فوائد الأصول - ج1و2

- الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني المزيد...
585 /
1

كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله

الطاهرين المعصومين ...

اما بعد ، فإنه لما كان ما ألقاه فخر المتأخرين وقبلة المشتغلين صفوة الفقهاء و المجتهدين آية الله العظمى في العالمين « الميرزا محمد حسين الغروي النائيني » أعلى الله مقامه الشريف في المباحث الأصولية من أتقن المباني في هذا الفن وأحكمها ، وان المحقق الجليل والفقيه النبيل آية الله « الشيخ محمد على الكاظمي الخراساني » (قدس سره) الشريف من أقدم تلامذته وحافظي دقائق انظاره ، وما قرره من أبحاث أستاذه الجليل من أحسن ما صنف في طريقه واليه مراجعة أهل النظر في تحقيق مباني المحقق الأستاذ ، فلذا بذلنا جهدنا في نشر هذا السفر الجليل المسمى ب‍ « فوائد الأصول » بصورة جديدة وأسلوب حديثه مع ما تمتاز به من الطبعة الأولى من التصحيح والتعليق واخراج المصادر وتنظيم الفهرس التفصيلي المبين لمباني الأستاذ في كل مبحث.

وقد تصدى الاخراج مصادر الأقوال والكلمات ، الفاضل الجليل حجة الاسلام « السيد محمد جواد العلوي الطباطبائي » ولمصادر الآيات والاخبار واعجام الكتاب وتشكيله بأسلوب جديد ( بوضع النقط وعلامة البيان وعلامة السؤال و غيرها من العلائم العصرية المتداولة ) وتنظيم الفهرس ، الفاضل النبيل حجة الاسلام

2

« الشيخ رحمت الله الرحمتي الآراكي » شكر الله سعيهما وجعل جهدهما وجهدنا ذخيرة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم. ونسئل الله التوفيق لنشر ساير مجلدات الكتاب ومنه التوفيق وعليه التكلان.

مؤسسة النشر الاسلامي

التابعة لجماعة المدرسين في قم المقدسة

20 ذي حجة الحرام 1404

3

مقدمة الأستاذ المحقق محمود الشهابي

الخراساني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين. والصلاة على رسوله وعلى آله الطاهرين.

ـ 1 ـ

كان الناس أمة واحدة وفي غمرات من الجهالة والضلالة ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، وانزل معهم الكتاب واصطفى لهم الدين ، وأكمل عليهم الرحمة والهدى ، فأرسل رسله تترى واتبع بعضهم بعضا.

تلك الرسل وان لم يفرق الله بين أحد منهم في أصل الرسالة ، لكنه فضل بعضهم على بعض بما آتاهم من الكمال في الشريعة حتى جاء بأفضلهم فرقا وجمعا وأشرفهم أصلا وفرعا وأكملهم دينا وشرعا. فختم بارساله دور النبوة والرسالة. وحتم على كافة الناس اتباعه إلى يوم القيمة. وأرسله شاهدا ومبشرا و نذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا.

وأشار إلى هذا الختم والا تمام بالحصر في قوله تعالى : « ان الدين عند الله الاسلام » بل صرح بذلك وأكده بالتأبيد حيث قال عزوجل : « ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين » (1).

____________

1 ـ آل عمران : 85

4

ـ 2 ـ

الدين الاسلامي بما انه خاتم للشرائع الإلهية يشتمل على جميع ما يجب أو يناسب ان يقصده الشارع في وضع الشريعة : من المقاصد ، والحاجيات ، والكماليات فليس شيء مما يتوقف عليه حفظ مصالح الدين والدنيا من الضروريات الخمس التي هي المقاصد الا وقد شرع له في الاسلام ما يقوم به أركانها ويحفظ وجودها وكيانها ، وما يدفع به عما يورث اختلالها ويمكن ان يؤثر في زوالها.

وكذلك الشأن في الحاجيات ، فليس امر يحتاج إليه في التوسعة على الناس الا وقد ثبت له في الشريعة السمحة السهلة مواد ، وانتفى التضييق فيه برفع العسر ، والحرج ، والمشقة ، والضرر عن العباد ، ووسع عليهم فيما لا يعلمون. ورفع عنهم المؤاخذة في الخطاء ، والنسيان ، وما اضطروا إليه ، وما استكرهوا عليه ، وما لا يطيقون .. الخ.

وهكذا الامر في الكماليات ومحاسن العادات ، فليس شيء يصلح لان يجعل ذريعة إلى تحصيل مكارم الأخلاق ، ويناسب ان يتوسل به إلى تطهير الأعراق الا و قد أرشد إليه أئمة الاسلام. وتوصل إلى رعايته بتعليم الآداب ومندوبات الاحكام. وبالجملة ، الدين الاسلامي جامع لكل ما يحتاج الانسان إليه ، أو ينفعه ، أو يحسن له في نشأتيه.

ـ 3 ـ

صدر من الشارع في بيان وظائف الأمة احكام من طريق الكتاب والسنة ، لكنها غير مجتمعة بالتدوين ، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم والدين ، ومع ذلك كان تحصيل العلم بالأحكام في ذلك العصر ، عصر السعادة وخير القرون. سهلا ميسورا إذا كان باب العلم على الأمة مفتوحا. والمسألة عن الرسول للمؤمنين مقدورا.

انقضى عصر الوحي والتنزيل ، وخضع الناس لسلطان الاسلام وإطاعة الاحكام جيلا بعد جيل ، وانبسط حكم الشريعة على البلاد البعيدة والأمم المختلفة من حيث الخلق والعادة والعقيدة. فانعطف توجه الزعماء من الصحابة إلى جمع

5

القرآن أولا ، والبحث عن الاحكام وأدلتها ثانيا ، فحصل لبادئ بدء طور جديد في الاحكام ، طور الاستنباط والاستدلال.

طلعت غرة هذا الطور في أوائل القرن الأول من الاسلام. وبادرت مسرعة نحو التقدم بالانتظام. فما انسلخ ذلك القرن الا عن البشارة بحدوث علم في العالم الاسلامي كافلا لجميع ما يحتاج الانسان إليه في معاشه ومعاده. ضامنا لسعادة من يعمل بمتضمنه ومفاده.

الا وهو علم الفقه.

ـ 4 ـ

وجد في العالم أنحاء شتى من القوانين ، يجمعها قسمان أصليان وهما :

1 ـ الشرائع السماوية.

2 ـ الشرائع المدينة.

لا يهمنا هنا استقصاء ما يكون بين القسمين من وجوه الفرق. لكن ما يجدر بان لا يهمل ذكره هنا وجهان أساسيان :

الأول ـ ان الشرائع الإلهية ناظرة إلى حفظ جميع الصالح. سواء كانت متعلقة بالفرد أم بالمجتمع. وعلى تعلقه بالفرد سواء كانت من حيث جسمه أم روحه ، وسواء كانت باعتبار نشأته الفانية أم باعتبار حياته الباقية الخالدة. على أن حيثية مناسبات هذه الشؤون بينها ملحوظة في تلك الشرايع.

الثاني ـ ان مقصود المعتقد المتعبد بتلك الشرائع ليس رفع المسؤولية تجاه الشرع واسقاط التكليف فحسب ، بل يولى وجه دقته شطر « الواقع » ليحرزه و يصرف عنان همته نحو ما خوله الشارع ليحفظه ، وذلك لان الاحكام عنده تابعة للمصالح والمفاسد ، والشرعيات في نظره الطاف في العقليات من العوائد والفوائد.

على أن نفسه مطمئنة بان الشارع أصاب الواقع ولا بتخلف حكم من احكامه عما يكون هوله تابع.

هذا الفرق الثاني هو الذي حمل حماة الدين وحملة الفقه على أنحاء من البحث في نواحي أدلة الاحكام ومناحيها ، فبحثوا عن الأوامر ومعانيها ، وعن

6

النواهي ومطاويها. وعن مداليل هذه الكلمات ، وعن المنطوق والمفهوم ، وعن العموم والخصوص والتخصيص ، وعن الاطلاق والتقييد ، وعن الاجمال والتبيين ، وعن حقيقة النسخ وكيفية الناسخ والمنسوخ ، وغير ذلك مما لا يستغنى عن تحقيقه من يتصدى لاستنباط « الواقع » واستخراجه من الأدلة التفصيلية التي اعتبرها الشارع واعتمد عليها التابع.

فتحصل عن جميع هذه المباحث علم جديد في عالم الاسلام ، علم أوجده كثرة العناية بأحكام الدين وشدة العلاقة باحراز « الواقع » من طريق القطع و اليقين.

علم يحتاج إلى الانتفاع بمضامينه والاستناد إلى أصوله وقوانينه كل من كان له مساس القانون باقسامه وأفانينه ، علم لا يختص « المنفعة » فيه بحملة الفقه و ان اختص الفقيه بالاستفادة منه ، علم ابتكره الاسلام ويكون تأسيسه من مفاخر الاعلام.

الا وهو علم أصول الفقه.

ـ 5 ـ

وجود علل أشرنا إلى بعضها آنفا أنتج حدوث علم في العلوم الاسلامية لتحقيق أدلة الاستنباط ومداركها ، وتنقيح مسائل الفقه وتوضيح مسالكها.

وقد بحثنا في مقدمة مختصرة علقناها على تقريراتنا الأصولية عن تلك العلل والعوامل. وفحصنا عن زمان حدوث هذا النسخ من المباحث والمسائل ، وشخصنا البصر لتشخيص أول من شرع في تدوين هذا العلم الحادث ، ودرسنا تاريخ العلم للاطلاع على أول عصر توجه فيه اعتماد فقهاء الشيعة نحو هذه المباحث ، وأتممنا الدراسة بالحديث عن كيفية مجاراتهم مع هذا العلم بتتابع البحث وسرد التصنيف والتأليف من بادئ بدء الاستناد به ، والانتحاء لتدوين مطالبه إلى عصرنا الحاضر وبالوضع الموجود ، وألممنا في ختام الكلام بما الف في عصرنا من المؤلفات المهام ، واما الآن فلما لا يساعدني الحال ، ولا يسعني المجال لبسط المقال ، فلنقتصر بالإشارة إلى بعض تلك الأحوال.

7

فنقول وعلى الله الاتكال (1) :

ـ 6 ـ

اعلم أن بعض مباحث الأصول كانت في القرن الأول كما أشرنا موردا للبحث والنظر ولكنه لم يخرج الأصول إلى عرصة التدوين والتأليف الا بعد مضى النصف الأول من القرن الثاني.

وقد صرح جمع من الجهابذة كابني خلكان وخلدون. وصاحب كشف الظنون بان أول من صنف في أصول الفقيه محمد بن إدريس الشافعي ، بل نقل عن كتاب « الأوائل » للسيوطي اطباقهم على ذلك حيث قال : « أول من صنف في أصول الفقه ، الشافعي بالاجماع » .

لكني لست على يقين من ذلك ، بل المحتمل عندي ان يكون أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ، وهو أول من لقب ب‍ « قاضي القضاة » سابقا على الشافعي بتأليف الأصول ، لان القاضي توفى في سنة ( 182 ه‍. ق ) والشافعي مات في سنة ( 204 ه‍. ق ) وقد قال ابن خلكان في ترجمته : ان أبا يوسف « أول من صنف في أصول الفقه وفق مذهب أستاذه أبي حنيفة » .

وهكذا يحتمل جدا ان يكون محمد بن حسن الشيباني فقيه العراق ، الذي لما مات هو والكسائي في يوم واحد بري وكانا ملازمين للرشيد في سفره إلى خراسان قال في حقه الرشيد : « دفنت الفقه والأدب بر نبوية (2) » مقدما على الشافعي في تأليف الأصول لان الشيباني توفى ( سنة 182 ه‍. ق أو سنة 189 ) و قد صرح ابن النديم في « الفهرست » بان للشيباني من مؤلفاته الكثيرة تأليف يسمى ب‍ « أصول الفقه » وتأليف سماه « كتاب الاستحسان » وتأليف « كتاب اجتهاد الرأي » . على أن الشافعي ، بتصريح من ابن النديم ، لازم الشيباني سنة كاملة و

____________

1 ـ ومن أراد اطلاعا أزيد فعليه بمراجعة التعليقة المزبورة ، وإذا شاء إحاطة كاملة على الموضوع فليسئل الله ان يوفقنا لاتمام طبع كتاب ألفناه في تاريخ الفقه الاسلامي ونحولاته ، وقد طبع منه إلى الان عدة صفحات.

2 ـ وهي على ما في معجم البلدان قرية كانت قرب الري.

8

استنسخ في المدة لنفسه من كتب الشيباني ما استحسن وقد أذعن الشافعي نفسه بذلك ، وأعلن فقال من غير نكير « كتبت من كتب الشيباني حمل بعير » .

وكيف كان فان لم يحصل اليقين بتقدم القاضي والشيباني على الشافعي في التأليف ، فلا أقل من أن لا يحصل لنا يقين بتقدمه عليهما. فالحكم البات بكون الشافعي « أول من صنف في أصول الفقه » كما ترى.

ـ 7 ـ

هذا بالنسبة إلى حدوث العلم والاستناد به على نحو الاطلاق ، اما بدء الاستناد به في خصوص مذهب التشيع فهو كما احتملناه وعللناه في التعليقة المزبورة لا يتقدم على الغيبة الكبرى ( 329 ه‍. ق ).

أول من انتحى إلى أصول الفقه واعتمد عليه في مقام الاستنباط و استمد منه الشيخ الثقة الجليل حسن بن علي بن أبي عقيل (1) صاحب كتاب « المتمسك بحبل آل الرسول » في الفقه ، وهو أيضا « أول من هذب الفقه ، و استعمل النظر ، وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى » .

ثم اقتفى اثر ابن أبي عقيل واستحسن آرائه أبو على محمد بن أحمد بن جنيد الإسكافي الذي قال السيد الاجل بحر العلوم بعد عنوانه في ترجمته : « من أعيان الطائفة وأعاظم الفرقة وأفاضل قدماء الامامية. وأكثرهم علما وفقها وأدبا ، و أكثرهم تصنيفا وأحسنهم تحريرا ، وأدقهم نظرا متكلم فقيه محدث أديب واسع العلم. صنف في الفقه والكلام والأصول والأدب وغيرها تبلغ مصنفاته ، عدا أجوبة مسائله ، من نحو خمسين كتابا منها كتاب « تهذيب الشيعة لاحكام الشريعة » كتاب كبير من نحو عشرين مجلدا يشتمل على جميع كتب الفقه ، وعدة كتبه تزيد على مائة وثلاثين كتابا ، وكتاب « المختصر الأحمدي في الفقه المحمدي » مختصر كتاب التهذيب وهو الذي وصل إلى المتأخرين ومنه انتشرت مذاهبه وأقواله .. »

____________

1 ـ كان ابن أبي عقيل من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه ، أحد شيوخ العالم السديد المعروف بابن المعلم والملقب بالشيخ المفيد.

9

إلى أن قال السيد العلامة بعد تعديد كتبه وأجوبة مسائلة : « وهذا الشيخ على جلالته في الطائفة ورئاسته وعظم محله قد حكى القول عنه بالقياس ، ونقل ذلك عنه جماعة من أعاظم الأصحاب ، وعلى ذلك فقد اثنى عليه علماؤنا وبالغوا في اطرائه ومدحه وثنائه .. » .

كان هذا الشيخ الجليل شيخا وأستاذا للشيخ المفيد ومعاصرا للشيخ الكليني وتوفى ، على ما ذكره المحدث القمي (ره) ( سنة 381 ه‍. ق ) في الري.

ـ 8 ـ

ثم وصل دور البحث عن عوارض أدلة الاحكام إلى أبى عبد الله محمد بن محمد بن نعمان بن عبد السلام الملقب ب‍ « المفيد » عند الاعلام ، المتولد ( سنة 336 ) والمتوفى ( 413 ه‍. ق ) فالشيخ المفيد تبع أستاذه ابن الجنيد وابن أبي عقيل في الاعتماد على الأصول وان لم يتلق كل ما قاله ابن الجنيد بالقبول ، بل وكتب على رده ونقضه كما هو المنقول.

نقل صاحب « الذريعة » عن النجاشي ذكر كتاب للشيخ المفيد في الأصول مشتمل مع اختصاره على أمهات المباحث والفصول. ونقل أيضا ان العلامة الكراجكي ضمن ذلك في كتابه المسمى ب‍ « كنز الفوائد » .

حدث الاستناد بالأصول من زمن ابن أبي عقيل وتوجه نحو التكامل في أيام ابن جنيد ودخل ذلك العلم في طور البحث والتأليف في عصر المفيد. فرج في عصره وشاء وانتشر صيته وذاع ، وذلك لان الشيخ المفيد كان يفيد العلم على تلامذة له ، كلهم أساتذة وفي نقد العلوم جهابذة ، منهم السيد السند والأجل الأوحد السيد المرتضى الملقب ب‍ « علم الهدى » توفى السيد سنة « 336 ه‍. ق » ومنهم تلميذه أستاذ الفرقة وشيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن حسين بن علي الطوسي ( المتوفى 460 ه‍. ق ) ومنهم سلار « معرب سالار » بن عبد العزيز الديلمي صاحب كتاب « التقريب » في أصول الفقه ( المتوفى 436 ه‍. ق ) وغيرهم من أساطين العلم وأساتيذ الفن.

فقد صنف السيد في الأصول كتبا شريفة ورسائل منيفة ، قال السيد

10

الاجل بحر العلوم في فوائده الرجالية « .. ومن مصنفاته في أصول الفقه كتاب « الذريعة إلى الأصول الشريعة » وهو أول كتاب صنف في هذا الباب ، ولم يكن للأصحاب قبله الا رسائل مختصرة ، كتاب مسائل الخلاق في الأصول أثبته الشيخ و النجاشي قال الشيخ ولم يتمه. رسالة في طريقة الاستدلال موجودة عندنا. كتاب المنع من العمل باخبار الآحاد تعرف بالمسائل التبانية وهي أجوبة الشيخ الفاضل محمد بن عبد الملك التبان في ما عمله في انتصار حجية الاخبار تشتمل على عشرة فصول قد بسط السيد القول فيها. رسالة أخرى عندنا في المنع من خبر الواحد منقولة من خط الشهيد الثاني طاب ثراه .. » .

وقد صنف الشيخ الطوسي كتاب « عدة الأصول » الذي قال في شانه بحر العلوم : « وهو أحسن كتاب صنف في الأصول » .

وبالجملة فصار علم الأصول ( بعد ما صار في أواسط النصف الأول من القرن الرابع موردا للاستناد وعمدة في الاجتهاد ) في أواخر القرن الرابع موضوع البحث والدرس والتأليف ، وتوجه إليه أمثال هذه الفحول وصنفوا فيها ، لا رسائل مختصرة فقط ، بل كتبا قيمة مرتبة على أبواب وفصول.

ـ 9 ـ

ثم لعله توقف سير الاجتهاد في مسائل الفقه بعد الشيخ الطوسي مدة تقرب من قرن ، وذلك لحسن ظن من تلامذة الشيخ بما استنبطه وأفتى به في كتبه ، فكانوا بالحقيقة في تلك المدة ، على ما قيل « مقلدين » ( بل لقبوا به ) لما استنبط ، ومقتفين اثره في ما اجتهد واعتقد ، لا يتجاوزون عما قال ، ولا يتكلفون البحث في المقال حتى قام بأعباء الاجتهاد وأقام سوق البحث والانتقاد الفقه الفحل الأوحد محمد بن أحمد ، سبط الشيخ الطوسي الأمجد وحفيد ابن إدريس الممجد ، فألف في الفقه الاستدلالي كتابه السامي « السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى » ( توفى هذا الفقه سنة 598 ه‍. ق ).

انفتح باب البحث والاجتهاد بعد ما وقع فيه الانسداد أو كاد. فانتحى تلامذة ابن إدريس ، تبعا لأستاذ ، نحو الأصول بالاستناد. ثم تلاميذ تلامذته

11

كالمحقق الحلي صاحب « شرايع الاسلام » أبى القاسم نجم الدين جعفر بن حسن بن يحيى بن سعيد ( تولد المحقق سنة 602 وتوفى سنة 676 ه‍. ق ) وألفوا فيه كتبا نفيسة ، فمما الفه المحقق كتاب « نهج الوصول إلى معرفة الأصول » وكتاب « المعارج » .

انتقل الدور بعد المحقق إلى تلميذه وابن أخته الذي انتشر صيت علمه في الآفاق واشتهر له لقب « العلامة » على الاطلاق آية الله بالاستحقاق أبو منصور جمال الدين حسن بن يوسف بن علي بن مطهر ( 648 ـ 726 ه‍. ق ) فاحكم أساس البحث والنظر ، ونظر في كتب القوم ما تقدم منها وما تأخر ، فهذبها وحرر. أرشد العلامة إلى نهج الوصول ومنتهاه لمن أراد السلوك إلى هذه الأصول وتمناه فألف كتاب « النكت البديعة في تحرير الذريعة » وكتاب « تهذيب الوصول إلى علم الأصول » وكتاب « نهج الوصول إلى علم الأصول » وكتاب « منتهى الوصول إلى علمي الكلام والأصول » وكتاب « غاية الوصول .. » وكتاب « مبادئ الوصول إلى علم الأصول » وصادف ما كتبه العلامة في الأصول كسائر ما الفه في المعقول و المنقول اقبالا خاصا ، يليق بشأنها ، من العلماء الفحول ولا سيما كتابه الذي سماه « نهج الوصول .. » فقد تصدى لشرح هذا الكتاب جمع من فضلاء الأصحاب كالسيد عميد الدين عبد المطلب بن محمد الحسيني ( 681 ـ 754 ) ، وأخيه السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد ابني أخت العلامة وتلميذيه وشيخي الإجازة للأول من الشهيدين وكفخر المحققين أبو طالب محمد بن العلامة ( 682 ـ 771 ه‍. ق ) و كالأمير جمال الدين عبد الله الحسيني الاسترآبادي صدر دولة السلطان الاجل الشاه إسماعيل الصفوي الأول.

وهذا الشرح الأخير على ما قال صاحب الروضات أحسن من شرح الاميدي والضيائي والفخري والمنصور ( تأليف الفقيه الفاضل منصور بن عبد الله الشيرازي المشتهر ب‍ « راستگو » والمعاصر للشهيد الثاني ، وقد فرغ الشارح من تأليف هذا الشرح سنة 929 ه‍. ق ).

جمع الفقيه الاجل محمد بن مكي المشهور بالشهيد الأول ( الفائز بالشهادة

12

سنة 786 ه‍. ق ) بين شرحي العميدي والضيائي ، وهذا الجمع بالحقيقة شرح آخر على كتاب التهذيب.

وخلاصة القول ان من زمان العلامة إلى زمان الشهيد الثاني ، أي في القرن الثامن والتاسع وشطر من القرن العاشر ، كان أكثر مدار البحث والدرس في الأصول على ما الفه العلامة.

نعم كان للمختصر الحاجبي الذي الفه أبو عمر وعثمان بن عمر بن أبي بكر ( المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة 646 ه‍. ق ) في القرن السابع أيضا شأن عند علماء المذهب. فقد كانوا يدرسونه ويشرحونه ويعلقون عليه الحواشي ، ويرفعون عن وجوه مقاصده الغواشي.

ـ 10 ـ

كان جريان الامر في تلك القرون على ما حدد ، حتى مهد العالم الرباني زين الدين بن نور الدين المشهور بالشهيد الثاني ( توفى شهيدا سنة 966 ) قواعد الاستنباط للمجتهد وسماه « تمهيد القواعد » .

ثم الف أبو منصور جمال الدين حسن بن زين الدين ( ابن الشهيد الثاني المتوفى سنة 1011 ه‍. ق ) كتابه الموسوم ب‍ « معالم الدين » . كتاب المعالم في الأصول لسلاسة تعبيره وسلامة تنظيمه وجودة جمعه وتأليفه صار سهل التناول كثير التداول بحيث انسى ما كتبه السلف ، وما اغنى عنه ما الفه الخلف. صنف المعالم و تداول فيه البحث والدرس بين الأعاظم ، فاقبلوا عليه بالتحشية والتعليق وامعنوا في مباحثه بالتدقيق والتحقيق.

من أحسن تلك التعاليق وأمتنها وأدقها وأتقنها ما علقه عليه العالم الأصول الشيخ محمد تقي ( المتوفى 1248 ه‍. ق ) وسماه ب‍ « هداية المسترشدين » .

بعد القرن العاشر إلى عصرنا الحاضر ألفت في الأصول كتب كثيرة مشهورة وغير مشهورة. لكنه كانت مدارسة كتاب المعالم في جميع المدة معمولة ، ولعله يكون كذلك متى كان قلوب طلاب العلم بتحصيل الأصول مشغولة.

13

ـ 11 ـ

ومما ينبغي ان لا يترك هنا الإشارة إليه والتنبيه عليه ، ان للأصول في سيره من زمان تأليف المعالم إلى عصرنا الحاضر ثلث مراحل :

الأولى : مرحلة البطؤ أو التوقف.

الثانية : مرحلة البسط والتقدم.

الثالثة : مرحلة التحرير والتلخيص. فهذه ثلاثة أدوار حصلت للأصول في تلك القرون.

الدور الأول من الأدوار الثلاثة استوعب القرنين ، الحادي عشر والثاني عشر ، فكان أكثر مدار البحث والدرس في ذينك القرنين على كتاب المعالم ، ولم يؤلف فيهما مؤلفات مهمة تقع من حيث المدارسة في عرض المعالم أو في طوله ، ولعله كان ذلك ناشئا عن كثرة الاقبال على الاخبار وغلبة علمائنا الأخباريين الأخيار.

وكان الدور الثاني في القرن الثالث عشر ، فجدد فيه أساس البحث و النظر وحصل في هذا الدور للأصول صولة للأصوليين في ميدان التصنيف و التأليف والتحقيق جولة. فصار هذا الدور دور البسط والتفصيل بل دور الاطناب والتطويل ، وناهيك ما ترى من كتاب « هداية المسترشدين » ( حاشية على المعالم ) وكتاب « قوانين الأصول » للمحقق الجيلاني القمي ( المرزا أبو القاسم المتوفى 1231 ه‍. ق ) وكتاب « الفصول » للشيخ محمد حسين ( تلميذ الشيخ محمد تقي و أخيه المتوفى 1261 ه‍. ق ) ، وكتاب « بحر الفوائد » للاشتياني ( الحاج مرزا حسن المتوفى 1319 ه‍. ق ) حاشية على « فرائد الأصول » تأليف أستاذه الأنصاري ( أول من أدرك الأصول في هذا الدور بالتنقيح والتهذيب ، ورتبه على ترتيبه الأنيق المتين الشيخ المطلق في لسان المتأخرين الحاج شيخ مرتضى بن محمد أيمن المتوفى 1281 ) وغيرها من الكتب المؤلفة في ذلك القرن.

كان هذا التحول في سير الأصول من آثار الأصولي الفحل ما لك أزمة الفضل الأستاذ الأكبر المولى الاجل الأفضل آقا محمد باقر بن محمد أكمل ( المتوفى سنة 1206 أو 1208 ه‍. ق ) إذ لأستاذ بقوة تقريره وجودة تحريره في مناظراته

14

المكررة ومراسلاته المحررة برع على خصماء الأصول وجعل دعاويهم كعصف مأكول.

ـ 12 ـ

شرع الدور الثالث من ابتداء القرن الرابع عشر ، وانعكس طور التأليف في هذا الدور فتلخص وتحرر. أول من بادر إلى تحرير الأصول عن الفضول تدريسا و تدوينا وهيج الأشواق إلى سلوك هذا السبيل تدريبا وتمرينا ، هو أستاذ المتأخرين على الاطلاق شيخ المجتهدين المعاصرين في الآفاق الذي لخص المقاصد و المعاني ، وأسس في الأصول جملة من المباني المولى محمد كاظم الخراساني ( المتوفى 1329 ه‍. ق ).

خلب المحقق الخراساني قلوب طلبة العلم بمعاليه ، وجلب عقول حملته من تلامذته ومعاصريه بما أنعم الله عليه من لباقة تقرير لا يعادله فيها أحد وأناقة تحرير لا يسهل تحديدها بحد ، فاقتفوا في التلخيص والتحرير اثره ، وآثروا في ايراد ما اصطلح عليه أرباب المعقول والاستناد به في تآليفهم الأصولية فكره.

صار كتاب « كفاية الأصول » الذي الفه المحقق الخراساني كتابا نهائيا لمدارسة الأصول.

جملة الكلام ، ان أهل العلم في القرن حملوا العناء وبذلوا العناية لا في التلخيص والتحرير فحسب ، بل في الدقيق والتحقيق ، وأيضا في التنسيق و التانيق.

ـ 13 ـ

ممن تابع في تنقيح مطالب الأصول وتوضيح مآربه أئمته والقى إليه التحقيق في هذا العصر أزمته. العالم العليم الأستاذ الأعظم المرزا محمد حسين الغروي الناييني فهو قد أكب مجاهدا على تهذيب الأصول بالبحث ، والب لتدريب الفضلاء و تعليمهم على الدرس ، فتخرج من معهد بحثه ومجلس درسه علماء جلة وفضلاء أولى تجلة يوعون ما يسمعون ويكتبون ما يستفيدون ويوعون.

15

وهذه المكتوبات هي التي اصطلح عليها عنوان « التقريرات » (1)

ـ 14 ـ

من جملة ما عرف بعنوان التقريرات هذا الكتاب ( كتاب فوائد الأصول ) الذين يريه الناظر حاضرا بين يديه ، وتهوى أفئدة عشاق الفضل إليه الفه قرة عين الأستاذ الاجل وغرة وجه العلم والعمل الشيخ محمد على الكاظمي الخراساني ، الذي مات (ره) ولم تظهر أسرار دفائنه ولم تفتح اغلاق خزائنه ( توفى سنة 1365 ه‍. ق ).

هذا التأليف ان لم يكن أحسن ما كتب من دروس الأستاذ على الاطلاق فهو من أحسنها تنقيحا وأجودها توضيحا وأمتنها تعبيرا وأكثرها تحريرا ، وكيف لا ؟ وقد أفاد الأستاذ في شأن المؤلف وما أفاد عين هذه الكلمات وهي ترشدنا إلى الفرق بينه وبين غيره « .. فان من أعظم ما أنعم به سبحانه وتعالى على العلم و أهله ، هو ما حباه من التوفيق والتأييد لقرة عيني العالم العلم العلام والفاضل البارع الهمام الفائز بأسنى درجات الصلاح والسداد بجهده والفائز بأسنى رتبة الاستنباط و الاجتهاد بجده ، صفوة المجتهدين العظام وركن الاسلام ، والمؤيد المسدد التقى الزكي جناب الاغا الشيخ محمد على الخراساني الكاظمي أدام الله تعالى تأييده وأفضاله و كثر في العلماء الاعلام أمثاله.

« فقد أودع في هذه الصحائف الغر ما نقحناه في أبحاثنا مجدا في تنقيحه مجيدا في توضيحه ببيان رائق وترتيب فائق فلله دره وعليه سبحانه اجره .. » هكذا كان سير الأصول في تلك القرون الاسلامية إلى زماننا الحاضر ، و

____________

1 ـ في القرون الأولية من الاسلام قد يلقون الأساتذة على تلاميذهم عبارات مربوطة بالكتاب أو السنة أو غير ذلك فيملونها وسمى تلك المكتوبات ب‍ « الأمالي » ومن ذلك أمالي الصدوق والمفيد والطوسي.

وفى القرن الأخيرة ولا سيما في القرن الثالث عشر كان التلامذة يكتبون بعد درس الأستاذ ما يستفيدون مما حقق وأفاد ويعرضونه عليه للبحث والانتقاد ، وتسمى تلك المكتوبات ب‍ « التقريرات » .

أول ما اشتهر بذلك العنوان على ما أظن ، كتاب « مطارح الأنظار » الذي الفه المحقق العالم الميرزا أبو القاسم ( المشهور بكلانتري المتوفى 1292 ه‍. ق ) من إفادات أستاذه وأستاذ الكل الشيخ الأنصاري.

16

على ما دريت صار هذا العلم منتقلا من الغابرين إلى المعاصرين ، فلله در المجتهدين من العلماء ، وجزاهم الله عن الاسلام والعلم خير الجزاء.

هذا ما قصدنا ايراده على سبيل الاستعجال وطريق الاجمال مقدمة على الكتاب ، حسب ما أشار على بذلك من عنى بطبع هذا المجلد الأول وهو صديقي الممجد المبجل العالم العامل والفاضل الكامل حجة الاسلام الشيخ نصر الله المشتهر بالخلخالي بين الاعلام أدام الله بركاته وزاد ، تبارك وتعالى ، في حسناته.

والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا

طهران 20 ربيع الثاني 1368

محمود الشهابي الخراساني

17

الجزء الأول من كتاب فوائد الأصول

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف بريته وعلى اله الطيبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد ، فيقول العبد المذنب الراجي عفو ربه محمد على الكاظمي ابن المرحوم الشيخ حسن الكاظمي (قدس سره) : انى لما حضرت مجلس بحث المولى خاتمة المجتهدين فريد عصره وفقيه زمانه ، من إليه انتهت الرياسة العامة ، شيخنا و ملاذنا آية الله حضرة الميرزا محمد حسين الغروي النائيني متع الله المسلمين ببقائه ، رأيت أن بحثه الشريف ذو فوائد جليلة ، بحيث ينتفع منه المنتهى من أهل العلم فضلا عن المبتدي ، ويستفيد منه من كثر باعه فضلا عمن قصر ، فأحببت تزيين هذه الأوراق بما استفدته من إفاداته الشريفة حسبما يسعني ويؤدى إليه فهمي القاصر.

فأقول : ومن الله استمد.

القول في أصول الفقه

وتنقيح البحث عن ذلك يستدعى رسم مقدمة ، ومقاصد ، وخاتمة.

اما المقدمة : ففي بيان نبذة من مباحث الألفاظ

ولما كان داب أرباب العلوم عند الشروع في العلم ذكر موضوع العلم ، و تعريفه ، وغايته ، فنحن أيضا نقتفي أثرهم. وينبغي قبل ذلك بيان مرتبة علم

18

الأصول وموقعه ، إذ لعله بذلك يظهر تعريفه وغايته.

فنقول : لا اشكال في أن العلوم ليست في عرض واحد ، بل بينها ترتب و طولية ، إذ رب علم يكون من المبادئ لعلم اخر ، ولأجل ذلك دون علم المنطق مقدمة لعلم الحكمة ، وكذلك كان علم النحو من مبادئ علم البيان ، ومن الواضح ان جل العلوم تكون من مبادئ علم الفقه ومن مقدماته حيث يتوقف الاستنباط على العلوم الأدبية : من الصرف ، والنحو ، واللغة ، وكذا يتوقف على علم الرجال ، وعلم الأصول ، ولكن مع ذلك ليست هذه العلوم في عرض واحد بالنسبة إلى الفقه ، بل منها ما يكون من قبيل المقدمات الاعدادية للاستنباط ، ومنها ما يكون من قبيل الجزء الأخير لعلة الاستنباط. وعلم الأصول هو الجزء الأخير لعلة الاستنباط بخلاف سائر العلوم ، فإنها من المقدمات ، حتى علم الرجال الذي هو أقرب العلوم للاستنباط ، ولكن مع هذا ليس في مرتبة علم الأصول بل علم الأصول متأخر عنه ، وعلم الرجال مقدمة له.

والحاصل

ان علم الأصول يقع كبرى لقياس الاستنباط وسائر العلوم تقع في صغرى القياس. مثلا استنباط الحكم الفرعي من خبر الواحد يتوقف على عدة أمور فإنه يتوقف على معرفة معاني الألفاظ التي تضمنها الخبر ، ويتوقف أيضا على معرفة أبنية الكلمات ومحلها من الاعراب ليتميز الفاعل عن المفعول والمبتدأ عن الخبر ، و يتوقف أيضا على معرفة سلسلة سند الخبر وتشخيص رواته وتمييز ثقتهم عن غيره ، و يتوقف أيضا على حجية الخبر ، ومن المعلوم : ان هذه الأمور مترتبة من حيث دخلها في الاستنباط حسب ترتبها في الذكر والمتكفل لاثبات الامر الأول هو علم اللغة ، ولاثبات الثاني هو علم النحو والصرف ، ولاثبات الثالث هو علم الرجال ، و لاثبات الرابع الذي به يتم الاستنباط هو علم الأصول ، فرتبة علم الأصول متأخرة عن جميع العلوم ، ويكون كبرى لقياس الاستنباط. فيقال : الشيء الفلاني مما قام على وجوبه خبر الثقة ، وكلما قام على وجوبه خبر الثقة يجب ، بعد البناء على حجية خبر الواحد الذي هو نتيجة البحث في مسألة حجية خبر الواحد ، فيستنتج من تأليف

19

القياس وجوب الشيء الفلاني.

بما ذكرنا من مرتبه علم الأصول يظهر الضابطة الكلية لمعرفة مسائل علم الأصول ، وحاصل الضابط : ان كل مسألة كانت كبرى لقياس الاستنباط فهي من مسائل علم الأصول.

وبذلك ينبغي تعريف علم الأصول ، بان يقال : ان علم الأصول عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعى كلي ، فان ما عرف به علم الأصول : من أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الخ ـ لا يخلو عن مناقشات عدم الاطراد وعدم الانعكاس ، كما لا يخفى على من راجع كتب القوم.

وهذا بخلاف ما عرفنا به علم الأصول ، فإنه يسلم عن جميع المناقشات ، و يدخل فيه ما كان خارجا عن تعريف المشهور مع أنه ينبغي ان يكون داخلا ، و يخرج منه ما كان داخلا في تعريف المشهور مع أنه ينبغي ان يكون خارجا.

ثم إن المايز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية بعد اشتراكهما في أن كلا منهما يقع كبرى لقياس الاستنباط ، هو ان المستنتج من المسألة الأصولية لايكون الا حكما كليا ، بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهية ، فإنه يكون حكما جزئيا وان صلحت في بعض الموارد لاستنتاج الحكم الكلي أيضا الا ان صلاحيتها لاستنتاج الحكم الجزئي هو المايز بينها وبين المسألة الأصولية ، حيث إنها لا تصلح الا لاستنتاج حكم كلي ، كما يأتي تفصيله في أوايل مباحث الاستصحاب (1) انشاء لله ، ويأتي هناك أيضا ان المسألة الأصولية قد تقع أيضا صغرى لقياس الاستنباط وتكون كبراه مسألة أخرى من مسائل علم الأصول ، الا انه مع وقوعها صغرى لقياس الاستنباط تقع في مورد اخر كبرى للقياس.

وهذا بخلاف مسائل سائر العلوم ، فإنها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط أصلا فراجع. وعلى كل حال ، فقد ظهر لك مرتبة علم الأصول وتعريفه.

____________

1 ـ الجزء الرابع من فوائد الأصول ، الامر الثاني

20

واما غايته

فهي غنية عن البيان ، إذ غايته هي القدرة على استنباط الأحكام الشرعية عن مداركها.

بقى الكلام في بيان موضوعه

وقد اشتهر ان موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ، وقد أطالوا الكلام في البحث عن العوارض الذاتية والفارق بينها وبين العوارض الغريبة ، وربما كتب بعض في ذلك ما يقرب من الف بيت أو أكثر.

وقد يفسر العرض الذاتي بما يعرض الشيء لذاته ، أي بلا واسطة في العروض وان كان هناك واسطة في الثبوت. والمراد من الواسطة في العروض ، هو ما كان العرض أولا وبالذات يعرض نفس الواسطة ويحمل عليها ، وثانيا وبالعرض يعرض لذي الواسطة ويحمل عليه ، كحركة الجالس في السفينة ، فان الحركة أولا وبالذات تعرض السفينة وتستند إليها ، وثانيا وبالعرض تعرض الجالس وتستند إليه وتحمل عليه ، من قبيل الوصف بحال المتعلق.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن هناك واسطة في العروض ، سواء لم يكن هناك واسطة أصلا ـ كادراك الكليات بالنسبة إلى الانسان ، فان ادراك الكليات من لوازم ذات الانسان وهويته ، ويعرض على الانسان بلا توسيط شيء أصلا ، وليس ادراك الكليات فصلا للانسان ، بل الفصل هو الصورة النوعية التي يكون بها الانسان انسانا ، ومن لوازم ذلك ادراك الكليات ، الا انه لازم نفس الذات بلا واسطة ـ أو كان هناك واسطة الا انها لم تكن واسطة في العروض ، بل كانت واسطة في الثبوت ، سواء كانت تلك الواسطة منتزعة عن مقام الذات ، كالتعجب العارض للانسان بواسطة ادراكه الكليات الذي هو منتزع عن مقام الذات ، حيث كان ذات الانسان يقتضى الادراك كما عرفت ، أو كانت الواسطة أمرا خارجا عما يقتضيه الذات كالحرارة العارضة للماء بواسطة مجاورة النار.

والسر في تفسير العرض الذاتي بذلك ، أي بان لايكون هناك واسطة في العروض ، مع أن هذا خلاف ما قيل في معنى العرض الذاتي : من أن العرض الذاتي

21

ما كان يقتضيه نفس الذات ، ومنتزعا عن مقام الهوية ، فمثل حرارة الماء من العرض الغريب لان عروض الحرارة على الماء يكون بواسطة امر خارج مباين ، بل ما كان يعرض الشيء بواسطة امر خارج مط ، سواء كان أعم أو أخص أو مباينا ، يكون من العرض الغريب اتفاقا ، وانما المختلف فيه ما كان يعرض الشيء بواسطة امر خارج مساوي ، كالضحك العارض للانسان بواسطة التعجب ، حيث ذهب بعض إلى أنه من العرض الذاتي ، وبعض اخر إلى أنه من العرض الغريب ، فالعبرة في العرض الذاتي عندهم هو كونه بحيث يقتضيه نفس الذات ، لاما لايكون له واسطة في العرض ، هو ان البحث في غالب مسائل العلوم ليس بحثا عن العوارض الذاتية لموضوع تلك المسألة على وجه يقتضيه ذات الموضوع ، بداهة ان خبر الواحد مثلا بهوية ذاته لا يقتضى الحجية ، إذ الحجية انما هي من فعل الشارع.

فالبحث عن حجية خبر الواحد ليس بحثا عن العوارض الذاتية للخبر ، و كذا الكلام في سائر المسائل لعلم الأصول وغيره من العلوم ، كقولنا : الفاعل مرفوع ، والمفعول منصوب ، فان الرفع والنصب ليسا مما يقتضيه نفس ذات الفاعل و المفعول بهويتهما ، بل لمكان لسان العرب ، حيث إنهم يرفعون الفاعل وينصبون المفعول ، فيلزم بناء على ما قيل في تفسير العرض الذاتي ان يكون البحث في غالب العلوم بحثا عن العوارض الغريبة لموضوع العلم ، فلا بد من توسعة العرض الذاتي ، حتى يكون البحث في مسائل العلوم بحثا عن العوارض الذاتية لموضوعاتها ، بان يق : ان العرض الذاتي هو ما كان يعرض نفس الذات بلا واسطة في العروض وان كان لأمر لا يقتضيه نفس الذات. وعلى هذا يكون البحث في جميع مسائل العلوم بحثا عن العوارض الذاتية ، بداهة ان الحجية عارضة لذات الخبر وان كان ذلك بواسطة الجعل الشرعي ، وكذلك الرفع والنصب يعرضان لذات الفاعل والمفعول ، و ان كان ذلك لأجل لسان العرب.

فالضابط الكلي للعرض الذاتي ، هو ان لا يتوسط بينه وبين الموضوع امر يكون هو معروض العرض أولا وبالذات ، كما هو الشأن في الوسائط العروضية.

إذا عرفت ذلك فالكلام في المقام يقع من جهات :

22

الأولى : في نسبة موضوع كل علم إلى موضوع كل مسألة من مسائله.

الثانية : في المايز بين العلوم بعضها من بعض.

الثالثة : في موضوع علم الأصول.

اما الجهة الأولى

فنسبة موضوع كل علم إلى موضوع كل مسألة من مسائله ، هو نسبة الكلي لافراده والطبيعي لمصاديقه ، بداهة ان الفاعل في قولنا كل فاعل مرفوع مصداق من مصاديق كلي الكلمة ، التي هي موضوع لعلم النحو.

فان قلت :

ان الرفع انما يعرض الفاعل ، وبتوسطه يعرض الكلمة ، وليس هو عارضا لذات الكلمة من حيث هي ، فيكون الرفع بالنسبة إلى الكلمة من العوارض الغريبة وان كان بالنسبة إلى الفاعل من العوارض الذاتية.

وبعبارة أخرى :

الموضوع للرفع هي الكلمة بشرط الفاعلية ، وموضوع علم النحو هو نفس الكلمة من حيث هي ، ومن المعلوم مغايرة الشيء بشرط شيء مع الشيء لا بشرط ، فيلزم اختلاف موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، ويلزم ان يكون المبحوث عنه في مسائل العلم من العوارض الغريبة لموضوع العلم. وهذا ينافي قولكم : موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ، وان موضوع العلم عين موضوعات المسائل. و هذا الاشكال سيأتي في جميع العلوم.

قلت :

الفاعلية علة لعروض الرفع على نفس الكلمة ، لا ان الرفع يعرض للفاعلية أولا وبالذات ، فالواسطة في المقام انما تكون واسطة في الثبوت لا واسطة في العروض ، وقد تقدم ان الواسطة الثبوتية لا تنافى العرض الذاتي.

والحاصل :

ان ما يعرض الفاعل من الرفع يعرض الكلمة بعين عروضه الفاعل من دون

23

واسطة.

وتوضيح ذلك

هو ان الموضوع في علم النحو مثلا ليس هو الكلمة من حيث هي لا بشرط ، بل الكلمة من حيث لحوق الاعراب والبناء لها ، كما أن الكلمة من حيث لحوق الصحة والاعتلال لها موضوع لعلم الصرف ، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، لان الموضوع في قولنا : كل فاعل مرفوع أيضا ، هو الكلمة من حيث لحوق الاعراب والبناء لها ، بداهة ان البحث عن الفاعل ليس من حيث صدور الفعل عنه ، أو من حيث تقدم رتبته عن رتبة المفعول ، بل من حيث لحوق الاعراب له ، و المفروض ان الكلمة من هذه الحيثية أيضا تكون موضوعا لعلم النحو ، وكذا يق في مثل الصلاة واجبة ، حيث إن الموضوع في علم الفقه ليس هو فعل المكلف من حيث هو ، بل من حيث عروض الأحكام الشرعية عليه ، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، لان كلا من موضوع العلم مع موضوعات المسايل يكون ملحوظا بشرط شيء وهو قيد الحيثية.

وربما يستشكل

في اخذ قيد الحيثية ، بأنه يلزم اخذ عقد الحمل في عقد الوضع ، إذ الموضوع في قولنا : الكلمة اما معربة أو مبنية ليس هو مطلق الكلمة حسب الفرض ، بل الكملة من حيث لحوق الاعراب والبناء لها ، فيلزم ان يكون قولنا : كل كلمة اما معربة أو مبنية ، بمنزلة قولنا : الكلمة المعربة أو المبنية ، اما معربة أو مبنية. وهذا كما ترى يلزم منه اخذ المحمول في الموضوع ، وهو ضروري البطلان ، لاستلزامه حمل الشيء على نفسه. هذا.

ولكن لا يخفى عليك ضعف الاشكال ، بداهة ان المراد من قولنا : الكلمة من حيث البناء والاعراب موضوع لعلم النحو ، ليس الكلمة المتحيثة بحيثية الاعراب والبناء فعلا المتلونة بذلك حالا ، بل المراد الكلمة القابلة للحوق الاعراب والبناء لها ، والتي لها استعداد وقوة لحوق كل منهما لها ، فهذه الكلمة اما معربة فعلا ، واما مبنية فعلا.

24

والحاصل :

ان الكلمة من حيث ذاتها قابلة للحوق كل من الاعراب والبناء لها ، كما انها قابلة للحوق كل من الصحة والاعتلال والفصاحة والبلاغة لها ، فتارة : تلاحظ الكلمة من حيث قابليتها لقسم خاص من هذه العوارض ، كالاعراب والبناء ، فتجعل موضوعا لعلم النحو. وأخرى : تلاحظ من حيث قابليتها لقسم آخر من هذه العوارض ، كالصحة والاعتلال ، فتجعل موضوعا لعلم الصرف وهكذا.

فتحصل :

ان اعتبار قيد الحيثية بهذا المعنى يوجب ارتفاع اشكال تغاير موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، ويتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل اتحادا عينيا ، و يكون ما به يمتاز موضوع كل مسألة عن موضوع مسالة أخرى هو عين ما به يشتركان ، لان الموضوع في قولنا : كل فاعل مرفوع ، هو الكلمة القابلة للحوق الاعراب لها ، وتكون الفاعلية علة لعروض الرفع عليها ، كما أن الموضوع في قولنا : كل مفعول منصوب هو ذلك ، وتكون المفعولية علة لعروض النصب عليها ، فيحصل الاتحاد بين موضوعات المسائل وموضوع العلم.

وبما ذكرنا من اعتبار قيد الحيثية في موضوع العلم يظهر لك البحث عن الجهة الثانية ، وهو المايز بين العلوم.

وتوضيح ذلك :

ان المشهور ذهبوا إلى أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ، وذهب بعض إلى أن تمايز العلوم بتمايز الاغراض والجهات التي دون لأجلها العلم ، كصيانة المقال عن الألحان في علم النحو ، والفكر عن الخطاء في علم المنطق ، واستنباط الأحكام الشرعية في علم الأصول.

ووجه العدول عن مسلك المشهور : هو انه يلزم تداخل العلوم بعضها مع بعض لو كان المايز بينها هو الموضوع ، وهذا الاشكال انما يتوجه بناء على أن يكون ما يعرض الشيء لجنسه من العوارض الذاتية ، كالتحرك بالإرادة العارض للانسان

25

بواسطة كونه حيوانا ، أو العارض للجنس بواسطة الفصل ، كالتعجب العارض للحيوان بواسطة كونه ناطقا ، فان كلا من هذين القسمين وقع محل الكلام في كونه من العرض الذاتي ، حيث ذهب بعض إلى أن ما يعرض الشيء لجزئه الأعم أو الأخص يكون من العرض الغريب ، كما أن من العرض الغريب ما كان لأمر خارج أعم أو أخص أو مباين على مشرب المشهور ، فيلزم ان يكون البحث عن كل ما يلحق الكلمة ولو بواسطة فصولها بحثا عن عوارض الكملة ، فيتداخل علم النحو و الصرف واللغة ، لان البحث في الجميع يكون عن عوارض الكلمة التي هي موضوع في العلوم الثلاثة ، وان اختلفت جهة البحث ، حيث إن جهة البحث في النحو هي الاعراب والبناء ، وفي الصرف هي الصحة والاعتلال ، وفي اللغة هي المعاني و المفاهيم ، الا ان الجميع يكون من العوارض الذاتية لجنس الكلمة حسب الفرض ، و ان كان عروضها لها باعتبار ما لها من الفصول : من الفاعل والمفعول ، والثلاثي و المزيد فيه ، الا ان الجميع يعرض جنس الكلمة ، والمفروض ان عوارض الجنس عوارض ذاتية للكلمة ، فيلزم تداخل العلوم الثلاثة.

ولأجل ورود هذا الاشكال زيد قيد الحيثية ، وقيل : ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات.

وقد أشكل على زيادة الحيثية : بأنها مما لا تسمن ولا تغنى من جوع ، كما لا يخفى على المراجع في المطولات هذا.

ولكن الانصاف

انه يمكن حسم مادة الاشكال بما ذكرناه من معنى الحيثية التي اخذت قيدا في موضوع العلم ، فإنه هب ان هذه العوارض من العوارض الذاتية للكلمة ، الا ان المبحوث عنه في علم النحو ليس مطلق ما يعرض الكلمة من العوارض الذاتية لها ، بل من حيث خصوص قابليتها للحوق البناء والاعراب لها ، على وجه تكون هذه الحيثية هي مناط البحث في علم النحو ، فالحيثية في المقام حيثية تقييدية ، لا تعليلية ، ولا الحيثية التي تكون عنوانا للموضوع كالحيثية في قولنا : الماهية من حيث هي هي ليست الا هي. فإذا صار الموضوع في علم النحو هي الكلمة من حيث خصوص لحوق

26

البناء والاعراب لها ، والموضوع في علم الصرف هي الكلمة من حيث خصوص لحوق الصحة والاعتلال لها ، فيكون المايز بين علم النحو والصرف هو الموضوع المتحيث بالحيثية الكذائية.

وبعد ذلك ، لا موجب لدعوى ان تمايز العلوم بتمايز الاغراض ، مع أن هناك مايز ذاتي في الرتبة السابقة على الغرض.

وما يقال : من أن الموضوع في علم المعاني هو الكلمة القابلة للحوق البناء و الاعراب لها ، فيرتفع المايز بين علم النحو وعلم المعاني فضعفه ظاهر ، إذا لموضوع في علم المعاني ، ليس هو الكلمة من حيث لحوق الاعراب والبناء لها ، بل هو الكلمة من حيث لحوق الفصاحة والبلاغة لها ، وان كان لحوق الفصاحة والبلاغة لها في حال لحوق البناء والاعراب لها ، الا ان كون الكملة في حال كذا موضوعا لعلم لايكون البحث في ذلك العلم عن ذلك الحال غير كون الكلمة موضوعا بقيد ذاك الحال فتأمل.

وبما ذكرنا من قيد الحيثية يظهر :

ان البحث في جل مباحث الأوامر والنواهي مما يرجع البحث عن مفاهيم الألفاظ ومداليل صيغ الأمر والنهي ، يكون بحثا عما يلحق موضوع علم الأصول و ليس من المعاني اللغوية ، إذ البحث في تلك المباحث انما يكون من حيثية استنباط الحكم الشرعي ، وان كان عنوان البحث أعم ، الا ان قيد الحيثية ملحوظ فتأمل.

وإذا عرفت ما ذكرناه : من أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ، وتمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات ، فلا يهمنا البحث عن أن عوارض الجنس من العوارض الذاتية أو العوارض الغريبة ، ونفصل القول في اقسام كل منها ، فليطلب من المطولات.

بقى في المقام البحث عن الجهة الثالثة

وهي البحث عن موضوع خصوص علم الأصول.

فقيل :

ان موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة بذواتها ، أو بوصف كونها أدلة.

27

والاشكالات الواردة على اخذ الموضوع ذلك مما لا تخفى على المراجع. وكفى في الاشكال هو انه لو كان موضوع علم الأصول ذلك يلزم خروج أكثر مباحثه : من مسألة حجية خبر الواحد ، ومسألة التعادل والتراجيح ، ومسألة الاستصحاب ، و غير ذلك مما لا يرجع البحث فيها عما يعرض الأدلة الأربعة ، بل يلزم خروج جل من مباحث الألفاظ ، كالمباحث المتعلقة بمعاني الأمر والنهي ، ومثل مقدمة الواجب ، واجتماع الأمر والنهي ، حيث تكون من المبادئ التصورية أو التصديقية ، أو من مبادئ الاحكام التي زادها القوم في خصوص علم الأصول ، حيث أضافوا إلى المبادئ التصورية والتصديقية مبادئ أحكامية.

وتوضيح ذلك :

هو ان لكل علم مبادئ تصورية ، ومبادي تصديقية. والمراد من المبادئ التصورية هو ما يتوقف عليه تصور الموضوع واجزائه وجزئياته وتصور المحمول كذلك. والمراد من المبادئ التصديقية هو مما يتوقف عليه التصديق والاذعان بنسبة المحمول إلى الموضوع. فمسألة العلم تكون حينئذ ، هي عبارة عن المحمولات المنتسبة ، أو مجموع القضية ـ على الخلاف. والمراد من المبادئ الأحكامية هو ما يتوقف عليه معرفة الأحكام الشرعية : من التكليفية والوضعية بأقسامهما ، وكذا الأحوال والعوارض للأحكام : من كونها متضادة ، وكون الأحكام الوضعية متأصلة في الجعل ، أو منتزعة عن التكليف ، وغير ذلك من حالات الحكم. ووجه اختصاص المبادئ الأحكامية بعلم الأصول ، هو ان منه يستنتج الحكم الشرعي وواقع في طريق استنباطه.

ثم إن البحث عن المبادئ بأقسامها ، وليس من مباحث العلم ، بل كان حقها ان تذكر في علم اخر ، مما كانت المبادئ من عوارض موضوعه ، الا انه جرت سيرة أرباب العلوم على ذكر مبادئ كل علم في نفس ذلك العلم ، لعدم تدوينها في علم آخر.

وعلى كل تقدير يلزم بناء على أن يكون موضوع علم الأصول هو خصوص الأدلة الأربعة كون كثير من مباحثه اللفظية مندرجة في مبادئ العلم :

28

المبادئ الأحكامية ، أو المبادئ التصديقية ، أو التصورية ، على اختلاف الوجوه التي يمكن البحث عنها ، مضافا إلى لزوم خروج كثير من مهمات مسائله عنه ، كمسألة حجية خبر الواحد ، وتعارض الأدلة ، وغير ذلك.

وما تكلف به الشيخ (قده)

في باب حجية (1) خبر الواحد ، من ادراج تلك المسألة في مسائل علم الأصول على وجه يكون البحث فيها بحثا عن عوارض السنة بما لفظه : « فمرجع هذه المسألة إلى أن السنة أعني قول الحجة أو فعله أو تقريره هل يثبت بخبر الواحد ، أم لا يثبت الا بما يفيد القطع من التواتر والقرينة ، ومن هنا يتضح دخولها في مسائل أصول الفقه ، الباحثة عن أحوال الأدلة الخ » .

لا يخلو عن مناقشة

فان البحث عن ثبوت الموضوع بمفاد كان التامة ، ليس بحثا عن عوارض الموضوع ، فان البحث عن العوارض يرجع إلى مفاد كان الناقصة ، أي البحث عن ثبوت شيء لشيء ، لا البحث عن ثبوت نفس الشيء.

هذا ان أريد من السنة ، نفس قول الحجة ، أو فعله ، أو تقريره ، كما هو ظاهر العبارة. وان أريد من السنة ، ما يعم حكايتها ، بان يكون خبر الواحد قسما من اقسام السنة ، فهو واضح البطلان ، بداهة ان السنة ليست الا نفس قول الحجة ، أو فعله ، أو تقريره.

وبالجملة : لا داعي إلى جعل موضوع علم الأصول ، خصوص الأدلة الأربعة ، حتى يلتزم الاستطراد ، أو يتكلف في الأدراج ، بل الأولى ان يق : ان موضوع علم الأصول ، هو كل ما كان عوارضه واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي ، أو ما ينتهى إليه العمل ان أريد من الحكم الحكم الواقعي ، وان أريد الأعم منه ومن الظاهري ، فلا يحتاج إلى قيد ( أو ما ينتهى إليه العمل ) لان المستفاد

____________

1 ـ فرائد الأصول ـ مباحث الظن ـ بحث خبر الواحد ـ بعد قوله (قدس سره) : « اما المقدمة الأولى .. » ص.

29

من الأصول العملية أيضا هو الحكم الشرعي الظاهري ، اللهم الا ان يكون المراد من القيد ، بعض الأصول العقلية فتأمل جيدا.

ولا يلزمنا معرفة الموضوع بحقيقته واسمه ، بل يكفي معرفة لوازمه وخواصه. فموضوع علم الأصول هو الكلي المتحد مع موضوعات مسائله ، التي يجمعها عنوان وقوع عوارضها كبرى لقياس الاستنباط ، وهذا المقدار من معرفة الموضوع يكفي و يخرج عن كون البحث عن امر مجهول.

فظهر من جميع ما ذكرنا : رتبة علم الأصول ، وتعريفه ، وغايته ، وموضوعه. حيث كانت رتبته : هي الجزء الأخير من علة الاستنباط. وتعريفه : هو العلم بالكبريات التي لو انضم إليها صغرياتها يستنتج حكم فرعى. وغايته : الاستنباط. وموضوعه : ما كان عوارضه واقعة في طريق الاستنباط. وإذ فرغنا من ذلك فلنشرع في المقدمة التي هي في مباحث الألفاظ ، وفيها مباحث :

المبحث الأول في الوضع

اعلم : انه قد نسب إلى بعض ، كون دلالة الألفاظ على معانيها بالطبع ، أي كانت هناك خصوصية في ذات اللفظ اقتضيت دلالته على معناه ، من دون ان يكون هناك وضع وتعهد من أحد ، وقد استبشع هذا القول ، وأنكروا على صاحبه أشد الانكار ، لشهادة الوجدان على عدم انسباق المعنى من اللفظ عند الجاهل بالوضع ، فلا بد من أن يكون دلالته بالوضع.

ثم أطالوا الكلام في معنى الوضع وتقسيمه إلى التعييني والتعيني ، مع ما أشكل على هذا التقسيم ، من أن الوضع عبارة عن الجعل والتعهد واحداث علقة بين اللفظ والمعنى ، ومن المعلوم ان في الوضع التعيني ليس تعهد وجعل علقة ، بل اختصاص اللفظ بالمعنى يحصل قهرا من كثرة الاستعمال ، بحيث صار على وجه ينسبق المعنى من اللفظ عند الاطلاق.

وربما فسر الوضع بمعناه الاسم المصدري ، الذي هو عبارة عن نفس العلقة و الاختصاص الحاصل تارة : من التعهد وأخرى : من كثرة الاستعمال هذا.

30

ولكن الذي ينبغي ان يق :

ان دلالة الألفاظ وان لم تكن بالطبع ، الا انه لم تكن أيضا بالتعهد من شخص خاص على جعل اللفظ قالبا للمعنى ، إذ من المقطوع انه لم يكن هناك تعهد من شخص لذلك ولم ينعقد مجلس لوضع الألفاظ ، وكيف يمكن ذلك مع كثرة الألفاظ والمعاني على وجه لا يمكن إحاطة البشر بها ؟ بل لو ادعى استحالة ذلك لم تكن بكل البعيد بداهة عدم تناهى الألفاظ بمعانيها ، مع أنه لو سلم امكان ذلك ، فتبليغ ذلك التعهد وايصاله إلى عامة البشر دفعة محال عادة.

ودعوى : ان التبليغ والايصال يكون تدريجا ، مما لا ينفع ، لان الحاجة إلى تأدية المقاصد بالألفاظ يكون ضروريا للبشر ، على وجه يتوقف عليه حفظ نظامهم ، فيسئل عن كيفية تأدية مقاصدهم قبل وصول ذلك التعهد إليهم ، بل يسئل عن الخلق الأول كيف كانوا يبرزون مقاصدهم بالألفاظ ، مع أنه لم يكن بعد وضع وتعهد من أحد.

وبالجملة : دعوى ان الوضع عبارة عن التعهد واحداث العلقة بين اللفظ والمعنى من شخص خاص مثل يعرب بن قحطان ، كما قيل ، مما يقطع بخلافها. فلا بد من انتهاء الوضع إليه تعالى ، الذي هو على كل شيء قدير ، وبه محيط ، ولكن ليس وضعه تعالى للألفاظ كوضعه للأحكام على متعلقاتها وضعا تشريعيا ، و لا كوضعه الكائنات وضعا تكوينيا ، إذ ذلك أيضا مما يقطع بخلافه. بل المراد من كونه تعالى هو الواضع ان حكمته البالغة لما اقتضت تكلم البشر بابراز مقاصدهم بالألفاظ ، فلا بد من انتهاء كشف الألفاظ لمعانيها إليه تعالى شانه بوجه ، اما بوحي منه إلى نبي من أنبيائه ، أو بالهام منه إلى البشر ، أو بابداع ذلك في طباعهم ، بحيث صاروا يتكلمون ويبرزون المقاصد بالألفاظ بحسب فطرتهم ، حسب ما أودعه الله في طباعهم ، ومن المعلوم ان ايداع لفظ خاص لتأدية معنى مخصوص لم يكن باقتراح صرف وبلا موجب ، بل لابد من أن يكون هناك جهة اقتضت تأدية المعنى بلفظه المخصوص ، على وجه يخرج عن الترجيح بلا مرجح. ولا يلزم ان تكون تلك الجهة راجعة إلى ذات اللفظ ، حتى تكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية ، كما ينسب

31

ذلك إلى سليمان بن عباد ، بل لابد وأن يكون هنا جهة ما اقتضت تأدية معنى الانسان بلفظ الانسان ، ومعنى الحيوان بلفظ الحيوان.

وعلى كل حال : فدعوى ان مثل يعرب بن قحطان أو غيره هو الواضع مما لا سبيل إليها ، لما عرفت من عدم امكان إحاطة البشر بذلك.

ثم انه قد اشتهر تقسيم الوضع : إلى الوضع العام والموضوع له العام ، والى الوضع الخاص والموضوع له الخاص ، والى الوضع العام والموضوع له الخاص. وربما زاد بعض على ذلك الوضع الخاص والموضوع له العام ، ولكن الظاهر أنه يستحيل ذلك ، بداهة ان الخاص بما هو خاص لا يصلح ان يكون مرآة للعام. ومن هنا قيل : ان الجزئي لايكون كاسبا ولا مكتسبا ، وهذا بخلاف العام ، فإنه يصلح ان يكون مرآة لملاحظة الافراد على سبيل الاجمال.

نعم ربما يكون الخاص سببا لتصور العام وانتقال الذهن منه إليه ، الا انه يكون حينئذ الوضع عاما كالموضوع له ، فدعوى امكان الوضع الخاص والموضوع له العام ، مما لا سبيل إليها. وهذا بخلاف بقية الأقسام ، فان كلا منها بمكان من الامكان إذ يمكن ان يكون الملحوظ حال الوضع عاما قابل الانطباق على كثيرين ، أو يكون خاصا.

ثم ما كان عاما ، يمكن ان يوضع اللفظ بإزاء نفس ذلك العام ، فيكون الموضوع له أيضا عاما على طبق الملحوظ حال الوضع ، كما أنه يمكن ان يوضع اللفظ بإزاء مصاديق ذلك العام وافراده المتصورة اجمالا بتصور ما يكون وجها لها وهو العام وتصور الشيء بوجهه بمكان من الامكان ، فيكون الموضوع له ح خاصا ، هذا.

ولكن لا يخفى عليك ، ان هذا صرف امكان لا واقع له ، بداهة ان الوضع العام والموضوع له الخاص ، يتوقف تحققه على أن يكون هناك وضع وجعل من شخص خاص ، حتى يمكنه جعل اللفظ بإزاء الافراد ، وقد عرفت المنع عن تحقق الوضع بهذا الوجه ، وانه لم يكن هناك واضع مخصوص ، وتعهد من قبل أحد ، بل الواضع هو الله تعالى بالمعنى المتقدم. وح فالوضع العام والموضوع له الخاص بالنسبة إلى الألفاظ المتداولة التي وقع النزاع فيها مما لا واقع له. نعم يمكن ذلك بالنسبة إلى

32

المعاني المستحدثة والأوضاع الجديدة.

ثم لا يذهب عليك ان الوضع العام والموضوع له الخاص يكون قسما من اقسام المشترك اللفظي ، بداهة ان الموضوع له في ذلك انما يكون هي الافراد ، ومن المعلوم تباين الافراد بعضها مع بعض ، فيكون اللفظ بالنسبة إلى الافراد من المشترك اللفظي ، غايته انه لم يحصل ذلك بتعدد الأوضاع ، بل بوضع واحد ، ولكن ينحل في الحقيقة إلى أوضاع متعددة حسب تعدد الافراد.

وبالجملة :

لافرق بين الوضع العام والموضوع له الخاص ، وبين قوله : كلما يولد لي في هذه الليلة فقد سميته عليا ، فكما ان قوله ذلك يكون من المشترك اللفظي ، إذ مرجع ذلك إلى أنه قد جمع ما يولد له في الليلة في التعبير ، وسماهم بعلي ، فيكون من المشترك اللفظي ، إذ لا جامع بين نفس المسميات ، لتباين ما يولد له في هذه الليلة ، فكذلك الوضع العام والموضوع له الخاص.

بل يمكن ان يق : ان قوله كلما يولد لي في هذه الخ يكون من الوضع العام و الموضوع له الخاص أيضا ، غايته ان الجامع المتصور حين الوضع ، تارة يكون ذاتيا للأفراد كما إذا تصور الانسان وجعل اللفظ بإزاء الافراد ، وأخرى يكون عرضيا جعليا ، كتصور مفهوم ما يولد فتأمل جيدا ، هذا.

ولكن يظهر (1) من الشيخ (قده) ـ على ما في التقرير ـ في باب الصحيح و الأعم عند تصور الجامع بناء على الصحيح ، الفرق بين الوضع العام والموضوع له

____________

1 ـ واليك نص ما افاده صاحب التقريرات :

« ان المتشرعة توسعوا في تسميتهم إياها صلاة ، فصارت حقيقة عندهم لا عند الشارع من حيث حصول ما هو المقصود من المركب التام من غيره أيضا. كما سموا كلما هو مسكر خمرا وان لم يكن مأخوذا من العنب مع أن الخمر هو المأخوذ منه وليس بذلك البعيد ، ونظير ذلك لفظ الاجماع ..

إلى أن قال : « فكان مناط التسمية بالصلاة موجود عندهم في غير ذلك المركب الجامع ، فالوضع فيها نظير الوضع العام والموضوع له الخاص ، دون الاشتراك اللفظي » .

مطارح الأنظار ـ ص 5 ـ في تصوير الجامع بناء على القول بوضع الألفاظ للصحيح.

33

الخاص وبين المشترك اللفظي هذا. ولكن يمكن ان يكون مراده من المشترك اللفظي في ذلك المقام ، هو ما تعدد فيه الوضع حقيقة ، لا ما كان التعدد بالانحلال ، كما في الوضع العام والموضوع له الخاص.

وعلى كل حال ، لا اشكال في ثبوت الوضع العام والموضوع له العام كوضع أسماء الأجناس ، والوضع الخاص والموضوع له الخاص كوضع الاعلام.

واما الوضع العام والموضوع له الخاص ، فقيل : انه وضع الحروف وما يلحق بها ، وقيل : ان الموضوع له فيها أيضا عام ، كالوضع. وربما قيل : ان كلا من الوضع والموضوع له فيها عام ، ولكن المستعمل فيه خاص. وينبغي بسط الكلام في ذلك ، حيث جرت سيرة الاعلام على التعرض لذلك في هذا المقام.

فنقول : البحث في الحروف يقع في مقامين :

المقام الأول : في بيان معاني الحروف والمايز بينها وبين الأسماء.

المقام الثاني : في بيان الموضوع له في الحروف ، من حيث العموم و الخصوص.

اما البحث عن المقام الأول

فقد حكى في المسألة أقوال ثلاثة.

القول الأول

هو انه لا مايز بين المعنى الحرفي والمعنى الأسمى في هوية ذاته وحقيقته ، لا في الوضع ولا في الموضوع له ، بل المعنى الحرفي هو المعنى الأسمى ، وكل من معنى لفظة ( من ) ولفظة ( الابتداء ) متحد بالهوية ، وان الاستقلالية بالمفهومية المأخوذة في الأسماء ، وعدم الاستقلالية المأخوذة في الحروف ، ليس من مقومات المعنى الأسمى والمعنى الحرفي. فمرجع هذا القول في الحقيقة إلى أن كلا من لفظ ( من ) ولفظ ( الابتداء ) موضوع للمعنى الجامع بين ما يستقل بالمفهومية ، وما لا يستقل ، فكان كل منهما في حد نفسه يجوز استعماله في مقام الاخر ، الا ان الواضع لم يجوز ذلك ، ووضع لفظة ( من ) لان تستعمل فيما لا يستقل بان يكون قائما بغيره ، ولفظة ( الابتداء ) لان تستعمل فيما يستقل وما يكون قائما بذاته ، فكأنه شرط من قبل الواضع ، مأخوذ في

34

ناحية الاستعمال من دون ان يكون مأخوذا في حقيقة المعنى.

القول الثاني

هو انه ليس للحروف معنى أصلا ، بل هي نظير علامات الاعراب من الرفع والنصب والجر ، حيث إن الأول علامة للفاعلية ، والثاني علامة للمفعولية ، و الثالث علامة للمضاف إليه ، من دون ان يكون لنفس الرفع والنصب والجر معنى أصلا ، فكذلك الحروف ، حيث وضعت لمجرد العلامة لما أريد من مدخولها حسب تعدد ما يراد من الدخول ، مثلا الدار تارة : تلاحظ بما لها من الوجود العيني ، التي هي موجودة كسائر الموجودات التكوينية ، وأخرى : تلاحظ بما لها من الوجود الأيني الذي هو عبارة عن المكان الذي يستقر فيه الشيء ، وكذلك البصرة مثلا تارة : تلاحظ بما لها من الوجود العيني ، وأخرى : تلاحظ بما لها من الوجود الأيني ، و ثالثة : تلاحظ بما انها مبدء السير ، ورابعة : تلاحظ بما انها ينتهى إليها السير.

ومن المعلوم : انه في مقام التفهيم والتفهم لا بد من علامة ، بها يقتدر على تفهيم المخاطب ما أريد من الدار والبصرة من اللحاظات ، فوضع الاعراب علامة لملاحظة الدار بوجودها العيني ، فتقع ح مبتداء أو خبرا فيقال : الدار كذا ، أو زيد في الدار ، ووضعت كلمة ( من ) للعلامة على أن الدار أو البصرة لوحظت كونها مبدء السير ، و ( إلى ) علامة كونها ملحوظة منتهى السير ، وكلمة ( في ) علامة لكونها ملحوظة بوجودها الأيني المقابل لوجودها العيني ، فليس لكلمة ( من ) و ( إلى ) و ( في ) معنى أصلا ، بل حالها حال أداة الاعراب ، من كونها علامة صرفة لما يراد من مدخولاتها ، من دون ان يكون تحت قوالب ألفاظها معنى أصلا. وهذان القولان نسبا إلى الرضى ره لان اختلاف عبارته يوهم ذلك.

القول الثالث

هو ان للحروف معاني ممتازة بالهوية عن معاني الأسماء ، ويكون الاختلاف بين الحروف والاسم راجعا إلى الحقيقة ، بحيث تكون معاني الحروف مباينة لمعاني الأسماء تباينا كليا ، لا ان معانيها متحدة مع معاني الأسماء ، ولا انها علامات صرفة ليس لها معاني. وهذا القول هو الموافق للتحقيق الذي ينبغي البناء عليه. و

35

توضيح ذلك يقضى رسم أمور :

الامر الأول :

في شرح ما قيل في معنى الاسم : من أنه ما دل على معنى في نفسه أو قائم بنفسه ، والحرف ما دل على معنى في غيره أو قائم بغيره ، وقبل ذلك ينبغي الإشارة إلى ما يراد من المعنى والمفهوم.

فنقول : المراد من المعنى والمفهوم هو المدرك العقلاني ، الذي يدركه العقل من الحقائق ، سواء كان لتلك الحقايق خارج يشار إليه ، أو لم يكن ، وذلك المدرك العقلاني يكون مجردا عن كل شيء وبسيطا غاية البساطة ، بحيث لايكون فيه شائبة التركيب ، إذ التركيب من المادة والصورة انما يكون من شأن الخارجيات ، واما المدركات العقلية فليس فيها تركيب ، بل لا تركيب في الأوعية السابقة على وعاء العقل من الواهمة والمتخيلة بل الحس المشترك أيضا ، إذ ليس في الحس المشترك الا صورة الشيء مجردا عن المادة ، ثم يرقى الشيء المجرد عن المادة إلى القوة الواهمة ، ثم يصعد إلى أن يبلغ صعوده إلى المدركة العقلانية ، فيكون الشيء في تلك المرتبة مجردا عن كل شيء حتى عن الصورة ، فالمفهوم عبارة عن ذلك المدرك العقلاني الذي لا وعاء له الا العقل ، ولا يمكن ان يكون ذلك الشيء في ذلك الوعاء مركبا من مادة و صورة ، بل هو بسيط كل البساطة.

وما يقال : من أن الجنس والفصل عبارة عن الاجزاء العقلية ، فليس المراد ان المدركات العقلية مركبة من ذلك ، بل المراد ان العقل بالنظر الثانوي إلى الشيء يحكم : بأن كل مادي لابد وأن يكون له ما به الاشتراك الجنسي ، وما به الامتياز الفصلي ، والا فالمدرك العقلي لايكون فيه شائبة التركيب أصلا ، فمرادنا من المعنى والمفهوم في كل مقام ، هو ذلك المدرك العقلي.

إذا عرفت ذلك فنقول :

في شرح قولهم : ان الاسم ما دل على معنى في نفسه ، أو قائم بنفسه ، هو ان المعنى الأسمى مدرك من حيث نفسه ، وله تقرر في وعاء العقل ، من دون ان يتوقف ادراكه على ادراك امر اخر ، حيث إنه هو بنفسه معنى يقوم بنفسه في مرحلة التصور و

36

الادراك ، وله نحو تقرر وثبوت ، سواء كان المعنى من مقولة الجواهر ، أو من مقولة الاعراض ، إذ الاعراض انما يتوقف وجودها على محل ، لا ان هويتها تتوقف على ذلك ، حتى الاعراض النسبية ، كالأبوة والبنوة ، فان تصور الاعراض النسبية وان كان يتوقف على تصور طرفيها ، الا انه مع ذلك لها معنى متحصل في حد نفسه عند العقل ، و له نحو تقرر وثبوت في وعاء التصور والادراك.

والحاصل :

ان المراد من كون المعنى الأسمى قائما بنفسه ، هو ان للمعنى نحو تقرر و ثبوت في وعاء العقل ، سواء كان هناك لافظ ومستعمل ، أو لم يكن ، وسواء كان واضع ، أو لم يكن ، كمعاني الأسماء : من الأجناس والاعلام ، من الجواهر المركبة و المجردات والاعراض وكل موجود في عالم الامكان ، فإنه كما أن لكل منها نحو تقرر و ثبوت في الوعاء المناسب له من عالم المجردات وعالم الكون والفساد ، فكذلك لكل منها نحو تقرر وثبوت في وعاء العقل عند تصورها وادراكها ، من دون ان يكون لاستعمال ألفاظها دخل في ذلك ، بل معاني تلك الألفاظ بأنفسها ثابتة ومتقررة عند العقل في مقام التصور ، كما يشاهد ان للفظة الجدار مثلا معنى ثابتا عند العقل في مرحلة ادراكه وتصوره على نحو ثبوته العيني التكويني ، من دون ان يتوقف ادراكه على وضع ولفظ واستعمال ، كما لا توقف لوجوده العيني على ذلك ، فهذا معنى قولهم : ان الاسم ما دل على معنى قائم بنفسه ، إذ معنى كونه قائما بنفسه هو ثبوته النفسي ، وتقرره عند العقل.

واما معنى قولهم : ان الحرف ما دل على معنى في غيره ، أو قائم بغيره ، فالمراد منه : هو ان المعنى الحرفي ليس له نحو تقرر وثبوت في حد نفسه ، بل معناه قائم بغيره ، لا بمعنى انه ليس له معنى ، كما توهمه من قال إنه ليس للحروف معنى بل هي علامات صرفه ، بل بمعنى ان معناه ليس قائما بنفسه وبهوية ذاته ، بل قائم بغيره ، نظير قيام العرض بمعروضه وان لم يكن من هذا القبيل ، الا انه لمجرد التنظير والتشبيه ، والا فللعرض معنى قائم بنفسه عند التصور ، وان كان وجوده الخارجي يحتاج إلى محل يقوم به.

37

والحاصل : ان المعنى الحرفي يكون قوامه بغيره ، ونحو تقرره وثبوته بتقرر الغير وثبوته ، كالنسبة الابتدائية والظرفية القائمة بالبصرة والدار عند قولنا : سرت من البصرة وزيد في الدار. ولعل من توهم انه ليس للحروف معنى اشتبه من قولهم في تعريف الحرف : بأنه ما دل على معنى في غيره ، فتخيل ان مرادهم من ذلك هو انه ليس له معنى ، ولكن قد عرفت : انه ليس مرادهم ذلك ، بل مرادهم ان المعنى الحرفي ليس قائما بنفسه نظير قيام المعنى الأسمى بنفسه.

والفرق بين كونه علامة صرفة ، وبين كون معناه قائما بغيره ، هو انه بناء على العلامة يكون الحرف حاكيا عن معنى في الغير متقرر في وعائه ، كحكاية الرفع عن الفاعلية الثابتة لزيد في حد نفسه ، مع قطع النظر عن الاستعمال. وهذا بخلاف كون معناه قائما بغيره ، فإنه ليس فيه حكاية عن ذلك المعنى القائم بالغير ، بل هو موجد لمعنى في الغير ، على ما سيأتي توضيحه انشاء الله تعالى.

الامر الثاني :

لا اشكال في أن المعاني المرادة من الألفاظ على قسمين منها : ما تكون اخطارية ، ومنها : ما تكون ايجادية.

اما الأولى : فكمعاني الأسماء حيث إن استعمال ألفاظها في معانيها يوجب اخطار معانيها في ذهن السامع واستحضارها لديه ، والسر في ذلك هو ما ذكرناه من أن المفاهيم الاسمية لها نحو تقرر وثبوت في وعاء العقل ، الذي هو وعاء الادراك ، فيكون استعمال ألفاظها موجبا لاخطار تلك المعاني في الذهن.

واما الثانية : فكمعاني الحروف حيث إن استعمال ألفاظها موجب لايجاد معانيها من دون ان يكون لمعانيها نحو تقرر وثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال ، بل توجد في موطن الاستعمال ، وذلك ككاف الخطاب وياء النداء ، وما شابه ذلك ، بداهة انه لولا قولك يا زيد وإياك ، لما كان هناك نداء ولا خطاب ، ولا يكاد يوجد معنى ياء النداء وكاف الخطاب الا بالاستعمال وقولك يا زيد وإياك ، فنداء زيد وخطاب عمرو انما يوجد ويتحقق بنفس القول ، فتكون ياء النداء وكاف الخطاب موجدة لمعنى لم يكن له سبق تحقق ، بل يوجد بنفس الاستعمال ، لوضوح انه

38

لا يكاد توجد حقيقة المخاطبة والنداء بدون ذلك ، فواقعية هذا المعنى وهويته تتوقف على الاستعمال ، وبه يكون قوامه. وهذا بخلاف معنى زيد ، فان له نحو تقرر وثبوت في وعاء التصور مع قطع النظر عن الاستعمال ، ومن هنا صار استعماله موجبا لاخطار معناه ، بخلاف معنى ياء النداء وكاف الخطاب ، فإنه ليس له نحو تقرر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال. نعم مفهوم النداء ومفهوم الخطاب له تقرر في وعاء العقل ، الا انه لم توضع لفظة يا وكاف الخطاب بإزائه بل الموضوع بإزاء ذلك المفهوم هو لفظة النداء ولفظة الخطاب ، لا لفظة يا وكاف الخطاب ، بل هما وضعتا لايجاد النداء والخطاب ، وهذا في الجملة مما لا اشكال فيه. انما الاشكال في أن جميع معاني الحروف تكون ايجادية أولا. ظاهر كلام المحقق (1) صاحب الحاشية : هو اختصاص ذلك ببعض الحروف ، وكان منشأ توهم الاختصاص ، هو تخيل ان مثل ( من ) و ( إلى ) و ( على ) و ( في ) وغير ذلك من الحروف تكون معانيها اخطارية ، حيث كان استعمالها موجبا لاخطار ما وقع في الخارج من نسبة الابتداء والانتهاء ، مثلا في قولك سرت من البصرة إلى الكوفة تكون لفظة ( من ) و ( إلى ) حاكية عما وقع في

____________

1 ـ هداية المسترشدين في شرح معالم الدين. الفائدة الثانية من الفوائد التي وضعها في تتمة مباحث الألفاظ. ص 22.

واليك نص ما افاده (قدس سره) في هذا المقام :

« الثانية : الغالب في أوضاع الألفاظ ان تكون بإزاء المعاني التي يستعمل اللفظ فيها ، كما هو الحال في معظم الألفاظ الدائرة في اللغات ، وحينئذ فقد يكون ذلك المعنى أمرا حاصلا في نفسه مع قطع النظر عن اللفظ الدال عليه ، فليس من شأن اللفظ الا احضار ذلك المعنى ببال السامع ، وقد يكون ذلك المعنى حاصلا بقصده من اللفظ من غير أن يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ ، فيكون اللفظ آلة لايجاد معناه وأداة لحصوله ويجرى كل من القسمين في المركبات والمفردات. » إلى أن قال :

« والنوع الأول من المفردات معظم الألفاظ الموضوعة ، فإنها انما تقضى باحضار معانيها ببال السامع من غير أن تفيد اثبات تلك المعاني في الخارج فهي أعم من أن تكون ثابتة في الواقع أولا. والنوع الثاني منها كأسماء الإشارة والافعال الانشائية بالنسبة إلى وضعها النسبي ، وعدة من الحروف كحروف النداء والحروف المشبهة بالفعل و نحوها ، فان كلا من الإشارة والنسبة الخاصة والنداء والتأكيد حاصل من استعمال هذا ، واضرب ، ويا ، وان ، في معاينها .. »

39

الخارج كحكاية لفظة زيد عن معناه هذا.

ولكن الذي يقتضيه التحقيق ان معاني الحروف كلها ايجادية وليس شيء منها اخطارية. وتوضيح ذلك يستدعى بسطا من الكلام في معنى النسبة وأقسامها.

فنقول : ان النسبة عبارة عن العلقة والربط الحاصل من قيام إحدى المقولات التسع بموضوعاتها ، بيان ذلك هو انه لما كان وجود العرض ـ في نفسه و لنفسه ـ عين وجوده ـ لموضوعه وفي موضوعه ـ لاستحالة قيام العرض بذاته ، فلا بد ان تحدث هناك نسبة وإضافة بين العرض وموضوعه ، بداهة ان ذلك من لوازم قيام العرض بالموضوع ، وعينية وجوده لوجوده الذي يكون هو المصحح للحمل ، فإنه لولا قيام البياض بزيد واتحاد وجوده بوجوده لما كاد ان يصح الحمل ، فلا يقال : زيد ابيض ، الا بلحاظ العينية في الوجود ، إذ لولا لحاظ ذلك لكان البياض أمرا مباينا لزيد ، ولا ربط لأحدهما بالآخر ، ولا يصح حمل أحدهما على الاخر ، إذ ملاك الحمل هو الاتحاد في الوجود في الحمل الشايع الصناعي ، فالإضافة الحاصلة من قيام العرض بموضوعه هي المصحح للحمل ، إذ بذلك القيام يحصل الاتحاد والعينية في الوجود ، بل الإضافة تحتاج إليها في كل حمل ، وان لم يكن من الحمل الشايع الصناعي ، كقولك : الانسان حيوان ناطق ، وزيد زيد ، غايته ان في مثل هذا الحمل لابد من تجريد الموضوع بنحو من التجريد حتى لايكون من حمل الشيء على نفسه ، الا ان التجريد يكون بضرب من الجعل والتنزيل ، إذ لا يمكن تجريد الشيء عن نفسه حقيقة ، بل لابد من اعتبار التجريد حتى يصح الحمل ، ويخرج عن كونه من حمل الشيء على نفسه. وهذا بخلاف التجريد في الحمل الشايع الصناعي ، فان التجريد فيه يكون حقيقيا ذاتيا ، لتغاير ذات زيد و حقيقته عن حقيقة الأبيض ، ولا ربط لأحدهما بالآخر لولا الاتحاد الخارجي. وعلى كل حال ، فلا اشكال في أنه عند قيام كل عرض من أي مقولة بمعروضه تحدث إضافة بينهما ، و تلك الإضافة هي المعبر عنها بالنسبة.

ثم انه ، لما كان قيام العرض بموضوعه وعينية وجوده لوجوده فرع وجوده ، بداهة ان وجوده لنفسه كان عين وجوده لموضوعه ، ومن المعلوم : ان عينية الوجود لموضوعه متأخرة بالرتبة عن أصل وجوده ، كان أول نسبة تحدث هي النسبة

40

الفاعلية التي هي واقعة في رتبة الصدور والوجود ، إذ الفاعل ما كان يوجد عنه الفعل على اختلاف الافعال الصادرة عنه ، فنسبة الفعل إلى الفاعل هي أول النسب ، ومن ذلك تحصل الافعال الثلاثة من الماضي والمضارع والامر ، على ما هي عليها من الاختلاف ، الا ان الجميع يشترك في كون النسبة فيه نسبة التحقق و الصدور ، وإيجاد المبدء ، فهذه أول نسبة تحدث بين العرض والموضوع ، ثم بعد ذلك تحدث نسبة المشتق ، لان المشتق انما يتولد من قيام العرض بالموضوع والاتحاد في الوجود الموجب للحمل ، فيقال : زيد ضارب ، ومن المعلوم : ان هذا الاتحاد لمكان صدور الضرب عنه ، فالنسبة الأولية الحادثة هي النسبة الفاعلية ، وفي الرتبة الثانية تحدث نسبة المشتق ، ثم بعد ذلك تصل النوبة إلى نسبة الملابسات من المفاعيل الخمسة ، من حيث إن وقوع الفعل من الفاعل لابد وأن يكون في زمان خاص ، و مكان مخصوص ، في حالة خاصة ، فالنسبة الحاصلة بين الفعل وملابساته انما هي بعد نسبة الفعل إلى الفاعل وقيامه به واتحاده معه المصحح للحمل ، فهذه النسب الثلاث هي التي تتكفلها هيئات تراكيب الكلام ، من قولك : ضرب زيد عمرا ، و زيد ضارب ، وغير ذلك.

ثم إن هناك أدوات اخر تفيد النسبة ، إذ لا يختص ما يفيد النسبة بهيئات التراكيب ، بل الحروف أيضا تفيد النسبة ك‍ ( من ) و ( إلى ) و ( على ) و ( في ) وغير ذلك من الحروف الجارة ، فإنه ( من ) مثلا تفيد نسبة السير الصادر من السائر إلى المكان المسير عنه ، و ( إلى ) تفيد النسبة إلى المكان الذي يسير إليه ، فيقال : سرت من البصرة إلى الكوفة ، فلولا كلمة ( من ) و ( إلى ) لما كاد يكون هناك نسبة بين السير و البصرة والكوفة. وكذا الكلام في كلمة ( في ) حيث إنها تفيد النسبة بين الظرف و المظروف ، فيقال : زيد في الدار ، وضرب زيد في الدار ، غايته انها تارة : تفيد نسبة قيام العرض بالموضوع ، فيكون الظرف مستقرا ، وأخرى : تفيد نسبة ملابسات الفعل ، فيكون الظرف لغوا ، فمثل زيد في الدار يكون من الظرف المستقر ، إذ معنى قولك : زيد في الدار ، هو ان زيدا موجود في الدار وكائن فيها ، وهذا معنى قول النحاة في تعريف الظرف المستقر بأنه ما قدر فيه : كائن ، ومستقر ، وحاصل ، وما شابه

41

ذلك. وليس مرادهم ان هناك لفظا منويا في الكلام ومقدرا فيه ، بل الظرف المستقر هو بنفسه يفيد ذلك من دون ان يكون هناك تقدير في الكلام ، إذ معنى قولك : زيد في الدار ، هو وجود زيد في الدار ، وانه كائن فيها. وهذا بخلاف قولك : ضرب زيد في الدار ، فإنه يفيد نسبة الضرب الحاصل من زيد إلى الدار ، فالظرف اللغو ما أفاد نسبة المبدء إلى ملابسات الفعل بعد فرض تحقق المبدء وصدوره عن الفاعل. و هكذا الكلام في كلمة ( على ) حيث إنها تارة : تفيد نسبة قيام العرض ، وأخرى : تفيد نسبة الملابسات ، فيقال زيد على السطح ، وضرب زيد على السطح ، وكذا الكلام في كلمة ( من ) فإنها تارة يكون الظرف فيها مستقرا كقوله (ص) : حسين منى وانا من حسين ، وأخرى : يكون لغوا كقولك : سرت من البصرة ، حيث إنها تفيد نسبة السير إلى ملابسه من المكان المخصوص.

وحاصل الفرق بين الظرف اللغو والمستقر ، هو ان الظرف المستقر ما كان بنفسه محمولا كقولك : زيد في الدار ، والظرف اللغو يكون من متممات الحمل. فتحصل من جميع ما ذكرنا : ان النسبة على اقسام ، والمتكفل لبيانها أمور : من هيئات التراكيب ، والحروف الجارة. وليكن هذا على ذكر منك لعله ينفعك في مبحث المشتق.

إذا عرفت ذلك ، فلنرجع إلى ما كنا فيه من أن الهيئات والحروف المفيدة للنسبة أيضا تكون معانيها ايجادية لا اخطارية.

فنقول :

قد تقدم ان منشأ توهم ذلك هو تخيل ان هذه الحروف انما تكون حاكية عن النسبة الخارجية المتحققة من قيام إحدى المقولات بموضوعاتها ، ومن هنا تتصف بالصدق والكذب ، إذ لولا حكايتها عن النسبة الخارجية لما كانت تتصف بذلك ، بداهة ان الايجاديات لا تتصف بالصدق والكذب ، بل بالوجود والعدم ، وما يتصف بالصدق والكذب هي الحواكي ، حيث إنه ان طابق الحاكي للمحكي يكون الكلام صادقا ، والا فلا ، فكلمة ( من ) في قولك سرت من البصرة إلى الكوفة تكون حاكية عن النسبة الخارجية الواقعة بين السير والبصرة ومخطرة لها في ذهن

42

السامع.

هذا ولكن التحقيق :

ان معاني الحروف كلها ايجادية حتى ما أفاد منها النسبة.

وبيان ذلك : هو ان شأن أدوات النسبة ليس الا ايجاد الربط بين جزئي الكلام ، فان الألفاظ بما لها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات ، لوضوح مباينة لفظ زيد بما له من المعنى للفظ القائم بما له من المعنى ، وكذا الفظ السير مباين للفظ الكوفة والبصرة بما لها من المعنى ، وأداة النسبة انما وضعت لايجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم ، على وجه يفيد المخاطب فائدة تامة يصح السكوت عليها ، فكلمة ( من ) و ( إلى ) انما جيئ بهما لايجاد الربط ، واحداث العلقة بين السير والبصرة والكوفة الواقعة في الكلام ، بحيث لولا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط وعلقة أصلا.

ثم بعد ايجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم ، يلاحظ المجموع من حيث المجموع ، أي يلاحظ الكلام بما له من النسبة بين اجزائه ، فان كان له خارج يطابقه يكون الكلام صادقا ، أي كانت النسبة الخارجية على طبق النسبة الكلامية ، والا يكون الكلام كاذبا ، وذلك فيما إذا لم تطابق النسبة الكلامية للنسبة الخارجية ، وأين هذا من كون النسبة الكلامية حاكية عن النسبة الخارجية ؟ بل النسبة الكلامية انما توجد الربط بين اجزاء الكلام ، والمجموع المتحصل يكون اما مطابقا للخارج ، أو غير مطابق. وفرق واضح بين كون النسبة الكلامية حاكية عن النسبة الخارجية ومخطرة لها في ذهن السامع وبين ان تكون النسبة موجدة للربط بين اجزاء الكلام ، ويكون المجموع المتحصل من جزئي الكلام بما لهما من النسبة له خارج يطابقه أو لا يطابقه ، فظهر : ان الحروف النسبية أيضا تكون معانيها ايجادية لا اخطارية.

الامر الثالث :

قد ظهر مما ذكرنا وجه المختار من امتياز معاني الحروف بالهوية عن معاني الأسماء تمايزا كليا ، لما تقدم : من أن معاني الأسماء متقررة في وعاء العقل ، ثابتة

43

بأنفسها ، مع قطع النظر عن الاستعمال ، بخلاف معاني الحروف ، فإنها معان ايجادية تتحقق في موطن الاستعمال ، من دون ان يكون لها سبق تحقق قبل الاستعمال ، نظير المعاني الانشائية التي يكون وجودها بعين انشائها ، كايجاد الملكية بقوله بعت ، حيث إنه لم يكن للملكية سبق تحقق مع قطع النظر عن الانشاء ، ومعاني الحروف تكون كذلك بحيث كان وجودها بنفس استعمالها ، وان كان بين الانشائيات و الايجاديات فرق على ما سيأتي بيانه ، فالحروف وضعت لايجاد معنى في الغير ، على وجه لايكون ذلك الغير واجدا للمعنى من دون استعمال الحرف ، كما لايكون زيد منادى من دون قولك يا زيد ، ويكون النسبة بين ما يوجده الحرف من المعنى وبين المعاني الاسمية المتقررة في وعاء العقل نسبة المصداق إلى المفهوم.

مثلا يكون النداء مفهوم متقرر عند العقل مدرك في وعاء التصور وهو من هذه الجهة يكون معنى اسميا ، وقد جعل لفظة النداء بإزائه ، واما الندا الحاصل من قولك يا زيد ، فهو انما يكون مصداقا لذلك المفهوم ، ويتوقف تحققه على التلفظ بقولك يا زيد ، بحيث لا يكاد يوجد مصداق النداء وصيرورة زيد منادى الا بقولك يا زيد ، فلفظة ( ياء النداء ) انما وضعت لايجاد مصداق النداء ، لا انها وضعت بإزاء مفهوم النداء ، كما يدعيه من يقول بعدم الفرق بين المعنى الحرفي والمعنى الأسمى ، وكذا الحال في سائر الحروف ، حيث إنها بأجمعها وضعت لايجاد المصاديق. مثلا لفظة ( الابتداء ) وضعت بإزاء المفهوم المتقرر عند العقل ، واما لفظة ( من ) فلم توضع بإزاء ذلك المفهوم ، بل وضعت لايجاد نسبة ابتدائية بين المتعلقين. وقول النحاة : من أن ( من ) وضعت للابتداء لا يخلو عن تسامح ، بل حق التعبير ان يق : ان لفظة ( من ) وضعت لايجاد النسبة الابتدائية ، وتلك النسبة الابتدائية التي توجدهما لفظة ( من ) لا يكاد يمكن ان يكون لها سبق تحقق في عالم التصور نعم يمكن تصورها بوجه ما ، أي بتوسط المفاهيم الاسمية ، كان يتصور الواضع النسبة الابتدائية الكذائية التي توجد بين السير والبصرة ، وهذه كلها مفاهيم اسمية قد توصل بها إلى معنى حرفي فوضع لفظة ( من ) بإزاء ذلك المعنى الحرفي المتصور بتلك المفاهيم.

فتحصل : ان النسبة بين المعاني الحرفية والمعاني الاسمية ، هي النسبة بين

44

المصداق والمفهوم ، وكم بين المفهوم والمصداق من الفرق ، بداهة تغاير المفهوم و المصداق بالهوية ، وبالاثر والخاصية ، إذ المفهوم لا موطن له الا العقل ، وموطن المصداق هو الخارج ، ولا يعقل اتحاد ما في العقل مع ما في الخارج الا بالتجريد و القاء الخصوصية ، ولا يمكن القاء الخصوصية في الحرف ، لان موطنه الاستعمال و هو قوامه ، فالتجريد والقاء الخصوصية يوجب خروجه عن كونه معنى حرفيا ، هذا بحسب الهوية. وكذا الحال في الآثار والخواص ، فان الرافع للعطش مثلا مصداق الماء ، لا مفهومه ، والمحرق هو مصداق النار ، لا مفهومها.

وحاصل الكلام :

ان الحروف بأجمعها ، وما يلحق بها مما يتكفل معنى نسبيا رابطيا ، انما وضعت لايجاد مصاديق الربط والنسبة ، على ما بين النسب والروابط من الاختلاف من النسبة الابتدائية والانتهائية والظرفية وغير ذلك ، والأسماء وضعت بإزاء مفاهيم تلك الروابط ، فلا ترادف بين لفظة ( ياء ) النداء وبين لفظة ( النداء ) بما لهما من المعنى ، ولا يصح حمل أحدهما على الاخر ، لان لفظة ( يا ) موجدة لمعنى في الغير ، ولفظة ( النداء ) حاكية عن معنى متقرر في وعائه.

ولا يتوهم انه لو كانت نسبة المعنى الحرفي للمعنى الأسمى نسبة المصداق إلى المفهوم لكان اللازم صحة حمل أحدهما على الاخر ، كصحة حمل الانسان على زيد ، فلازمه صحة حمل ( النداء ) على ( ياء ).

وذلك لان صحة الحمل في قولك زيد انسان انما هو لأجل حكاية زيد عن معنى متحد في الخارج مع الانسان ، وهذا بخلاف ( يا ) فإنها ليست حاكية عن معنى متحد مع ( النداء ) بل هي موجدة لمعنى في الغير. نعم ما يوجد بياء النداء يحمل عليه انه نداء من باب حمل الكلي على المصداق فتأمل في المقام جيدا.

الامر الرابع :

قد ظهر مما ذكرنا ان قوام المعنى الحرفي يكون بأمور أربعة :

الأول : ان يكون المعنى ايجاديا ، لا اخطاريا.

الثاني : ان يكون المعنى قائما بغيره لا بنفسه ، كالمعاني الموجدة في باب العقود

45

والايقاعات ، على ما يأتي بيانه.

الثالث : ان لايكون لذلك المعنى الايجادي نحو تقرر وثبوت بعد ايجاده ، بل كان ايجاده في موطن الاستعمال ، ويكون الاستعمال مقوما له ، ويدور حدوثه و بقائه مدار الاستعمال.

الرابع : ان يكون المعنى حين ايجاده مغفولا عنه غير ملتفت إليه ، وهذا لازم كون المعنى ايجاديا وكون موطنه الاستعمال ، بداهة انه لو كان المعنى الحرفي بما انه معنى حرفيا ملتفتا إليه قبل الاستعمال أو حين الاستعمال لما كان الاستعمال موطنه ، بل كان له موطن غير الاستعمال ، إذ لا يمكن الالتفات إلى شيء من دون ان يكون له نحو تقرر في موطن ، فحيث انه ليس للمعنى الحرفي موطن غير الاستعمال ، فلا بد من أن يكون غير ملتفت إليه ومغفولا عنه حين الاستعمال ، نظير الغفلة عن الألفاظ حين تأدية المعاني بها لفناء اللفظ في المعنى وكونه مرآة له ، ولا يمكن الالتفات إلى ما يكون فانيا في الشيء حين الالتفات إلى ذلك الشيء ، كما لا يمكن الالتفات إلى الظل حين الالتفات إلى ذي الظل والمرآة حين الالتفات إلى المرئي.

وبالجملة :

لما كان قوام المعنى الحرفي هو الاستعمال ، ولا موطن له سواه ، فلا بد من أن يكون المعنى غير ملتفت إليه ، بل يوجد مصداق النداء بنفس قولك يا زيد مثلا ، من دون ان يكون هذا المصداق ملتفتا إليه عند القول ، إذ قوامه بنفس القول ، فكيف يكون له سبق التفات. نعم ما يكون ملتفتا إليه هو تنبيه زيد واحضاره وما شابه ذلك ، وهذه كلها معاني اسمية ، والمعنى الحرفي هو ما يتحقق بقولك يا زيد ، ولا يمكن سبق الالتفات إلى ما لا وجود له الا بالقول كما لا يخفى. فهذه أركان أربعة بها يتقوم المعنى الحرفي ويمتاز عن المعنى الأسمى. وبذلك يظهر الفرق بين المعاني الايجادية في باب الحروف ، والمعاني الايجادية في باب المنشآت بالعقود والايقاعات.

وتوضيح ذلك :

هو ان للصيغ الانشائية كبعت وطالق جزء ماديا وجزء صوريا. اما

46

الجزء المادي : فهو مبدء الاشتقاق ، وهو معنى اسمى وله مفهوم متقرر في وعاء العقل. واما الجزء الصوري فهو عبارة عن الهيئة التي وضعت لايجاد انتساب المبدء إلى الذات ، واما الأخبارية والانشائية فهما خارجان عن مدلول اللفظ ، وانما يستفادان من المقام والسياق وقرائن الحال ، لا ان لفظ بعت مثلا يكون مشتركا بين الأخبارية والانشائية. وحينئذ إذا كان المتكلم في مقام الاخبار بحيث استفيد من السياق انه في ذلك المقام ، كان اللفظ موجبا لاخطار المعنى في الذهن من دون ان يوجد باللفظ معنى أصلا ، كما في الأسماء ، وإذا كان المتكلم في سياق الانشاء فايضا يكون موجبا لاخطار المعنى في ذهن السامع ، الا انه مع ذلك يكون موجدا للمنشأ من الملكية ، وموجبا لايجاد شيء لم يكن قبل التلفظ ببعت من ملكية المشترى للمال ، ولكن الذي يوجده اللفظ امر متقرر في حد نفسه ، لا ان تقرره يكون منحصرا في موطن الاستعمال ، بل بالاستعمال يوجد معنى متقرر في الوعاء المناسب له من وعاءات الاعتبار ، حيث كانت الملكية من الأمور الاعتبارية.

والحاصل : ان استعمال صيغ العقود في معانيها يوجب حدوث امر لم يكن إذا كان في مقام الانشاء ، واما بقاء ذلك الامر فلا يدور مدار الاستعمال ، بل يدور مدار بقاء وعائه من وعاء الاعتبار ، فملكية المشترى للمال تبقى ببقاء الاعتبار ، و لا تدور مدار بقاء الانشاء والاستعمال ، بل الملكية هي بنفسها متقررة بعد الانشاء ، وهذا بخلاف المعنى الموجد بالحرف ، فان المعنى الحرفي قراره وقوامه يكون في موطن الاستعمال ، بحيث يدور مدار الاستعمال حدوثا وبقاء ، مثلا ( من ) في قولك سرت من البصرة إلى الكوفة انما توجد الربط والنسبة بين لفظة السير بما لها من المفهوم ، و لفظة البصرة كذلك ، ومن المعلوم : ان هذا الربط يدور مدار الاستعمال ، فما دام متشاغلا بالاستعمال يكون الربط محفوظا ، وبمجرد خروج المتكلم عن موطن الاستعمال ينعدم الربط ، وكذلك النداء في قولك : يا زيد انما يكون قوامه بنفس الاستعمال ، ويكون قائما بقولك : يا زيد ، وليس للنداء الحاصل من القول نحو تقرر وثبوت في وعاء من الأوعية غير وعاء الاستعمال ، بخلاف الملكية الحاصلة من قولك بعت ، حيث إن لها تقررا في وعاء الاعتبار ، فالمعنى الحرفي حدوثا وبقاء متقوم

47

بالاستعمال.

وبالجملة : هناك فرق بين المعنى المنشأ بقولك بعت ، والمعنى الموجد بهيئة بعت ، فان الهيئة انما توجد النسبة بين المبدء والفاعل ، وهذا قوامه بالاستعمال ، فما دام متشاغلا بقوله بعت تكون النسبة بين المبدء والفاعل محفوظة ، وبمجرد الخروج عن موطن الاستعمال تنعدم النسبة ، ويكون لفظ البيع بما له من المعنى مباينا للبايع من دون ان يكون بينهما ربط ، وهذا بخلاف الموجد بالانشاء ، فإنه لا يقوم بالاستعمال وان كان يوجد بالاستعمال ، بل يقوم في الوعاء المناسب له.

فتحصل : ان صيغ العقود وان اشتركت مع الحروف في ايجادها المعنى ، الا انها تفترق عنها في أن المعنى الحرفي يكون قائما بغيره والمعنى الانشائي يكون قائما بنفسه ، والمعنى الحرفي لا موطن له الا الاستعمال والمعنى الانشائي موطنه الاعتبار ، والمعنى الحرفي مغفول عنه عند الاستعمال والمعنى الانشائي ملتفت إليه فتأمل جيدا.

وإذا عرفت مباينة المعنى الحرفي للمعنى الأسمى ، ظهر لك ضعف ما قيل : من أنه ليس للحروف معنى أصلا بل انما هي علامات لإفادة ما أريد من متعلقاتها ، كما حكى نسبة ذلك إلى الشيخ الرضى ره.

وجه الضعف : هو ان العلامة لم تحدث في ذي العلامة معنى يكون فاقدا له لولا العلامة ، بل يكون ذو العلامة على ما هو عليه ، وتكون العلامة لمجرد التعريف ، وشأن الحروف ليس كذلك لوضوح انها تحدث معنى في الغير كان فاقدا له لولا دخول الحرف عليه ، بداهة ان زيدا لم يكن منادى ويصير منادى بسبب ياء النداء ، و مع ذلك كيف يمكن القول بأنها علامة ؟.

وكذلك ظهر ضعف ما قيل أيضا : من أنه لا مايز بين معاني الحروف و معاني الأسماء في ناحية الوضع والموضوع له ، وانما لم يصح استعمال أحدهما مكان الاخر ، لاعتبار الواضع قيد ( ما قصد لنفسه ) في الأسماء في ناحية الاستعمال ، و ( ما قصد لغيره ) في الحروف في تلك الناحية.

وبعبارة أخرى : الأسماء وضعت لتستعمل في المعاني الاستقلالية ، و

48

الحروف وضعت لتستعمل في المعاني الغيرية ، فلا مايز بين المعنى الحرفي والمعنى الأسمى بالهوية.

وجه الضعف : هو ان صاحب هذا القول تتركب دعواه من أمرين :

الأول : دعوى ان كلا من الحرف والاسم وضع للقدر المشترك ، بين ما يستقل بالمفهومية ، وما لا يستقل.

الثاني : دعوى كون عدم صحة استعمال الحرف في مقام الاسم و بالعكس انما هو لأجل منع الواضع عن ذلك في مقام الاستعمال واخذ كل من قيد الآلية والاستقلالية شرطا في ناحية الاستعمال ، ولكن لا يخفى فساد كل من الامرين.

اما الأول : فلان المعنى في حاق هويته ، اما ان يستقل بالمفهومية ، واما ان لا يستقل ، فالامر يدور بين النفي والاثبات من دون ان يكون في البين جامع ، إذ ليس في المعنى تركيب من جنس وفصل حتى يتوهم وضع كل من الحرف والاسم بإزاء الجنس ، وتكون الآلية والاستقلالية من الفصول المنوعة للمعنى كالناطقية والصاهلية ، لما تقدم في الامر الأول من أن المعنى بسيط غاية البساطة ، ليس فيه شائبة التركيب ، وعليه يبتنى عدم الدلالة التضمنية ، كما نوضحه في محله انشاء الله.

فالمعاني في وعاء العقل ، كالأعراض في وعاء الخارج في كونها بسيطة لا تركيب فيها ، ولذا كان ما به الامتياز فيها عين ما به الاشتراك ، كما في السواد و البياض ، أو السواد الشديد والضعيف ، حيث كان امتياز السواد الشديد عن الضعيف بنفس السواد ، وكذا امتياز السواد عن البياض انما يكون بهوية ذاته لا بالفصول المنوعة ، كما في المركبات ، بل السواد بما انه لون يمتاز عن البياض في حد ذاته ، وكذا الشديد والضعيف مع اشتراكهما في الحقيقة يمتاز ان بنفس الحقيقة ، من دون ان يكون هناك مايز خارجي ، هذا حال الاعراض. وكذا الحال في المعاني ، حيث إن المعاني عبارة عن المدركات العقلية التي لا موطن لها الا العقل وهي من أبسط البسائط ، وامتياز بعضها عن بعض يكون بنفس الهوية ، لا بالفصول المنوعة ، و ليس لها جنس وفصل ، فدعوى كون ألفاظ الحروف والأسماء موضوعة للقدر

49

الجامع بين الالية والاستقلالية مما لا محصل لها ، إذ لا يعقل ان يكون المعنى لا مستقل ولا غير مستقل ، فإنه يكون من ارتفاع النقيضين ، فتأمل جيدا.

واما الثاني : فهو أوضح فسادا لما فيه.

أولا : من أن ذلك مبنى على أن يكون للألفاظ واضع خاص حتى يتأتى منه اشتراط ذلك ، وقد تقدم امتناع ذلك في أول المبحث ، مع أنه لو فرض ثبوت واضع خاص فمن المقطوع انه لم يشترط ذلك في مقام الوضع ، لان ذلك خارج عن وظيفة الواضع ، إذ وظيفة الواضع انما هو تعيين مداليل الألفاظ ، لا تعيين تكليف على المستعملين ، لأنه لا ربط للاستعمال بالواضع.

وثانيا : هب ان الواضع اشترط ذلك ، وفرض ان هذا الشرط مما يلزم العمل به ، فما الذي يلزم من مخالفة الشرط باستعمال الحروف مقام الأسماء ، إذ غاية ما يلزم هو مخالفة الواضع ، وهذا لا يوجب كون الاستعمال غلطا ، إذ لا يقصر عن المجاز ، بل ينبغي ان يكون هذا أولى من المجاز ، لان المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، وهذا استعمال في ما وضع له ، غايته انه على غير جهة ما وضع له ، وهذا لا يوجب استهجان الاستعمال ، مع أنه من الواضح استهجان استعمال كلمة ( من ) في مقام كلمة ( الابتداء ) و ( إلى ) في مقام ( الانتهاء ) و ( في ) في مقام ( الظرفية ).

الا ترى : انه لو أراد المتكلم ان يتكلم بألفاظ مفردة بلا نسبة ، يصح ان يتكلم بلفظة الابتداء ، والانتهاء ، والظرف ، والنداء ، والخطاب ، وغير ذلك من الألفاظ المفردة التي يكون لكل منها معنى متحصل في نفسه ، بحيث يسبق إلى ذهن السامع لتلك الألفاظ معانيها ، ولا يصح ان يق للمتكلم : انه ليس لمفردات كلامه معنى متحصل ، وان صح ان يق له : انه ليس لكلامه نسبة يصح السكوت عليها. و هذا بخلاف التكلم بلفظة ( من ) و ( إلى ) و ( في ) و ( يا ) و ( كاف ) وغير ذلك من الحروف ، فأنه لا يسبق إلى ذهن السامع من هذه الألفاظ معنى أصلا ، ويصح ان يق للمتكلم بذلك : انه ليس لمفردات كلامه معنى ، بل يعد هذا الوجه من التكلم مستهجنا ومستبشعا ، فهذا أقوى شاهد على مباينة الحروف للأسماء ، وعدم اتحاد معانيهما ، بداهة ان الاتحاد في المعنى يوجب صحة استعمال كل منهما في مقام الاخر ، و

50

المفروض انه لا يصح ، فلابد من أن يكون هناك مايز بينهما على وجه يختلف هوية كل منهما عن هوية الاخر ، بحيث لا يصح استعمال كل منهما في مقام الاخر ولو على نحو المجازية ، لعدم ثبوت علاقة بين المعنيين مصححة للاستعمال.

فتحصل

من جميع ما ذكرنا انه لا جامع بين المعنى الحرفي والمعنى الأسمى ، وان الحروف وضعت لايجاد معنى في الغير بالقيود الأربعة المتقدمة ، والأسماء وضعت بإزاء المفاهيم المقررة في وعاء العقل ، فتأمل في المقام فإنه مما زلت فيه الاقدام. وبما ذكرنا ظهر : الخلل في ما عرف به الحرف ، من أنه ما دل على معنى في الغير.

وجه الخلل : هو ان الدلالة تستدعى ثبوت المدلول وتقرره ، والمفروض انه ليس للمعنى الحرفي تقرر وثبوت. ونحن لم نجد في تعاريف القوم ما يكون مبينا لحقيقة المعنى الحرفي ، على وجه يكون جامعا لأركانه الأربعة ، الا ما روى (1) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله : الاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى ، والحرف ما أوجد معنى في غيره ، على بعض النسخ ، وفي بعض آخر : والحرف ما أنبأ عن معنى ليس بفعل ولا اسم ، والظاهر أن يكون الأول هو الصحيح ، لأنه هو المناسب لان يكون عن إفاداته (ع) التي يفتتح منها الف باب ، و

____________

1 ـ نقلت هذه الرواية من مآخذ متعددة بعبارات مختلفة : منها : فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبأ به والحرف ما جاء لمعنى. ومنها : فالاسم ما دل على المسمى والفعل ما دل على حركة المسمى والحرف ما أنبأ عن معنى وليس باسم ولا فعل. ومنها : الاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبأ حركة المسمى والحرف ما أوجد معنى في غيره. راجع لتحقيق مأخذ هذه الرواية « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام » تصنيف العالم الجليل السيد حسن الصدر. ص 46 إلى 61 وصنف العالم الجليل السيد على البهبهاني (ره) كتابا مستقلا في تحقيق معنى الرواية وسماه ( بالاشتقاق ) و ذكر فيه : « الرواية مشتهرة بين أهل العربية اشتهار الشمس في رابعة النهار » .