الأمالي

- الشيخ الطوسي المزيد...
737 /
3

[1] الْمَجْلِسُ الْأَوَّلُ

فِيهِ أَحَادِيثُ الشَّيْخِ الْمُفِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، رِوَايَةُ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الطُّوسِيِّ عَنْهُ.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

1- 1- أَمْلَى عَلَيْنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ:

حَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ): لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةُ الْقَلْبِ، إِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي.

2- 2- قَالَ: وَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَاهَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ مَرْحَبٌ، وَ كَانَ طَوِيلَ الْقَامَةِ عَظِيمَ الْهَامَةِ، وَ كَانَتِ الْيَهُودُ تُقَدِّمُهُ لِشَجَاعَتِهِ وَ يَسَارِهِ. قَالَ: فَخَرَجَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَمَا وَاقَفَهُ قِرْنٌ إِلَّا قَالَ: أَنَا مَرْحَبٌ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ. قَالَ:

4

وَ كَانَتْ لَهُ ظِئْرٌ، وَ كَانَتْ كَاهِنَةً، وَ كَانَتْ تُعْجَبُ بِشَبَابِهِ وَ عِظَمِ خِلْقَتِهِ، وَ كَانَتْ تَقُولُ لَهُ:

قَاتِلْ كُلَّ مَنْ قَاتَلَكَ وَ غَالِبْ كُلَّ مَنْ غَالَبَكَ إِلَّا مَنْ تَسَمَّى عَلَيْكَ بِحَيْدَرَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ وَقَفْتَ لَهُ هَلَكْتَ.

قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ مُنَاوَشَتُهُ، وَ بَعِلَ النَّاسُ بِمَقَامِهِ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ سَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَيْهِ عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَدَعَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ قَالَ لَهُ: يَا عَلِيُّ اكْفِنِي مَرْحَباً، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ مَرْحَبٌ أَسْرَعَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَرَهُ يَعْبَأُ بِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَ أَحْجَمَ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْدَمَ وَ هُوَ يَقُولُ:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي مَرْحَباً

فَأَقْبَلَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالسَّيْفِ، وَ هُوَ يَقُولُ:

أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَةَ

فَلَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ مَرْحَبٌ هَرَبَ وَ لَمْ يَقِفْ خَوْفاً مِمَّا حَذَّرَتْهُ مِنْهُ ظِئْرُهُ، فَتَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ حَبْرٍ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا مَرْحَبُ فَقَالَ: قَدْ تَسَمَّى عَلَيَّ هَذَا الْقِرْنُ بِحَيْدَرَةَ. فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: فَمَا حَيْدَرَةُ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانَةَ ظِئْرِي كَانَتْ تُحَذِّرُنِي مِنْ مُبَارَزَةِ رَجُلٍ اسْمُهُ حَيْدَرَةُ، وَ تَقُولُ: إِنَّهُ قَاتِلُكَ. فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: شَوْهاً لَكَ، لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيْدَرَةُ إِلَّا هَذَا وَحْدَهُ لَمَا كَانَ مِثْلُكَ يَرْجِعُ عَنْ مِثْلِهِ، تَأْخُذُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَ هُنَّ يُخْطِئْنَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصِبْنَ، وَ حَيْدَرَةُ فِي الدُّنْيَا كَثِيرٌ، فَارْجِعْ فَلَعَلَّكَ تَقْتُلُهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ سُدْتَ قَوْمَكَ وَ أَنَا فِي ظَهْرِكَ أَسْتَصْرِخُ الْيَهُودَ لَكَ. فَرَدَّهُ فَوَ اللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا كَفُوَاقِ نَاقَةٍ حَتَّى ضَرَبَهُ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) ضَرْبَةً سَقَطَ مِنْهَا لِوَجْهِهِ وَ انْهَزَمَ الْيَهُودُ وَ هُمْ يَقُولُونَ: قُتِلَ مَرْحَبٌ، قُتِلَ مَرْحَبٌ.

قَالَ: وَ فِي ذَلِكَ يَقُولُ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ الْأَسَدِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فِي مَدْحِهِ

5

لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ):

سَقَى جُرَعَ الْمَوْتِ ابْنَ عُثْمَانَ بَعْدَ مَا * * *تَعَاوَرَهَا مِنْهُ وَلِيدٌ وَ مَرْحَبٌ

فَالْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ عُتْبَةَ خَالِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَ مَرْحَبٌ مِنَ الْيَهُودِ.

3- 3- قَالَ: وَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعُتْبِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَعْرَابِيّاً يَدْعُو وَ يَقُولُ:" اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي عَمَلَ الْخَائِفِينَ وَ خَوْفَ الْعَامِلِينَ حَتَّى أَتَنَعَّمَ بِتَرْكِ النَّعِيمِ، رَغْبَةً فِيمَا وَعَدْتَ، وَ خَوْفاً مِمَّا أَوْعَدْتَ".

قَالَ: وَ سَمِعْتُ آخَرَ يَدْعُو فَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ:" اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُقُوقاً فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِهَا، وَ لِلنَّاسِ عَلَيَّ تَبِعَاتٌ فَتَحَمَّلْهَا عَنِّي، وَ قَدْ أَوْجَبْتَ لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وَ أَنَا ضَيْفُكَ، فَاجْعَلْ قِرَايَ اللَّيْلَةَ الْجَنَّةَ".

4- 4- قَالَ: وَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْأَعْرَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَمْرُوسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ النَّاسَ يَوْماً مُعَاوِيَةُ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ وَ فِي الْجَامِعِ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْوُفُودِ عُلَمَاءُ قُرَيْشٍ وَ خُطَبَاءُ رَبِيعَةَ وَ مَدَارِهُهَا، وَ صَنَادِيدُ الْيَمَنِ وَ مُلُوكُهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) أَكْرَمَ خُلَفَاءَهُ فَأَوْجَبَ لَهُمُ الْجَنَّةَ فَأْنَقَذَهُمْ مِنَ النَّارِ، ثُمَّ جَعَلَنِي مِنْهُمْ وَ جَعَلَ أَنْصَارِي أَهْلَ الشَّامِ الذَّابِّينَ عَنْ حُرَمِ اللَّهِ، الْمُؤَيَّدِينَ بِظَفَرِ اللَّهِ، الْمَنْصُورِينَ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ.

قَالَ: وَ فِي الْجَامِعِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ لِصَعْصَعَةَ: أَ تَكْفِينِي أَمْ أَقُومُ أَنَا إِلَيْهِ فَقَالَ صَعْصَعَةُ: بَلْ أَكْفِيكَهُ أَنَا. ثُمَّ قَامَ صَعْصَعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي سُفْيَانَ، تَكَلَّمْتَ فَأَبْلَغْتَ وَ لَمْ تُقَصِّرْ دُونَ مَا أَرَدْتَ، وَ كَيْفَ

6

يَكُونُ مَا تَقُولُ وَ قَدْ غَلَبْتَنَا قَسْراً وَ مَلَكْتَنَا تَجَبُّراً وَ دِنْتَنَا بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَ اسْتَوْلَيْتَ بِأَسْبَابِ الْفَضْلِ عَلَيْنَا فَأَمَّا إِطْرَاؤُكَ أَهْلَ الشَّامِ فَمَا رَأَيْتُ أَطْوَعَ لِمَخْلُوقٍ وَ أَعْصَى لِخَالِقٍ مِنْهُمْ، قَوْمٌ ابْتَعْتَ مِنْهُمْ دِينَهُمْ وَ أَبْدَانَهُمْ بِالْمَالِ، فَإِنْ أَعْطَيْتَهُمْ حَامُوا عَنْكَ وَ نَصَرُوكَ، وَ إِنْ مَنَعْتَهُمْ قَعَدُوا عَنْكَ وَ رَفَضُوكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اسْكُتْ يَا ابْنَ صُوحَانَ، فَوَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنِّي لَمْ أَتَجَرَّعْ غُصَّةَ غَيْظٍ قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ حِلْمٍ وَ أَحْمَدَ مِنْ كَرَمٍ سِيَّمَا فِي الْكَفِّ عَنْ مِثْلِكَ وَ الِاحْتِمَالِ لِدُونِكَ لَمَا عُدْتَ إِلَى مِثْلِ مَقَالَتِكَ. فَقَعَدَ صَعْصَعَةُ فَأَنْشَأَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ:

قَبِلْتُ جَاهِلَهُمْ حِلْماً وَ تَكْرِمَةً * * *وَ الْحِلْمُ عَنْ قُدْرَةٍ فَضْلٌ مِنَ الْكَرَمِ

5- 5- قَالَ: وَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ الْجُعْفِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): مَا فُتِحَ لِأَحَدٍ بَابُ دُعَاءٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ بَابَ إِجَابَةٍ، فَإِذَا فَتَحَ لِأَحَدِكُمْ بَابَ دُعَاءٍ فَلْيَجْهَدْ، فَإِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ) لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا.

قال أبو الطيب: الملل من الإنسان الضجر و السامة، و من الله (تعالى) على جهة الترك للفعل، و إنما وصف نفسه بالملل للمقابلة بملل الإنسان، كما قال: نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه.

6- 6- قَالَ: وَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَنَزِيُّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ قَدْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنَ الْعَنَزِيِّ، وَ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): تَارِكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَسْلُبُ أُمَّتِي مُلْكَهَا وَ مَا خَوَّلَهَا اللَّهُ لَبَنُو قَنْطُورَ بْنِ كِرْكِرَةَ، وَ هُمُ التُّرْكُ.

7- 7- قَالَ: وَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ:

7

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ قَلْباً وَعَى الْقُرْآنَ.

8- 8- وَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الزَّيَّاتِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ الْإِسْكَافِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَامَةَ الْغَنَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَامِرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ الْفُجَيْعِ الْعُقَيْلِيِّ، قَالَ:

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ وَالِدِيَ الْوَفَاةُ أَقْبَلَ يُوصِي، فَقَالَ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَخُو مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ ابْنُ عَمِّهِ وَ صَاحِبُهُ، أَوَّلُ وَصِيَّتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُهُ وَ خِيَرَتُهُ اخْتَارَهُ بِعِلْمِهِ وَ ارْتَضَاهُ لِخِيَرَتِهِ، وَ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَ سَائِلُ النَّاسِ عَنْ أَعْمَالِهِمْ عَالِمٌ بِمَا فِي الصُّدُورِ.

ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ- يَا حَسَنُ- وَ كَفَى بِكَ وَصِيّاً بِمَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ يَا بُنَيَّ الْزَمْ بَيْتَكَ، وَ ابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ، وَ لَا تَكُنِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّكَ، وَ أُوصِيكَ يَا بُنَيَّ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ وَقْتِهَا، وَ الزَّكَاةِ فِي أَهْلِهَا عِنْدَ مَحَالِّهَا، وَ الصَّمْتِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ وَ الِاقْتِصَادِ، وَ الْعَدْلِ فِي الرِّضَاءِ وَ الْغَضَبِ، وَ حُسْنِ الْجِوَارِ، وَ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَ رَحْمَةِ الْمَجْهُودِ وَ أَصْحَابِ الْبَلَاءِ، وَ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَ حُبِّ الْمَسَاكِينِ وَ مُجَالَسَتِهِمْ، وَ التَّوَاضُعِ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَةِ، وَ قَصْرِ الْأَمَلِ، وَ اذْكُرِ الْمَوْتَ، وَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ رَهِينُ مَوْتٍ، وَ غَرَضُ بَلَاءٍ، وَ صَرِيعُ سُقْمٍ.

وَ أُوصِيكَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَ عَلَانِيَتِكَ، وَ أَنْهَاكَ عَنِ التَّسَرُّعِ بِالْقَوْلِ وَ الْفِعْلِ، وَ إِذَا عَرَضَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَابْدَأْ بِهِ، وَ إِذَا عَرَضَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَتَأَنَّهُ حَتَّى تُصِيبَ رُشْدَكَ فِيهِ، وَ إِيَّاكَ وَ مَوَاطِنَ التُّهَمَةِ وَ الْمَجْلِسَ الْمَظْنُونَ بِهِ السَّوْءُ، فَإِنَّ قَرِينَ السَّوْءِ يَغُرُّ جَلِيسَهُ.

8

وَ كُنْ لِلَّهِ يَا بُنَيَّ عَامِلًا، وَ عَنِ الْخَنَا زَجُوراً، وَ بِالْمَعْرُوفِ آمِراً، وَ عَنِ الْمُنْكَرِ نَاهِياً، وَ وَاخِ الْإِخْوَانَ فِي اللَّهِ، وَ أَحِبَّ الصَّالِحَ لِصَلَاحِهِ، وَ دَارِ الْفَاسِقَ عَنْ دِينِكَ، وَ أَبْغِضْهُ بِقَلْبِكَ، وَ زَايِلْهُ بِأَعْمَالِكَ، كَيْ لَا تَكُونَ مِثْلَهُ، وَ إِيَّاكَ وَ الْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، وَ دَعِ الْمُمَارَاةَ، وَ مُجَازَاةَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَ لَا عِلْمَ.

وَ اقْتَصِدْ يَا بُنَيَّ فِي مَعِيشَتِكَ، وَ اقْتَصِدْ فِي عِبَادَتِكَ، وَ عَلَيْكَ فِيهَا بِالْأَمْرِ الدَّائِمِ الَّذِي تُطِيقُهُ، وَ الْزَمِ الصَّمْتَ تَسْلَمْ، وَ قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَغْنَمْ، وَ تَعَلَّمِ الْخَيْرَ تَعْلَمْ، وَ كُنْ لِلَّهِ ذَاكِراً عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَ ارْحَمْ مِنْ أَهْلِكَ الصَّغِيرَ، وَ وَقِّرْ مِنْهُمُ الْكَبِيرَ، وَ لَا تَأْكُلَنَّ طَعَاماً حَتَّى تَتَصَدَّقَ مِنْهُ قَبْلَ أَكْلِهِ، وَ عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ زَكَاةُ الْبَدَنِ وَ جُنَّةٌ لِأَهْلِهِ، وَ جَاهِدْ نَفْسَكَ، وَ احْذَرْ جَلِيسَكَ، وَ اجْتَنِبْ عَدُوَّكَ، وَ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَ أَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنِّي لَمْ آلُكَ يَا بُنَيَّ نُصْحاً، وَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ.

وَ أُوصِيكَ بِأَخِيكَ مُحَمَّدٍ خَيْراً، فَإِنَّهُ شَقِيقُكَ وَ ابْنُ أَبِيكَ، وَ قَدْ تَعْلَمُ حُبِّي لَهُ، فَأَمَّا أَخُوكَ الْحُسَيْنُ فَهُوَ ابْنُ أُمِّكَ، وَ لَا أَزِيدُ الْوَصَاةَ بِذَلِكَ، وَ اللَّهُ الْخَلِيفَةُ عَلَيْكُمْ، وَ إِيَّاهُ أَسْأَلُ أَنْ يُصْلِحَكُمْ، وَ أَنْ يَكُفَّ الطُّغَاةَ الْبُغَاةَ عَنْكُمْ، وَ الصَّبْرَ الصَّبْرَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ الْأَمْرَ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

9- 9- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ الْقَطَّانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَامَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي سَائِلُكَ لِآخُذَ عَنْكَ، وَ قَدِ انْتَظَرْنَا أَنْ تَقُولَ مِنْ أَمْرِكَ شَيْئاً فَلَمْ تَقُلْهُ، أَ لَا تُحَدِّثُنَا عَنْ أَمْرِكَ هَذَا، أَ كَانَ بِعَهْدٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) أَمْ شَيْءٌ رَأَيْتَهُ فَإِنَّا قَدْ أَكْثَرْنَا فِيكَ الْأَقَاوِيلَ، وَ أَوْثَقُهُ عِنْدَنَا مَا قُلْنَاهُ عَنْكَ وَ سَمِعْنَاهُ مِنْ فِيكَ، إِنَّا كُنَّا نَقُولُ: لَوْ رَجَعَتْ إِلَيْكُمْ

9

بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَمْ يُنَازِعْكُمْ فِيهَا أَحَدٌ، وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي إِذَا سُئِلْتُ مَا أَقُولُ، أَ أَزْعُمُ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَوْلَى بِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْكَ، فَإِنْ قُلْتُ ذَلِكَ فَعَلَامَ نَصَبَكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَعْدَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ:" أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ" وَ إِنْ كُنْتَ أَوْلَى مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا فِيهِ فَعَلَامَ نَتَوَلَّاهُمْ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) قَبَضَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَنَا يَوْمَ قَبَضَهُ أَوْلَى بِالنَّاسِ مِنِّي بِقَمِيصِي هَذَا، وَ قَدْ كَانَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ إِلَيَّ عَهْدٌ لَوْ خَزَمْتُمُونِي بِأَنْفِي لَأَقْرَرْتُ سَمْعاً لِلَّهِ وَ طَاعَةً، وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا انْتُقِصْنَا بَعْدَهُ إِبْطَالُ حَقِّنَا فِي الْخُمُسِ، فَلَمَّا دَقَّ أَمْرُنَا طَمِعَتْ رِعْيَانُ قُرَيْشٍ فِينَا، وَ قَدْ كَانَ لِي عَلَى النَّاسِ حَقٌّ لَوْ رَدُّوهُ إِلَيَّ عَفْواً قَبِلْتُهُ وَ قُمْتُ بِهِ، وَ كَانَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ لَهُ عَلَى النَّاسِ حَقٌّ إِلَى أَجَلٍ، فَإِنْ عَجَّلُوا لَهُ مَا لَهُ أَخَذَهُ وَ حَمَدَهُمْ عَلَيْهِ، وَ إِنْ أَخَّرُوهُ أَخَذَهُ غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَ كُنْتُ كَرَجُلٍ يَأْخُذُ السُّهُولَةَ وَ هُوَ عِنْدَ النَّاسِ مَحْزُونٌ، وَ إِنَّمَا يُعْرَفُ الْهُدَى بِقِلَّةِ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا سَكَتُّ فَاعْفُوني، فَإِنَّهُ لَوْ جَاءَ أَمْرٌ تَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى الْجَوَابِ أَجَبْتُكُمْ، فَكُفُّوا عَنِّي مَا كَفَفْتُ عَنْكُمْ.

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنْتَ لَعَمْرُكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ:

لَعَمْرِي لَقَدْ أَيْقَظْتَ مَنْ كَانَ نَائِماً * * *وَ أَسْمَعْتَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ

10- 10- حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ هَارُونَ ابْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ (تَعَالَى): فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ.

فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدِي أَ كُنْتَ عَالِماً فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: أَ فَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ وَ إِنْ قَالَ: كُنْتُ جَاهِلًا، قَالَ لَهُ: أَ فَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى

10

تَعْمَلَ فَيَخْصِمُهُ، فَتِلْكَ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.

11- 11- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ الْمَرَاغِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَيَّةَ أَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): سِتٌّ مَنْ عَمِلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَادَلَتْ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، تَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدْ كَانَ يَعْمَلُ بِي فِي الدُّنْيَا: الصَّلَاةُ، وَ الزَّكَاةُ، وَ الْحَجُّ، وَ الصِّيَامُ، وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَ صِلَةُ الرَّحِمِ.

12- 12- وَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ قُولَوَيْهِ] (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ أَبِي مَسْرُوقٍ النَّهْدِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: الْمَكَارِمُ عَشْرٌ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ فِيكَ فَلْتَكُنْ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الرَّجُلِ وَ لَا تَكُونُ فِي وُلْدِهِ، وَ تَكُونُ فِي الِابْنِ وَ لَا تَكُونُ فِي أَبِيهِ، وَ تَكُونُ فِي الْعَبْدِ وَ لَا تَكُونُ فِي الْحُرِّ.

قِيلَ: وَ مَا هُنَّ، يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: صِدْقُ اللِّسَانِ، وَ صِدْقُ الْبَأْسِ، وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَ صِلَةُ الرَّحِمِ، وَ إِقْرَاءُ الضَّيْفِ، وَ إِطْعَامُ السَّائِلِ، وَ الْمُكَافَأَةُ عَلَى الصَّنَائِعِ، وَ التَّذَمُّمُ لِلْجَارِ، وَ التَّذَمُّمُ لِلصَّاحِبِ، وَ رَأْسُهُنَّ الْحَيَاءُ.

13- 13- أَمْلَى عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الطَّيِّبِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمَّارُ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا

11

النَّاسُ، اسْمَعُوا مَقَالَتِي وَ عُوا كَلَامِي، إِنَّ الْخُيَلَاءَ مِنَ التَّجَبُّرِ، وَ النَّخْوَةَ مِنَ التَّكَبُّرِ، وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ حَاضِرٌ يَعِدُكُمُ الْبَاطِلَ، أَلَا إِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، فَ لا تَنابَزُوا، وَ لَا تَخَاذَلُوا، فَإِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ، وَ مَنْ تَرَكَهَا مَرَقَ، وَ مَنْ فَارَقَهَا مُحِقَ، لَيْسَ الْمُسْلِمُ بِالْخَائِنِ إِذَا ائْتُمِنَ، وَ لَا بِالْمُخْلِفِ إِذَا وَعَدَ، وَ لَا بِالْكَذُوبِ إِذَا نَطَقَ، نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَ قَوْلُنَا الْحَقُّ، وَ فِعْلُنَا الْقِسْطُ، وَ مِنَّا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَ فِينَا قَادَةُ الْإِسْلَامِ وَ أُمَنَاءُ الْكِتَابِ، نَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ، وَ الشِّدَّةِ فِي أَمْرِهِ، وَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِهِ، وَ إِلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَ حِجِّ الْبَيْتِ، وَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ تَوْفِيرِ الْفَيْءِ لِأَهْلِهِ.

أَلَا وَ إِنَّ أَعْجَبَ الْعَجَبِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ الْأُمَوِيَّ وَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ السَّهْمِيَّ يُحَرِّضَانِ النَّاسَ عَلَى طَلَبِ الدِّينِ بِزَعْمِهِمَا، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَمْ أُخَالِفْ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قَطُّ، وَ لَمْ أَعْصِهِ فِي أَمْرٍ قَطُّ، أَقِيهِ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ، وَ تُرْعَدُ فِيهَا الْفَرَائِصُ، بِقُوَّةٍ أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا، فَلَهُ الْحَمْدُ. وَ لَقَدْ قُبِضَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ إِنَّ رَأْسَهُ فِي حَجْرِي، وَ لَقَدْ وَلِيتُ غُسْلَهُ بِيَدِي، تَقْلِبُهُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ مَعِي، وَ ايْمُ اللَّهِ مَا اخْتَلَفَتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا ظَهَرَ بَاطِلُهَا عَلَى حَقِّهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ.

قَالَ: فَقَامَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) فَقَالَ: أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ أَعْلَمَكُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَسْتَقِمْ عَلَيْهِ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَ قَدْ نَفَذَتْ بَصَائِرُهُمْ.

14- 14- عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ نَجِيحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ التَّغْلِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَازِنِيُّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) صَلَّى

12

الْقِبْلَتَيْنِ، وَ بَايَعَ الْبَيْعَتَيْنِ، وَ لَمْ يَعْبُدْ صَنَماً وَ لَا وَثَناً، وَ لَمْ يَضْرِبْ عَلَى رَأْسِهِ بِزَلَمٍ وَ لَا بِقَدَحٍ، وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَسْأَلْكَ عَنْ هَذَا، إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنْ حَمْلِهِ سَيْفَهُ عَلَى عَاتِقِهِ يَخْتَالُ بِهِ حَتَّى أَتَى الْبَصْرَةَ فَقَتَلَ بِهَا أَرْبَعِينَ أَلْفاً، ثُمَّ صَارَ إِلَى الشَّامِ فَلَقِيَ حَوَاجِبَ الْعَرَبِ فَضَرَبَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ حَتَّى قَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَتَى النَّهْرَوَانَ وَ هُمْ مُسْلِمُونَ فَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ.

فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَ عَلِيٌّ أَعْلَمُ عِنْدَكَ أَمْ أَنَا فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلِيٌّ أَعْلَمَ عِنْدِي مِنْكَ لَمَا سَأَلْتُكَ.

قَالَ: فَغَضِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَتَّى اشْتَدَّ غَضَبُهُ، ثُمَّ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَلَّمَنِي، وَ كَانَ عِلْمُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ، فَعِلْمُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنَ اللَّهِ، وَ عِلْمُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ عِلْمِي مِنْ عِلْمِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ عِلْمُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كُلِّهِمْ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ كَالْقَطْرَةِ الْوَاحِدَةِ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ.

15- 15- حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا عِيسَى، هَبْ لِي مِنْ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعَ، وَ مِنْ قَلْبِكَ الْخُشُوعَ، وَ اكْحَلْ عَيْنَيْكَ بِمِيلِ الْحُزْنِ إِذَا ضَحِكَ الْبَطَّالُونَ، وَ قُمْ عَلَى قُبُورِ الْأَمْوَاتِ فَنَادِهِمْ بِالصَّوْتِ الرَّفِيعِ لَعَلَّكَ تَأْخُذُ مَوْعِظَتَكَ مِنْهُمْ، وَ قُلْ: إِنِّي لَاحِقٌ فِي اللَّاحِقِينَ.

16- 16- حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا

13

أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الزَّاهِدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يَهُشُّ عَلَيْهَا بِبَيْدَاءِ ذِي الْحُلَيْفَةِ، إِذْ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ، فَانْتَزَعَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، فَهَجْهَجَ بِهِ الرَّجُلُ وَ رَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى اسْتَنْقَذَ مِنْهُ شَاتَهُ.

قَالَ: فَأَقْبَلَ الذِّئْبُ حَتَّى أَقْعَى مُسْتَغْفِراً بِذَنْبِهِ مُقَابِلًا لِلرَّجُلِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَ مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ (عَزَّ وَ جَلَّ)، حُلْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ شَاةٍ رَزَقَنِيهَا اللَّهُ فَقَالَ الرَّجُلُ: بِاللَّهِ مَا سَمِعْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ. فَقَالَ الذِّئْبُ: مِمَّ تَعْجَبُ قَالَ: أَعْجَبُ مِنْ مُخَاطَبَتِكَ إِيَّايَ. فَقَالَ الذِّئْبُ:

أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ فِي النَّخَلَاتِ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا خَلَا، وَ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا هُوَ آتٍ، وَ أَنْتَ هَاهُنَا تَتْبَعُ غَنَمَكَ.

فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ قَوْلَ الذِّئْبِ سَاقَ غَنَمَهُ يَحُوزُهَا حَتَّى إِذَا أَدْخَلَهَا قُبَاءَ- قَرْيَةَ الْأَنْصَارِ- سَأَلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَصَادَفَهُ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الذِّئْبِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): صَدَقْتَ، احْضُرِ الْعَشِيَّةَ، فَإِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا فَأَخْبِرْهُمْ ذَلِكَ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الظُّهْرَ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ أَخْبَرَهُمُ الْأَسْلَمِيُّ خَبَرَ الذِّئْبِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): صَدَقَ صَدَقَ صَدَقَ، فَتِلْكَ الْأَعَاجِيبُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، أَمَا وَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُوشِكُ الرَّجُلُ أَنْ يَغِيبَ عَنْ أَهْلِهِ الرَّوْحَةَ أَوِ الْغَدْوَةَ فَيُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أَوْ عَصَاهُ أَوْ نَعْلُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ.

17- 17- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّيَّاتُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرُ بْنُ يَحْيَى النَّهْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو

14

إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ثَلَاثَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ تُعَجَّلُ عُقُوبَتُهَا وَ لَا تُؤَخَّرُ إِلَى الْآخِرَةِ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَ الْبَغْيُ عَلَى النَّاسِ، وَ كُفْرُ الْإِحْسَانِ.

18- 18- عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أُسَامَةَ الْبَصْرِيُّ إِجَازَةً، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ سَعْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ، قَالَ:

حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) أَنَّهُ قَالَ: أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وَ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَ هُوَ فِي بَيْتٍ لَهُ جَالِسٌ عَلَى التُّرَابِ وَ عَلَيْهِ خُلْقَانُ الثِّيَابِ، قَالَ: فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ):

فَأَشْفَقْنَا مِنْهُ حِينَ رَأَيْنَاهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِنَا وَ تَغَيُّرَ وُجُوهِنَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَ مُحَمَّداً وَ أَقَرَّ عَيْنِي بِهِ، أَ لَا أُبَشِّرُكُمْ فَقُلْتُ: بَلَى أَيُّهَا الْمَلِكُ. فَقَالَ: إِنَّهُ جَاءَنِي السَّاعَةَ مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ عَيْنٌ مِنْ عُيُونِي هُنَاكَ، وَ أَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَهْلَكَ عَدُوَّهُ، وَ أُسِرَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ، وَ قُتِلَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ، الْتَقَوْا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ" بَدْرٌ"، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَيْثُ كُنْتُ أَرْعَى لِسَيِّدِي هُنَاكَ وَ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ الصَّالِحُ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِساً عَلَى التُّرَابِ وَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْخُلْقَانُ فَقَالَ: يَا جَعْفَرُ، إِنَّا نَجِدُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى عِيسَى (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَنَّ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يُحْدِثُوا لِلَّهِ تَوَاضُعاً عِنْدَ مَا يُحْدِثُ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ، فَلَمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لِي نِعْمَةَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ أَحْدَثْتُ لِلَّهِ هَذَا التَّوَاضُعَ.

قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ذَلِكَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ الصَّدَقَةَ تَزِيدُ صَاحِبَهَا كَثْرَةً فَتَصَدَّقُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ، وَ إِنَّ التَّوَاضُعَ يَزِيدُ صَاحِبَهُ رِفْعَةً فَتَوَاضَعُوا يَرْفَعْكُمُ اللَّهُ، وَ إِنَّ الْعَفْوَ يَزِيدُ صَاحِبَهُ عِزّاً فَاعْفُوا يُعِزَّكُمُ اللَّهُ.

15

19- 19- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) أَنْ يُعَلِّمَنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي الْمُهِمَّاتِ، فَأَخْرَجَ إِلَيَّ أَوْرَاقاً مِنْ صَحِيفَةٍ عَتِيقَةٍ، فَقَالَ: انْتَسِخْ مَا فِيهَا فَهُوَ دُعَاءُ جَدِّي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِلْمُهِمَّاتِ، فَكَتَبْتُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ، فَمَا كَرَبَنِي شَيْءٌ قَطُّ وَ أَهَمَّنِي إِلَّا دَعَوْتُ بِهِ فَفَرَّجَ اللَّهُ هَمِّي وَ كَشَفَ كَرْبِي وَ أَعْطَانِي سُؤْلِي، وَ هُوَ:

" اللَّهُمَّ هَدَيْتَنِي فَلَهَوْتُ، وَ وَعَظْتَ فَقَسَوْتُ، وَ أَبْلَيْتَ الْجَمِيلَ فَعَصَيْتُ، وَ عَرَّفْتَ فَأَصْرَرْتُ ثُمَّ عَرَّفْتَ، فَاسْتَغْفَرْتُ فَأَقَلْتَ، فَعُدْتُ فَسَتَرْتَ.

فَلَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي، تَقَحَّمْتُ أَوْدِيَةَ هَلَاكِي، وَ تَحَلَّلْتُ شِعَابَ تَلَفِي، وَ تَعَرَّضْتُ فِيهَا لِسَطَوَاتِكَ، وَ بِحُلُولِهَا لِعُقُوبَاتِكَ، وَ وَسِيلَتِي إِلَيْكَ التَّوْحِيدُ، وَ ذَرِيعَتِي أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِكَ شَيْئاً، وَ لَمْ أَتَّخِذْ مَعَكَ إِلَهاً، وَ قَدْ فَرَرْتُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِي، وَ إِلَيْكَ يَفِرُّ الْمُسِيءُ وَ أَنْتَ مَفْزَعُ الْمُضَيِّعِ حَظَّ نَفْسِهِ.

فَلَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي، فَكَمْ مِنْ عَدُوٍّ انْتَضَى عَلَيَّ سَيْفَ عَدَاوَتِهِ، وَ شَحَذَ لِي ظُبَاتِ مِدْيَتِهِ، وَ أَرْهَفَ لِي شَبَا حَدِّهِ، وَ دَافَ لِي قَوَاتِلَ سُمُومِهِ، وَ سَدَّدَ نَحْوِي صَوَائِبَ سِهَامِهِ، وَ لَمْ تَنَمْ عَنِّي عَيْنُ حِرَاسَتِهِ، وَ أَضْمَرَ أَنْ يَسُومَنِي الْمَكْرُوهَ، وَ يُجَرِّعَنِي ذُعَافَ مَرَارَتِهِ.

فَنَظَرْتَ يَا إِلَهِي إِلَى ضَعْفِي عَنِ احْتِمَالِ الْفَوَادِحِ، وَ عَجْزِي عَنِ الِانْتِصَارِ مِمَّنْ قَصَدَنِي بِمُحَارَبَتِهِ، وَ وَحْدَتِي فِي كَثِيرِ عَدَدِ مَنْ نَاوَأَنِي، وَ أَرْصَدَ لِيَ الْبَلَاءَ فِيمَا لَمْ أُعْمِلْ فِيهِ فِكْرِي، فَابْتَدَأْتَنِي بِنُصْرَتِكَ، وَ شَدَدْتَ أَزْرِي بِقُوَّتِكَ، ثُمَّ فَلَلْتَ لِي حَدَّهُ، وَ صَيَّرْتَهُ

16

مِنْ بَعْدِ جَمْعٍ وَحْدَهُ، وَ أَعْلَيْتَ كَعْبِي، وَ جَعَلْتَ مَا سَدَّدَهُ مَرْدُوداً عَلَيْهِ، فَرَدَدْتَهُ لَمْ يَشْفِ غَلِيلَهُ، وَ لَمْ تَبْرُدْ حَرَارَةُ غَيْظِهِ، قَدْ عَضَّ عَلَيَّ شَوَاهُ، وَ أَدْبَرَ مُوَلِّياً قَدْ أَخْلَفَتْ سَرَايَاهُ.

وَ كَمْ مِنْ بَاغٍ بَغَانِي بِمَكَايِدِهِ، وَ نَصَبَ لِي أَشْرَاكَ مَصَايِدِهِ، وَ وَكَّلَ بِي تَفَقُّدَ رِعَايَتِهِ، وَ أَضْبَأَ إِلَيَّ إِضْبَاءَ السَّبُعِ لِطَرِيدَتِهِ، انْتِظَاراً لِانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ لِفَرِيسَتِهِ.

فَنَادَيْتُكَ يَا إِلَهِي مُسْتَغِيثاً بِكَ، وَاثِقاً بِسُرْعَةِ إِجَابَتِكَ، عَالِماً أَنَّهُ لَنْ يُضْطَهَدَ مَنْ أَوَى إِلَى ظِلِّ كَنَفِكَ، وَ لَنْ يَفْزَعَ مَنْ لَجَأَ إِلَى مَعَاقِلِ انْتِصَارِكَ، فَحَصَّنْتَنِي مِنْ بَأْسِهِ بِقُدْرَتِكَ.

وَ كَمْ مِنْ سَحَائِبِ مَكْرُوهٍ قَدْ جَلَّيْتَهَا وَ غَوَاشِي كُرُبَاتٍ كَشَفْتَهَا، لَا تُسْأَلُ عَمَّا تَفْعَلْ، وَ قَدْ سُئِلْتَ فَأَعْطَيْتَ، وَ لَمْ تُسْأَلْ فَابْتَدَأْتَ، وَ اسْتُمِيحَ فَضْلُكَ فَمَا أَكْدَيْتَ، أَبَيْتَ إِلَّا إِحْسَاناً، وَ أَبَيْتُ إِلَّا تَقَحُّمَ حُرُمَاتِكَ، وَ تَعَدِّيَ حُدُودِكَ، وَ الْغَفْلَةَ عَنْ وَعِيدِكَ.

فَلَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي مِنْ مُقْتَدِرٍ لَا يُغْلَبُ، وَ ذِي أَنَاةٍ لَا يَعْجَلُ، هَذَا مَقَامُ مَنِ اعْتَرَفَ لَكَ بِالتَّقْصِيرِ، وَ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّضْيِيعِ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِالْمُحَمَّدِيَّةِ الرَّفِيعَةِ، وَ أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِالْعَلَوِيَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ مَا خَلَقْتَ، وَ شَرِّ مَنْ يُرِيدُنِي سُوءاً، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضِيقُ عَلَيْكَ فِي وُجْدِكَ، وَ لَا يَتَكَأَّدُكَ فِي قُدْرَتِكَ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ الْمَعَاصِي مَا أَبْقَيْتَنِي، وَ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ تَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِينِي، وَ ارْزُقْنِي حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي، وَ الْزَمْ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ كَمَا عَلَّمْتَنِي، وَ اجْعَلْنِي أَتْلُوهُ عَلَى مَا يُرْضِيكَ بِهِ عَنِّي، وَ نَوِّرْ بِهِ بَصَرِي، وَ أَوْعِهِ سَمْعِي، وَ اشْرَحْ بِهِ صَدْرِي، وَ فَرِّجْ بِهِ عَنْ قَلْبِي، وَ أَطْلِقْ بِهِ لِسَانِي، وَ اسْتَعْمِلْ بِهِ بَدَنِي، وَ اجْعَلْ فِيَّ مِنَ الْحَوْلِ وَ الْقُوَّةِ مَا يُسَهِّلُ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ.

17

اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَيْلِي وَ نَهَارِي وَ دُنْيَايَ وَ آخِرَتِي وَ مُنْقَلَبِي وَ مَثْوَايَ عَافِيَةً مِنْكَ وَ مُعَافَاةً وَ بَرَكَةً مِنْكَ.

اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي وَ مَوْلَايَ، وَ سَيِّدِي وَ أَمَلِي وَ إِلَهِي، وَ غِيَاثِي وَ سَنَدِي، وَ خَالِقِي وَ نَاصِرِي، وَ ثِقَتِي وَ رَجَائِي، لَكَ مَحْيَايَ وَ مَمَاتِي، وَ لَكَ سَمْعِي وَ بَصَرِي، وَ بِيَدِكَ رِزْقِي، وَ إِلَيْكَ أَمْرِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، مَلَكْتَنِي بِقُدْرَتِكَ وَ قَدَرْتَ عَلَيَّ بِسُلْطَانِكَ، لَكَ الْقُدْرَةُ فِي أَمْرِي، وَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، لَا يَحُولُ أَحَدٌ دُونَ رِضَاكَ، بِرَأْفَتِكَ أَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَ بِرَحْمَتِكَ أَرْجُو رِضْوَانَكَ، لَا أَرْجُو ذَلِكَ بِعَمَلِي، فَقَدْ عَجَزَ عَنِّي عَمَلِي، فَكَيْفَ أَرْجُو مَا قَدْ عَجَزَ عَنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ فَاقَتِي وَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَ إِفْرَاطِي فِي أَمْرِي، وَ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِي، وَ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، فَاكْفِنِي ذَلِكَ كُلَّهُ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ رُفَقَاءِ مُحَمَّدٍ حَبِيبِكَ وَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ، وَ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ مِنْ الْآمِنِينَ، فَآمِنِّي وَ بِبِشَارَتِكَ فَبَشِّرْنِي، وَ بِإِظْلَالِكَ فَأَظِلَّنِي، وَ بِمَفَازَةٍ مِنَ النَّارِ فَنَجِّنِي، وَ لَا تُمِسَّنِي السَّوْءَ وَ لَا تُخْزِنِي، وَ مِنَ الدُّنْيَا فَسَلِّمْنِي، وَ حُجَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَقِّنِّي، وَ بِذِكْرِكَ فَذَكِّرْنِي، وَ لِلْيُسْرَى فَيَسِّرْنِي، وَ لِلْعُسْرَى فَجَنِّبِنِي، وَ الصَّلَاةَ وَ الزَّكَاةَ مَا دُمْتُ حَيّاً فَأَلْهِمْنِي، وَ لِعِبَادَتِكَ فَوَفِّقْنِي، وَ فِي الْفِقْهِ وَ فِي مَرْضَاتِكَ فَاسْتَعْمِلْنِي، وَ مِنْ فَضْلِكَ فَارْزُقْنِي، وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَيِّضْ وَجْهِي، وَ حِسَاباً يَسِيراً فَحَاسِبْنِي، وَ بِقَبِيحِ عَمَلِي فَلَا تَفْضَحْنِي، وَ بِهُدَاكَ فَاهْدِنِي، وَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الْآخِرَةِ فَثَبِّتْنِي، وَ مَا أَحْبَبْتَ فَحَبِّبْهُ إِلَيَّ، وَ مَا كَرِهْتَ فَبَغِّضْهُ إِلَيَّ، وَ مَا أَهَمَّنِي مِنَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَاكْفِنِي، وَ فِي صَلَاتِي وَ صِيَامِي وَ دُعَائِي وَ نُسُكِي وَ شُكْرِي وَ دُنْيَايَ وَ آخِرَتِي فَبَارِكْ لِي، وَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ فَابْعَثْنِي، وَ سُلْطَاناً نَصِيراً فَاجْعَلْ لِي، وَ ظُلْمِي وَ جُرْمِي وَ إِسْرَافِي فِي أَمْرِي فَتَجَاوَزْ عَنِّي، وَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَ الْمَمَاتِ فَخَلِّصْنِي، وَ مِنَ الْفَوَاحِشِ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ فَنَجِّنِي، وَ مِنْ أَوْلِيَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَاجْعَلْنِي، وَ أَدِمْ لِي صَالِحَ الَّذِي آتَيْتَنِي، وَ بِالْحَلَالِ عَنِ الْحَرَامِ فَأَغْنِنِي، وَ بِالطَّيِّبِ عَنِ الْخَبِيثِ فَاكْفِنِي، أَقْبِلْ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ إِلَيَّ وَ لَا تَصْرِفْهُ عَنِّي، وَ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ فَاهْدِنِي، وَ لِمَا تُحِبُّ وَ تَرْضَى فَوَفِّقْنِي.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّيَاءِ وَ السُّمْعَةِ، وَ الْكِبْرِيَاءِ وَ التَّعَظُّمِ، وَ الْخُيَلَاءِ وَ الْفَخْرِ

18

وَ الْبَذَخِ وَ الْأَشَرِ وَ الْبَطَرِ وَ الْإِعْجَابِ بِنَفْسِي وَ الْجَبَرِيَّةِ رَبِّ فَنَجِّنِي، رَبِّ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَ الْعَجْزِ وَ الشُّحِّ وَ الْحَسَدِ وَ الْحِرْصِ وَ الْمُنَافَسَةِ وَ الْغِشِّ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الطَّمَعِ وَ الطَّبَعِ وَ الْهَلَعِ وَ الْجَزَعِ وَ الزَّيْغِ وَ الْقَمْعِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَغْيِ وَ الظُّلْمِ وَ الِاعْتِدَاءِ وَ الْفَسَادِ وَ الْفُجُورِ وَ الْفُسُوقِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ وَ الْعُدْوَانِ وَ الطُّغْيَانِ، رَبِّ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَ الْقَطِيعَةِ وَ السَّيِّئَةِ وَ الْفَوَاحِشِ وَ الذُّنُوبِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْإِثْمِ وَ الْمَأْثَمِ وَ الْحَرَامِ وَ الْمُحَرَّمِ وَ الْخَبِيثِ وَ كُلِّ مَا لَا تُحِبُّ، رَبِّ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ بَغْيِهِ وَ ظُلْمِهِ وَ عُدْوَانِهِ وَ شَرِكِهِ وَ زَبَانِيَتِهِ وَ جُنْدِهِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقْتَ مِنْ دَابَّةٍ وَ هَامَّةٍ أَوْ جِنٍّ أَوْ إِنْسٍ مِمَّا يَتَحَرَّكُ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ كَاهِنٍ وَ سَاحِرٍ وَ زَاكِنٍ وَ نَافِثٍ وَ رَاقٍ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ وَ طَاغٍ وَ بَاغٍ وَ نَافِسٍ وَ ظَالِمٍ وَ مُعْتَدٍ وَ جَائِرٍ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ وَ الْبَرَصِ وَ الْجُذَامِ وَ الشَّكِّ وَ الرَّيْبِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَ الْفَشَلِ وَ الْعَجْزِ وَ التَّفْرِيطِ وَ الْعَجَلَةِ وَ التَّضْيِيعِ وَ التَّقْصِيرِ وَ الْإِبْطَاءِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقْتَ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى، رَبِّ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَ الْحَاجَةِ وَ الْمَسْكَنَةِ وَ الضَّيْقَةِ وَ الْعَائِلَةِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَيْلَةِ وَ الذِّلَّةِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضِّيقِ وَ الشِدَّةِ وَ الْقَيْدِ وَ الْحَبْسِ وَ الْوَثَاقِ وَ السُّجُونِ وَ الْبَلَاءِ وَ كُلِّ مُصِيبَةٍ لَا صَبْرَ لِي عَلَيْهَا، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعْطِنَا كُلَّ الَّذِي سَأَلْنَاكَ وَ زِدْنَا مِنْ فَضْلِكَ عَلَى قَدْرِ جَلَالِكَ وَ عَظَمَتِكَ بِحَقِّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".

20- 20- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَبْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي هَمَّامُ بْنُ

19

نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مِينَا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا مِينَا، أَ لَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) قُلْتُ: بَلَى. قَالَ:

سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَنَا شَجَرَةٌ، وَ فَاطِمَةُ فَرْعُهَا، وَ عَلِيٌّ لِقَاحُهَا، وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ثَمَرُهَا، وَ مُحِبُّوهُمْ مِنْ أُمَّتِي وَرَقُهَا.

21- 21- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَنْبَرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَ" الْحَمْدُ لِلَّهِ" يَمْلَؤُهُ.

22- 22- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ إِجَازَةً، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَكِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مِينَا، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: أَنَّ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ اعْتَرَضُوا لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنْهُمْ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْتَعْبُدْ مَا نَعْبُدُ فَنَعْبُدَ مَا تَعْبُدُ فَنَشْرَكَ نَحْنُ وَ أَنْتَ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ يَكُنِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَقَدْ أَخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ، وَ إِنْ يَكُنِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْحَقَّ فَقَدْ أَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (تَبَارَكَ وَ تَعَالَى): قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. ثُمَّ مَشَى أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ فَفَتَّهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ نَفَخَهُ، وَ قَالَ: أَ تَزْعُمُ أَنَّ رَبَّكَ يُحْيِي هَذَا بَعْدَ مَا تَرَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ (تَعَالَى): وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ

20

خَلْقٍ عَلِيمٌ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.

23- 23- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ مَاجِيلَوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ، عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ قَدْ صَلَّيْنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَمَشَى حَتَّى خَرَجَ إِلَى ظَهْرِ الْكُوفَةِ وَ لَا يُكَلِّمُنِي بِكَلِمَةٍ، فَلَمَّا أَصْحَرَ تَنَفَّسَ، ثُمَّ قَالَ:

يَا كُمَيْلُ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، احْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ، النَّاسُ ثَلَاثَةٌ:

عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ.

يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَ أَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَ الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَ الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ.

يَا كُمَيْلُ، صُحْبَةُ الْعَالِمِ دِينٌ يُدَانُ اللَّهُ بِهِ، تُكْسِبُهُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَ جَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.

يَا كُمَيْلُ، مَنْفَعَةُ الْمَالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ. يَا كُمَيْلُ، مَاتَ خُزَّانُ الْمَالِ وَ الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَ أَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، هَاهْ هَاهْ إِنَّ هَاهُنَا- وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ- لَعِلْماً جَمّاً لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى أَصَبْتُ لَهُ لَقِناً غَيْرَ مَأْمُونٍ، يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ فِي الدُّنْيَا، وَ يَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَ بِنِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، لِيَتَّخِذَهُ الضُّعَفَاءُ وَلِيجَةً دُونَ وَلِيِّ الْحَقِّ، أَوْ مُنْقَاداً لِلْحِكْمَةِ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَقْدَحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ لِشُبْهَةٍ، أَلَا لَا ذَا وَ لَا ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوماً بِاللَّذَّاتِ، سَلِسَ الْقِيَادِ بِالشَّهَوَاتِ، أَوْ مُغْرًى بِالْجَمْعِ وَ الِادِّخَارِ، لَيْسَ مِنْ رُعَاةِ الدِّينِ، أَقْرَبُ شَبَهاً بِهَؤُلَاءِ

21

الْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ.

اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ، ظَاهِراً مَشْهُوراً، أَوْ مُسْتَتِراً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَ بَيِّنَاتُهُ، وَ أَيْنَ أُولَئِكَ وَ اللَّهِ الْأَقَلُّونَ عَدَداً الْأَعْظَمُونَ خَطَراً، بِهِمْ يَحْفَظُ اللَّهُ حُجَجَهُ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ وَ يَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمْ الْعِلْمُ عَلَى حَقَائِقِ الْأُمُورِ، فَبَاشَرُوا أَرْوَاحَ الْيَقِينِ، وَ اسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ الدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ. آهْ آهْ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ، وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ. ثُمَّ نَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي وَ قَالَ: انْصَرِفْ إِذَا شِئْتَ.

24- 24- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ بِنَا يَخْتِمُ اللَّهُ الدِّينَ كَمَا بِنَا فَتَحَهُ، وَ بِنَا يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ وَ الْبَغْضَاءِ.

25- 25- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: طُوبَى لِمَنْ لَمْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً، طُوبَى لِلْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ.

26- 26- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ زَنْجَلَةَ الرَّازِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ لَكُمْ أَنْ يُعَلِّمَ جَاهِلَكُمْ، وَ أَنْ يُثَبِّتَ قَائِمَكُمْ، وَ أَنْ يَهْدِيَ ضَالَّكُمْ، وَ أَنْ يَجْعَلَكُمْ نُجَدَاءَ جُوَدَاءَ رُحَمَاءَ، أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا صَفَّ قَدَمَيْهِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ مُصَلِّياً فَلَقِيَ اللَّهَ بِبُغْضِكُمْ

22

أَهْلَ الْبَيْتِ دَخَلَ النَّارَ.

27- 27- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ الصَّالِحُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ الْعَلَوِيُّ الْحُسَيْنِيُّ الطَّبَرِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَيْدٍ الْكُوفِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الطَّبَرِيِّ، قَالَ: كُنْتُ قَائِماً عَلَى رَأْسِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) بِخُرَاسَانَ وَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: يَا إِسْحَاقُ، بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ النَّاسَ عَبِيدٌ لَنَا، لَا وَ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا قُلْتُهُ قَطُّ، وَ لَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ آبَائِي، وَ لَا بَلَغَنِي عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَهُ، لَكِنَّا نَقُولُ: النَّاسُ عَبِيدٌ لَنَا فِي الطَّاعَةِ، مَوَالٍ لَنَا فِي الدِّينِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.

28- 28- وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَتَكَلَّمُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ فَقَالَ: أَوَّلُ عِبَادَةِ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، وَ أَصْلُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ (جَلَّ اسْمُهُ) تَوْحِيدُهُ، وَ نِظَامُ تَوْحِيدِهِ نَفْيُ التَّحْدِيدِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ الْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ مَحْدُودٍ مَخْلُوقٌ، وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَنَّ لَهُ خَالِقاً لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْحَدَثِ هُوَ الْقَدِيمُ فِي الْأَزَلِ.

فَلَيْسَ اللَّهَ عَبَدَ مَنْ نَعَتَ ذَاتَهُ، وَ لَا إِيَّاهُ وَحَّدَ مَنِ اكْتَنَهَهُ، وَ لَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَ لَا بِهِ صَدَّقَ مَنْ نَهَّاهُ، وَ لَا صَمَدَ صَمْدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَ لَا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَ لَا لَهُ عَرَفَ مَنْ بَعَّضَهُ، وَ لَا إِيَّاهُ أَرَادَ مَنْ تَوَهَّمَهُ، كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ، وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ، بِصُنْعِ اللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وَ بِالْعُقُولِ تُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ، وَ بِالْفِطْرِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ.

خَلَقَ اللَّهُ (تَعَالَى) الْخَلْقَ حِجَابَ بَيْنِهِ وَ بَيْنِهِمْ، وَ مُبَايَنَتُهُ إِيَّاهُمْ مُفَارَقَتُهُ إِنِّيَّتَهُمْ، وَ ابْتِدَاؤُهُ لَهُمْ دَلِيلُهُمْ عَلَى أَنْ لَا ابْتِدَاءَ لَهُ، لِعَجْزِ كُلِّ مُبْتَدَإٍ مِنْهُمْ عَنِ ابْتِدَاءِ مِثْلِهِ، فَأَسْمَاؤُه (تَعَالَى) تَعْبِيرٌ، وَ أَفْعَالُهُ (سُبْحَانَهُ) تَفْهِيمٌ.

23

قَدْ جَهِلَ اللَّهَ مَنْ حَدَّهُ، وَ قَدْ تَعَدَّاهُ مَنِ اشْتَمَلَهُ، وَ قَدْ أَخْطَأَهُ مَنِ اكْتَنَهَهُ، وَ مَنْ قَالَ:

" كَيْفَ هُوَ" فَقَدْ شَبَّهَهُ، وَ مَنْ قَالَ فِيهِ:" لِمَ" فَقَدْ عَلَّلَهُ، وَ مَنْ قَالَ:" مَتَى" فَقَدْ وَقَّتَهُ، وَ مَنْ قَالَ:" فِيمَ" فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَ مَنْ قَالَ:" إِلَامَ" فَقَدْ نَهَّاهُ، وَ مَنْ قَالَ:" حَتَّامَ" فَقَدْ غَيَّاهُ، وَ مَنْ غَيَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ أَلْحَدَ فِيهِ.

لَا يَتَغَيَّرُ اللَّهُ بِتَغَيُّرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَ لَا يَتَحَدَّدُ بِتَحَدُّدِ الْمَحْدُودِ، وَاحِدٌ لَا بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ، ظَاهِرٌ لَا بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ، مُتَجَلٍّ لَا بِاسْتِهْلَالِ رُؤْيَةٍ، بَاطِنٌ لَا بِمُزَايَلَةٍ، مُبَايِنٌ لَا بِمَسَافَةٍ، قَرِيبٌ لَا بِمُدَانَاةٍ، لَطِيفٌ لَا بِتَجَسُّمٍ، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ، فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَارٍ، مُقَدِّرٌ لَا بِفِكْرَةٍ، مُدَبِّرٌ لَا بِحَرَكَةٍ، مُرِيدٌ لَا بِعَزِيمَةٍ، شَاءٍ لَا بِهِمَّةٍ، مُدْرِكٌ لَا بِحَاسَّةٍ، سَمِيعٌ لَا بِآلَةٍ، بَصِيرٌ لَا بِأَدَاةٍ، لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ، وَ لَا تَضُمُّهُ الْأَمَاكِنُ، وَ لَا تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ، وَ لَا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ، وَ لَا تُقَيِّدُهُ الْأَدَوَاتُ.

سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ، وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ، وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ، بِخَلْقِهِ الْأَشْبَاهَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا شِبْهَ لَهُ، وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُلِمَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ، وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ.

ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَ الصِّرَّ بِالْحَرِّ، مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَاقِبَاتِهَا، مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا، بِتَفْرِيقِهَا دَلَّ عَلَى مُفَرِّقِهَا، وَ بِتَأْلِيفِهَا دَلَّ عَلَى مُؤَلِّفِهَا، قَالَ اللَّهُ (تَعَالَى): وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ إِذْ لَا مَرْبُوبَ، وَ حَقِيقَةُ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ لَا مَأْلُوهَ، وَ مَعْنَى الْعَالِمِ وَ لَا مَعْلُومَ، لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ اسْتَحَقَّ مَعْنَى الْخَالِقِ، وَ لَا مِنْ حَيْثُ أَحْدَثَ اسْتَفَادَ مَعْنَى الْمُحْدِثِ، لَا يُغَيِّبُهُ مُنْذُ، وَ لَا يُدْنِيهِ قَدْ، وَ لَا يَحْجُبُهُ لَعَلَّ، وَ لَا يُوَقِّتُهُ مَتَى، وَ لَا يَشْتَمِلُهُ حِينٌ، وَ لَا يُقَارِنُهُ مَعَ،- كُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ مِنْ أَثَرٍ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي خَالِقِهِ، وَ كُلُّ مَا أَمْكَنَ فِيهِ مُمْتَنِعٌ مِنْ صَانِعِهِ، لَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَ السُّكُونُ، كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، أَوْ

24

يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ ابْتَدَاهُ إِذَنْ لَتَفَاوَتَتْ دَلَالَتُهُ، وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ، وَ لَمَا كَانَ لِلْبَارِئِ مَعْنًى غَيْرُ الْمُبْرَإِ.

لَوْ حُدَّ لَهُ وَرَاءٌ لَحُدَّ لَهُ أَمَامٌ، وَ لَوِ الْتُمِسَ لَهُ التَّمَامُ لَلَزِمَهُ النُّقْصَانُ، كَيْفَ يَسْتَحِقُّ الْأَزَلَ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْحَدَثِ، وَ كَيْفَ يُنْشِئُ الْأَشْيَاءَ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الْإِنْشَاءِ لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَعَانِي لَقَامَتْ فِيهِ آيَةُ الْمَصْنُوعِ، وَ لَتَحَوَّلَ عَنْ كَوْنِهِ دَالًّا إِلَى كَوْنِهِ مَدْلُولًا عَلَيْهِ، لَيْسَ فِي مَجَالِ الْقَوْلِ حُجَّةٌ، وَ لَا فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْهُ جَوَابٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ.

29- 29- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو غَالِبٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّرَارِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِي أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّزَّازُ الْقُرَشِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عَنْ آبَائِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَقُولُ اللَّهُ (تَعَالَى): الْمَعْرُوفُ هَدِيَّةٌ مِنِّي إِلَى عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنْ قَبِلَهَا مِنِّي فَبِرَحْمَتِي وَ مِنِّي، وَ إِنْ رَدَّهَا فَبِذَنْبِهِ حُرِمَهَا وَ مِنْهُ لَا مِنِّي، وَ أَيُّمَا عَبْدٍ خَلَقْتُهُ فَهَدَيْتُهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ حَسَّنْتُ خُلُقَهُ، وَ لَمْ أَبْتَلِهِ بِالْبُخْلِ، فَإِنِّي أُرِيدُ بِهِ خَيْراً.

30- 30- عَنْهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ الْمَرَاغِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ الْغَزَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْأَحْمَسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ- يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ- يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ: فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، مَنْ سَرَّهَا فَقَدْ سَرَّنِي، وَ مَنْ سَاءَهَا فَقَدْ سَاءَنِي، فَاطِمَةُ أَعَزُّ الْبَرِيَّةِ عَلَيَّ.

31- 31- حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنِي

25

أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا وَلَّى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ مِصْرَ وَ أَعْمَالَهَا كَتَبَ لَهُ كِتَاباً، وَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَ لِيَعْمَلَ بِمَا وَصَّاهُ بِهِ فِيهِ، وَ كَانَ الْكِتَابُ:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ فِيمَا أَنْتُمْ عَنْهُ مَسْئُولُونَ وَ إِلَيْهِ تَصِيرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَ يَقُولُ: وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ وَ يَقُولُ: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ.

فَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَائِلُكُمْ عَنِ الصَّغِيرِ مِنْ عَمَلِكُمْ وَ الْكَبِيرِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَنَحْنُ أَظْلَمُ، وَ إِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَ الرَّحْمَةِ حِينَ يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ وَ يَنْصَحُهُ بِالتَّوْبَةِ، عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الْخَيْرَ وَ لَا خَيْرَ غَيْرُهَا، وَ يُدْرَكُ بِهَا مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا يُدْرَكُ بِغَيْرِهَا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَ خَيْرِ الْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ): وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ.

اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ لِثَلَاثٍ مِنَ الثَّوَابِ: إِمَّا لِخَيْرِ [الدُّنْيَا] فَإِنَّ اللَّهَ

26

يُثِيبُهُ بِعَمَلِهِ فِي دُنْيَاهُ، قَالَ اللَّهُ (سُبْحَانَهُ) لِإِبْرَاهِيمَ: وَ آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ فَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ كَفَاهُ الْمُهِمَّ فِيهِمَا، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ (تَعَالَى): يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُحَاسِبْهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ وَ الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ وَ الزِّيَادَةُ هِيَ الدُّنْيَا، [وَ إِمَّا لِخَيْرِ الْآخِرَةِ] فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَفِّرُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ سَيِّئَةً، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ حُسِبَتْ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً وَ قَالَ: فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَ هُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ فَارْغَبُوا فِي هَذَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ وَ اعْمَلُوا لَهُ وَ تَحَاضُّوا عَلَيْهِ.

وَ اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ حَازُوا عَاجِلَ الْخَيْرِ وَ آجِلَهُ، شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ، أَبَاحَهُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَفَاهُمْ بِهِ وَ أَغْنَاهُمْ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ فَأَكَلُوا مَعَهُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا يَأْكُلُونَ، وَ شَرِبُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا

27

يَشْرَبُونَ، وَ لَبِسُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَلْبَسُونَ، وَ سَكَنُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَسْكُنُونَ، وَ تَزَوَّجُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَتَزَوَّجُونَ، وَ رَكِبُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَرْكَبُونَ، أَصَابُوا لَذَّةَ الدُّنْيَا مَعَ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَ هُمْ غَداً جِيرَانُ اللَّهِ تَعَالَى، يَتَمَنَّوْنَ عَلَيْهِ فَيُعْطِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ، لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَ لَا يُنْقَصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اللَّذَّةِ، فَإِلَى هَذَا يَا عِبَادَ اللَّهِ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وَ يَعْمَلُ لَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنِ اتَّقَيْتُمْ وَ حَفِظْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ عَبَدْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا عُبِدَ، وَ ذَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا ذُكِرَ، وَ شَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا شُكِرَ، وَ أَخَذْتُمْ بِأَفْضَلِ الصَّبْرِ وَ الشُّكْرِ، وَ اجْتَهَدْتُمْ أَفْضَلَ الِاجْتِهَادِ، وَ إِنْ كَانَ غَيْرُكُمْ أَطْوَلَ مِنْكُمْ صَلَاةً وَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ صِيَاماً فَأَنْتُمْ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ، وَ أَنْصَحُ لِأُولِي الْأَمْرِ.

احْذَرُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ الْمَوْتَ وَ سَكْرَتَهُ، فَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَفْجَأُكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، بِخَيْرٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، أَوْ بِشَرٍّ لَا يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً، فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا، وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُفَارِقُ رُوحُهُ جَسَدَهُ حَتَّى يَعْلَمَ إِلَى أَيِّ الْمَنْزِلَيْنِ يَصِيرُ: إِلَى الْجَنَّةِ أَمِ النَّارِ، أَ عَدُوٌّ هُوَ لِلَّهِ أَمْ وَلِيٌّ فَإِنْ كَانَ وَلِيّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَ شُرِعَتْ لَهُ طُرُقُهَا، وَ رَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، فَفَزِعَ مِنْ كُلِّ شُغُلٍ، وَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ ثِقْلٍ، وَ إِنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ النَّارِ، وَ شُرِعَ لَهُ طُرُقُهَا، وَ نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، فَاسْتَقْبَلَ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَ تَرَكَ كُلَّ سُرُورٍ، كُلُّ هَذَا يَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَ عِنْدَهُ يَكُونُ الْيَقِينُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» وَ يَقُولُ: «الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ».

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ مِنْهُ فَوْتٌ، فَاحْذَرُوهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ،

28

فَإِنَّكُمْ طَرْدُ الْمَوْتِ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ، الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَ الدُّنْيَا تُطْوَى خَلْفَكُمْ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ عِنْدَ مَا تُنَازِعُكُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُكُمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظاً، وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَثِيراً مَا يُوصِي أَصْحَابَهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ، فَيَقُولُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ، حَائِلٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الشَّهَوَاتِ.

يَا عِبَادَ اللَّهِ، مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ أَشَدُّ مِنَ الْمَوْتِ: الْقَبْرَ، فَاحْذَرُوا ضِيقَهُ وَ ضَنْكَهُ وَ ظُلْمَتَهُ وَ غُرْبَتَهُ، إِنَّ الْقَبْرَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، أَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ وَ الْهَوَامِّ، وَ الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ، مَرْحَباً وَ أَهْلًا، لَقَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِي، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صُنْعِي بِكَ، فَتَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ الْبَصَرِ. وَ إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ الْأَرْضُ: لَا مَرْحَباً وَ لَا أَهْلًا، لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَبْغَضِ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صُنْعِي بِكَ، فَتَضُمُّهُ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلَاعُهُ.

وَ إِنَّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ الَّتِي حَذَّرَ اللَّهُ مِنْهَا عَدُوَّهُ عَذَابُ الْقَبْرِ، إِنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ تِنِّيناً، فَيَنْهَشْنَ لَحْمَهُ، وَ يَكْسِرْنَ عَظْمَهُ، وَ يَتَرَدَّدْنَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ، لَوْ أَنَّ تِنِّيناً مِنْهَا نَفَخَ فِي الْأَرْضِ لَمْ تُنْبِتْ زَرْعاً أَبَداً.

اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ أَنْفُسَكُمُ الضَّعِيفَةَ، وَ أَجْسَادَكُمُ النَّاعِمَةَ الرَّقِيقَةَ الَّتِي يَكْفِيهَا الْيَسِيرُ تَضْعُفُ عَنْ هَذَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَجْزَعُوا لِأَجْسَادِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ وَ لَا صَبْرَ لَكُمْ عَلَيْهِ، فَاعْمَلُوا بِمَا أَحَبَّ اللَّهُ وَ اتْرُكُوا مَا كَرِهَ اللَّهُ.

يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ بَعْدَ الْبَعْثِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْقَبْرِ، يَوْمٌ يَشِيبُ فِيهِ الصَّغِيرُ، وَ يَسْكَرُ مِنْهُ الْكَبِيرُ، وَ يَسْقُطُ فِيهِ الْجَنِينُ، وَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ، وَ يَوْمٌ كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. إِنَّ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَيُرْهِبُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ لَا ذَنْبَ لَهُمْ، وَ تُرْعَدُ مِنْهُ السَّبْعُ الشِّدَادُ، وَ الْجِبَالُ الْأَوْتَادُ، وَ الْأَرْضُ الْمِهَادُ، وَ تَنْشَقُّ السَّمَاءُ فَهِيَ

29

يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَ تَتَغَيَّرُ فَكَأَنَّهَا وَرْدَةٌ كَالدِّهانِ، وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا بَعْدَ مَا كَانَتْ صُمّاً صِلَاباً، وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَفْزَعُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّا مَنْ شاءَ اللّهُ، فَكَيْفَ مَنْ عَصَى بِالسَّمْعِ وَ الْبَصَرِ وَ اللِّسَانِ وَ الْيَدِ وَ الرِّجْلِ وَ الْفَرْجِ وَ الْبَطْنِ، إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ وَ يَرْحَمْهُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ يَقْضِي وَ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَى نَارٍ قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ، وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ، وَ مَقَامِعُهَا حَدِيدٌ، لَا يَفْتُرُ عَذَابُهَا وَ لَا يَمُوتُ سَاكِنُهَا، دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَ لَا يُسْمَعُ لِأَهْلِهَا دَعْوَةٌ.

وَ اعْلَمُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ مَعَ هَذَا رَحْمَةَ اللَّهِ الَّتِي لَا تُعْجِزُ الْعِبَادَ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، لَا يَكُونُ مَعَهَا شَرٌّ أَبَداً، لَذَّاتُهَا لَا تُمِلُّ، وَ مُجْتَمِعُهَا لَا يَتَفَرَّقُ، وَ سُكَّانُهَا قَدْ جَاوَرُوا الرَّحْمَنَ، وَ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ الْغِلْمَانُ، بِصِحَافٍ مِنَ الذَّهَبِ فِيهَا الْفَاكِهَةُ وَ الرَّيْحَانُ.

ثُمَّ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي، أَهْلَ مِصْرَ، فَإِذَا وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ فَأَنْتَ حَقِيقٌ أَنْ تَخَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ وَ أَنْ تَحْذَرَ فِيهِ عَلَى دِينِكَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تُسْخِطَ رَبَّكَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَافْعَلْ، فَإِنَّ فِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ سِوَاهُ خَلَفٌ مِنْهُ، اشْتَدِّ عَلَى الظَّالِمِ وَ خُذْ عَلَيْهِ، وَ لِنْ لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَ قَرِّبْهُمْ، وَ اجْعَلْهُمْ بِطَانَتَكَ وَ أَقْرَانَكَ، وَ انْظُرْ إِلَى صَلَاتِكَ كَيْفَ هِيَ، فَإِنَّكَ إِمَامٌ لِقَوْمِكَ [يَنْبَغِي لَكَ] أَنْ تُتِمَّهَا وَ لَا تُخَفِّفَهَا، فَلَيْسَ مِنْ إِمَامٍ يُصَلِّي بِقَوْمٍ يَكُونُ فِي صَلَاتِهِمْ نُقْصَانٌ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِ، لَا يُنْقَصُ مِنْ صَلَاتِهِمْ شَيْءٌ، وَ تَمِّمْهَا وَ تَحَفَّظْ فِيهَا، يَكُنْ لَكَ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، وَ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئاً.

وَ انْظُرْ إِلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ، تَمَضْمَضْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَ اسْتَنْشِقْ ثَلَاثاً، وَ اغْسِلْ وَجْهَكَ ثُمَّ يَدَكَ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثُمَّ امْسَحْ رَأْسَكَ وَ رِجْلَيْكَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَ اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ نِصْفُ الْإِيمَانِ.

ثُمَّ ارْتَقِبْ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَصَلِّهَا لِوَقْتِهَا، وَ لَا تَعْجَلْ بِهَا قَبْلَهُ لِفَرَاغٍ، وَ لَا تُؤَخِّرْهَا

30

عَنْهُ لِشُغُلٍ، فَإِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَتَانِي جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَأَرَانِي وَقْتَ الصَّلَاةِ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ أَرَانِي وَقْتَ الْعَصْرِ فَكَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ فَأَغْلَسَ بِهَا وَ النُّجُومُ مُشْتَبِكَةٌ، فَصَلِّ لِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَ الْزَمِ السُّنَّةَ الْمَعْرُوفَةَ وَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَةَ، ثُمَّ انْظُرْ رُكُوعَكَ وَ سُجُودَكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ أَتَمَّ النَّاسِ صَلَاةً، وَ أَحَقَّهُمْ عَمَلًا بِهَا.

وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلَاتِكَ، فَمَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ فَإِنَّهُ لِغَيْرِهَا أَضْيَعُ. أَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي يَرَى وَ لَا يُرَى، وَ هُوَ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكَ مِمَّنْ يُحِبُّ وَ يَرْضَى حَتَّى يُعِينَنَا وَ إِيَّاكَ عَلَى شُكْرِهِ وَ ذِكْرِهِ، وَ حُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَ أَدَاءِ حَقِّهِ، وَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ اخْتَارَ لَنَا فِي دُنْيَانَا وَ دِينِنَا وَ آخِرَتِنَا.

وَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ مِصْرَ، فَلْيُصَدِّقْ قَوْلَكُمْ فِعْلُكُمْ، وَ سَرَّكُمْ عَلَانِيَتُكُمْ، وَ لَا تُخَالِفْ أَلْسِنَتُكُمْ قُلُوبَكُمْ.

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَسْتَوِي إِمَامُ الْهُدَى وَ إِمَامُ الرَّدَى، وَ وَصِيُّ النَّبِيِّ وَ عَدُوُّهُ، إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مُؤْمِناً وَ لَا مُشْرِكاً، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اللَّهُ بِإِيمَانِهِ، وَ أَمَّا الْمُشْرِكُ فَيَحْجُزُهُ اللَّهُ عَنْكُمْ بِشِرْكِهِ، وَ لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْمُنَافِقَ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ يَعْمَلُ بِمَا تُنْكِرُونَ.

يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْفِقْهِ الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، وَ إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَ عَلَانِيَتِكُمْ وَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كُنْتَ عَلَيْهَا، الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَ دَارُ فَنَاءٍ، وَ الْآخِرَةُ دَارُ الْجَزَاءِ وَ دَارُ الْبَقَاءِ، فَاعْمَلْ لِمَا يَبْقَى وَ اعْدِلْ عَمَّا يَفْنَى، وَ لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا.

أُوصِيكَ بِسَبْعٍ هُنَّ مِنْ جَوَامِعِ الْإِسْلَامِ: تَخْشَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا تَخْشَ النَّاسَ فِي اللَّهِ، وَ خَيْرُ الْقَوْلِ مَا صَدَّقَهُ الْعَمَلُ، وَ لَا تَقْضِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِقَضَاءَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيَخْتَلِفَ أَمْرُكَ وَ تَزِيغَ عَنِ الْحَقِّ، وَ أَحِبَّ لِعَامَّةِ رَعِيَّتِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَ اكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْجَبُ لِلْحُجَّةِ وَ أَصْلَحُ لِلرَّعِيَّةِ،

31

وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ، وَ لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَ انْصَحِ الْمَرْءَ إِذَا اسْتَشَارَكَ، وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ أُسْوَةً لِقَرِيبِ الْمُؤْمِنِينَ وَ بَعِيدِهِمْ.

جَعَلَ اللَّهُ مَوَدَّتَنَا فِي الدِّينِ، وَ خُلَّتَنَا وَ إِيَّاكُمْ خُلَّةَ الْمُتَّقِينَ، وَ أَبْقَى لَكُمْ طَاعَتَكُمْ، حَتَّى يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ بِهَا إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ.

أَحْسِنُوا أَهْلَ مِصْرَ مُؤَازَرَةَ مُحَمَّدٍ أَمِيرِكُمْ، وَ اثْبُتُوا عَلَى طَاعَتِكُمْ، تَرِدُوا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ عَلَى مَا يُرْضِيهِ، وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

تم المجلس الأول، و يتلوه المجلس الثاني من أمالي الشيخ السعيد أبي جعفر محمد بن الحسين بن علي الطوسي (رحمه الله).

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

[2] المجلس الثاني

فِيهِ بَقِيَّةُ أَحَادِيثِ الشَّيْخِ الْمُفِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ.

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

32- 1- أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ:

أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ النَّيْشَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ بُرْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَصْقَعِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ، فَيَعَافُهُ اللَّهُ وَ يَبْتَلِيكَ.

33- 2- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ كُلَيْبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) يَقُولُ: أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى دِينِ اللَّهِ وَ مَلَائِكَتِهِ، فَأَعِينُونَا عَلَى ذَلِكَ بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ، عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ وَ الْعِبَادَةِ، عَلَيْكُمْ بِالْوَرَعِ.

34- 3- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ الْمَرَاغِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَبِّحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:

34

حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مَسْرُوقٍ الْأَجْدَعِ، فَإِذَا عِنْدَهُ ضَيْفٌ لَهُ لَا نَعْرِفُهُ وَ هُمَا يَطْعَمَانِ مِنْ طَعَامٍ لَهُمَا، فَقَالَ الضَّيْفُ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِحُنَيْنٍ، فَلَمَّا قَالَهَا عَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، قَالَ: فَجَاءَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْ نِسَائِكَ، قَتَلْتَ الْأَبَ وَ الْأَخَ وَ الْعَمَّ، فَإِنْ حَدَثَ بِكَ شَيْءٌ فَإِلَى مَنْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إِلَى هَذَا- وَ أَشَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

ثُمَّ قَالَ: أَ لَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَعْوَرُ قَالَ: قُلْتُ: حُبُّكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: اللَّهَ، قُلْتُ: اللَّهَ، فَنَاشَدَنِي ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِمَّنِ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ إِلَّا وَ هُوَ يَجِدُ مَوَدَّتَنَا عَلَى قَلْبِهِ فَهُوَ يُحِبُّنَا، وَ لَيْسَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِمَّنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِلَّا وَ هُوَ يَجِدُ بُغْضَنَا عَلَى قَلْبِهِ فَهُوَ يُبْغِضُنَا، فَأَصْبَحَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ، وَ كَانَ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ قَدْ فُتِحَتْ لَهُ، وَ أَصْبَحَ مُبْغِضُنَا عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، فَهَنِيئاً لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ رَحْمَتُهُمْ، وَ تَعْساً لِأَهْلِ النَّارِ مَثْوَاهُمْ.

35- 4- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الدَّاوُدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ الْعَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْأُبُلِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ الرَّشِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الْمَهْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورُ أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: سَمِعْتُ

35

رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، نَحْنُ فِي الْقِيَامَةِ رُكْبَانٌ أَرْبَعَةٌ لَيْسَ غَيْرَنَا.

فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي- يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنِ الرُّكْبَانِ قَالَ: أَنَا عَلَى الْبُرَاقِ، وَ أَخِي صَالِحٌ عَلَى نَاقَةِ اللَّهِ الَّتِي عَقَرَهَا قَوْمُهُ، وَ ابْنَتِي فَاطِمَةُ عَلَى نَاقَتِي الْعَضْبَاءِ، وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ، خُطُمُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ، وَ عَيْنَاهَا مِنْ يَاقُوتَتَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ، وَ بَطْنُهَا مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ، عَلَيْهَا قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ، يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَ بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، ظَاهِرُهَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَ بَاطِنُهَا مِنْ عَفْوِ اللَّهِ، إِذَا أَقْبَلَتْ زُفَّتْ، وَ إِذَا أَدْبَرَتْ زُفَّتْ، وَ هُوَ أَمَامِي عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ نُورٍ يُضِيءُ لِأَهْلِ الْجَمْعِ، ذَلِكَ التَّاجُ لَهُ سَبْعُونَ رُكْناً، كُلُّ رُكْنٍ يُضِيءُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَ بِيَدِهِ لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَ هُوَ يُنَادِي فِي الْقِيَامَةِ:" لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ" فَلَا يَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَ لَا بِنَبِيٍّ إِلَّا يَقُولُ: مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَيْسَ هَذَا مَلَكاً مُقَرَّباً، وَ لَا نَبِيّاً مُرْسَلًا، وَ لَا حَامِلَ عَرْشٍ، هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَ يَجِيءُ شِيعَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ فَيُنَادِي مُنَادٍ لِشِيعَتِهِ: مَنْ أَنْتُمْ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْعَلَوَيُّونَ. فَيَأْتِيهِمُ النِّدَاءُ: أَيُّهَا الْعَلَوِيُّونَ، أَنْتُمْ آمِنُونَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ مَعَ مَنْ كُنْتُمْ تُوَالُونَ.

36- 5- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَدْعُو بِكَلِمَاتٍ، فَحَفِظْتُهَا عَنْهُ، فَمَا دَعَوْتُ بِهَا فِي شِدَّةٍ إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي، وَ هِيَ:" اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَ أَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَ أَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَ عُدَّةٌ.

كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ فِيهِ الْفُؤَادُ، وَ تَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ، وَ تَعَيُّ [تَعْيَا فِيهِ الْأُمُورُ، وَ يَخْذُلُ فِيهِ الْبَعِيدُ وَ الْقَرِيبُ وَ الصَّدِيقُ، وَ يَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ، أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَ شَكَوْتُهُ إِلَيْكَ، رَاغِباً إِلَيْكَ فِيهِ عَمَّنْ سِوَاكَ، فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ وَ كَفَيْتَنِيهِ. فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ، وَ صَاحِبُ كُلِّ حَاجَةٍ،

36

وَ مُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ، فَلَكَ الْحَمْدُ كَثِيراً، وَ لَكَ الْمَنُّ فَاضِلًا. بِنِعْمَتِكَ تُتِمُّ الصَّالِحَاتِ، يَا مَعْرُوفاً بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ، يَا مَنْ هُوَ بِالْمَعْرُوفِ مَوْصُوفٌ، أَنِلْنِي مِنْ مَعْرُوفِكَ مَعْرُوفاً تُغْنِينِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".

37- 6- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ الْمَرَاغِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): خَلَّتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: فِقْهٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَ حُسْنُ سَمْتٍ فِي الْوَجْهِ.

38- 7- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاشَانِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ): إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ فَلْيَيْأَسْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَ لَا يَكُونُ لَهُ رَجَاءٌ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ)، فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَعْطَاهُ، أَلَا فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّ لِلْقِيَامَةِ خَمْسِينَ مَوْقِفاً، كُلُّ مَوْقِفٍ مِثْلُ أَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ «فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».

39- 8- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَالِكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): الْإِيمَانُ قَوْلٌ مَقُولٌ، وَ عَمَلٌ مَعْمُولٌ، وَ عِرْفَانُ الْعُقُولِ.

37

قَالَ أَبُو الصَّلْتِ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَجْلِسِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ لِي أَحْمَدُ: يَا أَبَا الصَّلْتِ، لَوْ قُرِئَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَلَى الْمَجَانِينِ لَأَفَاقُوا.

40- 9- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ:

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَسَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَامَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) خَطِيباً فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ، وَ أَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ حَارَبَهُ، وَ جَعَلَهُ عِزّاً لِمَنْ وَالاهُ، وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ، وَ زِينَةً لِمَنْ تَحَلَّى بِهِ، وَ عِصْمَةً لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ، وَ حَبْلًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ، وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ، وَ فُلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ، وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَاهُ، وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَاهُ، وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى بِهِ، وَ حِلْماً لِمَنْ جَرَّبَ، وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ، وَ فَهْماً لِمَنْ فَطَنَ، وَ يَقِيناً لِمَنْ عَقَلَ، وَ تَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ، وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَ عِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَ نَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وَ مَوَدَّةً مِنَ اللَّهِ لِمَنْ أَصْلَحَ، وَ زُلْفَى لِمَنِ ارْتَقَبَ، وَ ثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَ رَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ، وَ جُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ.

الْحَقُّ سَبِيلُهُ، وَ الْهُدَى صِفَتُهُ، وَ الْحُسْنَى مَأْثُرَتُهُ، فَهُوَ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ، مُشْرِقُ الْمَنَارِ، مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ، رَفِيعُ الْغَايَةِ، يَسِيرُ الْمِضْمَارِ، جَامِعُ الْحُلْبَةِ، مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ، كَرِيمُ الْفُرْسَانِ، التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَ الْفِقْهُ مَصَابِيحُهُ، وَ الْمَوْتُ غَايَتُهُ، وَ الدُّنْيَا مِضْمَارُهُ، وَ الْقِيَامَةُ حُلْبَتُهُ، وَ الْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ وَ النَّارُ نَقِمَتُهُ، وَ التَّقْوَى عُدَّتُهُ، وَ الْمُحْسِنُونَ فُرْسَانُهُ.

فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ، وَ بِالصَّالِحَاتِ يُعْمَرُ الْفِقْهُ، وَ بِالْفِقْهِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ، وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا، وَ بِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَ تُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ.

وَ الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: الصَّبْرِ وَ الْيَقِينِ وَ الْعَدْلِ، وَ الْجِهَادِ. فَالصَّبْرُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: الشَّوْقِ، وَ الشَّفَقِ، وَ الزَّهَادَةِ، وَ التَّرَقُّبِ، أَلَا مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ

38

الْمُصِيبَاتُ، وَ مَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ.

وَ الْيَقِينُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَ تَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ، وَ مَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ، وَ سُنَّةِ الْأَوَّلِينَ، فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ، وَ مَنْ تَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَ مَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ عَرَفَ السُّنَّةَ، وَ مَنْ عَرَفَ السُّنَّةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ.

وَ الْعَدْلُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غَامِضِ الْفَهْمِ، وَ عِمَارَةِ الْعِلْمِ، وَ زَهْرَةِ الْحُكْمِ، وَ رَوْضَةِ الْحِلْمِ، فَمَنْ فَهِمَ نَشَرَ جَمِيلَ الْعِلْمِ، وَ مَنْ عَلِمَ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحِكَمِ، وَ مَنْ عَرَفَ شَرَائِعَ الْحِكَمِ لَمْ يَضِلَّ، وَ مَنْ حَلُمَ لَمْ يُفْرِطْ [فِي] أَمْرِهِ، وَ عَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً.

وَ الْجِهَادُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَ الصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَ شَنَآنِ الْفَاسِقِينَ، فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ، شَدَّ ظَهْرَ الْمُؤْمِنِ، وَ مَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ الْكَافِرِ، وَ مَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَ مَنْ شَنَأَ الْفَاسِقِينَ غَضِبَ لِلَّهِ، وَ مَنْ غَضِبَ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُؤْمِنٌ حَقّاً، فَهَذِهِ صِفَةُ الْإِيمَانِ وَ دَعَائِمُهُ.

فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: لَقَدْ هَدَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَرْشَدْتَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الدِّينِ خَيْراً.

41- 10- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَيُّ الْفُصُوصِ أَفْضَلُ أُرْكِبُهُ عَلَى خَاتَمِي فَقَالَ: يَا بَشِيرُ، أَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْعَقِيقِ الْأَحْمَرِ وَ الْعَقِيقِ الْأَصْفَرِ وَ الْعَقِيقِ الْأَبْيَضِ، فَإِنَّهَا ثَلَاثَةُ جِبَالٍ فِي الْجَنَّةِ: فَأَمَّا الْأَحْمَرُ فَمُطِلٌّ عَلَى دَارِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ أَمَّا الْأَصْفَرُ فَمُطِلٌّ عَلَى دَارِ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، وَ أَمَّا الْأَبْيَضُ فَمُطِلٌّ عَلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَ الدُّورُ كُلُّهَا وَاحِدَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَنْهَارٍ، مِنْ تَحْتِ كُلِّ جَبَلٍ نَهَرٌ أَشَدُّ بَرْداً مِنَ الثَّلْجِ، وَ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، لَا يَشْرَبُ مِنْهَا إِلَّا مُحَمَّدٌ وَ آلُهُ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) وَ شِيعَتُهُمْ، وَ مَصَبُّهَا كُلُّهَا وَاحِدٌ وَ مَخْرَجُهَا مِنَ الْكَوْثَرِ، وَ إِنَّ هَذِهِ الْجِبَالَ تُسَبِّحُ اللَّهَ وَ تُقَدِّسُهُ وَ تُمَجِّدُهُ، وَ تَسْتَغْفِرُ لِمُحِبِّي آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، فَمَنْ تَخَتَّمَ

39

بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) لَمْ يَرَ إِلَّا الْخَيْرَ وَ الْحُسْنَى وَ السَّعَةَ فِي رِزْقِهِ، وَ السَّلَامَةَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَ هُوَ أَمَانٌ مِنَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ، وَ مِنْ كُلِّ مَا يَخَافُهُ الْإِنْسَانُ وَ يَحْذَرُهُ.

42- 11- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ شَيْبَانَ إِمْلَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ زَيْدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: إِيَّاكَ وَ صُحْبَةَ الْأَحْمَقِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنْهُ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى مَسَاءَتِكَ.

43- 12- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ حَبَّابٍ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَجْلَحِ الْكِنْدِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَيِيَّ الْمُتَعَفِّفَ، وَ يُبْغِضُ الْبَذِيَّ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ.

44- 13- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَصِيرُ السُّهْرَوَرْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الْمُحَمَّدِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ هَاشِمٍ الْغَسَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُوَيْبِرُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: أَتَانِي أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَقَالا: لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَذَكَرْتَ لَهُ فَاطِمَةَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ) ضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ وَ مَا حَاجَتُكَ قَالَ: فَذَكَرْتُ لَهُ قَرَابَتِي وَ قِدَمِي فِي الْإِسْلَامِ وَ نُصْرَتِي لَهُ وَ جِهَادِي، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، صَدَقْتَ، فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِمَّا تَذْكُرُ.

فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاطِمَةَ تُزَوِّجُنِيهَا فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ قَدْ ذَكَرَهَا قَبْلَكَ رِجَالٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَرَأَيْتُ الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا، وَ لَكِنْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ رِدَاءَهُ وَ نَزَعَتْ نَعْلَيْهِ، وَ أَتَتْهُ بِالْوَضُوءِ، فَوَضَّأَتْهُ بِيَدِهَا

40

وَ غَسَلَتْ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا فَاطِمَةُ. فَقَالَتْ: لَبَّيْكَ، حَاجَتَكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَنْ قَدْ عَرَفْتَ قَرَابَتَهُ وَ فَضْلَهُ وَ إِسْلَامَهُ، وَ إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يُزَوِّجَكِ خَيْرَ خَلْقِهِ وَ أَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ، وَ قَدْ ذَكَرَ مِنْ أَمْرِكِ شَيْئاً فَمَا تَرَيْنَ فَسَكَتَتْ وَ لَمْ تُوَلِّ وَجْهَهَا وَ لَمْ يَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَرَاهَةً، فَقَامَ وَ هُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، سُكُوتُهَا إِقْرَارُهَا، فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، زَوِّجْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَهَا لَهُ وَ رَضِيَهُ لَهَا.

قَالَ عَلِيٌّ: فَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، ثُمَّ أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: قُمْ بِسْمِ اللَّهِ وَ قُلْ:" عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَ ما شاءَ اللّهُ، لا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ ثُمَّ جَاءَنِي حِينَ أَقْعَدَنِي عِنْدَهَا (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، ثُمَّ قَالَ:" اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا أَحَبُّ خَلْقِكَ إِلَيَّ فَأَحِبَّهُمَا، وَ بَارِكْ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا، وَ اجْعَلْ عَلَيْهِمَا مِنْكَ حَافِظاً، وَ إِنِّي أُعِيذُهُمَا وَ ذُرِّيَّتَهُمَا بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".

45- 14- حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّرَارِيِّ، عَنْ خَالِهِ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: لَمَّا زَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَاطِمَةَ عَلِيّاً (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) دَخَلَ عَلَيْهَا وَ هِيَ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ فَوَ اللَّهِ لَوْ كَانَ فِي أَهْلِ بَيْتِي خَيْرٌ مِنْهُ زَوَّجْتُكِ، وَ مَا أَنَا زَوَّجْتُكِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ زَوَّجَكِ، وَ أَصْدَقَ عَنْكِ الْخُمُسَ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): قُمْ فَبِعِ الدِّرْعَ، فَقُمْتُ فَبِعْتُهُ وَ أَخَذْتُ الثَّمَنَ وَ دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَسَكَبْتُ الدَّرَاهِمَ فِي حَجْرِهِ، فَلَمْ يَسْأَلْنِي كَمْ هِيَ وَ لَا أَنَا أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً وَ دَعَا بِلَالًا فَأَعْطَاهُ وَ قَالَ: ابْتَعْ لِفَاطِمَةَ طِيباً. ثُمَّ قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مِنَ الدَّرَاهِمِ بِكِلْتَا يَدَيْهِ فَأَعْطَاهَا أَبَا بَكْرٍ وَ قَالَ:

ابْتَعْ لِفَاطِمَةَ مَا يُصْلِحُهَا مِنْ ثِيَابٍ وَ أَثَاثِ الْبَيْتِ، وَ أَرْدَفَهُ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَ بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحَضَرُوا السُّوقَ فَكَانُوا يُعْرَضُونَ الشَّيْءَ مِمَّا يَصْلُحُ فَلَا يَشْتَرُونَهُ حَتَّى يَعْرِضُوهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنِ اسْتَصْلَحَهُ اشْتَرَوْهُ، فَكَانَ مِمَّا اشْتَرَوْهُ قَمِيصٌ بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ،

41

وَ خِمَارٌ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَ قَطِيفَةٌ سَوْدَاءُ خَيْبَرِيَّةٌ، وَ سَرِيرٌ مُزَمَّلٌ بِشَرِيطٍ، وَ فِرَاشَانِ مِنْ جِنْسِ مِصْرَ، حَشْوُ أَحَدِهِمَا لِيفٌ، وَ حَشْوُ الْآخَرِ مِنْ جَزِّ الْغَنَمِ، وَ أَرْبَعُ مَرَافِقَ مِنْ أَدَمِ الطَّائِفِ حَشْوُهَا إِذْخِرٌ، وَ سِتْرٌ مِنْ صُوفٍ، وَ حَصِيرٌ هَجَرِيٌ، وَ رَحَى الْيَدِ، وَ مِخْضَبٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَ سِقْيٌ مِنْ أَدَمٍ، وَ قَعْبٌ لِلَّبَنِ، وَ شَيْءٌ لِلْمَاءِ، وَ مِطْهَرَةٌ مُزَفَّتَةٌ، وَ جَرَّةٌ خَضْرَاءُ، وَ كِيزَانُ خَزَفٍ. حَتَّى إِذَا اسْتَكْمَلَ الشِّرَاءَ حَمَلَ أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ الْمَتَاعِ وَ حَمَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ الْبَاقِيَ، فَلَمَّا عَرَضُوا الْمَتَاعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) جَعَلَ يُقَلِّبُهُ بِيَدِهِ وَ يَقُولُ: بَارَكَ اللَّهُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَأَقَمْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَهْراً أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) وَ أَرْجِعُ إِلَى مَنْزِلِي وَ لَا أَذْكُرُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ فَاطِمَةَ، ثُمَّ قُلْنَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):

أَ لَا نَطْلُبُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) دُخُولَ فَاطِمَةَ عَلَيْكَ قُلْتُ: افْعَلْنَ، فَدَخَلْنَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ خَدِيجَةَ بَاقِيَةٌ لَقَرَّتْ عَيْنُهَا بِزِفَافِ فَاطِمَةَ، وَ إِنَّ عَلِيّاً يُرِيدُ أَهْلَهُ، فَقِرَّ عَيْنَ فَاطِمَةَ بِبَعْلِهَا، وَ اجْمَعْ شَمْلَهُمَا، وَ قِرَّ عُيُونَنَا بِذَلِكَ.

فَقَالَ: فَمَا بَالُ عَلِيٍّ لَا يَطْلُبُ مِنِّي زَوْجَتَهُ، فَقَدْ كُنَّا نَتَوَقَّعُ مِنْهُ ذَلِكَ.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقُلْتُ: الْحَيَاءُ يَمْنَعُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى النِّسَاءِ فَقَالَ:

مَنْ هَاهُنَا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: أَنَا أُمُّ سَلَمَةَ، وَ هَذِهِ زَيْنَبُ، وَ هَذِهِ فُلَانَةُ وَ فُلَانَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): هَيِّئُوا لِابْنَتِي وَ ابْنِ عَمِّي فِي حُجَرِي بَيْتاً. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فِي أَيِّ حُجْرَةٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فِي حُجْرَتِكِ. وَ أَمَرَ نِسَاءَهُ أَنْ يُزَيِّنَّ وَ يُصْلِحْنَ مِنْ شَأْنِهَا.

فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَسَأَلْتُ فَاطِمَةَ هَلْ عِنْدَكِ طِيبٌ ادَّخَرْتِيهِ لِنَفْسِكِ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَتَتْ بِقَارُورَةٍ فَسَكَبَتْ مِنْهَا فِي رَاحَتِي، فَشَمَمْتُ مِنْهَا رَائِحَةً مَا شَمَمْتُ مِثْلَهَا قَطُّ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا فَقَالَتْ: كَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ يَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَيَقُولُ لِي: يَا فَاطِمَةُ، هَاتِي الْوِسَادَةَ فَاطْرَحِيهَا لِعَمِّكِ، فَأَطْرَحُ لَهُ الْوِسَادَةَ فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، فَإِذَا

42

نَهَضَ سَقَطَ مِنْ بَيْنِ ثِيَابِهِ شَيْءٌ فَيَأْمُرُنِي بِجَمْعِهِ، فَسَأَلَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ عَنْبَرٌ يَسْقُطُ مِنْ أَجْنِحَةِ جَبْرَئِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ).

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا عَلِيُّ، اصْنَعْ لِأَهْلِكَ طَعَاماً فَاضِلًا. ثُمَّ قَالَ: مَا عِنْدَنَا اللَّحْمُ وَ الْخُبْزُ، وَ عَلَيْكَ التَّمْرُ وَ السَّمْنُ، فَاشْتَرَيْتُ تَمْراً وَ سَمْناً، فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَنْ ذِرَاعِهِ وَ جَعَلَ يَشْدَخُ التَّمْرَ فِي السَّمْنِ حَتَّى اتَّخَذَهُ خَبِيصاً وَ بَعَثَ إِلَيْنَا كَبْشاً سَمِيناً فَذُبِحَ وَ خَبَزَ لَنَا خُبْزاً كَثِيراً، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): ادْعُ مَنْ أَحْبَبْتَ، فَأَتَيْتُ الْمَسْجِدَ وَ هُوَ مُشْحَنٌ بِالصَّحَابَةِ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أُشْخِصَ قَوْماً وَ أَدَعَ قَوْماً، ثُمَّ صَعِدْتُ عَلَى رَبْوَةٍ هُنَاكَ، وَ نَادَيْتُ: أَجِيبُوا إِلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ أَرْسَالًا، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ وَ قِلَّةِ الطَّعَامِ، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) مَا تَدَاخَلَنِي فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، إِنِّي سَأَدْعُو اللَّهَ بِالْبَرَكَةِ.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): وَ أَكَلَ الْقَوْمُ عَنْ آخِرِهِمْ طَعَامِي، وَ شَرِبُوا شَرَابِي، وَ دَعَوْا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَ صَدَرُوا وَ هُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنَ الطَّعَامِ شَيْءٌ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) بِالصِّحَافِ فَمُلِئَتْ، وَ وَجَّهَ بِهَا إِلَى مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ أَخَذَ صَحْفَةً وَ جَعَلَ فِيهَا طَعَاماً، وَ قَالَ: هَذَا لِفَاطِمَةَ وَ بَعْلِهَا، حَتَّى إِذَا انْصَرَفَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يَا أُمَّ سَلَمَةَ، هَلُمِّي فَاطِمَةَ، فَانْطَلَقْتُ فَأَتَيْتُ بِهَا وَ هِيَ تَسْحَبُ أَذْيَالَهَا، وَ قَدْ تَصَبَّبَتْ عَرَقاً حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَعَثَرَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَقَالَكِ اللَّهُ الْعَثْرَةَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، فَلَمَّا وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَشَفَ الرِّدَاءَ عَنْ وَجْهِهَا حَتَّى رَآهَا عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، ثُمَّ أَخَذَ يَدَهَا فَوَضَعَهَا فِي يَدِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ، يَا عَلِيُّ، نِعْمَ الزَّوْجَةُ فَاطِمَةُ، وَ يَا فَاطِمَةُ، نِعْمَ الْبَعْلُ عَلِيٌّ، انْطَلِقَا إِلَى مَنْزِلِكُمَا وَ لَا تُحْدِثَا أَمْراً حَتَّى آتِيَكُمَا.

قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): فَأَخَذْتُ بِيَدِ فَاطِمَةَ، وَ انْطَلَقْتُ بِهَا حَتَّى جَلَسْتُ فِي جَانِبِ

43

الصُّفَّةِ، وَ جَلَسَتْ فِي جَانِبِهَا، وَ هِيَ مُطْرِقَةٌ إِلَى الْأَرْضِ حَيَاءً مِنِّي، وَ أَنَا مُطْرِقٌ إِلَى الْأَرْضِ حَيَاءً مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا فَقُلْنَا: ادْخُلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَرْحَباً بِكَ زَائِراً وَ دَاخِلًا، فَدَخَلَ فَأَجْلَسَ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) مِنْ جَانِبِهِ وَ عَلِيّاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ جَانِبِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا فَاطِمَةُ، ائْتِينِي بِمَاءٍ، فَقَامَتْ إِلَى قَعْبٍ فِي الْبَيْتِ فَمَلَأَتْهُ مَاءً، ثُمَّ أَتَتْهُ بِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ جُرْعَةً فَتَمَضْمَضَ بِهَا، ثُمَّ مَجَّهَا فِي الْقَعْبِ، ثُمَّ صَبَّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلِي، فَلَمَّا أَقْبَلَتْ نَضَحَ مِنْهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:

أَدْبِرِي، فَلَمَّا أَدْبَرَتْ نَضَحَ مِنْهُ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:" اللَّهُمَّ هَذِهِ ابْنَتِي وَ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ وَ هَذَا أَخِي وَ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ لَكَ وَلِيّاً، وَ بِكَ حَفِيّاً، وَ بَارِكْ لَهُ فِي أَهْلِهِ" ثُمَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ، ادْخُلْ بِأَهْلِكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَ رَحْمَتُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ، ... إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

46- 15- حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ الزُّرَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْوَشَّاءِ، عَنِ الْخَيْبَرِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَوْ لَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِفَاطِمَةَ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) مَا كَانَ لَهَا كُفْؤٌ عَلَى الْأَرْضِ.

47- 16- وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) دَخَلَ بِفَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) بَعْدَ وَفَاةِ أُخْتِهَا رُقَيَّةَ زَوْجَةِ عُثْمَانَ بِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْماً، وَ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ بَدْرٍ، وَ ذَلِكَ لِأَيَّامٍ خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ، وَ رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

48- 17- وَ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ خَالِهِ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَهْلٍ الْكَاتِبِ، عَنْ أَبِي طَالِبٍ الْغَنَوِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ) النِّسَاءَ عَلَى عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَا دَامَتْ فَاطِمَةُ (عَلَيْهَا السَّلَامُ) حَيَّةً. قُلْتُ: فَكَيْفَ

44

قَالَ: لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ لَا تَحِيضُ.

49- 18- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ الْمَرَاغِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سَلْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ الْبَاغَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ رعبة، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): كَانَ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامٌ لَهُمْ عُيُوبٌ، فَسَكَتُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَسْكَتَ اللَّهُ عَنْ عُيُوبِهِمُ النَّاسَ، فَمَاتُوا وَ لَا عُيُوبَ لَهُمْ عِنْدَ النَّاسِ، وَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ أَقْوَامٌ لَا عُيُوبَ لَهُمْ فَتَكَلَّمُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ لَهُمْ عُيُوباً، لَمْ يَزَالُوا يُعْرَفُونَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتُوا.

50- 19- أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عَنْ آبَائِهِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى عَشَرَةِ أَسْهُمٍ:

عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ هِيَ الْمِلَّةُ، وَ الصَّلَاةِ وَ هِيَ الْفَرِيضَةُ، وَ الصَّوْمِ وَ هِيَ الْجُنَّةُ، وَ الزَّكَاةِ وَ هِيَ الْمُطَهِّرَةُ، وَ الْحَجِّ وَ هُوَ الشَّرِيعَةُ، وَ الْجِهَادِ وَ هُوَ الْعِزُّ، وَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ هُوَ الْوَفَاءُ، وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ هُوَ الْحُجَّةُ، وَ الْجَمَاعَةِ وَ هِيَ الْأُلْفَةُ، وَ الْعِصْمَةِ وَ هِيَ الطَّاعَةُ.

51- 20- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ عِيسَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَمَلَ إِيمَانُهُ، وَ إِنْ كَانَ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ ذُنُوبٌ لَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ، وَ هِيَ: الصِّدْقُ، وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَ الْحَيَاءُ، وَ حُسْنُ الْخُلُقِ.

52- 21- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَتٍّ الْجَوْهَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ

45

أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: إِنَّ نُوحاً (عَلَيْهِ السَّلَامُ) رَكِبَ السَّفِينَةَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ أَنْ يَصُومُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَ قَالَ: مَنْ صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ تَبَاعَدَتْ عَنْهُ النَّارُ مَسِيرَةَ سَنَةٍ، وَ مَنْ صَامَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنْهُ غُلِّقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ النَّارِ السَّبْعَةُ، وَ مَنْ صَامَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجِنَانِ الثَّمَانِيَةُ، وَ مَنْ صَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً أُعْطِيَ مَسْأَلَتَهُ، وَ مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ زَادَهُ اللَّهُ.

قَالَ: وَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَ الْعِشْرِينَ مِنْهُ نَزَلَتِ النُّبُوَّةُ فِيهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ كَانَ ثَوَابُهُ ثَوَابَ مَنْ صَامَ سِتِّينَ شَهْراً.

53- 22- أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْدَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْكَشِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْعَيَّاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُذَافِرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): يَا ابْنَ يَزِيدَ، أَنْتَ وَ اللَّهِ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ.

قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ قَالَ: إِي وَ اللَّهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.

قُلْتُ: مِنْ أَنْفُسِهِمْ، جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ: إِي وَ اللَّهِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَا عُمَرُ، أَ مَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ): «إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» وَ مَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ (عَزَّ اسْمُهُ): «فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

54- 23- أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْدَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ النَّهْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي

46

مُعَاوِيَةُ بْنُ حَكِيمٍ الدُّهْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيفُ بْنُ سَابِقٍ التَّفْلِيسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ السَّمَنْدَرِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ): إِنِّي أَدْخُلُ بِلَادَ الشِّرْكِ، وَ إِنَّ مَنْ عِنْدَنَا يَقُولُ: إِنْ مِتَّ ثَمَّ حُشِرْتَ مَعَهُمْ قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا حَمَّادُ، إِذَا كُنْتَ ثَمَّ تَذْكُرُ أَمْرَنَا وَ تَدْعُو إِلَيْهِ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:

فَإِذَا كُنْتَ فِي هَذِهِ الْمُدُنِ- مُدُنِ الْإِسْلَامِ- تَذْكُرُ أَمْرَنَا وَ تَدْعُو إِلَيْهِ قَالَ: قُلْتُ: لَا. فَقَالَ لِي: إِنَّكَ إِنْ مِتَّ ثَمَّ حُشِرْتَ أُمَّةً وَحْدَكَ، وَ سَعَى نُورُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ.

55- 24- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) بِمِنًى عَنْ خَمْسِمِائَةِ حَرْفٍ مِنَ الْكَلَامِ. قَالَ:

فَأَقْبَلْتُ أَقُولُ: يَقُولُونَ كَذَا. قَالَ: فَيَقُولُ: يُقَالُ لَهُمْ كَذَا.

فَقُلْتُ: هَذَا الْحَلَالُ وَ الْحَرَامُ وَ الْقُرْآنُ أَعْلَمُ أَنَّكَ صَاحِبُهُ وَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ فِي هَذَا الْكَلَامِ. قَالَ: قَالَ لِي: وَ تَشُكُّ يَا هِشَامُ، يَحْتَجُّ اللَّهُ (تَعَالَى) عَلَى خَلْقِهِ بِحُجَّةٍ لَا يَكُونُ عَالِماً بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ!

56- 25- أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْدَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَمْرَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ قَاسِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الثَّانِي (عَلَيْهِ السَّلَامُ): مَا تَقُولُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فِي هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ: رَحِمَهُ اللَّهُ مَا كَانَ أَذَبَّهُ عَنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ.

57- 26- أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ، عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، عَنْ آبَائِهِ (عَلَيْهِمْ السَّلَامُ)، قَالَ: قَالَ

47

رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَوَّلُ عُنْوَانِ صَحِيفَةِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ مَوْتِهِ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ، إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ، وَ إِنْ شَرّاً فَشَرٌّ، وَ أَوَّلُ تُحْفَةِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَ لِمَنْ تَبِعَ جَنَازَتَهُ.

ثُمَّ قَالَ: يَا فَضْلُ، لَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ إِلَّا وَافِدُهَا، وَ مِنْ كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا نَجِيبُهَا.

يَا فَضْلُ، إِنَّهُ لَا يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَسْجِدِ بِأَقَلَّ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ يُدْخِلُهُ اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَ إِمَّا دُعَاءٍ يَدْعُو بِهِ لِيَصْرِفَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ بَلَاءَ الدُّنْيَا، وَ إِمَّا أَخٍ يَسْتَفِيدُهُ فِي اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ).

قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): مَا اسْتَفَادَ امْرُؤٌ مُسْلِمٌ فَائِدَةً بَعْدَ فَائِدَةِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ أَخٍ يَسْتَفِيدُهُ فِي اللَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ).

ثُمَّ قَالَ: يَا فَضْلُ، لَا تَزْهَدُوا فِي فُقَرَاءِ شِيعَتِنَا، فَإِنَّ الْفَقِيرَ مِنْهُمْ لَيَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ.

ثُمَّ قَالَ: يَا فَضْلُ، إِنَّمَا سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ فَيُجِيزُ اللَّهُ أَمَانَهُ.

ثُمَّ قَالَ: أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ (تَعَالَى) يَقُولُ فِي أَعْدَائِكُمْ إِذَا رَأَوْا شَفَاعَةَ الرَّجُلِ مِنْكُمْ لِصَدِيقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ».

58- 27- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الْقَاضِي، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ): مَنْ تَعَلَّمَ لِلَّهِ (عَزَّ وَ جَلَّ) وَ عَمِلَ لِلَّهِ وَ عَلَّمَ لِلَّهِ، دُعِيَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ عَظِيماً، وَ قِيلَ: تَعَلَّمَ لِلَّهِ وَ عَمِلَ لِلَّهِ وَ عَلَّمَ لِلَّهِ.

59- 28- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ رَوَاهُ، عَنْ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ،

48

قَالَ: قَالَ الْبَاقِرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ): مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ، وَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ فِي سَنَتِهِ حَتَّى تَحُولَ عَلَيْهِ السَّنَةُ، فَإِنْ زَارَهُ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ.

60- 29- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَجَّاجِ وَ هُوَ يَنْظُرُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَمْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا وَ لِقُرَيْشٍ إِذَا تَلَاقَوْا تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُسْتَبْشِرَةٍ، وَ إِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَغَضِبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) ثُمَّ قَالَ: وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ.

61- 30- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ خَالِدٍ الْمَرَاغِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ السَّبِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُقَاتِلٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ الْخَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعُرَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامَ) فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ قَالَ: فَقُلْتُ: حُبِّي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقَالَ: يَا حَارِثُ أَ تُحِبُّنِي فَقُلْتُ: نَعَمْ وَ اللَّهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ: أَمَا لَوْ بَلَغَتْ نَفْسُكَ الْحُلْقُومَ رَأَيْتَنِي حَيْثُ تُحِبُّ، وَ لَوْ رَأَيْتَنِي وَ أَنَا أَذُودُ الرِّجَالَ عَنِ الْحَوْضِ ذَوْدَ غَرِيبَةِ الْإِبِلِ لَرَأَيْتَنِي حَيْثُ تُحِبُّ، وَ لَوْ رَأَيْتَنِي وَ أَنَا مَارٌّ عَلَى الصِّرَاطِ بِلِوَاءِ الْحَمْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لَرَأَيْتَنِي حَيْثُ تُحِبُّ.

62- 31- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الْحَسَنُ

49

بْنُ عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْمَرِيُّ الْكَاتِبُ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ الْكَاتِبِ وَ أَحْبَبْتُهَا حُبّاً لَمْ يُحِبَّ أَحَدٌ مِثْلَهُ، وَ أَبْطَأَ عَلَيَّ الْوَلَدُ، فَصِرْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَتَبَسَّمَ وَ قَالَ: اتَّخِذْ خَاتَماً فَصُّهُ فَيْرُوزَجٌ، وَ اكْتُبْ عَلَيْهِ «رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ»، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَمَا أَتَى عَلَيَّ حَوْلٌ حَتَّى رُزِقْتُ مِنْهَا وَلَداً ذَكَراً.

63- 32- أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ رُشَيْدٍ، قَالَ: آخَرُ شِعْرٍ قَالَهُ السَّيِّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ (رَحِمَهُ اللَّهُ) قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَاعَةٍ، وَ ذَلِكَ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَ اسْوَدَّ لَوْنُهُ، ثُمَّ أَفَاقَ وَ قَدِ ابْيَضَّ وَجْهُهُ، وَ هُوَ يَقُولُ:

أُحِبُّ الَّذِي مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ وُدِّهِ * * * تَلَقَّاهُ بِالْبُشْرَى لَدَى الْمَوْتِ يَضْحَكُ

وَ مَنْ مَاتَ يَهْوَى غَيْرَهُ مِنْ عَدُوِّهِ * * * فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا إِلَى النَّارِ مَسْلَكُ

أَبَا حَسَنِ تَفْدِيكَ نَفْسِي وَ أُسْرَتِي * * * وَ مَالِي وَ مَا أَصْبَحْتُ فِي الْأَرْضِ أَمْلِكُ

أَبَا حَسَنٍ إِنِّي بِفَضْلِكَ عَارِفٌ * * * وَ إِنِّي بِحَبْلٍ مِنْ هَوَاكَ لَمُمْسِكٌ

وَ أَنْتَ وَصِيُّ الْمُصْطَفَى وَ ابْنُ عَمِّهِ * * * وَ إِنَّا نُعَادِي مُبْغِضِيكَ وَ نَتْرُكُ

مَوَالِيكَ نَاجٍ مُؤْمِنٌ بَيِّنُ الْهُدَى * * * وَ قَالِيكَ مَعْرُوفُ الضَّلَالَةِ مُشْرِكٌ

وَ لَاحٍ لَحَانِي فِي عَلِيٍّ وَ حِزْبِهِ * * * وَ قُلْتُ لَحَاكَ اللَّهُ إِنَّكَ أَعْفَكُ

مَعْنَى أَعْفَكَ: أَحْمَقُ.

64- 33- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مَهْرُوَيْهِ الْقَزْوِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْغَازِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى

50

بْنُ جَعْفَرٍ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّهِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ قَالَ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ" وَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَكْرَهُهُ قَالَ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ".

65- 34- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، قَالَ:

حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبَايَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) لِأُمِّ سَلَمَةَ (رَحِمَهَا اللَّهُ): يَا أُمَّ سَلَمَةَ، عَلِيٌّ مِنِّي، وَ أَنَا مِنْ عَلِيٍّ، لَحْمُهُ لَحْمِي، وَ دَمُهُ دَمِي، وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، يَا أُمَّ سَلَمَةَ، اسْمَعِي وَ اشْهَدِي، هَذَا عَلِيٌّ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ.

66- 35- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ الْإِسْكَافِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ)، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى النَّوْفَلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ" شَبَّةُ بْنُ عِقَالٍ" وَلَّاهُ الْمَنْصُورُ عَلَى أَهْلِهَا، فَلَمَّا قَدِمَهَا وَ حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ صَارَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ وَ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ شَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَ حَارَبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَرَادَ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَ مَنَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَحَرَمَهُ اللَّهُ أُمْنِيَّتَهُ وَ أَمَاتَهُ بِغُصَّتِهِ، وَ هَؤُلَاءِ وُلْدُهُ يَتَّبِعُونَ أَثَرَهُ فِي الْفَسَادِ وَ طَلَبِ الْأَمْرِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَهُ، فَهُمْ فِي نَوَاحِي الْأَرْضِ مُقَتَّلُونَ وَ بِالدِّمَاءِ مُضَرَّجُونَ.

قَالَ: فَعَظُمَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ، وَ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَنْطِقَ بِحَرْفٍ،

51

فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ عَلَيْهِ إِزَارٌ قُومَسِيٌّ سَحْقٌ فَقَالَ: فَنَحْنُ نَحْمَدُ اللَّهَ وَ نُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَ عَلَى رُسُلِ اللَّهِ وَ أَنْبِيَائِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا مَا قُلْتَ مِنْ خَيْرٍ، فَنَحْنُ أَهْلُهُ، وَ مَا قُلْتَ مِنْ سُوءٍ فَأَنْتَ وَ صَاحِبُكَ بِهِ أَوْلَى وَ أَحْرَى، يَا مَنْ رَكِبَ غَيْرَ رَاحِلَتِهِ، وَ أَكَلَ غَيْرَ زَادِهِ ارْجِعْ مَأْزُوراً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَخَفِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِيزَاناً، وَ أَبْيَنِهِمْ خُسْرَاناً مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ وَ هُوَ هَذَا الْفَاسِقُ.

فَأَسْكَتَ النَّاسَ، وَ خَرَجَ الْوَالِي مِنَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ، فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ فَقِيلَ لِي، هَذَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ).

67- 36- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يُصَلِّي عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ السَّابِعَةِ مِنْ بَابِ الْفِيلِ، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ وَ لَهُ عَقِيصَتَانِ سَوْدَاوَانِ، أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مِنْ صَلَاتِهِ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهُ مِنْ بَابِ كِنْدَةَ.

قَالَ: فَخَرَجْنَا مُسْرِعِينَ خَلْفَهُمَا وَ لَمْ نَأْمَنْ عَلَيْهِ، فَاسْتَقْبَلَنَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي جَازَسُوجِ كِنْدَةَ، قَدْ أَقْبَلَ رَاجِعاً، فَقَالَ: مَا لَكُمْ فَقُلْنَا: لَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ هَذَا الْفَارِسَ.

فَقَالَ: هَذَا أَخِي الْخَضِرُ، أَ لَمْ تَرَوْا حَيْثُ أَكَبَّ عَلَيَّ. قُلْنَا: بَلَى. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ قَالَ لِي: إِنَّكَ فِي مَدَرَةٍ لَا يُرِيدُهَا جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا قَصَمَهُ اللَّهُ، وَ احْذَرِ النَّاسَ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ لِأُشَيِّعَهُ لِأَنَّهُ أَرَادَ الظَّهْرَ.

52

68- 37- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالرَّبَذَةِ سَأَلْتُ عَنْ قُدُومِهِ إِلَيْهَا، فَقِيلَ: خَالَفَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ وَ عَائِشَةُ، وَ صَارُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ، فَصِرْتُ إِلَيْهِ، فَجَلَسْتُ حَتَّى صَلَّى الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ بَكَى، وَ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُكَلِّمَكَ، وَ بَكَى.

فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لَا تَبْكِ يَا بُنَيَّ، وَ تَكَلَّمْ، وَ لَا تَحِنَّ حَنِينَ الْجَارِيَةِ.

فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْقَوْمَ حَصَرُوا عُثْمَانَ يَطْلُبُونَهُ بِمَا يَطْلُبُونَهُ، إِمَّا ظَالِمُونَ أَوْ مَظْلُومُونَ، فَسَأَلْتُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ النَّاسَ وَ تَلْحَقَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَئُوبَ الْعَرَبُ وَ تَعُودَ إِلَيْهَا أَحْلَامُهَا، وَ تَأْتِيَكَ وُفُودُهَا، فَوَ اللَّهِ لَوْ كُنْتَ فِي جُحْرٍ ضَبٍّ لَضَرَبَتْ إِلَيْكَ الْعَرَبُ آبَاطَ الْإِبِلِ حَتَّى تَسْتَخْرِجَكَ مِنْهُ، ثُمَّ خَالَفَكَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ فَسَأَلْتُكَ أَنْ لَا تَتَّبِعَهُمَا وَ تَدَعَهُمَا، فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ فَذَاكَ، وَ إِنِ اخْتَلَفَتْ رَضِيتَ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَ أَنَا الْيَوْمَ أَسْأَلُكَ أَلَّا تَقْدَمَ الْعِرَاقَ وَ أُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ أَنْ لَا تُقْتَلَ بِمَضْيَعَةٍ.

فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): أَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّ عُثْمَانَ حُصِرَ، فَمَا ذَاكَ وَ مَا عَلَيَّ مِنْهُ وَ قَدْ كُنْتُ بِمَعْزِلٍ عَنْ حَصْرِهِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ: ائْتِ مَكَّةَ، فَوَ اللَّهِ مَا كُنْتُ لِأَكُونَ الرَّجُلَ الَّذِي تُسْتَحَلُّ بِهِ مَكَّةُ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ: اعْتَزِلِ الْعِرَاقَ وَ دَعْ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ، فَوَ اللَّهِ مَا كُنْتُ لِأَكُونَ كَالضَّبُعِ تَنْتَظِرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهَا طَالِبُهَا، فَيَضَعَ الْحَبْلَ فِي رِجْلِهَا حَتَّى يَقْطَعَ عُرْقُوبَهَا، ثُمَّ يُخْرِجَهَا فَيُمَزِّقَهَا إِرْباً إِرْباً، وَ لَكِنَّ أَبَاكَ يَا بُنَيَّ يَضْرِبُ بِالْمُقْبِلِ إِلَى الْحَقِّ الْمُدْبِرَ عَنْهُ، وَ بِالسَّامِعِ الْمُطِيعِ الْعَاصِي الْمُخَالِفِ أَبَداً حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمِي، فَوَ اللَّهِ مَا زَالَ أَبُوكَ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّهِ مُسْتَأْثَراً عَلَيْهِ مُنْذُ قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) حَتَّى يَوْمِ