بحوث في الفقه المعاصر - ج1

- الشيخ حسن الجواهري المزيد...
432 /
5

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.

وبعد : فقد اجتمعت لدي أبحاث فقهية كنتُ قد اشتركتُ فيها بدعوة من الأمين العام لمجلس مجمع الفقه الإسلامي بجدة ما بين 1412 هـ. ق ـ 1418 هـ. ق ( في جدة وبروناي وأبي ظبي ) ، كما قد كتبتُ ابحاثاً أخرى معاصرة للمشاركة في مجمع الفقه الإسلامي في الهند وفي الندوة الفقهية الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الدار البيضاء بالمملكة المغربية ، فكان من هذا وذاك وهذه ثروة فقهية أحببت أن يطّلع عليها الجيل المتعطش لمسائل الفقه المعاصر في الحوزات العلمية فكانت النتيجة هذين الجزئين من الابحاث الفقهية المعاصرة ، والمهم في الأمر الذي اُريد أن أنبّه عليه هو :

إنَّ أكثر هذه الأبحاث بما أنها جديدة العرض على الساحة الفقهية لم يتعرض لها أكثر فقهائنا العظام بالبحث الاستدلالي المعمّق ، ولهذا السبب اُنبّه على عدم سماحي للمؤمنين بالعمل بهذه النتائج التي انتهيت إليها في هذا الكتاب الاستدلالي لأنَّه لم يك كتاب فتوى ويجب عليهم الرجوع إلى مراجع الامة في العمل بفتاواهم ، وتبقى هذه الأبحاث الاستدلالية قابلة للمناقشة فقهياً من قبل علماء الإسلام.

كما أرجو من الإخوة العلماء الذين يجدون نقصاً في هذا الكتاب مراجعتي لإصلاحه ، فانَّ العصمة لأهلها ولا أنسى أن ارفع الثواب الذي ارتجيه من الله سبحانه وتعالى إلى سماحة والدي « آية الله الشيخ محمد تقي الجواهري » الذي اهتم وأكبّ على أن اسلك طريقته المثلى ، في طلب علوم أهل البيت ، فرج الله عنه وعن جميع المؤمنين ، والحمد لله أولا وآخراً ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

23/محرم الحرام/1419هـ. ق

المؤلف

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الائمة (عليهم السلام) ودورهم في حفظ السنة النبوية

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

1 ـ السنة النبوية

تمهيد :

بعد أن ثبت ان القرآن الكريم قد جُمع وكُتب على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما روى ذلك عدّة من المسلمين منهم : ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وابن حبّان والحاكم والبيهقي والضياء المقدسي عن ابن عباس ، وروى ذلك الطبراني وابن عساكر عن الشعبي ، كما رواه قتادة عن أنس بن مالك ، وأخرج ذلك النسائي بسند صحيح عن عبدالله بن عمر (1). وهناك عدّة أدلّة اُخرى ذُكرت لذلك تُورث القطع بأنَّ القرآن قد جمع في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحيث اُطلق عليه اسم الكتاب كما ورد ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين « ... إني تاركٌ فيكم الثقلين ; كتاب الله وعترتي ... ». والكتاب لا يطلق إلاّ على ما كان محفوظاً بين الدفتين ، ويكفيك التحدّي الذي كان في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) من قبل القرآن نفسه في الإتيان بمثله ، ولا يصح التّحدي إلاّ أن يكون القرآن مجموعاً متميّزاً في زمانه (صلى الله عليه وآله).

____________

(1) الروايات في كتاب البيان في تفسير القرآن للامام الخوئي : ص258 ومابعدها.

12

قال تعالى : ( قلْ لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (1).

أقول : بعد ان ثبت ان القرآن قد جمع في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يبق من الشريعة مما يستوجب الحفظ والاهتمام به إلاّ السنّة النبوية الشريفة ، لأن الاكتفاء بالقرآن لا يمكّننا من أن نستنبط حكماً واحداً بكل ماله من شرائط وموانع ، حيث ان أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم ، وانما هي واردة في بيان أصل التشريع كآية : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... ) (2) و آية : ( ... ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع اليه سبيلا ... ) (3) وآية : ( ... كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ... ) (4) وآية : ( واعلموا ان ما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...) (5) وآية : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ... ) (6) ; كل هذه الآيات الواردة في أهم أحكام الشرع من صلاة وصيام وحج وخمس وزكاة لا يمكن ان نستفيد منها حكماً محدوداً اذا تجرّدنا عن تحديدات السنّة لمفاهيمها واجزائها وشرائطها وموانعها.

لهذا نرى انه لا يمكن ان يفهم معنى للاسلام بدون السنّة الشريفة ، لذا كان لحفظها الأثر الكبير في حفظ الاسلام.

تحديد السنّة :

السنّة في اللغة : الطريقة المسلوكة أو الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة

____________

(1) الاسراء : 88.

(2) البقرة : 43.

(3) آل عمران : 97.

(4) البقرة : 183.

(5) الانفال : 41.

(6) التوبة : 60.

13

أم سيئة.

وفي اصطلاح الفقهاء : تطلق السنّة على ما يقابل البدعة. ويراد بها كل حكم يستند الى اصول الشريعة في مقابل البدعة ، فانها تطلق على ما خالف اُصول الشريعة. وقد تطلق السنّة على المستحب والنافلة في العبادات من باب اطلاق العام على الخاص ، كما تطلق على ما واظب على فعله النبي (صلى الله عليه وآله) مع عدم تركه بلا عذر.

وتُطلق السنّة عند الاصوليين :ـ بالاتفاق ـ على ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قول أو فعل أو تقرير غير ما اختصّ به (صلى الله عليه وآله). ويدور كلامنا في هذا المقال حول دور الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) في حفظ السنّة بمفهومها عند الاصوليين.

حجّية السنّة النبوية :

من نافلة القول التأكيد على حجيّة السنة النبوية والتماس دليل لها ، لأنها ضرورة دينية أجمع عليها المسلمون ونطق بها القرآن الكريم بقوله : ( ... أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... )(1) ( ... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... ) (2) ( وما ينطق عن الهوى. إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) (3) وقد تقدم القول منّا بانه لا يكاد يفهم معنى للاسلام بدون السنة النبوية. ثم ان العصمة الثابتة للنبي (صلى الله عليه وآله) تقتضي أن تكون أقواله وأفعاله وتقريراته من قبيل التشريع أو موافقة للشريعة.

اتجاهان مختلفان حول السنّة النبوية :

أقول : هناك اتجاهان متفاوتان بالنسبة الى السنّة النبوية حدثا في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته :

____________

(1) النساء : 59.

(2) الحشر : 7.

(3) النجم : 3 ـ 4.

14

الإتجاه الأول :ينحو لعدم الاهتمام بحفط وكتابة السنة النبوية وحتى يمنع من نشرها ، خشية ان تختلط مع القرآن الكريم وقد ادّى هذا الاتجاه الى صدور النهي عن كتابة الحديث (1)مثل ما حدّث به عبدالله بن عمر حيث قال : « كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) اُريد حفظه ، فنهتني قريش ، فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو بشر يتكلّم في الغضب والرضا ! فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك للرسول (صلى الله عليه وآله) فقال : اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منّي إلاّ حق » (2) ، كما نسبت في ذلك روايات الى الرسول (صلى الله عليه وآله) تنهى عن كتابة الحديث.

ومن الجدير بالذكر تنبّه الخط المانع ( وهو الخط الحاكم آنذاك ) بعد قرن من الزمان الى بطلان هذا الاتجاه ! فدعوا الى كتابة الحديث وعرفوا ان القرآن لا يمكن ان يختلط مع غيره الذي لا يكون معجزا ، ولم ينقص من الاهتمام بالقرآن نتيجة كتابة الحديث. قال السيد رشيد رضا : « ونحن نجزم باننا نسينا وأضعنا من حديث نبيّنا حظّاً عظيماً لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه » (3).

الإتجاه الثاني : وهناك اتجاه آخر حَفِظَ السنّة وكتبها ونشرها وتوارثها وأمر المسلمين بكتابتها. وهذا الاتجاه قام به الامام علي (عليه السلام) ومَنْ بعده من أئمة أهل البيت الذين صرّحوا بأنّ ما يقولونه هو عبارة عن السنّة النبوية التي كانت محفوظة عندهم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). وإليك نموذجاً من الأدلة على ذلك من

____________

(1) كتاب الغدير ، للعلاّمة الأميني : ج6 ، ص294 ـ 295 نقلاً عن تاريخ ابن كثير ج8 ، ص107 ، الروايات في كتاب تنوير الحوالك ، للسيوطي : ج1 ، ص4 و مستدرك الصحيحين ، للحاكم : ج1 ، ص102 ، وراجع تذكرة الحفّاظ : ج1 ، ص7.

(2) المدخل للفقه الاسلامي ، لمحمد سلام مذكور : ص184 ، نقلاً عن ابن عبدالبر في جامعه وابي داود في سننه ، والحاكم وغيرهم.

(3) تفسير القرآن ، للامام محمد عبده والسيد رشيد رضا : ج6 ، ص288.

15

الروايات التي تواترت في هذا الأمر المهم :

أوّلاً :ما ذكره في كتاب الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير قال : « قلت للامام الصادق (عليه السلام) : الحديث أسمعهُ منك أرويه عن أبيك ، أو أسمعهُ من أبيك أرويه عنك ؟ قال (عليه السلام) : سواء إلاّ انك ترويه عن أبي أحبُّ اليَّ » (1).

ثانياً :ما رواه في الكافي عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد عن عمر بن عبدالعزيز عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا : « سمعنا الامام الصادق (عليه السلام) يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أميرالمؤمنين ، وحديث أميرالمؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله عزّوجلّ » (2)

ثالثاً :ما رواه في المجالس عن الحسين بن أحمد بن ادريس عن أبيه عن محمد بن أحمد عن محمد بن علي عن عيسى بن عبدالله عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال : « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اللّهم ارحم خلفائي ، قيل : يا رسول الله ومَنْ خلفاؤك ؟ قال (صلى الله عليه وآله) : الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي ثم يعلّمونها » (3).

____________

(1) وسائل الشيعة : ج 18 ، باب 8 من أبواب صفات القاضي ، ح11 عن الكافي.

(2) المصدر السابق : ح26.

(3) وبما ان الائمة من أهل البيت هم خلفاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالنصّ الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهم المقصودون في هذا الحديث وهم رواة السنّة وهم الذين يعلّمونها الناس. المصدر نفسه : حديث5 ، وقد ورد الحديث عن الفقيه مرسلاً وعن المجالس مسنداً بالسند المتقدم ، وورد هذا الحديث بنفس المضمون في كتاب معاني الاخبار بسند آخر عن : صاحب معاني الاخبار عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن اليعقوبي عن عيسى بن عبدالله العلوي عن أبيه عن جدّه عن علي (عليه السلام). وله أسانيد اُخرى عن الامام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). 

16

رابعاً :روى محمد بن محمد بن النعمان ( الشيخ المفيد ) في المجالس عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن هارون بن مسلم عن ابن اسباط عن سيف بن عميرة عن عمروبن شمر عن جابر قال : « قلت للامام الباقر (عليه السلام) اذا حدثتني بحديث فاسنده لي : فقال (عليه السلام) : حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تبارك وتعالى ، وكلما اُحدثك بهذا الاسناد » (1)

خامساً :روى علي بن موسى بن جعفر بن طاووس في كتاب الاجازات ، قال : مما رويناه من كتاب الشيخ الحسن بن محبوب عن ابن سنان عن الامام الصادق (عليه السلام) ، قال : سمعته يقول : « ليس عليكم فيما سمعتم منّي أن ترووه عن أبي (عليه السلام) ، وليس عليكم جناح فيما سمعتم من أبي أن ترووه عني. ليس عليكم في هذا جناح » (2).

سادساً :روى علي بن موسى بن جعفر بن طاووس قال : ومما روينا من كتاب حفص بن البختري قال : « قلت للامام الصادق (عليه السلام) نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك؟ فقال (عليه السلام) : ما سمعتَهُ منّي فاروِهِ عن أبي ، وما سمعته منّي فاروه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) » (3).

سابعاً :وروى في الكافي عن محمد بن يحيى عن عبدالله بن محمد عليّ بن الحكم عن ابان بن عثمان عن عبدالله بن أبي يعفور قال : وحدّثني الحسين بن أبي

____________

(1) المصدر السابق : ح67 ، عن مجالس المفيد.

(2) المصدر السابق : ح85 عن كتاب الاجازات للسيد بن طاووس ( مخطوط ).

(3) المصدر السابق : ح86 ، عن كتاب الاجازات للسيد بن طاووس ( مخطوط ).

17

العلا انّه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس، قال : « سألت الامام الصادق (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه مَنْ نثق به ومنهم مَنْ لا نثق به ؟ قال (عليه السلام) : اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به ». وروى البرقي في المحاسن عن علي بن الحكم مثله(1). والظاهر انّ المراد من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصوص قوله ولو بالواسطة فلا يشمل قول غيره.

ثامناً :روى في عيون الاخبار عن أبيه ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد جميعاً عن سعد بن عبدالله عن محمد بن عبدالله المسمعي عن أحمد بن الحسن الميثمي انه سأل الامام الرضا (عليه السلام) يوماً وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الشيء الواحد ، فقال (عليه السلام) : « ... لأنّا لا نرخّص فيما لم يرخّص فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ لعلّة خوف ضرورة ، فأما ان نستحل ما حرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو نحرّم ما استحلّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلا يكون ذلك أبداً لأنّا تابعون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مسلِّمون له كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) تابعاً لأمر ربه مسلِّماً له. وقال الله عزوجل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2).

تاسعاً :روى محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار القمي ( المتوفى سنة 290 هـ.ق ) قال : حدّثنا احمد بن محمد عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة عن أبي المعزا عن سماعة عن أبي الحسن ( الامام الرضا (عليه السلام) ) ، قال : « قلت له : كل شيء تقول به في كتاب الله وسنته أو تقولون فيه برأيكم ؟ قال (عليه السلام) : بل

____________

(1) المصدر السابق : باب 9 من أبواب صفات القاضي ، ح11 ، فالامام الصادق (عليه السلام) الذي يقول : بأنّ الميزان هو الشاهد من كتاب الله وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فهو لم يرَ لقوله الذي ليس هو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أي ميزة.

(2) المصدر السابق : ح21 ، عن عيون الاخبار.

18

كل شيء نقوله في كتاب الله وسنّة نبيّه » (1).

عاشراً :روى محمد بن الحسن الصفار القمي قال : حدّثنا احمد بن محمد عن البرقي عن صفوان عن سعيد الاعرج قال : « قلت للامام الصادق (عليه السلام) ان من عندنا من يتفقّه ، يقولون : يرد علينا مالا نعرفه في كتاب الله ولا في السنّة نقول فيه برأينا. فقال الامام الصادق (عليه السلام) : كذبوا ، ليس شيء إلاّ جاء في الكتاب وجاءت فيه السنّة » (2)والظاهر أنَّ المراد بالنسبة هي سنّة النبي (صلى الله عليه وآله).

الحادي عشر : روى الصفار قال حدّثنا احمد بن الحسن بن علي فضّال عن أبيه عن أبي المعزا عن سماعة عن العبد الصالح ( الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) ) ، قال : « سألته فقلت ان اُناساً من أصحابنا قد لقَوْا أباك وجدّك وسمعوا منهما الحديث ، فربما كان الشيء يبتلي به بعض أصحابنا وليس عندهم في ذلك شيء يفتيه ، وعندهم مايشبهه ، يسعهم ان يأخذوا بالقياس؟ فقال (عليه السلام) : إنه ليس بشيء إلاّ وقد جاء في الكتاب والسنة » (3). والظاهر ان المراد بالسنّة هي سنّة النبي (صلى الله عليه وآله).

الثاني عشر :روى محمد بن الحسن الصفار قال : حدّثني السندي محمد بن صفوان بن يحيى عن محمد بن حكيم عن أبيالحسن ( موسى بن جعفر (عليه السلام) ) ، قال :« قلت له : تفقّهنا في الدين وروينا ، وربما ورد علينا رجل قد ابتلي بشيء صغير ، الذي ما عندنا فيه بعينه شيء ، وعندنا ما هو يشبه مثله ، أفنفتيه بما يشبهه؟ قال (عليه السلام) : لا ، وما لكم والقياس في ذلك ، هلك من هلك بالقياس. قال : قلت : جعلت فداك ، أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما يكتفون به؟

____________

(1) بصائر الدرجات : ج6 ، باب 15 ، ص301 ، ح1.

(2) المصدر السابق : ح2.

(3) المصدر السابق : ح3.

19

قال (عليه السلام) : اتى رسولالله (صلى الله عليه وآله) بما استغنوا به في عهده وبما يكتفون به من بعده الى يوم القيامة. قال : قلت : ضاع منه شيء؟ قال : لا ، هو عند أهله »(1).

الثالث عشر :روى في الكافي عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابنابيعمير عن بعض أصحابه قال : « سمعت الامام الصادق يقول : من خالف كتاب الله وسنّة محمد (صلى الله عليه وآله) ، فقد كفر » (2).

الرابع عشر: روى الشيخ الطوسي في أماليه وروى الصفار في بصائر الدرجات وروي في ينابيع المودة ـواللفظ للأولـ عن أحمد بن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) عن آبائه قال : « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي : اكتب ، املي عليك. قال : يا نبي الله أتخاف عليّ النسيان؟ قال (صلى الله عليه وآله) : لستُ أخاف عليك النسيان وقد دعوتُ الله لك ان يحفظك ولا ينسيك ، ولكن اكتب لشركائك. قال : قلتُ ومَنْ شركائي يا نبي الله؟ قال (صلى الله عليه وآله) : الأئمة من ولدك; بهم تُسقى اُمّتي الغيث ، وبهم يستجاب دعاؤهم ، وبهم يصرف الله عنهم البلاء ، وبهم تنزّل الرحمة من السماء. وأومأ الى الحسن (عليه السلام) وقال : هذا أولهم ، وأومأ الى الحسين (عليه السلام) وقال : الأئمة من ولده » (3).

إذن كَتَبَ علي لشركائه وهم الأئمة من ولده ، فما يقولونه عن رسولالله (صلى الله عليه وآله). وقد وردت روايات كثيرة في شأن الصحيفة التي أملاها رسولالله (صلى الله عليه وآله) على عليّ (عليه السلام) وقد خطها عليّ بيده وتوارثها الائمة (عليهم السلام) ، وهذه الروايات فيها تفصيل لما

____________

(1) بصائر الدرجات : ج6 ، باب 15 ، ح4 ، فاذا كان رسولالله (صلى الله عليه وآله) قد أتى بما يستغني به المسلمون الى يوم القيامة ، ولم يفقد منه شيء ، وهو عند أهله الذين لا يقيسون ، وهم الأئمة (عليهم السلام) ، اذن ما يقولونه هو عن رسولالله (صلى الله عليه وآله).

(2) وسائل الشيعة : ج18 ، باب 9 من صفات القاضي ، ح16 ، ولا يضرّ ارسال ابنابيعمير عن بعض اصحابه لشهادة الشيخ الطوسي بانه لا يُرسل الاّ عن ثقة.

(3) أمالي الشيخ الطوسي : ج2 ، ص56 ، ط النجف 1384 هـ

20

ذكر في إملاء رسولالله (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام) ، إذ فيها « كل حلال وحرام حتى أرش الخدش ».

منها : ما رواه الصفار قال : حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عن سليمان بن خالد قال : « سمعت الامام الصادق (عليه السلام) يقول : إنّ عندنا لصحيفة سبعين ( سبعون ) ذراعاً ، إملاء رسولالله (صلى الله عليه وآله) وخط عليّ (عليه السلام) بيده ، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى ارش الخدش » (1).

ومنها : قال النجاشي : أخبرنا محمد بن جعفر قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد عن محمد بن أحمد بن الحسن ، عن عبّاد بن ثابت عن أبي مريم عبدالغفّار بن القاسم عن عذافر الصيرفي قال : « كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر (عليه السلام) ( الامام الباقر ) فجعل يسأله ، وكان أبوجعفر له مكرِماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبوجعفر : يا بنيّ قم فأخرِج كتاب عليّ ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة ، فقال ابوجعفر : هذا خطّ عليّ (عليه السلام) وإملاء رسولالله (صلى الله عليه وآله) ، وأقبل على الحكم وقال : يا أبامحمد اذهب أنت وسلمة وابوالمقداد حيث شئتم يميناً وشمالاً ، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل (عليه السلام) »(2). وقد عبّر عن هذه الصحيفة في بعض الروايات بالجامعة ; فقد روى الصفار عن أبان بن عثمان عن علي بن الحسين ( زين العابدين ) (عليه السلام) عن الامام الحسين بن علي (عليه السلام) قال : « ان عبدالله بن الحسن يزعم انه ليس عنده من العلم إلاّ ما عند الناس ، فقال (عليه السلام) : صدق ـ والله ـ عبدالله ابن الحسن ، ما عنده من العلم إلاّ ما عند الناس ، ولكن عندنا ـ والله ـ

____________

(1) بصائر الدرجات ج3 : 142 ، باب 12 ، الاحاديث 24 حديثاً فراجع.

(2) رجال النجاشي : ص255 ، ترجمة محمد بن عذافر.

21

الجامعة فيها الحلال والحرام ... كيف يصنع عبدالله إذا جاء الناس من كل اُفق ويسألونه؟ » (1).

الخامس عشر : روي في كتاب الاختصاص عن حمزة بن يعلى عن احمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن الامام الباقر (عليه السلام) قال : « يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسولالله (صلى الله عليه وآله) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم » (2).

الخلاصة : ان كثيراً من الروايات المتقدمة مختلفة من ناحية السند في تمام الطبقات ، كما ان بعضها عن الامام الصادق وبعضها عن الامام الباقر وبعضها عن الامام الرضا وبعضها عن الامام الحسين (عليهم السلام) ، وبعضها عن رسولالله (صلى الله عليه وآله) ; فهي تورث القطع بمضمونها الذي يقول : « ان كل ما يقوله الائمة هو عن رسولالله (صلى الله عليه وآله) ; إما قد كُتِبَ عندهم بواسطة الكتب التي ورثوها عن آبائهم ، أو تعلّموه من آبائهم ورووه الى الناس لأجل ان تتضح معالم الشريعة المستفادة من القرآن الكريم وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ». واذا كان حديث كل إمام من الائمة الاثنيعشر ، هو عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسب الروايات المتقدمة فيجب التسليم لهذه الاحاديث والأخذ بها ، ولذا قال ( الامام ) أحمد وهو يعلّق على حديث الامام الرضا (عليه السلام) عن آبائه حين مرَّ بنيسابور : « لو قرأتُ هذا الاسناد على مجنون لبرىء من جنته ».

ومن هذا الذي تقدم نفهم ان خطّ أهلالبيت قد تحمل العبء الثقيل في نشر سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) وحفظها من الضياع في مقابل الخط الآخر ، الذي كان يرى في حفظ أو نشر السنّة النبوية اختلاط القرآن بغيره ، فصدرت النواهي عن كتابة الحديث النبوي أو نشره بين الاُمة.

____________

(1) بصائر الدرجات ج3 : ص147 ، باب 14 ، ح19.

(2) بحار الانوار : ج 26 : ص28.

22

لماذا لم يكن لروايات كتاب علي ( الجامعة ) ذكر في كتب أهل السنّة ؟

وقد يتساءَل المتسائل المنصف عن علّة عدم وجود أثر للروايات التي ترويها الشيعة ( وهي متواترة ) عن كتاب علي (عليه السلام) الذي كتبه بيده بإملاء رسولالله (صلى الله عليه وآله) والذي فيه كل حلال وحرام الى يوم القيامة ، بل وجد ما يخالف هذه الروايات وينفيها ويثبت كتاباً لعلي (عليه السلام) صغيراً موجوداً في ذؤابة سيفه قد املاه عليه رسولالله (صلى الله عليه وآله). وقد ذكر هذه الروايات النافية لكتاب علي ( الجامعة ) كل من البخاري ومسلم وذكرت ايضاً في مسند أحمد وفي سنن البيهقي وسنن النسائي. واليك خلاصتها كما في البخاري بحاشية السندي :

1 ـ قال البخاري : حدّثنا محمد بن سلام قال اخبرنا وكيع عن سفيان عن مطرف عن الشعبي عن أبي حجيفة ، قال : « قلت لعلي : هل عندكم كتابٌ؟ قال : لا ، إلاّ كتاب الله ، أو فهمٌ اُعطيَهُ رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال : قلت فما في هذه الصحيفة؟ قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلمٌ بكافر » (1).

2 ـ قال البخاري : حدّثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن علي ( رضي الله عنه ) قال : « ما كتبنا عن النبي (صلى الله عليه وآله) الاّ القرآن وما في هذه الصحيفة. قال النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة حرام ما بين عائر الى كذا ، فمن أحدث حدثاً أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف. وذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن والى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل » (2).

____________

(1) صحيح البخاري : ج1 ، ص31 ـ 32 ، باب كتابة العلم.

(2) المصدر السابق : ج2 ، ص205 ، باب إثم من عاهد ثم غدر.

23

3 ـ وروى البخاري : قال : حدّثنا صدقة بن الفضل أخبرنا ابن عيينة حدّثنا مطرف قال سمعت الشعبي قال سمعت أبا جحيفة قال : « سألت عليّاً ( رضي الله عنه ) : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ ( وقال مرة ماليس عند الناس؟ ). قال : والذي فلق الحبّ وبرأ النسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن الا فهماً يُعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت : وما في الصحيفة؟ قال : العقل وفكاك الأسير وان لا يقتل مسلم بكافر » (1).

4 ـ وروى البخاري : قال : حدّثنا عمر بن حفص بن غياث حدّثنا أبي حدّثنا الأعمش حدثني ابراهيم التيمي حدّثني أبي قال : « خطبنا علي ( رضي الله عنه ) على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلّقة ، فقال : والله ما عندنا من كتاب يُقرأ إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها ، فاذا فيها اسنان الابل ، واذا فيها : المدينة حرم من عير الى كذا فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. واذا فيها : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. واذا فيها : مَنْ والى قوماً بغير اذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً » (2).

5 ـ وفي مسند أحمد : ـ الذي بهامشه منتخب كنز العمال ـ يقول : حدّثنا عبدالله حدّثني ابي حدّثنا هاشم بن القاسم حدّثنا شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب قال : شهدت عليّاً يقول : « ... والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة ... » (3). وفي حدود تتبعي في كتاب البخاري ومسند أحمد وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وسنن البيهقي ، فقد رأيت كل الروايات ترجع الى ثلاثة أسناد :

____________

(1) المصدر السابق : ج4 ، ص192 و 194 ، باب العاقلة.

(2) المصدر السابق : ص260.

(3) مسند أحمد : ج1 : ص100.

24

السند الأول : الذي يكون عن مطرف عن الشعبي عن ابيجحيفة.

السند الثاني : الأعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه.

السند الثالث : عن شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب.

ولكن السند الاول والثاني فيهما سفيان فهما رواية واحدة لها اسناد متعددة فلا تخرج عن الخبر الواحد. ورواية الامام احمد هي رواية ثانية لأنَّ سندها يختلف عمّا سبقها ، وفي هاتين الروايتين من لم يوثَّق أو مجهول فلا تصلح لأن تكون حجّة; فأبو جحيفة وهو وهب بن عبدالله السوالي لم يوثّق في الكتب التي رجعت اليها وكذا الشعبي الذي هو عامر بن شرحبيل رغم عدِّه من الفقهاء ، واما ابراهيم التيمي فهو لم يذكر في كتب الرجال التي رجعت اليها ، وكذا لم يوثق كل من شريك وطارق بن شهاب ، ولم أجد لمخارق ذكراً في الكتب التي رجعت اليها ايضاً. ومع هذا فقد يدور في الذهن عدم صحة الروايات المتقدمة في وجود كتاب لعلّي فيه كل حلال وحرام الى يوم القيامة حتى ارش الخدش.

والجواب :

1 ـ بعد الاغماض عن سند الروايتين المتقدمتين اللتين فيهما من لم يوثَّق والمجهول ، فان لسانهما وأمثالهما من الروايات التي فيها يمين مغلظة على النفي يدلّ على انّ هناك حديثاً حول كتاب خُصّ به علي ( فيه أحكام الدين وقواعده ) دون بقية المسلمين وكان مشهوراً ، الأمر الذي دعا بعض المسلمين الى السؤال عن هذا الكتاب ( الجامعة ) فنفى هذه الروايات باليمين المغلّظة.

انظر الى اليمين : « والله ما عندنا من كتاب يُقرأ إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة ... » « والذي فلق الحبّ وبرأ النسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن ... وما في الصحيفة ... » وفي رواية : « من زعم ان عندنا شيء نقرؤه إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب » ،

25

وانظر الى السؤال عن أبيجحيفة « هل عندكم كتابٌ؟ قال : لا » فهو يدلّ على وجود حديث حول كتاب قد خُصّ به علي (عليه السلام). وحينئذ يتوجه السؤال لمن روَوْا هذه الروايات فقط فيقال لهم : ما هي تلك الروايات التي اشتهرت أو دار الحديث حولها؟ لماذا لم تذكروا تلك الروايات التياشتهرت أو دار الحديث حولها؟ لماذا لم تذكروا تلك الروايات التي يُدّعى انّعليّاً (عليه السلام) قد كذبها في هذه الروايات كما يدّعي شرّاح الروايات من أبناء السُّنة

2 ـ ثم لو تنزلنا عمّا تقدم ، يكون أمامَنا طائفتان من الروايات :

الأولى : تزعم انّ هناك كتاباً خُصّ به علي والائمة من ولده دون بقية الناس ( وهي متواترة كما تقدم ).

الثانية : تزعم نفي ذلك. فما علينا إلاّ أن نقول : إن الروايات المتواترة توجب علماً بالصدور عن النبي (صلى الله عليه وآله) بخلاف الروايات غير المتواترة فانها لا توجب علماً بالصدور وحينئذ يتعيّن الأخذ بالعلم وترك غير العلم عند التعارض.

اما عدم ذكر الروايات المتواترة في كتب بعض المسلمين ( أهلالسنّة ) فهو لا يدل على عدم صدورها ولا يقلل من العلم الحاصل من التواتر.

3 ـ واما سرّ ترك كتب السنّة للروايات المتواترة ( التي تصرّح بوجود كتاب خصّ النبي (صلى الله عليه وآله) به عليّاً دون بقية الناس فيه كل حلال وحرام الى يوم القيامة ) فهو الجوّ الحاكم في ذلك الوقت الذي كان ضدّ أهلالبيت وضدّ عليّ بحيث جعل سبّ عليّ سُنّة تعبّد بها الناس والتزم بها الخطباء وأهل المنابر أكثر من أربعين سنة ، فكُتمت فضائل أهلالبيت وعليّ ووضعت فضائل لغيرهم ممن تسلّم الحكم من قبل مَنْ يهوى الاُمويين والعباسيين. وهذا الجوّ الذي ساد في ذلك الزمان أوجب ان توضع روايات لتغيير ما كان مسموعاً ومألوفاً في حق أهلالبيت (عليهم السلام) وتبعدهم عن الساحة السياسية ، كما حدث في زمان معاوية ، خصوصاً اذا علمنا ان مرحلة تدوين الحديث حصلت في تلك الاجواء المعادية لعليّ (عليه السلام) وأهل بيته.

26

وبهذا يتضح سرّ عدم ذكر الروايات ( القائلة بأنَّ كتاباً أملاه رسولالله (صلى الله عليه وآله) وخطّه علي بيمينه بتفاصيلها المتقدمة ) في كتب أهل السّنة ووجدت متواترة في كتب الشيعة الامامية. والظاهر ان هذه الروايات كرواية عكرمة ومقاتل ( في شأن نزول آية التطهير ) حيث كان عكرمة ينادي في السوق (1) و يقول : « من شاء باهلته انّها نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة » أو يقول : « ليس بالذي تذهبون اليه ، إنّما هو نِساء النبي (صلى الله عليه وآله) » (2).

على ان هذه الروايات التي تذكر كتاب علي ( الجامعة ) لو لم تتم فرضاً فيكفينا الروايات الاُخرى الكثيرة والمتواترة ايضاً القائلة بأنَّ الائمة (عليهم السلام) يروون سنّة رسولالله (صلى الله عليه وآله) عن آبائهم عن رسولالله (صلى الله عليه وآله).

2 ـ الأئمة (عليهم السلام) وتشريع الأحكام

وبعد ان اتّضح خط أهلالبيت في حفظ السنّة النبوية ونشرها يبقى علينا ان نبحث الروايات الواردة في كون الائمة مشرّعين لنرى مدى انسجامها مع الروايات المتقدمة أو عدم انسجامها ، ولكن قبل ذلك لابدّ من بيان :

1 ـ معنى تشريع الحكم.

2 ـ تفويض الامر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

3 ـ روايات التفويض الى الأئمة (عليهم السلام).

____________

(1) الواحدي ، اسباب النزول : ص268.

(2) الدرّ المنثور : ج5 ، ص198. وعكرمة : خارجي معاد لعليّ ، ومقاتل : خارجي معاد لعليّ. راجع ترجمتهما في ميزان الذهبي ، وكان مقاتل يقول لأبيجعفر المنصور : « انظر ما يمكن ان اُحدثه فيك حتى احدثه ... ».

27

1 ـ معنى تشريع الحكم :

ان الاحكام الشرعية يمكن تقسيمها الى قسمين :

أ ـ الاحكام الواقعية.

ب ـ الاحكام الحكومتية.

اما الاحكام الواقعية : فهي الاحكام التي شرّعها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه العظيم وجاء فيها الأثر القائل : « حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمّد حرام الى يوم القيامة ».

وهذه الاحكام الواقعية تنقسم الى قسمين :

أولاً : الاحكام الواقعية الأولية.

ثانياً : الاحكام الواقعية الثانوية.

اما الاحكام الواقعية الأولية : فيراد بها الاحكام المجعولة للشيء أولاً وبالذات ، أي بلا لحاظ ما يطرأ عليها من عوارض اُخر مثل وجوب الصلاة والصوم وإباحة شرب الماء وإباحة النوم في النهار وحلّية بيع الطعام وحرمة شرب الخمر بالعناوين الأولية ، وما الى ذلك من أحكام واقعية تكليفية أو وضعية.

واما الاحكام الواقعية الثانوية : فيراد بها ما يجعل للشيء من الاحكام بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصة تقتضي تغيير الحكم الأولي; فالصوم اذا كان مضرّاً بالمكلف ينقلب حكمه الى الحرمة أو عدم الوجوب ، وشرب الماء اذا كان لإنقاذ الحياة يكون واجباً ، والنوم في النهار اذا كان فيه خيانة للجيش الاسلامي يكون محرّماً ، وشرب الخمر اذا كان لإنقاذ النفس من الموت يكون واجباً ، وهكذا أكثر الاحكام الأولية اذا طرأت عليها عناوين ثانوية تبدّل واقعها وحكمها الأولي الى حكم ثانوي. وهذه الاحكام هي أحكام شرعية واردة على موضوعاتها الأولية والثانوية ، لا تتغيّر ولا تتبدّل الى يوم القيامة. فاذا ثبت ان هناك تشريعاً من النبي (صلى الله عليه وآله) ( كما هو ثابت ) فهو في هذه الاحكام ، وكذا ما يقال عن

28

تشريع الامام المعصوم.

أما الاحكام الحكومتية : فهي الاحكام التي ترك الاسلام مهمة ملئها الى ولي الأمر الذي يكون على رأس السلطة في الدولة الاسلامية ، سواء كان ولي الأمر هو النبي (صلى الله عليه وآله) أو الامام المعصوم أو الفقيه الذي تصدّى لإقامة دولة اسلامية ونجح في ذلك ، وحينئذ يقوم ولي الأمر بتنظيم أحكام تسمى بالأحكام الحكومتية ( تمييزاً لها عن الاحكام الشرعية الواقعية ) حسب المصلحة التي تتطلبها الدولة أو المجتمع الاسلامي في كل زمان. وهذه الاحكام :

1 ـ ليست لها صفة الثبوت الى الأبد ، بل هي أحكام متحرّكة مؤقتة يمكن تبديلها أو إلغاؤها حسب المصلحة التي يراها ولي الأمر ، لأنها ليست أحكاماً صدرت من ولي الأمر بما انّه مبلِّغ للاحكام العامة الثابتة ، بل صدرت من ولي الأمر بما انّه حاكم وولي على المسلمين.

2 ـ كما ان هذه الاحكام لا توجد إلاّ على أساس وجود جهاز حاكم يتولى شؤون الدولة الاسلامية ، فيمنح هذه الصلاحية في ايجاد أحكام حكومتية بما تفرضه المصالح والأهداف الاسلامية حسب الظروف التي تعيشها الدولة الاسلامية.

3 ـ وهذه الاحكام تغطي حاجة تطور علاقات الانسان بالطبيعة أو الثروة عبر الزمن والتي قد تكون مهدِّدة للعدالة الاجتماعية ان لم تكن هناك احكام متحركة يفرضها ولي الأمر; فمثلاً هناك الحكم القائل : « بأنّ من سبق الى معدن فهو أحق به » قد صدر في زمان كان النصّ فيه حكماً عادلاً ، لأن من الظلم ان يساوي بين السابق الى المعدن وغير السابق ، إلاّ أنّ قدرات الانسان السابقة في الاستفادة من المعدن كانت محدودة ، اما في زمان تكون فيه القدرات كبيرة بحيث يمكن لقلّة حرمان الآخرين من الاستفادة من المعادن الكثيرة باستخدام الآلات التقنية المتطورة للسيطرة على المعادن فقد يؤدي الأمرُ الى تزعزع العدالة الاجتماعية في

29

الدولة الاسلامية. لهذا جعل الاسلام لوليالأمر صلاحية أن يُشرِّع في منطقة الفراغ ـالتي سنحددها ـ أحكاماً حكومتية مؤقتة تمنع في العصر المتطور من تطبيق : « من سبق الى معدن فهو أحق به ». وهكذا نقول في ما شرّعه الاسلام من حرمة احتكار اُمور معينة في صدر الاسلام ( من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والملح ) ، اما في زماننا هذا فيمكن لجماعة قد اُتيحت لها قدرة مالية معينة ان تحتكر سلعة معينة كالحديد أو الاسمنت بحيث يرتفع سعرها بما يخيّل بموازين العدالة الاجتماعية ، فيتمكن ولي الأمر أن يتدخل هنا ويمنع من احتكار الحديد أو الاسمنت ويعاقب عليه ، حتى تتمكن الدولة من تنظيم اُمور المسلمين. قال تعالى : ( يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ... )(1)

حدود منطقة الفراغ :

اما حدود هذه المنطقة التي يملؤها الحاكم الشرعي ورئيس الدولة فهو الفعل المباح تشريعياً بطبيعته ، فيحق لولي الأمر اعطاؤه حكماً بالوجوب أو الحرمة ، وهذا الوجوب أو الحرمة لا يتصف بالبقاء الى يوم القيامة ، بل هو تابع للمصلحة التي يراها ولي الأمر للمجتمع ، فقد يُغيَّر بعد مدّة من الوقت أو يُرفَع حسب ما يراه الحاكم من المصلحة.

المشرِّع هو الله سبحانه وتعالى :

إن المشرِّع الأول هو الله سبحانه وتعالى ، ويكون دور النبي (صلى الله عليه وآله) تبليغ ما شرّعه الله ووصل اليه عن طريق الوحي الى الناس. وهذا ممّا اتفق عليه المسلمون ، وقد ذكرت ذلك الآية القرآنية القائلة : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) (2) ، والنطق في الآية مطلق ورد عليه النفي ، ومقتضاه نفي الهوى عن مطلق

____________

(1) النساء : 59.

(2) النجم : 3 ـ 4.

30

نطقه (صلى الله عليه وآله) ولكن بقرينة خطابه للمشركين وهم يرمونه ـ في تشريعاته والقرآن الذي يقرؤه على العباد على انه من الله ـ بانه كاذب متقوّل مفتر على الله سبحانه ... الخ ، كان المراد بقرينة المقام انه (صلى الله عليه وآله) ما ينطق عن الهوى فيما يقول من أمر الشريعة ( القرآن والاحكام ) بل هو وحيٌّ يوحى اليه من الله سبحانه.

2 ـ تفويض الأمر الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

هناك روايات فوّضت الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الخلق ليسوس الناس والاُمة بالعدل والحق ويحكم فيهم بما أراد الله سبحانه ، قال تعالى : ( أطيعوا الله واطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ... ) ، وفوّض الله سبحانه الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الدين في ناحية خاصة وفي منطقة فراغ معينة ليململأها بنفسه فملأها (صلى الله عليه وآله) وأقرّه الله سبحانه وتعالى على ذلك ، وقال تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ; فمثلاً ورد انّ النبي (صلى الله عليه وآله) سأل ربّه في ان يخفف جَعْلَ عدد الصلاة على امته ، فجعلها خمس صلوات ثم فوّض اليه أن يزيد عليها ، فزاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأقره الله عليها. وكما ورد في حرمة الخمر : ( ... انّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان ... ) (1) وفوّض الى النبي (صلى الله عليه وآله) أن يزيد فحرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل مسكر وأقرّه الله تعالى عليه : وهذا التفويض من قبل الله سبحانه وتعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله) هو في دائرة خاصة فملأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه ; فما دلّ عليه الدليل بان الله سبحانه قد فوّض الأمر فيه الى النبي (صلى الله عليه وآله) وأقرّه على تشريعه يثبت فيه حق النبي في تشريع بعض الاحكام التي ترجع فى النهاية الى مشرِّعية الله تعالى بعد اقراره عليه.

واليك بعض الروايات الدالة على ذلك :

1 ـ صحيحة الفضيل بن يسار ، فقد روى الكليني عن علي بن ابراهيم عن

____________

(1) المائدة : 90.

31

أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اُذينة عن الفضيل بن يسار قال : « سمعتُ الامام الصادق (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر (1) : انّ الله عزّوجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه ، فلما أكمل له الأدب قال : إنّك لعلى خلق عظيم ، ثم فوّض اليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده فقال عزّوجلّ : وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان مسدداً وموفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلُّ ولا يخطىء في شيء مما يسوس به الخلق ، فتأدب بآداب الله ، ثم انّ الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين ، عشر ركعات ، فأضاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الركعتين ركعتين والى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزوجلّ له ذلك كلّه ، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة. ثم سنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مِثْلَي الفريضة ، فأجاز الله عزّوجلّ له ذلك. والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدُّ بركعة مكان الوتر. وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان ، وسنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) صوم شعبان وثلاثة أيّام في كل شهر مِثْلَي الفريضة ، فأجاز الله له ذلك. وحرّم الله عزّوجلّ الخمر بعينها وحرّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسكر من كل شراب ، فأجاز الله له ذلك كلّه. وعاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة ، ثم رخصّ فيها فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ، ولم يرخّص لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم ; فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه

____________

(1) قيس الماصر : « من المتكلمين ، تَعلّمه من علي بن الحسين ( زين العابدين ) ، وصحب الصادق (عليه السلام) وهو من اصحاب مجلس الشامي » عن جامع الرواة ترجمة قيس بن الماصر.

32

نهي حرام لم يرخّص فيه لأحد ، ولم يرخّص رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمّهما الى ما فرض الله عزّوجلّ ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً ، لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلاّ للمسافر ، وليس لأحد أن يرخّص [ شيئا ] مالم يرخّصه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ! فوافق أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الله عزّوجلّ ونهيه نهي الله عزّوجلّ ووجب على العباد التسليم له كالتسلم لله تبارك وتعالى » (1).

2 ـ عن زرارة عن الامام الباقر (عليه السلام) قال : « وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ديّة العين وديّة النفس ، وحرّم النبيذ وكل مسكر ، فقال له رجل : وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غير ان يكون جاء فيه شيء ؟ قال (عليه السلام) نعم ليعلم من يطع الرسول ممن يعصيه » (2). وهناك روايات اُخرى تؤدي نفس المضمون المتقدم في نفس المصدر المذكور. اذن تلخص لنا ان النبي (صلى الله عليه وآله) :

1 ـ مبلِّغ عن الله سبحانه ما شرَّعه الله للناس عن طريق الوحي.

2 ـ حاكم على الناس.

3 ـ مشرِّع لأحكام خاصة ( وهي التي فوّض الله فيها أمر التشريع الى النبي (صلى الله عليه وآله) في دائرة خاصة وملأها النبي (صلى الله عليه وآله) بنفسه وأقرّه الله عليها ).

3 ـ روايات التفويض الى الائمة (عليهم السلام) :

وهناك روايات تقول : ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد أعطى ما فوّضه الله اليه الى الائمة (عليهم السلام) أو إلى علي (عليه السلام) ، وهي عبارة عن خمس روايات أربع منها غير حجّة (3) وواحدة لها

____________

(1) اصول الكافي : ج1 ، كتاب الحجة ، باب التفويض الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والى الائمة ، ح4.

(2) المصدر السابق : ح7.

(3) لأنّها بين مرسل أو مسند في بعض رجال سنده ضعف أو جهالة. راجع الروايات في اصول الكافي : ج1 ، ص265 ، كتاب الحجة ، باب التفويض الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والى الائمة ، تجد الرواية الاولى هي المعتبرة بسندها الثاني ، واما الرواية الثانية فضعيفة بابن أشيم ، والرواية الثامنة فيها محمد بن سنان فهي ضعيفة ، والرواية التاسعة فيها الحسن بن زياد ومحمد بن الحسن الميثمي وهما لم يوثقا ، والرواية العاشرة مرسلة.

33

سند معتبر عن الامام الباقر (عليه السلام) : وهي : روى الشيخ الكليني في الكافي عن عدّة من اصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن أبي اسحاق قال : « سمعت الامام الباقر (عليه السلام) يقول : ان الله عزّوجلّ أدّب نبيّه على محبته ، فقال : ( وانك لعلى خلق عظيم ) ثم فوّض اليه فقال عزّوجلّ : وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال عزّوجلّ : مَنْ يطع الرسول فقد أطاع الله. قال : ثم قال : وإن نبي الله فوّض الى عليّ وائتمنه ، فسلّمتم وحجد الناس ، فوالله لنحبّكم ان تقولوا اذا قلنا ، وان تصمتوا اذا صمتنا ، ونحن فيما بينكم وبين الله عزّوجلّ ، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا » (1) وهذه الرواية ظاهرة في إعطاء الولاية والحكومة الى الأئمة ، حيث يقول الى بعض اصحابه : « فسلّمتم وجحد الناس ». ونحن نعلم ان الذي جحده الناس هو الحكومة والولاية. اما رواية الائمة عن النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يجحدها الناس. ثم لو تنزلنا وقلنا ان هذه الرواية مطلقة شاملة لإعطاء الولاية وحق التشريع ، فلابدّ من تخصيصها :

1 ـ بطائفة الروايات المتقدمة القائلة على لسان الائمة (عليهم السلام) « كل ما اُحدّثك هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ».

2 ـ والروايات القائلة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أملى على عليّ وكتب لشركائه كل شيء من حلال وحرام حتى ارش الخدش ; ومعنى ذلك ان كل أحكام الاسلام قد أملاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ وشركائه ، فلا حاجة الى تشريع من قبل الائمة (عليهم السلام). وقد ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : « ما من شيء يقربكم الى الجنة ويبعدكم من

____________

(1) المصدر السابق : ح1.

34

النار إلاّ أمرتكم به ».

3 ـ والآية القرآنية التي نزلت في حجّة الوداع. ( ... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ... ) (1) ، فقد تم الدين في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) فلا حاجة الى مشرِّع بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وحينئذ يكون معنى روايات التفويض الى الائمة (عليهم السلام) ناظرة الى الحكومة وتبليغ الاحكام وحفظها. ومما يؤيد هذا هو استبعاد أن يكون امرٌ عظيم الأهمية ( كحق التشريع للائمة عليهم السلام ) ) في حياة المسلمين وفي مسيرتهم قد دلّ عليه خبر واحد ، بل لابدّ ان يكون مبيّناً بالدليل الواضح ( كالدليل على حاكميتهم في الخلافة العامة مثلاً ) الواصل بحيث لا يكون فيه غموض ولا إبهام فيكون مَنْ خالف قد خالف عن بيّنة. بقي علينا ان نجيب عن سؤال قد يوجّه الينا وهو : لماذا فوّض النبي (صلى الله عليه وآله) أمر الحكم والتبليغ الى الائمة (عليهم السلام) دون غيرهم ؟

الجواب : ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه ، فيما يرجع إلى اُمور الشريعة بالانفاق لأنه ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ) ، ومع هذا نتمكن ان نجيب على ذلك من باب حكمة هذا التفويض الى الائمة دون غيرهم ، إذ نقول : يمكن ان تكون الحكمة هي عصمة (2) هؤلاء الأئمة دون غيرهم ; فهم الأجدر بتحمّل مسؤولية التبليغ لأحكام الله وحفظها من الضياع ، وهم الأجدر بحكومة الناس ـ من حيث عصمتهم من الوقوع في الخطأ أو الاشتباه أو النسيان ـ في تطبيق أحكام الله تعالى. وقد أثبت لنا التاريخ انهم الأجدر في حفظ سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث مُنع من كتابة وحفظ الحديث في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد وفاته كما تقدم ذلك ، فان قريش ( ومَنْ تسلّم الحكم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ) قد منعوا من كتابة الحديث بحجّة

____________

(1) المائدة : 3.

(2) الأدلة على عصمة الائمة (عليهم السلام) من القرآن والسنة كثيرة منها :

آية التطهير : ( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ).

35

خشية اختلاطه مع القرآن الكريم ! ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والائمة من بعده هم الذين حفظوا حديث رسول الله وكتبوه وتوارثوه ونشروه كمادلّت على ذلك الروايات المتقدمة.

خطأ فظيع :

قد ينسب بعضٌ الى الامامية القول : انهم يقولون بأن الائمة (عليهم السلام) مشرّعون.

أقول : وهذا من الخطأ بمكان ، لأن مسألة ما يوهم تشريع الائمة للاحكام الشرعية قد ورد فيها ( كما تقدم ) اخبار آحاد لم يسلم من عدم الحجّية إلا رواية واحدة كانت ظاهرة في تفويض أمر الخلق الى الأئمة ليسوسوا الناس بالحق ، ومع التنزل وافتراض اطلاقها لتفويض أمر الدين والخلق ، فبناء على حجية خبر الواحد الثقة ( وهو الصحيح ) تمكنّا ان نجمع بين هذه الرواية وبين الروايات المتقدمة التي أوجبت القطع بكون الائمة (عليهم السلام) رواة وحفظة للسُّنة النبوية ، فكانت النتيجة هي : ان الائمة قد فوّض اليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحكم على الامة والتبليغ لأحكام الشريعة التي تمَّت زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا رأي نلتزم به والتزمناه وكتبناه في كتابنا الحلال والحرام في الاسلام.

وهناك من علماء الامامية من ذهب الى عدم حجيّة خبر الواحد منهم :

1 ـ نُسب الى السيد المرتضى وأتباعه بان الخبر الواحد اذا كان متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعية فهو حجّة ويجوز العمل به وإلا فلا.

2 ـ نُسب الى المحقق الحلّي بان الخبرالواحد إن عمل به المشهور فهو حجّة وان كان ضعيف السند ، وان لم يعمل به المشهور فليس بحجة وان كان صحيح السند.

3 ـ نُسب الى صاحب المدارك وغيره بان الخبر الواحد إن كان رجال سنده عدولاً اُخذ به وإلا فلا وان كان رجال سنده من الثقات. وحينئذ : فعلى هذه المسالك الثلاثة لا يكون الخبر الواحد بما انه خبر واحد حجّة. إذن لا يمكن ولا يصح ان ينسب الى الطائفة الامامية اعتقادها بتشريع الائمة للاحكام الشرعية

36

الواقعية ( الأولية والثانوية ) وانه أمرٌ مجمع عليه ، فان هذا من الخطأ الفظيع ، اضافة الى أنّ خبر الواحد في المسائل العقائدية ليس حجة بالاتفاق فتنبه.

الفرق بين الائمة (عليهم السلام) وغيرهم كأئمة المذاهب والرواة :

ذكرنا فرقاً بين الائمة من أهل البيت وغيرهم أدى توجيه اعطاء ولاية الحكم والتبليغ الى الائمة دون غيرهم بعد زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله). اما هنا فنريد بيان فرق آخر بعد التسليم بإعطاء ولاية التبليغ اليهم دون غيرهم ; إذ ليس المراد باعطاء ولاية التبليغ لهم دون غيرهم هو حرمة ان يكون المكلف مبلغاً لاحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن طريق نشرها بين الناس ، فان هذا أمر لا يمكن ان يلتزم به أحد ، بل المراد هو اعطاء الولاية في التبليغ لهم ( مع ضم عصمتهم التي أوجبت أو سوغت ذلك ) هو الاطمئنان بعدم امكان تطرق الريب إليهم في الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله). ولذا قال الامام أحمد وهو يعلّق على حديث الامام الرضا (عليه السلام) المعروف بـ « سلسلة الذهب » عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين مرّ بنيسابور : « لو قرأتُ هذا الاسناد على مجنون لبرىء من جنته » (1). وحينئذ يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد تلقى الوحي من السماء ، بينما يتلقّى الأئمة (عليهم السلام) ما يوحى به الى النبي (صلى الله عليه وآله) عن طريقه (صلى الله عليه وآله) ، وهم منفردون بمعرفة جميع الاحكام ( كما تقدمت الروايات الدالة على ذلك ). ولذا

____________

(1) الاصول العامة للفقه المقارن : ص181 نقلاً عن الصواعق المحرقة : ص203. وسند الحديث وأصل الحديث هو : حينما وصل الامام الرضا (عليه السلام) الى نيسابور وقد خرج اليه العلماء يستقبلونه ، فلما صاروا الى المربعة تعلقوا بلجام بغلته الشهباء وقالوا : يا ابن رسول الله حدّثنا بحقّ آبائك الطاهرين حديثاً عن آبائك (صلوات الله عليهم أجمعين) ، فأخرج رأسه من الهودج وعليه مطرف خز فقال : « حدّثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين سيد شباب أهل الجنّة عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال أخبرني جبرئيل الروح الأمين عن الله تقدست اسماؤه وجلّ وجهه : « إني أنا الله لا إله إلا انا وحدي ، عبادي فاعبدوني ، وليعلم من لقيني منكم بشهادة ان لا إله إلا الله مخلصاً بها انه دخل في حصني ، ومن دخل في حصني أمن من عذابي ... ». بحارالانوار ج49 : ص120 وما بعدها عن كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام).

37

اشتهر في زمان الخليفة عمر بن الخطاب قوله : « لولا عليّ لهلك عمر ». وقوله « معضلة وليس لها ابوالحسن » ، حينما ترد المعضلة ولا يجد الحلّ الصحيح لها. وعلى هذا فسيكون قولهم (عليهم السلام) حجّة يجب الأخذ به ، ويكون ما ذكره الائمة (عليهم السلام) من قواعد وطرق استنباط وترجيح للتعارض بين الاخبار وما الى ذلك لا يعدوا ان تكون من تعاليم الاسلام نفسه قد وصلت الى الأئمة (عليهم السلام) عن طريق النبي (صلى الله عليه وآله) ، بينما يكون دور أئمة المذاهب أو غيرهم من المجتهدين هو الاجتهاد في كل ما يأتون به من أحكام ، فقد يصيبون كما قد يخطِئون ، فليسوا هم مصدراً من مصادر التشريع ، 2ولذا لا يكون قولهم حجّة على المجتهدين الآخرين ، كما يمكن النظر فيما يأتون به من أصل الاستنباط للحكم الشرعي فلا يكون حجّة على الغير.

واما فرق الائمة (عليهم السلام) عن غيرهم من الرواة فهو في عصمة الائمة التي دلّ عليها الدليل ، بخلاف غيرهم الذي يكون في معرض الخطأوالنسيانوان كانوا عدولاً ، كما ان احتمال الدس والكذب بسبب الاهواءيكون موجوداً اذا لم يكونوا عدولاً.

وعلى ما تقدم : فلا يمكن ان نسمي الشيعة الامامية مذهباً في مقابل بقية المذاهب ، لأن ما يأتي به أئمة الشيعة ليس رأياً لهم وانما هو تعبير عن واقع الاسلام من أصفى منابعه ; فقد ذكر المحدّث أبو جعفر محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار القمي ( المتوفى سنة 290 هـ. ق ) قال : « حدّثنا أحمد بن محمد عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن سيف بن عميره عن أبي المعزا عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال : « قلت له : كل شيء تقول به في كتاب الله وسنّته ، أو تقولون فيه برأيكم ؟ قال (عليه السلام) : بل كل شيء نقوله فى كتاب الله وسنة نبيّه » (1). ويتفرع على ما تقدم كون المجتهد من الشيعة الامامية إنْ اجتهد في ضمن إطار الاسلام فقد يُخطىء وقد يصيب كالائمة المجتهدين الأربعة ( ابي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل ومالك ).

____________

(1) بصائر الدرجات : ج6 ، ص7 ، الباب 15 ، ح1.

38

خلاصة البحث :

بعد اجماع المسلمين على أن القرآن الكريم قد جمع وكتب في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فلم يبق من الدين إلاّ السّنة الشريفة التي كانت في صدور الرجال ( الصحابة ) ، الى أن الروايات المتواترة عن أئمة اهل البيت (عليهم السلام) تؤكد جمعها وايداعها عند الائمة من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) حيث كان الامام علي (عليه السلام) يكتب ما أملاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه ، وقد تواترت الروايات ايضاً فى كون الائمة (عليهم السلام) ينقلون ما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) واملى على عليّ (عليه السلام) فليس هم أهل رأي وقياس بل حَفَظَة للسنة النبوية التي هي عدل القرآن في التشريع ، وبهذا ينتهي الأمر إلى أن كل ما يقوله الائمة (عليهم السلام) هو من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويكون المشرِّع الوحيد للدين الاسلامي الحنيف هو الله سبحانه وما فوضه الله الى نبيّه الكريم وشرعه النبي وأقره الله تعالى عليه ، فاذا اضفنا الى دور الائمة (عليهم السلام) فى حفظ السنة النبوية حصانتهم من الانحراف كما تبينه عدة أدلة ومنها الواقع الخارجي الذي كان عليه الأئمة (عليهم السلام) من سيرتهم المثلى التي يقتدي بها المسلمون من دون نكير ، يتبيّن لنا عظمة التشريع الاسلامي الحنيف الذي حفظ المصدرين الأساسيين للتشريع من ألاعيب اللاعبين ، وهذا هو سر خلود الشريعة الاسلامية وتفوقها على كل تشريع آخر ، ومعنى : أني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا. وبهذا ينحل ما يتخيل من التضاد بين الحديث المشهور بل المتواتر : « اني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ... » وبين حديث : « اني مخلف فيكم كتاب الله وسنّتي ... » بناءً على صحة سند الحديث الثاني وصدوره. فسلام الله على نبيه الاكرم حين ولد وحين توفى وحين يبعث حيّاً.

نسأل الله سبحانه التأييد والتسديد وان يحفظنا من الزلل والزيغ وأن ينفع بنا الاسلام والمسلمين وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.

39

بيع التقسيط ( بيع المؤجّل أو بيع النسيئة )

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

ينقسم البيع في الفقه الإسلامي بلحاظ التأجيل وعدمه في الثمن والمثمن الى أربعة أقسام :

1 ـ أن يكون الثمنان معجَّلين ، وهو المسمّى بالبيع النقدي أو ( يداً بيد ).

2 ـ ان يكون الثمنان مؤجَّلين ، وهو المسمّى ببيع الدين بالدين او ( بيع الكالي بالكالي ).

3 ـ ان يكون الثمن معجَّلاً ، والمبيع مؤجَّلاً ، وهو المسمّى ببيع السلم ( السلف ).

وهذا البيع مستثنى من عدم صحَّة بيع ما ليس عندك.

4 ـ أن يكون المبيع معجّلاً ، والثمن مؤجّلاً وهو المسمّى ببيع النسيئة ، او بيع التقسيط وهو محلُّ كلامنا الآن.

نقول : كلُّ هذه الأقسام صحيحة في الفقه الإسلامي إلاّ القسم الثاني وهو بيع الدَّين بالدَّين حيث ورد النهي عن هذا البيع.

بيع التقسيط :

هو مصداق من مصاديق بيع النسيئة ، حيث يعجَّل فيه المبيع ويؤجَّل فيه الثمن كلُّه او بعضه على أقساط معلومة ( متساوية المبلغ أوْلا ) ، لآجال معلومة

42

( منتظمة المدة ، أوْلا ).

وليس هذا البيع هو الجديد الذي لم يُعرف حكمه كما ادُّعي ذلك من قبل البعض ، بل قد ذكره فقهاء الإمامية على أنه من مصاديق بيع النسيئة ، فقد ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) ( المتوفى 1266 هـ ) قال : « إن اشترط التأجيل للثمن جميعه او بعضه ولو نجوماً متعددة صحّ إجماعا بقسميه ونصوصاً ( عموماً وخصوصاً ) في البعض وهو المسمى بالنسيئة ، من غير فرق بين طول المدة وقصرها ، خلافاً للاسكافي فمنع فيما حكي عنه أكثر من ثلاث سنين في السلف وغيره » (1).

أهميته :

قد انتشر هذا البيع في الأزمنة الأخيرة بصورة واسعة ، لفائدته التي تعود للبائع حيث إنه يزيد من مبيعاته حتى على من ليس عنده النقد المالي ، فيبيعه الى أجل. وهو مفيد للمشتري أيضا حيث يمكنه من الحصول على السلعة مع أن دخله الشهري لا يسمح له بابتياعها بالنقد ، فبدلاً من أن يدخر فيشتري بعد ذلك ، أخذ الفرد يشتري ويستمتع بالسلعة ثم يدّخر للوفاء ، وبهذا تمكن الفرد أن يستمتع بالحاجات قبل أن يمكِّنه دخله الشهري من شرائها بالنقد.

وبعد أن عرفنا معنى بيع التقسيط واهميته نريد أن نبحث في نقطتين :

النقطة الاولى : ما هو الدليل على صحة بيع النسيئة ( التقسيط ) ؟.

النقطة الثانية : إذا كان بيع التقسيط صحيحاً ، فكيف نفسر التأجيل الذي فيه مع زيادة الثمن لأجل هذا التأجيل ، كما ذكر الفقهاء ، وكيف نفرّق بين هذا الذي هو حلال وبين التأجيل الذي تكون فيه الزيادة محرمة ؟

____________

(1) جواهرالكلام في شرح شرائع الاسلام ، لشيخ الطائفة صاحب الجواهر ، ج 23 ، ص 99.

43

النقطة الاُولى : ما هو الدليل على صحة بيع النسيئة ؟

نقول : لقد وردت الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) في جواز هذا البيع ، وقد اتفقت الإمامية على صحته. نعم الإسكافي خالف في طول المدة ، إذ منع من صحة البيع نسيئة لأكثر من ثلاث سنين (1) ، وله روايات يستند اليها ، إلاّ أنها محمولة على الإرشاد. فمن النصوص الخاصة الدالة على الصحة : 1 ـ موثق عمار بن موسى الساباطي عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمّى ثم افترقا ، فقال (عليه السلام) : وجب البيع والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد » (2) ومفهوم هذا الحديث يدل على أنهما اذا اشترطا أن يتأخّر الثمن فهو ليس بنقد وهو معنى النسيئة ، او إذا اشترطا أن يتأخر المثمن فهو معنى بيع السلم.

2 ـ صحيح هشام بن الحكم عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « في رجل يشتري المتاع الى أجل قال (عليه السلام) : ليس له أن يبيعه مرابحة إلاّ الى الأجل الذي اشتراه إليه ، وإن باعه مرابحة فلم يخبره كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك » (3). وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن بيع النسيئة كان مفروغاً من صحته في ذلك الوقت ، وإنما أخَذَ الإمام (عليه السلام) يبين حكماً آخر وهو عبارة عن أن الذي اشتراه نسيئة لا يجوز له أن يبيعه مرابحة إلاّ بذكر الأجل الذي اشترى به. وهناك روايات اُخر تدل على صحة هذا البيع أعرضنا عن ذكرها لكفاية ما تقدم مع وجود الإتفاق من الإمامية على صحة هذا البيع فلا نطيل ، بالاضافة الى وجود العمومات الدالّة على صحة هذا البيع مثل ( أفوا بالعقود ) و ( أحل الله البيع) ، إذا لا إشكال في

____________

(1) المصدر السابق.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 1 من احكام العقود/ ح 2.

(3) الكافي للكليني ، ج 5 ، ص 208.

44

صدق البيع على بيع النسيئة ، فيجب الوفاء به وهو معنى صحته ، وهو حلال بمنطوق آية ( احلّ الله البيع ). ثم إن من نافلة القول التلويح إلى أن الأجل ينبغى أن يكون معلوماً بحيث لا يتطرق إليه احتمال الزيادة او النقيصة ، كما إذا قلنا إن موعد الإستحقاق يكون في الشهر التاسع من سنة 1990 م ، أو أن الثمن اقساط معينة يستحق كل قسط معين القدر في أول الشهر الميلادي او الهجري ، أما إذا لم يكن الأجل معلوماً للمتعاقديْن فيبطل العقد للجهالة التي تستتبع غرراً في الثمن.

مصاديق بيع النسيئة :

نذكر هنا ثلاثة مصاديق لبيع النسيئة لنعرف ما هو حكمها :

1 ـ قد يحصل بيع النسيئة في الخارج على سلعة بنفس القيمة التي تباع بها حالاًّ ، وهذا البيع صحيح بلا إشكال ، وهو مستحب للبائع لما فيه من إعانة المشتري على شراء حاجته من دون زيادة لقاء الأجل.

2 ـ وقد يحصل البيع نسيئة ، ولكن على ثمن هو أكبر من ( قيمة السلعة نقداً ) كما إذا كانت السلعة تباع نقداً بدينار ، ونسيئة الى شهر بدينار ودرهم ، فهنا قد ذكرت الروايات صحة هذا البيع إذا وقع على الدينار والدرهم ، كأن يقول المشتري اشتريت نسيئة بدينار ودرهم ، فيقبل البائع ، او بالعكس. ومن الروايات الدالّة على صحة هذا البيع صحيحة محمد بن قيس عن الإمام الباقر (عليه السلام) : قال في ذيلها : « قال اميرالمؤمنين (عليه السلام)... من ساوم بثمنين أحدهما عاجلاً والآخر نظرة ، فليسمِّ أحدهما قبل الصفقة » (1).

3 ـ قد يحصل البيع نسيئة ، بأن يقول : بعتك هذه السلعة بدرهم نقداً ، وبدرهمين الى شهرين وبثلاثة الى ثلاثة أشهر ، فيأخذ المشتري السلعة من دون تعيين البيع على احد هذه المحتملات ، وكذا لم يعيِّنه البائع ، ففي هذه الصورة قالوا

____________

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من احكام العقود ، ح 1.

45

ببطلان البيع ، وقد ذكروا أدلَّة للبطلان ، منها :

أ ـ إن العقد باطل : لوجود الإبهام الناشىء من الترديد القاضي بعدم وقوع الملك حال العقد على أحد الاُمور بالخصوص ، وهذا ينافي اقتضاء العقد وسببيته الى أحد الاُمور ، اما النقد ، او النسيئة الى الاجل الاول ، او النسيئة الى الأجل الثاني بالثمن الثالث. ولكن لنا أن نقول : لا يوجد هنا جهالة ولا غرر ، حيث إن الثمن معلوم (1) ، نعم الزيادة وقعت في مقابلة التأخير على وجه الشرط فتفسر الزيادة ، وهذا لا يؤدي الى بطلان العقد. ومما يؤيد الحكم بالصحة حكمهم بصحة الإجارة لو قلت له : خط هذا الثوب اليوم بدينار وبنصف دينار إن خطته في غد ( مع اشتراك الإجارة والبيع في اعتبار عدم الغرر والجهالة ) ، فالصحة هنا كما ذكر غير واحد تكون مؤيداً للقول بعدم وجود غرر ولا جهالة. وكذا الامر اذا قلت له : إن خطته فارسياً فلك دينار ، وإن خطته رومياً فلك نصف دينار. وقَبِلَ المستأجر الامر على الترديد ، فقالوا بصحة الإجارة وما ذاك إلاّ لعدم الضرر ولعدم الجهالة.

ب ـ ذكروا دليلاً ثانياً على بطلان هذا العقد وهو الروايات التي رويت عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وهي تنهى عن بيعين في بيع ، او عن شرطين في بيع. كموثقة عمار الساباطي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث : « أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث رجلاً الى أهل مكة وأمرهم أن ينهاهم عن شرطين في بيع » (2). وعن سليمان بن صالح عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : « نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع وعن بيع ما ليس عندك وعن ربح مالم يضمن » (3) وقد فسر هذان الحديثان بما نحن فيه او بما يشمله حيث : « روى أحمد بسند رجال ثقات ، عن ابن

____________

(1) حيث إن العُرف يرى أن الثمن غير مجهول كما اذا قلتُ لك : إن سعر هذه الآنية دولار او مئة تومان ، فالثمن محدد إلاّ أنه غير مشخَّص في اي الفردين ، وهذا ليس بجهالة تمنع من صحة البيع.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من احكام العقود ، ح 3.

(3) نيل الاوطار 5/172 ، وعون المعبود ، 333 ـ عن البيع بالتقسيط د.علي السالوس ، ص1.

46

مسعود قال :« نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن صفقتين في صفقة ». قال سماك ـ راوي الحديث ـ هو الرجل يبيع البيع فيقول : هو بنسأ بكذا ، وهو بنقد بكذا وكذا. وقال الشافعي وأحمد في تفسير هذا : بأن يقول بعتك بألف نقداً أو ألفين الى سنة ، فخذ أيهما شئت أنت وشئت انا » (1).

ولكن هناك روايات تقول بأنَّ البيع صحيح ويكون للبائع أقل الثمنين الى أبعد الأجلين ، فمن الروايات :

1 ـ صحيحة محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام) انه قال : « قال اميرالمؤمنين (عليه السلام) من باع سلعة فقال : إن ثمنها كذا وكذا يداً بيد ، وثمنها كذا وكذا نظرة فخذها بأي ثمن شئت واجعل صفقتها واحدة ، فليس له إلاّ أقلهما وإن كانت نظرة » (2).

2 ـ رواية السكوني عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) « ان علياً (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعاً واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا ، فاخذ المتاع على ذلك الشرط فقال (عليه السلام) هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين » (3). وواضح أن هاتين الروايتين تقولان بصحة البيع على أقل الثمنين الى أبعد الأجلين ، بينما الروايات المتقدمة التي تنهى عن بيعين في بيع استدلوا بها على بطلان البيع ، فما هو الحل ؟

نقول : لا منافاة بين الادلة الناهية عن هذا البيع ، والادلة التي تقول بصحته بأقل الثمنين الى أبعد الأجلين وذلك : فإنَّ ما نفهمه من النهي هو حرمة هذا العمل ( نقداً بكذا ونسيئة بكذا ) إذا صدر من البائع ولم يقع البيع على احدهما لانه عبارة عن كون الزيادة في مقابل الاجل ، ويحرم على المشتري ايضاً قبولها لنفس السبب ،

____________

(1) المصدر السابق.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من احكام العقود ، ح 1.

(3) المصدر السابق ، ح 2.

47

وبعبارة اخرى كأن البائع يقول : إذا سددت المبلغ الآن فهو بدرهم ، وإن سددته بعد شهر فهو بدرهمين ، فيكون درهم واحد في مقابل الإنساء ( الأجل ) ، وإن سددت المبلغ بعد شهرين فلابد من اعطاء درهمين في مقابل الأجل ، وهذا هو حقيقة الربا الجاهلي الذي هو عبارة عن « أتقضي ام تربي » او « أنظرني أزدك » وهو عمل حرام من قبل البائع ويحرم على المشتري قبوله ، أما إنّ العقد ـ بعد أن حرمت هذه العملية ـ فهل هو باطل ام لا ؟ فلا تقول الروايات الناهية بذلك ، وحينئذ تأتي الروايات القائلة للبائع أقل الثمنين الى أبعد الأجلين فتقول : إن البيع صحيح على أن يأخذ البائع أقل الثمنين الى أبعد الأجلين ، وهذا هو مورد التعبد بالروايات فتكون ملزمة للطرفين. ومعنى ان هذا هو مورد التعبد بالروايات ، هو ان القاعدة تقول : إن حِلّ المال الآخرين متوقف على الرضا وطيب النفس ، اما الاكل والتصرف في المال لا عن تراض هو اكل للمال بالباطل فلا يجوز ، ولكن في هذه الصورة حَكَمَ الشارع بأنَّ البائع القائل ( نقداً بكذا ونسيئة بكذا ) نلزمه بان يكون له اقل الثمنين لأبعد الاجلين ، وهذا لم يرض به ، ولم تقع المعاملة عليه ، فإذا الزمناه به كان هذا على وفق تخصيص هذه القاعدة ( لا يحل مال المسلم إلاّ بطيب نفسه ورضاه ) بغير هذه الصورة. او نقول : إن الروايات تقول : اذا وقع العقد على نحو الترديد ، وقبل المشتري العقد على هذا الوجه ، وانتهت المدة ، « فبما أن شرط الزيادة في مقابل الأجل باطلة ، لم يبق إلاّ استحقاق البائع الأقل ، وبما أنه لم يقبضه قبل الآن فالآن له حق أخذ الاقل عند انتهاء أبعد الأجلين » وهذا القول لا يلزم البائع بالاقل عند عدم انتهاء ابعد الأجلين ، بينما القول الاول يلزمه كما هو ظاهر الروايات

الخلاصة :

1 ـ إن ادلة النهي عن اشتراط هذا الشرط ( نقداً بكذا ونسيئة بكذا ) تدل على أن هذا الشرط في هذا البيع حرام ، ويحرم قبوله من قبل المشتري ايضاً ، إلاّ أن هذه الروايات لا تقول إن البيع فاسد.

48

2 ـ لو صدر هذا الشرط في المعاملة ( الذي هو حرام ) وقد قُبِلَ من قِبَلِ المشتري على وجه الترديد ، فهنا تأتي الروايتان القائلتان إن البيع صحيح على هذه الكيفية ( أقل الثمنين لأبعد الاجلين ) ، اذن لا منافاة بين الروايات.

3 ـ اما اذا صدر هذا الشرط من البائع ، وقد قبل المشتري احدهما على وجه التعيين ، فهذا خارج عن محل النزاع وعن مضمون الروايتين ، ونحتمل هنا صحة العقد لشمول الاطلاقات(1) لهذا الفرد.

النقطة الثانية : كيف نفسر التأجيل في بيع النسيئة مع الزيادة ؟

قد يقال : إن الزيادة التي حصلت في بيع النسيئة كما عرفنا ذلك في المصداق الثاني لبيع النسيئة هي من أجلِ الأَجل فهي محرمة ، لعدم الفرق بينها وبين الزيادة في الأجل في عقد القرض. وهذه الشبهة اخذت تجري مجرى الماء في كتابات بعض علماء العامة ، فقد ذكر بعض تحريمها ، وذكر البعض تحليلها وكل ذلك له ادلة ، مع اننا لا نرى اصل الشبهة واردة ، وتوضيح ذلك : إن الأجل الذي حصل في بيع النسيئة لم يكن في مقابله مال حتى تأتي الشبهة وتقول ( إن المال إذا صار في مقابلة الأجل فهو حرام او شبيه بالزيادة في مقابلة الأجل في عقد القرض ولابد من تحريمه سداً لذريعة الربا وما شاكل ذلك من كلام ) ، بل إن الاجل في بيع النسيئة كان داعياً لزيادة ثمن السلعة وما أكثر الدواعي لإرتفاع الثمن ، فمثلاً قد يكون قلة السلعة في السوق بنسبة لا تساوي الطلب الذي عليها يكون داعياً لزيادة ثمنها في الحالات المتعارفة ، كما ان عدم سقوط الامطار في الفصول المتوقع سقوط المطر فيها يكون داعياً لزيادة سعر الحاجيات المتوقف زيادتها او انتاجها على سقوط الامطار. وإذا ثبت أن زيادة الثمن في بيع النسيئة كان الداعي له هو الأجل ، فهذا يختلف اختلافاً

____________

(1) ( احل الله البيع ) و ( أوفوا بالعقود ).

49

أساسياً عن قولنا إن الزيادة هي في مقابل الأجل ، بل يكون قولنا ( في بيع النسيئة ان الزيادة في مقابل الأجل ) تسامحاً من قبل العلماء ، بل الصحيح في بيع النسيئة هو أنَّ الثمن كله قد وقع في مقابل السلعة ، وكان الأجل داعياً لزيادة الثمن.

اذن لا أساس للشبهة هنا ، حيث إن الشبهة مبنية على قولنا إن الزيادة في بيع النسيئة هي في مقابل الأجل ، وقد اتضح أن الأمر ليس كذلك فلا شبهة أصلاً ، ولا مبرر للقول بأنَّ بيع النسيئة يشبه الزيادة في القرض من اجْلِ الأَجل الذي هو محرم ، إذ كما عرفنا أن بينهما بون شاسع. ثم لو تنزلنا وقلنا إن الشبهة واردة ، وهي : « إنَّ حصول الزيادة في بيع النسيئة هو في مقابل الأجل » إلاّ أننا نقول كما قال البعض : إنه لم يثبت بنحو القاعدة الكلية أن جعل الثمن في مقابل الاجل حرام. نعم ثبت في بعض الموارد فنلتزم بها ، كالثمن في مقابل الاجل في القرض ، وكالزيادة في مقابل الأجل في بيع المتجانسين وبيع الصرف.

الشراء نسيئة ( مع قدرته على الشراء نقداً ) هل هو مكروه ؟

نتكلم اولاً في كراهة القرض من الغير ( مع عدم احتياجه الى القرض ) ، واما مع ضرورة الفرد الى القرض فلا كراهة في الامر ، فقد وردت الروايات الكثيرة الدالة على كراهة القرض مع عدم الحاجة اليه فمنها ما روي عن أبي الحسن الليثي عن جعفر بن محمد ( الإمام الصادق (عليه السلام) ) عن آبائه ، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : « الدَين راية الله عزوجل في الارضين ، فاذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه » (1). ولكن اذا كان الدَين لضرورة فلا كراهة في الامر ، ففي صحيحة معاوية بن وهب قال قلت للإمام الصادق (عليه السلام) : « ... أن رجلاً من الأنصار مات وعليه ديناران دَيناً ، فلم يصلِّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله) وقال : صلُّوا على صاحبكم ، حتى ضمنهما عنه

____________

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من ابواب الدين ، ح 10.

50

بعض قرابته فقال الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك الحق ، ثم قال : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما فعل ذلك ليتعضوا ( ليتعاطوا ) وليرد بعضهم على بعض ولئلا يستخفوا بالدَين ، وقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليه دَين ، وقُتِل اميرالمؤمنين (عليه السلام) وعليه دَين ، ومات الحسن (عليه السلام) وعليه دَين ، وقتل الحسين (عليه السلام) وعليه دَين » (1).

هذا كله في القرض ، اما الشراء نسيئة مع قدرته على الشراء نقداً فليس بمكروه ، حيث لا يوجد نص خاص ولا يدخل تحت عنوان ان يكون للبائع منَّة على المشتري فيما اذا باع نسيئة بأكثر من الثمن الحال ( كما هو الغالب ) ، وحتى اذا دخل بيع النسيئة تحت هذا العنوان ( المنّة من البائع على المشتري ) بأنْ باع البائع سلعته نسيئة بقدر الثمن الحال ، ولكن هذا لوحده لا يوجب أن يكون العمل من جانب المشتري مكروهاً ، حيث إن المكروه هو ما يبغضه الله سبحانه بغضاً خفيفاً لم يصل الى حد الحرمة ، ومجرد حصول منّة ـ في البيع للبائع على المشتري ـ لا يوجب هذه الحزازة في الفعل من جانب المشتري ، نعم يكون الفعل مستحباً من قبل البائع وهذا تقدَّم.

الفروق بين بيع النسيئة وغيره من البيوعات :

ولأجل ان يتضح بيع النسيئة بصورة أوضح ، سوف نذكر الفرق بينه وبين غيره من البيوعات التي يمكن أن يشتبه بيع النسيئة بها ، وبذلك يشتبه علينا حكم بيع النسيئة لاشتباه الحكم في غيرها فنقول :

1 ـ هل يوجد فرق بين بيع النسيئة وبيع المرابحة للآمر بالشراء ؟

نقول : قد يبيع الإنسان سلعته الى المشتري بثمن مؤجل ( بأكثر من قيمتها نقداً ) وهذا هو بيع النسيئة. وقد يبيع البائع نقداً ، ولكن يلجأ المشتري الى البنك

____________

(1) المصدر السابق : ج2 من ابواب الدين ، ح 1.

51

فيقول له : اشتر هذه السلعة وانا اربحك كذا وكذا مؤجلاً. فما هو الفرق بين هذين المثالين ؟

الجواب : اما المثال الاول ، فبما أن البيع قد وقع على السلعة بثمن معين الى أجل معين فهو بيع صحيح وقد تقدمت الادلة على ذلك. واما المثال الثاني ففيه تفصيل ، وتوضيح ذلك : إن البنك إذا اشترى السلعة نقداً ، والتزم بكل احكام البيع مع البائع له ، من ثبوت خيار للطرفين في المجلس ، او وجود خيار غبن للمغبون منهما ، او وجود خيار عيب لمن انتقل إليه المعيب ، وهكذا بقية احكام البيع ، ثم وبعد ذلك يبيع البنك هذه السلعة الى شخص ثالث مؤجلاً بثمن أعلى من الثمن الحال بحيث يتمكن المشتري الثالث أن لا يشتري منه ذلك ، ففي مثل هذه الحالة تكون علاقة البنك بالشخص الثالث هي علاقة بائع ـ وهو البنك ـ بالمشتري الذي اشترى نسيئة ، ولا توجد أي علاقة بالمشتري الذي هو الفرد الثالث بالبائع الاول الذي باع للبنك نقداً ، ففي هذه الحالة تصح هذه المعاملة ، وذلك لأنَّ المعاملة الثانية هي بيع نسيئة قد دل الدليل على جوازها ، كما تقدم ، وعليها الاتفاق الذي ذكرناه من الإمامية بشرط أن يكون قصد البنك والمشتري منه هو بذل المال المؤجل في مقابلة السلعة وان كان الأجل داعياً لزيادة ثمنها ، بحيث يلتزم المتبايعان بكل أحكام البيع وهذا هو معنى أن يكون للمتبايعين قصد جدي للبيع. اما اذا لم يقصد البنك شراء السيارة ( السلعة ) من البائع ، ولم يقصد بيعها الى المشتري منه بثمن مؤجل ، بل قصد البنك أن يعطي ثمن السيارة الى البائع ويأخذ من المشتري اكثر منه مؤجلا ، وكذا قصد المشتري ان يكون هو المشتري من البائع للسيارة ولكن البنك يدفع عنه المال وهو يعطي الى البنك اكثر مما دفع ، بالاقساط ، وحينئذ يكون في هذه الصورة ان البيع قد وقع بين البائع للسيارة والمشتري ، اما وظيفة البنك فقد اصبح وسيطاً في دفع المال عن المشتري وأخذ فوائد عن التأخير ، ولا يكون هناك علاقة بين البائع للسيارة وبين البنك ، ولا تطبق احكام البيع

52

بالنسبة اليهما ، لعدم قصد البيع بين البائع والبنك ، ففي مثل هذه الحالة تكون المعاملة في الحقيقة ربوية بين المشتري والبنك حيث يكون البنك قد أقرض المشتري قيمة السيارة نقداً ولكنه يجب عليه أن يدفع أكثر من هذا لقاء الأجل ، وهو الربا الصريح المحرم. اما البيع الذي وقع بين البائع للسيارة وبين المشتري فهي معاملة صحيحة.

2 ـ ماهو الفرق بين بيع النسيئة وبيع العينة ؟

نقول : عرفنا بيع النسيئة. اما بيع العينة : فهو عبارة عن بيع سلعتي نقداً ثم شرائها منه نسيئة بثمن اكبر ، او يبيعني سلعته بثمن مؤجل ثم يشتريها بثمن أقل نقدا ، فهنا قد حصل بيعان من الطرفين ونتيجتهما هو حصول صاحب السلعة على نقد ( وقد رجعت اليه سلعته ) ويدفع اكثر مما أخذ ، او حصول البائع على سلعته وحصول المشتري على نقد بحيث يدفع اكثر منه نسيئة. وهذا البيع يسمى ببيع التورق أي ينتج منه حصول ( الورق ) لأحد الطرفرفين ويسدد اكثر منه نسيئة ويسمى أيضا بعقد المخاطرة (1). وخلاصة ما ذهبنا إليه هو : أن اشتراط البيع الثاني في البيع الاول بأقل من البيع الأول او بأكثر يوجب بطلان المعاملة ، وبطلانها ليس من أجل وجود زيادة في مقابل بيع النسيئة ( الأجل ) ، بل لأن النص الخاص دل على عدم جواز بيع السلعة عند اشتراط البيع الثاني في البيع الاول بأقل أو أكثر ، ولعل النص ينظر الى أن هذا الشرط الحاصل في البيع الاول يفرِّغ البيع الأول والثاني عن معنى البيع ، فتكون المعاملة حقيقة هي القرض الربوي مع الزيادة لكن دخلت فيه سلعة في الوسط ، وحينئذ تكون هذه العملية القرضية محرمة. والذي يؤيد هذا النظر هو عدم حرمة شرط البيع الثاني للسلعة في البيع الاول اذا كان

____________

(1) راجع كتابنا الربا فقهياً واقتصادياً ص 245 وقد فصلنا الكلام في بيع العينة على مذهب أهل السُنَّة وعلى مذهب الإمامية.

53

بنفس الثمن ، اذ هنا يكون حقيقة الامر هو القرض مع ارجاع نفس القدر المقترض وهو جائز بلا كلام.

اما اذا حصل هذان البيعان ( اللذان ينتج منهما حصول أحدهما على نقد مع رجوع السلعة الى صاحبها ويسدد أكثر مما حصل عليه نسيئة ) من دون اشتراط البيع الثاني في البيع الاول ومن دون تبان من المتبايعين ، فالبيعان صحيحان كما دلت عليه الروايات الصحيحة عن أهل البيت (عليهم السلام) منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال : « سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم الى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحل ؟ قال (عليه السلام) : اذا لم يشترط ورضيا فلا بأس » (1) ومعناها إذا شرط ذلك فالبيع الاول غير صحيح كما هو ظاهر من كلمة البأس في المعاملات ، اي إذا كان ملزماً بالبيع الثاني فلا يصح البيع الأول ، لا أن الشرط فقط غير صحيح ، لأنَّ السؤال عن حلية البيع والشراء.

نقول : ولعل عدم اشتراط البيع الثاني في البيع الاول وعدم التباني عليه يجعل القصد الى البيع الاول قصداً جدياً وكذا القصد الى البيع الثاني ، فحينئذ لا يوجد قرض مع الزيادة فلا يكون ربا.

3 ـ ما هو الفرق بين بيع التقسيط والبيع الايجاري ؟

نقول : إن بيع التقسيط قد تقدم وهو عبارة عن تملك المشتري السلعة فوراً ويبقى ثمنها كله في ذمة المشتري يدفعه بعد مدة او نجوماً ( أقساطاً ). وهذه العملية قد يكون فيها ضرر على البائع كما في صورة تأخر المدين عن سداد ديونه في موعدها ، فلأجل أن يتوثق ( البائع بالتقسيط ) من سداد المشتري كل أقساط الثمن بدون تأخير ، ومن دون أن يتضرر الدائن في صورة عدم سداده الاقساط ، يلجأ الى ما يسمى ( بالبيع الايجاري ) الذي سنوضحه فيمابعد. وقد يلجأ البائع الى البيع

____________

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 5 من احكام العقود ، ح 6 ، ص 371.

54

الايجاري بدلاً من البيع بالتقسيط لفائدة ثانية وهي تتضح فيما اذا أفلس ( المشتري بالاقساط ) وهو بعد لم يسدد الثمن او لم يسدد بعضه ، فإنَّ القانون الإسلامي ( ولعله حتى الوضعي ) يقول : إن البائع يكون كأحد الديّان ، حيث تباع سلعته التي باعها نسيئة كما تباع بقية السلع التي هي ملك للمشتري وتقسم الاموال على الديّان بالنسبة ، ولكن فيما اذا بقيت السلعة ملكاً للبائع ( كما في البيع الإيجاري ) ولم تملك للمشتري إلاّ بعد سداد آخر قسط من الثمن. فهنا لو فرضنا ان المشتري قد أفلس ، فان البائع يتمكن أن لا يخسر أي شيء ولا تباع سلعته كبقية أموال المفلس ، بل له الحق في أخذها ويدفع ما استلمه من اقساط ، وبذلك يتفادى الضرر الذي قد يلحقه في هذه الصورة لو كان قد باع سلعته نسيئة.

اما البيع الايجاري : فهو اللجوء ( عند بيع الارض او الدار أو السيارة أو غير ذلك ) الى أن يحتفظ صاحب السلعة بملكيته للسلعة الى حين تسديد المشتري كل أقساط الثمن فيعقد عقداً صورته الإيجار ويشترط ان يملكه السلعة عند دفع آخر قسط ، وحينئذ لا تنتقل الملكية الى الطرف الآخر إلاّ بعد سداد الثمن المقسط كاملاً. ونلاحظ على صورة عقد البيع الإيجاري نقطتين :

الاولى : إن الاقساط التي تدفع الى المالك ليست هي أقساط إيجار ، وانما هي أقساط بيع ، لان القسط المأخوذ بعنوان أنه قسط إيجار هو أعلى من قسط الاجارة الحقيقية بكثير.

الثانية : إن المالك يقول انا مالك للسلعة المأجورة ، ولكنه يتنصل بكل طريق عن تحمل مخاطر الملك وصيانته. فنفهم من الأمر الاول أن الإيجار صوري ، وحقيقة الأمر هو البيع نسيئة مع ضمان سداد الثمن بصورة كاملة ، ونفهم من الامر الثاني أن ملكية صاحب السلعة لها هي ملكية صورية أيضا ، اذن حقيقة الأمر هو ( بيع نسيئة لكن مع عدم نقل الملكية إلاّ بعد سداد الأقساط جميعا ) وهذا البيع قد