فوائد الأصول - ج4

- الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني المزيد...
795 /
3

صورة

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأولين والآخرين محمد وآله الطاهرين ، واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. وبعد ، فهذا هو الجزء الرابع من كتابنا الموسوم ب‍ « فوائد الأصول » وهو يشتمل على مهمات مباحث الاشتغال والاستصحاب والتعادل والتراجيح ، وهي نتيجة ما تلقيته من بحث شيخنا الأستاذ ، الامام الفقيه ، علم العلم وبدر سمائه ومشكاة نوره ، مفصل الصواب وفصل الخطاب ، من قد استبطن أسرار العلوم واستجلى غوامضها ومحص حقائقها وأحصى مسائلها وأحاط بفروعها وأصولها ومعقولها ومنقولها ، صدر العلماء وعين الفقهاء ، قبلة المشتغلين وخاتمة المجتهدين آية الله في العالمين ، من قد ألقت له الرياسة الدينية أزمتها في أواسط القرن الرابع عشر ، حضرة « الميرزا محمد حسين الغروي النائيني » متع الله الاسلام بشريف وجوده ، آمين.

4

الفصل الثاني

من المقام الثالث

في الشك في المكلف به

والكلام فيه يقع في مقامين :

المقام الأول : في تردد المكلف به بين المتباينين.

المقام الثاني : في تردده بين الأقل والأكثر.

أما المقام الأول

ففيه مباحث. وقبل الخوض فيها ينبغي تقديم أمور :

الأول :

في ضابط الشك في المكلف به.

وحاصله : أن رجوع الشك إلى المكلف به لا يكون إلا بعد العلم بالتكليف في الجملة ، وإلا كان من الشك في التكليف لا المكلف به.

وتوضيح ذلك : هو أنه قد تكرر منا أن القضايا المتضمنة للأحكام الشرعية

5

ليست من القضايا الشخصية الخارجية (1) بل هي من القضايا الحقيقية التي يفرض فيها وجود الموضوعات في ترتب المحمولات عليها (2) وهي بمنزلة

____________

بسم الله الرحمن الرحيم

1 ـ أقول : لا يخفى أن مفاد القضايا الحقيقية على فرض تسليمها في القضايا الطلبية والخطابات التكليفية يس إلا فعلية الحكم واقعا بوجود موضوعه واقعا ، من دون اقتضاء هذا المقدار العلم به وجدانا ، فترتب لعلم بوجود الموضوع لابد من مقدمة أخرى غير مرتبطة بلوازم القضية ، خارجية كانت أم حقيقية ، فجعل هذه الجهة مقدمة لتوضيح المرام لا يخلو عن غضاضة. ثم إن ما ذكر إنما في التكاليف المنوطة بوجود الشيء خارجا ، وأما التكاليف المطلقة مثل « أقيموا الصلاة » وأمثاله ، فلا يكون تنجز التكليف إلا بالعلم بالكبرى محضا بلا احتياج إلى العلم بشيء آخر ، كما لا يخفى.

2 ـ أقول : قد تقدم منا في مباحث الألفاظ بأن القضية الحقيقية بعدما لا يكون إلا إنشاء الحكم على موضوع أعم من الفعلية والفرضية ، فلا محيص من كونه بفعلية وجود موضوعه فعليا ، وبفرضه فرضيا ، نظير « النار حارة » وبعد ذلك نقول أيضا : إن هذه القضية غير متكفل لمقام العلم بالصغرى أو الكبرى ، بل لابد وأن يكون العلم المزبور من أسباب خارجة عن مفاد هذه القضية ، فهذه القضية داخلة في الخطابات الواقعية المشتركة بين العالم والجاهل ، وبعد ذلك نسئل بأنه في ظرف وجود موضوعه واقعا مع جهل المكلف به ، فأي مرتبة من الحكم يصير فعليا ؟ فان أريد مرتبة محركية العبد نحو العمل فهو غلط واضح مع وجود قبح العقاب بلا بيان ، وإن أريد مرتبة محركية اشتياقه بالعمل للمولى ـ لصيرورته بصدد إبراز اشتياقه وتهيئة أسباب تحريك عبده في ظرف تحقق شرائط التنجز على عبده ـ فهو فعلا قبل وجود موضوعه حاصل ، وحينئذ فأي شيء أريد من الحكم الذي بفعلية موضوعه يصير فعليا ؟ وبفرضه يكون فرضيا ، الذي هو شأن القضايا الحقيقية. وتوهم الجعل في حقيقة الحكم التكليفي كالوضعي أيضا من الأغلاط ، إذ بعد إبراز المولى إرادته واشتياقه يكفي ذلك ، لحكم العقل بالامتثال ولو لم تكن في البين جعل أصلا ، مع أن مرتبة محركية الاشتياق في ظرف وجود الموضوع الذي هو المسمى بالإرادة فرع وجود الاشتياق عند وجود الموضوع ، والحال ان كثيرا ما يكون المولى في هذا الحين في حال لا يتمشى منه الإرادة والاشتياق ، بل ربما يكون اميتا ، كما في الوصية بنحو القضية الحقيقية ، كقوله : « كل من دخل داري فأكرموه » فأنشدكم بالله ! اي حكم يصير فعليا بفعلية موضوعه بعد موته ؟ فلا محيص إلا ان تقول حينئذ بان الحكم هو الايجاب المجعول بلا إرادة حين وجوده ، وهذا المعنى مما يضحك به الثكلى ! فهل بذلك حينئذ إلا من الالتزام بعدم جريان القضايا الحقيقية في الطلبيات ، وان مثل هذا التقسيم إنما هو في محمولات تكون ظرف عروضها

6

الكبريات لأقيسة الاستنباط ولابد في تحقق الحكم وفعليته من وجود الموضوع خارجا ، ويكون ذلك بمنزلة الصغرى لتلك الكبرى المجعولة الشرعية ، والنتيجة هي الحكم الفعلي الشرعي الذي يستتبع عصيانه وإطاعته العقاب والثواب. فقول الشارع : « الخمر حرام » إنما هو كبرى كلية لا يستتبع العلم بها شيئا من الثواب والعقاب ما لم ينضم إليها صغرى وجدانية ليتألف قياس الاستنباط من تلك الصغرى الوجدانية والكبرى المجعولة الشرعية ، فيقال : « هذا خمر ، وكل خمر يحرم شربه » والنتيجة هي الحكم الشرعي المستتبع موافقته ومخالفته للثواب والعقاب : فيتوقف العلم بالحكم الشرعي الفعلي على العلم بكل من الصغرى والكبرى ، ولا يكاد يحصل العلم بالحكم مع الشك في إحديهما ولو مع العلم بالأخرى ، بل يكون ذلك من الشك في التكليف لا المكلف به.

فضابط الشك في التكليف : هو رجوع الشك ، إما إلى تحقق الصغرى خارجا ، وإما إلى جعل الكبرى شرعا (1) غايته : أنه إن كان الشك في تحقق الصغرى تكون الشبهة موضوعية ، وإن كان في جعل الكبرى تكون الشبهة حكمية. ومنشأ الشك في الصغرى أحد موجبات الجهل بوجود الموضوع ، وفي الكبرى فقد النص أو إجماله أو تعارضه. وقد تقدم الكلام فيها.

وضابط الشك في المكلف به : هو رجوع الشك ، إما إلى نفس متعلق التكليف وهو الفعل أو الترك المطالب به أو بنقيضه ، وإما إلى متعلق المتعلق وهو الموضوع الخارجي لأجل تردده بين أمور بعد العلم بتحققه خارجا أو ما هو بمنزلة العلم من الامارات والأصول الشرعية.

____________

واتصافها خارجيا ، ولا يشمل الأمورات التي لا تكون ظرف عروضها إلا ذهنا بلا تبعيتها لوجوداتها خارجا.

1 ـ ولا فرق في ذلك بين الشك في أصل جعل الكبرى أو الشك في قيدية شيء لها بناء على المختار من جريان البراءة في الشك بين الأقل والأكثر الارتباطيين ( منه ).

7

الثاني :

في أقسام الشك في المكلف به : وهي كثيرة ، لأن الشك إما أن يكون في متعلق التكليف ، وإما أن يكون في متعلق المتعلق.

فعلى الأول : إما أن يكون الشك في تحقق المتعلق خارجا بعد العلم بجنس التكليف وفصله ، وجنس المتعلق وفصله (1) وينحصر ذلك ظاهرا بموارد الشك في المحصل والفراغ (2) على ما يأتي تفصيله.

وإما أن يكون الشك في فصل المتعلق مع العلم بجنسه وجنس التكليف وفصله ، كما إذا علم بوجوب الصلاة في يوم الجمعة وشك في أنها الظهر أو الجمعة

وإما أن يكون في جنس المتعلق مع العلم بجنس التكليف وفصله ، كما إذا شك في وجوب الصلاة أو الزكاة مع العلم بوجوب أحدهما إجمالا.

وإما أن يكون في فصل التكليف ، وهذا قد يكون مع العلم بجنس المتعلق وفصله ، كما إذا علم بتعلق الالزام بالفعل الخاص وشك في أنه الوجوب أو الحرمة.

وقد يكون مع الشك في فصل المتعلق مع العلم بجنسه أو مع الشك في جنسه أيضا ، كما إذا شك في وجوب صلاة الظهر أو حرمة الجمعة مع العلم بإحديهما إجمالا ، أو شك في وجوب الصلاة أو حرمة الغناء كذلك.

وأما الشك في جنس التكليف فهو ليس من أقسام الشك في المكلف به ، فإنه يعتبر في جميع أقسام الشك في المكلف به العلم بجنس التكليف.

وعلى الثاني : فإما أن تكون الشبهة وجوبية ، وإما أن تكون تحريمية. وعلى

____________

1 ـ أقول : هذا التشقيق أجنبي عن المقام ، ولا مجال لتصحيحه حتى بالعناية.

2 ـ لا يخفى أن الشك في المحصل لا يرجع إلى الشك في متعلق التكليف إلا بنحو من العناية ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ( منه ).

8

كلا التقديرين : إما أن يتردد متعلق المتعلق بين أمور محصورة ، وإما أن يتردد بين أمور غير محصورة ، على ما سيأتي من الضابط لهما.

فهذه جملة الأقسام المتصورة في الشك في المكلف به المردد بين المتباينين.

وأما المردد بين الأقل والأكثر : فأقسامه أيضا كثيرة يأتي تفصيلها في المقام الثاني

والأقوى في جميع الأقسام المذكورة للشك في المكلف به المردد بين المتباينين هو وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية ، إلا إذا كان هناك مانع عقلي كما في موارد دوران الامر بين المحذورين على ما تقدم بيانه ، أو مانع شرعي كما في موارد قاعدة الفراغ والتجاوز أو غير ذلك : وسيأتي بيانه.

الثالث :

البحث عن وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية في موارد الشك في المكلف به إنما يقع بعد الفراغ عن ثبوت التكاليف الواقعية وإطلاق أدلتها وعدم تقييدها بصورة العلم (1) حكما وموضوعا وبعد كون الألفاظ موضوعة للمعاني النفس الامرية من غير دخل للعلم في ذلك (2) بداهة أن مسألة دخل العلم في معاني الألفاظ إنما هي من المسائل اللغوية ، ومسألة إطلاق الأدلة من المسائل الفقهية ، والبحث عنهما لا يناسب الأصولي ، مع أن كلا من المسألتين من المسائل الواضحة المتسالم عليها ، فالمبحوث عنه في المقام إنما هو ثبوت الرخصة الظاهرية التي اقتضتها الأصول العملية وعدم ثبوتها مع بقاء الواقع على ما هو عليه من غير تقييد ولا نسخ ولا تصويب.

____________

1 ـ أقول : أي التفصيلي ، وإلا فالعلم الاجمالي غير مانع عن الجريان في المقام.

2 ـ أقول : مع أن محط الكلام بعد الفراغ عن العلم بأي وجه بلا احتياج إلى النزاع في مسألة أخرى ، كما هو واضح.

9

إذا انمهدت هذه الأمور فالكلام يقع في المباحث

المبحث الأول

في الشك في المكلف به في الشبهة الموضوعية التحريمية

وإنما قدمناها على الشبهة الوجوبية لقوة المخالف فيها ، حيث ذهب إلى عدم حرمة المخالفة القطعية في الشبهة التحريمية بعض من قال : بأن العلم الاجمالي كالتفصيلي يقتضي التنجيز ، لتوهم شمول مثل قوله (عليه السلام) « كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه » (1) لموارد العلم الاجمالي في الشبهة التحريمية الموضوعية ، وهذا بخلاف الشبهة الوجوبية ، فإنه لم يخالف في حرمة المخالفة القطعية فيها كل من قال : بأن العلم الاجمالي كالتفصيلي يقتضي التنجيز ، إلا بعض من لا يعتد بخلافه.

نعم : من قال : بأن العلم الاجمالي لا يقتضي التنجيز كما نسب إلى المحقق الخونساري ـ (رحمه الله) ـ لابد له من الالتزام بعدم حرمة المخالفة القطعية مطلقا في الشبهة الوجوبية والتحريمية. وعلى كل حال. البحث عن الشبهة التحريمية الموضوعية في الشك في المكلف به يقع في مقامين :

المقام الأول : في الشبهة المحصورة.

المقام الثاني : في الشبهة الغير المحصورة.

____________

1 ـ الوسائل : الباب 4 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 ولفظ الحديث « كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ».

10

أما المقام الأول :

فالكلام فيه يقع من جهتين :

الأولى : في حرمة المخالفة القطعية.

الثانية : في وجوب الموافقة القطعية.

أما الجهة الأولى :

فالأقوى فيها حرمة المخالفة القطعية ، ويتضح وجهه بالتنبيه على أمر قد تقدم بيانه في مبحث القطع والظن ، وهو أن الاحكام الظاهرية المجعولة في باب الطرق والامارات والأصول بعد اشتراكها في أخذ الشك في مؤدياتها إما موضوعا كما في الأصول وإما موردا كما في الامارات ، تمتاز بعضها عن بعض باعتبار اختلاف ما هو المجعول فيها ، فان المجعول في باب الامارات هو نفس الطريقية والوسطية في الاثبات ، والمجعول في باب الأصول التنزيلية هو البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر ، والمجعول في باب الأصول الغير التنزيلية هو مجرد الجري العملي وتطبيق العمل على أحد طرفي الشك لا على أنه هو الواقع.

وقد تقدم تفصيل ذلك كله في مبحث الظن عند الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. والغرض من إعادته جرد التنبيه عليه لتكون على ذكر منه حيث إنه ينفعك في المقام.

وبعد ذلك نقول : إن الأصول العملية تختلف من حيث الجريان وعدم الجريان في أطراف العلم الاجمالي حسب اختلاف المجعول فيها وحسب اختلاف المعلوم بالاجمال.

وتوضيح ذلك : هو أن العلم الاجمالي عبارة عن خلط علم بجهل ، وتنحل القضية المعلومة بالاجمال إلى قضية معلومة بالتفصيل على سبيل منع الخلو في

11

ضمن جميع الأطراف وقضيتين مشكوكتين في كل طرف بالخصوص (1) فلو

____________

1 ـ أقول : مقتضى التحقيق أن يقال : إن العلم تارة يتعلق بعنوان إجمالي بشيء ، وأخرى يتعلق بعنوان تفصيلي له ، والأول هو المسمى بالعلم الاجمالي ، والثاني بالعلم التفصيلي ، ومرجع الفرق بينهما إلى التفصيل والاجمال في معروض العلم ومتعلقه ، وإلا ففي نفس العلم لا فرق بينهما ، وحينئذ لا مجال لاتصاف العلم بالتفصيلي إلا مع كون متعلقه عنوانا تفصيليا لشيء ، وإلا فمع إجمال متعلقه لا محيص إلا من كونه إجماليا ، والتعبير عنه حينئذ بالعلم التفصيلي في غير محله.

ثم إن من لوازم العلم بالعنوان الاجمالي محضا الشك بعنوان كل واحد من طرفيه تفصيلا ، ولذلك يكون العلم الاجمالي توأما مع الشكين تفصيليين أو أزيد ، حسب ازدياد طرف العلم عن الاثنين ، وحيث إن قوام العلم والشك في عالم العروض بنفس العنوان من دون سرايته منه إلى المعنون ـ ولذا يكون الخارج ظرف اتصافه بالمعلومية أو المشكوكية ، وإلا فظرف عروضه ليس إلا الذهن ، بشهادة أنه ربما لا يكون موجودا في الخارج ، مع أن العلم والشك وأمثالهما من الصفات المتقومة بوجود المعروض موجود فلا محيص من أن يكون معروضها المقوم بوجودها ما هو المخزون في الذهن ، غاية الامر في عالم عروضها عليه لابد وأن يلحظ الموجود الذهني بنحو الفناء في الخارجيات ، بمعنى كونه ملحوظا خارجيا بلا نظر إلى حيث ذهنيته. وبعدما كان كذلك ، فنقول : من البديهي أن العنوان الاجمالي في عالم العنوانية مبائن مع العنوان التفصيلي وإن اتحدا وجودا ولازمه عدم سراية العلم الاجمالي القائم بعنوانه إلى المعنون التفصيلي ، إذ في عالم العروض كل واحد من العناوين الاجمالية والتفصيلية غير الآخر ، فالعارض لاحد العنوانين غير عارض للآخر ، ومن ذلك يجتمع الشك بالعنوان التفصيلي مع العلم بالعنوان الاجمالي مع اتحادهما وجودا وخارجا ، ولولا تباين المعروضين للزم اجتماع اليقين والشك في شيء واحد ، مع أن التضاد بين اليقين والشك كالنار على المنار ، وذلك أيضا شاهد صدق على عدم سراية هذه الصفات إلى الوجود الخارجي ، بل وقوفها بنفس العنوان ، فان العنوانين حينئذ لما كانا متباينان لا يبقى جهة تضاد بينهما ، لعروض كل منهما بعنوان غير معروض الآخر. وحيث عرفت ذلك نقول : في فرض دوران الامر بين المعروضين ما هو معروض العلم هو عنوان « أحد الامرين » لا خصوص الفعل ولا خصوص الترك ، فكل واحد من الفعل والترك بهذا العنوان التفصيلي لهما تحت الشك ، وحينئذ فلو كان موضوع الإباحة التعبدية الشك في لزوم الفعل أو الترك ، فكل واحد بعنوان الفعل أو الترك مشكوك ، وإن كان بعنوان أحدهما معلوم الالزام ، وعليه فلو ورد في البين ترخيص في فعله وتركه ، لا يكاد يشمل هذا الترخيص التعبدي أزيد من الفعل المشكوك والترك المشكوك ، ولا يكاد يشمل العنوان الاجمالي المعلوم ، كي لا يصح التعبد بالنسبة إليه ، ولكن ذلك المقدار لا يفيد ولا يقتضي

12

علم بوجوب أحد الشيئين أو الأشياء ، فهنا قضية معلومة تفصيلا وهي وجوب أحدهما على سبيل منع الخلو ، وقضيتان مشكوكتان إحداهما : وجوب هذا الطرف بالخصوص ، والأخرى : وجوب الطرف الآخر كذلك. ولو كانت الأطراف متعددة فالقضايا المشكوكة تزيد بمقدار عدد الأطراف.

ومن المعلوم : أن رتبة الحكم الظاهري ليست محفوظة بالنسبة إلى نفس القضية المعلومة بالتفصيل : لان الجهل مما لابد منه في كل حكم ظاهري ، أمارة كان أو أصلا تنزيليا أو غير تنزيلي ، فلا مجال للتعبد بكل أمارة أو أصل كان مؤداه مماثلا أو مضادا لنفس المعلوم بالاجمال : فلو فرض أن هناك أصلا كان مؤداه مضادا لنفس المعلوم بالاجمال ، فهذا الأصل لا يجري ، وينحصر ذلك (1) ظاهرا في أصالة الإباحة عند دوران الامر بين المحذورين : لما تقدم في تلك المسألة من أن أصالة الإباحة تقابل نفس المعلوم ، فلو علم إجمالا بوجوب فعل شيء أو تركه ، فأصالة الإباحة من الفعل تقتضي الرخصة في كل من الفعل والترك وكذا أصالة الإباحة من الترك تقتضي ذلك ، وهذا ينافي العلم

____________

في منع شموله للطرفين تفصيلا من عنوان الفعل والترك ، والمفروض أن أصل الإباحة التعبدية أيضا لا يقتضي أزيد من الترخيص في طرفي الفعل والترك ، ولا يشمل لعنوان أحدهما المبائن مع عنواني الفعل والترك ، كي يلزم عدم صحة التعبد بالإباحة في مورد العلم بالمحذورين.

وتوهم عدم جريان أصالة الإباحة في المحذورين دون سائر الأصول الجارية في الطرفين في غاية الدفع ، وحينئذ لا يبقى في البين إلا شبهة مضادة الترخيصين مع الالزام الواقع ، وبعد إمكان الجمع بين الإباحة الظاهرية مع اللزوم الواقعي لا يبقى مانع عن الجريان إلا حيث تنجيز الواقع ، ومع عدم تنجزه أيضا بحكم العقل لا يبقى مجال لرفع اليد عن إطلاق أصالة الحلية في مثل المورد ـ كاطلاق أدلة سائر الأصول للطرفين ولو لدفع احتمال ايجاب الاحتياط الشرعي في البين ـ كي يتوهم بأن مع حكم العقل تنجزيا بالتخيير لا مجال لجريان الترخيص الشرعي ، كما لا يخفى.

1 ـ سيأتي في بعض المباحث أن قاعدة الفراغ في بعض موارد الشك في أفعال الصلاة يكون مؤداها مضادا للمعلوم بالاجمال أيضا ( منه ).

13

بوجوب الفعل أو الترك ، فأصالة الإباحة لا تجري في كل من طرفي الفعل والترك ، لأن مفادها يضاد المعلوم بالاجمال ، فلا موضوع لها ، لما عرفت : من أن الشك قد اخذ موضوعا في الأصول العملية مطلقا.

وأما ما عدا أصالة الإباحة من البراءة والاستصحاب في مسألة دوران الامر بين المحذورين ومطلق الأصول حتى أصالة الإباحة في غير تلك المسألة ، فلا يقابل شيء منها نفس المعلوم بالاجمال ، ولا تكون مؤدياتها مضادة لما هو المحرز بالوجدان ، لأنها إنما تجري في الأطراف وكل واحد من الأطراف مجهول الحكم ، فان كل واحد من الشيئين اللذين علم بوجوب أحدهما أو الانائين اللذين علم بنجاسة أحدهما مشكوك الوجوب والطهارة ، وأصالة البراءة أو الطهارة إنما تجري في كل واحد من الشيئين أو الانائين بخصوصه ، وليس مؤداها عدم وجوب أحدهما إجمالا أو عدم نجاسة أحدهما كذلك لينافي العلم الاجمالي بوجوب أحدهما أو نجاسة أحدهما ، بل مؤداها عدم وجوب هذا الشيء بخصوصه وعدم وجوب الشيء الآخر بخصوصه ، وكل من الشيئين بخصوصه لم يتعلق العلم بوجوبه ، فلا يكون مؤدى الأصلين في كل واحد من الطرفين مضادا لنفس المعلوم بالاجمال.

نعم : قد تقدم منا الاشكال في جريان البراءة والاستصحاب في دوران الامر بين المحذورين ، إلا أن الاشكال ليس من جهة انتفاء الموضوع بل من جهة أخرى : لأنه لا يعتبر في موضوع الأصل أزيد من الجهل بالحكم ، وكل من الفعل أو الترك بخصوصه عند العلم بوجوب أحدهما مشكوك الوجوب والبرائة والاستصحاب إنما يجري في كل من الفعل والترك بخصوصه ، فلا يضاد مفاد البراءة والاستصحاب نفس المعلوم بالاجمال ، وهذا بخلاف أصالة الإباحة ، فان مفادها يضاد نفس المعلوم بالاجمال ، لما عرفت من أن معنى أصالة الإباحة في الفعل هو الرخصة في الفعل والترك وعدم وجوب أحدهما ، وهو ينافي العلم

14

بوجوب أحدهما ، فالفرق بين أصالة الإباحة وسائر الأصول مما لا يكاد يخفى.

فتحصل مما ذكرنا : أن إشكال انتفاء الموضوع ينحصر بأصالة الإباحة في خصوص مقام دوران الامر بين المحذورين ، دون ساير الأصول في ذلك المقام ، ودون مطلق الأصول في غير ذلك المقام.

نعم : في خصوص الأصول التنزيلية المحرزة كالاستصحاب جهة أخرى غير انتفاء الموضوع تمنع عن جريانها في أطراف العلم الاجمالي ، وهي قصور المجعول فيها عن شموله لأطراف العلم الاجمالي.

وتوضيح ذلك : هو أن المجعول في الأصول التنزيلية ـ على ما عرفت ـ إنما هو البناء العملي والاخذ بأحد طرفي الشك على أنه هو الواقع وإلقاء الطرف الآخر وجعل الشك كالعدم في عالم التشريع ، فان الظاهر من قوله (عليه السلام) ـ في أخبار الاستصحاب : « لا تنقض اليقين بالشك » هو البناء العملي على بقاء المتيقن وتنزيل حال الشك منزلة حال اليقين والاحراز ، على ما سيأتي توضيحه في محله.

وهذا المعنى من الحكم الظاهري في الشبهات البدوية الغير المقرونة بالعلم الاجمالي يمكن جعله ، وكذا المقرونة بالعلم الاجمالي لكن بالنسبة إلى بعض الأطراف. وأما بالنسبة إلى جميع الأطراف ، فلا يمكن مثل هذا الجعل ، للعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف وانقلاب الاحراز السابق الذي كان في جميع الأطراف إلى إحراز آخر يضاده (1) ومعه كيف يمكن الحكم ببقاء الاحراز السابق في جميع الأطراف ولو تعبدا ، فان الاحراز التعبدي لا يجتمع مع

____________

1 ـ أقول : الذي انتقض إنما هو العلم بطهارة أحدهما ، وإلا فالعلم بطهارة كل عنوان تفصيلي ما انتقض أبدا. ولئن شئت قلت : بأن ما نحن فيه من قبيل انتقاض العلم بطهارة أحدهما ، لا انتقاض أحد العلمين بالطرفين تفصيلا ، بل العلم بطهارة كل منهما مما شك في بقائه بلا انتقاضه بعلم آخر ، فتدبر.

15

الاحراز الوجداني بالخلاف.

والحاصل : أنه لا يمكن الحكم ببقاء الطهارة الواقعية في كل من الانائين مع العلم بنجاسة أحدهما.

نعم : يمكن الحكم ببقاء الطهارة الواقعية في أحد الانائين دون الآخر ، لأنه لا يعلم بنجاسته بالخصوص ، فالذي لا يمكن هو الجمع بين الحكمين وجعل الاستصحابين معا ، وهذا من غير فرق بين أن يلزم من جريان الاستصحابين مخالفة عملية كالمثال ، حيث إن استصحاب طهارة كل من الانائين يقتضي جواز استعمال كل منهما في مشروط الطهارة ، فيلزم مخالفة عملية للتكليف المعلوم في البين وهو وجوب الاجتناب عن النجس منهما وعدم جواز استعماله في مشروط الطهارة (1) وبين أن لا يلزم من جريانهما مخالفة عملية ، كما إذا كان الاناءان مقطوعي النجاسة سابقا وعلم بطهارة أحدهما لاحقا ، فإنه لا يلزم من استصحاب نجاسة كل منهما مخالفة عملية ، لان العلم بطهارة أحدهما لا يقتضي تكليفا ليلزم من جريانهما مخالفة عملية ، لما عرفت من عدم إمكان الحكم ببقاء المستصحبين مع العلم بانتقاض أحدهما ، وهذا يرجع إلى عدم إمكان الجعل ثبوتا (2) ولا دخل للمخالفة العملية وعدمها في ذلك. ويترتب على ذلك عدم

____________

1 ـ أقول : إن مفاد الأصل المزبور أيضا هو الترخيص في طرفي العلم ـ كما عرفت في الحاشية السابقة ـ لا في نفس المعلوم ، فمع تلك الجهة حالها حال سائر الأصول ، غاية الامر الفرق بينهما في اقتضاء أصالة الإباحة الترخيص في طرفي العلم بتطبيق واحد وفي البقية بتطبيقين ، وذلك المقدار لا يجدي فرقا في الجهة المهمة ، كما هو واضح.

2 ـ أقول : بعدما عرفت شرح العلم الاجمالي وأنه لا يكاد إلا أن يتعلق بالعنوان الاجمالي من دون سرايته إلى العنوان التفصيلي وأنه كان باقيا على مشكوكيته ، نقول : إن مفاد « لا تنقض اليقين » بعدما لا يكون إلا إبقاء المتيقن في ظرف الشك لا تنزيل الشك منزلة اليقين ـ كما سيجيء توضيح هذه الجهة أيضا في مقام محكومية الاستصحاب للامارة وحكومته على سائر الأصول المأخوذ في موضوعها عدم العلم والمعرفة ـ لا شبهة في أن الحكم بإبقاء النجاسة في كل واحد من الطرفين تفصيلا أو التعبد باليقين به في

16

نجاسة الملاقي لاحد الانائين في المثال الأخير ، لعدم جريان استصحاب النجاسة فيهما ليحكم بنجاسة الملاقي لأحدهما ، وسيأتي في أواخر الاستصحاب مزيد توضيح لذلك مع بعض ما يرد عليه من النقوض والجواب عنها.

فتحصل مما ذكرنا : أن المانع من جريان الأصول التنزيلية في أطراف العلم الاجمالي ليس هو انتفاء الموضوع ولا المخالفة العملية ، بل لان المجعول فيها معنى لا يعقل ثبوته في جميع الأطراف.

وأما الأصول الغير التنزيلية ـ كأصالة الطهارة والبرائة والحل ونحو ذلك ـ فلا

____________

ظرف شكه كيف ينافي مع العلم بعدم بقاء السابق بعنوانه الاجمالي ؟ إذ الاحراز التعبدي في كل مشكوك تفصيلي كيف ينافي مع إحراز عدمه بعنوانه الاجمالي ؟ فكما أن هذا الاحراز الوجداني لا ينافي الشك فيه ولا عدم إحرازه بعنوانه التفصيلي ولو كانا في الواقع متحدين وجودا ـ مع أن الشك واليقين من المتضادات ـ فكيف يضاد مثل هذا اليقين الوجداني الاجمالي ما هو من أحكام هذا الشك القائم بعنوانه التفصيلي المعبر عنه بالاحراز التعبدي. نعم : لو كان اليقين الاجمالي قابلا للسريان إلى العنوان التفصيلي واقعا ، كان لما أفيد وجه ، إذ الاحراز التعبدي لا يعقل مع إحراز عدم الحالة السابقة إجمالا في مورد واحد ، وأما بعد بداهة عدم السراية ـ بشهادة اجتماع الشك واليقين في وجود واحد خارجي بتوسط العناوين الاجمالية والتفصيلية ـ لا مجال لانكار الجمع بين إحراز نجاسة كل منهما تفصيلا تعبدا مع العلم بطهارة أحدهما بهذا العنوان الاجمالي ، وحينئذ لا مانع في مثل هذه الأصول أيضا إلا مجرد المخالفة العملية ، وسيجئ توضيح هذه الجهة أيضا عند تعرضه في محله حسب وعدته ( إن شاء الله تعالى ).

وبالجملة نقول : إن ما أفيد من الجزم بانقلاب اليقين السابق بيقين بضده ، ومع هذا الجزم الوجداني كيف يعقل الحكم ببقاء اليقين السابق تعبدا في الطرفين ؟ يسئل منه : أن ما هو منقلب إلى اليقين بالخلاف هو اليقين بنجاسة كأس زيد أو اليقين بنجاسة كأس عمرو بعنوانهما التفصيلي ، حاشا ! بل المنقلب هو أحد اليقين أو اليقين بأحدهما بهذا العنوان الاجمالي.

ومن المعلوم أيضا : أن موضوع الابقاء التعبدي ليس اليقين بأحدهما ولا أحد اليقينين بهذا العنوان الاجمالي بل الموضوع هو اليقين بكأس زيد واليقين بكأس عمرو ، وفي هذين لانقطع بانقلابه إلى اليقين بالخلاف، فلا وجه لعدم شمول دليل التعبد لهما بهذين العنوانين التفصيليين ، كما لا يخفى.

17

مانع من جريانها في أطراف العلم الاجمالي إلا المخالفة القطعية العملية للتكليف المعلوم في البين ، فهي لا تجري إن لزم من جريانها مخالفة عملية للتكليف المعلوم بالاجمال ، وتجري إن لم يستلزم ذلك.

والسر فيه : هو أن المجعول فيها مجرد تطبيق العمل على أحد طرفي الشك من دون تنزيل المؤدى منزلة الواقع المشكوك فيه ، كما كان هو المجعول في الأصول التنزيلية ، فان مفاد أصالة الإباحة هو مجرد الترخيص الظاهري وعدم المنع من الفعل والترك : ولا مانع من الترخيص الظاهري في كل واحد من الأطراف من حيث نفسه مع قطع النظر عن استلزامه المخالفة العملية ، فإنه لا يضاد نفس المعلوم بالاجمال ، لان الترخيص يرد على كل طرف بخصوصه في غير دوران الامر بين المحذورين ، وكل طرف بالخصوص مجهول الحكم ، فالموضوع للترخيص الظاهري محفوظ في كل واحد من الأطراف : وليس فيه جهة إحراز وتنزيل للواقع المشكوك فيه حتى يضاد الاحراز التعبدي في كل طرف للاحراز الوجداني بالخلاف في أحد الأطراف ، فينحصر المانع بالمخالفة العملية للتكليف المعلوم بالاجمال.

ودعوى : أنه لا مانع من الترخيص الظاهري في المخالفة العملية واضحة الفساد ، فان المخالفة العملية مما لا يمكن أن تنالها يد الاذن والترخيص ، لأنها عبارة عن المعصية ، ولا يعقل الاذن في المعصية ، لاستقلال العقل بقبح المعصية كاستقلاله بحسن الطاعة وليست من المجعولات الشرعية : ولو فرض أنه ورد من الشارع الاذن في المخالفة للمعلوم بالاجمال فلابد من حمله على نسخ الحكم أو تقييده بصورة العلم التفصيلي ولو بنتيجة التقييد ، والكلام إنما هو بعد الفراغ عن إطلاق الحكم الواقعي وعدم تقييده بالعلم التفصيلي وانحصار جهة البحث في انحفاظ رتبة الحكم الظاهري من حيث إنه حكم ظاهري ، كما تقدم في صدر العنوان ، ومن المعلوم بالبداهة : أن نتيجة الجعل الظاهري وهي الجري العملي والترخيص الظاهري في جميع الأطراف تنافي العلم بالتكليف المنجز في البين

18

بعد البناء على أن العلم الاجمالي كالتفصيلي يقتضي التنجيز ، فلا تكون رتبة الجعل الظاهري محفوظة بالنسبة إلى جميع الأطراف.

فتحصل من جميع ما ذكرنا : أن عدم انحفاظ رتبة الحكم الظاهري يكون لاحد أمور :

إما لانتفاء الموضوع ، وينحصر ذلك في أصالة الإباحة عند دوران الامر بين المحذورين.

وإما لقصور المجعول عن شموله للأطراف كما في الأصول التنزيلية ، سواء كانت نافية للتكليف المعلوم بالاجمال أو مثبتة له.

وإما لعدم إمكان تطبيق العمل على المؤدى كما في الأصول الغير التنزيلية النافية للتكليف المعلوم بالاجمال ، كأصالة الإباحة والبرائة عند العلم بوجوب أحد الشيئين.

وأما إذا كانت مثبتة للتكليف المعلوم فلا مانع من جريانها كما في أصالة الحرمة في باب الدماء والفروج والأموال (1) عند العلم بحرمة إراقة دم أحد الشخصين أو حرمة إحدى المرأتين أو المالين وحلية الآخر ، فان أصالة الحرمة في كل من الشخصين والمرأتين والمالين تجري من دون أن يلزم منها مخالفة عملية لان مؤداها موافق للمعلوم بالاجمال. هذا كله بحسب مقام الثبوت والجعل.

وأما بحسب مقام الاثبات فأدلة الأصول العملية بقسميها من التنزيلية وغيرها تشمل أطراف العلم الاجمالي ، لما عرفت من أن الأصول إنما تجري في الأطراف ، وكل واحد من الأطراف مجهول الحكم ، فيشمله قوله ـ (عليه السلام) ـ « لا تنقض اليقين بالشك » وقوله ـ (صلى الله عليه وآله) ـ « رفع

____________

1 ـ أقول : لا نرى لأصالة الحرمة مدركا غير استصحاب عدم الحل في الأموال وغيرها ، فمع العلم بالانتقاض في أحد الطرفين يجيء ما ذكرت من الاشكال ، ولو كان لنا أصل آخر فعليه بالبيان.

19

ما لا يعلمون » وقوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه » (1) وقوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر » وغير ذلك من أدلة الأصول ، فان كل واحد من الأطراف مما يشك في بقاء الحالة السابقة فيه أو مما لا يعلم أو لا يعرف أنه حرام أو طاهر فتشملها أدلتها. فإذا لم يكن في مقام الثبوت مانع عن الجعل بأن كانت رتبتها محفوظة ـ بالتفصيل المتقدم ـ لم يكن في مقام الاثبات مانع عن شمول الأدلة لجميع الأطراف ، لعموم أدلة الأصول للشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الاجمالي.

هذا ، ولكن يظهر من بعض كلمات الشيخ ـ (قدس سره) ـ عدم شمول أدلتها للشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي ، بدعوى : أنه يلزم من الشمول مناقضة صدر الدليل لذيله حيث قال ـ (قدس سره) ـ في آخر مبحث الاستصحاب عند تعارض الاستصحابين ما هذا لفظه : الثانية : أنه إذا لم يكن مرجح ، فالحق التساقط دون التخيير ، لا لما ذكره بعض المعاصرين. إلى أن قال بل لان العلم الاجمالي هنا بانتقاض أحد الضدين يوجب خروجهما عن مدلول « لا تنقض » لان قوله : « لا تنقض اليقين بالشك ولكن تنقضه بيقين مثله » يدل على حرمة النقض بالشك ووجوب النقض باليقين ، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كل منهما تحت عموم حرمة النقض بالشك ، لأنه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله. إلى أن قال : وقد تقدم نظير ذلك في الشبهة المحصورة : وأن قوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء حلال حتى تعرف أنه حرام » لا يشمل شيئا من المشتبهين. انتهى موضوع الحاجة من كلامه ، زيد في علو مقامه.

ومراده مما تقدم : هو ما ذكره في أول الشك في المكلف به ، فإنه قد أطال

____________

1 ـ أقول : هذا سهو من قلمه الشريف ، وإلا فبهذا المضمون ليس في الاخبار.

20

الكلام في وجه عدم شمول قوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه » لموارد العلم الاجمالي ، وأن لفظة « بعينه » لا دلالة لها على الشمول.

ومن ذلك كله يظهر : أن المانع عنده من جريان الأصول في أطراف العلم الاجمالي هو جهة الاثبات وعدم شمول أدلة الأصول للشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي ، لا جهة الثبوت ، فإنه لو كان المانع هو عدم إمكان الجعل ثبوتا لم يكن موقع لإطالة الكلام في شمول لفظة « بعينه » للأطراف وعدم شمولها ، فان لفظة « بعينه » ـ كانت في هذه الأخبار أولم تكن ـ لا دخل لها بمقام الجعل ، فالبحث عن دلالة لفظة « بعينه » وعدم دلالتها ينحصر وجهه بمقام الاثبات لا الثبوت.

نعم : يظهر من كلامه في حجية القطع عند البحث عن حرمة المخالفة الالتزامية الموارد العلم الاجمالي أن المانع من جريان الأصول في الأطراف هو لزوم المخالفة العملية ، ويظهر منه ذلك أيضا في مواضع اخر من الكتاب.

وبالجملة : قد اختلفت كلمات الشيخ ـ (قدس سره) ـ في وجه عدم جريان الأصول العملية في أطراف العلم الاجمالي.

فمن بعضها يظهر أن. المانع هو لزوم المخالفة القطعية العملية للتكليف المعلوم في البين. وهذا يرجع إلى مقام الجعل ، حيث لا يعقل جعل ما يؤدي إلى المخالفة القطعية.

ومن بعضها يظهر أن الوجه في ذلك هو قصور الأدلة وعدم شمولها للشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي.

وعلى كل حال : إن رجع كلامه ـ (قدس سره) ـ إلى مقام الثبوت والجعل وان المانع من جريان الأصول في الأطراف هو لزوم المخالفة العملية فهو حق في خصوص الأصول الغير التنزيلية النافية للتكليف ، وأما الأصول التنزيلية فالمانع من جريانها ليست هي المخالفة العملية ، بل هو قصور المجعول فيها لان يعم

21

الأطراف : لأنه لا يمكن الحكم بالبناء العملي على بقاء الواقع في كل من الأطراف مع العلم الوجداني بعدم بقائه في بعضها ، على ما تقدم بيانه.

وإن رجع كلامه إلى مقام الاثبات وأن أدلة الأصول لا تشمل الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي ، فيرد عليه :

أولا : ما عرفت من أن الأصول العملية إنما تجري في الأطراف وكل واحد من الأطراف مجهول الحكم ، فلم يحصل ما اخذ في الأدلة غاية للتعبد بمؤدى الأصول وهو العلم بالخلاف في كل واحد من الأطراف ، ومجرد العلم بالخلاف وانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف على سبيل الاجمال لا يوجب خروج كل واحد من الأطراف عن كونه مجهول الحكم ، وإلا انقلب العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي (1).

____________

1 ـ أقول : لا يخفى أنه بعد تقريره إشكال شيخنا العلامة بأحسن بيان كيف يتوجه عليه إيراد هذه الوجوه ؟ إذ مرجع كلامه ـ (قدس سره) ـ بعدما كان إلى مناقضة حرمة النقض لكل واحد من الشكين مع وجوب النقض باليقين الشامل للاجمالي ، بلا توهم انصرافه إلى اليقين بما تعلق به الشك ، إذ ليس الغرض نقض الشك باليقين كي يتوهم الانصراف إلى ما تعلق به ، بل الغرض نقض اليقين به ، وفيه لا مجال لدعوى الانصراف المزبور ، وحينئذ مع كونهما في رتبة واحدة لا يبقى مجال لترجيح الحرمة على الوجوب ، لا أن مجرد العلم الاجمالي كان غاية للأصل ، كي يرد بأنه ليس على الخلاف في كل واحد من الطرفين ، كما أن ظاهر وجوب النقض يقتضي انحصار مورده بصورة العلم بالتكليف ، وإلا فمع العلم الاجمالي بغيره لا يقتضي ذلك وجوب نقضه ، وذلك هو النكتة الفارقة بين صورة لزوم المخالفة العملية وغيره ، كما أن إطلاق وجوب النقض ربما يزاحم الترخيصات المطلقة الشاملة للطرفين ، خصوصا مع قوله : « بعينه » في بعضها ، فلا أقل من التساقط المانع عن الشمول في مقام الاثبات : فتأمل كي لا يتوهم بأنه بعد ابتلائه بصدر الخبر من حرمة النقض ومعارضته يصير مجملا ولا يصلح أن يزاحم المطلقات المنفصلة عنه ، إذ يمكن أن يقال : إن وجوب النقض بالعلم بالخلاف ارتكازي عقلي غير قابل لاحتمال التصرف فيه ، بخلاف حرمة نقض اليقين بالشك ، فإنه يصلح أن يكون مغيا بما هو موضوع لوجوب النقض ، وحينئذ لا يكون الصدر موجبا لاجماله ، وبعده فكما كان مقدما على صدر الرواية كان مقدما على بقية المطلقات المنفصلة أيضا ، كما لا يخفى. ولعل بهذا البيان أمكن إثبات تساقط الأصول

22

نعم : هذا إنما يتم في خصوص الأصل الذي يضاد مؤداه نفس المعلوم بالاجمال ، وذلك منحصر بأصالة الإباحة عند دوران الامر بين المحذورين كما تقدم بيانه ، وأما ما عدا ذلك فليس شيء من مؤديات الأصول تقابل نفس المعلوم بالاجمال وتضاده ، لان مؤدياتها هي حلية كل واحد من الأطراف أو طهارته أو عدم وجوبه ـ على اختلاف الأصول ـ ولم يحص العلم بالخلاف بالنسبة إلى كل واحد منها وإن حصل العلم بالخلاف بالنسبة إلى واحد منها على سبيل الاجمال والترديد. فلا فرق بين الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الاجمالي في شمول الأدلة لهما وكونهما مندرجين تحت العموم على نسق واحد ، ولا يلزم من الشمول مناقضة صدر الدليل لذيله.

وثانيا : أنه لو كان المانع من عدم جريان الأصول في الأطراف هو قصور الأدلة وعدم شمولها لها لأجل حصول الغاية في بعض الأطراف ، على ما زعمه ـ (قدس سره) ـ فأي فرق بين ما يلزم من جريانها مخالفة عملية وما لا يلزم ؟ فان شمول الدليل وعدمه لا دخل له بالمخالفة العملية وعدمها ، إذ العلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف لا على التعيين إن أوجب حصول ما اخذ في الدليل غاية ففي الجميع يوجب ذلك كانت هناك مخالفة عملية أو لم تكن ، وإن كان العلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف لا يوجب حصول ما اخذ غاية ففي الجميع لا يوجب ذلك ، مع أنه ـ (قدس سره) ـ قد صرح في مواضع من الكتاب بجريان الأصول العملية في أطراف العلم الاجمالي إذا لم يلزم منها المخالفة العملية. فراجع كلامه في حجية القطع عند البحث عن المخالفة الالتزامية.

وثالثا : أن مناقضة الصدر للذيل ـ على تقدير تسليمه ـ إنما يختص ببعض

____________

من الاطلاق ، حتى على اقتضاء العلم بلا انتهاء النوبة إلى التخيير ، فتدبر.

23

اخبار الاستصحاب الذي اشتمل على الذيل ، فإنه هو الذي يمكن أن يتوهم منه أن حصول يقين آخر وإن لم يتعلق بعين ما تعلق به اليقين السابق يوجب عدم شمول الصدر للأطراف وإلا ناقض صدره ذيله.

وأما مالا يشتمل منها على هذا الذيل من أخبار الاستصحاب وغيرها حتى قوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه » أو « منه بعينه » ـ على اختلاف الأخبار الواردة في ذلك ـ فهو سالم عن إشكال مناقضة الصدر للذيل.

أما ما كان من قبيل قوله ـ (صلى الله عليه وآله) ـ « رفع ما لايعلمون » مما لم يذكر فيه الغاية ، فواضح.

وأما ما كان من قبيل قوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء لك حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه » ، وقوله ـ (عليه السلام) ـ » كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر » وغير ذلك مما اشتمل على ذكر الغاية فلظهوره أيضا في وحدة متعلق الشك والغاية ، لظهور الضمير في ذلك. وفي الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي لا يتحد متعلق الشك والغاية ، فان متعلق الشك هو كل واحد من الأطراف بعينه ، ومتعلق الغاية هو أحد الأطراف لا بعينه ، فكل واحد من الأطراف يندرج في الصدر بلا أن يعارضه الذيل.

فتحصل : أن دعوى عدم شمول أدلة الأصول للشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي خالية عن الشاهد بل ظاهر الأدلة خلافها : ولابد من رفع اليد عن ظاهرها في كل مورد لا يمكن التعبد بالمؤدى لعدم انخفاظ رتبة الحكم الظاهري بأحد الأمور المتقدمة : إما لانتفاء الموضوع من الشك والجهل الذي اخذ موضوعا في الأصول العملية ، وإما لقصور المحمول وما هو المجعول فيها عن شموله لموارد العلم الاجمالي ، وإما للزوم المخالفة القطعية العملية للتكليف المعلوم بالاجمال ، وفيما عدا ذلك فالأصول تجري في الأطراف ويعمها الأدلة بلا معارض.

24

وحينئذ لا يبقى موقع لاتعاب النفس وإطالة الكلام فيما يستفاد من لفظة « بعينه » الواردة في أخبار أصالة الحل بعد فرض كون أخبار أصالة الحل كسائر أدلة الأصول إنما وردت لبيان الحكم الظاهري وجعل الوظيفة للجاهل بالموضوع أو الحكم الواقعي ، أو خصوص الجاهل بالموضوع ولا تشمل الجاهل بنفس الحكم ابتداء ، على اختلاف الوجهين فيما يستفاد من أخبارها من أنها تختص بالشبهات الموضوعية أو تعم الحكمية أيضا.

نعم : لو كانت الاخبار بصدد بيان الحكم الواقعي وتقييده بصورة العلم بالموضوع أو الحكم لكان للبحث عن مقدار دلالتها من حيث إنها تقتضي التقييد بخصوص العلم التفصيلي بالموضوع أو الحكم أو تعم العلم الاجمالي أيضا مجال ، إلا أن ذلك مع كونه خلاف الفرض ـ لان المبحوث عنه في المقام هو جريان الأصول العملية المتكفلة للأحكام الظاهرية ـ يأباه ظاهر الاخبار ، فان الظاهر منها أنها وردت لبيان وظيفة الجاهل بالحكم أو الموضوع بعد الفراغ عن إطلاق الحكم الواقعي.

ومن جميع ما ذكرنا ظهر الوجه في حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالاجمال وعدم جواز الاذن فيها إلا بنسخ الحكم الواقعي أو تقييده بصورة العلم التفصيلي.

وأما الجهة الثانية :

ـ أعني وجوب الموافقة القطعية ـ فالأقوى وجوبها أيضا ، لأنه يجب عقلا الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالاجمال ، وهو لا يحصل إلا بالاجتناب عن جميع الأطراف ، إذ لو لم يجتنب المكلف عن الجميع وارتكب البعض فلا يأمن من مصادفة ما ارتكبه لمتعلق التكليف المعلوم في البين ، فيكون قد ارتكب الحرام بلا مجوز عقلي أو شرعي ، فيستحق العقوبة : وذلك كله واضح بعد البناء على أن

25

العلم الاجمالي كالتفصيلي يقتضي التنجيز.

نعم : للشارع الاذن في ارتكاب البعض والاكتفاء عن الواقع بترك الآخر كما سيأتي بيانه ، ولكن هذا يحتاج إلى قيام دليل بالخصوص عليه غير الأدلة العامة المتكفلة لحكم الشبهات ، من قبيل قوله ـ (عليه السلام) ـ « كل شيء لك حلال » أو « كل شيء طاهر » قوله « لا تنقض اليقين بالشك » وقوله ـ (صلى الله عليه وآله). « رفع ما لايعلمون » وغير ذلك من أدلة الأصول العملية ، لان نسبتها إلى كل واحد من الأطراف على حد سواء : ولا يمكن أن تجري في الجميع لأنه يلزم المخالفة القطعية ، ولا في الواحد المعين لأنه يلزم الترجيح بلا مرجح ، ولا في الواحد لا بعينه لان الأصول إنما تجري في كل طرف بعينه : ومقتضى ذلك هو سقوط الأصول بالنسبة إلى جميع الأطراف ، من غير فرق بين الأطراف التي يمكن ارتكابها دفعة واحدة وبين الأطراف التي لا يمكن ارتكابها إلا تدريجا ، لاتحاد مناط السقوط في الجميع : ويبقى حكم العقل بوجوب الخروج عن عهدة التكليف المعلوم على حاله.

فان قلت : نعم وإن كانت نسبة الأصول إلى كل واحد من الأطراف على حد سواء ، إلا أن ذلك لا يقتضي سقوطها جميعا ، بل غاية ما يقتضيه هو التخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين ، لأنه بعد الاعتراف بعموم أدلة الأصول وشمولها للشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي ـ كما تقدم ـ تكون حال الأصول العملية حال الامارات على القول بالسببية فيها. وتوضيح ذلك : هو أن التخيير في باب الامارات المتعارضة على ذلك القول إنما هو لأجل وقوع المزاحمة بينهما في مقام الامتثال ، لعدم القدرة على الجمع بين الامارات المتضادة في المؤدى : ولابد حينئذ

إما من تقييد إطلاق الامر بالعمل بمؤدى كل من الامارتين المتعارضتين بحال عدم العمل بالأخرى ـ إن لم يكن أحد المؤديين أهم وأولى بالرعاية من الآخر ، وإلا فيقيد إطلاق أمر المهم فقط ويبقى إطلاق أمر الأهم على حاله ـ واما من سقوط الامرين معا واستكشاف العقل حكما تخييريا لأجل وجود

26

الملاك التام في متعلق كل من الامارتين على الوجهين المذكورين في باب التزاحم : من أن التخيير بين المتزاحمين هل هو لأجل تقييد إطلاق الخطاب من الجانبين مع بقاء أصله ؟ أو هو لأجل سقوط الخطابين واستكشاف العقل حكما تخييريا ؟.

والأقوى : هو الوجه الأول ، لان التزاحم إنما ينشأ من عدم القدرة على الجمع بين المتزاحمين في مقام الامتثال ، والمقتضي لايجاب الجمع إنما هو إطلاق كل من الخطابين لحال امتثال الآخر وعدمه ، إذ لو لم يكن للخطابين هذا الاطلاق وكان كل منهما مشروطا بعدم امتثال الآخر لما كاد يحصل إيجاب الجمع الموجب لوقوع التزاحم بينهما ، ومن المعلوم : أن الذي لابد منه هو سقوط ما أوجب التزاحم وليس هو إلا إطلاق الخطابين : فلا موجب لسقوط أصلهما ، لان الضرورات تتقدر بقدرها. وقد أوضحنا الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه في محله : والمقصود في المقام مجرد التنبيه على المختار : من أن التخيير بين المتزاحمين إنما يكون لأجل تقييد إطلاق الامر من الجانبين.

ومن جملة أفراد التزاحم : تزاحم الامارات المتعارضة على القول بالسببية فيها ، لأنه على هذا القول تندرج الامارات المتعارضة في صغرى التزاحم : ولابد من الحكم بالتخيير في الاخذ بإحدى الامارتين لتقييد إطلاق الامر بالعمل بكل منهما بحال عدم العمل بالأخرى ، وحينئذ يستقيم تنظير باب الأصول العملية بباب الامارات ، بتقريب : أن حجية كل أصل عملي إنما تكون مطلقة بالنسبة إلى ما عداه من سائر الأصول لاطلاق دليل اعتباره ، وهذا الاطلاق يكون محفوظا في الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الاجمالي إذا لم يلزم من جريان الأصول في الأطراف مخالفة عملية لعدم التعارض بينها ، فلا موجب لتقييد إطلاق حجيتها : وأما إذا لزم من جريانها في الأطراف مخالفة عملية فلا يمكن بقاء إطلاق الحجية لكل من الأصول الجارية في الأطراف ، لان بقاء الاطلاق

27

يقتضي صحة جريانها في جميع الأطراف ، والمفروض عدم صحة ذلك ، لأنه يلزم من جريانها في الجميع مخالفة قطعية عملية ، فلابد من رفع اليد عن إطلاق الحجية. ولكن هذا لا يوجب سقوط أصل الحجية من كل أصل في كل واحد من الأطراف ، بل غاية ما يلزم هو تقييد إطلاق حجية كل من الأصلين المتعارضين أو الأصول المتعارضة بحال عدم جريان الأصل الآخر في الطرف المقابل. ونتيجة هذا التقييد هو التخيير في إجراء أحد الأصلين لا سقوطهما رأسا ، فان المانع من إجراء الأصلين معا ليس هو إلا المخالفة العملية ، وهي لم تلزم من نفس حجية الأصلين ، بل من إطلاق حجيتها لحال إجراء الآخر وعدمه ، إذ لو كان حجية كل أصل مشروطا بحال عدم إجراء الأصل الآخر لم تحصل المخالفة العملية ، فالمخالفة العملية انما نشأت من إطلاق الحجية لكل من الأصلين المتعارضين ، فلابد من تقييد حجية كل من الأصلين بحال عدم إجراء الآخر ، كتقييد الامر بالعمل بكل من الامارتين المتعارضتين بحال عدم العمل بالأخرى من غير فرق بينهما ، سوى أن الموجب للتقييد في الامارتين المتعارضتين هو عدم القدرة على العمل بهما جمعا ، وفي الأصلين المتعارضين هو لزوم المخالفة العملية من جرائهما معا.

وحاصل الكلام : أن حجية كل أصل عملي إنما تكون مشروطة بانخفاظ رتبة الأصل كاشتراط كل تكليف بالقدرة على متعلقه ، وكما أنه في باب التكاليف الواقعية تكفي القدرة على امتثال أحد التكليفين المتزاحمين في الحكم بالتخيير بينهما ، فكذلك في باب الأصول العملية يكفي انحفاظ رتبة أحد الأصلين المتعارضين في الحكم بالتخيير بينهما ، ولا إشكال في انحفاظ رتبة كل من الأصلين عند عدم إجراء الآخر ، فلا وجه لسقوطهما معا.

قلت : هذا غاية ما يمكن أن توجه به مقالة التخيير ، وقد ذهب إليه بعض الأعاظم في حاشيته على الفرائد وتبعه بعض أعيان أهل العصر.

28

ولكن الانصاف : أن القول بالتخيير في الأصول المتعارضة في غاية الوهن والسقوط ، لأنه قول بلا دليل ولا يساعد عليه العقل ولا النقل ، فان التخيير في إعمال أحد الأصلين المتعارضين لابد وأن يكون لاحد أمرين : إما لكون المجعول في باب الأصول العملية معنى يقتضي التخيير في تطبيق العمل على أحد الأصلين المتعارضين ، وإما لأجل اقتضاء أدلة الحجية ذلك ، ومن الواضح أن المجعول في الأصول ودليل حجيتها لا يقتضي التخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين ، وقياس الأصول العملية بالامارات في غير محله ، فان التخيير في الاخذ بإحدى الامارتين المتعارضتين على القول بالسببية فيها إنما هو لأجل كون المجعول في الامارات معنى يقتضي التخيير في الاخذ بإحدى الامارتين المتعارضتين.

وتوضيح ذلك : هو أن الموارد التي نقول فيها بالتخيير مع عدم قيام دليل عليه بالخصوص لا تخلو عن أحد أمرين :

أحدهما : اقتضاء الكاشف والدليل الدال على الحكم التخيير في العمل.

ثانيهما : اقتضاء المنكشف والمدلول ذلك وإن كان الدليل يقتضي التعيينية (1).

____________

1 ـ أقول : إطالة الكلام ربما يوجب اغتشاش ذهن المبتدين وذهاب أصل المطلب من البين ، والأولى تلخيصا في الجواب هو أن عموم دليل الأصل بعدما يقتضي الشمول لكل واحد من الطرفين ، فافرض هذا العموم بمنزلة « أكرم العلماء » في المثال ، ثم افرض المخصص العقلي في المقام بمنزلة العلم بخروج إكرام عمرو وزيد ، فنقول : وإن علمنا بخروج كأس زيد المشكوك وكأس عمرو المشكوك المقرونين بالعلم الاجمالي ، ولكن لا نعلم بخروج كل منهما في جميع الحالات أو خروج كل منهما في حال إتيان الاخر ، بحيث يكون وجود كل منهما تحت عموم الحلية في حال دون حال ، فكما أن بعموم « أكرم العلماء » تعين خروج كل واحد من الفردين في حال دون حال ، وكذلك بعموم دليل الحلية لكل واحد من الشكين أيضا تثبت خروج كل واحد من الشكين في حال دون حال ، فعليك حينئذ بابداء الفرق بين المقامين إلى يوم القيامة !. وأيضا لنا أن نقرر المطلب ببيان آخر ، وهو :

ان العقل في مورد المتزاحمين ليس له وجه لرفع اليد عن إطلاق الدليلين عن الفعلية أو دليل واحد

29

فمن الأول : ما إذا ورد عام ، كقوله : « أكرم العلماء » وعلم بخروج زيد وعمرو عن العام ، ولكن شك في أن خروجهما هل هو على وجه الاطلاق بحيث لا يجب إكرام كل منهما في حال من الأحوال ؟ أو أن خروجهما ليس على وجه الاطلاق بل كان خروج كل منهما مشروطا بحال عدم إكرام الآخر ؟ بمعنى أن يكون عدم وجوب إكرام كل منهما مقيدا بحال إكرام الآخر بحيث يلزم من خروج أحدهما عن العموم دخول الآخر فيه.

وبعبارة أوضح : يدور أمر المخصص بين أن يكون أفراديا وأحواليا لو كان خروج الفردين على وجه الاطلاق ، أو أحواليا فقط لو كان خروج أحدهما في حال دخول الآخر. والوظيفة في مثل هذا الفرض هو التخيير في إكرام أحد الفردين وترك إكرام الآخر ، ولا يجوز ترك إكرام كل منهما ، لان مرجع الشك في ذلك إلى الشك في مقدار الخارج عن عموم وجوب إكرام العلماء ، ولابد من الاقتصار على المتيقن خروجه وهو التخصيص الأحوالي فقط ، لأنه لو قلنا بخروج الفردين مطلقا في جميع الأحوال يلزم زيادة تخصيص على ما إذا كان الخارج كل منهما مشروطا بدخول الآخر ، فإنه على هذا يدخل أحد الفردين تحت العموم على كل حال ، فلا محيص عن القول بالتخيير في إكرام أحدهما وعدم إكرام الآخر

____________

مع التزاحم في فرديته ، إلا عدم إمكان الجمع بين الفعلين للتكليف بما لا يطاق ، وإن فرض مقامنا أيضا حكم العقل بامتناع الجمع بين الحليتين لا يقتضي هذا المانع إلا رفع اليد عن أحدهما لا كليهما ، سواء كان ذلك من جهة التزامه بالتقيد الحالي في إطلاق « كل شيء لك حلال » مثلا ، أو من جهة كشف العقل عن الحلية التخييرية بعين كشفه في باب المتزاحمين ، وحينئذ ليس لك أن تقول بعد التطويل الممل : إن التخيير في المقام ممكن ليس له دليل. ونسئل عنك بأن تطبيق ما ذكرت في الأمثلة بعينه في المقام بلا زيادة ونقصان ، ولا تظن سوء بذوي الافهام ، ولا تظن لرفع هذه الغائلة على مذهب إطلاق الاخبار والاقتضاء في منجزية العلم بالنسبة إلى الموافقة القطعية ، وحينئذ فعليك بتنقيح علية العلم حتى في هذا المقام ، أو الالتزام بمعارضة مطلقات أدلة الأصول مع عموم وجوب النقض باليقين في ذيل أخبار الاستصحاب ، كما أشرنا ، فتدبر فإنه دقيق نافع.

30

ولكن الحكم بالتخيير في مثل هذا الفرض إنما نشأ من اجتماع دليل العام وإجمال دليل الخاص بضميمة وجوب الاقتصار على القدر المتيقن في التخصيص ، فان اجتماع هذه الأمور أوجب التخيير في العمل ، وليس التخيير فيه لأجل اقتضاء المجعول ذلك ، بل المجعول في كل من العام والخاص هو الحكم التعييني ، والتخيير فيه إنما نشأ من ناحية الدليل لا المدلول ، بالبيان المتقدم.

ومن الثاني : ما إذا تزاحم الواجبان في مقام الامتثال لعدم القدرة على الجمع بينهما ، فان التخيير في باب التزاحم إنما هو لأجل أن المجعول في باب التكاليف معنى يقتضي التخيير في امتثال أحد المتزاحمين ، لأنه يعتبر عقلا في المجعولات الشرعية القدرة على امتثالها لقبح تكليف العاجز ، والمفروض حصول القدرة على امتثال كل من المتزاحمين عند ترك امتثال الاخر ، ولا موجب لتعين صرف القدرة في امتثال أحدهما بالخصوص ، لان كلا من المتزاحمين صالح لان يكون معجزا مولويا وشاغلا عن الآخر ، إذ كل تكليف يستدعي نفي الموانع عن وجود متعلقه وحفظ القدرة عليه ، وحيث لا يمكن الجمع بينهما في الامتثال ، فالعقل يستقل حينئذ بصرف القدرة في أحدهما تخييرا ، إما لأجل تقييد التكليف في كل من المتزاحمين بحال عدم امتثال الآخر ، وإما لأجل سقوط التكليفين معا واستكشاف العقل حكما تخييريا لوجود الملاك التام في كل منهما ، على اختلاف المسلكين في ذلك ، كما تقدمت الإشارة إليهما.

وعلى كل حال : التخيير في باب التزاحم لم ينشأ من ناحية الدليل الدال على وجوب كل من المتزاحمين ، بل نشأ من ناحية المدلول والمنكشف ، لما عرفت : من أن المجعول في باب التكاليف إنما يقتضي التخيير في امتثال أحد التكليفين عند تعذر الجمع ، بالبيان المتقدم. وقد استقصينا الكلام في ذلك في محله. والفرق بين التخيير الجائي من قبل الدليل والتخيير الجائي من قبل المدلول ، هو أن التخيير في الأول ظاهري وفي الثاني واقعي ، كما لا يخفى وجهه.

31

إذا عرفت ذلك ، فنقول : إن القول بالتخيير في باب تعارض الأصول مما لا شاهد عليه ، لا من ناحية الدليل والكاشف ، ولا من ناحية المدلول والمنكشف.

أما انتفاء الشاهد من ناحية الدليل : فهو مما لا يكاد يخفى ، فان دليل اعتبار كل أصل من الأصول العملية إنما يقتضي جريانه عينا سواء عارضه أصل آخر أو لم يعارضه ، وليس في الأدلة ما يوجب التخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين (1)

وأما انتفاء الشاهد من ناحية المدلول : فلان المجعول في باب الأصول العلمية ليس هو إلا الحكم بتطبيق العمل على مؤدى الأصل ، إما بقيد أنه الواقع ، وإما لا بقيد ذلك ـ على اختلاف المجعول في باب الأصول التنزيلية وغيرها ـ ولكن الحكم بذلك ليس على إطلاقه ، بل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثة المتقدمة ، وهي الجهل بالواقع ، وإمكان الحكم على المؤدى بأنه الواقع ، وعدم لزوم المخالفة العملية ، بالتفصيل المتقدم ، فعند اجتماع هذه القيود الثلاثة يصح جعل الحكم الظاهري بتطبيق العمل على المؤدى ، ومع انتفاء أحدها لا يكاد يمكن جعل ذلك ، وحيث إنه يلزم من جريان الأصول في أطراف العلم الاجمالي مخالفة عملية فلا يمكن جعلها جمعا ، وكون المجعول أحدها تخييرا وإن كان بمكان من الامكان ، إلا أنه لا دليل عليه ، لا من ناحية أدلة الأصول ، ولا من ناحية المجعول فيها (2).

____________

1 ـ أقول : يكفي دليلا ملاحظة أجمع بين إطلاق دليل الحلية لكل واحد من الفردين على أي حال ، وبين حكم العقل بعدم إمكان الجمع بين الشكين في هذا الحكم ، فيدور الامر بين تخصيص الفردين ، أو تقيد كل واحد بحال عدم ارتكاب الآخر ، ومعلوم : أن التقيد المزبور أولى من التخصيص ، وذلك أيضا هو الوجه في تقييد إطلاق كل واحد من الخطابين في باب المتزاحمين ، ولا يرى بينهما فرقا بين المقامين ، إذ في الصورتين يستكشف من الاطلاق دخول كل واحد في حال دون حال ، فالمستكشف حكم ملازم مع التخيير واقعا والتعبد بإطلاق الكاشف حكم ظاهري. وتوهم الفرق بين التقريب في المثال وباب المتزاحمين بالواقعية والظاهرية في غير محله.

2 ـ أقول : فيه ما فيه ! ولا يكفيه من التوجيه ، إذ الدليل عليه كالنار على المنار ، ولا يبطله إلا تعلق

32

والحاصل : أن مجرد عدم صحة الجمع في إجراء الأصلين المتعارضين لا يوجب الحكم بالتخيير بينهما ، فان الحكم التخييري كسائر الاحكام يحتاج إلى قيام الدليل عليه. وقياس باب الأصول العملية بباب الامارات على القول بالسببية فيها ليس في محله ، لما عرفت من أن التخيير في العمل بإحدى الامارتين المتعارضتين على ذلك القول إنما هو لأجل أن المجعول في الامارات يقتضي التخيير في صورة التعارض لاندراجها في باب التزاحم الذي قد عرفت أن التخيير فيه ينشأ من ناحية المجعول ، بالبيان المتقدم ، وأين هذا من باب الأصول العملية المجعولة وظيفة للشاك في الحكم أو الموضوع ؟.

فظهر : أن القول بالتخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين مما لا دليل عليه ، وإنما أطلنا الكلام في ذلك ، لان شبهة التخيير قد غرست في أذهان بعض طلبة العصر ، وبعد البيان المتقدم لا أظن بقاء الشبهة في الأذهان (1) وسيأتي في آخر الاستصحاب مزيد توضيح لذلك.

فتحصل مما ذكرنا : أن القاعدة في مورد تعارض الأصول تقتضي السقوط ، ويبقى التكليف المنجز المعلوم بالاجمال على حاله (2) والعقل يستقل بوجوب

____________

الإرادة السببية على خلافه.

1 ـ أقول : ولكن لاكل ما يتمنى المرء يدركه ! إذ قد تقدم بطلانه بما لا مزيد عليه.

2 ـ أقول : بعدما كان العلم الاجمالي في ظرف عدم الانحلال لا قصور في سببيته ، لاشتغال ذمة المكلف بالمعلوم ، وفي هذه المرحلة لا يكون قابلا لمنع المانع بشهادة ارتكاز الذهن من التناقض بين الالزام المعلوم وترخيصه على ترك هذا المعلوم بنحو الاجمال ، بعين التناقض الذي يرى العقل في هذا الترخيص في العلم التفصيلي ، فلا محيص من الالتزام بأن العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي علة تامة للاشتغال. ولئن شئت فعبر بأن حكم العقل بثبوت التكليف في عهدة المكلف حكم تنجيزي غير قابل لورود ترخيص شرعي مانع عن أصل الاشتغال ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي ، وحيث ثبت به الاشتغال المزبور ، ينتهي النوبة إلى مرحلة الفراغ ، وفي هذه المرحلة أيضا نقول : إنه لا شبهة في اكتفاء العقل بالفراغ الجعلي ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي ، وحينئذ فكل أمارة أو أصل يوجب تعيين مصداق التكليف

33

موافقته والخروج عن عهدته ، إما بالوجدان ، وإما بالتعبد من الشارع. ولا ينحصر

____________

الموجب لكونه مصداقا جعليا يكتفى به ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي أيضا ، فلا إشكال ولا شبهة في هذا المقدار. وإلى مثله يرجع موارد الاكتفاء بجعل البدل في أطراف المعلوم بالاجمال ، ففي الحقيقة مرحلة جعل البدل يرجع إلى التصرف في مرحلة الفراغ ، سواء تحقق بعد العلم أو قبله أو مقارنه ، بخلاف مرحلة الانحلال ، فإنه ـ كما حققناه في محله ـ تصرف في مرحلة الاشتغال ، ولا يوجب منعا عنه ، إلا في ظرف تقارنه مع العلم لا تقدمه أو تأخره ، وتمام الكلام في محله. والغرض في المقام الإشارة الاجمالية بالفرق بين مقام جعل البدل وبين مرحلة الانحلال ، وأن أحدهما غير مرتبط بالآخر. وبالجملة : لا كلام لنا في هذا المقدار ، وإنما الكلام وعمدة الاشكال في صورة عدم اقتضاء أصل أو أمارة لتعين مصداق المأمور به الذي نسميه بالفراغ الجعلي ، وكنا ممحضا بفرض الشك في الفراغ في ظرف تحقق الاشتغال بأن في هذه الصورة هل للشارع أن يرخص بالارتكاب واكتفاء بمحض الشك في الفراغ أم ليس له ذلك ؟.

وبعبارة أخرى : تمام الكلام في أن حكم العقل في ظرف الاشتغال بتحصيل القطع بالفراغ هل هو حكم تنجيزي ؟ أو تعليقي ؟ فعلى الثاني يلزم إمكان مجيء الترخيص بالاكتفاء بالمشكوك حتى في العلم التفصيلي ، وإلا فلو كان حكم العقل المزبور تنجزيا فلا يعقل الترخيص في بعض أطراف العلم الاجمالي ، ولو بلا معارض ، وحينئذ مركز الكلام من حيث إمكان جريان الأصل في أحد الطرفين في هذه الصورة ، وإلا ففي فرض الانحلال أو جعل البدل بالمعنى المزبور فلا إشكال من أحد فيه ، إذ محط البحث بعد ثبوت الاشتغال بالعلم الاجمالي من دون وجود مانع فيه في هذه المرتبة وبعد عدم دليل يدل على تعين مصداق المأمور به الذي يعبر عنه بالفراغ الجعلي وبجعل البدل. يبقى الكلام في أنه هل يجوز للشارع أن يرخص في ارتكاب ما هو مشكوك المصداق ؟ كي يكون حكم العقل بتحصيل الجزم به حكما تعليقيا قابلا لمنع المانع ، أو أن هذا الحكم العقلي أيضا تنجيزي غير قابل لورود الترخيص على خلافه ؟ كي يلزمه عدم جريان الأصل في أحد الطرفين ولو بلا معارض ، وحيث عرفت محط الاشكال فليس لك الاستشهاد للجريان بمسألة جعل البدل وموارد الانحلال ، إذ تمام الكلام بعد الفراغ عن أصل الاشتغال وعدم العلم بالمصداق ولو جعليا وكان الشك ممحضا بالشك في المصداق والفراغ ، فإذا كان الامر كذلك فنقول : إنه لا يتم جريان الأصل المزبور إلا مع الالتزام بتعليقية حكم العقل بالفراغ اليقيني عند الاشتغال اليقيني بالتكليف ، وإلا فمع فرض تنجيزيته لا يبقى مجال جريان الأصل ولو بلا معارض ، وإن كانت مرتبة الحكم الظاهري فيه محفوظا.

وعليه نقول : لا شبهة ولا ريب في تنجيزية حكم العقل المزبور ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي ، إذ

34

طريق الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالاجمال بالقطع الوجداني ، ضرورة أن التكليف المعلوم بالاجمال لا يزيد على التكليف المعلوم بالتفصيل ، وهو لا ينحصر طريق امتثاله بالقطع الوجداني ، بل يكفي التعبد الشرعي ، كموارد قاعدة الفراغ والتجاوز وغير ذلك من الأصول المجعولة في وادي الفراغ (1) فان كان هذا حال العلم التفصيلي فالعلم الاجمالي أولى منه في ذلك ، لان الواقع لم ينكشف فيه تمام الانكشاف ، فيجوز للشارع الترخيص في بعض الأطراف والاكتفاء عن الواقع بترك الآخر ، سواء كان الترخيص واقعيا كما إذا اضطر إلى ارتكاب

____________

لم يكتف أحد باتيان العمل مع الشك في تحققه ؟ مع كونه معنا بسيطا ، فضلا عما لو كان مقيدا أو مركبا مع الشك في تحقق شرطه أو جزئه ، بعد الفراغ عن أصل الشرطية والجزئية حكما.

وتوهم أن الأصل لا يقتضي الاكتفاء به لعدم عموم يجري فيه بخلاف العلم الاجمالي ، مدفوع : بأنه يكفي فيه عموم « حديث الرفع » الشامل لرفع استحقاق المؤاخذة على ترك الموافقة المشكوكة أو المخالفة الغير المعلومة المستتبع إنا للترخيص على تركه المانع عن حكم العقل الملزم بعدم الاكتفاء بالمشكوك ، وهكذا بقية الأصول الجارية في الترخيص على ترك مشكوك الوجوب.

ولعمري ! انه لا يرفع هذه الغائلة إلا تنجيزية حكم العقل بالفراغ وعدم الاكتفاء بالمشكوك على وجه لا يبقى محال الجريان لهذه الأصول ، وإذا كان كذلك ، فنقول : بعين هذا الوجه الذي لا يجري الأصول في فرض الشك في الفراغ في العلم التفصيلي لا يجري هذه الأصول في فرض الشك في الفراغ بعد ثبوت الاشتغال في العلم الاجمالي أيضا ، لان تنجيزية حكم العقل في تحصيل الجزم بالفراغ لا يفرق بين العلم الاجمالي والتفصيلي ، كما هو واضح.

1 ـ أقول : الظاهر بقرينة ذيل كلامه أن غرضه من الفراغ هو تحصيل المؤمن ، ولو أنه كان كذلك فلم لا يكتفي بالشك بالموافقة بحديث الرفع ـ بالتقريب المتقدم في العلم التفصيلي أيضا ـ وأي فرق بينه وبين قاعدة التجاوز والفراغ ؟ فلا محيص حينئذ إلا أن يقول بالفرق بين ما كان لسانه لسان تعين مصداق المعلوم وبين غيره ، فيجوز في الأول الاكتفاء ، لان موضوع الفراغ الذي راجع إلى تحصيل الامتثال أعم من الحقيقي والجعلي ، وأن الغرض من تحصيل الفراغ ذلك ، لا مطلق الترخيص المؤمن بخياله ، ولو مع الشك بالمصداق والامتثال ، وحينئذ فما قرع سمعك : من تحصيل الفراغ ، هو ما ذكرنا الراجع إلى تحصيل الامتثال.

35

بعض الأطراف ، أو ظاهريا كما إذا كان في بعض الأطراف أصل ناف للتكليف غير معارض بمثله ، على ما سيأتي تفصيله.

والحاصل : أن الذي لابد منه عقلا هو القطع بالخروج عن عهدة التكليف ، والعلم بحصول المؤمن من تبعات مخالفته ، وهذا كما يحصل بالموافقة القطعية الوجدانية بترك الاقتحام في جميع الأطراف ، كذلك يحصل بالموافقة القطعية التعبدية بترك الاقتحام في بعض الأطراف مع الاذن الشرعي في ارتكاب البعض الآخر (1) ولو بمثل أصالة الإباحة والبرائة إذا فرض جريانهما في بعض الأطراف بالخصوص ولم يجريا في الطرف الآخر ليقع المعارضة بينهما.

نعم : لا يجوز الاذن في جميع الأطراف ، لأنه إذن بالمعصية ، والعقل يستقل بقبحها ، وأما الاذن في البعض فهو هما لا مانع عنه ، فان ذلك يرجع في الحقيقة إلى جعل الشارع الطرف الغير المأذون فيه بدلا عن الواقع (2) والاكتفاء بتركه عنه لو فرض أنه صادف المأذون فيه للواقع وكان هو الحرام المعلوم في البين.

ودعوى : أنه ليس للشارع الاكتفاء عن الواقع ببدله مما لا شاهد عليها ، وإلى ذلك يرجع ما تكرر في كلمات الشيخ ـ (قدس سره) ـ من إمكان جعل بعض الأطراف بدلا عن الواقع ، فإنه ليس المراد منه تنصيص الشارع بالبدلية ، بل نفس الاذن في البعض يستلزم بدلية الآخر قهرا.

____________

1 ـ أقول : مجرد ترك الاقتحام في البعض لا يكون إلا موافقة احتمالية ، إذ لا معنى للموافقة إلا إتيان مصداق المعلوم ، ولا يكون إلا بجعل الشارع مصداقيته ، لا بصرف تركه مع الاذن بارتكاب الطرف ، إذ لا يكون ذلك إلا الاذن بالاكتفاء بمحتمل المصداقية وهو الذي نمنعه أشد المنع.

2 ـ أقول : الغرض من البدلية إن كان جعله مصداقا للمعلوم فهو متين لو كان له طريق آخر غير هذا الترخيص ، وإلا فلو كان الطريق منحصرا بعموم دليل الترخيص فيدور ، لان شمول دليل الترخيص فرع العلم بالمصداقية ، فكيف يحصل العلم من عموم دليل الترخيص ؟ وإن كان الغرض من البدلية الاكتفاء بتركه مع احتمال كونه مصداقا ، فليكن دليل الترخيص يثبت ذلك في العلم التفصيلي أيضا.

36

ومما ذكرنا ظهر الوجه فيما أفاده الشيخ ـ (قدس سره) ـ من أن العلم الاجمالي يكون علة تامة لحرمة المخالفة القطعية ومقتضيا لوجوب الموافقة القطعية فان عليته لحرمة المخالفة القطعية إنما هي لأجل عدم جواز الاذن فيها ، بخلاف الموافقة القطعية ، فإنه يجوز الاذن بتركها بالترخيص في البعض ، فدعوى التلازم بين حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية وأن العلم الاجمالي إما أن يكون علة لهما معا وإما أن لا يكون علة لهما ، في غاية الضعف (1) لما عرفت : من أن العلم الاجمالي لا يزيد على العلم التفصيلي ، فكيف يكون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب موافقته القطعية مع أن العلم التفصيلي لا يكون علة تامة له ؟!

نعم يصح أن يقال : إن العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي يكون علة تامة لوجوب الموافقة القطعية بتعميم الموافقة القطعية إلى الوجدانية والتعبدية لا خصوص الوجدانية. وذلك كله واضح لا يهمنا إطالة الكلام فيه ، وإنما المهم بيان ما يوجب الترخيص الواقعي أو الظاهري في بعض الأطراف دون الآخر. أما الترخيص الواقعي : فموجبه حدوث أحد الأسباب الرافعة للتكليف واقعا من اضطرار ونحوه ، وسيأتي البحث عنه في بعض التنبيهات.

وأما الترخيص الظاهري : فينحصر موجبه بما إذا كان في بعض الأطراف أصل ناف للتكليف غير معارض بمثله : وذلك إنما يكون بقيام ما يوجب ثبوت

____________

1 ـ أقول : الانصاف أن لنا مجال دعوى عدم وصولك إلى الغرض من علية العلم للتنجز تفصيليا أم إجماليا ، إذ نقول بأنه ليس المقصود من علية العلم عدم انفكاكه عن العقوبة ، بل المقصود هو عليته لوجوب الامتثال في ظرف الاشتغال ، ولا نعني من التنجز إلا هذا ، لا استحقاق العقوبة على مطلق المخالفة ، وتمام الخلط من هنا. ومن العجب أنه صرح في قوله : « نعم يصح أن يقال الخ » بكون العلمين علة تامة للموافقة القطعية ! ومع هذا التصريح يلتزم بجريان الأصل في أحد الطرفين بلا معارض ، حتى مع عدم قيام دليل على كون الطرف مصداقا للمعلوم بالاجمال وإطاعة له ، وذلك هو الذي نحن نقول به ، ولا نلتزم بجريان الأصل بهذا المعنى في واحد من الأطراف ولو بلا معارض ، كما هو ظاهر.

37

التكليف في بعض الأطراف المعين : من علم أو أمارة أو أصل شرعي أو عقلي ، لكن يبقى الأصل النافي للتكليف في الطرف الآخر بلا معارض ، من غير فرق بين أن يكون الموجب لثبوت التكليف في البعض حاصلا قبل العلم الاجمالي أو بعده ، غايته : أنه في الأول يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي ، وفي الثاني يوجب انحلاله (1).

وتفصيل ذلك : هو أن المثبت للتكليف في بعض الأطراف المعين قد يكون هو العلم ، وقد يكون أمارة ، وقد يكون أصلا شرعيا تنزيليا أو غير تنزيلي ، وقد يكون أصلا عقليا ، وعلى جميع التقادير قد يكون ذلك حاصلا قبل العلم الاجمالي ، وقد يكون حاصلا بعده ، وأمثلة الكل وإن كانت لا تخفى على المتأمل ، إلا أنه لا بأس بذكرها تشريحا للذهن.

أما أمثلة ما إذا كان المثبت للتكليف في البعض حاصلا قبل العلم الاجمالي ، فيجمعها ما إذا علم تفصيلا بحرمة شيء معين لنجاسته أو غصبيته أو غير ذلك من أسباب الحرمة ، أو قامت أمارة على حرمته ، أو كان مستصحب الحرمة ، أو كان مما تجري فيه أصالة الحرمة لكونه من الدماء والفروج والأموال ، أو كان مما يجب الاجتناب عنه عقلا لكونه من أطراف العلم الاجمالي ، ثم بعد ذلك حدث موجب آخر للحرمة من سنخ السبب السابق وتردد متعلقها بين أن يكون هو ذلك الشيء المعين الذي كان يجب الاجتناب عنه سابقا أو شيئا آخر ، ففي جميع هذه الصور العلم الاجمالي الحادث مما لا أثر له ، لسبق التكليف بوجوب

____________

1 ـ أقول : ولا يخفى ما فيه من الخلط ، حيث إنه جعل باب جعل البدل والانحلال من واد واحد ، مع أنك قد عرفت أن الأول تصرف في مرتبة الفراغ بعد تأثير العلم في الاشتغال ، والثاني تصرف في مرتبة تأثير العلم في الاشتغال ، بل وقد ذكرنا أن ذلك لا يكون منتجا لاقتضاء العلم الاجمالي في التنجيز ، وإنما المنتج فيه جواز الترخيص في أحد الطرفين بلا جعل بدل أو انحلال ، كما لا يخفى. وتوهم عدم مورد له ، مدفوع بما سيجيء من وجود المورد له ( إن شاء الله تعالى ).

38

الاجتناب عن بعض أطرافه ، ويحتمل أن يكون متعلق الحادث هو الذي كان يجب الاجتناب عنه سابقا ، ومعه لا يعلم بحدوث تكليف فعلي آخر : والعلم الاجمالي إنما يقتضي وجوب الاجتناب عن أطرافه إذا كان علما بالتكليف (1).

وبتقريب آخر : العلم الاجمالي إنما يقتضي وجوب الموافقة القطعية إذا كانت الأصول النافية للتكليف الجارية في الأطراف متعارضة ، وفي جميع الفروض المتقدمة لا تكون الأصول متعارضة ، لان أحد طرفي العلم الاجمالي لا يجري فيه الأصل النافي للتكليف ، لوجوب الاجتناب عنه على كل حال ، فيبقى الطرف الآخر جاريا فيه الأصل النافي بلا معارض ، فلا موجب للاجتناب عنه (2).

نعم : لو كان الموجب الحادث يقتضي أثرا زائدا عما كان يقتضيه السبب السابق ، كما إذا كان السبب لوجوب الاجتناب عن الشيء المعين هي النجاسة التي لا يجب التعدد في غسلها كالدم وكان الموجب الحادث مما يجب فيه التعدد كالبول ، فالعلم الاجمالي يؤثر بمقدار الأثر الزائد ، والأصول بالنسبة إليه متعارضة ، وسيأتي توضيحه.

هذا كله لو علم بحدوث سبب آخر للتكليف غير ما كان سابقا. وقس عليه ما إذا احتمل ذلك ، كما إذا قامت البينة على نجاسة أحد الانائين بلا ذكر

____________

1 ـ أقول : ولو لم يعلم بحدوث التكليف حينه ، بشهادة أنه لو حدث مثل هذا العلم مع احتمال سبق التكليف بلا علم به فإنه يتنجز بلا شبهة ، مع أنه يصدق بعدم العلم بحدوث تكليف جديد ، فعنوان العلم بحدوث التكليف لغو في المقام ، وتمام المدار على العلم بوجود تكليف حين وجوده ، وهو حاصل في المقام ، فلابد من منع تنجزه من بيان آخر ، لا بهذا البيان.

2 ـ أقول : وأوهن من التقريب السابق هذا التقريب ، لان جريان الأصل في ظرف عدم جعل الموافقة والمصداق تعبدا فرع إسقاط العلم عن تأثيره في الاشتغال ، وإلا فبعد ثبوت الاشتغال العقل يحكم حكما جزميا بلزوم تحصيل الجزم بالامتثال وعدم القناعة بالشك فيه ، كما هو الشأن في العلم التفصيلي أيضا ، كما تقدم. وحينئذ جريان الأصل من توابع العلم بالانحلال لا العكس ، والفرض أن هذا العلم أيضا لا يحصل باطلاق أدلة الترخيص للدور ، كما هو الشأن في جعل البدل أيضا.

39

السبب بعد العلم بنجاسة أحدهما المعين أو ما يلحق بالعلم واحتمل أن يكون سبب النجاسة التي قامت عليه البينة غير النجاسة التي علم بها سابقا ، فإنه أيضا لا يكون العلم الاجمالي الحاصل من قول البينة علما بتكليف زائد عما علم به أولا ، كما لا يخفى وجهه.

وأما أمثلة ما إذا حصل المثبت للتكليف في بعض الأطراف بعد العلم الاجمالي ، فيجمعها أيضا ما إذا علم إجمالا بحرمة أحد الشيئين لا على التعيين ثم بعد ذلك علم تفصيلا بحرمة أحدهما المعين ، أو قامت أمارة على حرمته ، أو شك في بقاء حرمته السابقة لكي يجري فيه استصحاب الحرمة التي كانت ثابتة فيه قبل العلم الاجمالي ، أو تبين أن أحد الشيئين المعين كان من الدماء والأموال والفروج لكلي تجري فيه أصالة الحرمة ، أو ظهر أن أحدهما المعين كان طرفا لعلم إجمالي سابق على العلم الاجمالي بحرمة أحدهما.

ففي جميع هذه الصور ينحل العلم الاجمالي ولا يجب الاجتناب عن غير ما ثبت التكليف به ، لان الأصل النافي للتكليف يجري فيه بلا معارض (1) كما في صورة ثبوت التكليف به قبل العلم الاجمالي.

فان قلت : كيف ينحل العلم الاجمالي بذلك مع سبق تأثيره في وجوب الاجتناب عن أطرافه ؟ نعم : لو ثبت أن متعلق التكليف المعلوم بالاجمال هو ذلك المعين لكان للانحلال وجه ، وأما لو لم يثبت ذلك فالعلم الاجمالي لا ينحل ، ومجرد ثبوت التكليف في المعين لا يقتضي انحلاله ، فان ذلك لا يزيد على العلم التفصيلي بحدوث سبب التكليف في البعض المعين بعد العلم الاجمالي بالتكليف المردد بين أن يكون متعلقا بذلك المعين أو بغيره ، كما لو وقعت قطرة من الدم في أحد الانائين المعين بعد العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما ، ولا إشكال في عدم

____________

1 ـ أقول : هذا التعليل عليل ، كما أشرنا.

40

انحلال العلم الاجمالي في هذا الفرض ، وليس وجهه إلا سبق تأثير العلم الاجمالي ، وهذا الوجه يجري فيما إذا ثبت نجاسة أحد الانائين المعين بعد العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما لا على التعيين ، فان العلم الاجمالي أيضا قد سبق في التأثير ، فلا أثر لثبوت نجاسة المعين بعد ذلك ما لم يثبت أنها هي المعلومة بالاجمال ، كما هو مفروض الكلام.

قلت : مجرد حدوث العلم الاجمالي بالتكليف في زمان لا يكفي في التأثير في وجوب الاجتناب عن جميع الأطراف ، بل يعتبر أيضا بقائه على صفة حدوثه ، وإذا تبدل العلم وانقلب عن كونه علما بالتكليف لاحتمال سبق التكليف عليه ـ كما في الأمثلة المتقدمة ـ فلا محالة ينحل ويسقط عن التأثير قهرا ، إذ لم يعتبر العلم الاجمالي بما أنه صفة قائمة في نفس العالم لعدم أخذه موضوعا في أدلة التكاليف ، بل إنما اعتبر لأجل كونه طريقا إلى متعلقه وكاشفا عنه ، فلابد من ملاحظة المعلوم والمنكشف به ، فان كان هو من التكاليف فالعلم الاجمالي به يوجب تنجزه والخروج عن عهدته بالاجتناب عن جميع أطرافه ، وإن لم يكن المعلوم والمنكشف من التكاليف فالعلم الاجمالي به لا يقتضي شيئا ولا يؤثر أثرا ، ومع سبق التكليف في بعض الأطراف على العلم الاجمالي ـ وإن تأخر العلم به عن العلم الاجمالي ـ يخرج العلم الاجمالي عن كونه طريقا وكاشفا عن التكليف ، لاحتمال أن يكون المنكشف به قد تعلق بما سبق التكليف به.

وحاصل الكلام : أنه إذا وجب الاجتناب عن بعض الأطراف المعين في الزمان السابق على العلم الاجمالي وثبت ذلك بأحد الوجوه المتقدمة بعد العلم الاجمالي فالعلم الاجمالي يتبدل ويتغير عما كان عليه ويخرج عن كونه علما بالتكليف وهذا بخلاف ما إذا حدث سبب وجوب الاجتناب عن المعين بعد العلم الاجمالي ، كما إذا أصاب أحد الانائين المعين نجاسة بعد العلم الاجمالي بنجاسته أو نجاسة الاناء الآخر ، فإن العلم الاجمالي في المثال لم يتبدل عما كان عليه ، لان

41

المنكشف به غير النجاسة الحادثة في المعين : ومعه كيف يعقل أن تكون النجاسة الحادثة رافعة لاثر العلم الاجمالي ؟ بل الامر بالعكس ، فان العلم الاجمالي يكون رافعا لاثر النجاسة الحادثة لأنها حدثت في محل كان يجب الاجتناب عنه بسبب آخر سابق عليها ، فقياس حدوث العلم الاجمالي بعد وجود سبب الاجتناب عن المعين على حدوث سبب الاجتناب عنه بعد العلم الاجمالي ليس في محله ، لان المقيس والمقيس عليه متعاكسان في الحكم ، فإنه في المقيس عليه لا أثر للسبب الحادث في المعين بعد العلم الاجمالي ، وفي المقيس لا أثر للعلم الاجمالي الحادث بعد سبق التكليف في المعين ، وحق القياس أن يقاس ما نحن فيه على ما إذا كان العلم بوجوب الاجتناب عن المعين حاصلا قبل العلم الاجمالي ، لما عرفت من أنه لا فرق بينهما سوى أن ذلك يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي ، وما نحن فيه يوجب انحلاله ، وهذا مجرد اصطلاح ، والنتيجة لا تختلف ، وهي ثبوت التكليف في المعين من غير ناحية العلم الاجمالي ، فلا يكون العلم طريقا إلى إحرازه ، ويلزمه انحلال العلم حقيقة (1).

____________

1 ـ أقول : حيث انجر الكلام إلى باب انحلال العلم الاجمالي ، فلا بأس ببسط الكلام ، كي يرتفع به ما وقع من الأوهام ، فنقول ـ وعليه التكلان ـ إن موجب الانحلال تارة قيام العلم بالتكليف في أحد الطرفين أو أمارة كذلك أو أصل مثبت شرعي أو عقلي ولو قاعدة الاشتغال ، كما أن محط البحث أيضا صور قيام الطريق أو الأصل على وجود التكليف في الطرف المعين بلا عنوان ، وإلا فلو قام الطريق على تعين المعلوم بالاجمال فيه فهو خارج عن باب الانحلال وداخل في باب جعل البدل المعين لمصداق المعلوم بالاجمال ، ويكتفى به ولو قام بعد العلم الاجمالي أيضا. ثم في فرض قيام الطريق على التكليف بلا عنوان سواء كان قبل العلم أو بعده أو مقارنه لا يوجب انحلال العلم الاجمالي حقيقة ، ولو كان الطريق علميا ، لان ميزان وجود العلم الاجمالي وجود لازمه من الشكين التفصيليين في الطرفين ، وهذا الشك مع وجود العلم المزبور موجود بعينه بملاحظة احتمال كون المعلوم بالتفصيل غيره ، وذلك يلازم احتمال عينيته ، وهو ملازم لاحتمال وجود المعلوم في كل واحد من الطرفين ، غاية الامر على تقدير عين المعلوم بالتفصيل وعلى تقدير غيره.

42

وما ربما يظهر من بعض : من تسمية ما نحن فيه بالانحلال التعبدي ، فليس

____________

ومن هذه الجهة نقول : إنه لا معنى لانحلال العلم الاجمالي في المقام حقيقة ، وإنما كان كذلك في انحلال العلم في باب الأقل والأكثر.

فإنه لا مجال لتوهم بقاء العلم على إجماله ، لعدم احتمال كونه غير المعلوم تفصيلا ، فلا محيص في مثله بأن كان من قبيل ضم مشكوك بمعلوم.

ثم لا يخفى أن كل علم أو طريق إنما يتنجز التكليف في ظرف وجوده ، لا أنه بحدوثه يحدث التنجز إلى الأبد وإن زال العلم أو الطريق ، وحينئذ سبق العلم التفصيلي بالتكليف مثلا لا يجدي شيئا في المقام ، لان تأثيره السابق في تنجز معلومه غير مرتبط بتنجز العلم الاجمالي ، وما هو مضر به هو بقاء تأثيره إلى حين العلم الاجمالي ، ومن هذه الجهة يجري عليه حكم المقارن ، كما أن المدار في باب الانحلال العلم بالتكليف الفعلي المردد بين كونه عين المعلوم تفصيلا أم غيره وإن لم يعلم بحدوث التكليف من قبل العلم بسببه ، إذ المدار ليس على العلم بحدوث التكليف جديدا ، بل تمام المدار بالعلم بوجود التكليف حين حدوث السبب ، وذلك بعينه موجود حينه ، وحينئذ لا يبقى في البين مجال توهم ذهاب العلم الاجمالي بوجود العلم التفصيلي وانقلابه إليه حقيقة ، وعليه فلا محيص من الالتزام بمنع العلم التفصيلي علن تأثير العلم الاجمالي ، لا عن نفسه ، كما هو الشأن في الانحلال بالامارة والأصل المثبت للتكليف ، ولا نعني من الانحلال الحكمي إلا ذلك : وحيث اتضح لك ذلك نقول :

إن عمدة وجه المنع عن تأثير العلم الاجمالي ليس إلا جهة منجزية العلم التفصيلي الحاصل من حين وجوده حال العلم الاجمالي ، وإلا فتأثيره في الزمان السابق غير مضر بالعلم ، كما عرفت. وعليه فنقول أيضا : إن من المعلوم أن لتكليف واحد لا يتصور إلا تنجز واحد ، ومع قيام العلم التفصيلي مقارنا للعلم الاجمالي يحتمل اتحاد التكليف الغير القابل لتأثير العلم ، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لحكم العقل بمنجزية العلم الاجمالي ، إذ معنى منجزية العلم الاجمالي كونه مؤثرا في المعلوم على الاطلاق ، وهذا المعنى غير معقول ، فلا يبقى في البين إلا كون العلم موترا على تقدير ، ومن المعلوم : أن التكليف على تقدير لا يكون متعلق العلم ، بل هو مشكوك تفصيلا ، فما هو معلوم ليس إلا معنى قابلا للانطباق في كل طرف ، وهذا المعنى يستحيل تنجزه من قبل العلم الاجمالي ، وما هو قابل للتنجز هو التكليف المحتمل في الطرف الآخر ، وهو ليس معلوما إجمالا ، لعدم قابلية انطباقه على الطرف المعلوم تفصيلا ، ومن هذه الجهة يسقط العلم عن السببية في الاشتغال وجعل المعلوم في عهدة المكلف ، فصار وجوده كالعدم ، فلا بأس حينئذ بجريان الأصول النافية في الطرف الآخر ، ففي الحقيقة وجه جريان الأصل النافي في المقام من جهة سقوط الأصل عن التأثير ، لا من جهة صرف عدم المعارضة ، كما توهم. وهذا معنى كون الانحلال موجبا للتصرف في مرتبة الاشتغال ، كما أشرنا إلى الفرق بينه وبين جعل

43

كما ينبغي : إذ لا معنى للتعبد بالانحلال ، فان الانحلال وعدمه يدور مدار كون

____________

البدل الذي هو تصرف في مرتبة الفراغ.

ثم إنه بعدما عرفت ذلك ترى هذا الوجه بعينه في الامارة المثبتة وأصله ، من دون فرق بين الجميع في المنع عن تأثير العلم ، كما أن المدار في المنع المزبور مقارنة العلم الاجمالي مع التفصيلي في الوجود ، ولو كان العلم التفصيلي متأخرا فقهرا يحصل في البين علمان إجماليان : أحدهما دفعيا ، والآخر تدريجيا بين الطرف قبل العلم والطرف الآخر بعده ، ومن المعلوم : أن العلم الدفعي أيضا يسقط عن التأثير حين العلم التفصيلي ، لان تأثير السابق ملغى ، والتأثير حين العلم مستند إليهما لا إلى الاجمالي. وبعده يستحيل أيضا تأثر المعلوم القابل للانطباق على كل طرف من قبل العلم الاجمالي ، وأما العلم التدريجي يبقى على تأثيره بلا انحلال ، كما هو الشأن في التلف بعد العلم ، فان المنجز فيه أيضا هو العلم التدريجي الموجود فعلا ، لا أن العلم بحدوثه أثر في التنجز إلى الأبد ، كما توهم.

ومن هذه الجهة نفرق بين العلم التفصيلي الحاصل قبل العلم الاجمالي وبعده من دون فريق أيضا بين أن يكون متعلق العلم التفصيلي الحادث التكليف السابق على المعلوم بالاجمال أو مقارنه أو اللاحق له ، إذ ليس المدار في منجزية العلم الاجمالي على العلم بحدوثه من قبله كي ينقلب بعد العلم بالتكليف السابق ، بل المدار على العلم بوجود التكليف حينه وإن احتمل حدوثه قبله ، ولذا لو لم يكن في البين علم تفصيلي لاحق لا شبهة ـ حتى عند الخصم ـ بمنجزية هذا العلم الاجمالي مع احتمال عدم حدوث التكليف حينه ، فذلك كاشف جزمي بأن تمام المدار في منجزية العلم الاجمالي هو وجود التكليف حينه لا حدوثه ، ومعلوم : أن هذا المعنى لا ينقلب إلى يوم القيامة ، كان في البين علم تفصيلي أو لم يكن ، وحينئذ فالعلم المزبور بالنسبة إلى الطرف قبل العلم والطرف الآخر بعده بنحو التدريج باق بحاله بلا قيام طريق مثبت بالنسبة إلى طرفي هذا العلم ، فلا مانع عن بقاء منجزيته بلا صلاحية العلم التفصيلي للمنع عن تأثيره ، لعدم قيامه على أحد طرفيه ، وسيجئ ( إن شاء الله تعالى ) أنه لا فرق في منجزية العلم بين الأطراف الدفعية أو التدريجية ، وعليك بالتأمل في المقام ، ترى ما في كلمات الماتن مواقع النظر والاشكال.

ولئن تأملت ترى نقطة البحث بيننا وبينه في هذه المسألة هو أن منشأ جريان الأصل في الطرف الآخر هل هو من جهة نقص في العلم الاجمالي في المنجزية ولو من جهة انعدامه حقيقة أو تنزيلا ؟ أو من جهة نقص في المعلوم من حيث التنجز من قبله ؟ فتمام نظر الماتن إلى الأول ولذا لا يفرق بين العلم التفصيلي بعده أو مقارنه لاشتراط بقاء العلم على ما هو عليه في المنجزية. وتمام نظرنا إلى الثاني ، ولذا نفرق بين الصورتين.

44

العلم الاجمالي طريقا إلى ثبوت التكليف وعدمه ، فان كان العلم طريقا إليه فلا يعقل انحلال العلم الاجمالي ، وإن لم يكن طريقا إليه وكان ثبوت التكليف في أحد الأطراف من طريق آخر غير العلم الاجمالي ـ ولو كان هو علما إجماليا سابقا عليه ـ فلا يعقل عدم انحلاله ، بل ينحل لا محالة انحلالا خارجيا ، لعدم بقاء العلم على حاله وجدانا : فالانحلال لا يكون إلا حقيقيا.

نعم : ما يتحقق به الانحلال قد يكون هو العلم الوجداني ، وقد يكون أمارة أو أصلا شرعيا أو عقليا ، كما عرفت ذلك كله في الأمثلة المتقدمة : والاختلاف إنما يكون في المحقق للانحلال لا في نفس الانحلال ليكون الانحلال على قسمين : حقيقا وتعبديا. وعلى كل حال : الامر في ذلك سهل ، لان البحث يرجع إلى التسمية لا إلى النتيجة.

فتحصل مما ذكرنا : أنه مهما كان في بعض أطراف العلم الاجمالي أصل مثبت لوجوب الاجتناب عنه ، فالطرف الآخر لا يجب الاجتناب عنه ويجري فيه الأصل النافي للتكليف بلا معارض.

ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا من انحلال العلم الاجمالي إذا كان في بعض الأطراف أصل مثبت للتكليف دون الآخر ، بين أن يكون الأصل المثبت للتكليف في البعض موجودا من أول الامر كما إذا كان أحد الانائين قبل تعلق العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما أو بعده مستصحب النجاسة ، وبين أن يوجد أصل مثبت للتكليف في البعض بعد سقوط الأصول النافية للتكليف الحاكمة عليه كما إذا علم بعد الفراغ من الصلاة بفوات سجدتين وشك في أنها من ركعة واحدة أو ركعتين ، فيعلم إجمالا بوجوب أحد الامرين : من إعادة الصلاة أو قضاء السجدتين ، والأصول النافية للتكليف في المثال كلها ساقطة.

أما قاعدة الفراغ الجاري في مجموع الصلاة : فلان مفادها نفي التكليف رأسا عن كل من إعادة الصلاة وقضاء السجدتين ، خصوصا إذا كانت قاعدة الفراغ

45

من الأصول المحرزة ، فان مفادها يكون حينئذ وقوع المشكوك فيه وعدم فوات السجدتين من الصلاة ، وهذا كما ترى ينافي العلم بفواتها ، فمؤدى قاعدة الفراغ في المثال يضاد نفس المعلوم بالاجمال ، نظير أصالة الإباحة في دوران الامر بين المحذورين.

وأما قاعدة التجاوز الجارية في كل من الركعتين اللتين يعلم بفوات السجدتين منهما : فلانه يلزم من جريانها فيهما مخالفة عملية. هذا إذا لم نقل بأنها من الأصول المحرزة ، وإلا فهي لا تجري وإن لم يلزم منها مخالفة عملية ـ كما تقدم بيانه ـ فإذا سقطت الأصول النافية للتكليف تصل النوبة إلى الأصل المحكوم بها وهو استصحاب عدم الاتيان بالسجدة من كل ركعة واستصحاب عدم الاتيان بالسجدتين من الركعة الواحدة ، والاستصحابان يقتضيان إعادة الصلاة وقضاء السجدتين معا ، وهو وإن لم يلزم منه مخالفة عملية ، إلا أنه لما كان الاستصحاب من الأصول التنزيلية وهي لا تجري في أطراف العلم الاجمالي مطلقا وإن لم يلزم منها مخالفة علمية ، فالاستصحابان يسقطان أيضا بالتعارض ، وتصل النوب إلى الأصول الحكمية المحكومة بالاستصحاب ، وهي أصالة بقاء الاشتغال بالصلاة عند الشك فيها في الوقت المقتضية لإعادة الصلاة وأصالة البراءة عن وجوب قضاء السجدتين ، فينحل العلم الاجمالي ببركة قاعدة الاشتغال المثبتة للتكليف بالإعادة.

وبالجملة : لو فرض أن في الأطراف أصولا متعددة نافية للتكليف وكان في أحد الأطراف أصل مثبت للتكليف محكوم بالأصول النافية السابقة في الرتبة عليه ، فعند سقوط الأصول النافية ووصول النوبة إلى الأصل المثبت ينحل العلم الاجمالي ، كما إذا كان من أول الامر في أحد الأطراف أصل مثبت للتكليف غير محكوم بالأصل النافي.

46

وهم ودفع :

أما الوهم : فهو أنه كيف يمكن انحلال العلم الاجمالي بالأصل المثبت للتكليف في البعض مع أن قوام جريان الأصل المثبت هو العلم الاجمالي ؟ بداهة أن المنشأ لسقوط الأصول النافية للتكليف ووصول النوبة إلى الأصل المثبت له إنما كان هو العلم الاجمالي ، إذ لولاه لم تقع المعارضة بين الأصول النافية لتسقط ، ولولا سقوط الأصول النافية لم تصل النوبة إلى الأصل المثبت ، فلو كان الأصل المثبت للتكليف يقتضي انحلال العلم الاجمالي لزم من وجوده عدمه ، لان انحلال العلم الاجمالي يوجب رجوع الأصول النافية لأنه المنشأ لسقوطها ، ورجوع الأصول النافية يوجب عدم جريان الأصل المثبت لأنه محكوم بها ، فيلزم من جريان الأصل المثبت عدم جريانه.

وأما الدفع : فحاصله : أن انحلال العلم الاجمالي لا يوجب رجوع الأصول النافية لكي يلزم من رجوعها عدم جريان الأصل المثبت ، فان العلم الاجمالي بما أنه علم ليس علة لسقوط الأصول النافية لترجع عند انحلاله ، بل العلة لسقوطها هي عدم انحفاظ رتبتها ولزوم المخالفة العملية من جريانها ، وهذه العلة كما تقتضي سقوطها عند وجود العلم الاجمالي ، كذلك تقتضي عدم رجوعها عند انحلال العلم الاجمالي.

والحاصل : أن الأصول النافية لا ترجع بعد سقوطها ، لأنه يلزم من رجوعها سقوطها لبقاء علة السقوط بعد الرجوع ، فإذا لم ترجع الأصول النافية يبقى الأصل المثبت مستقرا وينحل به العلم الاجمالي ، فتأمل جيدا.

تتمة :

لو فرض أنه كان في بعض الأطراف أصل ناف للتكليف غير معارض بمثله

47

ولم يكن في الطرف الآخر أصل مثبت للتكليف من غير ناحية العلم الاجمالي ، فالعلم الاجمالي ينحل به أيضا ، كما ينحل بالأصل المثبت للتكليف في بعض الأطراف ، لان الأصل النافي يوجب التأمين عن الطرف الذي يجري فيه ويبقى الطرف الآخر بلا مؤمن.

ولكن فرض أن يكون في أحد الطرفين أصل ناف للتكليف غير معارض بمثله ولم يكن في الطرف الآخر أصل مثبت له بعيد ، بل الظاهر أنه لا يمكن.

نعم : يمكن فرضه في الأصل الجاري في وادي الفراغ وناحية الامتثال ، كما لو علم إجمالا بعد دخول المغرب بفوات إحدى الفرائض الخمس من هذا اليوم وترددت بين كونها الظهر أو المغرب ، فإنه في مثل الفرض تجري قاعدة الشك بعد الوقت النافية للتكليف عن الظهر وينحل بها العلم الاجمالي.

هذا ، ولكن يمكن أن يقال : إن المثال ليس مما نحن فيه ، لوجود الأصل المثبت في أحد طرفي العلم الاجمالي وهو أصالة الاشتغال الجارية في صلاة المغرب مع بقاء وقتها ، فالانحلال إنما يكون بالأصل المثبت.

وبالجملة : فرض خلو أحد الأطراف عن كل من الأصل المثبت للتكليف والنافي له مما لم نعثر على مثاله.

وقد يتوهم : أن العلم بنجاسة أحد الانائين اللذين كان أحدهما متيقن الطهارة قبل العلم الاجمالي دون الآخر يكون مثالا لما نحن فيه ، بتقريب : أن الاستصحاب الطهارة في متيقن الطهارة يعارض أصالة الطهارة الجارية في الطرف الآخر فيسقطان ، وتصل النوبة حينئذ إلى أصالة الطهارة في مستصحب الطهارة ، وهي سليمة عن المعارض لسقوط معارضها في المرتبة السابقة ، وليست أصالة الطهارة في مستصحب الطهارة في مرتبة استصحابها لتسقط بسقوطه ، لأنها محكومة ، فهي في ظرف جريان الاستصحاب لا تجري ، وفي ظرف جريانها لا يكون لها معارض

48

هذا ، ولكن لا يخفى عليك فساد التوهم ، لان تعارض الأصول إنما هو باعتبار تعارض مؤدياتها وما هو المجعول فيها ، والمؤدى في كل من استصحاب الطهارة وقاعدتها أمر واحد وهو طهارة مشكوك الطهارة والنجاسة ، والمفروض عدم إمكان جعل الطهارة في كل من الانائين ، فكل من مؤدى استصحاب الطهارة وقاعدتها في متيقن الطهارة يعارض مؤدى قاعدة الطهارة في الاناء الآخر ، فتسقط جميعا في عرض واحد (1) وحكومة الاستصحاب على القاعدة لا أثر لها في المقام ، وإنما يظهر أثرها في الشك السببي والمسببي.

والحاصل : أن تعارض الأصول وسقوطها إنما هو باعتبار أن المجعول فيها معنى يؤدي إلى المخالفة العملية ، فلابد من ملاحظة ما هو المجعول في الأصول الجارية في أطراف العلم الاجمالي ، فان كان المجعول فيها معنى يؤدى إلى المخالفة العملية فلا محالة يقع التعارض بينها وتسقط ، ولو فرض أنه كان في أحد الأطراف أصول متعددة وفي الطرف الآخر أصل واحد ، فان الأصل الواحد يعارض جميع تلك

____________

1 ـ أقول : لم يبق أحد شبهة في أن جعل الطهارتين في طرف واحد وفي عرض فارد مستحيل ، كما أنه لا شبهة لاحد أيضا في أن منشأ تعارض الأصول بملاحظة مؤداتها الموجب لطرح العلم الاجمالي ، وإنما الكلام في أنه لم لا يمكن في مقام الثبوت جعل طهارتين طوليين بنحو لا يكاد اجتماعهما في زمان بل ورتبة واحدة ؟ ولو لمصلحة ثبوت المتأخر عند عدم ثبوت السابق ، فينتج في المقام جريان الطهارة في أحد الطرفين بلا معارض ، ومع الاغماض عن هذه الجهة لم لا يمكن جعل الشارع للطهارة الواحدة المجعولة طريقين ؟ أحدهما في مرتبة الدلالة في طول الآخر ، بحيث لا يصل النوبة إلى عموم الثاني الذي هو أحد الطريقين إلا بعد سقوط العموم الأول ولو بالتعارض.

ولعمري ! أن الجواب في المقام كالجواب عن التخيير في جريان الأصول النافية ليس إلا مجرد المصادرة ودعوى بلا دليل يعرف البصير الناظر أنه ليس الالتزام بما التزم إلا من باب ضيق الخناق وتشبث الغريق بكل حشيش !.

فمن الأول تلتزم بما أسلفناه تستريح من هذه النقوض الواضحة البينة التي تكون في الوضوح ـ لولا انغراس الشبهة ـ كالنار على المنار وكالشمس في رابعة النهار.

49

الأصول (1) ولا يلتفت إلى ما بينها من الحكومة واختلاف المراتب بعد اتحاد المجعول فيها وعدم اختلافها في المؤدى ، وذلك واضح وإن خفي على بعض الاعلام.

ولا يتوهم : أن ذلك يقتضي عدم جواز العمل بالامارة القائمة على طهارة أحد الانائين ، بتخيل أن مؤدى الامارة يعارض مؤدى أصالة الطهارة الجارية في الاناء الآخر.

فان قيام الامارة على طهارة أحد الانائين تدل بلازمها عل نجاسة الآخر ، فيندرج فيما تقدم : من قيام أصل مثبت للتكليف في بعض الأطراف ، وأين هذا من الأصول العملية التي لا عبرة بلوازمها وملزوماتها ؟ فتأمل جيدا.

هذا تمام الكلام في الشبهة الموضوعية التحريمية في الشك في المكلف به.

بقي التنبيه على أمور

الأول :

لا فرق في تأثير العلم الاجمالي في وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية بين أن يكون متعلق العلم عنوانا معينا ذا حقيقة واحدة كما لو كان المعلوم بالاجمال خصوص نجاسة أحد الانائين أو خصوص غصبية أحدهما ، وبين أن يكون المتعلق عنوانا مرددا بين عنوانين مختلفي الحقيقة كما لو كان المعلوم

____________

1 ـ أقول : وهل الأصل الواحد يعارض أصلا غير جاري في المورد في طرف جريانه ؟ فلا تعارض إلا ما هو الجاري ليس إلا ، وحينئذ عليك باثبات جريان قاعدة الطهارة في عرض الاستصحاب في طرفها ، أو باثبات عدم جريان القاعدة حتى مع عدم الاستصحاب ، لا سبيل لك في الأول ، لان تطبيق موضوعه منوط بعدم الاستصحاب ، فكيف يكون في عرضه ؟ كما أنه لا سبيل إلى الثاني ، إذ لازمه عدم جريان القاعدة ولو مع عدم الاستصحاب ، وهو أيضا رفع اليد عن عموم دليله بلا دليل ، كما لا يخفى

50

بالاجمال مرددا بين النجاسة والغصبية.

والمحكي عن الحدائق : اعتبار أن يكون المعلوم بالاجمال عنوانا معينا غير مردد ، فالعلم الاجمالي بتحقق أحد العنوانين في أحد الانائين لا يقتضي وجوب الموافقة القطعية ولا حرمة المخالفة القطعية.

ولا يخفى ضعفه ، فان تأثير العلم الاجمالي في وجوب الموافقة وحرمة المخالفة إنما هو لأجل كشفه عن الالزام المولوي بعثا أو زجرا ، وتردد المعلوم بالاجمال لا يوجب قصورا في كشفه ، لأنه يعلم بتعلق النهي المولوي عن التصرف في أحد الانائين على كل تقدير ، إما لكونه غصبيا ، وإما لكونه نجسا ، فلابد من الخروج عن عهدة التكليف بترك التصرف في كل من الانائين وترتيب الاحكام الخاصة لكل من النجاسة والغصب إذا كان لكل منهما حكم خاص لا يشاركه الآخر فيه غير الاحكام المشتركة بينهما ، لان العلم بتحقق أحد العنوانين يستلزم العلم بثبوت أحد الحكمين والأصول النافية متعارضة من الجانبين ، فلابد من الموافقة القطعية لكل من الحكمين ، إلا إذا فرض أن لاحد العنوانين حكما يخصه لا يشاركه الآخر فيه ولا يكون للآخر حكم خاص ، فان الأصل النافي للحكم الخاص يجري بلا معارض ، كما لا يخفى.

الامر الثاني :

إلزام العقل بالاحتياط في أطراف العلم إنما هو للارشاد إلى التخلص عن تبعة مخالفة التكليف المعلوم في البين ، فلا يترتب على مخالفة الاحتياط أزيد مما يترتب على مخالفة الواقع ، وقد تكرر منا الكلام في ذلك ، فلا حاجة إلى إعادته.

الامر الثالث :

يعتبر في تأثير العلم الاجمالي إمكان الابتلاء بكل واحد من الأطراف ، فلا أثر

51

للعلم الاجمالي إذا كان بعض أطرافه خارجا عن مورد الابتلاء

وتوضيح ذلك : هو أن المطلوب في باب النواهي مجرد الترك واستمرار العدم وعدم نقضه بالوجود ، كما أن المطلوب في باب الأوامر هو مجرد الفعل ونقض العدم الأزلي ، ولا إشكال في اعتبار القدرة العقلية على كل من طرفي الفعل والترك في صحة كل من الأمر والنهي وإلا لزم التكليف بما لا يطاق أو بتحصيل الحاصل ، ففي اعتبار القدرة العقلية يشترك الأمر والنهي ، ولكن يختص النهي بقيد زائد ، وهو أنه يعتبر في صحته مضافا إلى القدرة العقلية على الفعل المنهي عنه القدرة العادية عليه ، بحيث يتمكن المكلف عادة من نقض العدم وفعل المنهي عنه ، ولا يكفي في صحة النهي مجرد القدرة العقلية على الفعل ، لاستهجان التكليف بترك مالا يقدر على فعله ، فان الترك حاصل بنفسه. والتكليف المطلق بترك ما يكون منتركا عادة يكون كالتكليف المطلق بترك ما يكون منتركا عقلا من حيث اللغوية والاستهجان ، فلا يصح النهي المطلق عن شرب الخمر الموجود في أقصى بلاد الهند مع عدم إمكان الابتلاء به عادة.

نعم : يصح النهي عنه مقيدا بصورة حصول القدرة العادية ولو على خلاف العادة (1) وإنما زيد هذا القيد في خصوص النواهي ولم يعتبر في الأوامر التمكن

____________

1 ـ أقول : بعد النتيجة بحسب المقدمات وخروجها عن حيز العادة ربما يوجب استهجان الخطاب ولو بنحو المشروط ، مثل أن يقال لشخص فقير : بأنك إذا صرت سلطانا لا تحكم بين الناس بظلم ، أو لعنين : إذا صار لك ولد لا تسمه باسم كذا ، مع إمكان صيرورة الولد له بشفائه ، مع بعده عنه عادة لا عقلا.

ثم إن مناط استهجان الخطاب إنما هو بعدم صلاحيته للدعوة إلى المتعلق لبعد تمكنه منه عادة ، بحيث يرى العرف مثل هذا الشخص أجنبيا عن هذا الفعل فعلا ، من دون فرق بين كون خطابه أمرا أو نهيا ، وكون الغرض من الامر إيجاده ومن النهي تركه لا يجدي فرقا في رفع استهجان الخطاب إلى من هو أجنبي عن العمل ، ويرونه العرف بحسب العادة غير قادر عليه ، كما لو قيل لشخص قبل تزوجيه : ارفق مع زوجتك ، في ظرف لا يكون له أسباب الزواج مهياء عادة.

52

العادي من الفعل (1) مضافا إلى التمكن العقلي ، لان الامر بالفعل إنما يكون لأجل اشتمال الفعل على مصلحة لازمة الاستيفاء في عالم التشريع ، ولا يقبح من المولى التكليف بايجاد ما اشتمل على المصلحة بأي وجه أمكن ولو بتحصيل الأسباب البعيدة الخارجة عن القدرة العادية مع التمكن العقلي من تحصيلها.

نعم : للمولى من باب التفضل والتوسعة عدم الامر بالفعل الذي يلزم منه العسر والحرج ، إلا أن ذلك أمر آخر غير قبح التكليف واستهجانه ، فلا يتوقف صحة الامر بالفعل على أزيد من التمكن العقلي من إيجاده. وأما النهي عن الفعل فلا يصح مع عدم التمكن العادي من إيجاد المنهي عنه ، لان الغرض من النهي ليس إلا عدم حصول ما اشتمل عل المفسدة ، ومع عدم التمكن العادي من فعل المنهي عنه لا تكاد تحصل المفسدة فلا موجب للنهي عنه ، بل لا يمكن ، لاستهجانه عرفا.

فان قلت : يلزم على هذا عدم صحة النهي عن كل مالا يحصل الداعي إلى

____________

1 ـ لا يخفى أن مقتضى التقابل بين الأمر والنهي ، هو أن يعتبر في صحة الامر القدرة العادية على الترك لا على الفعل ، ولا يبعد اعتبار ذلك في صحة الامر * ( منه ).

* أقول : بناء على صحة المايز بين الأمر والنهي ـ من كون الغرض من الامر وجوده لتحصيل مصلحة ومن النهي تركه وأنه إنما يصير عدم القدرة العادية سببا للترك فلا يبقى مجال لأعمال المولوية بخلاف الامر فان سبب إيجاده ليس إلا دعوة أمره بتحصيل الأمور الغير العادية ـ لا يبقى مجال لتشبيه الامر بالنهي ولو من جهة تركه ، فعدم القدرة العادية لا يجدي على كلامه شيئا ، فمع تسليم الكبرى المزبورة لا مجال لهذا الكلام.

نعم : الأولى أن يلحق الامر بالنهي ـ بناء على ما ذكر من المناط ـ بصورة الجزم بابتلاء المأمور بالعمل عادة لولا الامر ، فان إحداث الداعي في حقه أيضا لغو ، مع أنه ليس كذلك ، وذلك أيضا يكشف بأن منشأ استهجان الخطاب ليس ما ذكر ، بل العمدة كون البعد عن العمل بمثابة يرى العرف مثل هذا الشخص أجنبيا عنه ، بحيث لا يحسنون توجيه الخطاب نحوه ، من دون فرق بين الأمر والنهي ، كما أشرنا ، فتدبر.