إرشاد العقول إلى مباحث الأصول - ج1

- محمد حسين الحاج العاملي المزيد...
608 /
3

-

4

بِسم اللهِ الرّحمن الرحيم

فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إذا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ

التوبة : 122

5

كلمة المحاضر

بِسم اللهِ الرّحمن الرحيم

الحمد للّه الذي انحسرت الأوصاف عن كنه معرفته ، وردعت عظمتُه العقولَ فلم تجد مساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته.

والصلاة والسلام على من بعثه بالنور المضي ، والبرهان الجلي ، محمّد نبي الرحمة ، وعلى آله الذين هم كنوز الرحمن إن نطقوا صدقوا ، وإن صَمتوا لم يُسبقوا.

أمّا بعد ، فإنّ من مفاخر الشيعة الإمامية هو فتح باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية منذ رحيل الصادع بالحق (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى يومنا هذا ، والاجتهاد هو الذي يضفي على الشريعة ، غضاضة وطراوة ولا يناله إلاّ ذو حظ عظيم.

إنّ الخوض في عباب هذا الفن رهن علوم جمّة ، من أهمها : علم الأُصول الذي هو : العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل.

وممّن وفّقه اللّه لدراسة هذا العلم ، دراسة معمّقة الشيخ الفاضل المحقّق الثبت محمد حسين الحاج العاملي (حفظه اللّه) فحرّر ما ألقيناه من محاضرات على فضلاء الحوزة العلمية ببيان سهل وأُسلوب جزل بعيداً عن الإطناب والاقتضاب ،

6

وها هو الجزء الأوّل من مباحث الألفاظ يقدّمه لطلاب هذا العلم ، وقد لاحظته فرأيته وافياً بالمطلوب جامعاً لنكات البحث.

فأسأل اللّه سبحانه أن يوفّقه لصالح العلم والعمل ، وأن يجعله ذخراً للإسلام والمسلمين.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

1 شعبان المعظم 1422 هـ

7

كلمة المؤلف

بِسم اللهِ الرّحمن الرحيم

الحمد للّه الذي خضع له كلّ شيء ، وقام به كلّ شيء ، والصلاة والسلام على الداعي إلى الحقّ والشاهد على الخلق الذي بلّغ رسالات ربّه محمّد خاتم رسله وأفضل سفرائه ، وعلى آله الذين هم أساس الدين وعماد اليقين.

أمّا بعد ، فقد أسعفني الحظ في سالف الزمان وقمت بنشر ما استفدته من شيخي العلاّمة الحجّة الفقيه آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني (مد ظلّه) وقد كان لما نشرته من المباحث العقلية لعلم الأُصول صدى واسع في الأوساط العلمية ، ولم يخطر ببالي نشر ما استفدته من أُستاذي الكبير في مجال المباحث اللفظية ، ولكن لما شجّعني غير واحد من الأعزّاء على نشر ما بقي من المباحث لتكتمل الدورة الأُصولية ، شمّرت عن ساعد الجد وقمت بتبييض المباحث المذكورة في قوالب واضحة غير مخلّة بالمراد ، ولا مطنبة في البيان ، سائلاً المولى عزّ وجلّ أن يطيل عمر شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ الذي كان ولم يزل يربي جيلاً بعد جيل بعلمه وفكره وقلمه وبيانه.

8

كما أسأله سبحانه أن يجعل ما بذلته من الجهود في إخراج الجزءين الأخيرين كتاباً نافعاً ينتفع به روّاد العلم وطلاّب الفضيلة.

محمد حسين الحاج العاملي

جبل عامل ـ جزين

15 شعبان المعظم 1422 هـ

يوم ميلاد الإمام القائم ـ (عجلّ اللّه تعالى فرجه) ـ

9

مقدمة وفيها أُمور :

1. موضوع العلوم ومسائلها وتمايزها و ...

2. الوضع وفيه جهات من البحث

3. الحقيقة والمجاز

4. استعمال اللفظ في اللفظ وأقسامه

5. وضع الألفاظ للمعاني الواقعية

6. وضع المركبات

7. علائم الوضع أو تمييز الحقيقة عن المجاز

8. تعارض الأحوال

9. في الحقيقة الشرعية

10. ألفاظ العبادات والمعاملات أسام للصحيح أو للأعم

11. الاشتراك اللفظي

12. استعمال المشترك في أكثر من معنى

13. المشتق وانّه حقيقة في المتلبس أو الأعم

14. مسائل في المشتق

10

-

11

الأمر الأوّل

في موضوع العلوم ومسائلها وتمايزها

بحث المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل عن الموضوعات التالية :

1. تعريف موضوع العلم.

2. ما هي النسبة بين موضوع العلم وموضوع المسألة ؟

3. لزوم وجود موضوع لكلّ علم.

4. تمايز العلوم.

5. ما هو موضوع علم الأُصول ؟

6. ما هوتعريف علم الأُصول ؟

7. ما هو الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد والمسائل الفقهية ؟

فهنا جهات من البحث :

الجهة الأُولى : تعريف موضوع العلم

قالوا : إنّ موضوع كلّ علم بأنّه « ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية » ، المهم هو التعرف على أمرين :

1. العرض في المنطق والفلسفة.

12

2. الذاتي وأقسامه.

أمّا الأوّل فانّ العرض في الفلسفة يقابل الجوهر ، فالماهية إذا وجدت وجدت لا في موضوع فهو جوهر كالإنسان ، وإذا وجدت في موضوع فهو عرض كالسواد.

هذا هو العرض حسب الاصطلاح الفلسفي.

وأمّا العرض في الاصطلاح المنطقي فهو أوسع من سابقه ، وهو يطلق على الخارج عن ذات الشيء ، المحمول على الشيء لاتّحاده معه في الخارج ، وعلى هذا فالناطق عرض بالنسبة إلى الحيوان لخروجه عن حقيقته وصحّة حمله عليه لوحدتهما في الخارج في مورد الإنسان ، والمراد من العرض هنا هو المصطلح المنطقي لا الفلسفي ، وربّما صار الخلط بين الاصطلاحين منشأً للاشتباه.

أمّا الثاني أي الذاتي فيطلق و يراد منه أحد المعاني الثلاثة :

1. الذاتي في باب الايساغوجي ( الكلّيات الخمس ) ، والمراد منه ما كان جنساً أو فصلاً أو نوعاً للشيء ، وبعبارة أُخرى : ما يكون مقوّماً للموضوع ومن ذاتيّاته ، ويقابله العرضيّ ، وهو ينقسم بدوره إلى عرض عام وخاص كما هو مفصّل في المنطق.

2. الذاتي في باب البرهان ، وهو عبارة عن الخارج عن ذات الشيء ، المحمول على الشيء من دون حاجة في الانتزاع أو في الحمل إلى وجود حيثية تقييدية في جانب الموضوع ، وهذا كما في قولنا : الإنسان ممكن ، فانّ الإمكان ليس مقوّماً للإنسان ، إذ ليس هو نوعه أو جنسه أو فصله ، ومع ذلك ينتزع منه أو يحمل عليه بلا حاجة إلى حيثية تقييدية على نحو يكون وضع الإنسان ملازماً لوضع الإمكان.

13

وربّما يمثّل بحمل الموجود على الوجود ، والأبيض على البياض ، وربّما يطلق عليه المحمول بالصميمة ، ويقابله ما يسمّى المحمول بالضميمة كحمل الأبيض على الاسم ، فلا يوصف بكونه أبيض إلاّ بعد ضمّ البياض إليه وعروضه عليه.

3. الذاتي في باب الحمل والعُروض ، ويقابله الغريب ، وهو المراد من قولهم موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية فمحمولات المسائل أعراض ذاتية لموضوع العلم.

وقد اختلفت كلمتهم في تفسير العرض الذاتي في المقام ، فذهب المحقّق الخراساني تبعاً للمحقّق السبزواري في تعاليقه على الأسفار (1) بأنّ المعيار في كون العرض ذاتياً أو غريباً هو أن يكون العرض من قبيل الوصف بحال الشيء لا الوصف بحال متعلّق الشيء.

وبعبارة أُخرى : العرض الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض.

توضيحه : انّ الواسطة تطلق على عدّة معان :

1. الواسطة في الثبوت ، وهي ما تكون علّة لعروض المحمول على الموضوع كالنار الموقدة تحت القِدْر التي تكون علّة لعروض الحرارة على الماء في قولنا : الماء حار.

2. الواسطة في الإثبات ، وهي ما تكون علّة لحصول اليقين بثبوت المحمول للموضوع ، كقولنا : العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث ، فالتغيّر سبب لحصول اليقين بحدوث العالم. وبذلك يطلق على الحد الأوسط ، الواسطة في الإثبات.

3. الواسطة في العروض ، وهي المصحِّحة للنسبة بحيث لولاها لما صحّت

____________

1 ـ الأسفار : 1/32.

14

النسبة ، كما في قولنا : جرى الميزاب ، فانّ الجاري حقيقة هو الماء لكن علاقة المجاورة أو الحالّية والمحلّية تُصحح نسبة الجريان إلى الميزاب لكـن ادّعاءً ومجـازاً.

إذا وقفت على ذلك فنقول : إنّ الميزان في عدّ العرض ذاتياً أو غريباً هو كون الوصف بحال الموصوف ، أو بحال المتعلّق ، وهذا هو المقياس لذاتية العرض وغرابته سواء كان عارضاً بلا واسطة ، أو بواسطة مساو ، أو بواسطة أخصّ أو أعمّ. فوجود الواسطة وعدمها ونسبتها مع ذي الواسطة ليس مطروحاً في المقام ، وإنّما المطروح كون النسبة حقيقية أو مجازية ، وعلى ذلك تكون الأمثلة التالية من العرض الذاتي.

أ : إذا عرض للموضوع بواسطة مباينة ، كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار.

ب : إذا عرض للموضوع بواسطة أعمّ كالمشي العارض للإنسان بواسطة الحيوان الأعمّ من الموضوع.

ج : إذا عرض للموضوع بواسطة أخصّ ، كالضحك العارض للحيوان بواسطة الإنسان.

فكلّ ذلك يعدّمن العرض الذاتي دون العرض الغريب. فأخصّية الواسطة أو أعمّيتها أو تباينها لا يضرّ بكون المحمول عرضاً ذاتياً بالنسبة إلى موضوع العلم إذا كان الوصف حقيقياً لا مجازياً.

تفسير الذاتي عند القدماء

إنّ القدماء من علماء المنطق ( الذين هم الأساس لتعريف موضوع العلم

15

بأنّه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ) ذهبوا إلى أنّه يشترط فـي مقدّمـات البرهان أُمور أربعة :

الأوّل : أن تكون النسبة ضرورية الصدق بما لها من الجهة ، وإن كانت ممكنة ، بمعنى أنّه إذا صدق أحد النقيضين كالإيجاب ، يكون النقيض الآخر أي السلب ممتنعاً ، فقولنا : الإنسان كاتب بالإمكان ، ضروري الصدق أي ممتنع خلافها ، بمعنى انّ قولنا : « ليس الإنسان كاتباً بالإمكان العام » محكوم بالامتناع.

الثاني : أن تكون دائمة الصدق بحسب الأزمان ، فقولنا : الإنسان كاتب بالإمكان العام ، قضية صادقة في عامّة الأزمان.

الثالث : أن تكون كلّية الصدق بحسب الأحوال ، فالإنسان في كلّ أحواله كاتب بالإمكان ، سواء أكان قائماً أم قاعداً.

الرابع : أن يكون المحمول ذاتياً للموضوع ، وقد عرّفوا المحمول الذاتي بما يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ المحمول ، مثلاً انّ الفطوسة من العرض الذاتي بالنسبة للأنف ، لأنّا إذا أردنا أن نعرف الفطوسة نعرفها بقولنا : « الأنف الأفطس ».

ونظير ذلك إذا قلنا : الإنسان متعجّب ، و العدد زوج أو فرد ، حيث إنّ الإنسان مأخوذ في تعريف المتعجّب ، فانّه الإنسان الذي تعرضه الدهشة والاستغراب ، كما انّ العدد مأخوذ في تعريف الزوج ، إذ هو العدد المنقسم إلى متساويين.

فلو كان هناك معروض وعارض فلا يكون الثاني عرضاً ذاتياً إلاّ إذا كان المعروض مأخوذاً في حدّه وتعريفه.

ومن ذلك يعلم أنّ تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن ، والممكن إلى

16

الجوهر والعرض ، والجوهر إلى العقل والنفس والهيولى والصورة والجسم ، والعرض إلى الكم والكيف ... كلّها أعراض ذاتية بالنسبة إلى الموجود ، لأنّه مأخوذ في حدّ كلّ واحد من هذه المحمولات.

هذا هو الغالب ولكن يكفي كون الموضوع أو أحد مقوّماته واقعاً في حدّ المحمول فتعمّ الأقسام التالية :

1. أن يؤخذ موضوع المعروض في حدّ العارض.

2. أن يؤخذ جنس المعروض في حدّ العارض.

3. أن يؤخذ موضوع جنس المعروض في حدّ العارض.

وقد ذكر الشيخ الرئيس لكلّ واحد مثالاً من العلوم الطبيعية ، وبما أنّ الأمثلة التي ذكرها لا تخلو من تعقيد نذكر لها مثالاً من العلوم الاعتبارية ، مثال الأوّل : « الفاعل مرفوع » فانّ الفاعل لا يؤخذ في تعريف المرفوع ، ولكن موضوع الفاعل ، أعني : الكلمة مأخوذة في حدّ المرفوع فيقال : المرفوع هو الكلمة المرفوعة.

ومثال الثاني : « الفعل الماضي مبني » فانّ الفعل لا يؤخذ في تعريف المبني ، ولكن جنس الفعل ، أعني : الكلمة مأخوذة في حدّ المبني ، فيقال : الكلمة مبنيّة.

ومثال الثالث : « المفعول المطلق منصوب » فانّ المفعول المطلق لا يؤخذ في حدّ المنصوب ولا جنسه ، أي المفعول بما هو هو ولكن معروض المفعولية وهو الكلمة مأخوذة في حدّ المنصوب.

وهناك قسم آخر فاجعله رابع الأقسام وهو أن يؤخذ المحمول في حدّ الموضوع كما في قولنا : « الواجب موجود » فالمحمول مأخوذ في حدّ الواجب الذي هو الموضوع ، فانّ الواجب عبارة عن الموجود الذي يمتنع عليه العدم.

17

وقد أشار إلى هذا التفسير للعرض الذاتي الشيخ الرئيس بقوله : بأنّ من المحمولات ما لا يكون مأخوذاً في حدّ الموضوع ، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه ، فليس بذاتي ، بل هو عرض مطلق غير داخل في صناعة البرهان مثل البياض للققنس (1). (2)

هذا هو العرض الذاتي عند القدماء ، وقد رتّبوا على ذلك لزوم مساواة العرض الذاتي لمعروضه ، وبالتالي مساواة محمولات المسائل لموضوع العلم وذلك :

إنّ حصول اليقين بالنسبة الموجودة في القضية فرع أن يكون المحمول مساوياً للموضوع بحيث يوضع المحمول بوضع الموضوع ، ويرفع برفعه ، مع قطع النظر عمّـا عداه ، إذ لو رفع مع وضع الموضوع أو وضع مع رفعه لم يحصل اليقين ، وهذا هو الموجب لكون المحمول الذاتي مساوياً لموضوعه.

مثلاً إذا كان المحمول أخصّ من الموضوع ، كما إذا قلنا : كلّ حيوان متعجب ، لم يفد اليقين ، إذ لا يلازم وضع الموضوع وضع المحمول لكونه أعمّ.

فإن قلت : هذا إنّما يتمّ إذا كان المحمول أخص من الموضوع ، وأمّا إذا كان المحمول أعمّ من الموضوع فوضع الموضوع يكفي في وضع المحمول كقولنا : كلّ إنسان ماش ، وهذا المقدار يكفي في حصول اليقين وإن لم يستلزم رفع الموضوع رفع المحمول.

قلت : إنّ ما أخذ موضوعاً ليس بموضوع ، فانّ القيد في جانب الموضوع أمر لغو ، لأنّ الموضوع للمشي هو الحيوان لا الحيوان الناطق ( الإنسان ) إذ كونه ناطقاً كالحجر في جنب الإنسان ، ولذلك قالوا بأنّه يشترط أن يكون المحمول مساوياً

____________

1 ـ الققنس : طائر جميل الصوت واللفظ رومي.

2 ـ الفن الخامس من المنطق في برهان الشفاء : 127.

18

للموضوع لا أعمّ ولا أخصّ.

فإن قلت : إنّ المحمول في كثير من المسائل في الفلسفة الإلهية غير مساو للموضوع كما إذا قلت : الموجود إمّا واجب أو ممكن ، فإنّ كلّ واحد من الواجب والممكن ليس مساوياً للوجود.

قلت : إنّ المحمول عبارة عن الجملة المردّدة وهي بأجمعها مساو للموجود.

فإن قلت : إنّ كلّ واحد من الواجب والممكن ذات محمول خاص ، فنقول واجب الوجود بالذات بسيط من جميع الجهات.

أو نقول : كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود.

فالمحمول في كلّ واحد غير مساو للموجود.

قلت : إنّ الموضوع للبساطة ليس هو مطلق الوجود حتى لا تساوي البساطةُ مطلقَ الوجود ، كما أنّ الموضوع في القضية الثانية ليس مطلق الوجود ، بل الموضوع في الأوّل هو الموجود الواجب ، وهو يساوي البساطة ، وفي الثاني الموجود الممكن ، وهو يساوي التركب العقلي ، وإلى ما ذكرنا يشير الأُستاذ الطباطبائي بقوله :

« إنّ كلاًّ منهما ( الواجب والممكن ) ذاتيّ لحصة خاصّة من الأعم المذكور ، لأنّ المأخوذ في حدّ كلّ منهما هو الحصة الخاصة به. (1)

توضيحه أنا إذا قلنا : واجب الوجود بسيط ، فالموضوع ليس مطلق الوجود الأعم ، بل الحصة الخاصة التوأمة للواجب ، وتكون البساطة من أعراضه الذاتية لمساواتها له ، نعم إذا قلنا ( الموجود إمّا واجب أو ممكن ) ، فالموضوع هو مطلق الوجود الأعم ، ليصحّ تقسيمه إلى القسمين.

____________

1 ـ تعليقة الطباطبائي على الجزء الأوّل لكتاب الأسفار : 30 ـ 31.

19

وبذلك يتبيّن أنّ مساواة العوارض مع موضوع العلم ، شرط في المحمولات الأوّلية ، كقولنا : الموجود إمّا واجب أو ممكن ، وأمّا المحمولات الثانوية كالبساطة والتركّب فلا تشترط المساواة مع موضوع العلم ، بل تكفي مساواتها ، مع موضوعها ، أي الموجود المتحصص بالوجوب ، أو الإمكان ، وهكذا سائر الموارد ، لكفاية هذا المقدار في حصول اليقين بالنسبة.

هذا إجمال ما ذكره العلاّمة الطباطبائي في تعاليقه على الأسفار ، ونهاية الحكمة.

غير أنّ هنا نكتة : وهي أنّ ما ذكره من أنّ شرط كون القضايا يقينية هو أن يجتمع فيها شروط أربعة :

كون النسبة ضرورية أوّلاً ، ودائمة الصدق ثانياً ، وكلّية الصدق ثالثاً ، وكون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع رابعاً ، إنّما يختص بالعلوم الحقيقية ولا يعم العلوم الاعتبارية ، لأنّ الاعتباريات قائمة بلحاظ المعتبر ، وتتغير بتغيير الاعتبار ، ولا يلزم أن تكون ضرورية الصدق ودائمية وكلية.

وبذلك يتضح انّ الأُمور الاعتبارية لا يقام عليها البرهان العقلي بالشكل الذي يقام في العلوم الحقيقية ، فانّ الموضوع فيها ليس من علل وجود المحمول حقيقة إلاّ بالاعتبار والمواضعة ، وتدوم العلية مادام الاعتبار قائماً فإذا زال ، زالت العلية.

كما أنّه لا يعتبر كون المحمول عرضاً ذاتياً ( الشرط الرابع ) لأنّ العلوم الاعتبارية تدون لتحقيق غرض اجتماعي كالعلوم الأدبية ، فانّ الملاك في كون شيء من مسائل تلك العلوم كونه واقعاً في دائرة الغرض المطلوب من ذلك العلم سواء أكان العروض بلا واسطة أو معها ، وسواء أكانت الواسطة مساوية أو أعمّ أو

20

أخصّ أو مبائنة ، وسواء عدّ عرضاً ذاتياً أو غريباً ، فانّ اشتراط واحد من هذه الأُمور من قبيل لزوم ما لا يلزم ، بل انّ استعمال الذاتي والغريب في مسائل تلك العلوم من باب التشابه ، وإلاّ فلا عرض حقيقة فضلاً عن كونه ذاتياً أو غريباً.

الجهة الثانية : نسبة موضوعات المسائل إلى موضوع العلم

قال المحقّق الخراساني : إنّ موضوع كلّ علم هو نفس موضوعات مسائله وما يتّحد معها خارجاً وإن كان يغايرها مفهوماً تغاير الكلي ومصاديقه ، والطبيعي وأفراده.

أقول : كأنّه (قدس سره) بصدد الجواب عن الإشكال المذكور في المقام ، وهو أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يعرض موضوع العلم بلا واسطة أو بواسطة مساو ، فإذا كان هذا هو معنى العرض الذاتي فهو منقوض بمسائل العلوم قاطبة فانّ موضوعات المسائل أخصّ من موضوع العلم من دون فرق بين العلوم الحقيقية والاعتبارية.

أمّا الأُولى كقولك : كلّ ممكن فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود ، فمحمول المسألة أعني التركيب عارض لموضوعها أعني ( كلّ ممكن ) ، وهو أخصّ من الموجود المطلق ، الذي هو موضوع العلم في الالهيات بالمعنى الأعمّ.

وأمّا الثانية كقولك : كلّ فاعل مرفوع فالرفع من عوارض الفاعل وهو أخصّ من موضوع علم النحو أعني الكلمة والكلام.

هذا وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ نسبة الموضوعين إنّما هي نسبة الافراد إلى الطبيعي ، والمصاديق إلى الكلي ، والتغاير المفهومي لا يضر بعد اتحادهما في الوجود.

21

يلاحظ عليه بأمرين :

الأوّل : انّه إنّما يصحّ إذا لم يكن للخصوصية الموجودة في موضوع المسألة مدخلية في عروض المحمول. فيكون محمول المسألة عارضاً على موضوع العلم ، دون ما إذا كان له مدخلية كما في المقام فانّ للإمكان مدخلية في عروض التركب ، كما أنّ للفاعلية مثل هذا الشرط ، ونظيره قولنا : « زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين » فانّ للمثلّثية مدخلية في التساوي ، وعندئذ لا يمكن أن يعد محمول المسألة من عوارض موضوع العلم بحجّة أنّ التغاير مفهومي لا مصداقي.

الثاني : انّ الإشكال إنّما يرد على من فسّر العرض الذاتي بما يعرض لموضوع العلم بلا واسطة أو بواسطة أمر مساو ، لا على من فسّر العرض الذاتي بما يعرض الموضوع بلا واسطة في العروض كما عليه المحقّق الخراساني تبعاً للحكيم السبزواري ، فوجود الواسطة لا تضر ما لم تكن واسطة في العروض ، كما هو كذلك في المقام ، فانّ الكم المتصل يتصف حقيقة بالمساواة إذا كان متّحداً مع المثلث ، كما أنّ الجسم الطبيعي ، يتصف بالحرارة والبرودة إذا كان متّحداً مع النار والماء وغير ذلك.

هذا وقد أورد السيّد الأُستاذ (قدس سره) على المحقّق الخراساني بانتقاضه بعلمي الهيئة والجغرافية فانّ النسبة بين الموضوعين فيهما إلى موضوعات مسائلهما نسبة الجزء إلى الكل. (1)

يلاحظ عليه : بعدم انتقاض الضابطة فيهما ، وذلك لأنّ الموضوع في علم الهيئة ليس هو ذوات الكواكب حتى يكون البحث عن كوكب خاص بحثاً في جزء الموضوع ، بل الموضوع هو أوضاع الكواكب وطبائعها ، وهو أمر كلي ، وأوضاع كوكب خاص يكون فرداً من هذا الكلي ، ويؤيّد ذلك انّه عرّف علم الهيئة بقولهم

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/7.

22

هو علم يعرف منه أحوال الأجرام البسيطة العلوية والسفلية وأشكالها وأوضاعها ومقاديرها وأبعادها ، وموضوعه الأجرام المذكورة من الحيثية المذكورة. (1)

وهكذا الحال في علم الجغرافية فانّ موضوعه أحوال القارّات والبحار المختلفة ، فالبحث عن كلّ واحد من هذه القارّات بحثاً عن مصاديق هذا الفرد الكلي لا عن أجزائه.

ويؤيد ذلك أنّه عُرِّف علم الجغرافية بقولهم : علم يتعرّف به على أحوال الأقاليم السبعة الواقعة في الرُبْع المسكون من كرة الأرض وعروض البلدان الواقعة فيها وأطوالها وعدد مدنها وجبالها وبراريها وبحارها وأنهارها ، إلى غير ذلك من أحوال الربع المعمور. (2)

هذا كلّه على مبنى المحقّق الخراساني ، وأمّا على مذهب القدماء فالتساوي بين محمول المسألة وموضوع العلم متحقّق لما عرفت أنّ العرض الذاتي عبارة عمّا يكون الموضوع مأخوذاً في حدّ العرض ، كما في قولنا : الموجود إمّا واجب أو ممكن ، فالموجود مأخوذ في حدّ الواجب كما هو مأخوذ في حدّ الممكن ، وهكذا إذا أخذنا الواجب أو الممكن موضوعاً وبحثنا عن عوارضها وقلنا الواجب بسيط والممكن مركب ، فقد أخذ الموجود في حدّ البسيط كما أخذ في حدّ المركب ، لأنّ البسيط من جميع الجهات هو الموجود الواجب ، كما أنّ المركّب من ماهية ووجود هو الموجود الممكن ، وهكذا.

ومهما تنزلنا وبحثنا عن محمول المحمول فلم يزل موضوع العلم سارياً في حدِّ المحمولات وعند ذلك يتبين معنى التساوي ، وهو تساوي المحمول مع

____________

1 ـ أبجد العلوم : 2/576.

2 ـ أبجد العلوم : 2/212 ـ 213 ولفظة جغرافيا كلمة يونانية بمعنى صورة الأرض وربّما يقال جغراويا.

23

الموجود المتحصص ، كتساوي البسيط مع الموجود الواجب ( لا مطلق الوجود ) وتساوي التركب من ماهية ووجود مع الموجود المركب لا مطلق الموجود.

وإلى ما ذكرنا يشير العلاّمة الطباطبائي في كلامه السابق ، أعني : انّ كلاًّ منهما ( الواجب والممكن ) ذاتي لحصة خاصّة من الأعم المذكور ، لأنّ المأخوذ في حد كلّ منهما هو الحصة الخاصة به.

إجابة المحقق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن الإشكال بوجه آخر ، وقال : إنّ الموضوع لعلم النحو ليس هو الكلمة من حيث لابشرط ، بل الكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء ، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، لأنّ الموضوع في قولنا : « كلّ فاعل مرفوع » هو الكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء لها ، والمفروض أنّها من هذه الحيثية تكون موضوعاً لعلم النحو ، فيتحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل ، لأنّ كلاًّ من موضوع العلم مع موضوعات المسائل ملحوظ بشرط شيء وهو قيد الحيثية. (1)

يلاحظ عليه : أنّ القيد المأخوذ في ناحية موضوع العلم غير القيد المأخوذ في ناحية موضوع المسائل ، فالمأخوذ في الأوّل هو القابلية للحوق الإعراب والبناء ، وأين هو من قيد الفاعلية والمفعولية المأخوذة في ناحية موضوع المسألة وادّعاء الوحدة بينها أمر عجيب ؟!

نعم ما ذكرناه وحقّقناه إنّما هو جار في العلوم الحقيقية ، وأمّا الالتزام به في العلوم الاعتبارية فهو التزام بما لا يجب الالتزام به كما ذكرنا ذلك أيضاً عند البحث في المقام الأوّل.

____________

1 ـ فوائد الأُصول للكاظمي : 1/23 ـ 24 ، بتلخيص.

24

الجهة الثالثة : في لزوم وجود موضوع لكلّ علم

هل يجب أن يكون لكلّ علم موضوع خاص يبحث عن عوارضه الذاتية أو لا ؟ فيه أقوال :

1. لزوم وجود الموضوع ، وهو الظاهر من القدماء من تعريفهم موضوع العلم.

2. عدم لزوم وجود الموضوع لكلّ علم ، وذلك لأنّ كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل متشتتة يجمعها اشتراكها في حصول غرض واحد ، ولا يحتاج وراء ذلك إلى وجود موضوع يبحث عن أعراضه الذاتية.

قال المحقّق الإصفهاني : إنّ العلم عبارة عن مركب اعتباري من قضايا متعددة يجمعها غرض واحد. (1)

3. القول بالتفصيل بين العلوم الحقيقية والاعتبارية بلزوم وجود الموضوع في الأُولى دون الثانية ، وهو خيرة العلاّمة الطباطبائي. (2)

استدلّ للقول الأوّل بقاعدة « الواحد لا يصدر إلاّ من واحد » ببيان أنّ الغرض الواحد المترتب على مجموع المسائل يتوقف على وجود جامع بينها وإلاّ يلزم صدور الواحد عن الكثير.

يلاحظ عليه : أنّ القاعدة على فرض صحّتها مختصة بالواحد البسيط الذي ليس فيه رائحة التركيب ، كالعقل الأوّل ، بناء على أنّه إنيُّ الوجود ، فهو لا يصدر إلاّ عن الواحد ، وذلك لأنّه يجب أن يكون بين العلة والمعلول رابطة بها يصدر المعلول عن العلة ، وإلاّ فلو صدر من دون وجود صلة بينهما يلزم أن يصدر كلّ

____________

1 ـ نهاية الدراية : 1/7.

2 ـ لاحظ الأسفار ، قسم التعليقة : 1/30 ـ 31.

25

شيء عن كلّ شيء ، فعلى ذلك فلو صدر المعلول الواحد من اثنين يجب أن يجتمع فيه حيثيتان مختلفتان تصحح كلّ واحدة صدوره عن العلة ، فعندئذ ما فرضناه واحداً عاد كثيراً ، وهو خلف.

ولذلك قالوا : الواحد مع فرض كونه واحداً من جميع الجهات لا يمكن أن يصدر تارة من علّة وأُخرى من علة أُخرى. وهذا كما ترى يخصص برهان القاعدة وموردها بالبسيط من جميع الجهات وليس له مصداق في جانب العلة إلاّ اللّه سبحانه ولا في جانب المعلول إلاّ العقل.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القاعدة لا تجدي نفعاً في المقام ، لأنّ الغرض المترتّب على المسائل ليس غرضاً واحداً شخصيّاً بسيطاً حتى يتوقف صدوره على تصوير جامع بين المسائل الكثيرة ، بل هو غرض واحد نوعيّ يتكثّر بتكثّر المسائل ، فالغرض المترتب على مسألة حجّية خبر الواحد غير الغرض المترتب على مسألة دلالة الأمر على الوجوب وعدمه ، والغرض المترتب على أبواب النواسخ ، غير الغرض المترتب على باب الفاعل والمفاعيل ، ومثل هذا لا يلزم أن يصدر من الواحد ، بل قد يصدر من الكثير لأنّه أيضاً كثير.

هذا كلّه حول القول الأوّل.

وأمّا القول الثاني ، فبيانه أنّ المحمول في العلوم عرض ذاتي لموضوع العلم فالموضوع من علل وجوده ، فكيف يمكن أن يكون هناك عرض بلا موضوع سواء أكان العرض عرضاً فلسفياً أم منطقياً.

وبعبارة أُخرى : قد عرفت أنّ العرض الذاتي ما يؤخذ موضوعه في حدّه وهو الضابط في تمييزه ، فإذا فرض للمحمول محمول ، ولمحموله محمول ، وجب أن يؤخذ الموضوع الأوّل في حدّ الجميع حتى ينتهي إلى آخر محمول مفروض ، فوجود

26

الموضوع من صميم كون العرض ذاتياً. (1)

وأمّا القول الثالث ، فبرهانه هو أنّ العلوم الاعتبارية تدوّن للحصول على غرض واحد اعتباري ، وليس حصول ذلك الغرض رهن وجود موضوع شامل لعامة موضوعات مسائله ، فالمقوم للعلم الاعتباري ترتّب غرض واحد على مسائل متسانخة سواء كان الكل داخلاً تحت عنوان واحد أو لا ، بل يكفي اشتراك عدّة من المسائل في الحصول على غرض واحد ، وهذا القول هو المتعيّن من بين الأقوال.

الجهة الرابعة : في تمايز العلوم

لا شكّ في وجود التمايز بين العلوم إنّما الكلام في تعيين المميز بينها ، وهناك أقوال :

1. تمايز العلوم بتمايز الأغراض ، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

2. تمايز العلوم بتمايز الموضوعات وهو المشهور.

3. تمايز العلوم بالجهة الجامعة بين مسائلها المنتزعة من المحمولات.

4. تمايز العلوم واختلاف بعضها بذاتها وجوهرها ، وهو خيرة سيدنا الأُستاذ.

فلنتناول كلّ واحد من هذه الأقوال بالبحث والتحليل.

دليل القول الأوّل

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الأغراض وقال : إنّ تمايز العلوم ، إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات ولا

____________

1 ـ الأسفار ، قسم التعليقة : 1/31.

27

المحمولات ، وإلاّ كان كلّ باب ، بل كلّ مسألة من كلّ علم ، علماً على حدة ، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدّد ، كما لا تكون وحدتهما سبباً لأن يكون من الواحد (1) ( إذا كان الغرض متعدّداً ).

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّه إذا كان بين العلمين تمايز في مرتبـة الذات كتمايز علم النفس وعلم النبات ، حيث إنّ الموضوع في الأوّل غيره في الثاني ، فلا تصل النوبة إلـى التمييز بالغرض الذي هـو أمر متأخّر عن جوهـر المسـ ألة : موضوعها ومحمولها.

وثانياً : أنّ ما ذكره إنّما يتمّ ـ ظاهراً لا واقعاً ـ في العلوم التي تتّحد موضوعاً وتختلف في المسائل ، كعلمي الصرف والنحو ، حيث إنّ الصرف يبحث عن عوارض الكلمة والكلام من حيث الصحّة والاعتلال ، والنحو يبحث عن عوارضهما من حيث الإعراب والبناء ، فعند ذلك يتصوّر انّ المائز بين العلمين هو تعدّد الغرض وهو معرفة الصحيح والمعتل ، والمعرب والمبني ، ولكنّ هناك نكتة مغفول عنها وهي أنّ تغاير الغرضين رهن أمر جوهري أضفى للعلمين صبغة التعدّد ، وهو عبارة عن اختلاف مسائل العلمين جوهراً ، فالعلمان متميّزان في مرتبة متقدّمة على الغرض ، والدليل على أنّ الجهة الجامعة لمسائل علم الصرف غير الجهة الجامعة لمسائل علم النحو ، فكلّ يجمعها جهة جامعة متغايرة فالأولى اسناد الميز إلى تلك الجهة الجامعة لا إلى الغرض العائد منها.

وثالثاً : أنّ المراد من الغرض إمّا غرض تدويني أو غرض تعليمي ، وكلاهما متأخران عن العلم ، فلابدّ أن يكون للعلم ميز جوهري قبل هذين الغرضين.

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/5.

28

دليل القول الثاني

ذهب المشهور إلى أنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات ، وهو صحيح في الجملة ، لأنّ موضوع كلّ علم داخل تحت نوع خاص ، كعلمي الحساب والهندسة ، فانّ الموضوع في الأوّل من مقولة الكم المنفصل ، ويبحث فيه عن أحوال الأعداد ، والموضوع في الثاني من مقولة الكم المتصل ، ويبحث فيه عن أحكام الخطوط والسطوح والأجسام التعليمية ، ومع هذا المائز الذاتي لا تصل النوبة إلى المائز بالعرض.

ولكن ليس جميع العلوم كذلك ، فانّ العلوم ربّما تتحد موضوعاً وتتعدد وصفاً وتأليفاً حسب الجهات الملحوظة ، فانّ البدن الإنساني موضوع لكلّ من علم الطب والتشريح ، ووظائف الأعضاء ، فبما أنّه يبحث عنه من جهة عروض الصحّة والسقم عليه يكون موضوعاً لعلم الطب ، وبما انّه يبحث فيه لغاية التعرّف على أعضائه وأجزائه ، فهو موضوع لعلم التشريح ، وبما انّه يبحث فيه لغاية التعرّف على وظيفة كلّ عضو ، فهو موضوع لعلم وظائف الأعضاء ، فالعلوم متعددة والموضوع واحد ، فالميز هنا بالمحمولات لا بالموضوعات.

فإن قلت : التمايز في هذا النوع من العلوم أيضاً بالموضوعات ، وذلك لأنّ تمايز العلوم بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات ، فإذا انضمت الحيثية إلى موضوع العلم يتميز عن العلم الآخر لاختلاف حيثيته معه.

قلت : إنّ هذه الحيثيات ليست إلاّ أُموراً منتزعة من المحمولات المختلفة في هذه العلوم الثلاثة فما هو المحمول في علم الطب غير المحمول في علم التشريح ، والمحمول فيهما غير المحمول في علم وظائف الأعضاء ، وإذا لاحظها الخبير ، يرى بينها اختلافاً ذاتياً ، وينتزع من كلّ واحد حيثية خاصة يوصف بها الموضوع في كلّ علم ، ويتخيل انّ تمايز العلوم ، بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات ، غافلاً

29

عن أنّ هذه الحيثية منتزعة من محمولات العلوم ، متأخرة عنها. وعلى ذلك فنسبة الميز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد ، أولى من نسبته إلى الحيثيات.

دليل القول الثالث

إنّ لمسائل كلّ علم جهة وخصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم ، وتكون هذه الجهة جامعة بين تلك المسائل وبسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم ، مثلاً : الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية والمنصوبية والمجرورية ، فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله ، وبهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره صحيح في العلوم التي تتحد موضوعاً وتختلف محمولاً ، كما في علمي النحو والصرف أو العلوم الثلاثة الطب والتشريح ووظائف الأعضاء ، فانّ المائز هو الجهة الجامعة بين مسائل العلمين أو مسائل العلوم الثلاثة ، وأمّا إذا كان العلمان مختلفين موضوعاً فالتميز بالموضوع مقدّم رتبة وزماناً على الميز بالجهة الجامعة ، فانّ أوّل ما يقع في الذهن في هذه الموارد هو الموضوع ثمّ المحمول ثمّ الجهة الجامعة بين مسائلها.

دليل القول الرابع

ذهب السيّد الأُستاذ (قدس سره) إلى أنّ تمايز العلوم بذواتها ، و قال : إنّ منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة التي يناسب بعضها بعضاً ، فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا وحقيقتها ، ففي مثله تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها ، فقضايا كلّ علم مختلفة ومتميزة بذاتها عن قضايا علم آخر.

وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضر بما ذكرناه ، لأنّ المركب

30

بما هو مركب متميز بذاته عن غيره لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركب الآخر ، وإن اتّحدا في بعض. (1)

يلاحظ عليه : أنّه ليس قولاً آخر غير القول بأنّ التمايز إمّا بالموضوع أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل ، فانّ قولنا : « كلّ فاعل مرفوع » وإن كان غير مسانخ لقولنا : « زوايا كلّ مثلث تساوي زاويتين قائمتين » غير انّ عدم التسانخ إمّا لأجل الاختلاف في الموضوع ، أو المحمول ، أو النسبة بينهما ، وليس في المقام وراء هذه الصور الثلاث أمر آخر يكون هو موجباً لعدم التسانخ ، فلاحظ.

والحقّ في المقام هو أنّ الميز بالموضوع فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب ، وبالجهة المشتركة بين محمولات المسائل ، فيما إذا كان الموضوع واحداً كعلمي الصرف والنحو وعلوم الطب والتشريح ووظائف الأعضاء.

وأمّا التمايز بالأغراض فقد عرفت تأخّره عن الميز الجوهري الموجود بين المسائل ، إذ ترتّب غرض واحد على عدّة من المسائل دون الآخر كاشف عن تمايز جوهري بين العلمين فلا تصل النوبة إلى التمايز بالأغراض مع وجود التمايز الجوهري.

الجهة الخامسة : ما هو موضوع علم الأُصول ؟

قد اختلفت أنظار علماء الأُصول في تعيين موضوع علم الأُصول ، وهناك عدّة أقوال :

1. إنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة وهو خيرة القدماء.

____________

1 ـ تهذيب الأُصول : 1/4.

31

2. إنّ موضوع علم الأُصول هي الجهة الجامعة بين موضوعات مسائل ذلك العلم ، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

3. إنّ الموضوع هو الحجّة في الفقه ، وهو خيرة المحقّق البروجردي.

4. لا حاجة لوجود موضوع لعلم الأُصول ، وهو مختار سيّدنا الأُستاذ ، وهو الأقوى.

وإليك دراسة الأقوال واحداً تلو الآخر.

تحليل القول الأوّل ونقده

ذهب القدماء إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة ، وربّما يحذف الوصف ، ويقال : نفس الأدلّة.

وأورد عليه : بأنّه إذا كان الموضوع هي الأدلة الأربعة بقيد الدليلية تخرج أكثر المباحث الأُصولية عن كونها مسألة أُصولية وتُصبح من مبادئ ذلك العلم ، لوجود الفرق الواضح بين مبادئ العلم وعوارضه. فالأوّل يبحث في وجود موضوع العلم ، والثاني يبحث عن عوارضه بعد تسليم وجوده ، فإذا كان موضوع علم الأُصول هو الأدلّة الأربعة يكون البحث عن حجّية الخبر الواحد وكونه دليلاً أو لا ، بحثاً عن وجود مصاديق هذه الأدلّة الأربعة ، والبحث عن مصاديق الموضوع بحث عن المبادئ لا عن العوارض.

وقد أجاب عنه الشيخ عند البحث عن حجّية الخبر الواحد ، بقوله : « إنّ مرجع هذه المسألة إلى أنّ السنة ـ أعني : قول الحجّة أو فعله أو تقريره ـ هل يثبت بخبر الواحد ، أو لا يثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرينة ؟ ومن هنا يتّضح

32

دخولها في مسائل أُصول الفقه الباحث عن أحوال الأدلّة ». (1)

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ المراد من السنة إمّا المحكي ـ أعني : قول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره ـ أو ما يعمّ الحاكي ، أعني : خبر الواحد الحاكي عنها.

فعلى الأوّل ، فالمراد من الثبوت ، إمّا الثبوت الواقعي أي وجود السنّة الذي هو مفاد كان التامة ، فهو بحث عن وجود الموضوع لا عن عوارضه.

أو الثبوت التعبّدي ، أي وجوب العمل على طبق الخبر ، فهو وإن كان بحثاً عن العوارض لكنّه بحث عن عوارض الحاكي لا المحكي ، ومرجع البحث إلى أنّ الحاكي هل له هذا الشأن أو لا ؟

وعلى الثاني ، أي كون المراد من السنّة ما يعمّ حاكيها ، فالإشكال وإن كان مرتفعاً ، وذلك لأنّ البحث في تلك المباحث يكون عن أحوال السنّة بهذا المعنى ، إلاّ أنّ البحث في غير واحد من مسائل هذا العلم لا يخصّ الأدلّة ، بل يعمّ غيرها كالبحث عن مفاد الأمر والنهي وأنّهما ظاهران في المعنى الكذائي أو لا. (2)

يلاحظ عليه : بأنّا نختار الشق الثاني ، ولكن البحث عن ظهور الأمر في الوجوب والفور وإن كان لا يختصّ بالسنّة ، بل يعمّ مطلق الأمر في اللغة العربية لكن إذا ثبت ظهوره في الوجوب لمطلق الأمر ، يثبت ظهوره في الأمر الوارد في السنّة ، وذلك لأنّ الأمر الوارد في السنّة مصداق جزئي من مصاديق مطلق الأمر ، والعارض بواسطة أمر أعم يعدّ عرضاً ذاتياً بالنسبة إلى الأخص إذا لم تكن الواسطة ، واسطة في العروض كما في المقام.

____________

1 ـ الفرائد : 37 ، طبعة رحمة اللّه.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/6 ـ 9.

33

تحليل القول الثاني ونقده

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة من دون أن نعلم ذاك الموضوع بخصوصه.

يلاحظ عليه : أنّه نوع فرار عن بيان الحقيقة ، لأنّ المشاكل التي تكتنفها ، صدّته عن بيان ما هو الموضوع لذلك العلم.

تحليل القول الثالث ونقده

ذهب المحقّق البروجردي إلى أنّ موضوع علم الأُصول هو الحجّة في الفقه ، ومسائله عبارة عن التعيّنات العارضة لها والمحدّدة إيّاها.

توضيح ذلك : انّ العرض على قسمين : خارجي وتحليلي.

فالبحث عن عوارض الجسم من حيث الحركة والسكون والألوان والطعوم بحث عن عوارض خارجية محسوسة.

ولكن البحث عن تعيّن الوجود المطلق بإحدى التعيّنات التالية ككونه عقلاً و نفساً وصورة وهيولى وجسم بحث عن العوارض التحليلية.

فالموضوع في العلم الإلهي عبارة عن الوجود المطلق بما هو هو وعوارضه عبارة عن حدوده وتعيّناته. فالحكيم الإلهي يبحث عن تعيّنات الوجود بكونه واجباً أو ممكناً ، والممكن جوهراً أوعرضاً ، والجوهر عقلاً ونفساً وجسماً وهكذا ، فروح البحث في جميع الأقسام ليس ثبوت الوجود وتحقّقه ، لأنّ الواقعية أمر مسلّم عند الحكيم وإنّما الهدف بيان أقسامه وأنواعه وحدوده وتعيّناته.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ الفقيه يعلم أنّ بينه و بين ربّه حججاً قاطعة للعذر ولكن لا يعرف خصوصياتها وحدودها مع العلم بأصل الموضوع ، فيطرح

34

الحجّة المقطوعة على بساط البحث ، ويبحث عن تعيّناتها وحدودها وأشكالها وألوانها ، بأنّها هل هي خبر الواحد أو الشهرة الفتوائية أو الإجماع المنقول وهكذا ؟ فالبحث عندئذ يكون بحثاً عن عوارض الموضوع بعد التسليم بأصل وجوده.

فتلخّص من ذلك أنّ الموضوع هو الحجّة في الفقه ، والعوارض العارضة عليها هي العوارض التحليلية كما لا يخفى.

وقد استشكل السيّد الأُستاذ (قدس سره) على هذا التقرير في درس المحقّق البروجردي (قدس سره) وقال : لو كان الموضوع هو الحجّة في الفقه ، فالواجب أن يقال : الحجّة خبر الواحد مع أنّ المتعارف هو العكس.

فأجاب المحقّق البروجردي : بأنّ هذا نظير مسائل الفن الأعلى ، فإنّ الموضوع فيه بالاتفاق هو الموجود من حيث هو موجود ، مع أنّه يقع محمولاً لا موضوعاً ، فلا يقال : الموجود عقل ، بل يقال العقل موجود ، وهكذا ، ووجه ذلك ما أشار إليه الحكيم السبزواري في أوّل الطبيعيات حيث قال :

إن قلت : كيف يكون الجسم هناك عرضاً ذاتياً للموضوع ، والمسألة الجسم موجود ؟

قلت : بل المسألة « الموجود جسم » ولا سيما على أصالة الوجود واعتبارية الماهية. (1)

وقد أورد عليه شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ في الدورة السابقة بأنّ لازم هذا خروج أكثر المسائل عن كونها مسألة أُصولية ، كالبحث عن ظهورات الأمر والنهي في الوجوب والتحريم ، والفور و التراخي ، والوحدة والكثرة ، ممّا يتطلب فيه إثبات أصل الظهور لا بحثاً عن تعيّنات الحجّة وتطوراتها ، ولكنّه عدل عن

____________

1 ـ السبزواري : شرح المنظومة : 201.

35

الإشكال في هذه الدورة قائلاً بأنّ عنوان المسألة شيء وروحها شيء آخر ، فليس الأُصولي عالماً لغوياً يتطلب إثبات أصل الظهور ، وإنّما هو يتطلّب إثبات أصل الظهور حتى يكون ذريعة لإقامة الحجّة على واحد من الطرفين. ولأجل ذلك يكون مرجع البحث في هذه المسائل إلى طلب الحجّة على الوجوب أو الندب أو الحرمة أو الفورية وعدمها وهكذا.

ما هو المختار ؟

فالأولى أن يقال : انّ كلّ قاعدة تكون ممهدة لتشخيص الأحكام والوظائف الكلية للمكلفين ، فهي مسألة أُصولية ، سواء أكان لهذه القواعد موضوع واحد أم لا ، وسواء أكان البحث عن عوارض الأدلّة الأربعة أو تعيّنات الحجّة أم لا ، بل يكفي كون القاعدة ممهدة لتشخيص الوظائف الكلية.

الجهة السادسة : ما هو تعريف علم الأُصول ؟

عرّف علم الأُصول قديماً وحديثاً بتعاريف لا يخلو أكثرها من مناقشة :

1.تعريف القدماء : هو العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية.

يلاحظ عليه : أنّ المستنبَط ربّما لا يكون حكماً شرعياً بل وظيفة عملية وعذراً عقلياً بين العبد و المولى كالأُصول العقلية ، فحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان بمعنى معذورية العبد في مخالفة الواقع ، وأمّا ما هو الحكم الشرعي الفرعي فلا يستنبط من حكم العقل.

فإن قلت : على القول بالملازمة بين حكم العقل والشرع يكون المستنبَط حكماً شرعياً.

36

قلت : إنّ غاية ما يَثبت بالملازمة هو إمضاء الشارع معذورية العبد في هذه الحالة وهي ليست حكماً شرعياً فرعياً ، ولأجل هذا الإشكال عدل المحقّق الخراساني إلى تعريفه بوجه آخر.

2. تعريف المحقّق الخراساني : صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي تنتهي إليها في مقام العمل.

ويردّ عليه أوّلاً : أنّ لازم ما اختاره في تمايز العلوم أن يعد علم الأُصول علمين لغرضين مختلفين ، وتصوّر وجود الجامع بين الغرضين لا يدفع الإشكال ، وإلاّ تلزم وحدة علم الصرف والنحو لوحدة الغرض وهو صيانة اللسان عن الخطأ.

وثانياً : أنّ الظاهر انّ علم الأُصول هو نفس القواعد ، وأمّا الصناعة فإنّما هي من المبادئ لا نفس العلم.

3. تعريف المحقّق النائيني : هو العلم بالكبريات التي لو انضمَّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلي. (1)

ويرد عليه : ما أوردناه على تعريف القدماء أنّه ربّما لا يكون المستنتج حكماً فرعياً كليّاً ، بل تكون وظيفة عملية.

4. تعريف السيّد الأُستاذ : القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الفرعية الإلهية ، أو الوظيفة العملية.

وهذا التعريف يحتوي على نقطتين هامتين :

النقطة الأُولى : توصيف القواعد بالآلية ، كالمنطق الذي هو قواعد آلية للتفكير الصحيح. فخرجت القواعد الفقهية حيث إنّها مطلوبة بنفسها وليست مطلوبة لغيرها.

____________

1 ـ فوائد الأُصول : 1/19.

37

وبعبارة أُخرى : انّ القواعد الأُصولية ما ينظر بها إلى الفقه ، وأمّا القواعد الفقهية فهي ما ينظر فيها ، وكم فرق بين النظر إلى الشيء بعنوان الآلية والوسيلة والنظر فيه بعنوان بما هو هو.

وثمة حديث منقول عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث قال في بيان نظر الإسلام إلى الدنيا : « من أبصر بها بصّـرته ، ومن أبصر إليها أعمته ». (1)

فلو طلب الدنيا لغاية نيل رضا اللّه سبحانه فهو طلب مرغوب ، وأمّا لو طلبها لنفسها دون أن تكون ذريعة إلى كسب الآخرة فهو طلب مرغوب عنه ، فالمطلوب من القواعد الأُصولية وقوعها في طريق الاستنباط لا أنّها مطلوبة في حدّ ذاتها ، وهذا ما يدفعنا إلى القول بتهذيب علم الأُصول والأخذ بما هو مقدمة للاستنباط ورفض ما ليس كذلك.

النقطة الثانية : وصفها بإمكان الوقوع لا حتميته ، وذلك ليدخل في التعريف الظنون غير المعتبرة كالقياس والاستحسان والظن الانسدادي عامّة ، فالجميع يمكن أن تقع في طريقه ، وإن لم يقع ، للنهي عن بعضها.

وهناك تعريف خامس ذكره ـ شخينا الأُستاذ ـ مدّ ظله في الدورة السابقة. فمن أراد فليرجع إلى المحصول.

الجهة السابعة : الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية

وقد ذكرتْ بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية فروق عديدة نقتصر على أهمها :

الفرق الأوّل : انّ المسائل الأُصولية لا تتضمن حكماً شرعيّاً ، خلافاً للقواعد

____________

1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 82.

38

الفقهية التي تتضمن حكماً شرعيّاً ، وتوضيح ذلك :

إنّ المسائل الأُصولية تدور حول محاور أربعة :

1. تعيين الظهورات ومداليل الألفاظ التي يعبّر عنها بمباحث الألفاظ ، كالبحث عن ظهور الأمر في الوجوب والنهي في الحرمة.

2. المباحث العقلية أو ما يعبّر عنها بالملازمات العقلية ، كالبحث عن الملازمة بين وجوب المقدمة ووجوب ذيها ، أو وجوب الشيء وحرمة ضده.

3. مباحث الحجج والأمارات ، كالبحث عن حجّية خبر الواحد.

4. الأُصول العملية التي يراد بها تعيين وظيفة الشاك.

وأنت إذا لاحظت هذه المحاور تقف على أنّ المحمول في جميعها ليس حكماً شرعياً فرعياً ، بل هو إمّا حكم عقلي أمضاه الشارع كباب الملازمات ، أو حكم وضعي كالحجّية ، فهي وإن كانت حكماً شرعياً لكن ليس فرعياً ، وهكذا الحال في تعيين الظهورات والوظائف العملية فالجميع بين حكم عقلي أو شرعي غير فرعي.

وهذا بخلاف القواعد الفقهية فانّها تتضمن حكماً شرعيّاً فرعياً كقوله : « لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس » ، وقوله : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » ، وقوله : « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ». فانّ القاعدة وإن لم ترد بلفظها في الشرع ولكنّها قاعدة مقتبسة من الأحكام الشرعية الفرعية في موردها. فللفقيه أن يقتبس من هذه الموارد قاعدة كليّة باسم « ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ».

هذا هو الفرق الأوّل بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية.

الفرق الثاني : انّ المسائل الأُصولية تجري في كلّ باب من أبواب الفقه ، بخلاف القواعد الفقهية فانّ الغالب فيها هو اختصاصها بباب دون باب

39

كالأمثلة المذكورة. نعم ربّما يجري بعضها في جميع الأبواب كقاعدة لا ضرر ولا حرج.

الفرق الثالث : انّ نتائج المسائل الأُصولية أحكام ووظائف كلّية ، بخلاف القواعد الفقهية فانّه ربّما تكون نتيجتها حكماً جزئياً كجريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية كاستصحاب طهارة الثوب المعيّن ، ونظيره أصالة البراءة والاحتياط في الموضوعات ، فانّ المترتب عليهما هو الوظيفة الشخصية لمن تم عنده أركان البراءة والاحتياط.

و من هنا يعلم أنّ الاستصحاب في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية بخلافه في الشبهات الموضوعية فانّه قاعدة فقهية ، ولا بأس أن يختلف حال المسألة باختلاف موارد تطبيقها ، ونظيره البراءة والاحتياط فانّها في الشبهات الحكمية مسألة أُصولية وفي الشبهات الموضوعية قواعد فقهية.

إلى هنا تمّ ما هو المهم عندنا في بيان الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية ، غير أنّ للشيخ الأنصاري بياناً آخر في المقام وهو :

انّ إجراء المسألة الأُصولية في موردها يختص بالمجتهد بخلاف الفقهية فانّ إجراءها في مواردها جائز للمقلّد أيضاً.

والظاهر عدم تماميّة هذا الفرق فانّ كثيراً من القواعد الفقهية كالمسائل الأُصولية يختص العمل بها بالمجتهد إذ هو القادر على تشخيص « ما يضمن عمّا لا يضمن » ، وتمييز الأصل الحاكم عن الأصل المحكوم في الشبهات الموضوعية ، والشرط المخالف للكتاب والسنّة عن موافقهما.

إلى هنا تمّ الفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية ، بقي الكلام في تمييز المسألة الفقهية من القواعد الفقهية والمسائل الأُصولية ، فنقول :

40

المسألة الفقهية : ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصّة ، تكليفية كانت ـ كالبحث عن وجوب الصلاة والصوم ـ أم وضعية كالبحث عن طهارة الماء ونجاسة الدم ، بل يمكن أن يقال انّ المسائل الفقهية لا تختص بالبحث عن أحكام الموضوعات بل تشمل أيضاً البحث عن ماهية الموضوعات التي تتعلّق بها الأحكام ، كالبحث عن ماهية الصلاة والصوم وأجزائها وموانعها وشرائطها إذ لا وجه لكون البحث عنها استطرادياً.

ومن هنا يعلم الفرق بينها و بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية فلا نطيل.

إلى هنا تمّ ما أفاده المحقّق الخراساني في الأمر الأوّل ، وإليك الكلام في الأمر الثاني :

41

الأمر الثاني

في الوضع

وفيه جهات من البحث :

الجهة الأُولى : في حقيقة الوضع (1)

منها : الوضع ، هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به تارة ، ومن كثرة استعماله فيها أُخرى. (2)

يلاحظ عليه :

1. انّ اختصاص اللفظ بالمعنى والارتباط المذكور من نتائج الوضع ، ناشئ منه وليس نفسه.

2. انّ الارتباط المذكور كما يحصل بالأمرين اللّذين أشار إليهما ، كذلك يحصل باستعمال اللفظ في المعنى بداعي الوضع ، وسيوافيك تفصيله عند البحث في الحقيقة الشرعية على أنّ تصوير الجامع بين القسمين من الوضع مشكل.

3. انّ التعريف لا يخلو من إجمال ، حيث قال : نحو ارتباط بين اللفظ و

____________

1 ـ لقد استأثرت هذه البحوث باهتمام خاص في علم الألسنة الذي يدرس في الجامعات كعلم مستقل ، له خصوصياته واستيعاب البحث فيه يخرجنا عن المقصود ، إنّما نكتفي بالإشارة إليه على وجه عابر.

2 ـ كفاية الأُصول : 1/10.

42

المعنى ، دون أن يُبيّن حقيقة هذا الربط.

ومنها : انّ حقيقة الوضع ليست إلاّ التعهد بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى. (1)

وهذا التعريف هو المعروف بمسلك التعهد في الوضع ، وأوّل من فسّر الوضع به هو المحقّق النهاوندي ( المتوفّى 1317 هـ ) وتبعه تلميذه أبو المجد الاصفهاني ( 1285 ـ 1362 هـ ) والمحقّق الخوئي ( 1317 ـ 1413 هـ ) في محاضراته وتعليقاته على أجود التقريرات.

قال أبو المجد في شرح مرام أُستاذه : الوضع عبارة عن التعهّد ، أعني : تعهد المتكلّم للمخاطب والتزامه بأنّه لا ينطق بلفظ خاص إلاّ عند إرادته معنى خاصاً ، أو أنّه إذا أراد إفهامه معنى معيناً ، لا يتكلّم إلاّ بلفظ معيّن ، فمتى تعهد له بذلك وأعلمه به حصلت الدلالة وحصل الإفهام. (2)

يلاحظ عليه بوجوه :

1. انّه من قبيل خلط الغاية من الفعل ، بنفس الفعل. فالوضع شيء والغاية المتوخّاة منه شيء آخر ، فالتعهد المذكور في كلامه غاية الوضع حتى يخرج فعل المتكلّم عن اللغوية.

وإن شئت قلت : الوضع عمل خاص يستعقب ذلك التعهدَ وليس نفسَه.

2. لو كانت حقيقة الوضع ذاك التعهد ، لزم كون كلّ مستعمل واضعاً ، لالتزام كلّ مستعمل تفهيم المعنى عند التكلّم باللفظ المخصوص والالتزام به أمر

____________

1 ـ تشريح الأُصول : للمحقق النهاوندي.

2 ـ وقاية الأذهان : 62 ، ط مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

43

غريب وإن التزم به بعض المحقّقين. (1)

3. انّ الالتزام بالتعهد في الوضع ، غير لازم بل يكفي فيه مجرّد جعل اللفظ في مقابل المعنى بداعي الانتقال إليه عند التكلّم كما هو الحال في سائر الدوال كالعلائم الرائجة لإدارة المرور.

وقد تفطن المحقّق الاصفهاني لما ذكرناه من كون كيفية الدلالة والانتقال من اللفظ وسائر الدوال على نهج واحد بلا إشكال.

فقال : فليس من ناصب العلامة على رأس الفرسخ إلاّ وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه ، من دون أيّ تعهّد منه. (2)

نظرنا في حقيقة الوضع

والحقّ انّ الوضع (3) عبارة عن تعيين الألفاظ في مقابل المعاني فقط ، وأمّا التزام الواضع بأنّه متى أراد تفهيم المعنى ، يتكلّم بهذا اللفظ فهو الغرض الداعي إلى ذلك الجعل ، والذي يدلّ على أنّ حقيقة الوضع لا تتجاوز عن ذلك ، أمران :

الأوّل : انّ وظيفة الأخصّائيين في اللغة العربية هي وضع الألفاظ بازاء المعاني ، فإذا كانت هناك اصطلاحات علمية أو اجتماعية غير دارجة في اللغة العربية ، فانّ هؤلاء الأخصّائيين يضعون بازائها ألفاظاً من اللغة العربية وبعد أن يتمّ الاتفاق عليها ، يذاع أمرها فتستعمل.

فإذا كان عملهم لا يتجاوز إلاّ جعل اللفظ بازاء المعنى فليكن كذلك عمل السائرين عبر الزمان من أهل اللغة.

____________

1 ـ تعاليق أجود التقريرات : 1/12.

2 ـ نهاية الدراية : 1/14.

3 ـ المقصود ، التعييني ، لا التعيّني لما مرّ في ص 41.

44

الثاني : انّ مسؤولية إدارة المرور هي عبارة عن « وضع علائم للوظائف » التي ينبغي لسائقي الشاحنات والناقلات الالتزام بها بغية تنظيم المرور ، وعملهم هذا أشبه بعمل الواضع فليكن عمل المتقدمين من أهل اللغة كذلك.

الجهة الثانية : وجود العلقة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها

قد نقل عن غير واحد من أهل الأدب وجود العلقة الذاتية بين الألفاظ والمعاني وذلك لصيانة عمل الواضع عن الترجيح بلا مرجح ، فانّ جعل لفظ في مقابل معنى فعل اختياري صادر من الإنسان الذي لا يرجِّح أحد الطرفين إلاّ بمرجح وليس هو إلاّ وجود العلقة الذاتية.

يلاحظ عليه : لو صحّ ذلك لزمت لغوية الوضع إذ تكون دلالة اللفظ على المعنى أشبه بدلالة الدخان على النار ، أو دلالة السعال على وجع الصدر. (1)

نعم يمكن تفسير القول بالعلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى بوجه آخر ، وهو أنّ التتبع يكشف عن أنّ الإنسان كان يسمِّي الحيوانات بأصواتها كالهدهد ، والبوم ، والحمام ، والعصفور ، والهرة ، كما يستند في حكاية الأفعال والحركات إلى أصواتها ، كالدق ، والدك ، والشق ، الكسر ، الصرير ، الدوي ، النهيق ، ولأجل ذلك ربّما يمكن أن يقال : إنّ كلّ إنسان بما هو مفطور على إظهار ما في ضميره ، كان ينتخب لإبراز ما في ضميره ألفاظاً يرى بينها و بين معانيها مناسبة خيالية أو وهمية كالمشابهة في الشكل والهيئة وغير ذلك من المناسبات ، فها هو لفظ الهيولى فانّه بمعنى « المادة الأُولى » لكن يستعمل العرف الخاص في الموجود المَهيب ، لما يراه بين ذلك اللفظ والمعنى من مناسبة وهمية.

____________

1 ـ الدلالة الأُولى عقلية ، والثانية طبعيّة.

45

وبذلك يجاب عمّا يقال بأنّه لولا العلقة الذاتية بين اللفظ والمعنى يلزم الترجيح بلا مرجح ، و ذلك لما عرفت من أنّه يكفي وجود التناسب الوهمي والخيالي وغيرهما في انتخاب اللفظ ولا يحتاج إلى المناسبة الذاتية.

الجهة الثالثة : في تعيين الواضع

إنّ الإمعان في الحياة البشرية الغابرة ، يُثبت بأنّ الحضارة الإنسانية بأبعادها ليست وليدة يوم أو شهر أو سنة ، بل الإنسان خرج من البداوة والحياة الفردية إلى الحياة الاجتماعية بالتدريج فهو عبْر تعمير الأرض بأنحائها المختلفة كان بحاجة شديدة إلى المفاهمة والمكالمة ، وقد خلق اللّه سبحانه مادتها في فطرته ، وقال : ( علّمه البيان ) فالحاجة دعته إلى إفهام ما في ضميره من الحوائج بإنشاء ألفاظ مقابل معان بالتدريج فلو قلنا إنّ لكلّ لغة واضعاً ، فالواضع هو البشر عبر الزمان بإذن اللّه سبحانه بالتدريج ولم يزل الأمر كذلك في مستقبل الحضارة حيث انّ الألفاظ تزداد ، وفق زيادة المعاني.

ذهب المحقّق النائيني إلى أنّ الواضع هو اللّه تبارك وتعالى ، و هو الواضع الحكيم حيث جعل لكلّ معنى لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبة بينهما مجهولة عندنا ، وجعله تبارك و تعالى هذا واسطة بين جعل الأحكام الشرعية المحتاج إيصالها إلى إرسال رسل وإنزال كتب ، وجعل الأُمور التكوينية التي جبل الإنسان على إدراكها كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ونحو ذلك. فالوضع جعل متوسط بينهما لا تكويني محض حتى لا يحتاج إلى أمر آخر ، ولا تشريعي صرف حتى يحتاج إلى تبليغ نبيّ أو وصيّ ، بل يلهم اللّه تبارك وتعالى عباده على اختلافهم كلّ طائفة بالتكلّم بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص.

46

واستدل على ذلك بأمرين :

الأوّل : لو فرضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ ، بقدر ألفاظ أيّ لغة لما قدروا عليه فما ظنك بواحد.

الثاني : كثرة المعاني ، فانّه يتعذّر تصوّرها من شخص أو أشخاص. (1)

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من أنّه سبحانه وضع الألفاظ لمعانيها ثمّ ألهم بها الإنسان أمر محتمل ، وربما يشير إليه سبحانه : ( الرّحمن * علّمَ القُرآن * خَلَقَ الإِنْسان * عَلَّمَهُ البَيان ) لا يخالف ما اخترناه آنفاً ، لكن ما استدلّ عليه بالوجهين غير تام. لأنّه إنّما يتمّ لو كان هناك واضع خاص أو أشخاص معينون ، وأمّا على القول بأنّ أصل كلّ لغة وتكاملها يرجع إلى جهد الإنسان عبر سنين طويلة فلا بعد في أن يقوم البشر طيلة هذه السنين بوضع لغات متعددة لمعاني كثيرة.

الجهة الرابعة : في أقسام الوضع

قُسِّم الوضع إلى أقسام أربعة :

1. الوضع الخاص والموضوع له الخاص.

2. الوضع العام والموضوع له العام.

3. الوضع العام والموضوع له الخاص.

4. الوضع الخاص والموضوع له العام.

وقد اتّفق علماء الأُصول على إمكان الأوّلين ووقوعهما ، والأكثر على إمكان الثالث ووقوعه و امتناع القسم الرابع.

غير انّ المهم هو الوقوف على ما هو الميزان في كون الوضع خاصّاً أو عامّاً ؟

____________

1 ـ أجود التقريرات : 1/11 ـ 12.

47

ثمّ البحث عن القسمين إمكاناً ووقوعاً وإجمال الكلام فيه على انّ الوضع يقوم بأمرين :

الأوّل : اللفظ وهو الموضوع.

الثاني : المفهوم الملحوظ.

والمدار في وصف الوضع بكونه خاصّاً أو عامّاً ، هو كون الملحوظ خاصّاً ، أو عاماً. فلو كان الملحوظ خاصّاً فالوضع خاص. ولو وضع اللفظ لنفس الملحوظ الخاص يكون الموضوع له خاصاً أيضاً. ولو كان الملحوظ عاماً فالوضع عام ولو وضع اللفظ لنفس الملحوظ العام يكون الموضوع له عامّاً أيضاً.

وأمّا إذا كان المفهوم الملحوظ عامّاً لكن لم يوضع اللفظ بازائه ، بل بازاء مصاديقه ، فيكون الوضع عامّاً لكون الملحوظ عاماً ، والموضوع له خاصاً ، لأنّ الوضع للأفراد والمصاديق ، وهذا كأسماء الإشارة حيث إنّ الملحوظ طبيعة المفرد المذكر والموضوع له مصاديق ذلك الملحوظ العام.

وأمّا إذا كان المفهوم الملحوظ خاصّاً لكن لم يوضع اللفظ بازاء ذلك الخاص بل بازاء الجامع بين ذلك الفرد وسائر الأفراد ، يكون الوضع خاصّاً والموضوع له عاماً.

إلى هنا وقفنا على واقع التقسيم الرباعي في مجال الوضع ، فإذا كان الأوّل والثاني ممكنين وواقعين فلا نبحث فيهما وإنّما نركز الكلام على الثالث والرابع.

القسم الثالث : إمكاناً ووقوعاً

فنقول : المشهور بين الأُصوليين إمكان الثالث ووقوعه ، وقد قرروا إمكانه بوجوه :

48

الأوّل : ما ذكره المحقّق الخراساني في « الكفاية » ، قال :

إنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده ومصاديقه بما هو كذلك ، فانّه من وجوهها ، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه ، بخلاف الخاص فانّه بما هو خاص لا يكون وجهاً للعام ولا لسائر الأفراد ، فلا تكون معرفته وتصوّره معرفة له ولا لها أصلاً ولو بوجه. (1)

وحاصل هذا الوجه : انّه لا يشترط في تصوّر الموضوع له تصوّره تفصيلاً ، بل يكفي تصوّره إجمالاً ، ويكفي في ذلك معرفة الأفراد بوجهها وهو العام.

يلاحظ عليه : أنّ معنى كون الشيء وجهاً ، هو كونه مرآة له وحاكياً عنه ، والحكاية فرع الوضع ، والمفروض أنّ الملحوظ العام كالحيوان الناطق لم يوضع إلاّ لنفس الحقيقة المعرّاة عن كلّ قيد وشرط ، فكيف يمكن أن يحكي المعنى المطلق ، عن القيود والخصوصيات التي بها قوام الفرديّة ؟!

والحاصل : انّ القدر المشترك بما هو قدر مشترك والذي نعبّر عنه بالملحوظ لا يحكي إلاّ عن القدر الجامع عن الخصوصيات وفردية الفرد بالثانية دون الأُولى.

الثاني : ما ذكره المحقّق الخوئي ، حيث قرر إمكان القسم الثالث بما هذا خلاصته : الفرق بين القضية الخارجية والحقيقية ، هو انّ الحكم في الأُولى مقصور على الأفراد الموجودة في ظرف الحكاية ، مثل قولك : « قُتل من في العسكر » و « نهب ما في الدار » وأمّا الحقيقية فالحكم فيها مجعول على الأفراد المحقّقة ، والمقدّرة في الأزمنة الآتية ، مثل قولك : كلّ إنسان كاتب بالقوّة.

فكلّ إنسان موجود في ظرف الحكم والموجود في الأزمنة الآتية المقدرة ظرفه ، مشمول لهذا الحكم ، وليس هذا إلاّ لأجل أخذ الطبيعة في موضوع الحكم

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/10.

49

على وجه سارية في أفرادها ، وجارية في مصاديقها ، فيشمل كلّ فرد محقّق في ظرفه ، و ما قيل من أنّ العام لا يحكي عن المصاديق والأفراد فإنّما يصحّ إذا كانت القضية طبيعية أو خارجية ، وأمّا إذا كانت مأخوذة على نحو القضية الحقيقية التي تكون فيها الطبيعة متحدة مع المصاديق وسارية فيها ، فانّها تحكي عن الجميع حسب سريانها. (1)

يلاحظ عليه : انّ معنى سريان الطبيعة في مصاديقها هو ثبوت الحكم عليها متى وجدت ، ويكفي في ثبوت الحكم انطباق العنوان عليها ، ويكفي في الانطباق كون الفرد بما هو إنسان مصداقاً للجامع بما هو هو ، لا بما له من الخصوصيات والقيود. وأمّا حكايتها عن الافراد والخصوصيات فلا ، لأنّ مناط الحكاية هو دخول الخصوصيات في مفاد الملحوظ العام ، والمفروض انّها حقيقة معرّاة ، وتصور انّ الجامع متحد مع الخصوصيات وإن كان صحيحاً لكن الاتحاد ليس مناط الحكاية ، وإنّما مناطها دخول الخصوصيات في المعنى الجامع وحكايتها عنها ، والمفروض أنّ الملحوظ الجامع لم يوضع إلاّ لنفس الجامع.

الثالث : ما أفاده المحقّق العراقي وحاصله :

إنّ العناوين العامة المنتزعة على أنواع :

1. العنوان المنتزع من الجامع الذاتي بين أفراده ، المتحد وجوداً مع خصوصيات الأفراد والمعرّى عنها تصوراً وحقيقة كالحيوان والإنسان.

2. العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار اتّصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها

____________

1 ـ حكى شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ انّه سمع ذلك التقرير من السيد الخوئي في درسه الشريف عام 1370 هـ. ق وأشار إلى ذلك التقرير في المحاضرات بصورة عابرة حيث قال : وهذا هو الوضع العام والموضوع له الخاص وحاله كحال القضية الحقيقية ( المحاضرات : 1/53 ).

50

وذاتياتها ، سواء كان ما بحذائها شيء كالأبيض ، أو لا كالممكن. وهذان القسمان لا يحكيان عن شيء من خصوصيات أفراده بل يحكيان عن الجامع الساري.

3. العنوان العام الذي يحكي إجمالاً عن الخصوصيات التي يكون بها التشخص خارجاً.

والأوّل والثاني يحكيان عن الجامع الموجود في الفرد ، دون الخصوصيات ، والثالث يحكي عن نفس الخصوصيات التي بها يكون التشخص خارجاً ، مثل مفهوم « الشخص » و « الفرد » و « المصداق » فهذه عناوين كلية منتزعة من الأفراد والخصوصيات الخارجية. ونظيرها لفظ « كل » و « بعض » والموصولات مثل « من » و « ما ». وعندئذ يصحّ أن يوضع لفظ « الإنسان » ، لكلّ من ينطبق عليه لفظ الإنسان فانّ لفظ الكلّ ، حاك عن الأفراد إجمالاً ، أو يقال لفظ « هذا » موضوع لكلّ مفرد مذكر. (1)

وهذا التقرير لا غبار عليه ، وعلى ذلك يمكن أن يمثل له بأسماء الإشارة ، فلفظ « هذا » وضع لكلّ مفرد مذكر ، فقولنا : مفرد مذكر إشارة إلى الجامع ، وإذا أضيف إليه لفظة كلّ يشير إلى المصاديق ، وهذا المقدار من الحكاية يكفي لكون الموضوع له خاصاً.

إلى هنا تمّ بيان القسم الثالث ، وإليك بيان القسم الرابع :

القسم الرابع : إمكاناً ووقوعاً

ذهب المحقّق الخراساني إلى امتناع القسم الرابع واستدلّ عليه بقوله :

إنّ الخاص لا يكون مرآة للعام ، لأنّه إذا لوحظت الخصوصية فيه حين

____________

1 ـ لاحظ بدائع الأفكار : 1/38 ـ 39.

51

الوضع يكون الموضوع له كالوضع خاصاً ، وإن جرّد عن الخصوصية يكون الوضع عامّاً ويرجع إلى القسم الثالث. (1)

وحاصل كلامه : انّ الخاص لتقيده بقيود وخصوصيات لا يحكي إلاّ عن الموجود المشخص ، فكيف يمكن أن يكون مرآة للمعنى المتعرّي عن الخصوصيات ؟! ولو جرّد الملحوظ عن الخصوصية يصبح حينئذ كليّاً ويصير من قبيل القسم الثالث ، لأنّ الملحوظ يكون عاماً وإن كان الموضوع له خاصاً ، هذا.

لكن لفيفاً من المحقّقين حاولوا تصحيح هذا القسم بالأمثلة التالية :

أ : إذا لاحظ الواضع فرداً خارجياً من نوع كزيد ، وهو يعلم أنّ بينه و بين سائر الأفراد جامعاً كليّاً ، فيضع اللفظ للجامع بينه و بين سائر الأفراد ، فالملحوظ خاص أعني زيداً ، لكن الموضوع له الجامع بين هذا الفرد وسائر الأفراد.

ب : ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري : إذا تصور شخصاً جزئياً خارجيّاً من دون أن يعلم تفصيلاً بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد ، ولكنّه يعلم إجمالاً باشتماله على جامع مشترك بينه و بين باقي الأفراد مثله ، كما إذا رأى جسماً من بعيد ولم يعلم أنّه حيوان أو جماد ، فوضع لفظاً بازاء ما هو متحد مع هذا الشخص في الواقع ( أي على الجامع بينه و بين غيره ) فالموضوع له لوحظ إجمالاً وبالوجه ، وليس الوجه عند هذا الشخص إلاّ الجزئي ، لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقلاً عنده إلاّ بعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص. (2)

ج : الكمّ المعروف بالمتر الذي هو وحدة قياس الطول ومقداره 100 سانتيمتر ، فالمخترع وضع لفظ المتر على الوحدة القياسية التي اخترعها وعلى كلّ

____________

1 ـ كفاية الأُصول : 1/10.

2 ـ درر الفوائد : 1/5.

52

وحدة تشابهها ، فالوضع خاص ، لأنّ الموضوع هو الكمية المعيّنة ، ولكن الموضوع له هو الجامع بينه و بين غيره. (1)

فالمحقّقون حاولوا تصحيح هذا القسم كما صححوا أيضاً القسم السابق.

نظرية السيد الأُستاذ

إنّ سيدنا الأُستاذ حاول حسم النزاع بالبيان التالي :

وحاصله : القول بالتفصيل بين كون الملحوظ الخاص حاكياً عن العام ، وبين كونه سبباً للانتقال إلى العام.

فعلى الأوّل يمتنع هذا القسم ، لأنّ الملحوظ بما هو خاص لا يحكي عن العام ، ضرورة تقيّده بخصوصيات تعيقه عن حكاية العام.

وأمّا على الثاني فلا مانع من إمكان القسم الرابع ، لأنّ الخاص ربّما يكون سبباً للانتقال إلى العام ، والانتقال خفيف المؤنة لا يتوقف على أن يكون اللفظ حاكياً عن المنتقل إليه حتى يقال انّ الحكاية فرع الوضع ، بل ربّما يكون الضدّ سبباً للانتقال إلى الضدّ ، فكلّما يسمع الإنسان اسم موسى الكليم ينتقل إلى طاغوت عصره فرعون ، و هكذا. (2)

نعم ذكر سيدنا الأُستاذ نفس هذا التفصيل في القسم الثالث ، وانّ العام لا يحكي عن الخصوصيات ولكن يوجب الانتقال إليها ، فلو كان الوضع متوقفاً على الحكاية فهذا القسم مثل القسم الرابع في الامتناع ولو كان الانتقال كافياً في الوضع فكلاهما سيان.

____________

1 ـ حكى شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ انّه سمعه من والده عند تدريسه المنطق لجمع من الفضلاء.

2 ـ تهذيب الأُصول : 1/8 ، بتلخيص.