مفاهيم القران - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
398 /
5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أما بعد ،

فهذا هو الجزء الرابع من أجزاء موسوعتنا القرآنية « مفاهيم القرآن » نقدّمه إلى القرّاء الكرام ، راجين منهم العفو عمّا وقع من التأخير في نشره ، وقد كان جاهزاً للطبع يوم طبع الجزء الثالث منها غير أنّه طلباً لوقوعه موقع القبول والرضا من القرّاء ، قد غيّرنا بعض مطالبه عند تقديمه للطبع في هذه الاَيام ، ولنعم ما قال الكاتب الكبير عماد الدين أبو عبد اللّه محمد بن حامد الاَصفهاني ( المتوفّى عام 597 هـ ) بدمشق : إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلاّ قال في غده لو غيّر هذا لكان أحسن ، ولو زيد كذا لكان يستحسن ، ولو قدّم هذا لكان أفضل ، ولو ترك هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جميع البشر.

الموَلف

6

-

7

كلمة قيمة

تفضّل بها العلامة الحجّة المحقق والكاتب الاِسلامي الكبير

السيد مرتضى العسكري (1)

ننشرها مشفوعة بالشكر والتقدير

بسم الله الرحمن الرحيم

صاحب الفضيلة العالم الباحث الحجّة الاَُستاذ الشيخ جعفر السبحاني متّعنا اللّه بطول بقائه.

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

أمّا بعد ،

فقد تسلمت بيد الشكر هديتكم النفيسة وهي الجزء الاَوّل والثاني والثالث من موسوعتكم المباركة « مفاهيم القرآن » وتمتعت زمناً طويلاً بمطالعتها كما تمتعت بمطالعة سائر موَلّفاتكم ، خاصة موَلّفاتكم في سيرة النبي والوصي ، وأريد أن أتحدّث عن اتجاهكم المحمود هذا ، وأُبدي تقديري لكم ، فقد وجدت في هذه الموسوعة القرآنية بحوثاً مقارنة أصيلة نافعة ـ شكر اللّه مساعيك ، وجزاك اللّه خيراً

____________

1 ـ الاَُستاذ العسكري علم من أعلام الاَُمّة ، يدافع عن ساحة الاِسلام والتشيّع بآثاره القيمة المبتكرة ، منها : « مائة وخمسون صحابي مختلق » ، « عبد اللّه بن سبأ في التاريخ » ، « معالم المدرستين » ، وغيرها.

8

على دأبك في بذل الجهد المتواصل ، في هذا السبيل في عصر عزّ فيه وجود الباحثين ـ وأخص بالذكر الجزء الثالث من تلك الموسوعة حيث وجدت فيه اختياراً موفقاً للمواضيع الهامة من حقول المعرفة القرآنية ، وأُسلوب البحث حول كل موضوع على حدة مثل : عالمية الاِسلام ، وخاتمية النبي الاَكرم ، وأُميته ، مع ذكر الشبهات المثارة حول تلك المواضيع ودفعها ، سواء من قبلكم أو بنقل كلمات المفسرين الاِسلاميين حولها بأمانة تثير الاِعجاب في عصرنا الحاضر.

نعم أنّي لا أتفق معكم في بعض ما اخترتموه في رسالة نوح وانّما أختار في ذلك رأي العلاّمة الطباطبائي (قدس سره).

وفي الختام أقول : إنّ هذه الموسوعة قد طرحت على بساط البحث مواضيع هامة ينبغي أن تتناولها أقلام المفكرين الاِسلاميين بالبحث والنقد وأن تُنتخب منها خلاصات تترجم إلى سائر اللغات الحية وتنشر على جماهير المسلمين لحاجتهم إلى هذه الاَبواب من المعرفة.

أطال اللّه عمرك ، أيّها الاَخ البحّاثة ، وأخذ بيدك في ما أنت بصدده من نشر فنون المعرفة القرآنية ، وتقبَّل منك عملك والسلام عليك من مرتضى العسكري.

مرتضى العسكري

19/3/1403 هـ

9

رسالة قيمة

بعثها إلينا الكاتب الكبير الأُستاذ الحجّة الشيخ سلمان الخاقاني

صاحب التآليف القيمة الممتعة ، حيّاه اللّه وبيّاه

بسم الله الرحمن الرحيم

معرفتي بالاَُستاذ العلاّمة الحجّة الشيخ جعفر السبحاني لم تكن حدثاً جديداً ، فقد عرفته منذ أكثر من عشرين عاماً من خلال كتبه العلمية التي جاوزت العشرات في جميع نواحي الدين والعلم.

وفي عام 1395 هـ حمل إلي البريد كتاباً من بعض أصدقائي الاَعزّاء القاطنين بطهران يحمل اسم « مفاهيم القرآن » وهو من تأليف صديقنا الاَُستاذ السبحاني ، وقد تصفّحته فأعجبت به ، وزاد إعجابي بموَلّفه ، وعرفت أنّه ذو مواهب عالية ، وزاد كل ذلك معرفتي به ، وحمدت اللّه على أن جعل في مجتمعنا من يخدم اللغة العربية والقرآن والحديث بقوّة واقتدار كما خدمها سلفنا الماضي.

وقد مرّت على هذه الاَحاسيس سنوات وأنا في دار هجرتي قم يدخل عليَّ صديقنا السبحاني زائراً ومواسياً ومتلطفاً ويهدي إلي الجزء الآخر من تلك الموسوعة القرآنية ، وهو « معالم التوحيد في القرآن الكريم » وهي محاضرات كتبت بقلم أحد تلامذته النجباء الاَوفياء.

10

وقد تناولت الكتاب بالبحث فوجدت فيه مواضيع مفيدة يحتاج إليها كل فرد مسلم ، يريد أن يعرف حقائق الدين المبين.

واستوقفني من تلك المواضيع موضوعه الاَخير الحاكمية ، ولمن تكون.

أقول : استوقفني هذا الموضوع لاَنّه من المواضيع الهامة التي نُشرت حوله رسائل وكتابات.

وليس قولي ـ استوقفني هذا الموضوع ـ أنّ غيره لا يستحق الوقوف ، لا ، ففي مواضيع الكتاب مباحث نافعة ومفيدة لكل من يريد الوقوف.

وإلى الاَُستاذ العلاّمة الشكر والامتنان في اخراج هذه التحف ، وأرجو لكتابه هذا ، بل ولجميع كتبه ، الرواج والانتشار وليتقبل هو قولي مخاطباً له :

لقد أحسنت يا جعفر * * * فلتهنأ بإحسان

لما فصلت من آي * * * لتوحيد وعرفان

وما بينت من شرح * * * على آيات قرآن

فأنت الكاتب الفذ * * * بإخلاص وإيمان

لقد سبحت تمجيداً * * * بإسرار وإعلان

إلى من يهب العقل * * * ويغني المملق العاني

ويهدي التائه الضال * * * لذا لقبت « سبحاني »

ألا فاقبل أخا الفضل * * * نشيد المخلص الجاني

ربيع المولود 1403 هـ * * * سلمان الخاقاني النجفي

11

خطاب

تفضّل به العلاّمة الحجة الحكيم المتألّه الشيخ حسن الآملي

(دام ظله الوارف)

ننشره مشفوعاً بالشكر والتقدير

بسم الله الرحمن الرحيم

( ن والقلم وما يسطرون )

سماحة العلم الآية العلاّمة العبقري الشيخ جعفر السبحاني متعنا اللّه بطول بقائه.

بعد التحية والسلام :

سلام كمثل الروض باكره الصبافصادف ريحاناً ونوراً مفتقاً

أنّه سبحانه كتب على نفسه وأخبر في كتابه بقوله : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) فهو سبحانه يقيّض في كل دور وكور أعلاماً يهتدى بهم ، ويستضاء بنور هداهم ، فقد عرَّفهم وليّ ذي الجلال ، زارع المعارف في مزارع القلوب في خطابه الفصل الملقى إلى كميل الكامل الباخع النخعي بقوله : « يحفظ اللّه بهم حججه وبيناته ، حتى يودعها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، ذلك فضل اللّه يوَتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم ».

وأنتم ـ بحمد اللّه سبحانه ـ ممن حذا حذو هوَلاء ، وتتلمذ في مدرستهم

12

وتعرّف على مناهجهم ، فلاَجل ذلك أخرجتم إلى المجتمع الاِسلامي تفسيركم الموضوعي لحبل اللّه : « القرآن الكريم » في حلقات عديدة ، وقد حالفني التوفيق لاَقف على أجزاء منها تتناول موضوعات قرآنية هامة كأنّما هي نسمات أُنس هبّت من حظائر القدس ، وقد تجلّى فيها القرآن بمفاهيمة ومعالمه للّذي قد جاء في طلب القبس.

رزقنا اللّه وإيّاكم فهم الخطاب الاِلهي وأسأله سبحانه غرة جدّكم ، وعزة جداكم ، والحمد للّه الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء.

تحريراً في 24 /شعبان المعظم/ 1403 هـ

قم : حسن الآملي

ملحوظة :

هذا ما سمح المجال بنشره مما تفضّل به الاَساتذة حول كتابنا « مفاهيم القرآن » وقد نشرناها مشفوعة بالشكر والتقدير ، وسوف نقوم بنشر بعض الرسائل والكتب الاَُخرى التي وصلتنا من قادة الفكر وأرباب القلم في الجزء الآتي إن شاء اللّه تعالى.

الموَلف

13

مقدمة الموَلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الاِيمان بالغيب في الكتاب العزيز

الاِيمان بالغيب عنصر أساسي في جميع الشرائع السماوية ، والشرط الرئيسي في التديّن بالدين الاِلهي على الاِطلاق ، بحيث لو انتزع هذا العنصر من برامج الدين لاَصبح الدين دستوراً عادياً يشبه الدساتير والآيديولوجيات المادية البشرية ، ونظاماً لا يمت إلى الدين الاِلهي بصلة.

ولاَجل ذلك نرى أنّ اللّه سبحانه يعد الاِيمان بالغيب في طليعة الصفات التي يتصف بها المتقون إذ يقول سبحانه في الآية الثالثة من سورة البقرة : ( الّذِينَ يُوَمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصّلاةَ ومِمّا رَزَقناهُمْ يُنفِقُون ) (1)

والمراد من « الغيب » هو ما يقابل الشهادة ، ومن أجل مصاديقه : الروح والملائكة ، والجن والمعاجز ، والكرامات ، والوحي ، والبرزخ ، والقيامة ، وما يرجع إلى اللّه تعالى من ذاته وصفاته.

ولا يشك أحد في أنّ تجريد الدين من هذه الاَُمور ومن الاعتقاد بها يوجب أن يصبح الدين نظاماً مادياً ، ومبدأً بشرياً كسائر الاَنظمة والمبادىَ والبرامج البشرية الاَرضية.

____________

1 ـ البقرة : 3.

14

وقد كان أصحاب الشرائع ، وأنصارها ، وفي مقدمتهم علماء الاِسلام ، وكتابهم محتفظين بهذا الاَصل ، معتصمين به أشد الاعتصام ، موَكدين عليه في كتاباتهم غاية التأكيد باعتباره ميزة الشرائع الاِلهية ، وقوامها ، والفارق الجوهري بينها وبين الاَنظمة والآيديولوجيات الاَرضية البشرية.

غير أنّ الحضارة المادية الحديثة التي اعتمدت على الحس والتجربة ، وأعطت كل القيمة والوزن لما أيّدته أدوات المعرفة المادية ، أدهشت بعض المفكرين المسلمين ، فوجدوا أنفسهم في صراع عنيف بين الاِيمان بالغيب باعتباره عنصراً أساسياً في الدين ، وبين الحضارة المادية الحديثة التي لا تعتمد إلاّ على الحس والتجربة ، وربّما لم يتجرّأوا على إنكار ما هو خارج عن إطار أدوات المعرفة المادية ، فلم يقدروا على الانحياز إلى أي واحد من الطرفين ، فلو صاروا إلهيين مطلقاً لوجب عليهم مقابلة الماديين المنكرين لعالم الغيب ، ولو انحازوا إلى جانب الماديين لانخرطوا في صفوف الملحدين ، ولذلك اختاروا طريقاً وسطاً ، وهو تأويل بعض ما ورد في مجال الغيب عامّة ، والمعاجز والكرامات خاصة ، وزعموا أنّهم يستريحون بهذا التأويل ، ويرضون كلتا الطائفتين.

وممن سلك هذا الطريق بعض السلوك الشيخ المصلح « محمد عبده » والسيد سير « أحمد خان » الهندي ، و « طنطاوي جوهري » ، وتلامذة هذه المدرسة.

ولكي لا يحمل القارىَ كلامنا هذا على القسوة والتحامل على أحد نأتي فيما يلي بنماذج من كتابات أصحاب هذه المدرسة ، ونختارها ممّا كتبه السيد محمد رشيد رضا منشىَ « المنار » تقريراً لدروس الاَُستاذ الامام الشيخ « محمد عبده » في التفسير ، ونكتفي ـ في هذا الاقتباس ـ على ما ضبطه حول سورة البقرة فقط ، ونحيل البحث المفصّل حول هذا التفسير المنشور في أحد عشر جزءاً إلى وقت آخر.

15

النموذج الاَوّل

قوله سبحانه : ( وإذ قُلْتُمْ يا مُوسَى لَنْ نُوَمِنَ لكَ حتّى نَرى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثناكُمْ مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلّكُم تَشكرُون ). (1)

لا شك أنّ المتبادر من الآية هو إحياوَهم بعد الموت ، والخطاب لليهود المعاصرين للنبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) باعتبار أحوال أسلافهم ، ولا يفهم أيُّ عربي صميم من لفظة : ( ثم بعثناكم من بعد موتكم ) غير هذا إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل ، أي أنّه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أنّهم سينقرضون ، بارك اللّه في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفره ـ م لها. (2)

ولم يكن هذا التفسير من الاَُستاذ إلاّ لاَجل أنّ الاعتراف بالاِحياء بعد الموت في الظروف المادية ممّا لا يصدقه العلم الحسّ ـ ي والتجربة ، فلاَجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى ، وما أظن أنّ الاَُستاذ يتفوّه بهذا التفسير في نظائر الآية الكثيرة في القرآن الكريم.

النموذج الثاني

لقد كتب الاَُستاذ في تفسير قوله سبحانه : ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُم فِي السّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدةً خاسِئين * فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَينَ يَدَيْها ومَا

____________

1 ـ البقرة : 55 ـ 56.

2 ـ تفسير المنار : 1/322.

16

خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلمُتَّقِين ). (1) ما يلي :

إنّ السلف من المفسرين ـ إلاّ من شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله : ( كونوا قردة خاسئين ) أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين.

وحيث كان هذا المعنى يصطدم بالاتجاه المادي ولا تصدقه أنصار الحضارة المادية الذين ينكرون إمكان صيرورة الاِنسان قرداً حقيقياً دفعة واحدة ، عمد الاَُستاذ إلى تأويل هذه الآية ، وتفسيرها على النحو والنهج الجامع بين الاتجاهين المادي والديني !!

فمع أنّه نقل عن الجمهور أنّ معنى الآية أنّ صورهم مسخت فأصبحوا قردة على الحقيقة والواقع ، نجده ينحاز إلى رأي مجاهد الذي قال : ما مسخت صورهم ، ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة ، كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى : ( مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمّ لَم يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفَاراً ). (2)

ثم قال : ومثل هذا قوله تعالى : ( وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والخَنَازِيرَ وعَبدَ الطّاغُوت ). (3) وقال : الخسوء هو الطرد والصغار ، والاَمر للتكوين ، أي فكانوا بحسب سنّة اللّه في طبع الاِنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.

ثم أخذ في رد قول الجمهور ، وقال : ولو صح ـ ما ذكره الجمهور ـ لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة ، لاَنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ اللّه لا يمسخ كلَّ عاص ، فيخرجه عن نوع الاِنسان ، إذ ليس ذلك من سننه في خلقه ، وإنّما العبرة الكبرى في العلم بأنّ من سنن اللّه تعالى في الذين خلوا من قبل : أنّ من يفسق عن أمرربّه ويتنكب الصراط الذي شرّعه له ، ينزل عن مرتبة الاِنسان ، ويلتحق

____________

1 ـ البقرة : 65 ـ 66.

2 ـ الجمعة : 5.

3 ـ المائدة : 60.

17

بعجماوات الحيوان ، وسنّة اللّه تعالى واحدة ، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية.

إلى أن قال : فاختيار ما قاله مجاهد هو الاَوفق بالعبرة والاَجدر بتحريك الفكرة. (1)

ونحن لسنا ـ هنا ـ في صدد تفسير الآية وتوضيح مفادها ، غير أنّه ـ إيقافاً للقارىَ الكريم على الحقيقة ـ نلفت نظره إلى أُمور تثبت ما نسبناه إلى هذه الجماعة من موقف خاص تجاه المعاجز والكرامات وما شاكلها ، وهذه الاَُمور هي :

أوّلاً : أنّ المشهود من تفسير صاحب المنار أنّه مقلّد قوي للسلف في أكثر الموارد والمجالات ، فلماذا عدل في هذا المضمار ، واختار القول الشاذ ، أعني : قول مجاهد؟!

ثانياً : كيف رضيت نفسه أن يفسر الآية بمثل قوله سبحانه : ( مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها ... ) مع أنّ المذكور في تلك الآية إنّما هو على سبيل المثل ، فإنّ لفظة « مثل » تنادي بأنّ حالهم ـ في عدم الفهم والانتفاع بالتوراة ـ كمثل الحمار الحامل للكتب والاَسفار من دون فهم لما فيها ، لا أنّهم حمر بالهيئة والصورة والحقيقة ، وهذا بخلاف ظاهر الآية الحاضرة ، فإنّها بظاهرها حاكية عن أنّهم صاروا قردة حقيقيّين لا أنّهم صاروا مثلهم مثل القردة؟!

ثالثاً : لماذا غفل الاَُستاذ عما ورد في تلك القصة في سورة الاَعراف من قوله سبحانه : ( فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنجَيْنا الّذِينَ يَنْهَونَ عنِ السُّوءِ وأخَذْنا الّذِينَ ظَلَمُوا بِعذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمّا عَتَوْا عَن ما نُهُوا عَنْهُ قُلنا لَهُم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئين ). (2)

____________

1 ـ تفسير المنار : 1/343 ـ 345.

2 ـ الاَعراف : 165 ـ 166.

18

أفيمكن تفسير الآية ـ حينئذ ـ بغير ما اختاره جمهور المفسرين من صيرورتهم قردة حقيقيّين ، وأي عذاب بئيس أشدّ من صيرورة الاِنسان بصورة القردة المطرودة !!

رابعاً : أنّ ما ردّ به نظرية الجمهور من أنّه لا يكون المسخ الصوري موعظة للعصاة ، لاَنّهم يعلمون ـ بالمشاهدة ـ أنّ اللّه لا يمسخ كلّ عاص ... إلى آخر كلامه ، مردود بوجهين :

الاَوّل : أنّه لو صح ذلك لوجب تأويل جميع ما ورد في القرآن الكريم من الاِبادة والاِهلاك بالخسف والاِمطار بالحجارة ، والغرق ، والريح ، وغير ذلك مما وقع بالاَُمم السالفة عقاباً وعبرة للآخرين ، وذلك مثل قوله سبحانه : ( وَقَومَ نُوحٍ لمّا كَذّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ وجَعَلْناهُم لِلنّاسِ آيةً وأعتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذَاباً ألِيماً ) (1) ، ومثل قوله سبحانه في شأن فرعون : ( فَقَالَ أنا رَبُّكُمُ الاَعلى * فأَخَذَهُ اللّهُ نكالَ الآخِرةِ والاَُولى * إنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرًةً لِمَن يَخشَى ) (2).

إنّه سبحانه يصرح في الآية الاَُولى والثانية بأنّه إنّما فعل ما فعل بقوم نوح وبفرعون ليكونوا عبرة للآخرين ، وتذكاراً.

على أنّ اللّه سبحانه يذكر نظير ذلك في سورة هود ، وذلك عندما يستعرضقصص من أرسل إليهم الاَنبياء وأنّهم كذبوهم ، فأصابهم اللّه بشتّى ألوان العذاب والاِهلاك ، وذلك مثل قوم نوح ، وقوم عاد ، وقوم ثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم فرعون ، ثم يختم هذا الاستعراض المفصل بقوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أَخَذَ القُرَى وهِيَ ظالِمَةٌ إنّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيد * إنَّ في ذَلِكَ لآيةً لِمَن خافَ عذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَومٌ مَجموعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَومٌ

____________

1 ـ الفرقان : 37.

2 ـ النازعات : 24 ـ 26.

19

مَشْهُود ). (1)

إنّه تعالى يصرح بأنّ كل ما نزل بالاَُمم السابقة من العذاب والاِهلاك إنّما ذكر ليكون عبرة ، وآية للناس ، وعندئذٍ يطرح هذا السوَال نفسه بأنّه كيف يكون عبرة وآية للناس مع أنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ اللّه لا يوَدب الاَُمة المحمدية بما أدّب به الاَُمم السالفة؟!

الثاني : أنّ كون هذه القضايا وسيلة للعبرة والاعتبار لا يستلزم أن تتحقّق تلك العقوبات بعينها في حق العصاة والطغاة في الاَُمم اللاحقة ، بل يكفي ـ في ذلك ـ أن تدل على أنّ اللّه لهم بالمرصاد ، فهو لا يترك الظالم بلا عقاب ، ولا يفوته العصاة دون أخذ.

إنّ الاَخذ والعقوبة يختلف حسب مشيئة اللّه وإرادته ، ولا يلزم أن تكون العقوبة متحدة النوع مع العقوبات السابقة حتماً.

وهذه هي الحقيقة التي توَكدها الآيات ( 10 ـ 14 ) من سورة الفجر إذ يقول سبحانه : ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الاَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَّبَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصَادِ ). (2)

النموذج الثالث

لقد قصّ اللّه سبحانه في سورة البقرة قصة البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها إذ قال : ( وإذ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ اللّهَ يأمُرُكُمْ أن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أعُوذُ بِاللّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجَاهِلِين ) إلى أن قال : ( وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَءْتُمْ فِيها واللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمونَ * فَقُلنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ

____________

1 ـ هود : 102 ـ 103.

2 ـ الفجر : 10 ـ 14.

20

يُحيِي اللّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ). (1)

ومجمل القصة هو أنّ رجلاً قتل قريباً له غنياً ليرثه ، وأخفى قتله له ، فرغب اليهود في معرفة قاتله فأمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض المقتول ببعضها ليحيا ، ويخبر عن قاتله.

ولقد بيّ ـ ن اللّه لنا في هذه القصة لجاجة بني إسرائيل ورفضهم للطاعة ، وانحرافهم عن منهج اللّه ، ونتائج ذلك في نفوسهم ومجتمعاتهم حيث آل أمرهم في هذه الواقعة ـ إلى أن يضطروا إلى ذبح البقرة ـ وبعد ما ذبحوها أمرهم اللّه سبحانه أن يضربوه ببعضها ( أي يضربوا المقتول ببعض البقرة ) حتى يحيا ويخبر عن قاتله.

وهذا هو ما اختاره الجمهور في تفسير الآية ، وهو صريح قوله سبحانه : ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى اللّه الموتى ).

وأمّا الاَُستاذ فقد سلك طريقاً آخر تحت تأثير موقفه المسبق من المعاجز والكرامات وخوارق العادة ، فهو بعد أن نقل رأي الجمهور قال : قالوا : إنّهم ضربوه فعادت إلى المقتول الحياة ، وقال : قتلني أخي ، أو ابن أخي فلان. قال : والآية ليست نصّاً في مجمله فكيف بتفصيله.

ثم فسّر الآية بما ورد في التوراة من أنّه إذا قتل قتيل ولم يعرف قاتله ، فالواجب أنّ تذبح بقرة في واد دائم السيلان ويغسل جميع أفراد القبيلة أيديهم على البقرة المكسورة العنق في الوادي ، ويقولون : إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم. اغفر لشعبك إسرائيل ، ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل ، ومن لم يفعل يتبين أنّه القاتل ، ويراد بذلك حقن الدماء.

ثم قال : وهذا الاِحياء على حد قوله تعالى : ( ولكم في القصاص حياة ) (2)

____________

1 ـ البقرة : 67 ـ 73.

2 ـ البقرة : 179.

21

ومعناه حفظ الدماء التي كانت عرضة لاَن تسفك بسبب الخلاف في قاتل تلك النفس. (1)

وأنت ترى أنّ هذا التفسير لا ينطبق على قوله : ( فقلنا اضربوه ببعضها ) أي اضربوا النفس المقتولة ببعض جسم البقرة ( كذلك يحيي اللّه الموتى ) فهل كان في غسل الاَيدي على البقرة المكسورة العنق ، ضرب المقتول ببعض البقرة؟! هذا أوّلاً.

وأمّا ثانياً : كيف استند الاَُستاذ ـ في تفسير الآية الحاضرة ـ بما ورد في التوراة ، مع أنّ المشهود منه أنّه يستوحش كثيراً من بعض الروايات التي ربما توافق ما ورد في الكتب المقدسة ، ويصفها بالاِسرائيليات والمسيحيات ، ومع ذلك عدل عن مسلكه واستند في تفسير الذكر الحكيم بالكلم المحرف.

وليس هذا التفسير ـ في حقيقته ـ إلاّ لاَجل ما اتخذه الاَُستاذ من موقف مسبق تجاه المعاجز والكرامات ، وخوارق العادة ، وغير ذلك مما يرجع إلى عالم الغيب.

النموذج الرابع

قال اللّه سبحانه : ( ألَم تَرَ إلى الّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِم وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمّ أحياهُم إنّ اللّهَ لذُو فَضْلٍ على النّاسِ ولكنّ أكثَرَ النّاس لا يَشْكُرُون ). (2)

ذهب الجمهور إلى أنّهم قوم من بني إسرائيل فرّوا من الطاعون أو من الجهاد ، فأرسل عليهم الموت ، فلمّا رأوا أنّ الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم

____________

1 ـ تفسير المنار : 1/345 ـ 350.

2 ـ البقرة : 243.

22

فراراً منه ، فأماتهم اللّه جميعاً وأمات دوابهم ثم أحياهم ، لمصالح وغايات أُشير إليها في الآية.

هذا هو ما ذهب إليه الجمهور ، ولكن الاَُستاذ أنكر ذلك واختار كون الآية مسوقة سوق المثل ، وانّ المراد بهم قوم هجم عليهم أُولو القوة والقدرة من أعدائهم لاستذلالهم واستخدامهم وبسط السلطة عليهم ، فلم يدافعوا عن استقلالهم وخرجوا من ديارهم وهم أُلوف ، لهم كثرة وعزة حذر الموت ، فقال لهم اللّه : موتوا موت الخزي والجهل ، والخزي موت ، والعلم وإباء الضيم حياة ، فهوَلاء ماتوا بالخزي وتمكن الاَعداء ، منهم ، وبقوا أمواتاً ثم أحياهم بإلقاء روح النهضة ، والدفاع عن الحق فيهم ، فقاموا بحقوق أنفسهم ، واستقلّوا في أمرهم. (1)

ولا يخفى على القارىَ الكريم أنّ تفسير الاَُستاذ هذا نابع من موقفه المسبق حول خوارق العادة والكرامات والمعجزات وذلك :

أوّلاً : أنّه لو كانت الآية مسوقة سوق المثل وجب أن تذكر فيه لفظة « المثل » كما هو دأبه سبحانه في الاَمثال القرآنية ، مثل قوله : ( كَمَثَلِ الّذِي استَوْقَدَ ناراً ). (2) وقوله تعالى : ( إنّما مَثَلُ الحياةِ الدُّنيا كماءٍ أنزَلناهُ ). (3) وقوله تعالى : ( مَثَلُ الّذِينَ حُمِّلُوا التّوراةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِل أسفاراً ). (4)

فحمل الآية على المثل وإخراجها عن كونها وردت لبيان قصة حقيقية ، تفسير بلا شاهد ، وتأويل بلا دليل.

ثانياً : لو كان المراد من الموت هو موت الخزي والجهل ، ومن الحياة روح النهضة والدفاع عن الحق ، فحيث إنّ المفروض أنّهم قاموا بحقوق أنفسهم

____________

1 ـ تفسير المنار : 2/458 ـ 459.

2 ـ البقرة : 17.

3 ـ يونس : 24.

4 ـ الجمعة : 5.

23

واستقلوا بأمرهم ، وجب أن يمدحوا ، ويذكروا بخير ، مع أنّه سبحانه يقول في ذيل الآية ذاماً لهم : ( إنّ اللّه لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ).

والعجب أنّ الاَُستاذ ردَّ نظرية الجمهور بقوله سبحانه : ( لايَذُوقُونَ فِيها المَوتَ إلاّ المَوتَةَ الاَُولى ) (1) قائلاً بأنّه لا معنى لحياتين في هذه الدنيا. (2)

والجواب : أنّ الحياة الدنيا لا تصير بتخلل الموت حياتين ، بل هي حياة واحدة ، أيضاً ، وإلاّ فماذا يقول في أصحاب الكهف الذين ضرب اللّه على أسماعهم ثلاثمائة سنة انقطعوا فيها عن هذه الحياة ثم رجعوا إليها ، والسبات على طائفة بمدة ثلاثمائة سنة ، لا تقصر عن الموت ، بل هو والموت سواسية.

ولو قال بأنّ ظاهر الآية انّ الناس لا يذوقون إلاّ موتة واحدة ، وعلى هذا التفسير فهوَلاء ذاقوا الموت مرتين.

فجوابه : أنّ مشيئته سبحانه هو أن لا يذوق الانسان إلاّ موتة واحدة ، إلاّ إذا كانت هناك مصالح توجب تعدد الموت ، مثل قوله سبحانه : ( رَبَّنا أَمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْن ). (3) وقوله : ( ويَوْمَ نَحْشُ ـ رُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ فَوْجاً ) (4). وليست الآية راجعة إلى يوم البعث ، فإنّه يحشر فيه جميع الناس والاَُمم جمعاء لا فوج منهم.

النموذج الخامس :

قال اللّه سبحانه : ( أو كالّذِي مَرَّ على قَرْيةٍ وهِيَ خاويةٌ على عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هذهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها فأماتَهُ اللّهُ مائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ

____________

1 ـ الدخان : 56.

2 ـ تفسير المنار : 2/458 ـ 459.

3 ـ غافر : 11.

4 ـ النمل : 83.

24

يَوماً أو بَعْضَ يَومٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مائَة عامٍ فَانظُرْ إلى طَعامِكَ وَشَ ـ رابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهُ وانظُرْ إلى حِمَارِكَ وَلَنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانظُر إلى العِظامِ كَيفَ نُنشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لحماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعلَمُ أَنَّ اللّهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير ). (1)

ذهب الجمهور إلى أنّ الرجل المذكور في الآية كان من الصلحاء عالماً بمقام ربّه ، مراقباً لاَمره ، بل كان شخصاً مكلَّماً كما يحكي عنه قوله سبحانه : ( ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ ) فخرج من داره قاصداً مكاناً بعيداً عن قريته التي كان بها ، والدليل على ذلك خروجه مع حمار يركبه وحمله طعاماً وشراباً يتغذى بهما ، فلما صار إلى ما كان يقصده مرّ بالقرية التي ذكر اللّه أنّها كانت خاوية على عروشها ، ولم يكن قاصداً نفس القرية ، وإنّما مرّ بها مروراً ثم وقف معتبراً بما شاهده من القرية الخربة قائلاً كما يحكيه عنه سبحانه : ( أنّى يُحْيِي هذهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِها ) مستعظماً ـ بذلك ـ الاِحياء بعد طول المكث في القبور ورجوعهم إلى حياتهم الاَُولى ، فأماته اللّه سبحانه ثم بعثه.

وقد كانت الاِماتة والاِحياء في وقتين مختلفين من النهار ، واستفسر عنه سبحانه بقوله : ( كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوماً أو بَعْضَ يَوْمٍ ) فردّ اللّه سبحانه عليه بقوله : ( بَلْ لَبِثْتَ مائة عامٍ ) فرأى من نفسه أنّه شاهد مائة سنة كيوم أو بعض يوم ، فكان في ذلك جواب ما استعظمه من إمكان الاِحياء بعد طول المكث.

ولكن الاَُستاذ فسر « الموت » في الآية بالسبات ، وهو أن يفقد الموجود الحي ، الحس والشعور مع بقاء أصل الحياة مدّة من الزمان ، أياماً أو شهوراً ، أو سنين ، كما أنّه الظاهر من قصة أصحاب الكهف ، ورقودهم ثلاثمائة وتسع سنين ثم بعثهم عن الرقدة فالقصة تشبه القصة. (2)

____________

1 ـ البقرة : 259.

2 ـ تفسير المنار : 3/49 ـ 50.

25

وأنت تعرف أنّ تفسير الموت بـ « السبات » ناشىَ من موقف مسبق في هذا النوع من الموضوعات ، مع كونه خلاف ظاهر (فأماتَهُ اللّهُ ) وهو ظاهر في الموت الحقيقي المتعارف دون السبات الذي ابتدعه الاَُستاذ ، وقياسه على أصحاب الكهف قياس مع الفارق ، حيث إنّه سبحانه يصرح هناك بالسبات بقوله : ( فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ في الكَهْفِ سِنينَ عَدَداً ). (1)

ثم إنّه ارتكب مثل هذا التأويل في قوله سبحانه : ( وَانظُرْ إلى حِمَارِكَ وَلَنَجْعَلَكَ آيةً لِلنَّاسِ وَانظُر إلى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً ) ، فمن أراد الوقوف عليه فليرجع إلى تفسيره.

النموذج السادس :

وليس ما ذكر هو الخطأ الاَخير الذي وقع فيه الاَُستاذ في تفسير سورة واحدة ، وهي سورة البقرة ، فقد ارتكب مثل هذا التأويل البارد أيضاً في تفسير قول اللّه سبحانه : ( وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُوَْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُ ـ رهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِيَنَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).(2)

فقد ذهب الجمهور إلى أنّ إبراهيم طلب من ربّه أنْ يطلعه على كيفية إحياء الموتى ، فأمره اللّه تعالى بأن يأخذ أربعة من الطير فيقطعها أجزاء ويفرّقها على عدّة جبال هناك ثم يدعوها إليه فتجيئه ، وأنّه (عليه السلام) قد فعل ذلك.

ولكن الاَُستاذ اتخذ رأياً خاصّاً نقل عن أبي مسلم أيضاً ، وهو : أنّه ليس في الآية ما يدل على أنّ إبراهيم (عليه السلام) فعل ذلك ، وما كل أمر يقصد به الامتثال ، فإنّ

____________

1 ـ الكهف : 11.

2 ـ البقرة : 260.

26

من الخبر ما يأتي بصيغة الاَمر لا سيما إذا أُريد زيادة البيان ، كما إذا سألك سائل كيف يصنع الخبز؟ مثلاً فتقول : خذ كذا وكذا وافعل به كذا وكذا يكن خبزاً ، تريد هذه كيفيته ، ولا تعني تكليفه صنع الخبز بالفعل ، وفي القرآن كثير من الاَمر الذي يراد به الخبر ، والكلام ها هنا مثل لاِحياء الموتى.

ثم إنّه جاء بتفسير عجيب للآية ، إذ قال : معناه خذ أربعة من الطير فضمها إليك ، وآنسها بك حتى تأنس ، وتصير بحيث تجيب دعوتك ، فإنّ الطيور من أشد الحيوانات استعداداً لذلك ، ثم اجعل كل واحد منها على جبل ثم ادعها فانّها تسرع إليك ، لا يمنعها تفرّق أمكنتها ، وبعدها عن ذلك ، كذلك أمر ربّك إذا أراد إحياء الموتى ، يدعوهم بكلمة التكوين « كونوا أحياء » فيكونوا أحياء ، والغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الاَرواح إلى الاَجساد على سبيل السهولة. (1)

ثم إنّ الاَُستاذ اختار هذا المعنى قائلاً : إنّ تفسير أبي مسلم هو المختار !!

نحن لا نرد على هذا النظر بما في إمكاننا ، غير أنّا نكتفي في إبطال هذا التفسير بأنّه سبحانه قال في الآية : ( ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزءاً ) ولم يقل : واحداً منها ، وعلى ما ذكره يجب أن يقول : واحداً.

فإذا كان هذا هو مسلك الاَُستاذ الذي كان يعيش في بيئة علمية دينية توَمن بالسنن والصحاح والمسانيد ، وموقفه من المعاجز والكرامات وخوارق العادة ، فكيف يكون يا تُرى موقف الجدد من الكتّاب الذي تأثروا بالحضارة الغربية المادية والاَفكار الاِلحادية الواردة من الشرق والغرب فصاروا إلى تأويل هذه المعاجز والخوارق على هذا النمط ، أسرع وأميل ؟!

____________

1 ـ المنار : 3/54 ـ 56.

27

إنّ هذا الاَمر هو الذي دفع بنا إلى أن نجعل البحث في هذا الكتاب حول المعاجز والكرامات الواردة للنبي الاَكرم في القرآن ، وأنْ نشبع الكلام فيه ، وأنْ نقوم في وجه المعاندين الذين جعلوا بعض الآيات القرآنية ذريعة إلى نفي أن يكون لنبي الاِسلام (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) معاجز غير القرآن ، آملين أن ينتفع به الجيل الحاضر كما انتفع بالاَجزاء السابقة ، ويقوى به إيمانه ليكون ممن يشمله قوله : ( الَّذين يُوَمِنُونَ بالغيبِ ) واللّه المستعان.

جعفر السبحاني

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام)

15 شعبان المعظم من شهور عام 1405 هـ

28

-

29

1 أجر الرسالة المحمدية في القرآن الكريم

30

في هذا الفصل :

1. توضيح المراد من « المودة في القربى » حسب معاجم اللغة العربية ، وفهم السلف من الاَُمّة.

2. التوفيق بين مفاد الآية المثبتة للاَجر للنبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) المطلوب من الاَُمّة ، والآيات النافية له بتاتاً.

3. كيف يعود هذا الاَجر إلى الناس أنفسهم دون النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم كما هو صريح قوله سبحانه : ( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فهو لَكُمْ ) ؟

4. هل المستثنى في الآية هو المستثنى في قوله سبحانه : ( قُل ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاّ مَنْ شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبْيلا ) ؟

5. حال الاَقوال الشاذة التي ربّما يذكرها المفسرون حول الآية.

6. نقل بعض ما رواه الفريقان من المأثورات حول الآية.

31

شعار الاَنبياء في طريق دعوتهم هو

( ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ )

إنَّ أخلص الاَعمال وأطهرها من شوائب المادية ما يكون الدافع إلى الاِتيان بها وجه اللّه سبحانه وكسب مرضاته ، وامتثال أمره ، وإطاعة فرضه ، ولو أردنا أن نأتي بمثال ، أو نعرض نموذجاً ، فعمل الاَنبياء ودعوتهم إلى إصلاح المجتمع خير مثال ونموذج له.

وقد اتفقت كلمة الاَنبياء في هتافاتهم على أنَّهم يبلغون رسالات اللّه تطوعاً وطلباً لمرضاة اللّه ، ولا يسألون الناس أجراً ولا جزاء ، حتى صار ذلك شعاراً لهم.

وقد ورد هذا المضمون في قولهم الذي حكاه اللّه عنهم في قرآنه الكريم ، إذ قال :

( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ). (1)

وقد أمر اللّه سبحانه نبيه الكريم أن يقول :

( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً ). (2)

وقد أصبح هذا الشعار يعرف به النبي عن غيره ، ويميّز به المبعوث من جانبه سبحانه عن المبعوث من جانب نفسه ونفسانياته أو من جانب غيره.

____________

1 ـ انظر سورة الشعراء : الآيات : 109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180.

2 ـ الفرقان : 57.

32

ويشهد على ذلك قوله سبحانه حاكياً عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة داعياً الناس أن يتبعوا المرسلين ، لاَنهم مبعوثون من جانبه سبحانه بشهادة أنّهم لا يسألون أجراً في دعوتهم ، قال سبحانه :

( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ). (1)

ثم إنَّ رفضهم الاَجر في تبليغ أوامره سبحانه كان لاَجل أمرين :

1. أنّ ما قام به الاَنبياء من الخدمة للناس أعلى وأنبل من أن يقوّم بالدراهم والدنانير ، أو بالمناصب والمقامات الدنيوية ، فأي شيء يساوي إنقاذ الناس من الخضوع للحجر والمدر ، والاَشكال والصور والخوض في قبائح الاَعمال ، ورذائلها مما يحطم السعادة الاِنسانية ويجلب للبشر الشقاء والانحطاط ؟

أم ترى بماذا يقوّم إنقاذ الاَُمم مما كانت عليه قبل بعث الاَنبياء من الفتك والقتل ووأد البنين والبنات ، وشن الغارات ، وقطع الرحم وأكل الميتة والجيف ، وغير ذلك من الفظائع الشائعة في الاَُمم الجاهلة ، والمتفشية في الاَقوام المنحطة.

وتوقفك على قيمة أعمالهم ، وخدماتهم التي قدموها إلى المجتمع الاِنساني ملاحظة البيئات التي لم يبلغ إليها نور النبوة ودعوة الاَنبياء ، فهم على وحشيتهم الاَُولى ، وجاهليتهم الجهلاء ، فما صعدوا مرقاة الكمال درجة واحدة.

فإذا كان العمل هذه قيمته ، وهذه نتيجته فلا يصح تقويمه بزخارف الدنيا ، وملاذ الحياة ، وخاصة إذا لاحظنا أنّ عمل الاَنبياء في مجال الدعوة كان مقروناً بالتضحية ، وبذل النفوس والاَموال ، وترك الاَوطان ، وتحمّل الشدائد والمصائب والدفاع عن الرسالة بأفلاذ أكبادهم ، فهل يمكن أن تقدّر تلكم التضحيات الجسام بالدراهم والدنانير ، أو بالمناصب والمقامات؟!

____________

1 ـ يس : 20 ـ 21.

33

2. انّ الدافع إلى قيامهم ودعوتهم كان هو امتثال أمره سبحانه وتعالى ، وما كان كذلك فاللّه سبحانه أولى بأن يرجى منه الاَجر والجزاء لا غيره ، فهوَلاء الرسل كانوا يقومون بأفضل خدمة للبشرية امتثالاً لاَمره سبحانه ، وتنفيذاً لاِرادته من غير أن يتوقعوا من سواه أجراً ولا جزاءً.

ولاَجل ذلك نجد شيخ الاَنبياء نوحاً يهتف في قومه بقوله :

( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِين ). (1)

وبقوله :

( وَيَا قَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إلاّ عَلَى اللّهِ وَمَا أَنا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُون ). (2)

ونجد هوداً يهتف في قومه بقوله :

( يا قَومِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ أَجْرِي إلاّ على الّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ). (3)

وهذا نبي الاِسلام (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) يأمره سبحانه بالاِجهار بذلك الهتاف ـ عدم سوَاله أجراً ـ بجمل وتعابير مختلفة نأتي بالجميع :

أ. ( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وما أَنْا مِنَ المُتَكَلِّفِين * إنْ هُوَ إلاّ ذِكرٌ لِلعالَمِين ) . (4)

____________

1 ـ يونس : 72.

2 ـ هود : 29.

3 ـ هود : 51.

4 ـ ص : 86 ـ 87.

34

ب. ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرى لِلعَالَمِين ). (1)

ج. ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُون ). (2)

ويعود سبحانه ينبّه نبيّه بأنّه قد أعد له أجراً عارياً عن المنّة ويقول :

( إنّ لَكَ لاَجْراً غَيْرَ مَمْنُون ). (3)

فأجره سبحانه عار وخال عن كل منّة بخلاف الاَجر المتوقع من الناس ، فإنّه مقرون بها.

هذا حال الآيات الواردة في أجر الرسالة ، وهي بكلمة واحدة تنفي الاَجر الموضوع على عاتق الناس.

والمراد من الاَجر المرفوض هو الاَجر الدنيوي الذي يتنافس فيه الناس ويتخاصمون في تحصيله من المال والثروة والمناصب والمقامات.

ويدل على ذلك وضع المال مكان الاَجر في كلام نوح ، حيث قال :

( ويا قَومِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إنْ أَجْري إلاّ على اللّه ). (4)

فالاَجر المنفي والمرفوض بتاتاً هو ذلك الاَجر الدنيوي بلا إشكال.

نعم يظهر من سورة الشورى أنّه سبحانه استثنى من الاَجر المنفي أجراً واحداً وهو المودة في القربى حيث يقول : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى ). (5)

كما أنّه سبحانه استثنى في سورة الفرقان من الاَجر المرفوض أمراً ربّما يتوهم

____________

1 ـ الاَنعام : 90.

2 ـ الطور : 40 ، و القلم : 46.

3 ـ القلم : 3.

4 ـ هود : 29.

5 ـ الشورى : 23.

35

تغايره مع ما سأله في سورة الشورى قال سبحانه :

( قُلْ ما أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ). (1)

ثم إنّه سبحانه قد أخبر في آية ثالثة بأنّ الاَجر الوارد في هاتين الآيتين يرجع بالنتيجة إلى الناس أنفسهم لا إلى النبي نفسه ، كما قال سبحانه :

( قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إنْ أَجْرِيَ إلاّ على اللّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد ). (2)

ولاَجل الاِجابة على هذه الاَسئلة ورفع الستار عن وجه الحقيقة في هذا المجال يقع البحث في مقامات هي :

الاَوّل : ما المراد من المودّة في القربى التي جعلها اللّه سبحانه في ظاهر الآية أجراً للرسالة؟

الثاني : كيف يمكن التأليف والتوفيق بين هذه الآية والآيات النافية للاَجر بتاتاً؟

الثالث : كيف يعود نفع هذا الاَجر إلى الناس أنفسهم دون النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ؟

الرابع : هل المستثنى في قوله : ( إلاّ المودَّةَ في القُربَى ) هو المستثنى في قوله : ( إلاّ مَنْ شَاءَ أنْ يَتَخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلاً ) أو غيره؟

الخامس : حال الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير ( المودة في القربى ).

السادس : سرد الروايات والمأثورات التي رواها الفريقان في تفسير الآية.

وإليك البحث في المقام الاَوّل :

____________

1 ـ الفرقان : 57.

2 ـ سبأ : 47.

36

المقام الاَوّل

ما هو المراد من ( المَوَدَّةَ فِي القُربى

قبل كل شيء نلفت نظر القارىَ إلى أمرين :

الاَوّل : أنّه لا مجال للشك في أنّ هذه الآية كانت واضحة المفهوم ، بيّنة المراد عند نزولها ، ولم تكن تشير إلاّ إلى معنى واحد.

الثاني : أنّه لا شك في أنّ السلف هم أفضل من يمكن الرجوع إليهم في تفسير مفاد الآية لقرب عهدهم بعصر الرسالة.

وعلى هذين الاَمرين نبدأ بتفسير الآية ، ولنقدم عرض مفرداتها على معاجم اللغة ، وفي محاولتنا لعرضها على اللغة لا تمس الحاجة إلى البحث إلاّ عن كلمتين وهما : ( المَودَّة ) و ( القُربى ).

أمّا كلمة « المودَّة » : فقد اتفقت كتب اللغة والقواميس على أنّها لا تعني إلاّ شيئاً واحداً ، وهو : المحبة ، فإذا قيل فلان يودّ فلاناً معناه : أنّ فلاناً يحب فلاناً.

يقول ابن فارس في مادة ود : « الود » أي الحب ، وددته أي أحببته.

ثم قد تأتي كلمة الود بمعنى الحب مع التمني ، كما لو قيل وددت أنّ ذلك كان : إذا تمنيته.

ويقول الفيروزآبادي في قاموسه في باب ود : « الود » و « الوداد » تعني « الحب ».

37

هذا ولم يذكر صاحب القاموس أنّ الود قد يستعمل في الحب مع التمني.

وأمّا كلمة « القربى » : فكتب اللغة ومعاجمها متفقة على أنّها تعني القرابة والوشيجة الرحمية لا غير.

يقول ابن فارس في مادة « قرب » : القربى القرابة ، وفلان قريبي وذو قرابتي.

ويقول الفيروزآبادي في مادة « قربى » : والقربى ، القرابة وهو قريبي و ذو قرابتي.

ويقول الزمخشري في الكشاف : « القربى » مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة ، والمراد أهل القربى. (1)

وفي المنجد : « القربى » و « القربة » ـ بضم الراء ـ والقرابة ، القرابة في الرحم.

فاتضح من هذه النصوص أنّ المراد من القربى هو الرابطة النسبيّة بين شخصين ليس غير.

ويوَيد ذلك أنّ المتبادر من هذه الكلمة في الموارد التي استعملها القرآن ليس إلاّ ذلك المعنى الواحد الذي تصافقت عليه كتب اللغة ، ولم تعرف له بديلاً.

وإذا استعملت هذه الكلمة في غير ذلك المعنى أحياناً فلابد من اعتباره معنى شاذاً بعيداً عن الاَفهام العرفية ، ولا يصح لنا الاَخذ به مطلقاً.

نعم انّ كلمة « القربى » استعملت في القرآن بضميمة مضاف في مواضع ، وبدونها في مواضع أُخرى ، وقد وردت كلمة القربى في القرآن ( 15 ) مرة ، (2) ما عدا الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، وإليك بعض الآيات التي وردت فيها كلمة « القربى » وهي تقصد القرابة الرحمية ليس غير :

____________

1 ـ الكشاف : 3/81.

2 ـ لاحظ : سورة البقرة الآية : 83 و 177 ، النساء : 8 و 36 ، المائدة : 106 ، الاَنعام : 152 ، الاَنفال : 41 ، التوبة : 113 ، النحل : 90 ، الاِسراء : 26 ، النور : 22 ، الروم : 38 ، فاطر : 18 ، الحشر : 7. وقد تكرّرت الكلمة في الآية 36 من سورة النساء مرتين.

38

( وَبِالوَالِدَيْنِ إحْساناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ). (1)

( وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ). (2)

( وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالْصَّاحِبِ بِالْجُنبِ ) . (3)

( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْ ـ رِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلي قُرْبَى ). (4)

ماذا فهم الاَوائل من ( المَوَدَّةَ فِي القُربَى ) ؟

قد تبين ممّا أوردناه من كلمات اللغويين مفاد مفردات الآية ، ويجب الآن أن نبيّن ما هو المقصود من هذا التركيب.

فنقول : إنّ جمهور العلماء والاَُدباء والمفسرين بمختلف طبقاتهم وفنونهم لم يفهموا من هذه الآية سوى لزوم ولاء أقرباء النبي وعترته. نعم في مقابل هذا المعنى محتملات أُخر يذكرها بعض المفسرين ، ولكنها ليست إلاّ أقوالاً شاذة لا يعبأ بها ، وسيوافيك بعض هذه المعاني الشاذة في الفصل الخامس من هذا البحث فنقول :

أمّا المحدثون : فقد نقل الفريقان من السنّة والشيعة عشرات الاَحاديث الدالة على أنّ الآية نزلت في لزوم ولاء أهل البيت ، ومودَّة أقرباء النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ، وسوف يوافيك بعض نصوصهم في محله ، وأمّا من هم أهل بيته وأقرباوَه؟ فسيوافيك البحث عنهم في المستقبل.

____________

1 ـ البقرة : 83.

2 ـ البقرة : 177.

3 ـ النساء : 36.

4 ـ التوبة : 113.

39

وأمّا غيرهم فقد فهم الاَُدباء من الآية نفس ما أقرّته اللغة ورجالها ، وبما أنّهم من العرب الاَقحاح ، وبحكم إحاطتهم باللغة العربية يكون فهمهم حجة في تفسير الآية.

ولاَجل هذا نورد في ما يلي نماذج من الشعر الذي يوَكد على أنّ المودة في القربى إنّما تعني المحبة لاَهل البيت النبوي ، ونذكر من الكثير ، القليل.

1. لقد صاغ الاِمام الشافعي ما فهمه من هذه الآية في البيتين التاليين وأثبت بذلك حبّه لاَهل البيت وولاءه لاَقرباء النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) فقال :

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم * * * فرض من اللّه في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم القدر أنّكم * * * من لم يصل عليكم لا صلاة له(1)

2. وقد سبق الاِمام الشافعي سفيان بن مصعب العبدي الكوفي ، وهو من تلاميذ الاِمام جعفر الصادق (عليه السلام) فصاغ ما فهمه في إحدى قصائده ولعظمة شأنّه وأهمية ما قاله من الشعر في هذا المضمار أوصى الاِمام الصادق شيعته بتحفيظ شعره لاَبنائهم (2) وهو يقول :

آل النبيّ محمد * * * أهل الفضائل والمناقب

المرشدون من العمى * * * والمنقذون من اللوازب

الصادقون الناطقون * * * السابقون إلى الرغائب

فولاهمُ فرض من الر * * * حمن في القرآن واجب(3)

____________

1 ـ لاحظ شرح المواهب للزرقاني : 7/8 ، والصواعق لابن حجر : 87 ، والاتحاف للشبراوي : 29 ، وإسعاف الراغبين للصبان : 119 ، ومشارق الاَنوار للحمزاوي المالكي. راجع الغدير : 1/152.

2 ـ روى الكشي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : « يا معشر الشيعة علّموا أولادكم شعر العبدي ، فإنّه على دين اللّه ». رجال الكشي : 343.

3 ـ لاحظ الغدير : 2/275 ، ط النجف.

40

3. وممّن صاغ مفاد الآية في قالب شعره هو الشيخ شمس الدين ابن العربي على ما نقل ابن حجر عنه في صواعقه ص 101 ، ففي البيتين التاليين يكشف ابن العربي بصراحة عن أنّ المقصود من المودة في القربى ليس سوى محبة عترة الرسول حيث يقول :

رأيت ولائي آل طه فريضة * * * على رغم أهل البعد يورثني القربى

فما طلب المبعوث أجراً على الهدى * * * بتبليغه إلاّ ( المودَّة في القربى )

4. نجد ابن الصباغ المالكي ينسب في كتابه « الفصول المهمة ص 13 » البيتين التاليين إلى شاعر :

هم العروة الوثقى لمعتصم بها * * * مناقبهم جاءت بوحي وإنزال

مناقب في شورى وسورة هل أتى * * * وفي سورة الاَحزاب يعرفها التالي

ومن الواضح أنّ الشاعر يقصد بقوله « مناقب في شورى » مفاد الآية التي نبحث عنها ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُربى ).

وكما يذكر أيضاً لقائل آخر قوله :

هم القوم من أصفاهم الود مخلصاً * * * يمسك في أخراه بالسبب الاَقوى

هم القوم فاقوا العالمين مناقبا * * * محاسنها تجلى وآياتها تروى

موالاتهم فرض وحبهم هدى * * * وطاعتهم ود وودهم التقوى

5. وينسب الشبلنجي في « نور الاَبصار ص 13 » الآبيات التالية لاَبي الحسن ابن جبير :

41

أحب النبي المصطفى وابن عمه * * * علياً وسبطيه وفاطمة الزهرا

همو أهل بيت أذهب الرجس عنهمو * * * وأطلعهم أفق الهدى أنجماً زهرا

موالاتهم فرض على كل مسلم * * * وحبهمو سني الذخائر للاَُخرى

6. وقال النبهاني :

آل طه يا آل خير نبي * * * جدكم خيرة وأنتم خيار

أذهب اللّه عنكم الرجس أهـ * * * ـل البيت قدماً وأنتم الاَطهار

لم يسل جدكم على الدين أجراً * * * غير ود القربى ونعم الاجار (1)

هذه نماذج ممّا قيل شعراً في مفاد الآية ، وهي تكشف بكل وضوح وجلاء عن أنّ الآية لم تقصد منذ أن نزلت إلاّ تكريس محبة ذوي القربى.

ولا شك أنّ الاَشعار استوحت محتواها من اللغة وما فهمه المحدّثون ، والعلماء الاَوائل.

فالاَبيات الماضية أمّا كانت من إنشاء العلماء أنفسهم ، أو لقيت تأييدهم إلى درجة أنّهم نمَّقوا بها كتبهم في تفسير الآية ، وهذا إن دلَّ على شيء فانّما يدلُّ على أنّ الآية لا تحتمل إلاّ ما أسفرت عنه كتب الحديث والتفسير والتاريخ.

فهذه هي اللغة كما رأيناها ، وهوَلاء هم الاَُدباء وأبياتهم كما قرأناها كلّها تتفق على أنّ اللّه سبحانه لم يطلب أجراً لرسالة نبيه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) إلاّ محبَّة ذوي القربى.

وأمّا أنّه كيف يصلح أن تكون المودة في القربى أجراً للنبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم ؟ فسوف نعود إليه عند البحث عن المقام الثاني ، فارتقب.

____________

1 ـ لاحظ : الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء : 229.

42

أسئلة وأجوبتها

ثم إنّ هاهنا أسئلة حول مفاد الآية طرحها بعض من لا إلمام له بتفسير كلام اللّه وتوضيح سنة نبيّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) ، ونحن نوردها هنا مع الاِجابة عليها :

السوَال الاَوّل :

لو أراد اللّه سبحانه من الآية مودّة القربى لقال : إلاّ مودّة أقربائه ، أو المودّة للقربى.

الجواب : انّ السائل توهم أنّ « القربى » جمع « القريب » أو « الاَقرب » فقال لو أراد مودة أقربائه لقال كذا وكذا ، ولكنّه غفل عن أنّ القربى مصدر كزلفى وبشرى كما قال الزمخشري في كشّافه ، ولاَجل ذلك لم يستعمل في القرآن إلاّ مع المضاف كقوله « ذي القربى » و « ذوي القربى » و « أُولي القربى » مشيراً إلى صاحب القرابة الرحمية ، وأمّا في مورد الآية فقد استعمل بلفظة « في القربى » بحذف المضاف من الاَهل وغيره.

قال الزمخشري في كشافه : فإن قلت فهلا قيل إلاّ مودة القربى ، أو إلاّ المودة للقربى ، وما معنى قوله : ( إلاّ المودَّة في القربى ) ، قلت : جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقولك : « لي في آل فلان مودة ، ولي فيهم هوى وحب شديد » تريد أحبهم وهم مكان حبي ، ومحله ، وليست « في » بصلة للمودة كاللام إذا قلت « إلاّ المودة للقربى » ، إنّما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك ، المال في الكيس ، وتقديره إلاّ المودة ثابتة في القربى ، ومتمكنة فيه « والقربى » مصدر بمعنى القرابة كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة والمراد « في أهل القربى ». (1)

____________

1 ـ الكشاف : 3/81 ، ط مصر عام 1367.

43

قال النبهاني في الشرف الموَبد : القربى مصدر بمعنى القرابة وهو على تقدير مضاف أي ذوي القربى يعني الاَقرباء قال : وعبر بـ « في » ولم يعبر بـ « اللام » ، لاَنّ الظرفية أبلغ وآكد للمودة. (1)

السوَال الثاني :

إنّ تفسير الآية بمودة أهل البيت وعترة النبي غفلة عن نقطة هامة ، وهي : أنّ الآية وردت في سورة الشورى وهي سورة مكية ولم يكن يومذاك الحسنان ، بل ربما لم تكن فاطمة أيضاً ، فكيف تفسّر الآية بعترة النبي ، وتخصص العترة بجماعة خاصة ، أعني : علياً وفاطمة والحسن والحسين ، مع أنّ أكثرهم لم يكونوا موجودين زمن نزول الآية؟

وهذا السوَال يرجع إلى ابن تيمية في « منهاجه ص 250 » ، حيث قال : إنّ سورة الشورى مكية بلا ريب نزلت قبل أنْ يتزوج علي بفاطمة وقبل أنْ يولد له الحسن والحسين.

الجواب : انّ هناك طريقين لمعرفة الآيات المكية وتمييزها عن المدنية.

الطريق الاَوّل : هو ملاحظة نفس مفاد الآية فهو الذي يكشف عن موضع نزول الآية أو السورة ، إذ الآيات التي تدور حول التوحيد والمعارف العقلية ، وانتقاد الوثنية و رفض الاَوثان ، والدعوة إلى الاِيمان باللّه واليوم الآخر ، وبيان ما جرى في القرون الغابرة على الاَُمم السالفة ، وما يشابه هذه الموضوعات هي مكية في الاَغلب على أساس أنَّ القضايا الوحيدة التي كانت تطرح في المحيط المكي كانت تدور حول هذه المسائل وأمثالها ، فإنّ محيط مكة في فجر الدعوة الاِسلامية ما كان يتحمل أكثر من طرح هذه القضايا.

____________

1 ـ الشرف الموَبد نقله عنه العلاّمة شرف الدين في الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء : 32.

44

أمّا الآيات التي تدور حول شوَون النظام الاِسلامي والجهاد ومحاجة اليهود والنصارى والاَحكام الشرعية والنظم الاجتماعية فهي مدنية غالباً.

ولقد تمكّن العلماء موَخراً أن يحصلوا بمعونة هذا المعيار الدقيق ، على نتائج باهرة في مجال فهم النصوص القرآنية.

فإذا كان هذا هو الملاك في تشخيص مكية الآيات عن مدنيتها ، فهذا يقودنا ـ بيسر ـ إلى اعتبار كون الآية المبحوثة هنا مدنية لا مكية ، لاَنّها تناسب ظروف المدينة ، ولا تناسب ظروف مكة ، إذ ليس من المعقول أن يتحدث النبي بمثل هذا الطلب في مكة حيث لم يكن قد آمن به بعد إلاّ نفر يسير لا يتجاوز عددهم عدد الاَصابع أو يزيد عن ذلك بقليل ، حيث كان يواجه أغلبية معادية ، مبالغة في عدائها ، متعنتة في خصومتها ، وأمّا النفر اليسير ، أعني : الجماعة القليلة الموَمنة ، فما كان يناسب طلب شيء منهم حتى المودَّة وهم على ذلك الضعف والمحنة الشديدة والتشرّد والمعاناة.

لندع الرسول الكريم (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) ولنأخذ أيَّ رجل بليغ آخر يعرف متى يتكلم وماذا يقول ، ترى هل من الصحيح أن يقول لجماعة لم توَمن به بعد أو لجماعة قليلة موَمنة كانوا يعذبون بألوان التعذيب : ( لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ) سواء أفسرت الآية بعترة الرسول وأهل بيته ، أو غيرها من المعاني التي أبدعها بعضهم في تفسير الآية؟

أجل انّ مثل هذا الطلب إنّما يصح أن يوجهه إلى الذين صدّقوه وآمنوا به وقبلوا دعوته وكانوا قد وصلوا إلى بعض الاَهداف والنجاحات واستقرّت أُمورهم وصفا لهم الجو والحال.

وخلاصة القول : إنّ سوَال الاَجر من جانب النبي وهو في إبّان الدعوة ليس أمراً بليغاً حيث لم يستتب له الاَمر بعد ، ولم يحصل هناك هدوء ولا سكون له ولمن

45

آمن به واتبعه ، وإنّما هو مناسب لظرف آخر مثل أواخر عهد الرسالة.

الطريق الثاني : لتمييز مكيّة الآيات عن مدنيتها هو الرجوع إلى النصوص الواردة في هذا المورد عن العلماء وكبار المفسرين ، فإذا كان هو الميزان لمعرفة الآيات المكية من المدنية فإنّنا نجد المفسرين ـ وبالاَخص أُولئك الذين ألّفوا كتباً حول مواضع نزول الآيات والسور ـ يقولون : إنّ سورة الشورى مكيّة إلاّ أربع آيات أُولاها قوله تعالى : ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ المَوَدَّةَ في القُربَى ) فهذا إبراهيم بن عمر البقاعي الذي ألّف كتاباً في هذا المضمار وأسماه « نظم الدرر وتناسق الآيات والسور » يقول في كتابه هذا : سورة الشورى مكية إلاّ الآيات 23 ، 24 ، 25 و 27. (1)

والواقع أنّه لم يكن البقاعي وحده هو القائل بمدنية هذه الآية ، وإنّما قال به عدّة من المفسرين منهم : نظام الدين النيسابوري ، صاحب التفسير الكبير يقول في ابتداء تفسيره لسورة الشورى : سورة الشورى مكية إلاّ أربع آيات ومنها آية المودّة في القربى نزلت في المدينة. (2)

ويقول الخازن في تفسيره : سورة الشورى مكية ، ونقل عن ابن عباس أنّ أربع آيات منها نزلت في المدينة أولاها : ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ المودَّةَ في القُربى ) ( ثم يضيف قائلاً ) : وليست هذه الآيات الاَربع مدنية فحسب بل هناك آيات أُخرى نزلت بالمدينة أيضاً ، فقد ذهب فريق إلى أنّ الآيات من 39 إلى 44 أيضاً مدنية. (3)

____________

1 ـ راجع تاريخ القرآن للزنجاني : 58. والبقاعي هذا هو برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر الشافعي ، ولد عام 809 هـ ، وتوفّي في دمشق عام 885 هـ. قال في كشف الظنون : 2/605 : وهو كتاب لم يسبقه إليه أحد جمع فيه من أسرار القرآن ما تتحير فيه العقول.

2 ـ تفسير النيسابوري : 3/312.

3 ـ تفسير الخازن : 4/94.

46

ثم إنّ بإمكان القارىَ أن يراجع المصاحف التي طبعت تحت إشراف لجان أزهرية ومحققين منهم ليجد فيها هذه العبارة فوق سورة الشورى : سورة الشورى مكية إلاّ الآيات 23 ، 24 ، 25 و 27 فمدنية.

وليعلم القارىَ أنّ ترتيب الكتاب العزيز في الجمع ليس على حسب ترتيبه في النزول إجماعاً وباتفاق جميع العلماء ، ومن ثم كانت أغلب السور المكية لا تخلو من آيات مدنية ، وكذلك أكثر السور المدنية لا تخلو من آيات مكية ، بحكم أئمّة السلف والخلف من الفريقين ووصف السورة بكونها مكية أو مدنية تابع لاَغلب آياتها لا جميعها. (1)

ولكي يكون هذا الكلام مقروناً بالدليل ومدعماً بالبرهان نأتي بنماذج من هذا :

1. سورة العنكبوت مكية إلاّ من أوّلها عشر آيات فهي مدنية. (2)

2. سورة الكهف مكية إلاّ من أوّلها سبع آيات فهي مدنية ، وقوله ( واصبر نفسك ) الآية. (3)

3. سورة هود مكية إلاّ قوله : ( وأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفي النهار ) وقوله : ( فَلَعَلْكَ تَارِك بَعْضَ ما يُوحى إِليك ). (4)

4. سورة مريم مكية إلاّ آية السجدة وقوله : ( وإن منكم إلاّ واردها ). (5)

5. سورة الرعد فانّها مكية إلاّ قوله : ( ولا يزال الذين كفروا ) وبعض آيها

____________

1 ـ الكلمة الغرّاء : 227.

2 ـ راجع تفسير الطبري : 20/86 ، وتفسير القرطبي : 13/323 ، والسراج المنير : 3/16.

3 ـ تفسير القرطبي : 10/346 ، والاِتقان : 1/16.

4 ـ تفسير القرطبي : 9/1 ، والسراج المنير : 2/40.

5 ـ إتقان السيوطي : 1/16.

47

الآخر ، أو بالعكس. (1)

6. سورة إبراهيم مكية إلاّ قوله : ( ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة اللّه ) الآيتين. (2)

7. سورة الاِسراء مكية إلاّ قوله : ( وإن كادوا ليستفزونك من الاَرض ) إلى قوله : ( واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ). (3)

8. سورة الحج مكية إلاّ قوله : ( من الناس من يعبد اللّه على حرف ). (4)

9. سورة النمل مكية إلاّ قوله : ( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ). (5)

10. سورة القصص مكية إلاّ قوله : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله ). (6)

11. سورة القمر مكية إلاّ قوله : ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ). (7)

12. سورة يونس مكية إلاّ قوله : ( وإن كنت في شك ) الآيتين. (8)

وغيرها مما نص به أئمّة التفسير ، وما ذكرناه نماذج ممّا ذكروه.

فكما أنّ كون السورة مكيّة لا يستلزم كون جميع آياتها كذلك فكذلك كون السورة مدنية لا يستلزم كون جميعها كذلك ، كما يجده المتتبع في طيات التفاسير.

____________

1 ـ تفسير القرطبي : 9/278 ، ومفاتيح الغيب : 5/258.

2 ـ تفسير القرطبي : 9/338 ، والسراج المنير : 2/159.

3 ـ تفسير القرطبي : 10/203 ، وتفسير الرازي : 5/540 ، والسراج المنير : 2/261.

4 ـ تفسير القرطبي : 12/1 ، وتفسير الرازي : 6/206 ، والسراج المنير : 2/511.

5 ـ تفسير القرطبي : 5/65 ، والسراج المنير : 2/205.

6 ـ تفسير القرطبي : 13/245 ، وتفسيرالرازي : 6/585.

7 ـ السراج المنير : 4/136.

8 ـ تفسير الرازي : 4/774 ، والاِتقان : 1/15 ، والسراج المنير : 3/2.

48

كما أنّ بعض الآيات نزلت مرتين ، نصّ بذلك العلماء ، وعللوه بكونها عظة وتذكيراً ، أو لاقتضاء علل متعددة ذلك. (1)

وإن شئت التفصيل فلاحظ أوائل السور من التفاسير تجد انّ المفسرين حيث يحكمون بأنّ السورة مكية أو مدنية يستثنون في أغلب السور آيات خاصة ، فلاحظ التفاسير في تفسير السور : المائدة ، الاَعراف ، الرعد ، الاِسراء ، الكهف ، مريم ، الحج ، الشعراء ، القصص ، الروم ، لقمان ، سبأ ، الزمر ، الزخرف ، الدخان ، الرحمن.

فإنّ نظرة فاحصة في هذه السور والتفاسير حولها توقف الاِنسان على أنّ كون السور مكية أو مدنية بمعنى أنَّ أغلب آياتها لا جميعها كذلك.

ولو فرضنا كون الآية مكية لكنه لا يستلزم كون المودة مقصورة على الموجودين من أقربائه بل يكون حكماً إسلامياً شاملاً لمن يتولَّد بعد نزول الآية من أقربائه نظير قوله : ( يُوصِيكُمُ اللّهُ في أوْلاَدِكُمْ ) فانّها شاملة لاَولاد المخاطبين المتولدين بعد نزول الآية.

ثم إنّ تفسير النبيّ الآية بعلي وفاطمة وابنيهما يمكن أنْ يكون متأخراً عننزول الآية لرفع الستار عن وجه الآية ، فيكون من الاِخبارات النبوية بالمغيبات.

ثم إنّ فرض مودتهما على الاَُمّة قبل ولادتهما لاَجل كرامتهما عليه وقرب

____________

1 ـ الاِتقان : 1/60 ، تاريخ الخميس : 1/11 ومنها سورة الفاتحة ، ولاَجل تكرار نزولها سميت المثاني. وقد أخذنا هذه النصوص في مورد تلك الآيات عن الغدير : 1/233 ، 234 شكر اللّه مساعيه.

49

منزلتهما منه ، كما بشر اللّه آدم ونوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى بالنبي الخاتم ، وعرّفهم جلالة قدره وعظم شأنه.

وعلى كل تقدير سواء أكان تفسير الآية بعلي وفاطمة وابنيهما مقارناً مع نزول الآية أم بعده ، فقد روى المحدّثون عن ابن عباس أنّه لما نزلت هذه الآية قيل : يا رسول اللّه من قرابتك هوَلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال : « علي وفاطمة وابناهما ». (1)

وخلاصة القول : إنّ ما يعيّ ـ ن مكيّة الآيات ومدنيتها هي الاَحاديث الاِسلامية ، فالاَحاديث التي تقول بأنّ سورة الشورى مكية هي التي تقول بأنّ آية ( قُل لا أسْأَلَكُمْ ) بل بضع آيات وردت فيها ، نزلت في المدينة ، ومخالفة هذه الاَحاديث ليس سوى نوع اجتهاد في مقابل النص بل النصوص.

وعلى تسليم كونها مكية برمتها لا يضير عدم وجود بعض أفرادها حين النزول في مكة إذ أنّ من الجائز أن يشرِّع مقنن قانوناً يحترم طائفة من الناس يوجد بعض أفرادها حين التشريع ، وهذا هو الاسلوب الذي يتبعه القرآن في كثير من تشريعاته حيث يقول : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ولِذِي الْقُرْبَى ). (2) فلفظ الغنيمة يشمل كل ما تغلب عليه المسلمون في الاَجيال كلها ، كما أنّ لفظ ( وَلِذِي الْقُرْبَى ) يشمل أقرباء النبي سواء أكانوا موجودين زمن نزول الآية أم لا.

____________

1 ـ الذخائر : 25 ، والكشاف : 2/339 ، مطالب السوَول : 8 ، مفاتيح الغيب : 7/665 ، مجمع الزوائد : 9/168 ، الفصول المهمة : 12 ، الكفاية للكنجي : 31 ، شرح المواهب : 7/3 و 21 ، والصواعق : 101 و 135 عند البحث في المقام السادس ، نور الاَبصار : 112 ، الاسعاف : 105 وستوافيك نصوصهم.

2 ـ الاَنفال : 41.

50

والعجب تسمية ذلك في كلام بعضهم ( أي إدراج الآية المدنية في السورة المكية أو بالعكس ) تحريفاً باطلاً فإنّ هذا تصور باطل عن معنى التحريف الذي هو بمعنى الزيادة والنقيصة في القرآن وإلاّ يلزم أن نعتبر كلَّ المفسرين والمحدّثين من القائلين بالتحريف لاَنَّهم كثيراً ما يعتبرون الآية مدنية في ضمن السورة المكية وبالعكس.

على أنّ التحقيق هو أنَّ القرآن جمع في عصر الرسول بهذا الشكل الحاضر فبأمره رتبت سوره ونظمت آياته ، ووضعت كل آية في موضعها ، فإذا كان ذلك بأمر الرسول فهل يصح أن نعتبره تحريفاً؟

روى المفسرون عن ابن عباس والسدي : انّ قوله تعالى : ( وَاتَقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (1) آخر آية نزلت من الفرقان على رسول اللّه وانّ جبرئيل قال له ضعها على رأس الثمانين والمائتين من البقرة ، وهذا القول كأنّما إجماعي ، وانّما الاختلاف في مدة حياة الرسول بعد نزولها.

السوَال الثالث

إنّ المحبة حالة قلبية غير اختيارية فلا يمكن الاَمر بها بأن تقع تحت دائرة الطلب ، لاَنّه لو كانت هناك موجبات الود وجدت المحبة قهراً وإن لم يوص بها ، وإن لم تكن فلا توجد وان كانت هناك توصية بذلك.

الجواب : عزب عن المستشكل أنّه لو كانت المودة أمراً غير اختياري موجباً لعدم صحة الاَمر بها ، لزم عدم صحة النهي عنها أيضاً فإنّ الموضوع غير

____________

1 ـ البقرة : 281.

2 ـ الكشاف : 1/303 ، مجمع البيان : 1/394 ، الاِتقان : 1/77.

51

الاختياري لا يقع تحت دائرة الطلب مطلقاً ، لا تحت دائرة الاَمر ولا تحت دائرة النهي ، بينما نرى القرآن ينهى عن مودة الكفّار وأعداء اللّه ويقول وهو يصف الموَمنين : ( لاَ تَجِدُ قَوْماً يُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ ). (1)

كما يقول سبحانه : ( يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ). (2)

والآية الاَُولى وإن كانت تخبر في الظاهر عن أحوال الموَمنين إلاّ أنّ المقصود منها هو الحث على الاجتناب عن مودتهم ومحبتهم.

إذا كانت المودة ـ لاَجل كونها أمراً خارجاً عن الاختيار ـ لا يتعلق بها الاَمر لماذا نجد الرسول العظيم (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) يدفع المسلمين إلى التوادد والتحابب ممثلاً لذلك بمثل جميل ورائع حيث يقول :

« مثل الموَمنين في توادّهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ». (3)

وهذا الحديث ونظائره كثيرة في الاَحاديث الاِسلامية ، وكلّها تعطي أنّ المودة موضوع قابل للطلب ، كما أنّ المحدثين عقدوا في موسوعاتهم الحديثية أبواباً من قبيل باب « الحب في اللّه » وباب « البغض في اللّه » وأدخلوا في هذه الاَبواب مجموعات كبيرة من الاَحاديث التي تبدو منها بجلاء الدعوة إلى التوادد والتحابب بين الاَُمّة الاِسلامية ونبذ الكفار وعدم موالاتهم.

____________

1 ـ المجادلة : 22.

2 ـ الممتحنة : 1.

3 ـ مسند أحمد : 4/7 ، والتاج : 5/17 ، نقلاً عن صحيحي البخاري ومسلم.

52

ومن هنا يبدو أنّ البغض والحب ليسا كما يتوهم أمرين غير اختياريين وغير خاضعين للاِرادة الانسانية ، بل هما حالتان اختياريتان تتحققان بالتدبر واعمال النظر في مقدماتهما.

يقول الاِمام الصادق (عليه السلام) : « من أوثق عرى الاِيمان أن تحب في اللّه وتبغض في اللّه ». (1) أي تحب الموَمن لاِيمانه باللّه ، وتبغض الكافر لكفره باللّه.

ويقول الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) في عهده إلى مالك الاَشتر النخعي : « واشعر قلبك الرحمة والمحبة لهم واللطف بهم ». (2)

ولو أُتيح لك أن تطّلع بالتفصيل على النصوص الواردة في مجال الحب والبغض ، لرأيت كيف أنّ الرسول والاَئمّة (عليهم السلام) أوصوا بمحبة جماعة معينة ، ونهوا عن مودة آخرين ، فها هو الرسول يقول : « عنوان صحيفة الموَمن حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) ». (3) والهدف النهائي من هذه الكلمة هو الدعوة إلى موالاة علي وعقد القلب على محبته.

ويقول الرسول (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) أيضاً : « من سرَّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال علياً من بعدي ، وليوال وليّه ، وليقتد بالاَئمّة من بعدي ، فانّهم عترتي خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهماً وعلماً ». (4)

وقال (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) في حق علي أيضاً : « ومن أحبني فليحبه ، ومن أحبني وأحب هذين وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة ». (5)

____________

1 ـ سفينة البحار : 1/12.

2 ـ نهج البلاغة : قسم الكتب برقم 53.

3 ـ تاريخ بغداد : 4/410.

4 ـ حلية الاَولياء : 1/86.

5 ـ مسند أحمد : 5/366 ، وصحيح مسلم كتاب الفتن : 119 ، وصحيح الترمذي كتاب المناقب : 20.

53

ولا شك أنّ هدف الرسول (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) ليس إلاّ دفع الناس إلى محبتهم وموالاتهم.

أضف إلى ذلك أنّ دعوة النبي إلى حب وموادّة جماعة خاصة ، يكون سبباً قوياً لغرس بذور المحبة لتلك الجماعة في قلوب الناس ، وسرعان ما تنمو تلك البذور وتتحول إلى حب عميق لتلك الجماعة ، فعندما يأخذ الرسول بيد علي ويقول : « من أحبني فليحبه » ، تكون تلك العبارة حافزاً لمشاعر القوم تجاه مكانة علي ، وسبباً لنمو بذور المحبة في أفئدتهم ، كيف لا ، وهذه الكلمات من رسول اللّه هي التي صنعت جماعة أحبت علياً وآله غاية الحب.

نعم لو أوصى بمحبة من لا يتوفر فيه ملاك المحبة ، إمّا لوجود نقاط ضعف في خلقه أو عمله لما نفعت التوصية ، على أنّ هناك قد يوجد من يتوفر فيه ملاكالمحبة دون أن يعلم أكثر الناس به ، فدعوة الناس إلى محبتهم وولائهم تكون سبباً إلى التفتيش في موجبات هذه الدعوة ، وفي نهاية المطاف يكون هذا الاَمر سبباًإلى التفات الناس إلى سجاياهم وأخلاقهم التي تخلق المحبة في قلوب الناس.

وبذلك يتضح أنّ دفع الناس إلى التعرف على عظمة الشخص يحصل بأحد أمرين :

الاَوّل : رفع الستر عن سجاياه الاَخلاقية وملكاته الفاضلة ببيان فضائله ، وهو عمل يوجه الناس إلى القائد بصورة مباشرة.

الثاني : الاَمر بحبه وموالاته ، ويكون سبباً لاِقبال الناس عليه ، والتعرّف بالتدريج على موَهلاته وصفاته وسجاياه.

وعلى هذا الاَساس يعتبر الاَمر بمودتهم منطلقاً للتعرف وأساساً للاتّباع.

54

السوَال الرابع

كيف يأمر الرسول بمودة أقربائه مع أنّا نجد في صفوفهم من عادى اللّه ورسوله ، وانّه سبحانه نهى عن مودة من يعاديه أو يعادي رسوله؟

الجواب : لا شك أنّ القرآن الكريم نهى عن موالاة الكفار سواء أكانوا من أقرباء الرسول أم لا ، قال سبحانه :

( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْ ـ رِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلي قُرْبَى ). (1)

وقال سبحانه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الاِيْمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ). (2)

وقال سبحانه :

( يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُّوكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ). (3)

فبملاحظة هذه الآيات والآيات التي نزلت في مكة وطلبت من الموَمنين أن يجانبوا آباءهم وأُمهاتهم المشركين ، يقضي العقل بأنّ الرسول إنّما طلب موالاة من يرتبط به بوشيجة القربى إذا كان موصوفاً بالاِيمان والتقى ، وليس من المعقول ممن ينهى عن موالاة الكفار والمشركين ، أن يطلب موالاة أقربائه على الاِطلاق حتى المشركين.

____________

1 ـ التوبة : 113.

2 ـ التوبة : 23.

3 ـ الممتحنة : 1.