مفاهيم القران - ج5

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
522 /
3

بسم الله الرحمن الرحيم

4

-

5

كلمة قدسية

تفضّل بها سماحة العلاّمة الأُستاذ المحقّق آية الله الشيخ لطف الله الصافي

صاحب المؤلفات الإسلامية القيّمة ، والمواقف الجهادية المشكورة

دام ظله الوارف

بسم الله الرحمن الرحيم

العصر الحاضر والمفاهيم الدينية

يشهد عصرنا الحاضر المسمّى بعصر الذرة والفضاء ، صورة جديدة من رفض النصوص الشرعية ، يتمثل في موقف خاص من قضايا الدين ، وهو تفسير الحوادث الخارقة للعادة والحقائق الغيبية وما يتحقّق في مستقبل الزمان من الآيات والملاحم الثابتة كلّها في الدين ، والّتي أخبرت بها نصوص الكتاب والسنّة ، وتحقّقت أو تتحقّق ـ بإرادة الله تعالى وإذنه ـ بالتفسير والتعليل المادي الّذي ينكر تأثير عالم الغيب في عالم الشهادة.

وهو موقف نابع وناشئ من انبهار طائفة كبيرة من المثقفين ببريق النهضة المادية الحديثة ، ومن الإفتتان بالتقدم الصناعي الراهن ، الأمر الّذي آل إلى ظهور الاتجاهات العلمانية الّتي تعتقد بفصل الدين عن الدنيا ، والدنيا عن الدين حيناً ، وبإخضاع المفاهيم الدينية الغيبية لمقاييس العلوم المادية الحديثة حيناً آخر.

6

وممّا يزيد الطين بلّة ، والداء تفاقماً ، أنَّ هذا الفريق يظهرون الإسلام ويتظاهرون بالنصيحة له وللمسلمين ، ويدّعون أنّه لابد من تفسير الدين بنحو يقبله المفكر الغربي ، ولا يستنكره الملحد الشرقي ، وبالتالي : لا بد من تأويل اصطلاحاته وقضاياه بنحو يوافق المذاهب المادية ، والقوانين الطبيعية ، بينما يسعى فريق آخر إلى التوفيق بين الدين ونظاماته في الإدارة والحكم وغيرهما ، وبين الأنظمة الديمقراطية ، كما يريد بعضهم التوفيق بين الدين ـ وهو دين إلهي ـ مع الأنظمة الماركسية الملحدة.

فالثقافة عند هؤلاء هو الترديد والتشكيك في الحقائق المقبولة في الدين ، والّتي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنّة ، ممّا لا يمكن أن يعلل بالعلل ، وبالتالي إخضاع الدين لمعطيات الحضارة المادية الحديثة ، ومقاييسها ، فإذن نحن في عصر يزداد فيه التخوّف من تعريض المفاهيم الدينية لخطر التحريف والتأويل ، وإخضاع الدين للأهواء والأمزجة والأذواق الشخصية ، على أيدي الجهّال والانهزاميين.

فما أحوجنا ـ في هذا العصر ـ إلى تبيين مفاهيم الكتاب والسنّة ، وتثبيت ما أتى به الإسلام ، على حقيقته ، وإرجاع الناس إلى النصوص ودلالاتها ، ورد المتشابهات إلى المحكمات ، في ضوء الكتاب العزيز والسنّة المطهرة الشاملة لما ورد عن العترة الطاهرة.

ولقد نهض بهذه المهمة منذ أقدم العصور ـ ولله الحمد ـ رجال من روّاد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وأصحابهم ممن دفعتهم غيرتهم الدينية إلى الدفاع عن حياض الشريعة المقدسة ، مع الاحتفاظ بنصوص الكتاب والسنّة ، فأبقوا على مفاهيم الإسلام غضّة طرية ، ناصعة ، ساطعة ، فشكر الله مساعيهم الجميلة

7

وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.

وممّا يثلج الصدر أن تستمر هذه الجهود الخالصة المخلصة في سبيل الحفاظ على مفاهيم الدين ، حيث قام في عصرنا هذا جماعة من الأعلام بنفس هذا العمل العظيم ، ونخص بالذكر صديقنا العلاّمة الفقيه والبحّاثة المحقّق الأُستاذ الشيخ جعفر السبحاني في ما كتب في سلسلة « مفاهيم القرآن الكريم » هذه المجموعة الّتي صدرت منها إلى الآن أربعة أجزاء ، والّتي سدّت فراغاً واسعاً في هذا المجال حيث أوضحت ـ في غاية القوة والإحاطة والإتقان والتحقيق ـ كثيراً من المفاهيم القرآنية الإسلامية وسدّت الطريق في وجه المبتدعين والمحرّفين ، والمأوّلين والمشكّكين ، وأجابت باسلوب برهاني مقنع على أسئلة طالما شغلت أذهان الشباب ، وأصحاب المدارس الحديثة.

وقد جاء الجزء الرابع ردّاً على الاتجاه المذكور وهو تفسير الجوانب الغيبية بالتعليلات المادية.

فلله درّ مؤلفه الفقيه المحقّق العلاّمة وحفظه الله ذخراً للحوزة والأُمّة ، ونفع المسلمين جميعاً بعلومه ومؤلّفاته. انّه سميع مجيب.

لطف الله الصافي

23 ـ ربيع الثاني ـ 1406 هـ

8

كتاب كريم

تفضّل به العلاّمة الحجّة الأُستاذ المحقّق آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

ـ (دام ظله) ـ ننشره تقديراً لجهوده العلمية الكبرى مشفوعاً

بالشكر والتكريم

بسم الله الرحمن الرحيم

( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ ) (1)

إنّ الواصف المطري مهما جدّ واجتهد ، ومهما بلغ شأواً عظيماً في القدرة على التحديد والتوصيف ، لا يتمكن من أن يصف كلامه سبحانه ويحدّده بما هو لائق به ، كيف؟ وهو كلام من لا يتناهى كمالاً وجمالاً ، كما لا يتناهى علماً وقدرة.

فلو كانت هناك صلة بين الأثر والمؤثر وكان الأثر ظلاً له ، فكلامه سبحانه لا يتناهى في الروعة والجمال ، لكونه أثراً للكمال المطلق والجمال غير المتناهيين ، وعند ذلك لا يجد الباحث معرفاً محدداً لكلامه أحسن ممّا ورد في الذكر الحكيم في هذا المضمار ، قال سبحانه : ( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَ كِتَابٌ مُبِينٌ ).

وقال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) (2).

____________

1 ـ المائدة : 15.

2 ـ النساء : 174.

9

وقال تعالى : ( وَ كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْري مَا الْكِتَابُ وَ لاَ الإِيمَانُ وَ لَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِى بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ) (1) إلى غير ذلك من الآيات الّتي تعدُّ الذكر الحكيم نوراً منزّلاً من الله سبحانه إلى البشر كلّه في جميع العصور والقرون ، ولجميع الأجيال والمجتمعات ، فيجب علينا أن نقف على السر الّذي أصبح به القرآن نوراً وضياء.

أقول : إنَّ علماء الطبيعة كشفوا عن أسرار النور وخواصه ، فلاحظوا :

أوّلاً : أنّ سرعة النور لا تضاهيها سرعة أيّ شيء آخر.

ثانياً : أنّ حياة النبات والحيوان رهن للنور ، فلولاه لما استقرت الحياة وما اخضرّ لها عود.

ثالثاً : أنّ النور يكافح العوامل الهدّامة للحياة فيقتل بعض الجراثيم والميكروبات المضرة ، ويبقي الذرات النافعة للحياة ، إلى غير ذلك من الآثار المكشوفة الثابتة للنور في مجال علم الطبيعة.

مضافاً إلى أنّ النور يكشف الحجب في المجتمع فلا يرى إجرام المجرم في وضح النهار ، وإذا طرأت الظلمة خرج المجرمون من أوكارهم ابتغاءً للفساد ، ونشراً للرذيلة.

هذا هو حال النور الحسّي الّذي يمشي به الإنسان في حياته المادية ، وإذا كان هذا حال النور الحسّي فالنور المعنوي الّذي به حياة الإنسان الروحية ، أَولى أن يكون كذلك.

ومن حسن الحظ أن نجد النور المعنوي ( القرآن والسنّة ) حاملاً لهذه

____________

1 ـ الشورى : 52.

10

الأوصاف والآثار على الوجه الأكمل والأتم.

فإذا كان النور الحسّي أسرع الأشياء المادية في السير والدوران ، فالنور الّذي يحمله القرآن الكريم مثله في السرعة والانتشار ، فقد انبثق نور القرآن من أُمّ القرى وانتشر بسرعة فائقة في أجواء العالم ، وبدّد الظلام عن أُمّ القرى وما حولها إلى أن وصل إلى منتهى الخف والحافر.

وإذا كانت الحياة المادية لا تستقر في هذا الكوكب إلاّ بضوء الشمس فالحياة المعنوية لا تستقر في هيكل الفرد والمجتمع ، إلاّ بالإيمان والعمل الصالح ، ولا يهتدي الإنسان إلى كل منهما إلاّ ببركة الوحي المجسّد في الذكر الحكيم.

وإذا كان ضوء الشمس ونور الكوكب يبدّد الحجب في البوادي والصحاري والمدن والبلدان فيغيب المجرم ، ويختفي المسيء ، فالنور المعنوي الّذي يحمله القرآن ومثله كل وحي سماوي ، يضيء المجتمع وينوّر القلوب ، فلا تجد فيه مجالاً لظهور الرذائل وانتشار المساوئ ، وإنّما تظهر رذائل الأخلاق في غياب الإيمان والقرآن عن المجتمع.

وإذا كان النور الحسّي يكافح العوامل الهدّامة للحياة ، فالنور المعنوي أيضاً يكافح الغي والفساد ، والهرج والمرج ، والجهل والفقر ، وغيرها من الأُمور الّتي تعد من العوامل الهدّامة لحياة الإنسان المعنوية.

ولأجل ذلك نرى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بالتمسّك بالقرآن الكريم عند التباس الفتن على الإنسان كقطع الليل المظلم ويقول : « إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدّق ... ». (1)

____________

1 ـ الكافي : 2 / 238.

11

ولأجل هذا الأمر وغيره عكف علماء الإسلام منذ فجر الدعوة الإسلامية على دراسة القرآن وقراءته وحفظه وتفسيره والعناية به بشتى الطرق والوجوه. وقد بلغ إقبال المسلمين والعناية بكتابهم مبلغاً لا يوجد له نظير في جميع أنحاء العالم والمجتمعات البشرية. كيف؟ وقد أسّسوا للاستضاءَة من ذلك النور ، علوماً كثيرة خدموا بها القرآن الكريم وعالجوا بها مشاكله ومبهماته ومعضلاته ، شكر الله مساعي الجميع.

منهج التفسير الموضوعي :

إنّ السيرة الرائجة في تفسير القرآن الكريم هي تفسيره سورة بعد سورة ، فالمفسر الموفّق هو من يأخذ بتفسير سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران وهكذا إلى أن ينتهي إلى آخر القرآن ، أو إلى ما تصل إليه جهوده ، وهذه سيرة رائجة في جميع القرون ، غير أنّ هناك منهجاً آخر لتفسير الذكر الحكيم لم يقع موضع العناية الكبيرة للسلف الصالح من المفسرين وهو « المنهج الموضوعي » لتفسير القرآن.

والمقصود منه جمع الآيات الواردة في كل موضوع والبحث عنها دفعة واحدة ، وهذا هو الطريق الأمثل الّذي ستحل به معضلات الآيات ، وترتفع مبهماتها ، فإنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً ، وينطق بعضه ببعض ، ولا مناص للمجتمع القرآني من العناية بهذا المنهج أيضاً كما كان له العناية بالمنهج الأوّل ، فالمنهجان متواكبان في الإضاءة والتنوير ، ولكل مزيّته ومحاسنه.

ثم إنّ من الذين عانوا في سد هذا الفراغ وبذلوا جهوداً واسعة في سبيله العلاّمة الحجّة المحقّق الأخ الشيخ جعفر السبحاني أدام الله تأييده.

فقد سلك هذا الطريق وكشف حقائق قيّمة ، فشكر الله مساعيه ووفقّه

12

لإدامة هذا المشروع.

فقد اختار من بين الموضوعات أوّلاً ما يتصل بالله سبحانه ، وصفاته وأفعاله ، والنبوات العامة والخاصّة ، فلأجل ذلك قام بطرح مباحث التوحيد في الجزء الأوّل في اثني عشر فصلاً على وجه بديع.

ولقد أعجبني من هذه الفصول الفصل المعقود لتفسير التوحيد في العبادة ، وما يتميّز به ما يشبه العبادة عن غيره ، فقد اعتمد في هذا المبحث على ضابطة قيّمة استنبطها من الذكر الحكيم.

ولما انتهى بحثه في هذا الجزء إلى قسم خاص من التوحيد وهو « التوحيد في الحاكمية » وانّ الحكم حق مختص بالله سبحانه ، لا يناله غيره إلاّ بإذنه ، جعل مدار البحث في الجزء الثاني « معالم الحكومة الإسلامية » باسلوب رائق وطريقة جديدة في نوعها ، إلى غير ذلك ممّا يراه القارئ في أجزاء هذا الكتاب القيّم من الموضوعات الهامّة.

أضف إلى ذلك كلّه أنّ الكتاب يشتمل على مزايا أُخرى قيّمة في ذاتها ، منها الصراحة في البحث ، وطرح المباحث بقلم واضح بعيد عن التعقيد ، والإيجاز المخل ، والإطناب الممل.

ومنها الحفاظ على المفاهيم الإسلامية من دون أيّ تحوير فيها وتغيير ، والتحرّز عن المناهج المزيجة الملفقة ، الّتي تأخذ من الإسلام شيئاً ، ومن المناهج غير الإسلامية شيئاً آخر ، فتمزجهما وتقدّم المجموع الملفّق باسم الإسلام ، من المناهج الّتي لها الضرر الكثير على الإسلام وأهله ، أعاذنا الله من شرور هذه الفكرة وخطورة هذه المناهج.

13

وقد مشى المؤلف فيما يمتّ إلى هذه المباحث في ضوء القرآن الكريم من دون أي خضوع للأفكار المادية ، أو إخضاع المفاهيم الإسلامية لتلك المناهج ، فشكر الله سعيه ، وضاعف أجره وجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

ناصر مكارم الشيرازي

قم ـ الحوزة العلمية

12 ـ شوال ـ 1407 هـ

14

-

15

بسم الله الرحمان الرحيم

المفاهيم القرآنية بين الجمود والتأويل

إنّ الذكر الحكيم يشتمل على معارف وأُصول كما يشتمل على أحكام وفروع ، والغاية المتوخّاة من المعارف والأُصول ، هي تحصيل العلم والمعرفة أوّلاً ، والإذعان والإيمان ثانياً ، كما أنّ الهدف من تشريع الأحكام والفروع هو الدعوة إلى العمل والتطبيق.

فلو كان شرف كل علم بشرف موضوعه ، فالعلم الأوّل ـ بما أنّه يبحث عن معرفة الله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وما ينبغي له وما لا ينبغي له ـ يكون هو الأشرف والفقه الأكبر ، كما أنّ العلم الثاني ـ بما أنّه يبحث عن حكمه سبحانه بما يتعلّق بأفعال العباد ـ يكون هوالفقه الأصغر. ولكلٍّ أئمّةٌ وقادة مفكرّون ، وكثيراً ما يكون الإنسان إماماً في باب المعارف والعقائد ، وفي الوقت نفسه يكون غير رفيع المستوى في باب معرفة الأحكام ، وربّما يكون على العكس ، فالكل إذا تكلموا فيما أحسنوا ، أرشدوا إلى الطريق المهيع والحق المبين ، فإذا نطقوا في غيره أتوا بما تندهش منه العقول ويقضي منه العجب. (1)

فاللازم على روّاد العلم حسب ما أمر به الرسول من تنزيل كل أمرئ

____________

1 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : « لو سكت من لا يعلم لرفع الاختلاف » لاحظ درر الحكم للآمدي.

16

منزلته (1) والأخذ عنهم فيما برعوا وفاقوا فيه ، وترك الاقتفاء والتبعية فيما لا حذق لهم فيه ولا براعة ، وهذا هو دأب الدين ، وهي السنّة القرآنية الّتي أمر الله سبحانه بها حيث قال : ( وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ) (2).

وكذلك علم الحديث والسنّة ، فربّما يكون الرجل قدوة في الحفظ ، عارفاً بمتون الأحاديث وأسانيدها ، وليس له مقدرة علمية لتحليل مفادها والغور في أعماقها ، فيكون ذلك من موارد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها ، فربّ حامل فقه غير فقيه ، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ». (3)

فليس كل من روى كلاماً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقبل رأيه الّذي رأى ، ولا كل من حفظ اللفظ ، كان أهلاً لبيان كنه المعنى ، وما يستنبط منه ، بل لكل من الحفظ والنقد والتحليل رجال متخصّصون ، ولكل فن أهل وأرباب ، فمن خاض في علم بلا كفاءة كان خطاؤه أكثر من صوابه وكان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه.

هذا هو الأصل الّذي دعا إليه القرآن ، واستقرّت عليه سيرة العقلاء ، ولكن الغفلة عن هذا الأصل في بدايات القرون الهجرية الأُولى ، أحدثت تخبّطاً في الأوساط الإسلامية فنجمت بين المسلمين بدع يهودية وآراء مسيحية ، من القول بالتشبيه ، وإثبات المحل لله تعالى ، والجهة له سبحانه ، فوصف الباري ـ المنزّه عن كل نقص ـ بالجلوس ، والنزول إلى الأرض ، وأثبتت له الأجزاء والأعضاء كالوجه والعين واليد والرجل ، ونسب إليه الاستعلاء الحسي على العرش ، وكان السبب لهذا

____________

1 ـ روى مسلم في صحيحه : ( 1 / 5 ) عن عائشة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.

2 ـ البقرة : 189.

3 ـ سنن الترمذي : 5 / الباب 7 ، كتاب العلم ، الحديث 2657 ; مسند أحمد : 2 / 225.

17

التخبّط أمران :

أوّلاً : الاغترار بما وضعه أعداء الإسلام من الأحبار والرهبان الذين تظاهروا بالإيمان وأضمروا الكفر تنفيذاً لحقدهم وعدائهم ، ويقف القارئ على نماذج كثيرة من هذه الإسرائيليات فيما روي عن كعب الأحبار ، ووهب من منبه ، وعبد الملك بن جريج ، ومن شاكلهم من المتأسلمين لا المسلمين الحقيقيّين.

ثانياً : الجمود على ظواهر بعض الآيات والأحاديث من دون تعمّق في أغوارها ، ولا تفحّص في مفاهيمها وأعماقها ، حتّى عاد التفكّر في مفاد الآية والحديث تأويلاً بغيضاً ، فعند ذاك هاجت بحار الفتن وتلاطمت أمواجها بالبدع المهلكة ، فسمّي التفكّر في القرآن والتدبّر في كلمات الرسول « كفراً » و « زندقة » وعدّ إقصاء العقل وعزله عن القضاء في المعارف والأُصول « قداسة » و « نزاهة » !!!

ففي هذه الظروف والأحوال قامت قيامة تأسيس المناهج ، ونجمت فرق كثيرة ، كلٌّ يدّعي الانتساب إلى الوحي والسنّة.

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى* * *وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

وإليك تسمية بعض هذه الفرق وبيان رؤوسها :

1. مبتدعة السلف :

وهم المغترون بكل حديث وقعت أعينهم عليه ، فجمعوا في حقائبهم كل رطب ويابس ، وأخذوا بالظواهر وتركوا الاستعانة بالقرائن ، وسمّوا كل بحث من أيّ أصل من الأُصول والمعارف « تأويلاً » و « خروجاً عن الدين » وكبحوا العقل بتهمة الزندقة ، واستراحوا لما رووا عن أئمتهم من ذم علم الكلام ، فوصفوا الجمال

18

المطلق والكمال اللامتناهي بالمحل والجسم ، والنزول والصعود ، وخرقوا له كثيراً من الأشباه والنظائر.

ترى كثيراً من هذه الأحاديث في مرويات حمّاد بن سلمة ، ونعيم بن حمّاد ، ومقاتل بن سليمان ، ومن لف لفهم ، ففي مروياتهم تلك الآثار المشينة ، وقد قلّدهم كثير من البسطاء في القرون المتأخرة ، فحسبوها حقائق راهنة وألّفوا فيها الكتب.

وعلى هذا الأساس أُلّف كتاب « التوحيد » لمحمد بن إسحاق بن خزيمة ( المتوفّى عام 321 هـ ) ، وكتاب « السنّة » لعبد الله بن أحمد بن حنبل ، وكتاب « النقض » لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسّم فإنّه أول من اجترأ من المجسّمة بالقول : بأنَّ الله لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ، فكيف على عرش بعيد. (1)

ولقد عزب عن هؤلاء المساكين أنّ التفكّر في آي الذكر الحكيم والغور في أعماقها ممّا أمر به منزّله سبحانه حيث قال : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ) (2). وليس صرف آيات الاستواء على العرش والوجه واليد والعين وما شابهها ، عن الظاهر المتبادر من مفرداتها ، إلى ما هو المتبادر عند أئمّة البلاغة ، تأويلاً وخروجاً عن ظاهر الكلام ، إذ للكلمة بمفردها حكم ، وللجملة المتكوّنة من بعض الكلمات حكم آخر.

وإن كنت في ريب من هذا فلاحظ لفظ الأسد بمفرده ، ونفس اللفظ في قول القائل : « رأيت أسداً يرمي » ، فحملها في الجملة الثانية على الحيوان المفترس

____________

1 ـ لاحظ مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري على كتاب الأسماء والصفات للبيهقي.

2 ـ ص : 29.

19

صرف لظاهر الكلام بلا دليل ، وتأويل بلا مسوّغ.

وبهذا يظهر أنَّ الصفات الخبرية الواردة في القرآن كالوجه وغيره لها حكم عند الإفراد ، ولها حكم آخر إذا ما جاءت في ضمن الجمل ، فلايصحّ حملها على المعاني اللغوية إذا كانت هناك قرائن صارفة عنها ، فإذا قال سبحانه : ( وَ لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) (1) ، فيحمل على ما هو المتبادر من الآية عند العرف العام ، أعني : الإسراف والتقتير ، فبسط اليد كناية عن الإنفاق بلا شرط ، كما أنّ جعل اليد مغلولة إلى العنق كناية عن البخل والتقتير ، ولا يعني به بسط اليد بمعنى مدّها ، ولا غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها إليه.

وعلى هذا يجب أن يفسر قوله سبحانه : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (2) ، فالعرش في اللغة هو السرير ، والاستواء عليه هو الجلوس ، غير أنَّ هذا حكم مفرداتها ، وأمّا معنى الجملة فيتفرع الاستظهار منها ، على القرائن الحافة بها ، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى العلو والاستيلاء ، وحملها على غير ذلك يعد تصرّفاً في الظاهر ، وتأويلاً لها ، فإذا سمع العرب قول القائل :

قد استوى بشر على العراق* * *من غير سيف ودم مهراق

أو سمع قول الشاعر :

ولما علونا واستوينا عليهم* * *تركناهم مرعى لنسر وكاسر

فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى العلو والسيطرة والسلطة ، لا العلو المكاني

____________

1 ـ الإسراء : 29.

2 ـ طه : 5.

20

الّذي يعد كمالاً للجسم ، وأين هو من العلو المعنوي الّذي هو كمال الذات.

وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله ، وهو رفع السماوات بغير عمد ، أو خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله ، فكما لا شريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة ، ولأجل ذلك يقول في بعض هذه الآيات : ( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَ الأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (1).

فالتأويل بلا قيد وشرط ، إذا كان ضلالاً ـ كما سيوافيك بيانه ـ فكذلك الجمود على ظهور المفردات ، وترك التفكّر والتعمّق أيضاً ابتداع مفض إلى صريح الكفر ، فلو حمل القارئ قوله سبحانه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ) (2) على أنّ لله مثلاً ، وليس لهذا المثل مثل ... إذن يقع في مغبّة الشرك وحبائله ، وقد نقل الرازي في تفسيره لهذه الآية كلاماً عن ابن خزيمة فراجعه. (3)

وما أحسن قول ابن العربي في هؤلاء المجسّمة المشبهة :

قالوا الظواهر أصل لايجوز لنا* * *عنها العدول إلى رأي ولا نظر

بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً* * *ما للأنام ومعلوف من البقر

وهؤلاء سلف المشبهة وأئمّة المجسّمة ، وقد اغتر بقولهم جماعة من البسطاء المحدثين إلى أن طلع إمام الأشاعرة فادّعى في الفترات الأخيرة من حياته أنّه تاب

____________

1 ـ الأعراف : 54.

2 ـ الشورى : 11.

3 ـ مفاتيح الغيب : 8 / 388.

21

من الاعتزال وصار من شيعة منهج أحمد بن حنبل ، وأنّ مذهبه لا يفترق عنه قيد شعرة ، فقام بتعديله وإصلاحه بشكل خاص خال عمّا يناقض عقول الناس ، إلاّ فيما شذ وندر. وليس مذهب الأشعري إلاّ صورة معدلة من مذهب الحنابلة وأهل الحديث ، كما سيوافيك ، فصار القول بالتشبيه والتجسيم الصريح متروكاً بعده إلى قرون.

ولكن العجب أنّ هذه البدع بعد إخمادها ، أخذت تنتعش في أوائل القرن الثامن بيد أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني ( المتوفّى عام 728 هـ ) ، فجدّد ما اندرس من آثار تلك الطائفة المشبهة ، وقد وصفه السبكي في السيف الصقيل : « بأنّه رجل جسور يقول بقيام الحوادث بذات الرب » ، ولكنه يقول بأنكر من ذلك ، وقد أتى بنفس ما ذكره الدارمي المجسّم في كتابه « غوث العباد » المطبوع بمصر عام 1351 هـ في مطبعة الحلبي.

وعلى ذلك فابن تيمية إذن إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه ، وشيخ أهل التجسيم ممن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين ، الذين اهتموا بالحفظ المجرّد ، وغفلوا عن الفهم والتفكير ، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ الحراني يرمي المفكرين من المسلمين كإمام الحرمين ، والغزالي ، في كتابيه « منهاج السنّة والموافقة المطبوع على هامش الأوّل » بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود والنصارى. مع أنّه ( أي ابن تيمية ) يعتنق عقائد يخالف جمهرة المسلمين وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

2. معطّلة السلفية

وهذه الزمرة من السلفية وإن كانت بريئة ممّا ذهبت إليه المجسّمة فهم لا يقتفون أثر الظواهر ، بل يصرفونها عمّا يتبادر منها في بادئ النظر ، إلاّ أنّهم

22

لا يخوضون في المراد منها حذراً ممّا يسمى بـ « وصمة التأويل ».

فعقيدة هؤلاء في الصفات الخبرية أنّ لله سبحانه يداً وعيناً واستواءً على العرش ، لكن لا نعلم كنهها ، وفي مقدم هؤلاء مالك بن أنس ، وقد سئل عن معنى قوله سبحانه : ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) أنّه كيف استوى؟ فقال في جواب السائل : ما أظنّك إلاّ صاحب بدعة ، فالاستواء مذكور ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب. وفي رواية : والكيف غير معقول.

فلو صحت نسبة هذا الكلام إلى إمام المالكية ، فهو بلا شك من المعطّلة ، خصوصاً إذا كانت الرواية على قوله : « الكيف مجهول » ، فهو يعتقد أنّ لله سبحانه جلوساً على العرش ، لكن مجهولاً كنهه أو محالاً دركه ، فيجب الإيمان به لا السؤال عن حقيقته ، فيتوجه السؤال إلى إمام المذهب المالكي أنّه لماذا هجم على السائل بقوله ما أظنّك إلاّ صاحب بدعة؟! مع أنّ وظيفة العالم إرشاد الجاهل لا الهجوم عليه بكلمة لاذعة ، كما أنّه يتوجه إليه أنّ الآية ونظائرها تصبح عند ذاك من الألغاز الّتي لا يفهم معناها ، بل يجب الإيمان بها ، ومع ذلك كلّه فقد راج هذا المذهب بعد ما رجع الإمام الأشعري من مذهب الاعتزال إلى مذهب المحدّثين ، وفي مقدمهم أحمد بن حنبل ، يقول ابن خلكان : كان أبوالحسن الأشعري أوّلاً معتزلياً ، ثم تاب من القول بالعدل ، وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ورقى كرسياً ونادى بأعلى صوته : من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أُعرفه بنفسي ، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن ، وإنّ الله لا تراه الأبصار ، وإنَّ أفعال الشر أنا أفعلها وأنا تائب مقلع ، معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم. (1)

____________

1 ـ وفيات الأعيان : 3 / 285.

23

فغاية ما عند الإمام الأشعري وأتباعه أنَّ لله سبحانه صفات خبرية مثل اليدين ، والوجه ، ولكن لا نعرف كنه اللفظ الوارد فيه ، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها ، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له وليس كمثله شيء ، وذلك قد أثبتناه يقيناً.(1)

وهذه الطائفة قد خرجت من مغبة التشبيه والتجسيم ، غير أنّهم تورّطوا في أشراك التعطيل وحبائله ، فعطّلوا العقول عن التفكّر في المعارف والأُصول كما عطّلوها عن التدبّر في الآيات والأحاديث ، فكأنّ القرآن ألغاز نزلت إلى البشر ، وليس كتاباً للتعليم والإرشاد ، قال تعالى : ( ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيءْ ) (2) ، فإذا كان القرآن مبيّناً لكل شيء فكيف لا يكون مبيّناً لنفسه؟! وكيف يكون المطلوب منه نفس الاعتقاد من دون فهم معناه؟ وفي الختام نشير إلى عدّة أُمور :

1 ـ انّ القوم يطلقون عنوان « المعطّلة » على القائلين بوحدة الذات والصفات بمعنى أنّ صفاته سبحانه عين ذاته لا شيء زائد عليه ، وأنّ الذات كلّها علم وكلّها قدرة ، وكلّها حياة ، وليست هذه الصفات أُموراً زائدة على نفس الذات.

والقوم لما لم يصلوا إلى مغزى تلك العقيدة رموا القائلين بها بالتعطيل ، أي تعطيل الذات عن الاتصاف بالصفات ، وهم برآء عن هذه التهمة ، إذ لم يعطّلوها عن الاتصاف بها ، بل نزّهوا الذات عن الاتصاف بالصفات الزائدة ، فكم فرق بين تعطيل الذات عن الصفات ، وبين تنزيهه عن الصفات الزائدة؟ فتوصيفهم بالتعطيل ظلم واضح ، بل المعطّلة حقيقة هم الذين عطّلوا العقول عن البحث

____________

1 ـ الملل والنحل للشهرستاني : 1 / 92.

2 ـ النحل : 89.

24

حول المعارف واكتفوا بالإيمان المجرّد الخالي عن التعمّق والتفهم.

2 ـ انّ معطّلة السلف كانوا يحرمون النظر في المعارف بحجة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : عليكم بدين العجائز ، فإنّه الفائز. غير أنّ هذا النص لم يوجد في صحاح القوم ، ولا في مسانيدهم ، بل الصحيح ما روي أنّ « عمرو بن عبيد » لمّا أثبت منزلة بين الكفر والإيمان ، فقالت عجوزة : قال الله تعالى : ( هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ) فلم يجعل الله من عباده إلاّ الكافر والمؤمن. فقال سفيان : عليكم بدين العجائز.

وأقصى ما يمكن أن يقال : إنَّ الرواية صدرت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما استدلت العجوز على وجود الصانع بحركة دولابها ، وكف اليد عن تحريكها ، على ما هو معروف ، فاستدلت بحركة الأجرام السماوية على أنّ لها محركاً كما أنّ لحركة دولابها محركاً ، وأين هذا من تعطيل العقول عن المعارف؟!

3 ـ ثم إنّ تعطيل العقول عن البحث والمعرفة أخذ في هذه الأعصار صبغة علمية مادية بحتة بحجة أنّ مبادئها ومقدماتها ليست في متناول الباحثين ، لأنّها موضوعات وراء الحس والطبيعة ولا تعمل فيها حواس الإنسان ، فهذا هو السيد الندوي يتمسّك بهذا الوجه ويعدّ ترك البحث فضيلة ، والبحث عن المعارف القرآنية كفراناً للنعمة.

يقول : وقد كان الأنبياء (عليهم السلام) أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله ، وعن بداية هذا العالم ومصيره ، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته ، وآتاهم علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بدون تعب ، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها ولا مقدماتها الّتي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول ، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة ، لا تعمل فيهما حواسّهم ، ولا يؤدي إليها

25

نظرهم ، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جذعاً ، وأبدوا البحث أنفاً ، وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشداً ولا خرّيتاً. (1)

إنّ الكاتب حسب ما توحي عبارته متأثر بالفلسفة المادية الّتي تحصر أدوات المعرفة بالحس ، ولا يقيم وزناً للعقل الّذي هو إحدى أدواتها ، وهذا من الكاتب أمر عجيب جداً ، فإنّ الله سبحانه كما دعا إلى الانتفاع بالحس ومطالعة الطبيعة وكشف قوانينها وأنظمتها دعا إلى التعقّل والتفكّر في كل ما ورد في القرآن الكريم حيث قال : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا ) (2).

وليست الآية ناظرة إلى التدبّر في خصوص الأنظمة السائدة على النبات والحيوان والإنسان ، بل التدبّر في مجموع ما جاء في القرآن ، فقد جاء في القرآن الكريم معارف دعي إلى التدبّر فيها ، نظير : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ) (3). ( وَ للهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى ) (4). ( لهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (5). ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ) (6).

( فَأَيْنَ مَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) (7).

____________

1 ـ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين : 97.

2 ـ محمد : 24.

3 ـ الشورى : 11.

4 ـ النحل : 60.

5 ـ طه : 8.

6 ـ الحشر : 23.

7 ـ البقرة : 115.

26

( هُوَ الأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْبَاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ ) (1).

( وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم ) (2).

( وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) (3).

( يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (4).

إلى غير ذلك من المعارف العليا الواردة في القرآن الكريم ، ولا يحصل عليها الإنسان إلاّ بالتدبّر والتعقّل ، ولا تكفي في التعرّف عليها العلوم الحسّية وإن بلغت القمة.

ثم إنّ لصدر المتألّهين كلاماً حول هذه الطائفة طوينا الحديث عن ذكره ، كما أنّ للسيد العلاّمة الطباطبائي كلاماً قيماً آخر تركنا ذكره روماً للاختصار. (5)

4 ـ انّ العقيدة الأشعرية هي عقيدة حنبلية معدّلة ، وقد تصرّفت في جميع ما كان غير معقول في العقيدة الأُولى ، فلأجل ذلك حلّت محل ذلك المذهب بعد اضطرابات واشتباكات بين معدّل المذهب وأتباع العقائد الحنبلية.

وقد توفق الرجل في تعديل المذهب ، وأوّلَ منه ما يناقض العقول ، ومع ذلك كلّه أبقى من المذهب الحنبلي أُموراً على وجهها ولم يقدر على تأويلها ، وهي عبارة عن : مسألة قدم القرآن أوّلاً ، ورؤية الله سبحانه ثانياً ، والقول بالقضاء والقدر على وجه يجعل الإنسان مكتوف الأيدي ، فلو أغمضنا النظر عن هذه المسائل الثلاث ،

____________

1 ـ الحديد : 3.

2 ـ الحجر : 21.

3 ـ الحديد : 4.

4 ـ الرعد : 39.

5 ـ لاحظ الأسفار الأربعة : 1 / 5 ; الميزان : 8 / 158.

27

فقد توفّق الإمام الأشعري في إصلاح العقائد الحنبلية بعد ثبوتها في نفوس الناس وانتشارها في العالم.

3. المؤوّلة

إنّ المؤوّلة من الباطنية ليسوا بأقل خطراً من أصحاب الجمود ، فقد وضعوا لتفسير المفاهيم الإسلامية ضابطة باطلة لا يوافقها العقل ولا دلّ عليها من الشرع شيء ، قالوا :

للقرآن ظاهر وباطن ، والمراد منه باطنه دون ظاهره المعلوم من اللغة ، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر ، وانّ باطنه يؤدي إلى ترك العمل بظاهره ، واستدلوا على ذلك بقوله سبحانه : ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) (1). (2)

فإذا كانت تلك الضابطة في فهم الشريعة والعمل بالقرآن صحيحة ، إذن أصبحت الشريعة غرضاً لكل نابل ، وفريسة لكل آكل ، فلا يبقى منها شيء ، وفي هذه الحالة يدّعي كل مؤوّل أنّ الحق معه ، وأنّ المراد ما اختاره من التأويل على الرغم من اختلاف تأويلاتهم ، انظر إلى ما يقولون حول المفاهيم الإسلامية وأنّهم كيف يتلاعبون بها ، فالصلاة عبارة عن الناطق الّذي هو الرسول ، لقوله سبحانه : ( إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ ). (3)

والغسل عبارة عن تجديد العهد ممن أفشى سراً من أسرار الباطنية من غير

____________

1 ـ الحديد : 13.

2 ـ الفرق بين الفرق : 18.

3 ـ العنكبوت : 45.

28

قصد ، والاحتلام عبارة عن إفشائه ، والزكاة هي تزكية النفس بمعرفة ما هم عليه من الدين ، والجنة راحة الأبدان عن التكاليف ، والنار مشقتها بمزاولة التكاليف. (1)

فإذاكان ما ذكروه حقيقة الدين والتكاليف فلم يبق بين الديانة والإلحاد حد ولا فصل.

هذه نماذج من تأويلات الباطنية ، وقد ظهرت بوادر هذه الفتنة ونبتت نواتها زمن المأمون العباسي إلى أن صاروا طائفة كبيرة حاقدة على الإسلام والمسلمين ، ومحاربة لهم بغير السيف والنار ، عن طريق الاحتيال الموصل لهم إلى مآربهم وأهوائهم.

ويليهم في التخريب والإضرار التصوّف الّذي جاء به ابن العربي شيخ هذه الطريقة ، فقد قام بتأويل المفاهيم القرآنية على وجه لا دليل عليه ، فيقول : إنّ جبرائيل هو العقل الفعّال ، وميكائل هو روح الفلك السادس ، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع ، وعزرائيل هو روح الفلك السابع. (2)

كما يفسر قوله سبحانه : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ ) (3) بأنَّ مرج البحرين هو بحر الهيولى الجسمانية الّذي هو الملح الأُجاج ، وبحر الروح المجرّد ، وهو العذب الفرات ، يلتقيان في الموجود الإنساني ، وأنّ بين الهيولى الجسماني والروح المجرّد برزخ ، هو النفس الحيوانية الّتي ليست في صفاء الروح المجرّدة ولطافتها ولا في كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها.

____________

1 ـ المواقف : 8 / 390.

2 ـ تفسير ابن العربي : 1 / 150.

3 ـ الرحمن : 19 ـ 20.

29

ولكن مع ذلك لا يبغيان ، أي لا يتجاوز أحدهما حدّه فيغلب على الآخر بخاصيته ، فلا الروح المجرّدة تجرّد البدن وتخرج به وتجعله من جنسه ، ولا البدن يجسّد الروح ويجعله مادياً. (1)

تجد نظائر هذا في كتبه ، كالفتوحات المكية ، والفصوص ، فيطبّق كثيراً من الآيات القرآنية على كثير من نظرياته الصوفية ، وقد مني الإسلام بأصحاب الجمود في القرون الأُولى وحتى الآن ، كما مني بالمؤوّلة من الباطنية والمتصوّفة من أوائل القرن الثالث حتى الآن.

التأويل باسم التفسير العلمي

غير أنّ التأويل قد اتخذ في العصر الحاضر لوناً خاصّاً واسماً فخماً ، يطلق عليه التفسير العلمي ، فالغاية عند هذه الطبقة إخضاع القرآن للمكتشفات العصرية فيما يتعلق بالأجرام السماوية والأرضية ، والحيوانات والنباتات ، والجواهر المعدنية ، وقد ظهرت هذه النزعة في أواخر القرن الثالث عشر الهجري ، وأُلّفت هناك كتب أبسطها كتاب « الجواهر في تفسير القرآن الكريم » للشيخ طنطاوي جوهري المصري.

لكن التفسير بهذا النمط ، إنّما يستحسن إذا وافق ظاهر الآية ، غير أنَّ المؤلفين في هذا القسم لا يكتفون بذلك بل يفسرون القرآن لغاية إخضاعه للمكتشفات ، ترى أنّهم يفسرون قوله سبحانه : ( وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ) (2) بالميكروب ، وقد ناقشنا هذا اللون من التفسير في بعض مسفوراتنا.

____________

1 ـ تفسير ابن العربي : 2 / 280.

2 ـ الفيل : 3.

30

التأويل الإلحادي

هذا النوع من التأويل مني به الإسلام منذ زمن بعيد غير أنّه أخذ في هذه الأعصار صبغة علمية تخدع عقول الشباب ، والحافز إلى هذا النوع من التأويل هو إخضاع المفاهيم الغيبية للأُمور الحسيّة المادية ، ونأتي بنماذج من هذا النوع حتى يقف القارئ الكريم على أنّ هذا النوع من التأويل في العصر الحاضر ، والتأويل عند الباطنية في الأعصار السالفة ، وجهان لعملة واحدة.

1 ـ انّه سبحانه عندما يعدّ معاجز عيسى وآياته يقول : ( قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَ أُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) فأصحاب تلك المدرسة يزعمون أنّه تمثيل لأخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره ، وأنّ المراد من ( الأَكْمَهَ ) من ليس عنده نظر ، كما أنّ المراد من ( الأَبْرَصَ ) المتلوّن بما يشوّه الفطرة. (2)

فإذا كان هذا هو المقياس في تفسير القرآن الكريم فهو تفسير القرآن على عمى ، فلا تراعى فيه اللغة ، ولا قوانين الأدب ، ولاقوانين البلاغة ، ولا السنّة الصحيحة ولا ... ولا ...

وعلى هذا الأساس عاد الكاتب ينكر أن يكون إبراهيم قد أُلقي في النار وخرج منها سالماً. (3) كما ينكر معاجز داود وسليمان ، وينكر الملائكة والجن والشيطان. (4) إلى غير ذلك من التأويلات المزيّفة الّتي تساير الروح الإلحادية.

____________

1 ـ آل عمران : 49.

2 ـ الهدية والعرفان في تفسير القرآن : 45.

3 ـ لاحظ المصدر نفسه : 7 ، 256 ، 357.

4 ـ المصدر السابق.

31

والعجب أنَّ علاّمة مصر الشيخ محمد عبده شيخ الأزهر الّذي كان يرتجى منه الحفاظ على المفاهيم الأصيلة ، تورّط في هذا المأزق ، ففسر الملائكة وإبليس تفسيراً ماديّاً بعيداً عن ساحته. (1)

كما أنّ موقفه في تفسير السحر كذلك أيضاً ، حيث يفسر قوله سبحانه : ( مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ) (2) بالنّمامين المقطعين لروابط الإلفة ، المحرقين لها بما يلقون عليها من ضرام نمائمهم. (3)

وقد تأثر بهذا المنهج تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا ، فعاد ينكر أن يكون للنبي معجزة غير القرآن الكريم ، ويقول في جواب المحتجين بانشقاق القمر : قد بيّنّا أنّ ما تدلّ عليه الآيات القرآنية المؤيدة بحديث الصحيحين الصريح في حصر معجزة نبوّته في القرآن ، هوالحق الّذي لا ينهض لمعارضته شيء. (4)

فإذا كان شيخ الأزهر ( عبده ) وتلميذه سائرين على هذا النمط من التأويل ، فما الظن بغيرهما من البسطاء؟!!

إذا كان ربُّ البيت بالدف مولعاً* * *فشيمة أهل البيت كلُّهم الطرب

ولقد كان المفسّر المعاصر سيد قطب يميل إلى هذا النوع من التأويل ، ولكنّه عندما وصل إلى تفسير سورة الجن تنبّه إلى أنّ في هذا اللون من التأويل ضرراً وبيلاً وقال : الجزم بنفي وجود الجن ، ومعلومات البشر عن هذا الكون وقواه وسكانه من الضآلة بحيث لا تسمع بإنسان يحترم عقله أن يجزم بشيء.

____________

1 ـ لاحظ المنار : 1 / 267.

2 ـ الفلق : 4.

3 ـ تفسير جزء عم : 180.

4 ـ تفسير المنار : 11 / 333 ; الوحي المحمدي : 69.

32

إنّ طريقنا هو إبطال الخرافات والأساطير كما صنع القرآن الكريم ، لا التبجح بنفي وجود هذا الخلق من الأساس بلاحجة ولا دليل.(1)

وهذه المناهج المنحرفة ممّا لا يوافق عليها العقل ولا الكتاب العزيز ولا السنّة النبوية ولا أحاديث العترة الطاهرة ، فلا مناص من الحفاظ على المعارف الغيبية والتعمّق فيها ، مجانباً الجمود على الظواهر ، والتأويل بلا دليل وحجة ، وهذا هو الّذي سلكناه في فهم كتاب الله واستخراج معارفه ، أرجو منه سبحانه أن يجعله ضياءً ونوراً يسعى بين أيدينا في يوم القيامة إنّه بذلك قدير وبالإجابة جدير.

جعفر السبحاني

قم المقدّسة

15 شوال المكرم 1407 هـ

____________

1 ـ في ظلال القرآن الكريم : 29 / 140.

33

1 عصمة الأنبياء (عليهم السلام) في القرآن الكريم

34

في هذا الفصل

1 ـ مبدأ ظهور فكرة العصمة في الأُمّة الإسلامية.

2 ـ ما هي حقيقة العصمة ؟

3 ـ العصمة هي الدرجة القصوى من التقوى.

4 ـ العصمة نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي.

5 ـ العصمة الاستشعار بعظمة الرب وكماله.

6 ـ هل العصمة موهبة إلهية أو أمر اكتسابي؟

7 ـ هل العصمة تسلب الاختيار؟

8 ـ مراحل العصمة الثلاث.

9 ـ الآيات الدالة على عصمة الأنبياء في أمر الرسالة.

10 ـ الآيات الدالة على مصونية الأنبياء عن المعصية.

11 ـ حجة المخالفين للعصمة.

12 ـ ما يستدل به من الآيات على عدم عصمتهم في مورد مطلق الأنبياء.

13 ـ ما يستدل به من الآيات الّتي تمس عصمة عدة خاصة من الأنبياء.

14 ـ عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تمسّكت به المخطّئة.

15 ـ عصمة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من الخطأ والسهو.

16 ـ دين النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة ، والآيات الخمس الّتي تمسّكت بها المخطّئة في ذلك المجال.

35

عصمة الأنبياء في القرآن الكريم

قد استعملت لفظة « العصمة » في القرآن الكريم بصورها المختلفة ثلاث عشرة مرة ، وليس لها إلاّ معنى واحد وهو الإمساك والمنع ، ولو استعملت في موارد مختلفة فإنّما هو بملاحظة هذا المعنى.

قال ابن فارس : « عصم » أصل واحد صحيح يدل على إمساك ومنع وملازمة ، والمعنى في ذلك كله معنى واحد ، من ذلك : « العصمة » أن يعصم اللّه تعالى عبده من سوء يقع فيه ، « واعتصم العبد باللّه تعالى » : اذا امتنع ، و « استعصم » : التجأ ، وتقول العرب : « أعصمت فلاناً » أي هيّأت له شيئاً يعتصم بما نالته يده. أي يلتجئ ويتمسك به. (1)

إنّ اللّه سبحانه يأمر المؤمنين بالاعتصام بحبل اللّه بقوله : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ). (2)

والمراد التمسك والأخذ به بشدة وقوة وينقل سبحانه عن امرأة العزيز قولها : ( وَلَقَدْ رَاودتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ). (3)

وقد استعملت تلك اللفظة في الآية الأُولى في الإمساك والتحفّظ ، وفي الآية

____________

1 ـ المقاييس : 4/331.

2 ـ آل عمران : 103.

3 ـ يوسف : 32.

36

الثانية في المنع والامتناع ، والكل يرجع إلى معنى واحد.

ولأجل ذلك نرى العرب يسمّون الحبل الذي تشد به الرحال : « العصام » ، لأنّه يمنعها من السقوط والتفرّّق.

قال المفيد : إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره ، ومنه قولهم : اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره. ومنه قولهم : « اعتصم فلان بالجبل » إذا امتنع به ، ومنه سميت العصم وهي وعول الجبال لامتناعها بها.

والعصمة من اللّه هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان في ما يكره إذا أتى بالطاعة ، وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبث به فيسلم ، فهو إذا أمسكه واعتصم به ، سمّي ذلك الشيء عصمة له ، لما تشبّث به فسلم به من الغرق ، ولو لم يعتصم به لم يسم عصمة. (1)

وعلى كل تقدير فالمراد من العصمة صيانة الإنسان من الخطأ والعصيان ، بل الصيانة في الفكر والعزم ، فالمعصوم المطلق من لا يخطأ في حياته ، ولا يعصي اللّه في عمره ولا يريد العصيان ولا يفكر فيه.

مبدأ ظهور فكرة العصمة في الأُمّة الإسلامية

إنّ الكتب الكلامية ـ قديمها وحديثها ـ مليئة بالبحث عن العصمة ، وإنّما الكلام في مبدأ ظهور تلك الفكرة بين المسلمين ، وانّه من أين نشأ هذا البحث وكيف التفت علماء الكلام إلى هذا الأصل؟

لا شك انّ علماء اليهود ليسوا بالمبدعين لهذه الفكرة ، لأنّهم ينسبون إلى

____________

1 ـ أوائل المقالات : 11.

37

أنبيائهم معاصي كثيرة ، والعهد القديم يذكر ذنوب الأنبياء التي يصل بعضها إلى حد الكبائر ، وربّما يخجل القلم عن ذكر بعضها استحياء ، فالأنبياء عندهم عصاة خاطئون ، وعند ذلك لا تكون أحبار اليهود مبدعين لهذه المسألة.

نعم انّ علماء النصارى ، وإن كانوا ينزهون المسيح من كل عيب وشين ، ولكن تنزيههم ليس بملاك انّ المسيح بشر أرسل لتعليم الإنسان وإنقاذه ، بل هو عندهم « الإله المتجسد » أو هو ثالث ثلاثة.

وعند ذلك لا يمكن أن يكون علماؤهم مبدعين لهذه المسألة في الأبحاث الكلامية ، لأنّ موضوع العصمة هو « الإنسان ».

ويذكر « المستشرق رونالدسن » في كتابه « عقيدة الشيعة » انّ فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام مدينة في أصلها وأهميتها التي بلغتها بعدئذ ، إلى تطور « علم الكلام » عند الشيعة وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم ، ويحتمل أن تكون هذه الفكرة قد ظهرت في عصر الصادق ، بينما لم يرد ذكر العصمة عند أهل السنة إلاّ في القرن الثالث للهجرة بعد أن كان الكليني قد صنّف كتابه « الكافي في أُصول الدين » (1) وأسهب في موضوع العصمة.

ويعلّل « رونالدسن » بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمّة تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمّة أو هداة. (2)

____________

1 ـ لقد توفي محمد بن يعقوب الكليني في العقد الثالث من القرن الرابع أي عام 328 هـ ، فلو استفحلت مسألة العصمة في القرن الثالث عند أهل السنّة حسب اعتراف الرجل ، فكيف يكون كتاب الكافي منشئاً لهذه الحركة الفكرية ، أفهل يمكن تأثير المتأخر في المتقدم ، وهل يكون العائش في القرن الرابع مؤثراً في فكر من يعيش في القرن الثالث ، أضف إليه أنّ كتاب الكافي لم يؤلف في الأُصول وحدها ، بل هو كتاب مشتمل على أحاديث تربو على ستة عشر ألف حديث حول أُصول الدين وفروعه.

2 ـ عقيدة الشيعة : 328.

38

إنّ هذا التحليل لا يبتنى على أساس رصين وإنّما هو من الأوهام والأساطير التي اخترعتها نفسية الرجل وعداؤه للإسلام والمسلمين أوّلاً ، والشيعة وأئمّتهم ثانياً ، وسيوافيك بيان منشأ ظهور تلك الفكرة.

القرآن يطرح مسألة العصمة

إنّ العصمة بمعنى المصونية عن الخطأ والعصيان مع قطع النظر عمن يتصف بها ، قد ورد في القرآن الكريم ، فقد جاء وصف الملائكة الموكلين على الجحيم بهذا الوصف إذ يقول : ( عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ). (1)

ولا يجد الإنسان كلمة أوضح من قوله سبحانه : ( لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) في تحديد حقيقة العصمة ، وواقعها ، والفات الإنسان المتدبر في القرآن إلى هذه الفكرة ، وذاك الأصل.

إنّ اللّه سبحانه يصف الذكر الحكيم بقوله : ( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد ). (2)

كما يصفه أيضاً بقوله : ( إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنينَ ). (3)

فهذه الأوصاف تنص على مصونية القرآن من كل خطاء وضلال.

وعلى ذلك فالعصمة بمفهومها الوسيع ، مع قطع النظر عن موصوفها ، قد طرحها القرآن وألفت نظر المسلمين إليها ، من دون أن يحتاج علماؤهم إلى أخذ

____________

1 ـ التحريم : 6.

2 ـ فصلت : 42.

3 ـ الإسراء : 9.

39

هذه الفكرة من الأحبار والرهبان.

نعم انّ الموصوف في هذه الآيات وان كانت هي الملائكة أو القرآن الكريم والمطروح عند علماء الكلام هو عصمة الأنبياء والأئمّة ، لكن الاختلاف في الموصوف لا يضر بكون القرآن مبدعاً لهذه الفكرة ، لأنّ المطلوب هو الوقوف على منشأ تكوّن هذه الفكرة ، ثم تطورها عند المتكلّمين ، ويكفي في ذلك كون القرآن قد طرح هذه المسألة في حق الملائكة والقرآن.

عصمة النبي في القرآن الكريم

إنّ العصمة ذات مراحل أربع ، وقد تكفل القرآن ببيان تلك المراحل في مورد الأنبياء عامة ، ومورد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة ، وسيوافيك بيان تلك المراحل ودلائلها القرآنية.

فإذا كان القرآن هو أوّل من طرح هذه المسألة بمراحلها ودلائلها ، فكيف يصح أن ينسب إلى الشيعة ويتصور أنّهم الأصل في طرح هذه المسألة؟!

وإن كنت في ريب مما ذكرناه ـ هنا ـ فلاحظ قوله سبحانه في حق النبي الأكرم حيث يصف منطقه الشريف بقوله : ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى ). (1)

فترى الآيتين تشيران ـ بوضوح ـ إلى أنّ النبي لا ينطق عن ميول نفسانية وانّ ما ينطق به ، وحي أُلقي في روعه وأُوحي إلى قلبه ، ومن لا يتكلم عن الميول النفسانية ، ويعتمد في منطقه على الوحي يكون مصوناً من الزلل في المرحلتين : مرحلة الأخذ والتلقّي ومرحلة التبليغ والتبيين.

على أنّ الآيات القرآنية تصف فؤاده وعينه بأنّهما لا يكذبان ولا يزيغان ولا

____________

1 ـ النجم : 3 ـ 4.

40

يطغيان ، إذ قال سبحانه : ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأَى * ... ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ). (1)

أفيصح بعد هذه الآيات القرآنية تصديق ما ذكره هذا المستشرق اليهودي أو ذاك المستشرق النصراني فيما زعما في كون الشيعة مبدأ لطرح العصمة على بساط البحث ، وانّه وليد تكامل علم الكلام عند الشيعة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) مع أنّا نرى أنّ للمسألة جذوراً قرآنية ولا عتب على الشيعة أن يقتفوا أثر كتاب اللّه سبحانه ، ويصفوا أنبياءه ورسله بما وصفهم به صاحب العزة في كتابه.

نظرية أحمد أمين حول كلام الشيعة

إنّ بعض المصريين كأحمد أمين ومن حذا حذوه يصرّون على أنّ الشيعة أخذت منهجها الفكري في العدل والعصمة وغيرهما من الأفكار ، من المعتزلة حيث قالوا : إنّ الشيعة يقولون في كثير من مسائل أُصول الدين بقول المعتزلة ، فقد قال الشيعة كما قال المعتزلة بأنّ صفات اللّه عين ذاته ، وبأنّ القرآن مخلوق وبإنكار الكلام النفسي ، وإنكار رؤية اللّه بالبصر في الدنيا والآخرة ، كما وافق الشيعة المعتزلة في القول بالحسن والقبح العقليين ، وبقدرة العبد واختياره وانّه تعالى لا يصدر عنه قبيح وانّ أفعاله معللة بالأغراض.

وقد قرأت كتاب الياقوت لأبي إسحاق إبراهيم من قدماء متكلمي الشيعة الإمامية (2) فكنت كأني أقرأ كتاباً من كتب أُصول المعتزلة إلاّ في مسائل معدودة ، كالفصل الأخير في الإمامة وإمامة علي وإمامة الأحد عشر بعده ، ولكن أيّهما أخذ من الآخر ؟!

____________

1 ـ النجم : 11 ـ 17.

2 ـ قال أحمد أمين تعليقاً على هذه الجملة : وهو مخطوط نادر تفضل صديقي الأُستاذ أبو عبد اللّه الزنجاني فأهدانيه. أقول : إنّ هذا الكتاب طبع أخيراً في إيران مع شرح العلامة الحلّي.

41

أمّا بعض الشيعة فيزعم انّ المعتزلة أخذوا عنهم وانّ واصل بن عطاء تتلمذ لجعفر الصادق ، وأنّا أرجح أن الشيعة هم الذين أخذوا من المعتزلة تعاليمهم ... ونشوء مذهب الاعتزال يدل على ذلك ، وزيد بن علي زعيم الفرقة الشيعية الزيدية تتلمذ لواصل ، وكان جعفر « الصادق » يتصل بعمه زيد ويقول أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : كان جعفر بن محمد يمسك لزيد بن علي بالركاب ، ويسوي ثيابه على السرج (1) فإذا صح ما ذكره الشهرستاني وغيره من تتلمذه لواصل ، فلا يعقل كثيراً أن يتتلمذ واصل لجعفر ، وكثير من المعتزلة كان يتشيع ، فالظاهر انّه عن طريق هؤلاء تسربت أُصول المعتزلة إلى الشيعة. (2)

مناقشة نظرية أحمد أمين

ما ذكره الكاتب المصري اجتهاد في مقابل تنصيص أئمّة المعتزلة أنفسهم بأنّهم أخذوا أُصولهم من محمد بن الحنفية وابنه أبي هاشم وهما أخذا عن علي بن أبي طالب والدهما العظيم ، وإليك بعض نصوصهم :

قال الكعبي : والمعتزلة يقال أن لها ولمذهبها اسناداً يتصل بالنبي ليس لأحد من فرق الأُمّة مثله ، وليس يمكن خصومهم دفعهم عنه ، وهو انّ خصومهم يقرّون بأنّ مذهبهم يسند إلى واصل بن عطاء ، وان واصلاً يسند إلى محمد بن علي بن أبي طالب ، وابنه أبي هاشم « عبد اللّه بن محمد بن علي » وانّ محمداً أخذ عن أبيه علي وانّ علياً أخذ عن رسول اللّه. (3)

وقال أيضاً : وكان واصل بن عطاء من أهل المدينة ربّاه محمد بن علي بن أبي

____________

1 ـ مقاتل الطالبيين : 93.

2 ـ ضحى الإسلام : 267 ـ 268.

3 ـ رسائل الجاحظ : 228 ، تحقيق عمر أبو النصر.

42

طالب وعلّمه. (1)

وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتّاب ثم صحبه بعد موت أبيه مدة طويلة وحكي عن بعض السلف انّه قيل له : كيف كان علم محمد بن علي فقال : إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره « واصل ».

وهكذا ذكروا في عمرو بن عبيد انّه أخذ عن أبي هاشم أيضاً ، وقال القاضي « عبد الجبار » : فأمّا أبو هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي فلو لم يظهر علمه وفضله إلاّ بما ظهر عن واصل بن عطاء لكفى ، وكان يأخذ العلم عن أبيه وكان واصل بمنزلة كتاب صنعه أبو هاشم ، وكذلك أخوه غيلان بن عطاء يقال انّه أخذ العلم عن الحسن بن محمد بن الحنفية أخي أبي هاشم. (2)

وقال الجاحظ : ومن مثل محمد الحنفية وابنه أبي هاشم الذي قرأ علوم التوحيد والعدل حتى قالت المعتزلة : غلبنا الناس كلّهم بأبي هاشم الأوّل.

قال ابن أبي الحديد : إنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي ، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف ، ومن كلامه ( علي ) (عليه السلام) اقتبس ، وعنه نقل ، ومنه ابتدئ وإليه انتهى ، فإنّ المعتزلة ـ الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن ـ تلامذته ، وأصحابه ، لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه.

وأمّا الأشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية

____________

1 ـ فضل الاعتزال : 234.

2 ـ فضل الاعتزال : 226.

43

ينتهون بالآخرة إلى استاذ المعتزلة ومعلمهم ، وهو علي بن أبي طالب. (1)

وقال المرتضى في أماليه : اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين ـ (صلوات اللّه عليه) ـ وخطبه ، فإنّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه ، ولا غاية وراءه ، ومن تأمل المأثور في ذلك من كلامه ، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلمون من بعده في تصنيفه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الأُصول ، وروي عن الأئمّة من أبنائه (عليه السلام) في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة ، ومن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه ، أصاب منه الكثير ، الغزير ، الذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة ، ونتاج للعقول العقيمة. (2)

وقال العلاّمة السيد مهدي الروحاني في تعليقه على نظرية أحمد أمين : إنّ أحمد أمين قد لفق ذلك التوجيه والرد ليقطع انتساب الاعتزال والمعتزلة إلى أمير المؤمنين ولم نر أحداً من الشيعة قال بتتلمذ واصل للإمام الصادق (عليه السلام) حتى يرد عليه أنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل ، وهو زيد. فتتلمذه للصادق بعيد ، بل وجه اتصال المعتزلة بأمير المؤمنين هو ما ذكروه أنفسهم ( حسب ما عرفت ) ، ومجرد إمساك الإمام الصادق بالركاب لعمه زيد (رحمه الله) لا يدل على أنّ الصادق تتلمذ لعمه زيد ، وانّما فعل أحمد أمين ذلك بدافع من هواه المعروف عنه ، والظاهر في كتبه ، وهو أن يسلب عن علي ما ينسب إليه من الفضائل مهما أمكن ولكن بصورة التحقيق العلمي علّ ذلك ينطلي على الناس ... وذلك بعد ما ظهر من الغربيين تقريظات ومقالات فيها تعظيم للمعتزلة وتعريف لهم بأنّهم أصحاب الفكر الحر ، لم تسمح نفس أحمد أمين بأن تكون جماعة كهؤلاء ينتسبون في أُصول مذهبهم وأفكارهم إلى علي ، فلفق ذلك التوجيه والرد والإغفال.

____________

1 ـ الشرح الحديدي : 1/17.

2 ـ غرر الفوائد ودرر القلائد أو أمالي المرتضى : 1/148.

44

كما أنّه قد أنكر بلا دليل انتساب علم النحو إليه مع أنّ ابن النديم قال في الفهرست : زعم أكثر العلماء انّ النحو أخذه أبو الأسود عن أمير المؤمنين (عليه السلام). (1)

عود على بدء

فلنرجع إلى دراسة وجود جذور عصمة النبي في كلام علي (عليه السلام) حيث إنّه يصف النبي في الخطبة القاصعة بقوله :

ولقد قرن اللّه به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. (2)

ودلالة هذه القمة العالية من هذه الخطبة على عصمة النبي في القول والعمل عن الخطأ والزلل واضحة ، فإنّ من رباه أعظم ملك من ملائكة اللّه سبحانه من لدن أن كان فطيماً ، إلى أُخريات حياته الشريفة ، لا تنفك عن المصونية من الانحراف والخطأ ، كيف وهذا الملك يسلك به طريق المكارم ، ويربيه على محاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، وليست المعصية إلاّ سلوك طريق المآثم ومساوئ الأخلاق ، ومن يسلك الطريق الأوّل يكون متجنباً عن سلوك الطريق الثاني.

إنّ الإمام أمير المؤمنين لا يصف خصوص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعصمة في هذه الخطبة ، بل يصف آل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله : « هم عيش العلم ، وموت الجهل ، يخبرهم حلمهم عن علمهم ، وظاهرهم عن باطنهم ، وصمتهم عن حكم منطقهم ، لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه ، هم دعائم الإسلام ، وولائج الاعتصام ، بهم عاد

____________

1 ـ بحوث مع أهل السنّة والسلفية : 108 ، وقد نقلنا بعض النصوص السابقة في حق المعتزلة عن ذلك الكتاب.

2 ـ نهج البلاغة الخطبة : 187 ، طبعة عبده.

45

الحق في نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية ، لا عقل سماع ودعاية ». (1)

لاحظ هذا الكلام وأمعن النظر فيه هل ترى كلمة أوضح في الدلالة على مصونيتهم من الذنوب وعصمتهم عن الآثام من قوله : « لا يخالفون الحق ، ولا يختلفون فيه » أي لا يعدلون عن الحق ، ولا يختلفون فيه ، قولاً وفعلاً كما يختلف غيرهم من الفرق ، وأرباب المذاهب ، فمنهم من له في المسألة قولان ، أو أكثر ، ومنهم من يقول قولاً ثم يرجع عنه ، ومنهم من يرى في أُصول الدين رأياً ثم ينفيه ويتركه.

إنّ الإمام يصف آل النبي بقوله : « عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية » أي عرفوا الدين ، وعلموه ، معرفة من فهم الشيء وأتقنه ، ووعوا الدين وحفظوه ، وحاطوه ليس كما يعقله غيرهم عن سماع ودعاية ».

وعلى الجملة انّ قوله (عليه السلام) : « لا يخالفون الحق » ، دليل على العصمة عن المعصية وقوله : « عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية » دليل على مصونيتهم عن الخطأ ، وسلامتهم في فهم الدين ووعيه.

والإمام لا يكتفي ببيان عصمة آل رسول اللّه بهذين الكلامين ، بل يصف أحب عباد اللّه إليه بعبارات وجمل تساوق العصمة ، وتعادلها ، إذ يقول :

« أعانه اللّه على نفسه ، فاستشعر الحزن ، وتجلبب الخوف ، فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعدّ القرى ليومه النازل به ، فقرّب على نفسه البعيد ، وهوّن الشديد ، نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلاً ، وسلك سبيلاً جدداً ، قد خلع سرابيل الشهوات ، وتخلّى من الهموم إلاّ

____________

1 ـ نهج البلاغة الخطبة 234 ، طبعة عبده.

46

هماً واحداً انفرد به ، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ، ومغاليق أبواب الردى ، قد أبصر طريقه ، وسلك سبيله ، وعرف مناره وقطع غماره ، واستمسك من العرى بأوثقها ، ومن الحبال بأمتنها ، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس ، قد نصب نفسه للّه سبحانه في أرفع الأُمور من إصدار كل وارد عليه ، وتصيير كل فرع إلى أصله ، مصباح ظلمات ، كشاف عشوات ، مفتاح مبهمات ، دفّاع معضلات ، دليل فلوات ، يقول فيفهم ، ويسكت فيسلم ، قد أخلص للّه فاستخلصه فهو من معادن دينه ، وأوتاد أرضه ، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه ، يصف الحق ويعمل به ، لا يدع للخير غاية ، إلاّ أمّها ، ولا مظنة إلاّ قصدها ، قد أمكن الكتاب من زمامه ، فهو قائده وإمامه ، يحل حيث حل ثقله ، وينزل حيث كان منزله. (1)

ولا أرى أحداً نظر في هذه الخطبة ، وأمعن النظر في عباراته وجمله ، إلاّ وأيقن أنّ الموصوف بهذه الصفات في القمة الأعلى من العصمة. فهل ترى من نفسك انّ من لا يكون له إلاّ هم واحد وهو الوقوف عند حدود الشريعة ومن ألزم على نفسه العدل ونفى الهوى عن نفسه ، أن لا يكون مصوناً من المعصية ، ومعتصماً من الزلل ، كيف وقد أمكن القرآن من زمامه ، فهو قائده وإمامه يحل حيث حل ، وينزل حيث نزل.

قال ابن أبي الحديد : إنّ هذا الكلام منه أخذ أصحابه علم الطريقة والحقيقة وهو تصريح بحال العارف ومكانته من اللّه ، والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جداً مناسبة للنبوة ويختص اللّه تعالى بها من يقربه إليه من خلقه.

وقال أيضاً : إنّ هذه الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف إنّما يعني بها نفسه ، وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن ، فظاهره أن

____________

1 ـ نهج البلاغة الخطبة 83 ، طبعة عبده.

47

يشرح حال العارف المطلق ، وباطنه أن يشرح حال العارف المعين وهو نفسه (عليه السلام).

ثم إنّ الشارح الحديدي أخذ في تفسير هذه الصفات والشروط واحداً بعد آخر ، إلى أن بلغ إلى الشرط السادس عشر (1) ومن أراد الوقوف على أهداف الخطبة فليرجع إليه وإلى غيره من الشروح.

هذه جذور المسألة في الكتاب والسنّة ، نعم انّ المتكلمين هم الذين عنونوا مسألة العصمة وطرحوها في الأوساط الإسلامية ، فذهبت العدلية من الشيعة والمعتزلة إلى جانب النفي والسلب على أقوال وتفاصيل بين طوائفهم ، وقد أقام كل فريق دليلاً على مدعاه.

ولا يمكن أن ينكر أنّ المناظرات التي دارت بين الإمام علي بن موسى الرضا وأهل المقالات من الفرق الإسلامية قد أعطت للمسألة مكانة خاصة ، فقد أبطل الإمام الرضا (عليه السلام) كثيراً من حجج المخالفين في مجال نفي العصمة عن الأنبياء عامة والنبي الأعظم خاصة ، ولولا خوف الإطالة لأتينا ببعض هذه المناظرات التي دارت بين الإمام (عليه السلام) وأهل المقالات من الفرق الإسلامية ، وإن شئت الوقوف عليها فراجع بحار الأنوار. (2) وسوف نرجع في نهاية المطاف إلى تفسير بعض الآيات التي تمسّك بها المخالف في مجال نفي العصمة عن الأنبياء.

ما هي حقيقة العصمة؟

عرف المتكلمون العصمة على الإطلاق بأنّها قوة تمنع الإنسان عن اقتراف

____________

1 ـ الشرح الحديدي : 6/367 ـ 370.

2 ـ بحار الأنوار : 11/72 ـ 85.

48

المعصية والوقوع في الخطأ. (1)

وعرّفها الفاضل المقداد بقوله : العصمة عبارة عن لطف يفعله اللّه في المكلف بحيث لا يكون له مع ذلك داع إلى ترك الطاعة ولا إلى فعل المعصية مع قدرته على ذلك ويحصل انتظام ذلك اللطف بأن يحصل له ملكة مانعة من الفجور والإقدام على المعاصي مضافاً إلى العلم بما في الطاعة من الثواب ، والعصمة من العقاب ، مع خوف المؤاخذة على ترك الأَولى ، وفعل المنسي. (2)

أقول : اذا كانت حقيقة العصمة عبارة عن القوة المانعة عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطاء ، كما عرّفه المتكلمون فيقع الكلام في موردين :

الأوّل : العصمة عن المعصية.

الثاني : العصمة عن الخطأ.

ولتوضيح حال المقامين من حيث الاستدلال والبرهنة يجب أن يبحث قبل كل شيء عن حقيقة العصمة.

إنّ حقيقة العصمة عن اقتراف المعاصي ترجع إلى أحد أُمور ثلاثة على وجه منع الخلو ، وان كانت غير مانعة عن الجمع :

____________

1 ـ الميزان : 2/142 ، طبعة طهران.

2 ـ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين : 301 ـ 302 ، ومن العجب تفسير الأشاعرة للعصمة على ما يقتضيه أصلهم من استناد الأشياء كلّها إلى الخالق المختار ابتداءً : ب ـ أن لا يخلق اللّه فيهم ذنباً ( * ).

أفبعد هذا هل يصح أن تعد العصمة كرامة وترك الذنب فضيلة؟ وليس معنى التوحيد في الخالقية سلب التأثير عن سائر العلل ، وقد أوضحنا الحال في الجزء الأوّل من هذه السلسلة عند البحث عن هذا القسم من التوحيد ، فلاحظ.

( * ) إبطال نهج الباطل لفضل بن روزبهان على ما نقله عنه صاحب دلائل الصدق : 1/370 ـ 371.

49

1. العصمة الدرجة القصوى من التقوى

العصمة ترجع إلى التقوى بل هي درجة عليا منها ، فما توصف به التقوى وتعرف به تعرف وتوصف به العصمة.

لا شك أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي ، فإذا بلغت تلك الحالة إلى نهايتها تعصم الإنسان عن اقتراف جميع قبائح الأعمال ، وذميم الفعال على وجه الإطلاق ، بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية ، فالمعصوم ليس خصوص من لا يرتكب المعاصي ويقترفها بل هو من لا يحوم حولها بفكره.

إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصة كسائر الملكات النفسانية من الشجاعة والعفة والسخاء ، فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً ، سخياً وباذلاً ، وعفيفاً ونزيهاً ، يطلب في حياته معالي الأُمور ، ويتجنب عن سفاسفها فيطرد ما يخالفه من الآثار ، كالخوف والجبن والبخل والإمساك ، والقبح والسوء ، ولا يرى في حياته أثراً منها.

ومثله العصمة ، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى ، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه يصل الإنسان إلى حد لا يرى في حياته أثر من العصيان والطغيان ، والتمرّد والتجرّي ، وتصير ساحته نقية عن المعصية.

وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل إلى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يمكنه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر سنرجع إليه في مستقبل الأبحاث.

فإذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها ، يسهل لك تقسيمها إلى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.

فإنّ العصمة المطلقة وإن كانت تختص بطبقة خاصة من الناس لكن

50

العصمة النسبية تعم كثيراً من الناس من غير فرق بين أولياء اللّه وغيرهم ، لأنّ الإنسان الشريف الذي لا يقل وجوده في أوساطنا ، وإن كان يقترف بعض المعاصي لكنه يجتنب عن بعضها اجتناباً تاماً بحيث يتجنب عن التفكير بها فضلاً عن الإتيان بها.

مثلاً الإنسان الشريف لا يتجوّل عارياً في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل ، كما أنّ كثيراً من اللصوص لا يقومون بالسرقة في منتصف الليل متسلحين لانتهاب شيء رخيص ، كما أنّ كثيراً من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وان عرضت عليهم مكافآت مادية كبيرة ، فإنّ الحوافز الداعية إلى هذه الأفاعيل المنكرة غير موجودة في نفوسهم ، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها ، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولا يحدّثون بها أنفسهم أبداً.

والعصمة النسبية التي تعرفت عليها تقرب حقيقة العصمة المطلقة في أذهاننا ، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في الإنسان مبلغاً كبيراً ومرحلة شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع القبائح ، يصير معصوماً مطلقاً ، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل صار معصوماً نسبياً.

وعلى الجملة : إذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان ، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة ، يصير الإنسان معصوماً تاماً منزهاً عن كل عيب وشين.

2. العصمة : نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي

قد تعرفت على النظريّة الأُولى في حقيقة العصمة وانّها عبارة عن : الدرجة

51

العليا من التقوى ، غير انّ هناك نظرية أُخرى في حقيقتها ، لا تنافي النظرية الأُولى ، بل ربّما تعد من علل تحقق الدرجة العليا من التقوى التي عرفنا العصمة بها وموجب تكونها في النفس ، وحقيقة هذه النظرية عبارة عن « وجود العلم القطعي اليقيني بعواقب المعاصي والآثام » علماً قطعياً لا يغلب ولا يدخله شك ، ولا يعتريه ريب ، وهو أن يبلغ علم الإنسان درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى وتبعاتها فيها ، ويصير على حد يدرك بل يرى درجات أهل الجنة ودركات أهل النار ، وهذا العلم القطعي هو الذي يزيل الحجب بين الإنسان وتوابع الأعمال ، ويصير الإنسان مصداقاً لقوله سبحانه : ( كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم ) (1) ، وصاحب هذا العلم هو الذي يصفه الإمام علي (عليه السلام) بقوله : « فهم والجنة كمن قد رآها ، فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون ». (2)

فإذا بلغ العلم إلى هذه الدرجة من الكشف يصد الإنسان عن اجتراء المعاصي واقتراف المآثم بل لا يجول حولها فكره.

ولتوضيح تأثير هذا العلم في صيرورة الإنسان معصوماً من اقتراف الذنب نأتي بمثال :

إنّ الإنسان إذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها قتل الإنسان إذا مسها من دون حاجز أو عائق بحيث يكون المس والموت مقترنين ، أحجمت نفسه عن مس تلك الأسلاك والاقتراب منها دون عائق.

هذا نظير الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم ، فإنّه إذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السل ، لم يقدم على شربه والاغتسال منه ومباشرته مهما اشتدت حاجته إلى ذلك لعلمه بما يجر عليه الشرب

____________

1 ـ التكاثر : 5 ـ 6.

2 ـ نهج البلاغة : 2 : الخطبة 188 ، ص 187 ، طبعة عبده.

52

والاغتسال بذلك الماء الموبوء ، فإذا وقف الإنسان الكامل على ما وراء هذه النشأة من نتائج الأعمال وعواقب الفعال ورأى بالعيون البرزخية تبدل الكنوز المكتنزة من الذهب والفضة إلى النار المحماة التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم ، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن إنفاقها في سبيل اللّه.

قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ). (1)

إنّ ظاهر قوله سبحانه : ( هذا ما كنزتم لأنفسكم ) هو انّ النار التي تكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم ، ليست إلاّ نفس الذهب والفضة ، لكن بوجودهما الأُخرويّين ، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين فهذه الأجسام الفلزية ، تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة ، وفي النشأة الأُخروية في صورة النيران المحماة.

فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وان كان لا يحس فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها ، إلاّ أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس ، الحس المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها ، فلو فرض إنسان كامل يمتلك هذا الحس إلى جانب بقية حواسه العادية المتعارفة ويدرك بنحو خاص الوجه الآخر لهذه الفلزات ، وهو نيرانها وحرارتها ، يجتنبها ، كاجتنابه النيران الدنيوية ، ولا يقدم على كنزها ، وتكديسها.

وهذا البيان يفيد انّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصد الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون مغلوباً للشهوات والغرائز.

قال جمال الدين مقداد بن عبد اللّه الأسدي السيوري الحلي في كتابه القيم

____________

1 ـ التوبة : 34 ـ 35.