فقه القرآن - ج2

- القطب الراوندي المزيد...
432 /
5

تأليف الفقيه المحدث المفسر الأديب قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة الله الراوندي المتوفى سنة 573 ه

كتاب القضايا

[الحكم بين الناس]

38/ 26

قال الله تعالى يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ. أخبر الله بأنه نادى داود أن افصل بين المختلفين من الناس و المتنازعين بِالْحَقِّ بوضع الأشياء مواضعها على ما أمرك الله به. و الخليفة هو المدبر للأمور من قبل غيره بدلا من تدبيره. و قيل معناه جعلناك خليفة لمن كان قبلك من رسلنا ثم أمره فالآية تدل على أن القضاء جائز بين المسلمين و ربما كان واجبا فإن لم يكن واجبا فربما كان مستحبا و تدل عليه آيات كثيرة

باب الحث على الحكم بالعدل و المدح عليه و ذكر عقوبة من يكون بخلافه

5/ 49

قال الله سبحانه وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ

2/ 42

و قال تعالى فَإِنْ جٰاؤُكَ

6

فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ

21/ 78

و قال تعالى وَ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ إِذْ يَحْكُمٰانِ فِي الْحَرْثِ

4/ 65

و قال تعالى فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ.

22/ 48

و قد ذم الله من دعي إلى الحكم فأعرض عنه فقال وَ إِذٰا دُعُوا إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذٰا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ.

24/ 51

و مدح قوما دعوا إليه فأجابوا فقال إِنَّمٰا كٰانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذٰا دُعُوا إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنٰا وَ أَطَعْنٰا

4/ 58

و قال تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ

5/ 47

و قال تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ

5/ 45- 44

و في موضع آخر وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ و في موضع آخر وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ. و قال الحسن هي عامة في بني إسرائيل و غيرهم من المسلمين.

و روى البراء بن عازب عن النبي (ص) أن هذه الآيات الثلاث في الكفار خاصة.

و قال الشعبي نزل الكافرون في هذه الأمة و الظالمون في اليهود و الفاسقون في النصارى.

7

و الأولى أن يقال هي عامة في من حكم بغير ما أنزل الله فإن كان مستحلا لذلك معتقدا أنه هو الحق فإنه يكون كافرا بلا خلاف فأما من لم يكن كذلك و هو يحكم بغير ما أنزل الله فإنه يدخل تحت الآيتين الأخريين.

فصل

5/ 50

و قال أبو جعفر (ع) الحكم حكمان حكم الله و حكم الجاهلية و قال الله عز و جل وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ و أشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية ثم قال قال النبي (ص) من حكم في الدرهمين بحكم جور ثم أجبر عليه كان من أهل هذه الآية وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ قيل كيف يجبر عليه قال يكون له سوط و سجن فيحكم عليه فإن دخل بحكومته و إلا ضربه بسوطه و حبسه في سجنه

و قال أبو عبد الله (ع) إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فإني جعلته قاضيا فتحاكموا إليه

8

فصل

2/ 188

و عن أبي بصير قلت لأبي عبد الله (ع) قول الله في كتابه وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ قال يا أبا بصير إن الله عز و جل قد علم أن في هذه الأمة حكاما يجورون أما إنه لم يعن حكام العدل و لكنه عنى حكام الجور يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حاكم أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له كان ممن حاكم إلى الطاغوت و هو قول الله عز و جل أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ الآية

و قال إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور

الخبر.

و قال لما ولى أمير المؤمنين (ع) شريحا القضاء اشترط عليه أن لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه و قال له قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي

ثم قال إن عليا (ع) اشتكى عينه فعاده رسول الله (ص) فإذا علي يصيح فقال له النبي أ جزعا أم وجعا يا علي فقال يا رسول الله ما وجعت وجعا قط أشد منه قال يا علي إن ملك الموت إذا نزل ليقبض

9

روح الفاجر أنزل معه سفودا من نار فينزع روحه به فتضج جهنم فاستوى علي جالسا فقال يا رسول الله أعد علي حديثك فقد أنساني وجعي ما قلت فهل يصيب ذلك أحدا من أمتك قال نعم حكاما جائرين و آكل مال اليتيم و شاهد الزور

باب ما يجب أن يكون القاضي عليه

4/ 58

قال الله تعالى إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. أمر تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لا بالجور و نعم الشيء شيئا يعظكم الله به من أداء الأمانة.

و روي عن المعلى بن خنيس قال سألت أبا عبد الله (ع) عن هذه الآية فقال على الإمام أن يدفع ما عنده إلى الإمام الذي بعده و أمرت الأئمة بالعدل و أمرت الناس أن يتبعوهم.

38/ 22- 17

و قال تعالى وَ اذْكُرْ عَبْدَنٰا دٰاوُدَ إلى قوله وَ آتَيْنٰاهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطٰابِ أي أعطيناه إصابة الحكم بالحق و فصل الخطاب هو قوله البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه.

10

ثم قال وَ هَلْ أَتٰاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ هذا خطاب من الله لنبيه (ع) و صورته صورة الاستفهام و معناه الإخبار بما كان من قصة داود من الحكومة بين الخصمين و تنبيهه على موضع تركه بعض ما يستحب له أن يفعله. و النبأ الخبر بما يعظم حاله و الخصم هو المدعي على غيره حقا من الحقوق المتنازع له فيه و يعبر به عن الواحد و الاثنين و الجمع بلفظ واحد لأن أصله المصدر و لذلك قال إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرٰابَ لأنه أراد المدعي و المدعى عليه و من معهما فلا يمكن أن يتعلق به في أن أقل الجمع اثنان لما قال خَصْمٰانِ بَغىٰ بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ لأنه أراد بذلك الفريقين أي نحن فريقان خصمان أي يقول ما يقول خصمان لأنهما كان ملكين و لم يكونا خصمين و لا بغى أحدهما على الآخر و إنما هو على المثل. فَاحْكُمْ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا تُشْطِطْ معناه و لا تجاوز الحق و لا تجر و لا تسرف في حكمك بالميل مع أحدنا على صاحبه و أرشدنا إلى قصد الطريق الذي هو طريق الحق و وسطه.

فصل

38/ 24- 23

ثم حكى سبحانه ما قال أحد الخصمين لصاحبه فقال إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا قال وهب يعني أخي في ديني و قال المفسرون إنه كنى بالنعاج عن تسع و تسعين امرأة كانت له و أن الآخر له امرأة واحدة و قال الحسن لم يكن له تسع و تسعون نعجة و إنما هو على وجه المثل و قال أبو مسلم أراد النعاج بأعيانها و هو الظاهر غير أنه خلاف أقوال المفسرين.

11

و قال هما خصمان من ولد آدم و لم يكونا ملكين و إنما فزع منهما لأنهما دخلا عليه في غير الوقت المعتاد و هو الظاهر. و معنى أَكْفِلْنِيهٰا قال ابن عباس أنزل لي عنها و قال أبو عبيدة ضمها إلي و قال آخرون أي اجعلني كفيلا بها أي ضامنا لأمرها و منه قوله وَ كَفَّلَهٰا زَكَرِيّٰا. ثم قال وَ عَزَّنِي فِي الْخِطٰابِ أي غلبني في المخاطبة و قهرني و قال أبو عبيدة صار أعز مني. فقال له داود لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطٰاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ و معناه إن كان الأمر على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه فأضاف السؤال إلى المفعول به. و قال أصحابنا موضع الخطيئة أنه قال للخصم لَقَدْ ظَلَمَكَ من غير أن يسأل خصمه عن دعواه و في أدب القضاء أن لا يحكم بشيء و لا يقول حتى يسأل خصمه من دعوى خصمه فما أجاب به حكم بذلك و هذا ترك الندب. و الشرط الذي ذكرناه لا بد منه لأنه لا يجوز أن يخبر النبي (ع) أن الخصم ظلم صاحبه قبل العلم بذلك على وجه القطع و إنما يجوز مع تقدير و بالشرط الذي ذكرناه فروي أن الملكين غابا من بين يديه فظن داود أن الله تعالى اختبره بهذه الحكومة و معنى الظن هنا العلم كأنه قال و علم داود و قيل إنما ظن ظنا قويا و هو الظاهر. و فَتَنّٰاهُ أي بحق أضافه الله إلى نفسه أي اختبرناه و قرئ فتناه بالتخفيف أي الملكين فتناه بهما. و قيل إنه كان خطب امرأة كان أوريا بن حنان خطبها و لم يعلم ذلك فكان دخل في سومه فاختاروه عليه فعاتبه الله على ذلك.

12

و أولى الوجوه أنه ترك الندب فيما يتعلق بأدب القضاء. و قرأ ابن مسعود و لي نعجة أنثى واحدة و وصفها بأنثى إشعارا بأنها ضعيفة مهينة. يسأل فيقال في قوله لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ كيف يكون السائل ظالما. الجواب أنه لم يسأله سؤال خضوع إنما غالبه فمعنى السؤال هاهنا حمل على سؤال مطالبة و لو سأله التفضل ما عازه عليها

38/ 20

و قد بينا أن الحكمة في قوله وَ آتَيْنٰاهُ الْحِكْمَةَ اسم تقع على العلم و العقل و صواب الرأي و صحة العزم و الحزم. و فَصْلَ الْخِطٰابِ قطع الأمور بين المتخاصمين و الخطاب نزاع في الخطوب و هو يفصل ذلك لحكمته. و قيل إنما كان كناية عن قوله البينة على المدعي و اليمين على من أنكر لأن بذلك يقع الفصل بين الخصوم.

فصل

21/ 79- 78

و قوله تعالى وَ دٰاوُدَ وَ سُلَيْمٰانَ إِذْ يَحْكُمٰانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنّٰا لِحُكْمِهِمْ شٰاهِدِينَ فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ فقد قال الجبائي إن الله أوحى إلى سليمان بما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به قبل ذلك و لم يكن ذلك عن اجتهاد. و هذا هو الصحيح عندنا و يقوي ذلك قوله فَفَهَّمْنٰاهٰا سُلَيْمٰانَ يعني علمنا الحكومة في ذلك التي هي مصلحة الوقت سليمان.

13

و قوله إِذْ يَحْكُمٰانِ أي طلبا الحكم في ذلك و لم يبتدئا بعد. و قصته

أن زرعا أو كرما وقعت فيه الغنم ليلا فأكلته فحكم داود بالغنم لصاحب الكرم لأن الشرع كان ورد بذلك إليه من قبل و لم يثبت الحكم فقال سليمان لأبيه إن الله أوحى إلي الآن بغير هذا يا نبي الله قال و ما ذاك قال يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان و يدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان دفع كل واحد إلى صاحبه حقه ذكره ابن مسعود و هو المروي عنهما ع.

فعلى هذا ينبغي أن يكون الحاكم حكيما عالما بالناسخ و المنسوخ عارفا بالكتاب و السنة عاقلا بصيرا بوجوه الإعراب يثق من نفسه يتولى القضاء و الفصل بين الناس

باب كيفية الحكم بين أهل الكتاب

5/ 48

قد ذكرنا من قبل كثيرا مما يتعلق بهذا الباب و هاهنا نذكر ما يكون تفصيلا لتلك الجملة أو جملة لذلك التفصيل اعلم أن الله تعالى خاطب نبيه (ص) فقال وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ التقدير و أنزلنا إليك يا محمد أن احكم بينهم و إنما كرر الأمر بالحكم بينهم لأمرين

14

أحدهما أنهما حكمان أمر بهما جميعا لأن اليهود احتكموا إليه في زنا المحصن ثم احتكموا إليه في قتيل كان منهم ذكره أبو علي و هو المروي عن أبي جعفر ع. الثاني أن الأمر الأول مطلق و الثاني دل على أنه منزل.

" قال ابن عباس و الحسن تدل الآية على أن أهل الكتاب إذا ترافعوا إلى الحكام المسلمين يجب أن يحكموا بينهم بحكم القرآن و شريعة الإسلام لأنه أمر من الله بالحكم بينهم و الأمر يقتضي الإيجاب.

و قال أبو علي نسخ ذلك التخيير بالحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم و الترك

5/ 42

قال تعالى فَإِنْ جٰاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.

5/ 48

و الكتاب في قوله وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ المراد به القرآن مُصَدِّقاً نصب على الحال مصدق ما بين يديه من الكتاب يعني التوراة و الإنجيل و ما فيهما من التوحيد لله و عدله و الدلالة على نبوتك و الحكم بالرجم و القود و غيرهما و فيه دلالة على أن ما حكى الله أنه كتبه عليهم في التوراة حكم يلزمنا العمل به لأنه جعل القرآن مصدقا لذلك و شاهدا. و قال مجاهد مُهَيْمِناً صفة للنبي (ع) و الأول أقوى لأجل حرف العطف و لو قال بلا واو لجاز. و لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ عادلا عما جاءك من الحق و لا يدل ذلك على أنه (ع) اتبع أهواءهم لأنه مثل قوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و لا يدل ذلك على أن الشرك كان وقع منه.

15

لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً قال مجاهد شريعة القرآن لجميع الناس لو آمنوا به و قال آخرون إنه شريعة التوراة و شريعة الإنجيل و شريعة القرآن و المعنى بقوله مِنْكُمْ أمة نبينا و أمم الأنبياء قبله على تغليب المخاطب على الغائب فبين تعالى أن لكل أمة شريعة غير شريعة الآخرين لأنها تابعة للمصالح فلا يمكن حمل الناس على شريعة واحدة مع اختلاف المصالح قال تعالى وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً.

فصل

5/ 50

ثم قال تعالى أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قال مجاهد إنها كناية عن اليهود لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه و إذا وجب على أقويائهم لم يأخذوهم به. وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً أي فصلا بين الحق و الباطل من غير محاباة لأنه لا يجوز للحاكم أن يحابي في الحكم بأن يعمل على ما يهواه بدلا مما يوجبه العدل و قد يكون حكم أحسن من حكم بأن يكون أولى منه و أفضل و كذا لو حكم بحق يوافق هواه كان ما يخالف هواه أحسن مما يوافقه.

5/ 49- 42

و قال تعالى في وصف اليهود سَمّٰاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جٰاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ أي هؤلاء يقبلون الكذب و يكثر أكلهم السحت و هو الحرام. فخير الله نبيه (ع) في الحكم بين اليهود في زنا المحصن و في قتيل قتل من اليهود.

16

و في اختيار الحكام و الأئمة الحكم بين أهل الذمة إذا احتكموا إليهم قولان أحدهما أنه حكم ثابت و التخيير حاصل ذهب إليه جماعة و هو المروي عندهم عن علي (ع) و الظاهر في رواياتنا و قال الحسن إنه منسوخ بقوله وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فنسخ الاختيار و أوجب الحكم بينهم بالقسط. وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْرٰاةُ فِيهٰا حُكْمُ اللّٰهِ أي الحكم بالرجم و القود. ثم قال تعالى إِنّٰا أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الْكِتٰابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّٰاسِ بِمٰا أَرٰاكَ اللّٰهُ وَ لٰا تَكُنْ لِلْخٰائِنِينَ خَصِيماً نهى الله نبيه (ع) أن يكون خصيما لمن كان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله أي لا تخاصم عنه. و الخطاب و إن توجه إلى النبي (ص) فالمراد به أمته

باب نوادر من الأحكام:

37/ 141

قال محمد بن حكيم سألت أبا الحسن (ع) عن شيء فقال لي كل مجهول ففيه القرعة فقلت له إن القرعة تخطئ و تصيب فقال كل ما حكم الله به فليس بمخطئ قال تعالى فَسٰاهَمَ فَكٰانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ

17

و عن عبد الله بن الحجاج قال دخل الحكم بن عيينة و سلمة بن كهيل على أبي جعفر (ع) فسألاه عن شاهد و يمين قال قضى به رسول الله (ص) و قضى به علي (ع) عندكم بالكوفة فقالا هذا خلاف القرآن قال و أين وجدتموه خلاف القرآن فقالا إن الله تعالى يقول وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فقال لهما أبو جعفر (ع) فقوله وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ هو أن لا تقبلوا شهادة واحد و يمينا قالا لا

و قال الرضا (ع) إن أبا حنيفة قال لجعفر بن محمد (ع) كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد و هو يضحك فقال جعفر أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مائة قال لا نفعل قال بلى يشهد مائة لا يعرف فترسلون واحدا يسأل عنهم ثم تجيزون شهادتهم بقوله ثم قال أبو حنيفة القتل أشد من الزناء فكيف يجوز في القتل شاهدان و الزناء لا يجوز فيه إلا أربعة شهود فقال الصادق لأن القتل فعل واحد و الزناء فعلان فمن ثم لا نجوز إلا أربعة شهود على الرجل شاهدان و على المرأة شاهدان

و سئل (ع) عن البينة إذا أقيمت على الحق أ يحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم قال خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ بها بظاهر الحكم الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه فقد اختصم

18

رجلان إلى داود (ع) في بقرة فجاء هذا ببينة على أنها له و جاء هذا ببينة على أنها له قال فدخل داود المحراب فقال يا رب إنه قد أعياني أن أحكم بين هذين فكن أنت الذي تحكم فأوحى الله إليه أخرج فخذ البقرة من الذي في يده فادفعها إلى الآخر و اضرب عنقه قال فضجت بنو إسرائيل من ذلك و قالوا جاء هذا ببينة و جاء هذا ببينة و كان أحقهما بإعطائه الذي في يديه فأخذها منه و ضرب عنقه فأعطاه هذا فقال داود يا رب إن بني إسرائيل ضجوا مما حكمت فأوحى الله إليه أن الذي كانت البقرة في يده لقي أبا الآخر فقتله و أخذ البقرة منه فإذا جاءك مثل هذا فاحكم بينهم بما ترى و لا تسألني أن أحكم حتى يوم الحساب.

فصل

و عن داود بن الحصين قال لي أبو عبد الله (ع) ما يقول في النكاح فقهاؤكم قلت يقولون لا يجوز إلا بشهادة رجلين عدلين فقال كذبوا لعنهم الله هونوا و استخفوا بعزائم الله و فرائضه و شددوا و عظموا ما هون الله إن الله أمر في الطلاق بشهادة رجلين عدلين فأجازوا الطلاق بلا شاهد و الشهادة في النكاح لم يجئ عن الله في عزيمة فقد ندب في عقدة النكاح و يستحل الفرج و إن لم يشهدوا و إنما سن رسول الله في ذلك الشاهدين تأديبا و نظرا لئلا ينكر الولد و الميراث.

وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ قبل الشهادة وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ بعد الشهادة

19

باب الزيادات

3/ 83

" ذكر ابن عباس أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله (ص) فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم فكل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه فقال (ع) كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا و قالوا ما نرضى لقضائك فأنزل الله أَ فَغَيْرَ دِينِ اللّٰهِ يَبْغُونَ أي أ فبعد هذه الآيات و الحجج تطلبون دينا غير دين الله وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً فالطوع لأهل السماوات خاصة و أما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا و منهم من استسلم كرها أي فرقا من السيف.

مسألة

5/ 49- 42

" و قال ابن عباس إن الله خير نبيه (ع) بقوله تعالى فَإِنْ جٰاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ و هذا التخيير ثابت في الشرع للأئمة و الحكام.

و قول من قال إنه منسوخ بقوله تعالى وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ لا يصح لأن المعنى وَ إِنْ تُعْرِضْ عن الحكم بينهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً فدع النظر بينهم إن شئت وَ إِنْ حَكَمْتَ أي و إن اخترت أن تحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بما في القرآن و شريعة الإسلام. ثم قرع اليهود بقوله وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ و يرضون بك حكما و هم

20

تركوا الحكم بالتوراة جرأة على الله و إنما طلبوا بذلك الرخصة و ما هم بمؤمنين بحكمك أنه من عند الله.

مسألة

5/ 44

و قوله تعالى إِنّٰا أَنْزَلْنَا التَّوْرٰاةَ فِيهٰا هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ لا يدل على أن نبينا (ص) كان متعبدا بشرع موسى (ع) لأن الله هو الذي أوجب ذلك بوحي أنزله عليه لا بالرجوع إلى التوراة فصار ذلك شرعا له و إن وافق ما في التوراة. و نبه بذلك اليهود على صحة نبوته من حيث أخبر (ع) عما في التوراة من غوامض العلم ما التبس على كثير منهم و قد عرفوا أنه لم يقرأ كتابهم. و قوله تعالى لِلَّذِينَ هٰادُوا أي تابوا من الكفر و قيل لليهود و اللام فيه يتعلق بيحكم أي يقضي بإقامة التوراة النبيون الذين كانوا من وقت موسى إلى وقت عيسى (ع) لهم و فيما بينهم

21

كتاب المكاسب

[وجوه المكاسب]

15/ 20- 19

قال الله تعالى وَ الْأَرْضَ مَدَدْنٰاهٰا وَ أَلْقَيْنٰا فِيهٰا رَوٰاسِيَ وَ أَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَ جَعَلْنٰا لَكُمْ فِيهٰا مَعٰايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرٰازِقِينَ. فقد جعل الله لخلقه من المعيشة ما يتمكنون به من التقدير و أمرهم بالتصرف في ذلك من وجوه الحلال دون الحرام فليس لأحد أن يتكسب بما حظره الله و لا يطلب رزقه من حيث حرمه. و المعايش جمع معيشة و هي طلب أسباب الرزق مدة الحياة فقد يطلبها الإنسان لنفسه بالتصرف و التكسب و قد يطلب له فإن أتاه أسباب الرزق من غير طلب فذلك العيش الهنيء

باب في تفصيل ما أجملناه

15/ 21- 20

قوله تعالى وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرٰازِقِينَ من في موضع النصب عطفا على قوله

22

مَعٰايِشَ و المراد به العبيد و الإماء و الدواب و الأنعام و العرب لا تجعل من إلا في الناس خاصة و غيرهم من العلماء فلما كان مع الدواب المماليك حسن حينئذ. و يجوز أن يكون من في موضع خفض نسقا على الكاف و الميم في لكم و إن كان الظاهر المخفوض قلما يعطف على المضمر المخفوض. و يجوز أن يكون في موضع رفع لأن الكلام قد تم قبله و يكون التقدير و لكم فيها مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرٰازِقِينَ وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّٰا عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ أي ليس شيء إلا و هو قادر من جنسه على ما لا نهاية له و لست أنزل من ذلك الشيء إلا ما هو مصلحة لهم في الدين و ينفعهم دون ما يكون مفسدة لهم و يضرهم. و صدر الآية إشارة إلى

قوله (ع) اطلبوا الرزق في خبايا الأرض فإنه تعالى بسطها و جعل لها طولا و عرضا و طرح فيها جبالا ثابتة و أعلاما يهتدى بها و أخرج منها النبات فيها من كل شيء بقدر معلوم و من الأشياء التي توزن من الذهب و الفضة و النحاس و الحديد و غيرها.

فصل

2/ 201

و قال الصادق (ع) في قوله تعالى رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً أي سعة في الرزق و المعاش و حسن الخلق في الدنيا وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً رضوان الله و الجنة في الآخرة

23

7/ 10

و قال تعالى وَ لَقَدْ مَكَّنّٰاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلْنٰا لَكُمْ فِيهٰا مَعٰايِشَ أخبر تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه أنه مكن عباده في الأرض من التصرف فيها من سكناها و زراعتها و جعل لهم فيها ما يعيشون به مما أنبت لهم من الحبوب و الثمرات و غيرها و المعيشة و صلة من جهة مكسب المطعم و المشرب و الملبس إلى ما فيه الحياة. و التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل مع ارتفاع المنع لأن الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقد يحتاج إلى آلة و إلى دلالة و إلى سبب كما يحتاج إلى رفع المنع و التمكين عبارة عن جميع ذلك.

20/ 81

و قال تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ المراد به الإباحة لأنه تعالى لا يريد المباحات من الأكل و الشرب و غيرهما. وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ أي لا تتعدوا فيه فتأكلوه على وجه حرمه الله فمتى طغيتم فيه و أكلتموه على وجه الحرام نزل عليكم غضبي.

فصل

و

2/ 168

قال بعض المفسرين إن قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً إشارة إلى ما ذكره النبي (ع) تفصيلا لتلك الجملة و هو قوله إذا مر الإنسان بالثمرة جاز له أن يأكل منها بقدر كفايته و لا يحمل منها شيئا على حال و لذلك قال تعالى بعده وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ.

24

و كان لموسى بن جعفر (ع) ضيعة فيها كروم و فواكه فأتاه آت وقت الإدراك ليشتريها فقال (ع) إني أبيعها مشروطة أن تجعل من أربع جوانب الحائط مدخلا ليأكل كل من يمر عليها مقدار ما يشتهيه فإني لا يمكنني أن أبيع القدر الذي يأكله من يمر عليها فاشتراها على ما يريد بهذا الشرط و أحفظه لئلا يحمل شيئا و يخرج.

50/ 11- 9

و قد بين الله الحلال فقال وَ نَزَّلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً مُبٰارَكاً فَأَنْبَتْنٰا بِهِ جَنّٰاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ وَ النَّخْلَ بٰاسِقٰاتٍ لَهٰا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبٰادِ يعني بحب الحصيد حب البر و الشعير و كل ما يحصد لأن من شأنه أن يحصد أي خلقنا ما ذكرناه من حب النبت الحصيد و الطلع النضيد رزقا لهم و غذاء و كل رزق فهو من الله إما بفعلنا أو فعل سببه. و لما كانت المكاسب و ما يجري مجراها تنقسم إلى المباحات و المكروهات و المحظورات لم يكن بد من تميزها

باب المكاسب المحظورة و المكروهة

اعلم أن تقلد الأمر من قبل السلطان الجائر إذا تمكن معه من إيصال الحق إلى مستحقه جائز. يدل عليه بعد الإجماع المتردد و السنة الصحيحة

12/ 55

قول الله تعالى حكاية عن يوسف (ع) قٰالَ اجْعَلْنِي عَلىٰ خَزٰائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ

25

طلب ذلك إليه ليحفظه عمن لا يستحقه و يوصله إلى الوجوه التي يجب صرف الأموال إليها و لذلك رغب إلى الملك فيه لأن الأنبياء لا يجوز أن يرغبوا في جمع أموال الدنيا إلا لما قلناه فقوله حَفِيظٌ أي حافظ للمال عمن لا يستحقه عليهم بالوجوه التي يجب صرفه إليها. و متى علم الإنسان أو غلب على ظنه أنه لا يتمكن من جميع ذلك فلا يجوز له التعرض له على حال.

و عن أبي بصير سألت أبا عبد الله (ع) عن كسب المغنيات قال التي تدعى إلى العرائس ليس به بأس و التي يدخل عليها الرجال حرام و هو قول الله تعالى وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ

و عن ابن سنان قال سألت أبا الحسن (ع) عن الإجارة قال صالح لا بأس به إذا نصح قدر طاقته فقد آجر موسى (ع) نفسه و اشترط فقال إن شئت ثمانيا و إن شئت عشرا فأنزل الله فيه عَلىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمٰانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ

و عن عمار الساباطي قال سألت أبا عبد الله (ع) الرجل يتجر فإن هو آجر نفسه أعطي ما يصيب في تجارة فقال لا يؤاجر نفسه و لكن سيرزق الله تعالى و يتجر فإنه إذا آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق.

و لا تنافي بينهما لأن الخبر الأول محمول على ضرب من الكراهية و الوجه في كراهة ذلك أنه لا يأمن أن لا ينصحه في عمله فيكون مأثوما و قد نبه على ذلك في الخبر الأول بقوله لا بأس إذا نصح قدر طاقته.

26

فصل

5/ 44- 42

و عن عمار بن مروان سألت أبا جعفر (ع) عن الغلول فقال كل شيء غل من الإمام فهو سحت و أكل مال اليتيم و شبهه سحت و السحت أنواع كثيرة منها أجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البينة و أما الرشا في الحكم فإن ذلك الكفر بالله العظيم و برسوله

و روي عن النبي (ص) في قوله تعالى أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ قال السحت الرشوة في الحكم

و عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال السحت الرشوة في الحكم و مهر البغي و عسيب الفحل و كسب الحجام و ثمن الكلب و ثمن الخمر و ثمن الميتة و حلوان الكاهن و روي عن أبي هريرة مثله

و قال مسروق سألت أبا عبد الله (ع) عن الجور في الحكم قال

27

ذلك الكفر و عن السحت فقال الرجل يقضي لغيره الحاجة فيهدي له الهدية قال الله تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ هذا إذا كان مستحلا لذلك.

و قال الخليل السحت القبيح الذي فيه العار نحو ثمن الكلب و الخمر و أصل السحت الاستيصال.

و عن الصادق (ع) في قوله أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ أنه قال ثمن العذرة من السحت

و قال أربعة لا تجوز في أربعة الخيانة و الغلول و السرقة و الربا لا تجوز في حج و لا عمرة و لا جهاد و لا صدقة

و قال لا تصلح السرقة و الخيانة إذا عرفت.

و الآية تدل على جميع ذلك بعمومها.

فصل

24/ 33

أما قوله تعالى وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى الْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً فهو نهي عن إكراه الأمة على الزناء إنها نزلت على سبب فوقع النهي عن المعين على تلك الصفة.

28

" قال جابر بن عبد الله نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول حين أكره أمته مسيكة على هذا.

و هذا نهي عام لكل مكلف أن يكره أمته على الزناء طلبا لكسبها بالزناء. و قوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً صورته صورة الشرط و ليس بشرط و إنما ذكر لعظم الإفحاش في الإكراه على ذلك. و مهور البغايا محرمة كرهن أو لم يكرهن. و قوله تعالى وَ مَنْ يُكْرِهْهُنَّ يعني على الفاحشة فَإِنَّ اللّٰهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرٰاهِهِنَّ أي لهن غَفُورٌ رَحِيمٌ إن وقع منها مكرهة في ذلك الوزر على المكره.

و قال أبو جعفر (ع) لما أنزل الله على رسوله (ص) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ قيل يا رسول الله ما الميسر فقال كل ما يقامر به حتى الكعاب و الجوز قيل فما الأنصاب قال ما ذبحوه لآلهتهم قيل فما الأزلام قال قداحهم التي كانوا يستقسمون بها

و نهى (ع) أن يؤكل ما تحمل النملة بفيها و قوائمها.

و قال تعالى وَ كَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لٰا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللّٰهُ يَرْزُقُهٰا وَ إِيّٰاكُمْ أي لا تحمل رزقها للادخار و قيل أي لا تدخره لغد.

29

و روي أن الحيوان أجمع من البهائم و الطير و نحوها لا تدخر القوت لغدها إلا ابن آدم و النملة و الفأرة بل تأكل منها كفايتها فقط. و نزلت الآية من أولها يٰا عِبٰادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وٰاسِعَةٌ فَإِيّٰايَ فَاعْبُدُونِ إلى هاهنا في أهل مكة المؤمنين منهم فإنهم قالوا يا رسول الله ليس لنا بالمدينة أموال و لا منازل فمن أين المعاش فأنزل الله الآية.

فصل

3/ 186

و قوله تعالى لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ معناه لتختبرن ما يفعل بكم من الفقر و شدة العسر و بما تؤمرون من الزكوات و الإنفاق في سبيل الله في أموالكم كما تختبرون بالعبادات في أنفسكم و إنما فعله لتصبروا فسماه بلوى مجازا لأن حقيقته لا تجوز على الله.

34/ 15

و كفى للمكلفين واعظا بقوله تعالى لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ فإن أرض سبإ كانت من أطيب البقاع لم يجعل الله فيها شيئا من هوام الأرض نحو البق و البراغيث و لا العقرب و لا غيرها من المؤذيات و كان الغريب إذا دخل أرضهم و في ثيابه قمل مات. فهذه آية و الآية الثانية أن المرأة كانت تأخذ على رأسها مكيلا فتملأ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا.

30

ثم فسر الآية فقال جَنَّتٰانِ أي هي جنتان من عن يمين الوادي و شماله ثم قال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ المراد به الإباحة و إن كان لفظه لفظ الأمر بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ليس فيها سبخة فأعرضوا عن ذلك فلم يشكروا الله فجازاهم تعالى على ذلك بأن سلبهم نعمة كانت بها و أرسل عليهم سيل العرم و قد كانت تجتمع مياه و سيول في هذا الوادي و سدوه بالحجارة و القاربين الجبلين فجعلوا له أبوابا يأخذون الماء منه بمقدار الحاجة ما شاءوا فلما تركوا أمر الله بعث عليهم جرذا فنقبته فأغرق عليهم جنتهم و أفسد أرضهم.

34/ 19- 16

ثم قال وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ و إنما سماهما بعد ذلك أيضا جنتين ازدواجا للكلام ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ فالأكل جناء الثمر الذي يؤكل و الخمط شجر له ثمر مر. ثم قال ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا ثم من الله تعالى عليهم بما يذكر بعد فظهر فيما بينهم المحاسدة فكان كما قال فَجَعَلْنٰاهُمْ أَحٰادِيثَ أي أهلكناهم و ألهمنا الناس أحاديثهم ليعتبروا بها

باب المكاسب المباحة:

65/ 3- 2

قال أبو عبد الله (ع) إن قوما من الصحابة لما نزل وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ أغلقوا الأبواب و أقبلوا على العبادة و قالوا قد كفينا فبلغ ذلك النبي (ص) فأرسل إليهم فقال ما حملكم على ما صنعتم فقالوا يا رسول الله تكفل الله لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة فقال (ع) إنه من فعل ذلك لم يستجب الله له عليكم بالطلب

31

طلب الحلال فريضة بعد الفريضة

و قال ملعون من ألقى كله على الناس.

16/ 76

و قال الله تعالى وَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمٰا أَبْكَمُ لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ أي ثقل على وليه هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ

و عن سعيد بن يسار قلت لأبي عبد الله (ع) امرأة دفعت إلى زوجها مالا من مالها ليعمل به و قالت له حين دفعته إليه أنفق منه فإن حدث بك حادث فما أنفقت منه لك حلال طيب و إن حدث بي حادث فهو لك حلال فقال أعد علي يا سعيد المسألة فلما ذهبت أعيد المسألة عليه اعترض فيها صاحبها و كان صاحبها معي فقال له يا هذا إن كنت تعلم أنها قد أوصت بذلك إليك فيما بينك و بينها و بين الله فحلال طيب ثم قال يقول الله تعالى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً يعني بذلك أموالهن التي في أيديهن مما يملكن

2/ 205

و عن أبي جعفر (ع) قال رسول الله (ص) لرجل أنت و مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر (ع) و قال رسول الله لا يجب أن يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج إليه مما لا بد منه إن الله لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ.

33/ 53

و قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ.

32

نهاهم عن دخول دار النبي (ع) بغير إذن إلى طعام غير منتظرين بلوغ الطعام و غير نصب على الحال و إن الطعام إذا بلغ حال النضج ثم قال وَ لٰكِنْ إِذٰا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا أي إذا دعيتم إلى الطعام فادخلوا فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا أي تفرقوا و لا تستأنسوا بطول الحديث و إنما منعوا من الاستيناس لأجل طول الجلوس ثم بين أن الاستيناس بطول الجلوس يؤذي النبي و أنه يستحيي من الحاضرين فيسكت على مضض و مشقة.

فصل

24/ 61

أما قوله تعالى لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ إلى آخر الآية. فقد قال ابن عباس ليس في مؤاكلتهم حرج لأنهم كانوا يتحرجون من ذلك. قال الفراء كانت الأنصار تتحرج من ذلك لأنهم كانوا يقولون الأعمى لا يبصر فيأكل جيد الطعام دونه و الأعرج لا يتمكن من الجلوس و المريض يضعف عن المأكل. و قال مجاهد أي ليس عليكم في الأكل من بيوت من سمي على جهة حمل قراباتكم إليهم تستتبعونهم في ذلك حرج. و قال الزهري ليس عليهم حرج في أكلهم من بيوت الغزاة إذا خلفوهم فيها بإذنهم. و قيل كان المخلف في المنزل المأذون له في الأكل فيجوز لئلا يزيد

33

على مقدار المأذون له فيها. و قال الجبائي الآية منسوخة بقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلّٰا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلىٰ طَعٰامٍ غَيْرَ نٰاظِرِينَ إِنٰاهُ

و يقول النبي (ع) لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه.

و الذي روي عن أهل البيت (ع) أنه لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف و هم عشرة. و قوله وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ قال الفراء لما نزل قوله تعالى لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً ترك الناس مؤاكلة الصغير و الكبير ممن أذن الله في الأكل معه فقال تعالى و ليس عليكم في أنفسكم و في عيالكم أن تأكلوا معهم إلى قوله أَوْ صَدِيقِكُمْ أي بيوت صديقكم أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أي بيوت عبيدكم و أموالهم.

" و قال ابن عباس معنى مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ هو الوكيل و من جرى مجراه.

و قال مجاهد و الضحاك هو ما ملكه الرجل نفسه في بيته. و قال قتادة معنى قوله أَوْ صَدِيقِكُمْ لأنه لا بأس في الأكل من بيت صديقه بغير إذن. و قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً قيل يدخل فيه أصحاب الآفات على التغليب للمخاطب كقولهم أنت و زيد قمتما و قال ابن عباس معناه لا بأس أن يأكل الغني مع الفقير في بيته و قال الضحاك

34

هم قوم من العرب كان الرجل منهم يتحرج أن يأكل وحده و كانوا من كنانة. و قال أبو صالح كانوا إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا إلا معه فأباح الله الأكل مفردا و مجتمعا. و الأولى حمل ذلك على عمومه و أنه يجوز الأكل وحدانا و جماعا

باب التصرف في أموال اليتامى

2/ 220

قال الله عز و جل وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتٰامىٰ قُلْ إِصْلٰاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَأَعْنَتَكُمْ. معنى الآية الأذن لهم فيما كانوا يتحرجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال من المأكل و المشرب و المسكن و نحو ذلك فأذن الله لهم في ذلك إذا تحروا الإصلاح بالتوفير على الأيتام في قول الحسن و غيره و هو المروي في أخبارنا. و قوله فَإِخْوٰانُكُمْ أي فهم إخوانكم خالطتموهم أو لم تخالطوهم وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَأَعْنَتَكُمْ الإعنات الحمل على مشقة لا تطاق ثقلا و معناه التذكر بالنعمة في التوسعة على ما توجبه الحكمة مع القدرة على التضييق الذي فيه أعظم المشقة.

4/ 10

و قال أحمد بن محمد بن أبي نصر سألت أبا الحسن (ع) عن رجل يكون في يده مال لأيتام فيحتاج إليه فيمد يده فيأخذه و ينوي أن يرده قال لا ينبغي له أن يأكل منه إلا القصد و لا يسرف فإن كان من نيته أن لا يرده عليهم

35

فهو بالمنزل الذي قال الله عز و جل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً

4/ 6

و عن سماعة عن الصادق (ع) في قوله تعالى وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال من كان يلي شيئا من أموال اليتامى و هو محتاج إلى ما يقيمه فهو يتقاضى أموالهم و يقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر و لا يسرف فإن كان ضيعتهم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يرزأن من أموالهم شيئا

2/ 220

و سئل (ع) عن قوله تعالى وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ قال يعني اليتامى إذا كان الرجل يلي الأيتام في حجره فليخرج من ماله على قدر ما يحتاج إليه على قدر ما تخرج لكل إنسان منهم فيخالطهم و يأكلون جميعا و لا يرزأن من أموالهم شيئا إنما هي النار

أي ما يضيعه منه.

4/ 6

و قال (ع) في قوله تعالى فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ المعروف هو القوت و إنما عنى الوصي و القيم في أموالهم بما يصلحهم

و عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فقال ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا قال قلت أ رأيت قول الله عز و جل وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ قال تخرج من أموالهم بقدر ما يكفيهم و تخرج من مالك قدر ما يكفيك ثم تنفقه قلت أ رأيت إن كانوا يتامى صغارا و كبارا و بعضهم أعلى كسوة من بعض و بعضهم آكل من بعض و مالهم جميعا فقال أما الكسوة فعلى كل إنسان منهم

36

ثمن كسوته و أما الطعام فاجعلوه جميعا فإن الصغير يوشك أن يأكل مثل الكبير

باب من يجبر الإنسان على نفقته

17/ 31

الذين يجب لهم النفقة بنص القرآن منهم الولد لقوله تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلٰاقٍ يعني خشية الفقر فلو لا أن على الوالد نفقة الولد ما قتله خشية الفقر. و هذا الخطاب متوجه إلى الأغنياء الذين يخافون الفقر أن أنفقوا على أولادهم أموالهم فقال تعالى لهم لا تقتلوا أولادكم فإني أرزقهم كما رزقتكم و خاطب الفقراء بالآية الأخرى فقال تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا أَوْلٰادَكُمْ مِنْ إِمْلٰاقٍ فإني أرزقهم و إياكم. فصح أن نفقة الولد على الوالد واجبة سواء كان له مال أو حرفة و صناعة أو أي حيلة يحصل بها ما يقوته و يتبلغ هو به.

2/ 233

و قول الله لٰا تُضَارَّ وٰالِدَةٌ بِوَلَدِهٰا وَ لٰا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ يمنع من الإضرار به.

65/ 6

أما قوله تعالى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فإنه تعالى أراد به المطلقات دون الزوجات بدلالة أنه تعالى أوجب الأجرة بشرط الرضاع إلا إذا كانت ناشزا لا تستحق منه النفقة و لأنه تعالى سماه أجرة و النفقة لا تسمى بذلك. و أما وجوب نفقة الوالد على الولد فعلى كل ولد أن ينفق على والده في

37

الجملة و على الوالدة أيضا هذا إذا كان له يسار و ما يجري مجراه و الدليل على هذا قوله تعالى وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً فعلى هذا إن احتاج الوالد و لا ينفق الولد عليه يجوز للوالد حينئذ أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحتاج إليه من غير إسراف بل على طريق القصد. فأما من كان له أولاد صغار فلا يجوز له أن يأخذ شيئا من أموالهم إلا قرضا على نفسه و أما الوالدة فلا يجوز لها أن تأخذ من ولدها شيئا على حال إلا على سبيل القرض على نفسها. و المرأة لا يجوز لها أن تأخذ من بيت زوجها من غير إذنه إلا المأدوم فإن ذلك مباح لها أن تتصرف فيه ما لم يؤد إلى ضرر. و يجبر الرجل على نفقة ستة ولده و والديه و جده و جدته من الطرفين و زوجته و المملوك أيضا. و يستحب له النفقة على الآخرين من ذوي أرحامه. و إذا كان للولد مال و لم يكن لوالده شيء جاز له أن يأخذ منه ما يحج به حجة الإسلام فأما حجة التطوع فلا يجوز له إلا بإذنه

باب السبق و الرماية

8/ 60

قال الله تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّٰهِ وَ عَدُوَّكُمْ.

فقال النبي (ص) ألا إن القوة الرمي ثلاثا.

و وجه الدلالة أن الله أمر بإعداد الرمي و رباط الخيل للحرب و لقاء العدو

38

و الإعداد لا يكون إلا بالتعلم و النهاية في التعلم المسابقة في ذلك ليكد كل واحد نفسه في بلوغ النهاية و الحذف فيه فكان في ضمن الآية دليل على ما قلناه.

12/ 17

و قال تعالى حكاية عن ولد يعقوب يٰا أَبٰانٰا إِنّٰا ذَهَبْنٰا نَسْتَبِقُ فأخبر بالمسابقة.

و قال النبي (ص) لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر

بسكون الباء و فتحها فالسكون مصدر و بالفتح الفرض المخرج في المسابقة فأحل (ع) السبق و أباحه في هذه الثلاثة.

" و سئل أنس هل كنتم تراهنون فقال نعم.

و لا خلاف في جوازه و إنما الخلاف في أعيان المسائل. فإذا تقرر جواز ذلك في الجملة فالكلام فيما يجوز المسابقة عليه و ما لا يجوز. فما تضمنه الخبر من النصل و الحافر و الخف ضربان أحدهما نشابة و هي للعجم و الآخر السهم و هو للعرب و المزاريق و هي الردينيات و الرماح و السيوف كل ذلك من النصل و يجوز المسابقة عليه بعوض لقوله تعالى وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ الآية. و أما الخف فالإبل يجوز المسابقة عليها لقوله فَمٰا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ فالركاب الإبل و كذا المسابقة على الخيل فجائز لقوله و من رباط الخيل و قوله مِنْ خَيْلٍ وَ لٰا رِكٰابٍ و عليه الإجماع

39

باب الزيادات

20/ 81

قوله تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ.

ركب علي (ع) يوما دلدل ليخرج إلى موضع فأتى مسجد الكوفة ليصلي فيه ركعتين ثم يخرج و كان منفردا فلما وصل إلى باب المسجد رأى رجلا هناك فقال احفظها لأدخل المسجد فإذا خرجت أعطيتك شيئا فأخذ الرجل اللجام من رأس البغلة و مضى فلما خرج (ع) من الصلاة فإذا بقنبر و جماعة من الناس حول البغلة و لم يكن عليها اللجام فقال (ع) سبحان الله إني أخذت درهمين لأدفعهما إليه فدفعهما إلى قنبر ليشتري بهما لجاما فلما دخل قنبر أول السوق فإذا الرجل باعه بدرهمين قراضة فلما عاد أقبل أمير المؤمنين على الناس و قال لا تتعرضوا للحرام و لا تأكلوا مال غيركم غصبا فتحرموا في يومكم مقدار ذلك من رزقكم و كل من أمكنه أن يأخذ مال غيره على وجه الحرام و لا يأخذ فالله يرزقه في ذلك اليوم مقدار ذلك مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ حلالا طيبا قال تعالى كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ وَ لٰا تَطْغَوْا فِيهِ

40

كتاب المتاجر

[في جواز التجارة]

4/ 30- 29

قال الله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ. نهى الله عن أكل الأموال بالباطل و استثنى المتاجر من ذلك و جعلها حقا يخرج به مستعملها من الباطل. و قيل في معناه قولان أحدهما

قال السدي لا تكلوا أموالكم بينكم بالربا و القمار و البخس و الظلم و هو المروي عن أبي جعفر ع .

الثاني قال الحسن بغير استحقاق من طريق الأعواض. و كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما أنزلت هذه الآية إلى أن نسخ ذلك بقوله تعالى في سورة النور لَيْسَ عَلَى الْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ

41

إلى قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً. و الأول أقوى لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق فليس هو أكلا بالباطل و قيل معناه التجاوز و الأخذ من غير وجهه و لذلك قال تعالى بَيْنَكُمْ. و قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً فيه دلالة على بطلان من حرم الكسب لأن الله حرم أكل الأموال بالباطل و أحله بالتجارة على طريق المكاسب و مثله قوله وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا. و قوله تعالى عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ قيل في معنى التراضي بالتجارة قولان أحدهما إمضاء البيع بالتفرق أو التخاير بعد العقد في قول شريح و الشعبي و ابن سيرين

لقوله (ع) البيعان بالخيار ما لم يفترقا

أو يكون بيع خيار و ربما قالوا أو يقول أحدهما للآخر اختر و هو مذهبنا. الثاني إمضاء البيع بالعقد على قول مالك بن أنس و أبي حنيفة بعلة رده إلى عقد النكاح و لا خلاف أنه لا خيار فيه بعد الافتراق و قيل معناه إذا تغابنوا فيه مع التراضي فإنه جائز. ثم قال تعالى وَ لٰا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تهلكوها بترك التجارة و بارتكاب الآثام و العدوان في أكل الأموال بالباطل و غيره وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰاناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نٰاراً الإشارة إلى أكل الأموال بالباطل. و قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً من رفع فالمعنى إلا أن يقع و من نصب فمعناه إلا أن تكون الأموال تجارة أي أموال تجارة و حذف المضاف و يكون الاستثناء منقطعا و يجوز أن يكون التقدير إلا أن تكون التجارة تجارة و الرفع أقوى لأنه أدل على الاستثناء فإن التحريم لأكل المال بالباطل على الإطلاق

42

باب آداب التجارة

2/ 267

قال الله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ فندب تعالى إلى الإنفاق من طيب الاكتساب و نهى عن طلب الخبيث للمعيشة به و الإنفاق فمن لم يتفقه لم يميز بين العقود الصحيحة و الفاسدة و لم يعرف فرق ما بين الحلال و الحرام من الكسب فلم يكن مجتنبا للخبيث من الأعمال. و ينبغي للتاجر إذا عامله مؤمن ألا يربح عليه إلا في حال الضرورة و يقنع بما لا بد له من اليسير مع الاضطرار أيضا.

7/ 199

قال تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجٰاهِلِينَ أمر الله نبيه (ع) أن يأخذ مع الناس بالعفو و هو التساهل فيما بينه و بينهم و أن يترك الاستقصاء عليهم في ذلك و هذا يكون في مطالبة الحقوق الواجبة لله و للناس و في غيرها و هو في معنى الخبر

عن النبي (ع) رحم الله سهل القضاء سهل الاقتضاء بائعا و مشتريا.

و لا ينافي ذلك أن لصاحب الحق و الديون و غيرها استيفاء الحق و ملازمة صاحبه حتى يستوفيه لأن ذلك مندوب إليه دون أن يكون واجبا. وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ أي المعروف و هو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجٰاهِلِينَ أمر بالإعراض عن السفيه الذي إن بايعه

43

أو شاراه سفه عليه و آذاه

و إلى هذا أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله لأهل السوق كل بكرة يغتدي إليهم تبركوا بالسهولة و اقتربوا من المتبايعين و تناهوا عن اليمين و جانبوا الكذب و الظلم و لا تقربوا الربا و أَوْفُوا الْمِكْيٰالَ وَ الْمِيزٰانَ .. وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ و إياكم و مخالطة السفلة و هو الذي لا يبالي بما قال و ما قيل له و لا تعاملوا إلا من يشاء في خير قال تعالى وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجٰاهِلِينَ.

فصل

17/ 35

قال الله تعالى وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذٰا كِلْتُمْ و لا يكون الوفاء حتى يميل الميزان.

و كان (ع) يقول زن يا وزان و أرجح

فلهذا أمرنا أن لا نأخذ إلا ناقصا و أن لا نعطي إلا راجحا.

و قال النبي (ص) من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال و إلا فلا يشتري و لا يبيع الربا و الحلف و كتمان العيب و المدح إذا باع و الذم إذا اشترى.

2/ 275

قال الله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا و قال وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ.

44

8/ 27

و قال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَخُونُوا اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ فلا ينبغي تزيين متاعه بأن يرى جيده و يكتم رديه و لقوله تعالى وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ فالغلول الخيانة لأنه يجري في الملك على خفي من غير الوجه الذي يحل كالغلل و هو دخول الماء في خلل الشجر و إنما خصت الخيانة بالصفة دون السرقة لأنه يجري إليها بسهولة لأنها مع عقد الأمانة.

و قال النبي (ع) حين مر على رجل يبيع التمر و كان يخلط الرديء بالجيد من غشنا فليس منا.

و لا يجوز أن يشوب اللبن بالماء لأن العيب لا يتبين فيه.

و عن إسحاق سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول له ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده قال لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه إن الله عز و جل يقول إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا و إن كان ما عنده خيرا مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده إلا بإعلامه ذلك.

و كذلك من باع لغيره شيئا فلا يشتريه لنفسه و إن زاد في ثمنه على ما يطلب في الحال إلا بعلم من صاحبه و إذن من جهته.

45

38/ 23

و لا يجوز للرجل أن يدخل في سوم أخيه فقد عاتب الله نبيه داود فقال إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا الآية. و إذا تعسر عليه نوع من التجارة فليتحول منه إلى غيره

باب أحكام الربا

2/ 279- 275

قال الله تعال الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ. أصل الربا الزيادة من قولهم ربا الشيء يربو إذا زاد و الربا هو الزيادة على رأس المال في جنسه أو مماثله و ذلك كالزيادة على مقدار الدين للزيادة في الأجل أو كإعطاء درهم بدرهمين أو دينار بدينارين. و المنصوص عليه تحريم التفاضل في ستة أشياء الذهب و الفضة و الحنطة و الشعير و التمر و الملح و قيل الزبيب

فقال رسول الله (ص) فيها مثلا بمثل يدا بيد من زاد و استزاد فقد أربى.

فهذه الستة أشياء لا خلاف بينهم في حصول الربا فيها و باقي الأشياء عند الفقهاء مقيس عليها و فيها خلاف بينهم. و عندنا أن الربا في كل ما يؤكل و يوزن إذا كان الجنس واحدا منصوصا عليه و العموم يتناول كل ذلك و لا يحتاج إلى قياس. و الربا محرم متوعد عليه كبيرة موبقة بلا خلاف بهذه الآية و بقوله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ ذَرُوا مٰا بَقِيَ مِنَ الرِّبٰا و بقوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا

46

بِحَرْبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ. أما قوله لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ قال ابن عباس إن قيامهم على هذه الصفة يكون يوم القيامة إذا قاموا من قبورهم و يكون ذلك أمارة على أنهم آكلة الربا. و قوله يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ مثل لا حقيقة عند الجبائي على وجه النسبة بحال من تغلب عليه المرة السوداء فتضعف نفسه و نسب إلى الشيطان مجازا لما كان عند وسوسته. ثم قال ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قٰالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبٰا معناه ذلك العقاب لهم بسبب قولهم إنما البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه الربا.

" قال ابن عباس كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه يطالبه به قال المطلوب منه له زدني في الأجل و أزيدك في المال فيتراضيان عليه و يعملان به فإذا قيل لهم هذا ربا قالوا هما سواء يعنون به أن الزيادة في الثمن حال البيع و الزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء فذمهم الله و أوعدهم و خطأهم.

و قال بعضهم إنهم قالوا الزيادة على رأس المال بعد تصييره على جهة الدين كالزيادة عليه في ابتداء البيع و ذلك خطأ لأن أحدهما محرم و الآخر مباح و هو أيضا منفصل منه في العقد لأن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين و في الآخر لأجل البيع. و الفرق بين البيع و الربا أن البيع ببدل لأن الثمن فيه بدل المثمن و الربا ليس كذلك و إنما هو زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في الجنس. و قد أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا فَمَنْ جٰاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهىٰ فَلَهُ مٰا سَلَفَ

47

أي له ما أكل و ليس عليه رد ما سلف إذا لم يكن علم أنه حرام.

قال أبو جعفر (ع) من أدرك الإسلام و تاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف فمن ارتكب ربا بجهالة و لم يعلم أن ذلك محظور فليستغفر الله في المستقبل و ليس عليه فيما مضى شيء و متى علم أن ذلك محرم و تمكن من عمله فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه و يجب عليه رده إلى صاحبه.

و قال السدي في معنى قوله فَلَهُ مٰا سَلَفَ له ما أكله و ليس عليه رد ما سلف فأما من لم يقبض بعد فلا يجوز له أخذه و له رأس المال. و يحتمل أن يكون أراد فَلَهُ مٰا سَلَفَ يعني من الربا المأخوذ دون العقاب الذي استحقه. و قوله وَ أَمْرُهُ إِلَى اللّٰهِ معناه في جواز العفو عنه إن لم يتب وَ مَنْ عٰادَ لأكل الربا بعد التحريم فَأُولٰئِكَ أَصْحٰابُ النّٰارِ لأن ذلك لا يصدر إلا عن كافر لأن مستحل الربا كافر بالإجماع.

فصل

2/ 275

و الوعيد في الآية متوجهة إلى من أربى و إن لم يأكله و إنما ذكر الله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لأنها نزلت في قوم كانوا يأكلونه فوصفهم بصفتهم فحكمها ثابت في جميع من أربى و الآية الأخرى التي ذكرناها تبين ما قلناه و عليه أيضا الإجماع. و قيل الوجه في تحريم الربا أن فيه تعطيل المعايش و الأجلاب فالتاجر إذا وجد المربي و من يعطيه دراهم فضلا بدراهم لا يقرض

و قد قال أبو عبد الله (ع) إنما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف

48

قرضا أو رفدا.

2/ 276

ثم قال تعالى يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ المحق نقصان الشيء حالا بعد حال قال البلخي محقه في الدنيا بسقوط عدالته و الحكم بفسقه و تسميته به.

3/ 130

و قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً قيل في تحريم الربا خاصة مع ما في قوله أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا و غير ذلك قولان أحدهما التصريح بالنهي عنه بعد الإخبار بتحريمه لما في ذلك من تصريف الحظر له و شدة التحذير منه. الثاني لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الأضعاف المضاعفة و قيل في معناه هاهنا قولان أحدهما للمضاعفة بالتأخير أجلا بعد أجل كما أخر أجلا عن أجل إلى غيره زيد عليه زيادة على المال الثاني أي تضاعفون به أموالكم. و الربا المنهي عنه قال عطا و مجاهد هو ربا الجاهلية و هو الزيادة على أصل المال للتأخير عن الأجل الحال و يدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة. و وجه تحريم الربا هو المصلحة التي علم الله تعالى فإن ذلك يدعو إلى العدل و يحض عليه و يدعو أيضا إلى مكارم الأخلاق بالإقراض و إنظار المعسر من غير زيادة.

49

3/ 130

و معنى لٰا تَأْكُلُوا الرِّبَوا لا تزيدوا على رأس المال و ليس المراد النهي عن الأكل فقط و إنما جاز ذلك لأنه معلوم المراد. و قوله تعالى أَضْعٰافاً مُضٰاعَفَةً حال للربا و الأضعاف جمع ضعف و الربا مصدر كأنه قال لا تزيدوا زيادة متكررة. و قد بين رسول الله (ص) أن قليل الربا حرام ككثيره.

و سئل الصادق (ع) عن قوله يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ و قيل قد أربى من يأكل الربا يربو ماله قال أي محق أمحق من درهم ربا يمحق الدين و إن تاب منه ذهب ماله و افتقر

باب البيع بالنقد و النسيئة و الشرط في العقود

2/ 275

البيع نقدا و نسيئة جائز لأن قول الله عز و جل وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ يتناوله على كل الوجوه فمن باع شيئا و لم يذكر فيه ثمنه نقدا و لا نسيئة كان الثمن حالا. فإن ذكر أن يكون الثمن آجلا فلا يخلو إما أن يكون أجلا مجهولا مثل قدوم الحاج و إدراك الغلات فالبيع باطل على هذا و إن كان الأجل معينا كان البيع صحيحا و الأجل على ما ذكر و الذي يدل على هذا الفصل و التفصيل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى. و كذلك إذا باع بنسيئة و لم يذكر الأجل أصلا كان البيع أيضا باطلا لأن الله اعتبر في هذه الآية الأجل و أن يكون ذلك الأجل مسمى معينا.

50

و الآية تدل على صحة اشتراء السلف و صحة بيع النسيئة بشرط تعيين أجلهما. و لا بد من حضور الثمن و المثمن و لا يجوز تأخير الثمن عن وقت وجوبه لزيادة فيه لأنه ربا على ما ذكرناه و لا بأس بتعجيله بنقصان شيء منه لقوله تعالى فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا.

فصل

2/ 275

و قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ عام في كل بيع شرعي. ثم اعلم أن البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص إلى غيره بعوض مقدر على وجه التراضي على ما يقتضيه الشرع. و هو على ثلاثة أضرب بيع عين مرئية و بيع موصوف في الذمة و بيع خيار الرؤية. فأما بيع الأعيان المرئية فهو أن يبيع إنسان عبدا حاضرا أو ثوبا حاضرا أو عينا من الأعيان حاضرة فيشاهد البائع و المشتري ذلك فهذا بيع صحيح بلا خلاف. و أما بيع الموصوف في الذمة فهو أن يسلمه في شيء موصوف إلى أجل معلوم و يذكر الصفات المقصودة فهذا أيضا صحيح بلا خلاف. و أما بيع خيار الرؤية فهو بيع الأعيان الغائبة و هو أن يبتاع شيئا لم يره مثل أن يقول بعتك هذا الثوب الذي في كمي أو الثوب الذي في الصندوق و ما أشبه ذلك فيذكر جنس المبيع فيتميز من غير جنسه و يذكر الصفة و لا فرق بين أن يكون البائع رآه و المشتري لم يره أو يكون المشتري رآه و البائع لم

51

يره أو لم يرياه معا فإذا عقد البيع ثم رأى المبيع فوجده على ما وصفه كان البيع ماضيا و إن وجده بخلافه كان له رده و فسخ العقد. و لا بد من ذكر الجنس و الصفة فمتى لم يذكرهما أو واحدا منهما لم يصح البيع و متى شرط المشتري خيار الرؤية لنفسه كان جائزا فإذا رآه بالصفة التي ذكرها لم يكن له الخيار و إن وجده مخالفا كان له الخيار هذا إذا لم يكن رآه و إن كان قد رآه فلا وجه لشرط الرؤية لأنه عالم به قبل الرؤية.

4/ 29

و قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ يدل أيضا على أكثر ما ذكرناه.

فصل

2/ 282

و قوله تعالى إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى يدل على صحة السلف في جميع المبيعات و إنما يجوز ذلك إذا جمع شرطين تميز الجنس من غيره مع تحديده بالوصف و الثاني ذكر الأجل فيه فإذا اختل شيء منهما لم يصح السلف و هو بيع مخصوص. و كل شيء لا يتحدد بالوصف مثل روايا الماء و الخبز و اللحم لم يصح السلف فيه لأن ذلك لا يمكن تحديده بوصف لا يختلط به سواه و قال بعض أصحابنا إنه جائز و الأول أظهر. و كل شرط يوافق شريعة الإسلام اعتبره المشتري فإنه يلزم لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

و لقول رسول الله (ص) المؤمنون عند شروطهم.

و عن فضيل قلت لأبي عبد الله (ع) ما الشرط في الحيوان قال ثلاثة أيام شرط ذلك في ضمن العقد أو لم يشرط و يكون الخيار للمبتاع خاصة في هذه المدة ما لم يحدث فيه حدثا قلت فما الشرط في غير الحيوان قال

52

البيعان في الخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما إلا أن يشترطا إلى مدة معينة

و قال (ع) لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصفت الطول و العرض إلى أجل معلوم و في الحيوان إذا وصفت أسنانها.

و قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ يختص بهذا النوع من المبايعة

باب في أشياء تتعلق بالمبايعة و نحوها

الاحتكار يكون في ستة أشياء الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الملح. و هو حبسها من البيع و لا يجوز ذلك و بالناس حاجة و لا يوجد غيره في البلد فإذا ضاق الطعام و لا يوجد إلا عند من احتكره كان للسلطان أن يجبره على بيعه و لم يكرهه على سعر بعينه إذا باع هو على التقريب من سعر الوقت فإن كان سعر الغلة مثلا عشرين منا بدينار فلا يمكن أن يبيع خمسة أمنان بدينار و يجبره على ما هو مقاربة للعشرين. و قد بينها رسول الله (ص) لقوله تعالى وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

و قال (ع) علامة رضا الله في خلقه عدل سلطانهم و رخص أسعارهم

53

و علامة غضب الله على خلقه جور سلطانهم و غلاء أسعارهم.

و على هذا قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف (ع) له يٰا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنٰا وَ أَهْلَنَا الضُّرُّ وَ جِئْنٰا بِبِضٰاعَةٍ مُزْجٰاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ.

و أتى رسول الله (ص) قوما فشكوا إليه سرعة نفاد طعامهم فقال تكيلون أم تهيلون فقالوا نهيل يا رسول الله يعنون الجزاف فقال (ع) لهم كيلوا و لا تهيلوا فإنه أعظم للبركة

و روي أن من أهان بالمأكول أصابه المجاعة

و قال أبو عبد الله (ع) إذا أصابتكم مجاعة فأعينوا بالزبيب.

و قوله تعالى وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ معناه لو كنت عالما بما يكون من أحوال الدنيا لاشتريت في الرخص و بعت في الغلاء وَ مٰا مَسَّنِيَ السُّوءُ أي الفقر. فإن قيل فهل اطلع نبيه على الغيب. قلنا على الإطلاق لا لأن الله تعالى يقول وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشٰاءُ و المعنى و لكن الله اجتبى رسوله بأعلامه كثيرا من الغائبات.

54

و قال أبو جعفر (ع) إذا حدثتم بشيء فسلوني من كتاب الله ثم قال في حديثه إن الله نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السؤال فقالوا يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله فقال إن الله يقول في كتابه لٰا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلّٰا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلٰاحٍ بَيْنَ النّٰاسِ و قال وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً و قال لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ثم قال لا تمانعوا قرض الخمير و الجبن فإن منعه يورث الفقر

و قال علي (ع) من باع الطعام نزعت منه الرحمة

و قال أبو الحسن (ع) من اشترى الحنطة زاد ماله و من اشترى الدقيق ذهب نصف ماله و من اشترى الخبز ذهب ماله و ذلك لمن يقدر و لا يفعل.

فصل

و قوله تعالى أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لٰا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَ زِنُوا بِالْقِسْطٰاسِ الْمُسْتَقِيمِ المعنى أعطوا الواجب وافيا غير ناقص و يدخل الوفاء في الكيل و الذرع و العدد و المخسر المعرض للخسران في رأس المال يقال أخسر يخسر إذا جعله يخسر في ماله و هو نقيض أربحه و القسطاس الميزان نهاهم