الفتاوى الميسرة

- السيد عبد الهادي الحكيم المزيد...
439 /
9

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ‌

رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسٰانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي.

الحمد للّٰه رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمّد و آله الطيبين الطاهرين و بعد:

فقد حرصت على أن يكون أسلوب كتابتي للفتاوى الميسرة سهلا بسيطا، سائدا في التخاطب المعتاد اليوم بين الكتّاب و قارئيهم، مألوفا، ساعيا قدر الإمكان لحل عقدة غموض النص الفقهي و إبهامه على جلّ قارئيه المحتاجين اليه العاملين به من غير أهله.

من خلال طريقة عرض مشوّقة تستدرج القارئ و تستميله و تستحثه على الإحاطة بما ينبغي له أن يحيط به من تعاليم دينه القويم.

مختارا من الأحكام أكثرها أهمّيّة و حاجة للمكلفين. يعقبونها إذا أرادوا المزيد بمراجعة ما هو أوسع مادة و أكثر تفصيلا من كتب الفقه الإسلامي و رسائله العملية الأخرى.

10

محاولا هنا و هناك إعادة وصل اللحمة في قلب القارئ الكريم بين علمي الفقه و الأخلاق. بين العمل الذي يؤدّيه و روح العمل الذي يؤدّيه.

مقسما البحث الى محاور ثلاثة. مخصصا المحور الأول للعبادات، جاعلا من الصلاة التي هي «عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها و إن ردت ردّ ما سواها» مدار محور العبادات و قلبه.

و لأن «لا صلاة إلّا بطهور» فإن هيكلية البحث تستدعيني وصولا إلى الصلاة أن أبدا- بعد حوارية التقليد طبعا- بما يسلب طهارة الجسد من «نجاسات» على اختلافها، ثم أثنّي فاذكر ما يعيد للجسد نقاءه من «مطهرات» على اختلافها كذلك، حتى إذا انتهيت من ذلك كله و وصلت الى الصلاة وصلتها كما ينبغي أن يكون عليه الواصل، الواقف بين يدي ربّه متطهرا، نقيّا مخلصا.

معرجا بعد الصلاة على ما يتطلب مثلها النقاء و الطهارة كالصوم و الحج.

ثمّ ثنيت فخصصت المحور الثاني للمعاملات المالية من بيع و شراء و وكالة و إجارة و شركة و غيرها.

ثم عدت فخصصت المحور الثالث لأحوال الإنسان الخاصة من زواج و طلاق و نذر و عهد و يمين و غيرها.

مردفا إيّاها بحواريّة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،

11

مختتما البحث كله بحواريتين عامتين منوّعتين.

و طبقا لهذه الخطّة فسينتظم الموضوعات التسلسل التالي:

حوارية التقليد، حواريّة النجاسة، حوارية الطهارة، حواريّة الجنابة، حواريّة الحيض، حواريّة النفاس، حواريّة الاستحاضة، حواريّة الموت، حواريّة الوضوء، حواريّة الغسل، حواريّة التيمم، حواريّة الجبيرة، حوارية الصلاة، حوارية الصلاة الثانية، حواريّة الصوم، حواريّة الحج، حواريّة الزكاة، حواريّة الخمس، حواريّة التجارة و ما يلحق بها، حواريّة الذباحة و الصيد، حواريّة الزواج، حواريّة الطلاق، حواريّة النذر و العهد و اليمين، حواريّة الوصية، حواريّة الإرث، حواريّة الوقف، حواريّة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، ثم الحواريتان العامّتان المنوّعتان.

و قد حظيت (هذه النسخة) بمراجعة وافية من قبل مكتب سماحة آية اللّٰه العظمى السيد علي الحسيني السيستاني (مدّ ظله الوارف) في النجف الأشرف للتأكد من مطابقتها لفتاوى سماحته، و قد اجرى عليها المكتب التصحيحات اللازمة لتصبح هذه النسخة بعدها مطابقة لفتاوى سماحته (مدّ ظله) تماما.

راجيا أن أكون قد حقّقت ما عزمت عليه، شاكرا بامتنان من أعانني على ما نهضت به، خاصا بالذكر الجميل مكتب سماحة سيدنا في النجف الأشرف لما بذله من جهد في تدقيق هذه النسخة، سائلا اللّه عز و جل أن يجعلني ممن أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هٰاؤُمُ

12

اقْرَؤُا كِتٰابِيَهْ و أن يجعل عملي خالصا له وحده يَوْمَ لٰا يَنْفَعُ مٰالٌ وَ لٰا بَنُونَ. إِلّٰا مَنْ أَتَى اللّٰهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ- رَبَّنٰا لٰا تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا- غُفْرٰانَكَ رَبَّنٰا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ.

المؤلّف‌

13

إضاءة:

الأحكام الشرعيّة الموضوعة بين قوسين معقوفتين [] هي احتياطات وجوبيّة، أنت مخيّر بين أن تعمل بها، أو أن تقلّد فيها مجتهدا آخر، مع مراعاة الأعلم فالأعلم.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

توطئة‌

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بسم اللّه الرحمٰن الرحيم

ها أنا ذا اليوم أكملت السنة الخامسة عشرة من عمري، لم أدرك حين أفقت من نومي صبيحته أن يومي هذا سيكون مسكونا بالدهشة، و المفاجأة، و الترقّب، و الزهو، و الانبهار. ممهورا بالمتعة، و الشغف، و المحبة و لذة الاكتشاف، يوما سينقلني من مرحلة سلفت و يضعني على أعقاب مرحلة أخرى بدأت.

استيقظت مبكرا كعادتي كل يوم، و ما أن أنهيت واجباتي اليومية المعتادة- تلك التي تفصل بين يقظتي و جلوسي إلى مائدة الإفطار الصباحية- حتّى أبصرت على وجه أبي شيئا ما مختلفا عما كنت آلفة منه كل يوم، شيئا ما جعلني اخمن أن أمرا يخصّني بات يراوده و يشغله، و يستأثر باهتمامه.

فالعينان المفتوحتان أكثر من المعتاد، كما لو كانتا تحدقان في الفراغ، و الشفتان المضمومتان الملمومتان بعض الشي‌ء كما لو كانتا تتهيّئان لقول مثير تهمّ أن تفضي به ثم تمسك، و الأصابع التي تنقر بانتظام و تتابع نقرات و قورة على مائدة الإفطار: تنبئ بأن القلب‌

18

ممتلئ بعصارة أمر هام، و يوشك لفرط امتلائه أن يفيض.

و ما أن جلست قبالته على الطرف الثاني من المائدة حتى بادرني، و في عينيه فرح رزين مكتوم قائلًا:

- اليوم يا بني ودّعت مرحلة سلفت من عمرك، و استقبلت مرحلة جديدة بدأت. اليوم أصبحت في نظر المشرع الإسلامي رجلا تام الأهلية لان تكلّف. اليوم منّ اللّه عليك فخاطبك بالتكليف، و تلطّف فأمرك و نهاك.

و أضاف أبي:

- كنت حتى البارحة في نظر المشرّع الإسلامي طفلا لم تبلغ بعد مرحلة الرجال فتركك و شأنك. أمّا اليوم فقد تغيّر كلّ شي‌ء.

أنت اليوم رجل كالرجال، معترف لك بالرجولة و الأهليّة التامّة للخطاب، و حين بلغ بك النضج هذه المرحلة، و أسلمك إليها، منّ اللّٰه عليك فخاطبك بأمره و نهيه.

عفوا لم أفهم قصدك كيف يمنّ اللّٰه عليّ فيأمرني؟ أ يكون الأمر منّة؟ كيف يكون ذلك؟

- دعني أوضح لك الأمر بمثال حتى تعرف كيف يكون أمره لك منّة عليك. أنت الآن طالب في المدرسة، تقف مع زملاء لك طلاب، بينكم الذكي، و المواظب، و المجدّ، و الملتزم، و الواعي، و بينكم غيرهم، تقفون مستعدّين لأمر ما جديد سيفجؤكم، تقفون و يمرّ السيد المدير يستعرضكم، و ما أن تلتقي عيناه بعينيك حتّى‌

19

يتريّث، و يتطلّع إليك برضى أول الأمر، ثم يزفّ إليك- مبتسما- بشرى انتقالك لمرحلة طالما حلمت بها، معترفا لك من خلال ذلك باهليتك التامّة لمرحلتك الجديدة، متوجها إليك مميّزا لك من بين زملائك، بأمر ما ينمّ عن اعتراف بأهليتك.

أ لا تشعر يومئذ باعتزاز من نوع خاص لأمره، و حبّ لما أمرك به، مشوب بالاعتداد، و الثقة بالنفس، لتوجيهه الخطاب إليك دون غيرك من أقرانك، متبوع بسعي حثيث لتنفيذ ما أمرك به.

كل ذلك و الآمر مدير مدرستك، فكيف سيكون شعورك لو كان الآمر هو السيد المدير العام؟! بل كيف سيكون الحال لو كان الآمر هو السيد المفتش العام؟! كيف سيكون شعورك لو كان الآمر.

و استمرّ أبي يرتقي بالآمر المخاطب رتبة رتبة، و مع كل رتبة يرتقيها يتجلّى لي أكثر فأكثر شي‌ء ما كان خافيا عليّ من قبل. كما لو أني أفقت للتوّ من سبات عميق.

و ما أن وصل أبي إلى أمر اللّٰه عزّ و جل و خطابه اليّ، و تكليفه إياي حتّى صعقت اللّٰه يخاطبني أنا. يأمرني أنا. أنا.

- نعم يا بني. اللّٰه يخاطبك أنت. أنت ابن خمس عشرة سنة.

و يكلفك أنت. أنت ابن خمس عشرة سنة. و يأمرك أنت. و ينهاك أنت.

20

أو أستحقّ أنا كل هذا التكريم. خالق الخلق كلهم يشرّفني فيكلّفني، جبار السموات و الأرض يتلطّف فيأمرني و ينهاني. ما أحلى يومي هذا، و ما أجمل سنتي هذه. ما أبهى الرّجولة.

- عليك يا بني أن تطيع ما أمرك به خالقك فشرفك به.

بل سأسعى بشغف عاشق الى تطبيق تكاليفه و أحكامه الحبيبة، و لكن.

- و لكن ما ذا.؟

و لكن ما هي هذه التكاليف التي كلّفني بها؟ و ما هي أحكامه التي وجّهها إلى؟

- الأحكام الشّرعية على خمسة أنحاء. واجبات و محرمات و مستحبّات و مكروهات و مباحات.

و ما هي الواجبات؟ و ما هي المحرمات؟ و ما هي المستحبّات؟ و المكروهات؟ و المباحات؟

- كلّ ما تحتّم عليك فعله فهو من الواجبات كالصلاة و الصوم، و الحج، و الزكاة، و الخمس، و الأمر بالمعروف، و النّهي عن المنكر، و غيرها كثير.

و كل ما تحتّم عليك تركه فهو من المحرمات كشرب الخمر، و الزّنا، و السرقة، و التبذير، و الكذب، و غيرها كثير.

و كل ما حسن فعله من دون إلزام و تثاب عليه ان كان بقصد القربة فهو من المستحبّات، كالصدقة على الفقير، و النّظافة و حسن‌

21

الخلق، و قضاء حاجة المؤمن المحتاج، و صلاة الجماعة، و استعمال الطيب، و غيرها كثير.

و كل ما حسن تركه و الابتعاد و النأي عنه من دون إلزام و تثاب على تركه ان كان بقصد القربة فهو من المكروهات، كتأخير زواج الرجل و المرأة، و الغلاء في المهر، ورد طلب المؤمن المحتاج الى القرض مع القدرة عليه، و غيرها كثير.

أمّا ما تركت لك حريّة الاختيار فيه، أن تفعله أو تتركه فهو من المباحات كالأكل، و الشرب، و النوم، و الجلوس، و السفر، و السياحة، و غيرها كثير.

و أنّى لي أن أفرز الواجبات عن المستحبّات، و المحرّمات عن المكروهات. كيف أعرف أن هذا واجب فافعله و أودّية و ألتزم به، و هذا حرام فأجتنبه و أدعه و أتركه و أنأى عنه. كيف أعرف أن.

قاطعني أبي مبتسما، ثم نظر اليّ نظرة رحمة و إشفاق و همّ أن يقول شيئا إلّا أنّه أعرض عنه مؤثرا التريث، ثمّ انكفأ فغاص في تأمّل عميق.

و ساد لوهلة صمت عميق كثيف كالفراغ لم أستطع أن أخمّن خلاله ما دار في رأس أبي، غير أنّي كنت أرقب سحابة داكنة معتمة تمرّ متأنّية على جبهته ثمّ تتشطّر فتغطّي بقيّة قسمات وجهه وصولا الى شفتيه اللّتين انفرجتا عن صوت ضعيف، فيه من الرّقة و العطف الشي‌ء الكثير.

22

- ستميّز الواجبات عن المحرّمات، و المستحبّات من المكروهات إذا استعرضت كتب علم (الفقه الإسلامي). و ستجد أن لبعضها أركانا و أجزاء و شرائط، و لبعضها حركات خاصّة يجب أن تؤدّى بها، و لبعضها خصوصيات لا يمكن أن تحيد عنها، و لبعضها.

و لبعضها.

راجع كتب الفقه الإسلامي و ستجد فيها ضالّتك. ثمّ ستكشف بعد ذلك أنّه علم واسع، غزير، كتبت فيه مئات المجلّدات، و أشبع العلماء مسائله بحثا، و تمحيصا، بعمق قلّ نظيره في علوم إنسانية أخرى.

و هل يجب عليّ أن المّ بكل هذه الكتب لأعرف ما يجب عليّ أن أفعله؟

- بل يكفيك أن تراجع أخصرها و أيسرها على الفهم، و ستجد أنّها قسمت الى قسمين:

قسم خاص بالعبادات، و قسم خاص بالمعاملات.

و ما العبادات؟ و ما المعاملات؟

- تمهّل قليلا، و راجع كتب الفقه الإسلامي، و ستعرف تدريجيا ما أنت الآن بصدد معرفته.

و رحت أعدو الى المكتبة، علّني أعثر على كتب الفقه الإسلامي هذه. أعدو، و يعدو شوقي و حاجتي. و ما أن وقعت عيناي‌

23

عليها حتّى أسرتني فرحة غامرة، هزّت كياني كلّه هزّا عنيفا، أو هكذا خيّل اليّ.

ها هي ذي كتب الفقه الإسلامي، لقد وصلت أخيرا إلى غايتي. سأقرؤها، و سأجد فيها إجابات شافية عن أسئلتي.

و سأستريح.

و عدت الى غرفتي لهفان مسرعا، مزهوا بما أنجزت، فتحت الباب على عجل، و دخلت الغرفة على عجل، و فتحت كتابي على عجل. و ما أن بدأت أقرأ حتى ارتسمت على ملامحي خطوط من غرابة متوحشة أول الأمر، سرعان ما تحوّلت إلى دهشة مكتومة، ثم استقرّت متخذة شكل وجع حارق متوهّج مؤلم.

لقد وجدت نفسي أقرأ كثيرا، و لا أفهم شيئا ذا بال مما قرأت.

ترى كيف لي أن أعالج حيرتي، و حيرتي من نوع خاص غير مألوف.

و كابرت، قلت: فلأواصل القراءة، و محاولة الفهم، و إعادة القراءة. و إعادة محاولة الفهم، علّني أستفيد.

و مرّ الوقت ثقيلا، بطيئا، متأنّيا، كان صدري يرزح خلاله تحت ثقل ضاغط، جاثم، لا ينفك يطاردني و يضيّق خناقه عليّ، و بين يدي الكتاب و أنا أتلو، ثم أتلو، ثمّ أعيد تلاوة ما تلوت، و لا أفهم شيئا.

و بدأت سحب الخيبة تتجمّع حولي شيئا فشيئا، ثم راحت تتحوّل تدريجيا الى ما يشبه سحابة من حزن شفيف تطلع بين عيني.

24

لقد قرأت كثيرا، و عليّ أن أعترف أنني لم أفهم شيئا ذا بال مما قرأت.

لقد وجدت نفسي أمام كلمات لم تطرق سمعي من قبل. فلم أعرف ما ذا تعني كلمات «النصاب، و البيّنة، و المؤنة، و الأرش، و المسافة الملفّقة، و الحول، و الدرهم البغلي، و الآبق، و الذمّيّ».

كما أخذت تتقافز أمام عيني مفردات و تركيبات يبدو أنّها مصطلحات خاصة بعلم لم يسبق لي دراسته، فلم أدر ما المقصود ب‍ «العلم الإجمالي، و الشبهة المحصورة، و الحكم التكليفي، و الحكم الوضعي، و الشبهة الموضوعيّة، و الأحوط لزوما، و التجزّي في الاجتهاد و الصدق العرفي، و المناط، و المشقّة النوعيّة».

و قرأت بعد ذلك جملا مسبوكة سبكا خاصا، لم أعتده من قبل، و جملا عالجت قضايا لا وجود لها في حياتي المعاشة اليوم، لا أدري لما ذا ذكرت، و جملا فيها من التشقيق و التفريع و العمق و التشطير الدقيق للاحتمالات، تركتني في حيرة من أمرها.

فلم أفهم ما ذا تعني- مثلا- جملة: «إذا علم البلوغ و التعلق و لم يعلم السابق منهما لم تجب الزكاة، سواء علم تاريخ التعلّق و جهل تاريخ البلوغ، أم علم تاريخ البلوغ و جهل تاريخ التعلّق أو جهل التأريخان، و كذا الحكم في المجنون إذا كان جنونه سابقا و طرأ العقل، أمّا إذا كان عقله سابقا و طرأ الجنون، فإن علم تاريخ التعلّق وجبت الزكاة دون بقيّة الصور».

25

و لا جملة: «الظن بالركعات كاليقين، أما الظن بالافعال فكونه كذلك محل إشكال، فالأحوط فيما إذا ظنّ بفعل الجزء في المحل أن يمضي و يعيد الصلاة، و فيما إذا ظن بعدم الفعل بعد تجاوز المحل أن يرجع و يتداركه و يعيد أيضا».

و لا جملة: «الأقوى أن التيمّم رافع للحدث رفعا ناقصا لا يجزي مع الاختيار، لكن لا تجب فيه نيّة الرفع و لا نيّة الاستباحة للصلاة مثلا».

و لم اع المقصود ب‍ «إذا توضّأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فإن قصد أمر الصلاة الأدائي بطل، و إن قصد أمر غاية أخرى- و لو الكون على الطهارة- صحّ».

و لا بجملة: «يكفي في استمرار القصد بقاء قصد نوع السفر، و إن عدل عن الشخص الخاص».

و لا بجملة: «فلو أحدث بالأصغر أثناء الغسل أتمّه و توضّأ، و لكن لا يترك الاحتياط بالاستئناف بقصد ما عليه من التمام أو الإتمام، و يتوضّأ».

و لا بجملة: «مناط الجهر و الإخفات الصدق العرفي».

و غيرها كثير مما وقعت عيناي عليه، و لم أدرك كنهه.

و دارت الدّنيا في عيني. ثمّ دارت دورة ثانية.

ترى: كيف يتسنّى لي أن أعرف حلال اللّٰه فآتي به؟ و حرام اللّٰه فأجتنبه؟

26

و رفعت رأسي إلى السماء، و في عيني نثيث من عصارة دمع محترق، و تمتمت.

إلهي! أعلم أنك كلّفتني، و لكني لا أعلم بما ذا كلّفتني.

إلهي! أنّى لي أن أعرف ما طلبت مني، لأنجز ما طلبت مني.

اللهم أعنّي على فهم ما أقرأ.

اللهم أعن كتب الفقه على الإفصاح عما تريد قوله، لأحقّق ما تريد قوله.

27

و انتظرت أبي على المائدة الليلية مساء اليوم.

و حين حلّ المساء، بدت عيوني متعبة، قلقة، منكسرة الأجفان أول الأمر. ثم ما لبثت إن أخذت تومض ببريق كالفضّة، امتزج فيه الأسى بالإصرار على التحدّي.

و ما أن انتظمت بنا المائدة، و حضر أبي حتّى أخذ قلبي يدقّ، و تورّدت وجنتاي، و ارتفعت درجة حرارة اذني كأنّ حمّى مفاجئة اشعلتهما، و داهمني شعور بالحرج، و الخجل، و الحيرة، و الارتباك، و التردّد، و أنا أعيد في ذاكرتي و أردد كلمات و جملا توحي بالعجز عن استيعاب مادة مقروءة.

و استنجدت بشجاعتي و بعزمي على الاعتراف بالنقص، و قلت لأبي:

لقد راجعت كتب الفقه فاستعصت عليّ، و أبت أن تفتح لي قلبها. و ما كدت أنهي حرفي الأخير من كلمتي الأخيرة، حتّى شردت عينا أبي، و غارتا- كما يبدو- في مستنقع من الماضي عميق، ثم عادتا بعد برهة كمن يعود من سفر شاق ممضّ طويل، و دارتا حول عيني كأنّهما تريدان أن تقولا شيئا، غير أن شفتيه انفرجتا عن صوت خافت مشوب بحزن عميق:

لقد مررت بتجربة شبيهة بتجربتك، عند ما كنت في حدود‌

28

سنّك.

لقد قرأت كتب الفقه فلم أفهم منها شيئا ذا بال، مثلك تماما.

غير أنّي لم أمتلك شجاعتك فأعترف بعجزي عن فهمها.

لقد حالت تربيتي المحافظة، و حجز حيائي الشديد، بيني و بين سؤال أبي عن بعض خصوصيات مرحلة المراهقة ثمّ الرجولة، فلم أكن أدرك أن البلوغ قد يتحقق بغير العمر الزمني المحدّد له، الى أن. و قاطعت أبي:

و هل يتحقّق البلوغ بغير ذلك؟

- نعم يا بني، يتحقق البلوغ في الذكر إذا توفّرت احدى علامات ثلاث:- أوّلها: أن ينهى خمس عشرة سنة قمريّة من عمره.

ثانيها: أن يخرج السائل المنوي منه سواء خرج باتّصال جنسي، أم باحتلام، أم بغيرهما.

ثالثها: أن ينبت الشعر الخشن على العانة، أقول الشعر الخشن المشابه لشعر الرأس لاستثني بذلك الشعر الناعم الذي يغطّي- عادة- أكثر مناطق الجسم كاليدين مثلا.

و العانة.؟

- العانة: منطقة تقع أسفل البطن فوق نقطة اتّصال العضو التناسلي بجدار البطن مباشرة.

هذه علامات البلوغ للذكر، أمّا الأنثى؟

29

- يتحقق البلوغ في الأنثى إذا أنهت تسع سنين قمريّة من عمرها.

أما و قد أفصحت لك اليوم عن قصوري، و تلكّؤي، و عجزي عن استيعاب كتب الفقه، فاسمح لي أن أقترح عليك- تحت ضغط الحاجة- أن تعقد لي جلسات تتناول فيها بالشرح و التبسيط كل ما عسر عليّ فهمه، مما يتوجّب عليّ فهمه و الإحاطة به و استبيانه، لتطبيق حكمي الشرعي، صحيحا كما شرعه اللّٰه سبحانه و تعالى لي، و أمرني به.

و يا حبّذا لو كانت جلساتنا تنهج نهج الحوار و المساءلة.

- كما تحب.

و لكن بما ذا سنبدأ حواريّتنا الاولى؟

- سنبدؤها ب‍ «التقليد» فهو الأساس الذي سيحدّد لنا شكل تقاطيع و ملامح ما سنطبّقه من فقهنا.

اتفقنا.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

حواريّة التقليد‌

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

[معنى التقليد]

قال أبي- و هو يبدأ حواريّة التقليد:-- دعني أشرح لك أوّلا معنى التقليد.

التقليد: أن ترجع الى فقيه لتطبق فتواه، فتفعل ما انتهى رأيه إلى فعله، و تترك ما انتهى رأيه الى تركه، من دون تفكير، و إعادة نظر، و تمحيص، فكأنّك وضعت عملك في رقبته «كالقلادة» محمّلا إياه مسؤولية عملك أمام اللّٰه.

و لما ذا نقلّد؟

- عرفت فيما مضى أن الشارع المقدس قد أمرك، و نهاك.

أمرك بواجبات يتحتّم عليك أن تؤدّيها، و نهاك عن محرّمات يتحتّم عليك أن تمتنع عنها، و لكن بما ذا أمرك، و عن ما ذا نهاك؟ بعض ما أمرك به واضح في الشريعة تستطيع- ربّما- من خلال ما ربّتك عليه بيئتك الملتزمة أن تشخّصه، و بعض ما نهاك عنه واضح كذلك تستطيع- ربّما- من خلال تنشئتك المحافظة أن تميّزه. و الكثير الكثير ما بين هذه و تلك من الواجبات و المحرّمات، ستبقى مجهولة لك و للكثيرين من امثالك غائبة أو غائمة.

أضاف أبي‌

34

- أنت تعرف ان الشريعة الإسلامية قد ألمّت بجميع جوانب حياتك المختلفة، فوضعت لكل واقعة منها حكما، فكيف ستعرف حكمك الشرعي و أنت تمارس نشاطاتك الحياتية المختلفة، كيف ستعرف أن هذا الفعل يحلّه الشارع المقدّس فتباشره، و ان هذا العمل يحرمه الشارع المقدّس فتنأى عنه و تجانبه.

ترى هل يمكنك أن ترجع في كل صغيرة و كبيرة إلى الأدلّة الشرعيّة لتستخرج منها حكمك الشرعي؟

و لم لا!!- لقد بعدت الشقة يا بني بين عصرك، و عصر التشريع، و قد اضفى هذا البعد، مع ضياع كثير من النصوص الشرعيّة، و تغير لغة و أساليب و أنماط التعبير، و وجود الوضّاعين- الذين اختلقوا أحاديث كثيرة و سربوها مع أحاديثنا المعتبرة صعوبات و معوقات عسّرت عمليّة استخراج الحكم الشرعي.

ثم أضافت مشكلة وثاقة ناقلي الروايات لذلك عقدة أخرى في طريق الساعين لذلك.

ثمّ لنفترض أنّك استطعت أن تتحقّق بشكل ما من وثاقة رواة النصّ و صدقهم، و دقّتهم فيما ينقلون، و ضبطهم، و أنّك استطعت أن تختزل الزمن لتضبط نبض إيقاع المفردات في دلالتها على معانيها، فهل ستستطيع أن تهضم علما عميقا، واسعا، متشعّبا يحتاج الى مقدّمات طويلة، و سبر أغوار عميقة، لتحصل منه بعد ذلك على ما‌

35

أنت بصدد معرفته، و البحث عنه و استبيانه.

و كيف العمل إذا.؟

- ترجع الى المتخصّصين في هذا العلم أى (الفقهاء)، فتأخذ أحكامك منهم. «تقلّدهم». ليس هذا في مجال علم الفقه فقط، بل في كل علم. لقد أفرزت الحضارة الحديثة مبدأ التخصّص في العلوم، حيث أصبح لكل علم رجاله و متخصّصوه يرجع إليهم كلّما طرأت حاجة ما لشأن من شئون ذلك العلم.

و استطرد أبي قائلًا:

- لنأخذ مثلا لذلك من علم الطب. فلو مرضت- عافاك اللّٰه- فما ذا ستفعل؟

أراجع الطبيب، و أعرض عليه حالتي المرضيّة ليشخّص المرض و ليصف لي الدواء المناسب بعد ذلك.

- و لما ذا لا تشخّص أنت بنفسك مرضك و تصف الدواء؟

لست طبيبا.

- كذلك الحال في علم الفقه. أنت محتاج إلى مراجعة الفقيه المتخصّص لمعرفة أمر اللّٰه و نهيه، أو لعرض مشكلتك الشرعية عليه، كاحتياجك إلى مراجعة الطبيب المتخصّص، لمعرفة أمر طبّي ما، أو لعرض حالتك المرضية عليه.

فكما أنّك محتاج الى «تقليد» الطبيب في مجال اختصاصه، أنت محتاج الى «تقليد» الفقيه في مجال اختصاصه.

36

و كما أنّك ستبحث عن طبيب فاضل، عالم في مجال اختصاصه و لا سيّما إذا كان مرضك خطيرا، فأنت ملزم بالبحث عن فقيه بارع في مجال اختصاصه «لتقلّده» و تأخذ منه حكمك الشرعي كلّما استدعتك الظروف المعاشة لاستيضاح حكم شرعي ما، فيها.

و كيف أعرف أن هذا الرجل فقيه؟

أو أنّه أعلم الفقهاء و أفضلهم؟

قال أبي مجيبا:

- دعني أسألك. كيف تعرف أن هذا الطبيب فاضل أو أنّه أفضل الأطبّاء في مجال اختصاصه لتراجعه، و تسلّمه جسدك، يفعل به ما يراه مناسبا لعلاجه؟

قلت له:

أعرف ذلك من سؤال المهتمّين بشؤون الطب، العارفين به، ممّن لهم علم، و معرفة، و دراية، و «خبرة» و تجربة فيه، أو أعرفه لشهرته بين الناس و «شيوع» و انتشار و ذيوع اسمه في هذا الحقل العلمي.

- بالضبط. و كذلك تعرف الفقيه، أو الفقيه الأعلم.

تسأل شخصا ملتزما بالواجبات، و تاركا للمحرّمات، ثقة، تتوفّر فيه القدرة، و المعرفة، و العلم و العدالة و «الخبرة» على تمييز المستوي العلمي للأشخاص في مجال الاختصاص.

أو «يشيع» و يشتهر و يذيع بين الناس، فقاهة شخص، أو‌

37

أعلميّته من سائر الفقهاء، بحيث تجعلك تلك الشهرة الواسعة و ذلك الذيوع و الانتشار، و «الشيوع» متأكدا و واثقا من فقاهته أو أعلميّته.

و هل هناك شروط اخرى فيمن يجب علينا تقليده،

بعد أن نبلغ مبلغ الرجال، عدا شرط الفقاهة؟

- أن يكون مقلّدك: رجلا، بالغا، عاقلا، مؤمنا، عادلا، حيّا غير ميّت، طاهر المولد- أي أن تكون ولادته قد تمّت وفق مقاييس و ضوابط شرعيّة- و ألّا يكون كثير الخطأ و النسيان و الغفلة.

حسنا ها أنا ذا قد بلغت مبلغ الرجال، و قد عرفت منك شيئا عن التقليد فما ذا يجب عليّ ان أفعل الآن؟

- تقلّد أعلم فقهاء عصرك، و تعمل بما يفتي به في شئونك المختلفة. في أحكام وضوئك- مثلا- و غسلك، و تيمّمك، و صلاتك، و صومك، و حجّك، و خمسك، و زكاتك، و غيرها. كما تقلّده في معاملاتك. في أحكام بيعك- مثلا- و شرائك، و حوالتك، و زواجك، و زراعتك، و إجارتك، و رهنك، و وصيتك، و هبتك، و وقفك و. و.

و رحت أعدد مع أبي.

و أمرك بالمعروف، و نهيك عن المنكر، و إيمانك باللّٰه، و أنبيائه و رسله و.

- كلا. الايمان باللّٰه و توحيده، و نبوّة نبيّنا محمّد ((صلّى اللّه عليه و آله)) و إمامة الأئمّة الاثني عشر ((عليهم السلام))، و المعاد. هذه أمور لا يجوز‌

38

التقليد فيها فهي من أصول الدين، و لا يجوز التقليد في أصول الدين بل يجب أن يعتقد كل مسلم بها اعتقادا جازما لا شك فيه، و لا شبهة و لا ضبابية و لا التواء، واصلا الى ايمان قاطع باللّٰه، باحثا عنه بجهوده، مسخّرا ما منحه اللّٰه من طاقات فكريّة فيه منتهيا من خلال ذلك كله إلى قناعة تامّة راسخة لا تتزعزع به.

طيب. الا يحق لي أن أقلّد فقيها مع وجود فقيه أعلم منه في مجال اختصاصه؟

- يمكنك ذلك شرط أن لا تعلم بوجود اختلاف بين فتاوى مقلّدك و فتاوى الأعلم في مسائلك التي تحتاجها لتعمل بها.

لو قلّدت الأعلم، و لم تكن له فتوى في مسألة ما تخصّني؟

أو كانت له فتوى و لم يسعني استعلامها؟

- ترجع إلى الأعلم من بعده اي من يتلوه في العلم من الفقهاء.

و إذا كان الباقون متساوين في العلم فما ذا افعل؟

- ترجع الى من كان أورع من غيره، أي أكثر تثبتا و حيطة في الرأي الذي يتخذه و الفتوى التي يصدرها.

و إذا لم يكن بعضهم أورع من بعض؟

- يمكنك ان تطبق عملك على فتوى أيّ منهم إلّا في بعض الحالات المعينة حيث يجب فيها ان تعمل بالاحتياط و لا يسعني في هذا المقام ان أشرحها لك.

39

حسنا. أستطيع حين أراجع الطبيب أن أعرف رأيه في حالتي الصحّية لو استدعت صحّتي مراجعته فكيف أستطيع أن أعرف فتوى مقلّدي في مسائلي الشرعية؟ كيف أصل إلى فتاواه لأطبِّقها؟ هل أراجعه في كل مسألة؟

- تستطيع معرفة فتاواه. بسؤاله مباشرة عنها، أو بسؤال من تثق بنقله و معرفته و أمانته في نقل تلك الفتاوى، أو بمراجعة كتبه الفقهية كرسالته العملية مع الاطمئنان بصحّتها.

إذا أطلب منك و أنت الثقة الأمين ان تعينني على معرفة فتاوى مقلّدي.

ابتسم أبي بوقار رزين، و اعتدل في جلسته بينما راحت عيناه تومئ بوميض موعد جلسة قادمة.

قلت: نبدأ بالصلاة.

- قال: نبدأ بالصلاة.

و أضاف:

- غير أن الصلاة تتطلّب طهارة الإنسان من كل ما يدنّس طهارته.

و ما الذي يدنّس طهارة الإنسان؟

- تدنس طهارة الإنسان:

1- أمور مادّية تقع في نطاق عمل الحواس كالنجاسات.

2- و أمور معنويّة غير مدركة بالحواس لو «حدثت» بأحد‌

40

أسبابها من جنابة أو حيض أو استحاضة أو نفاس أو مسّ ميّت أو نوم أو خروج بول أو غائط أو ريح، للزم إزالتها بالوضوء أو الغسل أو التيمم.

و تستدعينا هيكليّة البحث وصولا إلى الصلاة أن نبدأ حوارنا «بالنجاسات»، فنتعرّف عليها أوّلا، ثم نتعرّف بعد ذلك على «مطهراتها»، لنضمن طهارة الجسد من كل ما يسلب طهارته، و يخدش نقاءه.

ثم نثني فنتحاور بما لو «حدث» لوجب «غسله بالوضوء» أو «مسحه بالتيمّم» سواء أحدث من بول أو غائط أم ريح أم نوم أم استحاضة قليلة أم غيرها.

و نستأنف، فنتجاذب أطراف الحديث بما لو «حدث» لوجب «غسله بالغسل» أو «مسحه بالتيمّم» سواء أحدث من جنابة أم حيض أم استحاضة أم نفاس أم مسّ ميّت.

رافعين من طريقنا كل ما يعترض أو يعيق فرصة التقرّب للّٰه عزّ و جل بالصلاة، فائزين بعد ذلك بلذّة الوقوف بين يديه مكبّرين مهلّلين حامدين موحّدين منعّمين بولع ذكره و دعائه راجين أن يجعلنا ممّن ترسّخت أشجار الشوق إليه في حدائق صدورهم، و أخذت لوعة محبّته بمجامع قلوبهم.

متناولين بعد الصلاة ما يتطلّب مثلها الطهارة كالصوم و الحج و غيرها.

41

اذن سنبدأ بالنجاسات أولا؟

- نعم سنبدأ بها أولا يوم غد ان شاء اللّٰه.

ان شاء اللّٰه.

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

حواريّة النّجاسة‌

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

بدأ أبي حوارة و في عينيه بريق من حزم رصين قائلًا:

دعني أضع أمامك قاعدة عامّة ذات أثر كبير في حياتك و هي «كلّ شي‌ء طاهر». كلّ شي‌ء. البحار، و الأمطار، و الأنهار، و الأشجار، و الصحارى و الجبال، و الشوارع و العمارات و البيوت و الأجهزة و الأدوات، و الملابس المختلفة و إخوانك المسلمون. و. و. كلّ شي‌ء طاهر.

كلّ شي‌ء حتّى يتنجّس، إلّا.

إلّا ما ذا؟

- إلّا ما كان نجسا بطبيعته، بتكوينه، بذاته، «بعينه».

و ما الذي يكون نجسا بطبيعته، بذاته؟

- عشرة أشياء سأعدّدها لك على شكل نقاط متسلسلة:

«1، 2» بول الإنسان و غائطه. و بول و غائط كلّ حيوان يحرم أكل لحمه، إذا كانت لهذا الحيوان نفس سائلة كالقطة [و كذا بول ما ليست له نفس سائلة إذا كان ذا لحم].

و ما النفس السائلة؟

- مصطلح سيمرّ عليك أكثر من مرّة في هذا الحوار، يحسن‌

46

أن نلقي عليه بعض الضوء.

نقول: لهذا الحيوان نفس سائلة. إذا اندفع الدم منه بقوّة عند ذبحه. لوجود شريان عنده.

و نقول: ليس لهذا الحيوان نفس سائلة. إذا سال الدم منه عند ذبحه بفتور، و هدوء، و أناة لعدم وجود شريان عنده كالسّمك.

«3» الميتة من الحيوان ذي النفس السائلة و إن كان حلالا أكله، و كذلك أجزاؤها الحيّة المقطوعة منها.

و ما هي الميتة؟

- كل ما مات من دون أن يذبح على الطريقة الشرعيّة الإسلامية.

مثلا؟

- الحيوان الذي يموت لمرض- مثلا- أو بحادث، أو يذبح بطريقة غير شرعيّة، هذه كلّها من الميتة؟

و إذا مات الإنسان فهل ينجس بدنه؟

- نعم الّا الشهيد و من اغتسل لإجراء الحدّ عليه أو القصاص منه.

و هل يبقى غيرهما نجسا؟

- لا بل يطهر بدن الميت المسلم بالأغسال الثلاثة التي سأشرحها لك في حواريّة قادمة.

«4» مني الإنسان، و مني كل حيوان ذي نفس سائلة [و ان كان‌

47

هذا الحيوان مأكول اللحم].

«5» الدم الخارج من جسد الإنسان، و من جسد كل حيوان ذي نفس سائلة.

و دم الحيوان الذي ليس له نفس سائلة؟

- طاهر كدم السمك.

«6» الكلب البري بكل اجزاء جسده، حيا و ميتا.

«7» الخنزير البري بكل اجزاء جسده، حيا و ميتا.

و الكلب و الخنزير البحريان.؟

- طاهران.

«8» الخمر [و يلحق بها الفقاع].

«9» الكافر حيا و ميتا غير المسيحي و اليهودي و المجوسي.

«10» عرق الحيوان الجلال، و هو الحيوان الذي تعوّد أكل عذرة الإنسان.

هذه الأشياء العشرة نجسة بطبيعتها، و تنتقل النجاسة منها الى كل ما لاقاها و مسّها و احتك بها مع وجود البلل و الرطوبة.

و إذا لم يوجد بلل و رطوبة بينهما؟

- إذا لم يكن هناك بلل و رطوبة فلا تنتقل النجاسة، لأنها لا تنتقل في حالة الجفاف أو وجود النداوة المحضة ابدا.

هل بول أو غائط الحيوانات التي يحل أكلها كالبقر، و الغنم، و الدجاج، و الطيور بأنواعها المختلفة، و العصافير، و الزرازير طاهر أو‌

48

نجس.؟

- طاهر.

و مخلفات الخفاش.؟

- طاهرة.

و الريش من الميتة، و الوبر، و الصوف، و الأظافر، و القرون، و العظام، و الأسنان، و المناقير، و المخالب.؟

- كلها طاهرة.

و اللحم الذي نشتريه لنأكله، فنلاحظ عليه دما؟

- هذا الدم طاهر. و كل دم يبقى متخلّفا في الذبيحة بعد ذبحها بطريقة شرعية، طاهر غير نجس.

و فضلات الجرذ و الفأر.؟

- نجسة غير طاهرة. و لو فكرت قليلا فيما عددت لك من نقاط، لاستطعت أن تجيب عن هذا التساؤل بنفسك. نعم لأجبت عنه بنفسك، ذلك أن لها شريانا يتدفق منه الدم عند الذبح.

و عاد لعيني أبى ذلك البريق الرصين الذي لمحته في أوّل حوارنا هذا فحدّق بي، ثم أردف قائلًا.

- لقد بدأت معك حواريتي هذه بقاعدة عامة ذات أثر كبير في حياتك، و سأختتمها بقواعد عامة هي الأخرى ذات أثر كبير في حياتك.

القاعدة الأولى: كلّ شي‌ء كان طاهرا فيما مضى ثم تشك،

هل‌

49

تنجس بعد ذلك أو بقي على طهارته السابقة. فهو طاهر.

اضرب لي مثلا على ذلك.

- شرشف نومك مثلا، كان طاهرا سابقا، و تشك الآن، هل لاقته نجاسة ما فنجسته أو بقي على طهارته السابقة؟ تقول: شرشف نومي طاهر.

القاعدة الثانية: كلّ شي‌ء كان نجسا فيما مضى ثم تشكّ،

هل طهرته بعد ذلك أم بقي على نجاسته السابقة؟ فهو نجس.

مثلا؟

- يدك مثلا كانت نجسة، أنت متأكّد من ذلك قبل الآن، و شككت بعد ذلك، هل طهرتها من نجاستها السابقة، أم لم تطهرها منها؟

تقول: يدي نجسة.

القاعدة الثالثة: كلّ شي‌ء لا تعلم حالته السابقة،

أ نجسا كان هو قبل الآن أم طاهرا؟ فهو الآن طاهر.

مثلا؟

- سائل في كأس تجهل حالته السابقة لا تدري أ نجسا كان فيما مضى أم طاهرا تقول: هذا السائل طاهر.

القاعدة الرابعة: كل شي‌ء تشك، هل أصابته نجاسة فتنجس بها أو اخطأته فلم تصبه،

عندئذ لا يجب عليك الفحص و التحري و التدقيق لتتأكد من طهارته. بل تقول هو طاهر، من دون حاجة الى‌

50

فحص و استكشاف، حتى و لو كان الفحص سهلا يسيرا عليك.

مثلا؟

- ثوبك كان طاهرا أنت متأكّد من ذلك قبل الآن، و شككت الآن هل أصابه بول فتنجّس به أو بقي على طهارته السابقة؟

عندئذ. لا يجب عليك فحص ثوبك، و البحث عن أثر البول فيه، حتّى لو كان ذلك البحث و الفحص سهلا يسيرا عليك، بل تقول: ثوبي طاهر.

51

حواريّة الطهارة‌

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

قبل أن يحضر أبي جلسة حوارنا هذه، كنت مستغرقا في تأمّل عميق، محاولا تطبيق المعلومات النظرية. تلك التي سلفت في «حواريّة النجاسة» على واقع حياتي اليوميّة المعاشة، مصححا من خلال ذلك موروثاتي الخاطئة عن النجاسة، منتظرا بشغف و ترقّب أن ألحظ في جلسة اليوم كيف ستستعيد الأشياء طهارتها الاولى و نقاءها الجميل بعد أن صافحتها يد النجاسة فلوّثتها.

و ما أن حضر أبي حتّى بدأته:

قلت لي أمس إن الأشياء الطاهرة تفقد طهارتها لو لاقت النجاسة. ترى كيف ستستعيد تلك الأشياء طهارتها المفقودة؟

- أكثر ما يعيد للأشياء المتنجّسة طهارتها السابقة المسلوبة «الماء» أن تغتسل من أدرانها بالماء، أو أن تغسل به، لذلك فسنبدأ ب‍.

المطهّر الأول: الماء.

أضاف أبي:

- الماء: مطلق و مضاف.

و ما الماء المطلق؟

54

- الماء المطلق. ذلك الذي نشربه نحن، و تشربه الحيوانات و يسقى به الزرع. ماء المحيطات و البحار و الأنهار و الآبار و الجداول و الأمطار، ماء الأنابيب الذي يصلنا عبر خزانات المياه المنتشرة في المدن و القرى و النواحي، و يبقى الماء مطلقا حتى لو اختلط مع قليل من الطين أو الرمل كمياه الشطوط و الأنهار.

و الماء المضاف.؟

- الماء المضاف تعرفه بسهولة من اضافة لفظ آخر الى الماء كلّما نطقت به، فتقول: ماء الورد، ماء الرمان، ماء العنب، ماء الجزر ماء البطيخ، و ماء مساحيق الغسيل، و هو كما تلاحظ من الأمثلة ليس مما يعنينا أمره هنا، فنحن نتحدّث عن الماء ذاك الذي نطهر به و نشربه، نتحدّث عن الماء لا عن ماء الرمان و ماء العنب مثلا.

ثم ان الماء أو الماء المطلق على قسمين: معتصم و غير معتصم.

ماء معتصم!! ما ذا تعني؟

- الماء المعتصم هو الماء الذي لا يتنجّس بملاقاة النجاسة إلا إذا تأثّر بها لونه أو طعمه أو رائحته، و الماء غير المعتصم هو الماء الذي يتنجّس بمجرد ملاقاته للنجاسة و ان لم تتأثر بها احدى صفاته الثلاث.

و ما هي المياه المعتصمة؟

- هي‌

55

1- الماء الكثير: و هو ما بلغ قدر الكر أي ما كان مكعبه 36 شبرا، كماء الإسالة (الصنبور) ذاك الذي يصل الى بيوتنا من خزانات المياه الكبيرة المنتشرة في المدن أو من محطّات ضخّ المياه، و ماء خزاناتنا الموضوعة على سطوح منازلنا إذا كانت بحجم الكر، و ماء خزاناتنا الصغيرة إذا اتّصل بها ماء الاسالة (الصنبور) ما لم ينقطع.

2- ماء البئر.

3- الماء الجاري: كمياه الأنهار و الروافد و الجداول و العيون.

4- ماء المطر أثناء هطوله.

هذه هي المياه المعتصمة.

و ما هي المياه غير المعتصمة.؟

- هي مياه الأحواض الصّغيرة و الأواني و القناني و الكؤوس و نحوها من المياه الراكدة غير ماء البئر. التي يقل مقدارها عن الكر و يصطلح عليه ب‍ (الماء القليل) و قد عرفت انّها تتنجّس بمجرد ملاقاتها للنجاسة.

و الماء المضاف؟

- حكمه حكم الماء القليل يتنجّس بملاقاته للنّجاسة سواء أ كانت كمّيته كبيرة أم قليلة كالشاي مثلا، و تلحق بالماء المضاف السوائل الأخرى كالحليب و النفط و محاليل الأدوية و غيرها و أنّها تتنجّس بمجرد ملاقاتها للنّجاسة.

ثمّ أردف ابي قائلًا‌

56

كل ماء قليل اتصل به الماء الكثير صار كثيرا فيكون معتصما ما لم ينقطع عنه، فخزان الماء الصغير إذا جرى عليه أنبوب الإسالة صار كثيرا، و ماء القدر الموضوع في المغسلة إذا فتحت عليه أنبوب الماء المتّصل بالكر، فاتصل ماء القدر بماء الانبوب صار ماء القدر كثيرا، كل ذلك، ما دام الاتصال موجودا و هكذا.

حسنا. ما ذا لو وقعت قطرات من الدم في خزان ماء راكد بحجم كر.؟

- لا يتنجّس إلّا إذا كثرت القطرات فتغيّر لون ماء الكر فاصفرّ بتأثير لون الدم.

و لو وقعت في إناء صغير؟

- لنجّست الإناء.

و لو فتحنا عليه ماء الاسالة فعاد الماء إلى صفائه؟

- لطهر ماء الإناء [و لكنه يعود فيتنجس مرّة أخرى إذا انقطع عنه ماء الاسالة لما سيمرّ عليك من ان الإناء إذا تنجس لم يطهر إلا بغسلة ثلاث مرات].

لو صببنا من ماء الإبريق على شي‌ء نجس، فهل يتنجّس ماء الإبريق؟

- كلا، لأن النجاسة لا تتسلّق إلى عمود الماء الساقط من الإبريق، فلا عمود الماء يتنجّس و لا ماء الإبريق.

و كيف يطهّر ماء المطر الأشياء؟

- إذا تقاطر عليها. سواء أ كان المتنجّس أرضا، أم ثيابا و أفرشة‌

57

بعد ان ينفذ منها. أم إناء، أم ما شاكل ذلك و شابهه بشرط أن يصدق عرفا على النازل أنه مطر لا أن يكون مجموع ما نزل من السماء قطرات قليلة لا يصدق عليها المطر.

و هل يكفي في طهارتها تقاطر المطر عليها مرة واحدة؟

- نعم يكفي إلا في البدن و الثوب المتنجس بالبول فإنه يلزم فيهما التعدد [و كذا في الإناء].

و هل يطهّر المطر الماء المتنجّس؟

- نعم إذا امتزج معه.

و كيف نطهّر بالماء القليل أو الكثير الأشياء المتنجّسة؟

- نطهّر كل شي‌ء متنجّس. كل شي‌ء بغسله بالماء قليلا كان أو كثيرا مرة واحدة و لكن يلزم في الغسل بالماء القليل ان ينفصل ماء التطهير عن الشي‌ء المتنجّس.

و هل الأشياء المتنجّسة كلّها تطهر على هذا النحو؟

- نعم عدا ما يأتي:

(1)- الأواني المتنجّسة بالخمر كالقناني و الكؤوس و غيرها نغسلها بالماء ثلاث مرّات.

(2)- الأواني إذا مات فيها الجرذ، أو ولغ فيها الخنزير فإنّنا نغسلها سبع مرّات.

(3)- الأشياء المتنجّسة ببول الصبي الرضيع الذي لم يتغذ بعد بالطعام و كذلك الصبيّة، فانّنا نصبّ الماء عليها بمقدار ما يحيط بها، و لا حاجة إلى أكثر من ذلك. فلا حاجة‌

58

إلى العصر إذا كان المتنجس ثوبا أو نحوه.

(4)- الأواني إذا ولغ فيها الكلب أو لطعها بلسانه تمسح بالتراب أولا ثم تغسل بالماء مرّتين و ان وقع فيها لعاب فمه أو باشرها بسائر أعضائه [لزم مسحها بالتراب أولا ثم غسلها بالماء ثلاث مرات].

و ما ولوغ الكلب؟

- شربه ما في الإناء بأطراف لسانه.

(5)- الملابس المتنجّسة بالبول، تغسلها بالماء الجاري مرّة واحدة أو تغسلها بماء الكر أو ماء الحنفيّات مرّتين أو تغسلها بالماء القليل مرّتين أيضا و تعصرها، أما الملابس المتنجّسة بغير البول. فتغسلها مرة واحدة بالماء القليل و تعصرها أو تغسلها بالماء الكثير من دون حاجة إلى العصر.

(6)- البدن المتنجّس بالبول تغسله كما في الفقرة المتقدّمة و إذا كان الغسل بالماء القليل لزم انفصال ماء التطهير عن البدن على النحو المتعارف.

(7)- باطن الإناء، إذا تنجّس بغير الخمر، أو ولوغ الكلب أو لطعه أو وقوع لعابه أو مباشرته بسائر أعضائه أو موت الجرذ، أو ولوغ الخنزير، فانّنا نطهّره بغسله بالماء القليل ثلاث مرّات أو بالماء الكثير أو الجاري أو المطر [ثلاث مرّات أيضا].

و ظاهر الإناء.؟

- يطهر بغسله مرة واحدة، حتى بالماء القليل.

و كيف اطهر كفّي المتنجّسة و عندي ماء قليل؟