بحوث في الملل والنحل - ج5

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
502 /
3

-

4

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله و

على رواة سنته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه.

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدللّه رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين ، وآله الطاهرين ، وصحبه المنتجبين.

أمّا بعد : فهذا هو الجزء الخامس من موسوعتنا في الملل و النحل ، والمقارنة بين المذاهب الاسلامية ، نقدّمه إلى القرّاء الكرام ، راجين منهم التنبيه والارشاد إلى مواضع الزلّة والخطأ ، فإنّ المؤمن مرآة المؤمن ، وأحبّ الاخوان من أهدى إلى أخيه عيوبه (1) .

ويتناول هذا الجزء دراسة إحدى الفرق الإسلامية القديمة أعني فرقة الخوارج من خلال المواضيع التالية :

الف ـ نشأتهم.

ب ـ تاريخهم السياسي الذي يتضمّن المواجهات التي خاضوها مع

____________

1 ـ اقتباس عن الكلمة المروية عن الامام الصادق (عليه السلام) حيث قال : أحبّ اخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي (لاحظ : تحف العقول 366).

6

مخالفيهم أوّلا ، ومحاولاتهم للاستيلاء على البلاد الإسلامية ثانياً ، وزوالهم والقضاء عليهم ثالثاً.

ج ـ طوائفهم وفرقهم.

د ـ عقائدهم و أفكارهم.

هـ ـ شخصيّاتهم البارزة والآثار الأدبيّة التي خلّفوها.

والخوارج ـ كما قلنا ـ من أقدم الفرق الإسلامية بل أوّل فرقة ظهرت في المجتمع الإسلامي ، وهو أوّل اختلاف حدث بين المسلمين ، بعد اختلاف الاُمّة في مسألة الإمامة ، وقد تكوَّنت في العقد الرابع من القرن الأوّل بعدما نشبت الحرب بين الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاوية بن أبي سفيان ، وقد تحدّث عنهم و عن نشأتهم وتاريخهم طائفتان :

1 ـ أصحاب التواريخ : فقد ذكروا عنهم شيئاً كثيراً حسب التسلسل الزمني كالطبري في تاريخه ، والمبرّد في كامله ، واليعقوبي في تاريخه ، والمسعودي في مروجه ، والجزري في كامله ، وابن كثير في كتابه ، ولكن اكتفوا بنقل الحوادث من دون تحليل عللها ونتائجها وغاياتها ومن دون استنتاج شيء يُعدّ درساً أو عبرة ، ومن دون قضاء بشيء في حقّهم ، كأنّهم قصّاصون ليس لهم شأن سوى سرد القصّة.

وبما أنّهم ذكروا حوادث تلك الفرقة في فصول مختلفة ـ كما هو مقتضى سرد الحوادث حسب السنين والقرون ـ لا يمكن للإنسان أن يقف على تاريخ تلك الفرقة دفعة واحدة في موضع واحد ، بل عليه السبر وتتّبع الحوادث وضمّ حلقة إلى حلقات اُخرى ، حتى يكون على اطّلاع على تاريخهم عن كثب.

2 ـ مؤرّخو العقائد : أعني أصحاب علم الملل والنحل فقد اهتمّوا بذكر فرقهم ، وبيان لفيف من عقائدهم ، من دون تركيز على كيفيّة نشأتهم ، والحروب

7

الّتي مارسوها طيلة سنين ، قرناً بعد قرن.

نعم هناك جماعة من المتأخرّين أفردوا تاريخهم بالتأليف ، وهم بين كاتب مسلم ، ومؤلّف مستشرق ، ولكل غايته المتوخّاة ، وإليك الاشارة إلى بعض ما اُلّف في ذلك المضمار :

1 ـ ملخّص تاريخ الخوارج : تأليف محمّد شريف سليم ، المطبوع في القاهرة عام 1349 هـ ـ ق.

2 ـ الخوارج في الاسلام : تأليف عمر أبي النصر ، المطبوع في بيروت عام 1369 هــ ق الموافق لعام 1949 م.

3 ـ أدب الخوارج : تأليف الكاتبة سهير القلماوي ، والكتاب رسالتها الاُولى لنيل درجة الماجستير وقد نشرتها عام 1365 هـ ـ ق وتناولت الرسالة البحث عن شعراء الخوارج وقد ذكرت منهم عمران بن حطان و قطري بن الفجاءة ، والطرماح بن حكيم وهو غير طرماح بن عدي الذي كان موالياً لعلي (عليه السلام).

4 ـ وقعة النهروان : تأليف الخطيب الهاشمي الحائري ، المطبوع في طهران عام 1372 هـ ـ ق.

5 ـ الخوارج في العصر الأموي : تأليف الدكتور نايف معروف ، وقد طبع في بيروت مرّتين أخيرتها في عام 1401 هـ.

6 ـ الخوارج و الشيعة : تأليف يوليوس فلهوزن ، وقد نقله إلى العربية عبدالرحمن بدوي ، طبع في الكويت للمرّة الثالثة عام 1978 م. ومن جنايات المؤلّف على تاريخ الشيعة في الكتاب قوله : « انّ الشيعة و الخوارج تكوّنا في وقت واحد » (1) والمسكين جاهل بتاريخ الشيعة ـ فانّها تكوّنت في العصر الذي تكوّن فيه الاسلام ، و الشيعة عبارة عن لفيف من المسلمين الاُول من المهاجرين

____________

1 ـ يوليوس فلهوزن : الخوارج و الشيعة 112 ، ترجمة عبدالرحمن بدوي ، من الألمانية الى العربية.

8

والأنصار ، الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) فاتّبعوا سنّته ولم يعدلوا عنها قيد شعرة ، فأخذوا في مسألة الخلافة بالنص ، وتركوا الاجتهاد في مقابله.

وأمّا الخوارج فقد نشأت في أعقاب حرب « صفّين » كما سيوافيك بيانه ، فعدّهما عدلين وفي صفّ واحد جهل بتاريخ الشيعة وتاريخ الاسلام ، أو تجاهل ، وليس ذلك ببعيد عن المستشرقين المجتمعين على موائد الاستعمار.

هذا بعض ما اُلّف حول تاريخ الخوارج والكل كماترى ألّف بيد خصمائهم ولا يمكن الاحتجاج بهذه الكتب عليهم إلاّ إذا تضافر النقل وحصل الاطمئنان بصدقها ، ولأجل رفع تلك النقيصة والتزاماً منّا بالموضوعية التي يجب أن يتّصف بها البحث والباحث ، بذلنا الجهد للحصول على آثار تلك الفرقة في التاريخ والعقائد والفقه والتفسير وتقف على أسمائها في « قائمة المصادر » للكتاب. فإنّ الخوارج انقرضت بعامّة فرقها ولم يبق منهم مايعبأ به إلاّ فرقة الاباضية وهي الفرقة المعتدلة منهم ، وهي المذهب الرسمي في عمّان ، وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة لسلطنة عمان ، بنشر آثار الاباضية في مجالات مختلفة ، فلابّد للباحث من الرجوع إليها.

نسأل اللّه سبحانه أن يوفّقنا في تبيين نشأة تلك الفرقة وتاريخها وعقائدها لما هو الحق والصدق ، مجانبين عن كل فكرة ونظرية مسبقة في حقّهم.

قم ـ مؤسسة الامام الصادق (عليه السلام)

جعفرالسبحاني

20/12/1411 هـ

9

الفصل الأوّل

بداية الاختلاف بعد رحلة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلم )

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

ارتحل النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) ملبّياً دعوة ربّه في العام الحادي عشر من هجرته ، بعد ما بذل كل جهده لتوحيد الاُمّة ورصّ صفوفها ، منادياً فيهم بقول سبحانه : ( إنَّ هذه اُمَّتُكُمْ اُمَّه واحِدَةً وَ أنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (1) وهو ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) كما دعا إلى كلمة التوحيد دعا إلى توحيد الكلمة بأمر منه سبحانه في الذكر الحكيم حيث قال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعَاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (2) وقال سبحانه : ( إنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إخْوَةٌ ... ) (3) إلى غير ذلك من الآيات ، وقد كان ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) يُحذِّر المجتمع الاسلامي من التفرّق و التشرذم ، وقد وصف التحزّب والتعصّب لقوم دون قوم « دعوى منتنة » (4) .

وقد خاطب معشر الأنصار بقوله : « الله الله أبدعوى الجاهلية و أنا بين

____________

1 ـ الأنبياء : 92.

2 ـ آل عمران : 103.

3 ـ الحجرات : 10.

4 ـ ابن هشام : السيرة النبوية 3/303.

12

اظهركم بعد أن هداكم الله بالاسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به أمر الجاهلية و استنقذكم من الكفر ، وألّف به بين قلوبكم » (1) .

ومع كل هذه الأوامر العديدة و التحذيرات الشديدة نرى ـ ياللاسف ـ أنّ المسلمين اختلفوا بعد وفاته ـ وجثمانه بَعدُ لم يُوار ـ إلى فرقتين يجمعهما الاتّفاق في سائر الاُصول و يفرّقهما الخلاف في مسألة الخلافة والولاية وهاتان الفرقتان هما :

1 ـ فرقة تبنّت مبدأ التنصيص على الشخص المعيّن و قالت إنّ الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) نصّ على خلافة علي و ولايته في مواضع عديده و مناسبات كثيرة ، أعظمها و أشهرها يوم الغدير في منصرفه عن حجّة الوداع في العام العاشر ، فقال في محتشّد عظيم : « من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله » وقد بلغ الحديث في كل عصر حدّ التواتر بل تجاوز حدّه ، ومن المتبنّين لهذه الفكرة ، أكابر بني هاشم وشخصيّاتهم البارزة كعباس بن عبدالمطلب وعقيل بن أبي طالب وغيرهما ولفيف من الأصحاب ، كسلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود الكندي ، وأبي التيهان ، وأبي أيّوب الأنصاري وغيرهم من المهاجرين و الأنصار ، الذين شايعوا علياً ، و نفّذوا ما أوصى به النبي الأكرم في حقّ وصيّه ، وهؤلاء همّ نواة الشيعة وهم جزء من المسلمين الاُول ، فقد بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول.

2 ـ فرقة تبنّت فكرة الشورى ، وانّ لها اختيار القائد ، وانتهت تلك الفكرة بعد مشاجرات ومشاغبات بين متبنّيها إلى خلافة أبي بكر بن أبي قحافة ، و تمّت البيعة له في سقيفة بني ساعدة ، ببيعة عدّة من المهاجرين ، كعمر بن الخطاب

____________

1 ـ ابن هشام : السيرة النبوية 2/250.

13

وأبي عبيدة الجراح ، وبيعة الأوسيين من الأنصار ، وهؤلاء قد نسوا أوتناسوا النصّ النبوي يوم الغدير فقدَّموا الاجتهاد على النص ، ورجّحوا المصلحة المزعومة على التعيين الإلهي ، والعجب انّ أصحاب هذه الفكرة من بين المهاجرين و الأنصار كانوا يستدلّون على مبدئهم في سقيفة بني ساعدة بأدلّة و مقاييس كانت سائدة في الجاهلية ، والتي لاصلة لها بالكتاب و السنّة :

مثلا : إنّ الأنصار رأوا أنّهم أولى من غيرهم بالخلافة ، لأّنهم آووا رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) ونصروه في حروبه في زمان أخرجه قومه فيه من موطنه وخذلوه ، وقال خطيبهم الحبّاب بن المنذر بقوله : يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم فأنتم أحقّ بهذا الأمر منهم ، فانّه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين.

هذا منطق الأنصار ، وهلم معي نستمع منطق المهاجرين فقال أبوبكر ناطقاً عنهم : إنّ المهاجرين أقرباء النبي و عترته ، ودعمه عمر فقال ردّاً لمنطق الأنصار : والله لاترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم ولاتمنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة منهم ، من ينازعنا سلطان محمد و نحن أولياؤه و عشيرته؟

ترى أنّه ليس في منطق كل من المرشّحين أيّ استناد إلى الكتاب والسنّة فهذه تستدل بايوائهم رسول الله ونصرتهم إيّاه ، وتلك تستند إلى قرابته منه ، مع أنّه كان من اللازم عليهم الفحص عن قائد لائق عارف بالكتاب والسنّة ، مدير ومدبّر يملك كافّة المؤهّلات اللازمة في القيادة سواء أكان من المهاجرين أم من الأنصار أو من طائفة اُخرى

كل ذلك يعرب عن أنّ الفكرة كانت غير ناضجة أوّلا ، وانّ الانتخاب والاختيار لم يكن صادراً عن مبدأ الاسلامي ثانياً.

14

هذا و انّ طائفة من الأنصار أعنى الأوس بايعوا أبابكر بحجّة أنّهم إن لم يبايعوه ليكوننّ للخزرج عليهم فضيلة (1) .

وهكذا ظهرت فرقتان بعد وفاة الرسول ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) والمبدأ الذي اختلفتا فيه هو : مسألة الخلافة و قيادة الاُمّة ، وكان المترقّب بعد هذا الشقاق والاختلاف ، طروء حروب دامية بين الطرفين ، ولولا القيادة الحكيمة للامام علي (عليه السلام) ومساهمته مع الخلفاء في مهامّ الاُمور ، والتنازل عن حقّه لَاْنجّر الأمر في حياة الخلفاء إلى الهلاك و الدمار ، خصوصاً انّ المنافقين كانوا يترصّدون تلك الفرصة ويؤلّبون احدى الطائفتين على الاُخرى ليصطادوا في الماء العكر ، وفي التاريخ شواهد تؤيّيد ذلك وانّ القيادة الحكيمة لصاحب النص أعني الامام علياً أفشلت تلك الخطط الشيطانية نكتفي منها بما يلي :

روى الطبري : لمّا اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبوسفيان وهو يقول : « والله إنّي لأرى عجاجة لايدفها إلاّ دمّ ، يا آل عبد مناف فيما أبوبكر من اُموركم؟ أين المستضعفان أين الاذلاّن علي والعبّاس؟ وقال : « أبا حسن أبسط يدك حتى اُبايعك » فأبى علي (عليه السلام) فجعل أبوسفيان يتمثّل بشعر المتلمّس :

ولن يقيم على خسف يراد بههذا على الخسف معكوس برمّته**إلاّ الأذلاّن غير العير و الوتدوذا يشجّ فلايبكي له أحدى (2)

قال : فزجره علي (عليه السلام) وقال : « إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة وإنّك والله طالما بغيت للاسلام شرّاً ، لا حاجة لنا في نصيحتك ».

كان الامام معتقداً بشرعية امارته وخلافته ، ويرى نفسه خليفة

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 2/ 446. ابن قتيبة : الامامة و السياسة 1/ 9.

2 ـ الطبري : التاريخ 2/ 449. ابن الاثير : الكامل في التاريخ 2/ 220.

15

رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) وقد سبقت البيعة له في يوم الغدير وغيره ، وكان يحتجّ به وبغيره من النصوص على استحقاقه لها و يعترف نفسه و أهل بيته بقوله : « ولهم خصائص حقّ الولاية وفيهم الوصّية والوراثة » (1) .

ومع ذلك رأى أنّ في مواجهة هذا الانحراف في تلك الظروف العصيبة مفسدة أعظم من فوت الولاية فتنازل عن الأمر فسدل دونه ثوباً ، وطوى عنه كشحاً ، وهو يصف الحال في بعض خطبه ويقول : « ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) عن أهل بيته ، ولا انّهم منحّوه عنّي من بعده ، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، يزول منهما ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب ، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق واطمئن الدين و تنهنه » (2) .

قام أبوبكر بأعباء الخلافة ، وحارب أصحاب الردّة ، إلى أن مضى لسبيله ، فأقام مكانه عمر بن الخطاب وهو أيضاً سار بسيرة من قبله ، وكان المسلمون يجتازون البلاد ، و يفتحون القلاع ، ويسيطرون على العالم بفضل الدين والايمان ، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة من قريش وزعم أنّ رسول الله مات وهو عنهم راض وهؤلاء هم : عليّ ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبدالرحمن بن عوف ، وقال : رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم ، ثم نظر إلى كل واحد من هذه الستة إلى أن نظر إلى

____________

1 ـ الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة 5.

2 ـ الرضي : نهج البلاغة الكتاب 62.

16

عثمان وقال : كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك فحملت بني اُميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس ، آثرتهم بالفيء فثارت إليك عصابة من ذؤبان العرب فذبحوك على فراشك ذبحاً ، والله لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن ثم أخذ بناصيته فقال : فاذا كان ذلك فاذكر قولي فإنّه كائن (1) .

فلمّا دفن عمر ، اجتمع أصحاب الشورى في بيت فتكلّموا فتنازعوا ، غير أنّ تركيب الأعضاء منذ عيّنها الخليفة كان يعرب عن حرمان علي و نجاح غيره و لأجل ذلك تمّ الأمر لصالح عثمان ، فقام بالأفعال التي تنبّأ بها عمر بن الخطاب ، وأحدث اُمراً نقم بها عليه ، وأوجدت ضجّة بين المسلمين ومن أبرز معالمها انحرافه عن الحق وإليك صورة من أعماله التي ثارت لأجلها ثورة الأنصار والمهاجرين :

1 ـ تعطيل الحدود الالهية :

شرب الوليد بن عقبة الخمر فسكر فصلّى بالنّاس الغداة ركعتين أو أربع ركعات ، فانْتُزعَ خاتمه من يده وهو لايشعر من سكر ، وقد قدم رجل المدينة وأخبر عثمان ما شهده من الوليد فضربه عثمان ، فكثرت الشكوى على عامله بالكوفة ولم ير بُداً من عزله ولم يجرِ الحد على الوليد ، فقال الناس : عطّلت الحدود وضربت الشهود (2) .

2 ـ عطياته الهائلة لبني اُميّة من بيت المال :

بين ليلة وضحاها صارت جماعة من بني اُميّة بفضل خلافة عثمان ،

____________

1 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 1/186.

2 ـ السيوطي : تاريخ الخلفاء 104. أبوالفرج الاصبهاني : الاغاني 4/ 188.

17

أصحاب الضياع العامرة والثروات الطائلة منهم : مروان بن الحكم ، وعبدالله بن أبي سرح ، ويعلى بن اُميّة ، والحكم بن العاص ، والوليد بن عقبة وأبى سفيان ، وقد حفظ التاريخ صورة عطيات الخليفة لهم ولغيرهم ، ومن أراد التفصيل فليرجع الى مظانه (1) .

ويكفيك أنّه أعطى مروان بن الحكم ـ ابن عمّه و صهره ـ خمس غنائم أفريقيا ، وكانت تقدّر بمليونين و نصف مليون دينار ، وفي ذلك يقول الشاعر :

واعطيت مروان خمس العبا**دِ ظلماً لهم و حميت الحمى (2)

3 ـ تأسيس حكومة أموية :

كان الخليفة يبذل غاية جهده في تأسيس حكومة أموية في العواصم الاسلامية فنرى أنّه عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة وولاّها الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخا عثمان لاُمّه.

وفي سنة 27 من الهجرة عزل عمروبن العاص عن خراج مصر و استعمل عليه عبدالله بن أبي سرح وكان أخاه من الرضاعة.

وعزل أباموسى الأشعري فولّى مكانه على البصرة عبدالله بن عامر وهو ابن خال عثمان (3) .

وأبقى معاوية على ولايته على الشام ، ولمّا كثرت الشكوى على عامله

____________

1 ـ الأميني : الغدير 9 / 236 ـ 290.

2 ـ ابن قتيبة : المعارف 113 ط دار الكتب العلمية. ابن كثير : التاريخ 4/157.

3 ـ الدينوري : الأخبار الطوال 139. ابن الاثير : الكامل 3/88 ـ 99.

18

بالكوفة ، الوليد بن عقبة ، عزله وولّى مكانه سعيد بن العاص (1) حتى قيل إنّ خمساً و سبعين من ولاته كانوا من بني اُميّة (2) .

4 ـ مواقفه العدائية تجاه الصحابة :

كان للخليفة مواقف غير مرضية مع أصحاب رسول ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) فقد سيّر أباذر إلى الربذة وهي أرض قاحلة ليس فيها ماء ولا كلاء ، فهناك لفظ آخر أنفاسه غريباً فريداً (3) وأمر بضرب عبدالله بن مسعود فكسر ضلع من أضلاعه (4) كماأنّه ضرب عمّار بن ياسر حتى غشي عليه بحجّة أنّه انتقد عمل الخليفة في بيت المال (5) .

5 ـ ايواؤه طريد رسول الله :

طرد رسول الله الحكم بن عاص مع ابنه مروان إلى الطائف ، فردّهما إلى المدينة أيّام خلافته.

يقول الشهرستاني : ردّ الحكم بن اُميّة إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) وكان يسمّى طريد رسول الله وبعد أن تشفّع إلى أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما) أيّام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك ، نفاه عمر من

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3 / 325.

2 ـ الندوي : المرتضى : ولا حظ للوقوف على أسماء عمال عثمان في السنة التي قتل فيها ، تاريخ الطبري 3 / 445.

3 ـ البلاذري : الانساب 5/54. الطبري : التاريخ 3/335.

4 ـ البلاذري : الانساب 5/36.

5 ـ البلاذري : الانساب 5/48.

19

مقامه باليمن أربعين فرسخاً (1) .

إلى غير ذلك من الاُمور التي أغضبت جمهور المسلمين وأثارتهم ، حتى اجتمع المسلمون من المصريين والكوفيين والبصريين ، وجمهور المهاجرين والأنصار للاحتجاج عليه بتبيين سوء مواقفه وأعماله وجنايات عمّاله في البلاد ، ولكن كان ردّ فعله تجاه هاتيك الاحتجاجات ، سلبياً فلم يستجب لطلباتهم ، بل غضب على كل من احتجّ عليه بسوء فعله أو فعل ولاته ، ولكن كثرة السخط والنقد على الخليفة ، شحنت النفوس نقمة وغضباً ، فانفجرت ثورة عارمة لم تجمد إلاّ بقتله في عقرداره.

قتل الخليفة عثمان :

والمهاجرون والأنصار ومن تبعهم باحسان بين مجهز عليه ، أو مؤلَّب ضدّه ، أو مستبشر بمقتله ، أو صامت رهين بيته ، محايد عن الطرفين (2) .

إنّ هذه الأحداث الكبيرة لو اتّفقت في أيّ عصر من العصور التي يسود فيها الحكم الاسلامي لأثّرت نفسَ الأثر الذي خلَّفْته في عهد عثمان ولقلبت الاُمور رأساً على عقب.

ومع ذلك ترى أنّ بعض المؤرخين يريدون تبرير عمل الخليفة وانّ الثورة ضدّ الخليفة لم تكن ثورة شعبية دينية نابعة من أوساط المهاجرين والأنصار ومن تبعهم باحسان في مصر والعراق ، ويزعمون انّ عبدالله بن سبأ هو الذي جهّز المصريين وكدّر الصفو على الخليفة ، وانّه وأتباعه كانوا وراء قتل الخليفة

____________

1 ـ الشهرستاني : الملل والنحل 1/26.

2 ـ الطبري : التاريخ 3/399.

20

ولكن هذا من مختلقات بعض المؤرّخين (1) الذين جرّهم حبّهم واخلاصهم للخلافة والخليفة الى اسناد هذه الثورة الى رجل مزعوم (عبدالله بن سبأ) لم يثبت وجوده أوّلا ، وعلى فرض وجوده لم تثبت له تلك المقدرة الهائلة التي تثير الحواضر الاسلامية وعقلية المهاجرين والأنصار على الخليفة المفترض طاعته (2) .

فلو كان لعبدالله بن سبأ تلك المقدرة وانّه كان يجول في البلاد لتحريض الناس على الخليفة فلماذا لم يتمكّن الخليفة ولا عمّاله من القبض عليه ليسجنوه أو يطردوه من الحواضر الاسلامية الى نقطة لا ماء فيها ولا كلاء كما طردوا أباذر إلى الربذة ، وسيّروا صلحاء الكوفة إلى أمكنة اُخرى.

قال الأميني : لوكان ابن سبأ بلغ هذا المبلغ من إلقاح الفتن ، وشقّ عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه اُمراء الاُمّة وساستها في البلاد ، وانتهى أمره الى خليفة الوقت ، فلماذا لم يقع عليه الطلب؟ ولم يُلْقَ القبض عليه ، والأخذ بتلكم الجنايات الخطرة ، والتأديب بالضرب والاهانة ، والزجّ الى أعماق السجون؟ ولا آل أمره الى الاعدام ، المريح للأمّة من شرّه و فساده ، كما وقع ذلك كله على الصلحاء الأبرار الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وهتاف القرآن الكريم يرنّ في مسامع الملأ الديني : ( إنَّما جَزاءُ الَّذينَ يُحارِبونَ الله وَرَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَساداً أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِم و أرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌّ في الدُّنْيا وَ لَهُمْ في الآخِرَة عَذابٌ عَظيمٌ ) (المائدة : 33) (3) .

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3/378.

2 ـ لا حظ عبدالله بن سبأ لمرتضى العسكري فقد اغرق نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزعا.

3 ـ الأميني : الغدير 9/219.

21

اجتماع المهاجرين والأنصار على بيعة علي :

قتل الخليفة بمرأى و مشهد من الصحابة ، وتركت جنازته في بيته ، واجتمع المهاجرون والأنصار في بيت علىّ ، وطلبوا منه بإصرار بالغ قبول الخلافة ، إذ لم يكن يوم ذاك رجل يوازيه ويدانيه في السبق الى الاسلام ، والزهد في الدنيا ، والقرابة من رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) ، والعلم الوافر بالقرآن والسنّة ، والامام يصف اجتماعهم في بيته ويقول : « فتداكوا علىّ تداكّ الابل الهيم ، يوم وردها ، وقد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها ، حتى ظننت أنّهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي » (1) .

وفي كلمة اُخرى له (عليه السلام) يقول واصفاً هجوم المهاجرين والأنصار على بيته لبيعته : « وبسطتم يدي فكففتها ، ومدد تموها فقبضتها ، ثم تداككتم عليّ تداك الهيم على حياضها يوم وِرْدها حتى انقطعت النعل ، وسقط الرداء ، ووطىء الضعيف ، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم ايّاي ، أن ابتهج بها الصغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت اليها الكعاب » (2) .

فلمّا عرضوا عليه مسألة الخلافة و القيادة الاسلامية أجابهم بجدَ وحماس : « دعوني فالتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لاتقوم له القلوب ، ولا تثبت له العقول »(3) .

فلمّا أحسّ منهم الإلحاح و الإصرار المؤكّد وانّه لابدّ من البيعة ورفع علم الخلافة قال (عليه السلام) : إذا كان لابدّ من البيعة فلنخرج إلى المسجد حتى تكون بمرأى ومسمع من المهاجرين والأنصار ، وجاء الى المسجد فبايعه

____________

1 ـ الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة 54.

2 ـ الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة 229.

3 ـ الطبري : التاريخ 3/156.

22

المهاجرون والأنصار وفي مقّدمتهم الزبير بن العوام و طلحة بن عبيدالله ولم يتخلّف من البيعة إلاّ قليل لايتجاوز عدد الأنامل كاُسامة بن زيد ، و عبدالله بن عمر ، وسعد بن أبيوقاص ونظائرهم (1) .

وقد عرفه التاريخ بأنّه كان رجلا زاهداً غير راغب في الدنيا ولامقبلا على الرئاسة وانّما قبل البيعة لأنّه تمّت الحجّة عليه وكان المسلمون يومذاك بحاجة الى قيادته وخلافته وهو يصف أمره : « والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولا في الولاية إربة ، ولكنّكم دعوتموني اليها وحملتموني عليها » (2) .

كلّ ذلك صار سبباً لقيام علي بالزعامة والخلافة وتدبير الأمور ، ولم يكن هدف المبايعين إلاّ ارجاع الاُمّة الى عصر الرسول ، ليقضي على الترف والبذخ ، ويرفع راية العدل والقسط ، ويهدم التفاضل المفروض على الاُمّة بالقهر والغلبة ، وينجي المضطهدين والمقهورين من الفقر المدقع ، ولمّا تمّت البيعة خطبهم في اليوم التالي وبين الخطوط العريضة للسياسة التي ينوي الالتزام بها طيلة ممارسته للخلافة فعلى الصعيد المالي قال في قطايع عثمان التي قطعها الخليفة لأقربائه وحاشيته : « والله لو وجدته قد تزّوج به النساء و ملك به الاماء لرددته فانّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » (3) .

قال الكلبي : ثم أمر علي (عليه السلام) بكل سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقّوى به على المسلمين ، فقبض وأمر بقبض نجائب كانت في داره من ابل الصدقة فقبضت ، وأمر بقبض سيفه ودرعه ، وأمر ألاّ يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين ، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره وفي غير

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3/156.

2 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 205.

3 ـ نهج البلاغة ، الخطبة 15.

23

داره ، وأمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اُصيبت أو اُصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمروبن العاص ، وكان بـ « ايلة » في أرض الشام ، أتاها حيث وثب الناس على عثمان ، فنزلها فكتب الى معاوية : ما كنت صانعاً فاصنع اذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تُقشر عن العصا لحاها (1) .

ما مارسه الامام لتحقيق المساواة من خلال ردّ قطائع عثمان كان جرس الانذار في أسماع عبَدة الدنيا وأصحاب الأموال المكدّسة ، أيّام خلافة الخليفة الثالث ، فوقفوا على انّ علياً لايساومهم بالباطل ، على الباطل ولايتنازل عن الحق لصالح خلافته.

وعند ذلك بدأوا يتآمرون على خلافته الفتية في نفس المدينة المنورة وفي مكة المكرمة والشامات ، وقد كان هؤلاء متفرّقين في تلك البلاد.

وهذا هوالموضوع الذي نطرحه في الفصل التالي ، وستعرف أنّ ظهور الخوارج في الساحة الاسلامية من مخلّفات هذا التآمر الذي رفع راياته الناكثون والقاسطون.

____________

1 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 1/270.

24

-

25

الفصل الثاني

حوادث وطوارئ مريرة في عصر الخلافة العلوية

26

-

27

نهض الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالأمر ، بعد قتل الخليفة عثمان ، وقد عمّت الفتن والتمزّق والاضطراب الاُمّة الإسلامية ، وحاق بهم البلاء ، وصاروا شيعاً ، المعنّيون منهم ذوو أهواء وميول.

فمن مسلم واع يرى بنور الإيمان خروج القياده الإسلامية عن الجادّة المستقيمة ، وليس لها جمالها الموجود في العهد النبوي ، ولا بعده إلى وفاة الشيخين ، وهم الذين ثاروا على السلطة ، وقتلوا الخليفة ، ولمّ يدفنوه ، حتى راحوا إلى رجل ليقوم بالأمر ويقيم الاود ، ويصلح ما فسد ، ولم يكن هذا الرجل إلاّ الإمام المعروف بالورع والّتقى ، وقوّة القلب ، ورباطة الجأش.

إلى متوغّل في لذائذ الدنيا وزخارفها ، ادّخر من غنائمها وفراً ، وجمع من بيضائها وصفرائها ثروة طائلة ، واقتنى ضياعاً عامرة ، ودوراً فخمة ، وقصوراً شاهقة ، يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع ، كأنّ الدنيا خلقت لأجلهم ، فهؤلاء ـ بعد قتل الخليفة ـ لايرضون خروج الأمر من أيديهم ووقوعه في يد رجل لاتأخذه في الله لومة لائم والاُمّة الإسلاميّة عنده سواسية.

28

إلى انتهازىّ لايهمّه شيء سوى طعمته في الملك والمال ، كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها.

فقام الإمام بالأمر ، وهذا وصف مجتمعه ، وهم إلى الشدة والقسوة أقرب إلى الصلاح والفلاح. وأوّل من جهر بالخلاف وألَّب المخالفين على علىّ ، هو معاوية بن أبي سفيان فقد كان واقفاً على أنّ عليّاً لايساومه بأيّة قيمة ولايبقيه في مقامه الذي كان عليه من عصر الخليفة الثاني إلى يوم بويع علىّ بالخلافة ، فقام بتأليب بعض الصحابة على الامام وإغرائهم على الخلاف ، بحجّة أنّه أخذ البيعة لهم من أهل الشام ، وهذا نص رسالته إلى الزبير بن العوام وقد وقف على أنّه بايع عليّاً بملأ من الناس ، وفيها : « بسم الله الرحمن الرحيم ، فانّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب ، فدونك الكوفة والبصرة لايسبقك إليها ابن أبي طالب ، فإنّه لاشيء بعد هذين المصرين ، وقد بايعتُ لطلحة بن عبيدالله من بعدك فاظهر الطلب بدم عثمان ، وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجدّ والتشمير ، أظفركما الله ، وخذل مناوئكما ».

ولّما وصل هذا الكتاب إلى الزبير ، أعلم به طلحة فلم يشكّا في انّ معاوية ناصح لهما واجمعا عند ذلك على خلاف عليّ (عليه السلام) (1) .

كانت الغاية الوحيدة من أخذ البيعة من رعاع الناس في الشام للزبير وطلحة وإعلامهما لذلك ، هو تشجيعهما على مخالفة الإمام (عليه السلام) بحجّة أنّهما خليفتان مترتبان ، وأنّه يجب على علىّ أن يترك الخلافة جانباً ، وبذلك أراد أن يحدث صدعاً في صفّ الذين بايعوا الإمام ، ويفتح باب الخلاف ونكث البيعة ، أمام الآخرين.

____________

1 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 1/231.

29

كانت تلك الرسالة تحمل شروراً إلى الاُمّة الإسلامية وقد اغتر الشيخان بكلام ابن أبي سفيان فتآمرا على الخلاف ونكث البيعة على وجه يأتي شرحه.

ولم يكن نكث البيعة منهما نهاية الخلاف ، بل كانت فاتحة لشرّ ثان وهو تجرّؤ معاوية على عليّ وبغيه على الإمام المفترض طاعته ، بالحرب الطاحنة ، وكان الإمام على أعتاب النصر و الظفر حتى نجم شرّ ثالت وهو خروج طائفة من أصحاب الامام عليه بحجة واهية تحكي عن سذاجة القوم وقلّة وعيهم : وهي مسألة التحكيم ، وبذلك خاض الإمام في خلافته القصيرة التي لاتتجاوز عن خمسة أعوام ، حروباً دامية ، يحارب الناكثين تارة ، والقاسطين اُخرى ، والمارقين ثالثة ، وفي ذلك يقول الإمام : « فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت اُخرى ، وقسط آخرون ، كأنَّهم لم يسمعوا كلام الله سبحانه يقول : ( تِلْكَ الدارُ الآخرِة نَجْعَلُها لِلّذِينَ لايُريدونَ عِلُوّاً فِي الأرْضِ ولافَساداً وَ العاقِبَةُ للمتّقين ) بلى والله لقد سمعوها ووعوها ولكنّهم حَلِيَت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها (1) .

قام الإمام بفقأ عين الفتنة بعد انتهاء حرب صفّين ـ وياللأسف ـ ولم يمض زمن إلى أن اُغْتِيل بيد أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود (2) ـ حسب تعبير النبي الأكرم ـ ، وبذلك طويت صحيفة عمره ولقى الله تعالى بنفس مطمئنة ، وقلب سليم ، وقد تنبّأ النبي الأكرم بحروبه الثلاثة ، وأنّه سيقاتل طوائف ثلاثة وهم بين ناكث وقاسط ومارق من الدين.

روت اُمّ سلمة أنّ علياً (عليه السلام) دخل على النبي الأكرم في بيتها فقال النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) مشيراً إلى علي : هذا والله قاتل الناكثين

____________

1 ـ الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة 3.

2 ـ الصدوق : عيون أخبار الرضا 297.

30

والقاسطين والمارقين من بعدي (1) .

وروى علي (عليه السلام) ، عن النبي الأكرم : أمرني رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين (2) .

هذا مجمل تلك الحوادث المريرة في خلافته ، وكانت فتنة الخوارج نتيجة الحربين الطاحنتين : الجمل وصفّين ، فلأجل اجلاء الحقيقة ورفع السترعن وجهها نعرضهما على القارىء ، على وجه خاطف ، والتفصيل على عاتق التاريخ.

____________

1 ـ ابن كثير الشامي : البداية والنهاية 7/305 ، وقد جمع أسانيد الحديث ومتونه.

2 ـ الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 4/340.

31

قتال الناكثين (1)

حرب الجمل

النكث في اللغة هو نقض البيعة والمراد من قتال الناكثين : قتال الشيخين : الزبير وطلحة اللّذين نكثا بيعة الإمام وتبعهما طوائف من الناس ، بترغيب وترهيب ، وكان بدأ الخلاف انّ طلحة والزبير جاءا إلى عليّ وقالا له : يا أميرَ المؤمنين قد رأيتَ ما كنّا فيه من الجفوة في ولاية عثمان كلّها ، وعلمت رأي عثمان في بني اُميّة ، وقد ولاّك الله الخلافة من بعده ، فوّلنا بعضَ أعمالك ، فقال لهما : إرضيا بقَسم الله لكم. حتى أرى رأيي ، واعْلما أنَّي لا أشرك في أمانتي إلاّ مَن أرضى بدينه ، وأمانته من أصحابي ، ومن قد عرفت دخيلتَه.

فانصرفا عنه وقد دخلهما اليأس فاستأذناه في العمرة (1) .

____________

1 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، 1/231 ـ 232.

32

خرجا من عنده وهما غاضبان ويحتالان للخروج عن بيعته ونكثها ، وفي ذلك الظرف القاسي ، وصل إليهما كتاب معاوية يدعوهما إلى نكث البيعة وأن أهلَ الشام بايعوا لهما إمامين مترتبين ، فاغترّا بالكتاب (1) وعزما النكث بجد.

ثم دخلا على علىّ فاستاذناه في العمرة ، فقال : ما العمرة تريدان ، فحلفا له بالله انّهما ما يريدان غير العمرة ، فقال لهما : ماالعمرة تريدان ، وانّما تريدان الغدرة ، ونكث البيعة ، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولانكثَ بيعته يريدان وما رأيهما غير العمرة ، فقال لهما : فأعيدا البيعة لي ثانية ، فأعاداها بأشدّ مايكون من الأيمان والمواثيق ، فأذنَ لهما فلمّا خرجا من عنده قال لمن كان حاضراً : والله لاترونهما إلاّ في فتنة يقتتلان فيها. قالوا : يا أميرالمؤمنين فمُرْ بردِّهما عليك.

قال : ليقضي الله أمراً كان مفعولا (2) .

خروج عائشة إلى مكة :

غادرت عائشة المدينة المنوّرة عندما حاصر الثوار بيت عثمان ، ونزلت في مكة ، ووصل خبر قتل الخليفة إليها وهي فيها ، وكانت على تطلُّع إلى أين انتهت الثورة وإلى من آلت إليه الخلافة ، فغادرت مكة إلى المدينة فلمّا نزلت « سرف » لقيها عبد ابن اُمّ كلاب فقالت له : « مهيم »؟ قال : قَتَلوا عثمان فمكثوا ثمانياً ، قال : ثم صنعوا ماذا؟ قال : إجتمعوا على علىّ بن أبي طالب ، فقالت : و الله إنّ هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك ، رُدّوني رُدّوني ، فانصرفت إلى مكّة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوماً ، والله لأطلبنّ بدمه ، فقال لها ابن اُمّ كلاب : ولم؟ فوالله إنّ أوّلَ من اَمالَ حرفه لأنت ، ولقد كنت

____________

1 ـ تقدم نص الكتاب.

2 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، 1/231 ـ 232.

33

تقولين : اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت : إنّهم استتابوه ، ثم قتلوه ، ولقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأوّل ، فقال لها : ابن اُمّ كلاب :

منك البداء و منك الغيرو انتِ أمرتِ بقتل الإمامفهبنا اطعناكَ في قتلهو لم يسقط السيف من فوقنا

و منكَ الرياح و منكِ المطرو قلتِ لنا أنّه قد كفرو قاتلُه عندنا مَنْ اَمَرولم تنكسف شمسنا و القمر

فانصرفت إلى مكّة فنزلت على باب المسجد فقصدت الحِجْرَ وسترت ، واجتمع إليها الناس فقالت : يا أيّها النّاس انّ عثمان قد قتل مظلوماً والله لأطلبّن بدمه (1) .

ثم إنّ طلحة والزبير بعدما استأذنا عليّاً غادرا المدينة ونزلا مكة ، وكانت بينهما وبين عائشة صلة وثيقة يتآمرون ضد عليّ فلمّا بلغ عليّاً مؤامرة الزبير وطلحة وانّهما نكثا ايمانهما وعلى أهبة المكافحة معه ، أشار بعض أصحابه أن لايتبعهما فأجاب علي بقوله : « والله لاأكون كالضبع تَنام على طول اللّدم ، حتى يصلَ إليها طالبها ، ويختلها راصدها ، ولكن أضرب بالمقبل إلى الحق ، المدبَر عنه ، وبالسامع المطيع ، العاصي المريب أبداً ، حتى يأتي عليّ يومي » (2) .

مغادرة الشيخين وعائشة مكة :

اتّفق المؤامرون ومعهم جماعة من أعداء الامام ، على أن يرتحلو إلى البصرة ، ويّتخذوها مقرّاً للمعارضة المسلّحة.

____________

1 ـ ابن قتيبة : الإمامة والسياسة 1/49. الطبري : التاريخ 3/477.

2 ـ الرضي : نهج البلاغة ، خطبة 6.

34

وقد كان عبدالله بن عامر ، عامل عثمان على البصرة ، هربَ منها حين أخذ البيعة لعلي بها على الناس ، جاريةُ بن قدامة السعدي ، ومسير عثمان بن حنيف الأنصاري إليها على خراجها من قِبَلِ علىّ.

وانصرف عن اليمن عاملُ عثمان وهو يعلى بن متيه فأتى مكّة وصادف بها عائشه وطلحة والزبير ومروان بن الحكم في آخرين من بني اُميّة ، فكان ممّن حرّض على الطلب بدم عثمان وأعطى عائشة وطلحة والزبير أربع مائة ألف درهم وكراعاً وسلاحاً وبعث إلى عائشة بالجمل المسمّى « عسكرا ». وكان شراؤه عليه باليمن مائتي دينار فأرادوا الشام فصدَّهم ابن عامر ، وقال لهم : إنّ معاوية لا ينقاد اليكم ولايعطيكم من نفسه النصفة ، لكن هذه البصرة لي بها صنائع وعدد.

فجهّزهم بألف ألف درهم ، ومائة من الابل وغير ذلك ، فسار القوم نحو البصرة في ستمائة راكب ، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب ، يعرف بـ« الحوأب » عليه اُناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب ، فقالت عائشة : ما اسم هذا الموضع؟ فقال لها السائق لجملها : « الحوأب » ، فاسترجعتْ ، وذكرت ما قيل لها في ذلك (1) وقالت : رُدّوني إلى حرم رسول الله ، لاحاجة لي في المسير ، فقال الزبير : تالله ما هذا « الحوأب » ، ولقد غلط في ما أخبرك به ، وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها فأقسم بالله إنّ ذلك ليس بالحوأب وشهد معهما خمسون رجلا ممّن كان معهم.

فأتوا البصرة فخرج إليهم عثمان بن حنيف فمانعهم وجرى بينهم قتال ، ثم إنّهم اصطلحوا بعد ذلك على كفِّ الحرب إلى قدوم علىّ ، فلمّا كان في

____________

1 ـ ورد في حديث روته عائشة ، قالت : سمعت رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) يقول وعنده نساؤه : ليت شعري ايتكنّ تنبحُها كلابُ الحوأب سائرة إلى الشرق في كتيبة!

35

بعض الليالي ، بيّتوا عثمانَ بن حنيف فأسَروَه وضربوه ونتفوا لحيته ، ثم إنّ القوم استرجعوا وخافوا على مخلَّفيهم بالمدينة من أخيه : سهل بن حنيف وغيره من الأنصار ، فخلوا عنه وأرادوا بيت المال فمانعهم الخُزّان والموكّلون به فقتل منهم سبعون رجلا من غير جرح ، وخمسون من السبعين ضربت أعناقهم صبراً من بعد الأسر ، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي وكان من سادات عبد القيس ، وزهّاد ربيعة ونُسّاكها و تشاح طلحة والزبير في الصلاة بالنّاس ، ثمّ اتّفقوا على أن يصلّي بالناس عبدالله بن الزبير يوماً ومحمّد بن طلحة يوماً في خطب طويل كان بين طلحة والزبير.

مسير علي إلى جانب البصرة :

وقف الامام على أنّ المتآمرين خرجوا من مكّة قاصدين البصرة ، فاهتم الامام بايقافهم في الطريق قبل الدخول إليها فسار من المدينة بعد أربعة أشهر من بيعته في سبعمائة راكب ، منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار ، منهم سبعون بدريّاً وباقيهم من الصحابة ، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الأنصاري ، فانتهى إلى الربذة بين مكّة والكوفة ، وكان يترقّب إلقاء القبض على رؤوس الفتنة قبل الدخول الى البصرة ، لكن فاته ما يترقّب لأنّهم سبقوا الامام في الطريق ولحق بعلي من أهل المدينة ، جماعة من الأنصار ، فيهم خزيمة بن ثابت ذوالشهادتين وأتاه من طىّ ستمائة راكب (1) .

خرج عثمان بن حنيف من البصرة ، وقدم على علي (عليه السلام) بالربذة ، وقد نتفوا رأسه ولحيته وحاجبيه ، فقال : يا أميرالمؤمنين بعثتني ذا لحية ،

____________

1 ـ المسعودي : مروج الذهب 3/103 ـ 104 طبعة بيروت. الطبري : التاريخ 3/485. واللفظ للأوّل ، وفي لفظ الطبري زيادات تركناها روماً للاختصار.

36

وجئتك أمرد ، فقال : أصبتَ خيراً وأجراً (1) .

واتصلت بيعة علي بالكوفة : وغيرها من الأنصار ، وكانت الكوفة أسرعها إجابة إلى بيعته ، وأخذ له البيعة على أهلها ـ على كره ـ أبوموسى الأشعري حين تكاثر الناس عليه ، وكان عاملا لعثمان عليها (2) .

لمّا وقف الامام على ماجرى على عثمان بن حنيف وحَرَسِه ، بعثَ بعض أصحابه بكتاب إلى أبي موسى الأشعري يطلب منه استنهاضه للناس ، ولكنّه تهاون في الأمر ولم يَقُم بواجبه بعدما أخذ البيعة له ، واعترف بإمامته ، وقال للناس : إنّها فتنة صمّاء ، النائم فيها خير من اليقضان ، واليقظان فيها خير من القاعد ، والقاعد خير من القائم ، والقائم خير من الراكب ، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب ، فاغمدوا السيوف ، وانصلوا الأسنَّة ، واقطعوا الأوتار ، وآووا المظلوم و المضطهد حتى يلتئم هذا الأمر ، وتتجلّى هذه الفتنة.

ولّما بلغ عليّاً خذلان أبي موسى الأشعري ، وانّه يصف محاربة الناكثين بالفتنة ، بعث هاشم بن هاشم المرقال وكتب الى أبي موسى : « إنّي لم اُولِّك الذي أنت به إلاّ لتكونَ من أعواني على الحق .... »

وكان أبوموسى من أوّل الأمر عثمانّي الهوى وقد أخذ البيعة لعلي على الناس بعد اكثار الناس عليه ـ كما تقدم ـ فلأجل ذلك بقى على ما كان عليه من الحياد ، ولم يُنهِض الناس ، واستشار السائب بن مالك الأشعري فأشار هو باتباع الإمام ومع ذلك لم يقدم عليه (3) .

فكتب هاشم إلى علىّ ، امتناع أبي موسى من الاستنفار.

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3/495.

2 ـ المسعودي : مروج الذهب 3/97.

3 ـ الطبري : التاريخ 3/503.

37

ولمّا تمّت الحجة عند الإمام انّ الرجل ليس على وتيرة صحيحة ، عزله عن منصبه فولّى على الكوفة قرظة بن كعب الأنصاري و كتب إلى أبي موسى اعتزل عملنا يا بن الحائك مذموماً مدحوراً ، فما هذا أوّلُ يومنا منك و انّ لك فينا لهنات وهنات.

وسار علي فيمن معه حتى نزل بذي قار وبعث بابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة يستنفران الناس ، فسارا عنها و معهما من أهل الكوفة نحو من سبعة آلاف ، وقيل ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا منهم الأشتر.

فانتهى علي إلى البصرة وراسل القوم وناشدهم فأبوا إلاّ قتاله (1) .

قد وصلنا إلى أعتاب الحرب الطاحنةِ المعروفة بحرب « الجمل » وقبل الخوض في تفصيلها نشير إلى نكات تستفاد فيما سردناه من المقدمات ، ثم نخوض في صلب الموضوع حسب اقتضاء المقام.

1 ـ إنّ الزبير و طلحة بايعا عن طوع ورغبة ولكن بايعا لبغية دنيوية وطمعاً في المال و المقام ، ولم يمض زمان من بيعتهما إلاّ وقد أتيا عليّاً يسألانه اشتراكهما في بعض أعماله ، وكان لهما هوى في ولاية الكوفة والبصرة ، وكانت ديانة علي (عليه السلام) تصدّه عن الاجابة ، إذ لم يكونا صالحين لما يطلبانه ، وقد أثبتا ذلك ـ قبل اشعال نار الحرب ـ بنكثهما وتحريضهما الناس على النكث وقتلهم الأبرياء من الموكّلين وحرس بيت المال ، وقد انتهى الأمر بسفك دماء آلاف من المسلمين.

كل ذلك يعرب عن أنّ مقاومة علي ، تجاه طلبهما كانت أمراً صحيحاً يرضي به الربّ ورسوله ، ولم يكن لعلي هوى إلاّ رضى الله سبحانه ورضى رسوله.

____________

1 ـ المسعودي : مروج الذهب 3/104.

38

2 ـ إنّ أباموسى الأشعري الذي قلَّب الاُمور على علىّ في قضية التحكيم

كان من أوّل الأمر غير راض ببيعة الإمام ولم يأخذ البيعة له إلاّ بعد اكثار الناس ، ولمّا أمره الإمام باستنهاض الناس و استنفارهم خذَّل الناس عن علي.

والعجب انّه كان يتمسّك في نفس الواقعة برواية سمعها من النبي أنّه قال : ستكون فتنة : القاعد فيها خير من النائم ، والنائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب (1) .

نحن نفترض أنّه سمع من النبي ذلك الكلام ، ولكّنه هل يمكن له تسمية مبايعة المهاجرين و الأنصار فتنة ، فلو صحّ ذلك ـ ولن يصحّ حتى لو صحّت الأحلام ـ لماذا لاتكون مبايعتهم السابقين من الخلفاء فتنة ، يكون القاعد فيها خيراً من القائم ، مع أنّ أبي موسي كان فيها من القائمين ، وقد قبل الولاية في عصر الخليفتين ، الثاني والثالث ، حتى اعتنق بيعة الإمام بعد اكثار الناس.

ومن بايع رجلا على الإمامة والقيادة ، كان عليه الذبّ عن إمامه و حياض سلطته.

3 ـ إنّ الإمام (عليه السلام) أشار بقوله : « فما هذا أوّل يومنا منك و أنّ لك فينا لهنات و هنات » إلى الجناية التي سوف يرتكبها أبوموسى في قضية التحكيم حيث يخلع عليّاً عن الإمامة والخلافة كما سيوافيك تفصيله.

4 ـ إنّ في منازعة الشيخين : الزبير وطلحة في أمر جزئي كالإمامة في الطلاة ، يعرب عن طويتهما وما جبّلا عليه من التفاني في الرئاسة ، انظر إلى الرجلين يريدان أن يقودا أمر الجماعة ويكونا امامان للمسلمين وهذه نزعتهما.

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3/498.

39

على أعتاب حرب الجمل :

سار عليّ حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية ، فصلّى أربع ركعات ، وعفر خدّيه على التراب وقد خالط ذلك بدموعه ثم رفع يديه يقول : اللّهمّ ربَّ السماوات وما أظلّتْ ، وربّ العرش العظيم ، هذه البصرة ، أسألك من خيرها ، وأعوذبك من شرّها ، اللّهمّ انزلنا فيها خير منزل ، وأنت خير المنزلين ، اللّهمّ إنّ هؤلاء القوم قد بغوا علىّ وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي ، اللّهمّ أحقن دماء المسلمين.

ثمّ بعث إليهم من يناشدهم الله في الدماء ، وقال : « علام تقاتلونني؟ » فأبوا إلاّ الحرب ، فبعث إليهم رجلا من أصحابه يقال له مسلم ، معه مصحف يدعوهم إلى الله تعالى فرموه بسهم فقتلوه ، فحمل إلى علي قتيلا.

فأمر عليّ أصحابه أن يصافوهم ولايبدؤهم بقتال ولايرموهم بسهم ، ولايضربوهم بسيف ، ولايطعنوهم برمح. حتى جاء عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي من الميمنة بأخ له مقتول ، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رمي بسهم فقتل ، فقال عليّ : اللّهمّ اشهد. أعذروا إلى القوم ، ثم قام عمّار بن ياسر بين الصفّين فقال : أيّها القوم ما أنصفتم نبيّكم حين كفقتم عقائلكم في الخدور ، وأبرزتم عقيلته للسيوف ، وعائشة على الجمل في هودج من دفوف الخشب ، قد ألبسوه المسوحَ وجلودَ البقر ، وجعلوا دونه اللبود ، وقدغشى على ذلك بالدروع ، فدنا عمّار من موضعها فناداها : إلى ماذا تدعين؟ قالت : إلى الطلب بدم عثمان ، فقال : قاتل الله في هذا اليوم الباغيَ و الطالبَ لغير الحق ، ثم قال : أيّها النّاس إنّكم لتعلمون أيّنا الممالى في قتل عثمان ، ثم أنشأ يقول وقد رشقوه بالنبال :

فمنكِ البكاء و منكِ العويل**و منكِ الرياح و منكِ المطر

40

و أنت امرتَ بقتل الإمام**و قاتله عندنا من امر

وتواتر عليه الرمي فاتصل فحّرك فرسه ، وزال عن موضعه وأتى عليّاً (عليه السلام) فقال : ما تنظر يا أمير المؤمنين وليس عند القوم إلاّ الحرب.

خطبة علي يوم الجمل :

فقام علي في الناس خطيباً ورافعاً صوته يقول : أيّها النّاس إذا هَزَمتموهم فلا تُجْهِزوا على جريح ولاتَقْتلوا أسيراً ، ولاتتبعوا مولّياً ، ولاتطلبوا مُدْبراً ، ولاتكشفوا عورة ولاتمثلوا بقتيل ، ولاتهتكوا ستراً ، ولاتقربوا شيئاً من أموالهم إلاّ ما تجدونه في عسكرهم من سلاح ، أوكراع ، أوعبد أو أمة ، وما سوى ذلك فهو ميراث ورثتهم على كتاب الله.

ثمّ إنّ عليّاً نادى كلاّ من الزبير وطلحة وكلّمهما وأتمّ عليهما الحجة فقال للأوّل : أما تذكر قول رسول الله عندما قلت له : اِنّي أحبُّ عليّاً ، فأجابك إنّك والله ستقاتله وأنت له ظالم ، وقال للثاني : أما سمعت قول رسول الله يقول : الّلهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأنت أوّل من بايعتني ثم نكثت ، وقد قال الله عزوجل : ( فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّما يَنْكِثُ عَلى نَفْسِهِ ).

ثمّ رجع علي إلى موضعه ، وبعث إلى والده محمّد بن الحنفية وكان صاحب رايته وقال : « احمل على القوم » فلم يرمنه النجاح والظفر فأخذ الراية من يده ، فحمل و حمل الناس معه فما كان القوم إلاّ كرماد اشتدَّت به الريح في يوم عاصف وأطاف بنوضبّة بجمل عائشة وأقبلوا يرتجزون.

نحن بنوضبَّة اصحابَ الجملننعي ابن عفان باطراف الأسل**رُدّوا علينا شيخنا ثم بجلوالموت أحلى عندنا من العسل

41

وقطع على خطام الجمل سبعون يداً من بني ظبّة ، منهم : كعب بن سور القاضي ، كلّما قطعت يد واحد منهم فصرع ، قام آخر فأخذ الخطام ، ورمي الهودج بالنبل ، حتى صار كأنّه قنفذ ، وعُرْقبَ الجمل ولمّا سقط ووقع الهودج ، جاء محمّد بن أبي بكر فأدخل يده ، فقالت : « من أنت؟ » فقال : أخوك ، يقول أمير المؤمنين هل أصابك شيء ، قالت : « ما أصابني إلاّ سهم لم يضرَّني » فجاء علي حتى وقف عليها و ضرب الهودج بقضيب وقال : « يا حميراءُ أرسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) أمركِ بهذا ، ألم يأمركِ أن تقرّي في بيتكِ ، والله ما أنصفكِ الذين أخرجوك إذ صانوا حلائلهم ، وأبرزوك » وأمر أخاها محمداً ، فأنزلها دار صفيّة بنت الحارث بن طلحة.

ولمّا وضعت الحرب أوزارها جهّز علي (عليه السلام) عائشة للخروج إلى المدينة فقالت له : « إنّي اُحبّ أن اُقيم معك فأسير إلى قتال عدوّك عند مسيرك » فقال : « ارجعي إلى البيت الذي تركك فيه رسول الله » فسألته أن يؤمّن ابن اختها عبدالله بن الزبير ، فأمَّنه ، وتكلّم الحسن و الحسين في مروان ، فأمَّنه ، وأمّن الوليد بن عقبة ، وولد عثمان و غيرهم من بني اُميّة و أمّن الناس جميعاً ، وقد كان نادى يوم الوقعة « مَنْ ألقى سلاحه فهو آمن ، و من دخل داره فهو آمن ».

وكانت الوقعة في الموضع المعروف بالخريبة و ذلك يوم الخميس لعشر خلون من جُمادى الآخرة سنة 36 وخطب على الناس بالبصرة بخطبة ، وقد قتل فيها ، من أصحاب علي (عليه السلام) خمسة آلاف و من أصحاب الجمل ثلاثة عشر ألف رجل ، وكان بين خلافة علي ووقعة الجمل خمسة أشهر وواحد وعشرون يوماً.

وولّى على البصرة ، عبدالله بن عباس ، وسار إلى الكوفة فدخل إليها في

42

الثاني عشر من رجب شهور سنه 36 (1) .

ولكن الإمام عبده ، نقل انّه قتل سبعة عشر ألفاً من أصحاب الجمل و قتل من أصحاب علي ألف و سبعون (2) .

وعلى كل تقدير فهذه الضحايا كانت خسارة عظيمة في الإسلام ، وقد عرقلت خطاه ، وشلّت الزحوف الإسلامية في أوّل عهدها في الفتوح ، ولولا هذه الحروب الداخلية ، لكان للعالم حديث غير هذا ، ولو كان الإمام هو القابض لزمام القيادة في جو هادىء ، لكان الوضع السائد على الإسلام ، غيرما هو المشاهد ـ وياللأسف ـ.

« ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ».

وقد حفظ التاريخ من الامام يوم ذاك عواطف سامية وسماحة ورحب صدر على حدّ لم يسبق إليه أحد ، غير النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) عندما فتح مكّة ، فلم يأخذ من أهل البصرة شيئاً سوى ما حواه العسكر. و كان هناك جماعة يصرّون على أن يأخذ الامام منهم ، عبيداً وإماءً فاسكتهم الإمام بقول : أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنّين في سهمه (3) . وقد علّم الامام بسيرته كيفيّة القتال مع البغاة من أهل القبلة.

____________

1 ـ المسعودي : مروج الذهب 3/107 ـ 117. بتلخيص : لاحظ الطبري : التاريخ 3/543.

2 ـ الإمام عبده : شرح نهج البلاغة 40.

3 ـ وسائل الشيعة 11/59 ـ 60.

43

قتال القاسطين (2)

حرب صفّين

قد تعرفت على أنّ النبي الأكرم أخبر عليّاً بأنّه سيقاتل القاسطين بعد الناكثين ، وقد وقفت على مأساة حرب الناكثين وعرفت نواياهم وجناياتهم عن كثب ، التي ارتكبوها في طريق ألتسنُّم على عرش القيادة ، وأراقوا دماء بريئة حتى يُسمُّوا أمير المؤمنين وما أجرأهم على حرمات الله وماأشقاهم.

هلم معي نقرأ مأساة قتال القاسطين الذين حادوا عن الحق ، والطريق المهيع ، وحاربوا الإمام المفترض طاعته ، يقودهم معاوية بن أبي سفيان ابن آكلة الأكباد ، ولاغرو فإنّ أباه هو العدوّ الأوّل للنبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) الذي حزّب الأحزاب على الإسلام و المسلمين.

44

الخلافة كانت الامنية القصوى لمعاوية :

إنّ الخلافة كانت اُمنية في نفس معاوية ، ولكن تقلُّدَ الإمام للخلافة ، أفسد عليه الأمر ، ولم يكن باستطاعته منافسة الإمام علي (عليه السلام) ولأجل ذلك حاول إحداث الصدع في صفِّ الاُمّة ، فأطمع الشيخين في طلب الخلافة ، وقد قُتِلا خائبين فلم يَجد مناصاً إلاّ أن يقوم في وجه الامام تحت ستار أخذ ثأر الخليفة المظلوم.

كان معاوية ـ يطلب من الإمام ـ طول محاربته ـ اقراره على ولاية الشام كاقرار الخليفتين له حتى يُسلِّم له الأمر و يعترف بخلافته ، ولكن الإمام عليّاً لم يرض ببقائه في الحكم لعلمه بسوء عمله خلال ولايته.

وقد أشار إلى ابقائه المغيرة بن شعبة ، وقال : واترك معاوية ، فإنّ لمعاوية جرأة فهو في أهل الشام يُسمع منه ولك حجة في اثباته لأنّ عمر بن الخطاب ولاّه الشام كلّها ، ولكن الإمام لم يقبل اقتراحه ، وقال : « لا و الله لا استعمل معاوية يومين أبداً » (1) .

بعث الإمام جريراً إلى ولاية الشام ليأخذ منه البيعة ، فأتى معاويةُ جريراً في بيته فقال : يا جرير إنّي قد رأيت رُؤياً ، فقال : هات ، قال : اكْتُب إلى صاحبك ليجعل لي الشام و مصر ، جباية ، فإذا أحضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي ، واُسلِّم له هذا الأمر واكْتُبُ إليه بالخلافة ، فقال جرير : اكتب بما أردت ، فكتب معاوية بذلك إلى علي ، فلمّا وصل كتاب جرير مع كتاب معاوية ، فكتب علي إلى جرير : أمّا بعد فإنّما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة ، وأن يختار من أمره ما أحبَّ (2) ، وأراد أنْ يريّثك حتى يذوق أهل الشام ،

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3/461.

2 ـ سيأتي التصريح بذلك في كتاب معاوية إلى الإمام قرب ليلة الهرير ، والامام تفطّن بذلك بنور الله الذي ينظر به المؤمن.

45

وأنّ المغيرة بن شعبة قد كان أشار عليّ أن استعمل معاوية على الشام وأنا بالمدينة ، فأبيت ذلك عليه ولم يكن الله يراني أتّخذ المضلّين عضداً ، فإن بايعك الرجل ، وإلاّ فاقبل (1) .

كتب معاوية إلى علي مرة اُخرى قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة يسأله اقراره على الشام ، وذلك انّ عليّاً قال : لاُناجزنَّهم مصبحاً ، و تناقل الناس كلمته ، ففزع أهلُ الشام لذلك ، فقال معاوية : قد رأيت أن اعاوِدَ عليّاً وأسأله اقراري على الشام ، فقد كنت كتبت إليه ذلك ، فلم يجب إليه ولاُكْتُبنّ ثانية ، فألقي في نفسه الشك و الرقّة ، فكتب إليه :

« أمّا بعد ... وقد كنت سألتك الشام على الاّ تلزمني لك بيعة و طاعة ، فأبيت ذلك عليّ فأعطاني الله مامنعت وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ... ».

فكتب في جوابه : « ... وأمّا طلبك إليّ الشام فإنّي لم أكن لاُعطيك اليوم مامنعتك أمس » (2) .

هذه الكتب وغيرهما من القرائن والشواهد ، تعرب عن أنّ الغاية الوحيدة لابن أبي سفيان ، هو الولاية على الشام وبقاؤه في الحكم ، مادام عليّ على قيد الحياة ، ثم السيطرة على جميع البلاد الاسلامية ، وأمّا طلب ثأر عثمان ، والقصاص من قتلته ، فكلّها كانت واجهة لما كان يضمره ويخفيه ، ولأجل ذلك نرى أنّه لمّا تمّ الأمر لصالحه ، تناسى قتلة عثمان وتناسى الأخذ بثأره ، وليس هذا ببعيد من الساسة الذين لا يتحلون بالمبدئية في سلوكهم ، ويرفعون عقيرتهم بشعارات خادعة من أجل تحقيق أطماعهم الشخصية.

____________

1 ـ نصربن مزاحم : وقعة صفين 52.

2 ـ ابن قتيبة : الإمامة و السياسة 1/109. ابن مزاحم : وقعة صفين 470.

46

وبذلك تقف على مؤامراته وخططه الشيطانية ، حيث كان شعاره منذ أن خالف : يالثارت عثمان.

وقد ردّ الإمام عليه في بعض كتبه إليه وفي بعضها مانصّه :

« قد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل الناس ، ثم حاكم القوم إليّ ، أحْمِلُك وإيّاهم على كتاب الله » (1) .

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّ الاُمنية الكبرى لمعاوية من تسعير نار الحرب ، هو البقاء على السلطة ، وتقلّد الخلافة العامة بعد علي ، ولم يكن له أيّ إربة في مايدعيه ، وينشره من أخذ الثأر وغيره ، فلزم عندئذ أن نتعرّف على خططه في تلك الحرب الطاحنة التي سعّرها بأنانّية.

مخططات معاوية :

كانت صحابة النبي الأكرم من أوّل يوم تُقلِّد الإمام علي الخلافة ، وراءه يؤّيدونه بألسنتهم وأيديهم ، إلانفر قليل لم يبايعوه وهم لايتجاوزن عدد الأصابع (2) ولم يكن لمعاوية ما كان لعلي من السبق في الإسلام ، والجهاد في سبيل الله ، والقرابة الوثيقة من النبي الأكرم ، فلم يكن له بدّ من التخطيطات الشيطانية حتى يقف سدّاً في وجه علي ، وإليك تخطيطاته :

1ـ الاتصال بعمرو بن العاص :

أنّ عمروبن العاص ، كان داهية العرب ، وقد اتّصل به معاوية وكان منحرفاً عن عثمان لأنّه عزله عن ولاية مصر ، وولاّها غيره ، فلمّا بلغ إليه خبر

____________

1 ـ الرضي : نهج البلاغة ، قسم الكتب برقم 64. المبرّد : الكامل 1/194.

2 ـ ابن الأثير : الكامل 3/98 وقد ذكر أسماءهم.

47

بيعة الناس لعلي ، كتب إلى معاوية يهزِّه ويشير إليه بالمطالبة بدم عثمان ، وكان فيما يكتب به إليه : « ما كت صانعاً إذا قُشِرْتَ من كل شيء تملكه؟ فاصنَع ما أنت صانع » فبعث إليه معاوية فسار إليه ، فقال له معاوية : بايعني ، قال : « لا والله لا اُعطيك من ديني (1) حتى أنال من دنياك ». فقال : « سل » ، قال : « مصر طعمة » ، فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتاباً ، فقال عمروبن العاص في ذلك :

معاوي لا اُعطيك ديني ولم أنلفإن تعطني مصراً فأربح بصفقة**به منك دنياً فانظرن كيف تصنعأخذت بها شيخاً يضرّ وينفع (2)

2 ـ قميص عثمان المخضَّب بالدم :

قدم النعمان بن بشير بكتاب زوجة عثمان وقميصه المخضَّب بالدم ، إلى معاوية فلمّا قرأ معاوية الكتاب صعد المنبر وجمع الناس ، ونشر عليهم القميص ، وذكر ماصنعوا بعثمان ، فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق ، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه ، فقام إليه أهل الشام ، فقالوا : هو ابنُ عمِّك وأنت وليّه ، ونحن الطالبون معك بدمه ... فبايعوه أميراً وبعث الرسل إلى كور الشام ، حتى بايعه الشاميون قاطبةً إلاّ من عصمه الله (3) .

3 ـ الاستنصار بالشخصيات المرموقة :

وجّه عليّ عند مغادرته البصرة إلى الكوفة كتاباً إلى معاوية يدعوه إلى

____________

1 ـ اظن انّ الرجل باع مالا يملك ولم يكن له أيّ دين في ذاك اليوم ، وقد نهى رسول الله عن بيع مالا يملكه الرجل. و قال : لاتبع ماليس عندك.

2 ـ المسعودي : مروج الذهب 3/98. الطبري : التاريخ 3/560.

3 ـ ابن الاثير : الكامل 3/141 ـ ذكر ابتداء وقعة صفّين.

48

بيعته ويذكر فيه اجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ، ونكث طلحة والزبير ، وماكان من حربه إيّاهما ويدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار من طاعته (1) .

ولمّا قرأ معاوية كتاب علي استشار عمروبن العاص ، فأشار إليه بقوله : « إنّ رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكنديّ ، وهو عدو لجرير المرسَل إليك ، فارسل إليه و وطّن له ثقاتك فليفشوا في الناس أنّ علياً قتل عثمان وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب ، وإن تعلّقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيء أبداً ».

فكتب معاوية إلى شرحبيل انّ جرير بن عبدالله قدِم علينا من عند عليّ بن أبي طالب بأمر فظيع ، فاقبل.

فلمّا قدم كتابُ معاوية على شرحبيل وهو بحمص ، استشار أهلَ اليمن (المتواجدين في حمص) فاختلفوا فيه ولكن عبدالرحمن بن غنم الأزدي أشار إليه بقوله : « إنّ الله لم يزل يزيدك خيراً مذ هاجرت إلى اليوم ، وانّه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من النّاس ، ( و لايُغيِّر الله ما بِقَوْم حتّى يُغَيّروا ما بِاَنْفُسِهِم ) ، إنّه قد اُلقِىَ إلينا قتل عثمان وانّ عليّاً قتل عثمان ، فإن يك قَتَله فقد بايعه المهاجرون والأنصار وهم الحُكّام على الناس ، وإن لم يكن قتله فعلام تصُدِّق معاوية عليه ، لا تُهْلِك نفسك وقومك ، فان كرهت أن يذهب بحظِّها جرير ، فسر إلى عليّ ، فبايعه على شامك وقومك ، فأبى شرحبيل إلاّ أن يسير إلى معاوية.

لم يكن عبدالرّحمن بن غنم الأزدي الرجل الوحيد الذي نصحه بل اجتمع هو مع جرير ، فقال له جرير أمّا قولك إنّ عليّاً قتل عثمان ، فوالله ما في

____________

1 ـ الطبري : التاريخ 3/560 ـ 561.

49

يديك من ذلك إلاّ القذف بالغيب من مكان بعيد ولكنّك مِلْتَ إلى الدنيا (1) .

كان مبعوث الإمام يحاول أن يرد شرحبيل عن دَعْم فكرة معاوية ، فكتب إليه أيضاً كتاباً ضمَّنه قصيدة ، فلمّا قرأه شرحبيل ذعر وفكَّر وقال : هذه نصيحة لي في ديني ودنياي ، والله لاأعجل في هذا الأمر بشيء.

فلمّا بلغ معاوية تردّد زاهد الشام وناسكه لفَّف له الرجال ، يدخلون إليه ويخرجون ويُعظِّمون عنده قتل عثمان ، ويرمون به عليّاً ويقيمون الشهادة الباطلة ، والكتب المختلقة ، حتى أعادوا رأيه وشحَّذُوا عزمه ، وصار معاوية يملك قلوب الشاميين بواسطة هذا الرجل المتخّبط ، ولمّا استنهضهم للقتال قاموا جملة واحدة.

4 ـ رسائل معاوية إلى الشخصيات :

قام معاوية بإرسال رسائل إلى شخصيات إسلامية كانوا محايدين ، فكتب إلى عبدالله بن عمر ، وسعد بن أبي وقّاص ، ومحمّد بن مسْلمة ، يدعوهم إلى الثورة على علي ، فكتب إلى ابن عمر بقوله : « لم يكن أحد من قريش أحبَّ إليّ أن يجتمع عليه الأُمّة بعد قتل عثمان منك ، ثم ذكرتُ خَذْلك إياه ، وطعنَك على أنصاره ، فتغيّرتُ لك ، وقد هوَّن ذلك عليَّ خلافُك على عليّ ، ومَحا عنك بعض ما كان مَنك ، فأعِنَّا يرحمك الله ـ على حق هذا الخليفة المظلوم ، فإنّي لست اُريد الإمارة عليك ، ولكنّي اُريدها لك ، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين.(2)

وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص : أمّا بعد فإنّ أحق الناس بنصرة عثمان ، أهل الشام والذين أثبتوا حقَّه واختاروه على غيره (3) وقد نصره طلحة والزبير ،

____________

1 ـ نصر بن مزاحم : وقعة صفّين 45 ـ 48.

2 ـ نفس المصدر : 80.

3 ـ يريد بذلك سعد بن أبي وقاص حيث نصر عثمان في الشورى المعقوده لتعيين الخليفة بعد قتل عمر ، بأمره.

50

وهما شريكاك في الأمر والشورى ، وناظراك في الاسلام ...

وكتب إلى محمّد بن مسلمة يتّهمه بخذلان عثمان ويقول « .... فهّلا نهيتَ أهلَ الصلاة عن قتل بعضهم بعضاً أوترى أنّ عثمان وأهل الدار ليسوا بمسلمين .... » (1) .

فهذه الاُمور تعرب عن تخطيطاته الخادعة التي حفظ التاريخ بعضها فكان يُعْمِي الأبصار والقلوب بأكاذيبه ورسائله ، فتارة يبايع الزبير وطلحة ، ولمّا فشل أمرهما ، صار يُقدِّم عبدالله بن عمر في أمر الخلافة لولا أنّه خذل عثمان ولم ينصره ، كل ذلك لعكر الصفو وإحداث الصدع.

إنّ ابن عمر ـ مع سذاجته ـ وقف على نوايا معاوية ، فكتب إليه بكلمة صادقة ، و قال : ما أنا كعلي في الإسلام ، والهجرة ، ومكانه من رسول الله.

ويجيب سعد بن أبي وقّاص رسالة معاوية بقوله : إن أهل الشورى ليس منهم أحقُّ بها من صاحبه غير أنّ عليّاً كان من السابقة ، ولم يكن فينا مافيه ، فشاركنا في محاسننا ، ولم نشاركه في محاسنه ، وكان أحقَّنا كلّنا بالخلافة.

ويجيب محمّد بن مسلمة ، كتاب معاوية ويفشي سرّه ويقول بعد كلام : « ولئن نصرتَ (يا معاوية) عثمان ميّتاً ، لقد خذَلْته حيّاً » (2) .

جهود علي ومساعيه لإخماد الفتنة :

بلغ عليّاً سعي معاوية لإثارة الفتنة بنشر الأكاذيب بين الشاميين وتعمية القلوب ، فعمد إلى إخمادها قبل اشتعالها وكان الإمام على بيّنة من ربّه ، وكيف لا وهو الإمام المنتخب ببيعة الأنصار والمهاجرين ، والخارج عليه ، خارج على

____________

1 ـ ابن قتيبة الدينوري : الإمامة والسياسة 1/92 ـ 93.

2 ـ ابن قتيبة الدينوري : الإمامة والسياسة 1/93 ـ 94.

51

الإمام المفترض الطاعة (1) فلمّا أراد المسير إلى الشام جمع من كان حوله من المهاجرين والأنصار فحمدالله وأثنى عليه ، وقال : أمّا بعدُ : فإنّكم ميامين الرأي ، ومراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل والأمر ، وقد أردنا المسير إلى عدوّنا وعدوّكم فأشيروا علينا برأيكم ، فقام هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ، وعمّار بن ياسر ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو أيوب الأنصاري يحثّون عليّاً (عليه السلام) على قطع جذور الفتنة.

فقال عمّار : يا أمير المؤمنين ، إن استطعت أن لا تُقيم يوماً واحداً فافعل. اشخص قبل استعار نار الفجرة ، واجتماع رأيهم على الصدود والفرقة ، وادْعهم إلى رشدهم ، فإن قبلوا سعدوا ، وإن أبوا إلاّ ضربَنا ، فوالله إنّ سفك دمائهم والجد في جهادهم لقربة عند الله وهو كرامة فيه.

وقال سهل بن حنيف : يا أمير المؤمنين ، نحن سلم لمن سالمتَ وحرب لمن حاربتَ ورأينا رأيك ونحن كف يمينك.

إلى كلمات محرّضة وجمل حاثّة إلى الكفاح واخماد النار قبل اشتعالها. فلمّا سمع الإمام هذه الكلم النابعة من صميم الإيمان والنصح للإسلام ، قام خطيباً على منبره فحمدالله وأثنى عليه ثم قال : سيروا الى أعداء الله ، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن ، سيروا إلى بقية الأحزاب ، قتلة المهاجرين والأنصار (2) .

يقول المسعودي : كان مسير علي (عليه السلام) من الكوفة إلى صفّين

____________

1 ـ أين الذين يقولون « ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح ، وأن لايخرجوا عليهم بالسيف وأن لايقاتلوا في الفتن » لا حظ مقالات الاسلاميين 323 ، للامام الأشعريّ.

2 ـ ابن مزاحم : وقعة صفّين 92 ـ 93.

52

لخمس خلون من شوال سنة ست وثلاثين ، واستخلف على الكوفة أبا مسعود ، عُقْبة بن عمرو الأنصاري ، فاجتاز في مسيره بالمدائن ، ثمّ أتى الأنبار حتى نزل الرقة فعقدله هنالك جسر فعبر إلى جانب الشام ، وقد اختلف في مقدار من كان معه من الجيش ، والمتّفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً.

وسار معاوية من الشام إلى جانب صفّين ، وقد اختلف من كان معه ، والمتّفق عليه من قول الجميع خمسة وثمانون ألفاً (1) .

خروج معاوية إلى صفّين :

خرج معاوية من الشام وقدم صفّين وغلب على الماء ، ووكّل أبا الأعور السلمي بالشريعة في أربعين ألفاً ، وبات علي وجيشه في البرّ عطاشى ، قد حيل بينهم وبين الورود ، فقال عمروبن العاص لمعاوية : إنّ عليّاً لا يموت عطشاً ومعه تسعون ألفاً من أهل العراق دعهم يشربون ونشرب ، فقال معاوية : لا والله أويموت عطشاً كما مات عثمان.

استعادة الشريعة من جيش معاوية :

دعا علي بالأشتر فبعثه في أربعة آلاف من الخيل والرجالة ، ثمّ سار عليّ وراء الأشتر بباقي الجيش ، فما ردّ وجهه أحد حتى هجم على عسكر معاوية ، فأزال أبا الأعور عن الشريعة ، وغرق منهم بشراً وخيلا. وتراجع جيش معاوية عن الموضع الذي كان فيه ، فقال معاوية لعمروبن العاص : أترانا ليمنعنا الماء كمنعنا إيّاه ، فقال له عمرو : لا ، لأنّ الرجل جاء لغير هذا ، فأرسل إليه معاوية يستأذنه في ورود مشرعته واستقائه الماء في طريقه ، ودخول رُسُله في عسكره ،

____________

1 ـ المسعودي : مروج الذهب 3/121.