي الخلاف في الانتصار و السرائر.

(2) كما في المقنعة و النهاية و عن المهذب و الجامع، و هو داخل في معقد الإجماع المدعى في الانتصار، و معقد عدم الخلاف المدعى في السرائر. و ينحصر الدليل عليه بذلك، و إلا فالرضوي خال عنه. و دعوى: أن ذلك هو المنسبق من إطلاقه، غير ظاهرة.

بقي في المقام أمور ..

الأول: الظاهر عدم الفرق في الأمة بين القنة و المدبرة و أم الولد و المكاتبة

التي لم يتحرر منها شي‏ء، كما صرح به بعضهم، و هو مقتضى إطلاق غيره. لإطلاق الرضوي و معقد الإجماع المتقدم. بل يجري ذلك في المزوجة إذا وطأها مالكها، كما صرح به في الروض. اللهم إلا أن يكون الدليل هو الإجماع دون الرضوي، حيث تخرج عن المتيقن منه، لأنها بحكم الأجنبية، و ليست كأحد الأقسام المتقدمة، فيتعين ابتناء حكمها على ما يأتي في غير الزوجة و الأمة.

و كذا الحال في المبعضة بناء على حرمة وطء مالك البعض لها مطلقا، و في المشتركة و إن قيل بجواز وطئها لأحد الشركاء بتحليل الباقي‏كما تضمنته بعض النصوص‏ (1)- لخروجهما عن عنوان الزوجة و الأمة معا. و أما لو قيل بجواز وطء المبعضة بالمهاياة في يومه و بالتمتع في يومهاكما تضمنه النص المذكور أيضافلا ينبغي التأمل في لحوق حكم وطء المتمتع بها مع وطئها في يومها بالتمتع.

____________

(1) الوسائل باب: 41 من أبواب نكاح العبيد و الإماء حديث: 1.

47

و أما وطؤها بالمهاياة في يومه فقد يدعى جريان حكم الأمة فيه، لأنه و إن لم يصدق عليها الأمة إلا أن ظاهر النص الدال على جواز الوطء كونه من باب وطء المملوكة، فيجري عليه حكمه.

لكنه يشكل بأن التصدق بثلاثة أمداد ليس من أحكام وطء المملوكة، بل هو حكم من وطأ أمته، الذي لا يصدق في المقام. بل لو فرض صدقه فحيث يحتمل انحصار الدليل عليه بالإجماع الذي يخرج المقام عن المتيقن منه، كان المتعين التوقف عن إجرائه فيه، و الرجوع فيه لحكم وطء غير الزوجة و الأمة، نظير ما تقدم في الزوجة إذا وطأها مالكها. و كذا الحال في المحللة، لأن وطأها و إن أمكن أن يكون من باب وطء مالك اليمين بنحو من التعمل، إلا أنه ليس وطأ لأمته. فما عن ظاهر كشف الغطاء من عموم حكم الأمة لها غير ظاهر.

الثاني: الظاهر عدم الفرق في الزوجة بين الحرة و الأمة و الدائمة و المنقطعة،

كما هو مقتضى إطلاق الأصحاب و صرح به غير واحد، بل لعله لا إشكال فيه بينهم، لأن الظاهر دخول الزوجة بأقسامها في المتيقن من رواية داود بن فرقد، و إن لم يكن لها إطلاق من هذه الجهة، كما تقدم. و لا سيما مع دخولها في إطلاق بقية نصوص الكفارة و إن لم يعول عليها في تحديدها. فتأمل.

الثالث: لو لم تكن الموطوءة زوجة و لا أمة

- كالمزني بها و الموطوءة شبهةفلا إشكال في عدم وجوب التكفير بثلاثة أمداد، لاختصاصه بوطء الأمة، و هل يجب بالدينار و نصفه و ربعه، كما في المنتهى و الحدائق و محكي الذكرى و غيرها، أو لا كما قواه بعض الأعاظم (قدّس سرّه)؟

وجهان مبنيان على ما تقدم عند الكلام في حكم الأمة من استفادة العموم لغير الزوجة من نصوص التكفير المذكور و عدمها. و أما الاستدلال لوجوب التكفير لو لم يتم العموم بالأولوية في المزني بها، لتأكد الحرمة فيها، فلا يخلو عن إشكال، خصوصا مع ما في الروض و غيره من احتمال كون الكفارة مسقطة للذنب، فلا يتعدى للأقوى،

48

لأنه بتفاحشه قد لا يقبل التكفير، كما مثل له في الحدائق بالصيد ثانيا.

و مثله ما في الجواهر من التوقف في وجوب الكفارة حتى لو تم الإطلاق في النصوص، بدعوى: الشك في شموله لنحو المقام. و كأن مراده انصراف الإطلاق عنه. لكنه بدوي لا يعتد به.

الرابع: الظاهر عدم الإشكال في جواز دفع كفارة وطء الزوجة لمسكين واحد،

و به صرح جماعة، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه». لإطلاق النصوص.

لكن في العروة الوثقى بعد الفتوى بذلك: «الأحوط صرفها على ستة أو سبعة مساكين» و عن نجاة العباد الاحتياط بالسبعة أو بالعشرة. و ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أن وجه الاحتياط بالسبعة صحيح الحلبي المتقدم في نصوص الكفارة، ثم قال: «لكن ينبغي حينئذ أن يكون مقدار ما يكفي لكل منهم قوت يومه، كما قيد به فيه».

و هو موقوف على أن مفاد الصحيح جواز دفع قيمة القوت، لا عينه، أو على أنه يجوز دفع عين القوت بدل الدينار في الكفارة، و الثاني ممنوع، كما تقدم، و الأول مشكل. مع أن الصحيح مختص باستقبال الحيض. و أما الاحتياط بالستة فقد ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أنه غير ظاهر الوجه.

و أما الاحتياط بالعشرة فقد وجهه (قدّس سرّه) بالنص المتقدم في الأمة. لكنه‏مع اختصاصه بالأمةقد تقدم احتمال ظهوره في التصدق على كل مسكين بمد، فيشكل الاحتياط المذكور بنظير ما تقدم في صحيح الحلبي.

نعم، أشرنا آنفا إلى أن الشيخ (قدّس سرّه) في التهذيبين حمل النص المذكور على ما إذا كان الوطء في آخر الحيض و كان ربع الدينار مساويا لمقدار الصدقة على عشرة مساكين.

و لو تم وجب توزيع ربع الدينار عليهم. لكن ظاهره في التهذيب حمل التوزيع فيه على الاستحباب. و لم يتضح وجهه، لأن ما سبق منا في وجه عدم حمل النص المذكور على الوجوب إنما يرجع إلى عدم وجوب التصدق الذي تضمنه‏و المفروض في كلامه وجوبه‏و لا ينافي لزوم التوزيع في الصدقة التي تضمنهامستحبة كانت أو واجبةكما هو

49

ظاهر النص. فالعمدة أن أصل الحمل المذكور في كلامه ليس عرفيا، بل هو بعيد جدا.

بل لما كان واردا في الأمة كان اللازم الاقتصار على مورده، و العمل بإطلاق الصدقة فيه، أو حمله على الصدقة على كل مسكين بمدّ، لما سبق.

الخامس: قال في العروة الوثقى: «وجوب الكفارة في الوطء في دبر الحائض غير معلوم. لكنه أحوط».

و قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «لابتنائها على حرمة وطئها في الدبر، و قد تقدم منه الإشكال فيه».

و لا ينبغي التأمل في عدم وجوب الكفارة بناء على جواز وطء الحائض في الدبر، حيث تقدم أن منصرف الكفارة كونها من شئون الذنب، و لا سيما مع اشتمال بعض نصوص الكفارة على التوبة و الاستغفار. و أما بناء على حرمته فقد يستشكل في وجوب الكفارة به، و لعله المراد في العروة الوثقى، لدعوى: انصراف إطلاق النصوص عنه، بل قد خص في مرسل علي بن إبراهيم بالإتيان في الفرج، و سبق عدم الإطلاق في رواية داود بن فرقد التي هي دليل الأصحاب في المقام. فتأمل.

هذا، و أما إدخال بعض الحشفة فالظاهر ابتناء ثبوت الكفارة به على حرمته.

السادس: حكى في الجواهر عن ظاهر كشف الغطاء تعميم وجوب الكفارة لما إذا كانت المرأة ميتة،

و به أفتى في العروة الوثقى و أقره غير واحد من محشيها. و يظهر من الجواهر دعوى انصراف الإطلاق عن الميتة. لكن التحقيق قصوره عنها، لعدم صدق الحائض عليها، و إنما يحرم وطؤها لبينونتها بالموت كما لو لم تكن حائضا.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من استصحاب حرمة الوطء إلى حال الموت، لبقاء الموضوع عرفا، فإذا ثبتت الحرمة ثبتت الكفارة، لأنها تابعة لها. فيشكل- مضافا إلى المنع من بقاء الموضوع في المقام و غيره من موارد استصحاب الأحكام التكليفية، على ما ذكرناه غير مرة في هذا الشرح‏بأنه لا شك في حرمة الوطء و إن تبدل الموضوع، لما ذكرناه من بينونتها بالموت.

و لا مجال لاستصحاب خصوصية الحرمة من حيثية الحيض، لعدم الأثر لها،

50

لأن وجوب الكفارة ليس من آثار حرمة الوطء شرعا، بحيث تكون مأخوذة في موضوعه، بل هما متلازمان في الجملة خارجا.

نعم، قد يتمسك بالاستصحاب التعليقي لوجوب الكفارة بالوطء، فيقال:

كانت لو وطئت لوجبت الكفارة فهي كما كانت. لكن التحقيق عدم جريان الاستصحاب التعليقي، كما أشرنا إليه في غير موضع من هذا الشرح. و لسيدنا المصنف (قدّس سرّه) تتمة لهذا الكلام لا مجال للتعرض لها.

هذا، و أما الاستدلال بما تضمن أن حرمة الميت كحرمة الحي، فلا يخلو عن إشكال، لعدم كون التكفير من شئون احترام المرأة الموطوءة. فراجع ما تقدم في سببية وطء الميتة للجنابة في المسألة الخامسة من فصل سبب الجنابة. مضافا إلى أنه إنما يقتضي اشتراكهما في الحكم مع اشتراكهما في علته، دون ما إذا اختص الحي بها، كما في المقام، لما ذكرنا من عدم صدق الحائض على الميتة.

السابع: الظاهر أن المعيار في الأول و الوسط و الآخر على الحيض الذي يقع فيه الوطء،

فتختلف باختلاف مقداره و إن خالف العادة، كما صرح به في كشف اللثام و المستند و الجواهر، و هو ظاهر المقنعة و المعتبر و الحدائق و غيرها، بل ظاهر كل من أطلق أول الحيض و وسطه و آخره. و الوجه فيه ظهور رواية داود التي هي دليل التفصيل في أن مرجع الضمائر في أوله و وسطه و آخره هو الطمث المذكور في صدرها، لا عادته، و حيث لا يراد به كلي الطمث، لعدم تحديد أوله و وسطه و آخره بسبب اختلاف أفراده، و لأن الوطء لا يقع فيه، تعين حمله على الفرد الخاص منه.

خلافا لما في التذكرة و المنتهى و القواعد و جامع المقاصد و الروض و المسالك و المدارك من أن المعيار على أيام عادة المرأة، و زاد عليه في الروضة ما في حكمها من التمييز و الروايات.

و لازمه أن الحيض الذي يقع فيه الوطء قد يخلو عن الآخر، بل عن الوسط أيضا، كما لو كانت عادتها عشرة أيام و كان حيضها الذي وطئت فيه ستة أو ثلاثة. بل‏

51

قد يتجاوز الآخر فلا تجب الكفارة بالوطء في زمن التجاوز، كما لو زاد حيضها على عادتها و وطئت في الزائد.

بل يشكل حينئذ حال المبتدئة و المضطربة التي لم تنعقد لها عادة، حيث لازم القول المذكور عدم الكفارة بوطئها. و لا يظن بهم الالتزام باللوازم المذكورة.

نعم، يتجه الرجوع للعادة لو كانت مرجعا في تعيين الحيض، كما في مستمرة الدم، كما يتجه الرجوع لغيرها مما يكون مرجعا فيه، مما تقدم من الروضة و غيره. لكن كلامهم لا يختص بمستمرة الدم. و من ثم كان في غاية الإشكال.

و من هنا قد ينزل على القول الأول المختار، بأن يكون مفروض كلامهم صورة مطابقة الحيض الذي يقع فيه الوطء للعادة، و يكون ذكرهم للعادة لأنها مقتضى الأصل في النساء، أو بأن يكون مرادهم من العادة الحيض.

و حمل كلامهم على ذلك و إن لم يناسب الجمود على عباراتهم، إلا أنه يناسب استدلال بعضهم لهذا القول بما سبق منا في تقريب دلالة الرواية على المختار، و عدم تنبيههم للازم الذي ذكرناه أولا مع ذكرهم لنظيره في بيان القولين الآخرين، و عدم إشارة الأكثر للخلاف المذكور بين هذين القولين، و إنما اقتصروا على قول واحد نسبوه للمشهور في قبال قولين آخرين:

الأول: ما عن الراوندي من أن المعيار فيها على أكثر الحيض دون عادة المرأة.

الثاني: ما في المراسم من أن الوسط ما بين الخمسة و السبعة. و لازمهما أن الحيض قد يخلو عن الآخر، بل و الوسط أيضا، نظير ما تقدم.

هذا، و يظهر الإشكال مما تقدم من ظهور النص في كون موضوع التقسيم هو الحيض الذي يقع فيه الوطء، حيث لا مجال لملاحظته في أكثر الحيض، كما يشكل الثاني- مضافا إلى نظير ذلك‏بأن تعيين الوسط بذلك لا يتم حتى لو كان موضوع التقسيم أمرا غير الحيض الذي يقع فيه الوطء.

نعم، ذكر في كشف اللثام أنه موافق لرواية حنان بن سدير: «قلت: لأي علة

52

أعطيت النفساء ثمانية عشر يوما و لم تعط أقل منها و لا أكثر؟ قال: لأن الحيض أقله ثلاثة أيام و أوسطه خمسة أيام و أكثره عشرة أيام، فأعطيت أقل الحيض و أوسطه و أكثره» (1)، و لما تضمن التحيض بسبعة أيام.

و كأن مراده بالأخير مرسلة يونس الطويلة المتضمنة تحيض مستمرة الدم مع عدم العادة و التمييز بالسبعة. لكنهاكما ترى‏لا تدل على أن السبعة منتهى الوسط، بل و لا الوسط، كما لا تدل رواية حنان على أن الخمسة أول الوسط. على أن ظاهر الأوسط في رواية حنان ما يقابل الأقل و الأكثر، لا ما يقابل الأول و الآخر، كما هو المراد به في المقام. فلاحظ.

الثامن: الظاهر تعدد الكفارة بتعدد الوطء،

من دون فرق بين تخلل التكفير و عدمه، و لا بين كون الوطء المتعدد في أزمنة تختلف فيها الكفارة و كونه في أزمنة لا تختلف فيها، بأن يكون في ثلث واحد. و به صرح في الدروس و جامع المقاصد و الروض و المسالك و محكي البيان و فوائد الشرائع.

لأصالة عدم التداخل الراجعة إلى ظهور دليل السببية في كون كل فرد سببا لتكليف مستقل، المستلزم لكون ما يجب بكل فرد مباينا لما يجب بالآخر، لا محض الطبيعة المتحقق بالفرد الواحد. إذ الاكتفاء به إن كان لتأثير الفرد الأول لا غير فهو مخالف لإطلاق السبب، و إن كان لاشتراك الأفراد في تأثير تكليف واحد، بأن يستند للأول أصل وجوده و للباقي تأكده، فهو خلاف ظهور دليل الشرطية في كون الأثر هو التكليف المستقل، لا التأكد في التكليف الواحد.

و إن كان للاجتزاء بالواحد و مع تعدد التكليف لصدق المكلف به في كل منهما- و هو الطبيعةعليه.

ففيه: أنه يمتنع تعدد التكليف مع وحدة المكلف به، و هو محض الطبيعة الصادقة بالفرد الواحد، لأن التكليف كسائر الإضافات التي يتوقف تعددها على‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 10 من أبواب الحيض حديث: 7 و هامشه في الطبعة الحديثة.

53

تعدد أطرافها، بل لا بد مع تعدده من تعدد المكلف به، بأن يكون المكلف به في كل منها فرد من الطبيعة مباين للفرد المكلف به في الآخر.

و بهذا يخرج عن إطلاق الواجب المقتضي للاجتزاء بصرف الطبيعة و لو مع تعدد السبب، حيث لا ينعقد مع الظهور المذكور لدليل السببية. كما يخرج به عن أصالة البراءة، لحكومته عليها. و منه يظهر ضعف ما ذكره جماعة من الأصحاب من الحكم بعدم التكرر مطلقا أو في الجملة، لأصالة البراءة، و لا سيما مع الاعتراف بأن مقتضى العموم التكرار، كما في طهارة المبسوط.

و دعوى: أن مقتضى الإطلاق كون السبب هو الطبيعة الصادقة على الواحد و المتعدد، ففي ظرف التعدد ليس السبب إلا واحدا يقتضي مسببا واحدا، لا متعددا كي يلزم تعدد المسبب. و لذا لا يجب تعدد الكفارة مع تعدد الأكل في نهار شهر رمضان.

مدفوعة: بأنه لا مجال لذلك في الأفراد التدريجية، لأن الطبيعة حيث كانت تصدق على الفرد الأول فالمسبب الواحد يستند إليه، و حينئذ فالفرد الثاني إن لم يكن سببا فهو خلاف إطلاق السببية، لانطباق الطبيعة عليه، و إن كان سببا فحيث يمتنع استناد المسبب السابق عليه إليه، لامتناع تقدم المعلول على علته و الحكم على موضوعه فلا بد أن يكون أثره تأكيد المسبب الأول أو فردا آخر مستقلا مباينا له، و قد سبق ان الثاني هو ظاهر دليل السببية دون الأول.

نعم، قد يتجه ذلك في الأفراد الدفعيةالتي تمتنع في المقام، و إن كانت المناسبات الارتكازية تشهد غالبا بكون كل منها سببا مستقلا. بل لعله مقتضى الإطلاق أيضا لأن صدق الطبيعة على المجموع في ظرف التعدد لا ينافي صدقها على كل واحد أيضا، و تعدد السبب و إن لم يلزم بلحاظ الأول، إلا أنه يلزم بلحاظ الثاني، فيتعين العمل عليه. إلا أن يراد من السبب الوجود الذي يخرق به العدم، حيث لا يصدق مع التدرج إلا على الأول، و بدونه إلا على المجموع.

لكنه مخالف لإطلاق السبب الظاهر في إرادة الطبيعة منه، التي تصدق على كل‏

54

فرد. و لا سيما مع ارتكاز تبعية الكفارة للحرمة و المعصية، و لا إشكال في تعدد الحرمة تبعا لتعدد الأفراد. كيف و لازم التداخل عدم تعدد الكفارة مع تعدد المرأة أو تعدد الحيض. و لا يظن التزام أحد به.

و إنما لا تتعدد الكفارة بتعدد الأكل في نهار شهر رمضان لأن المستفاد من دليلها كون سببها الإفطار غير القابل للتعدد في النهار الواحد و المستند للفرد الأول، لا الأكل بنفسه الذي هو قابل للتعدد. و لذا تتعدد مع تعدد الإفطار لتعدد اليوم و لو مع اتحاد جنس المفطر، و لا تتعدد مع وحدة الإفطار لوحدة اليوم و لو مع اختلاف الجنس المفطر. و تعددها مع تعدد الجماع في اليوم الواحد لو تم للنصوص الخاصة.

و منه يظهر أنه لا مجال لجعل كفارة المقام و كفارة الأكل في نهار شهر رمضان من باب واحد في عدم التكرار، كما يظهر من السرائر، أو في التكرار، كما يظهر من الروض.

هذا، و في جملة من كتب العلامة و المدارك و محكي الذكرى و الموجز و كشف الالتباس و التنقيح الاقتصار في لزوم الكفارة على ما إذا كان الوطء اللاحق بعد التكفير عن السابق، أو كان الوطء المتعدد في أزمنة تختلف فيها الكفارة، و اقتصر في نكاح المبسوط على الأول، و في الشرائع و المعتبر على الثاني. لكن استبعد شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) الخلاف في لزوم التكرار في الفرض الأول.

و لعله لذا احتمل في كشف اللثام كون مراد السرائر من إطلاق عدم التكرار ما إذا لم يتخلل التكفير، و إن كان ذلك غير مناسب لقياس المقام بالتكفير للأكل في نهار شهر رمضان.

و كيف كان، فالوجه في لزوم التكرار مع تخلل التكفير إطلاق دليل السببية بعد ما سبق من أن السبب هو الطبيعة لا خصوص الوجود الذي يخرق به العدم، و الذي يختص بالفرد الأول.

و لعل الفرق بينه و بين صورة عدم التكفير أنه في صورة عدم التكفير إنما يجتزأ بالواحد لدعوى أنه يكفي في تأثير السبب اللاحق تأكيده للتكليف السابق الذي لم‏