المقنع

- الشيخ الصدوق المزيد...
579 /
3

تمهيد:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمد و على أهل بيته الطاهرين.

شكرا لك يا رب أن هديتنا إلى الدين المبين، و جعلتنا من المتمسكين بالثقلين، و من المساهمين في إحياء تراث الأئمة الهداة المهديين.

أما بعد: فكتاب المقنع يعد من الكتب الفقهية الأصيلة، و من أهم المصادر للفقهاء منذ جميع العصور، و ذلك لأن عباراته كلها ألفاظ للأحاديث المسندة، بيد أن المصنف حذف أسنادها روما للاختصار، و ثقة بوجودها في أمهات الأصول و كتب الأحاديث.

و هو في الواقع رسالة فتوائية للشيخ الصدوق، دون ألفاظه من متون الأحاديث.

و من هنا قال(رحمه الله): إني صنفت كتابي هذا و سميته كتاب المقنع، لقنوع من يقرأه بما فيه، و حذفت الأسانيد منه لئلا يثقل حمله و لا يصعب حفظه و لا يمل قارئه، إذ كان ما أبينه فيه في الكتب الأصولية موجودا مبينا على المشايخ العلماء الفقهاء الثقات رحمهم الله.

4

و ذكر المحدث النوري بعد بيان كلام الصدوق(قدس سره): بأن هذه العبارة كما ترى متضمنة لمطالب:

الأول: أن ما في الكتاب خبر كله إلا ما يشير إليه.

الثاني: أن ما فيه من الأخبار مسند كله، و عدم ذكر السند فيه للاختصار، لا لكونها من المراسيل.

الثالث: أن ما فيه من الأخبار مأخوذ من أصول الأصحاب، التي هي مرجعهم، و عليها معولهم، و إليها مستندهم، و فيها مباني فتاويهم.

الرابع: أن أرباب تلك الأصول و رجال طرقه إليها من ثقات العلماء، و بذلك فاق قدره عن كتاب الفقيه.

و أضاف(قدس سره): و الحق أن ما فيه عين متون الأخبار الصحيحة بالمعنى الأخص، الذي عليه المتأخرون (1) و قال المجلسي في بحاره: ينزل أكثر أصحابنا كلامه- الصدوق- و كلام أبيه منزلة النص المنقول و الخبر المأثور (2) فلأهمية هذا الكتاب رأينا من الأفضل إخراج كتاب المقنع بحلة جديدة، بالتحقيق المشتمل على تصحيح متنه، و تخريج مصادره، و التعليق عليه في موارده الغامضة، لكي يرجع إليه العلماء بكل ثقة، و يطمئنوا بصحة متنه.

و لإنجاز هذا المشروع قامت مؤسسة الإمام الهادي(عليه السلام)في مبتدء نشاطها العلمي بتحقيق و إخراج هذا الكتاب الشريف بشكل رائق، رجاء أن تكون خطوة لإحياء تراث السلف الصالح، و خدمة للحوازات العلمية، تحريا لمرضاة الرب، و تقربا إلى الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة- (عليهم السلام).

____________

(1) مستدرك الوسائل، طبع حجري: 3- 327.

(2) بحار الأنوار: 10- 405.

5

حياة المؤلف

1- اسمه و نسبه:

هو الشيخ الأجل و الأقدم، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه المشتهر بالصدوق.

والده: هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبو الحسن شيخ القميين في عصره، و متقدمهم و فقيههم و ثقتهم.

و أمه جارية ديلمية، كما سنذكر.

2- ولادته و نشأته:

ولد المصنف(رحمه الله) بدعاء القائم(عليه السلام)بقم، بعد سنة 305 ه، و ترعرع و نشأ بين يدي أبيه- العالم الكامل الفقيه الثقة- نحو عشرين سنة، فقرأ عليه و أخذ عنه.

روى الشيخ بإسناده، عن علي بن الحسن بن يوسف الصائغ القمي، و محمد بن أحمد بن محمد الصيرفي- المعروف بابن الدلال- و غيرهما من مشايخ أهل قم: أن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه، محمد بن موسى بن بابويه فلم يرزق منها ولدا، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح- رضي الله عنه- أن يسأل الحضرة أن يدعو الله، أن يرزقه أولادا فقهاء، فجاء الجواب:

«إنك لا ترزق من هذه، و ستملك جارية ديلمية، و ترزق منها ولدين فقيهين». (1).

____________

(1) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 188 و 195، و انظر رجال النجاشي: 261، و كمال الدين و تمام النعمة: 2- 502 ح 31.

6

3- الثناء عليه:

قال النجاشي: شيخنا و فقيهنا، و وجه الطائفة بخراسان. و كان ورد بغداد سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة، و سمع منه شيوخ الطائفة و هو حدث السن. (1)

و في رجال الطوسي: جليل القدر، حفظة، بصير بالفقه و الأخبار و الرجال، له مصنفات كثيرة. (2)

و جاء في فهرسته: جليل القدر، يكنى أبا جعفر، كان جليلا حافظا للأحاديث، بصيرا بالرجال، ناقدا للأخبار، لم ير في القميين مثله في حفظه و كثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنف. (3)

و قال ابن إدريس: كان ثقة جليل القدر، بصيرا بالأخبار، ناقدا للآثار، عالما بالرجال، حفظة. (4)

و ذكر العلامة في خلاصته: شيخنا و فقيهنا، و وجه الطائفة بخراسان. (5)

و جاء في رجال ابن داود الحلي: جليل القدر، حفظة، بصير بالفقه و الأخبار، شيخ الطائفة و فقيهها، و وجهها بخراسان، له مصنفات كثيرة لم ير في القميين مثله في الحفظ و في كثرة علمه. (6)

و في روضة المتقين للمولى محمد تقي المجلسي: وثقه جميع الأصحاب، لما حكموا بصحة أخبار كتابة، بل هو ركن من أركان الدين، جزاه الله عن الإسلام و المسلمين أفضل الجزاء. (7)

و قال المجلسي في بحاره: (بأنه(قدس سره)) من عظماء القدماء، التابعين لآثار

____________

(1) رجال النجاشي: 389.

(2) رجال الطوسي: 495.

(3) الفهرست: 157 رقم 695.

(4) السرائر: ج 2- 529.

(5) خلاصة الأقوال: 147.

(6) رجال ابن داود: 179.

(7) روضة المتقين: 14- 16.

7

الأئمة النجباء، الذين لا يتبعون الآراء و الأهواء، و لذا ينزل أكثر أصحابنا كلامه و كلام أبيه منزلة النص المنقول، و الخبر المأثور. (1)

و ذكر المامقاني: التأمل في وثاقه الرجل و عدالته و جلالته، كالتأمل في نور الشمس الضاحية. (2)

4- أساتذته و مشايخه:

تتلمذ شيخنا المترجم له، عند أساطين العلم، و كبار العلماء، و لا سيما والده المعظم- كما مر آنفا- و يبلغ عدد أساتذته و شيوخه أكثر من مائتين، و جاء في مستدرك الوسائل سرد أسمائهم، فراجع. (3)

5- تلامذته و الراوون عنه:

تتلمذ عليه الكثير من علماء الطائفة و جهابذتهم، و روى عنه جماعة من فطاحل العلماء، إلا أنه لا يسعنا استقصاؤهم على التحقيق، و سرد أسماء جميعهم، بل نذكر نبذة يسرة من الأعلام المشهورين:

1- أخو المترجم له: الشيخ الفقيه، الحسين بن علي بن موسى بن بابويه موسى القمي- (رحمه الله).

2- ابن أخ المترجم له: الشيخ ثقة الدين، الحسن بن الحسين بن علي بن موسى القمي- (رحمه الله).

3- والد الشيخ النجاشي: الشيخ الثقة، علي بن أحمد بن العباس- (رحمه الله).

____________

(1) بحار الأنوار: 10- 405.

(2) تنقيح المقال: 3- 154.

(3) مستدرك الوسائل، طبع حجري: 3- 713.

8

4- صاحب كفاية الأثر: الشيخ الثقة، أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز- (رحمه الله).

5- الشيخ الجليل: محمد بن محمد بن النعمان، المفيد- (رحمه الله).

6- الشيخ الجليل: أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله الغضائري- (رحمه الله).

7- الشيخ الثقة: أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري- (رحمه الله).

6- رحلاته:

رحل المترجم له(رحمه الله) من قم إلى الري، ثمَّ سافر إلى مدن متعددة، كنيسابور، و مشهد الرضا- (عليه السلام)-، و سمرقند، و بلخ، و أسترآباد، و همدان، و جرجان، و بغداد، و الكوفة، و مكة، و المدينة، و حينما كان يصل إلى بعض البلدان يجتمع عليه العلماء و الفضلاء، للنيل من عذب علومه، و سجية أخلاقه، و سماع أحاديثه.

7- آثاره العلمية:

و للمترجم له(رحمه الله) مؤلفات كثيرة، تقرب من ثلاثمائة كتاب، ذكر عدة منها النجاشي في رجاله، و الشيخ في فهرسته.

و من مؤلفاته القيمة الموجودة: «كتاب من لا يحضره الفقيه»،- و هو أحد الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة-، و «علل الشرائع»، و «الخصال»، و «الأمالي»، و «عيون أخبار الرضا- (عليه السلام)-»، و «ثواب الأعمال»، و «التوحيد»، و «المقنع» الذي بين يديك.

و ذكر العلامة المجلسي(قدس سره) في بحاره: ضمن أسماء كتب الصدوق(رحمه الله): المقنع (1)، و أضاف القول في مكان آخر: بأن هذه الكتب لا تقصر في الاشتهار

____________

(1) بحار الأنوار: 1- 6- 7.

9

عن الكتب الأربعة (1).

و له كتاب آخر اسمه: مدينة العلم، و هو يعد خامسا للكتب الأربعة، و كان موجودا ظاهرا إلى عصر الشيخ حسين بن عبد الصمد، والد شيخنا البهائي- (قدس سره)ما- بيد أنه فقد، و لم يبق له أثر، ما عدا المنقولات عنه في أبواب متعددة من كتب الفقه و الحديث. (2)

8- وفاته و مدفنه:

توفي(رحمه الله) بالري سنة 381 ه، و قبره مزار معروف يقصده أرباب الحوائج، بقرب مرقد السيد عبد العظيم الحسني- (رحمه الله).

نسخ الكتاب:

1- النسخة المحفوظة في المكتبة العامة للمرحوم آية الله العظمى المرعشي النجفي(قدس سره) مع غنية ابن زهرة(رحمه الله) المرقمة 4511، و تأريخ كتابتها 1257 هبخط محمد بن الحسين بن علي أكبر الخونساري، و رمزنا لها بالحرف «أ».

2- النسخة المحفوظة في المكتبة السابقة ضمن كتاب «الجوامع الفقهية» المرقمة 4332، و تأريخ كتابتها 1231 هبخط محمد تقي، و رمزنا لها بالحرف «ب».

____________

(1) بحار الأنوار: 1- 26.

(2) الذريعة: 20- 251 رقم 2830.

10

3- النسخة المحفوظة في المكتبة الرضوية في مشهد المقدسة المرقمة 2620، و هي من وقف نادر شاه سنة 1145 ه، و رمزنا لها بالحرف «ج».

4- النسخة المحفوظة في مكتبة جامع گوهرشاد في مشهد المقدسة المرقمة 721 و تأريخ كتابتها 1244 ه، و لم يذكر اسم كاتبها، و هي من وقف الحاج السيد سعيد الطباطبائي(قدس سره) سنة 1332 هو رمزنا لها بالحرف «د».

5- النسخة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في طهران، المفهرسة بالرقم 1272، و رقم الثبت 13192 و تأريخ كتابتها سنة 1241 ه، و الظاهر أنها بخط محمد بن خضر، و رمزنا لها بالحرف «م».

6- النسخة المحفوظة في المكتبة السابقة، المفهرسة بالرقم 5852، و رقم الثبت 41599، و تأريخ كتابتها 1234 هبخط ابن محمد مهدي عليآبادي اليزدي- عبد المجيد- و رمزنا لها بالحرف «ش».

7- النسخة المحفوظة في مكتبة المرحوم آية الله العظمى المرعشي النجفي(قدس سره) المرقمة 2219 ضمن كتاب الجوامع الفقهية، و تأريخ كتابتها 1247 هبخط محمد علي، و قد كتب في الصفحة الأولى بالفارسية ما معناه: أن الكتاب قد قوبل من قبل المرحوم صاحب الرياض.

و قد اعتمدنا في تحقيق الكتاب على النسخ الأربع الأولى و عند الحاجة راجعنا النسخ الثلاث الأخيرة.

منهج التحقيق:

إن هدفنا الرئيسي في تحقيق الكتاب منصب على أمرين:

الأول: إثبات متن صحيح للكتاب.

الثاني: تخريج الكتاب من المصادر الأخرى المعتبرة.

11

و في نهجنا التحقيقي اتبعنا الخطوات التالية:

1- مقابلة النسخ الخطية- أ، ب، ج، د- و الكتب التي نقلت عن المقنع و هي: المختلف، و الذكرى، و مسالك الافهام (1)، و البحار، و الوسائل، و مستدرك الوسائل.

2- اتباع أسلوب التلفيق في تحقيقه.

3- إثبات ما سقط من النسخ الخطية من الكتب الستة المذكورة في الرقم «1»، و حصره ما بين المعقوفين [] و الإشارة إليه في الهامش، و لم نثبت في المتن إلا ما نقل عن المقنع بصورة مباشرة و كاملة.

و ما ورد ما بين [] دون الإشارة إليه في الهامش فهو من عندنا لتنظيم أبواب الكتاب.

4- التعليق على بعض العبارات المبهمة، بالاستفادة من أقوال فطاحل علمائنا كالشيخ الطوسي، و العلامة الحلي، و المجلسي- رحمهم الله.

5- الإشارة إلى موارد الاختلاف في أقوال المصنف، و في الكتاب و سائر كتبه.

6- الإشارة إلى ما خالف المشهور من الأحكام.

7- الإشارة إلى الاختلافات اللفظية.

8- شرح الألفاظ الصعبة نسبيا.

9- ترجمة بعض الأعلام، و توضيح الأماكن و البقاع.

10- تخريج الآيات الكريمة.

11- الإشارة إلى ما تقدم و يأتي في الكتاب.

و إتماما للفائدة أعددنا فهارس فنية للكتاب في آخره.

____________

(1) قد ذكر الشهيد الثاني فيه بعد نقل رواية عن المقنع: هكذا عبر الصدوق و هو عندي بخطه الشريف. مسالك الافهام: 2- 87، كتاب الظهار، الكفارات.

12

كلمة شكر و تقدير:

و ختاما نتقدم بجزيل الشكر إلى السادة العلماء و المحققين الذين آزرونا في إنجاز هذا المشروع، كما نشرك مسؤولي مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي(قدس سره) و المكتبة الرضوية و مكتبة جامع گوهرشاد و مكتبة مجلس الشورى الإسلامي في طهران، و مديرية مدرسة عترة آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و مدرسة الشهيدين (بهشتي و قدوسي) راجين من الله العلي القدير التوفيق و السداد و الإخلاص في العمل.

و آخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين لجنة التحقيق

13

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

الإهداء

إلى حجة الله على خلفه و سراجه في أرضه إلى سليل الأخيار و نور الأنوار و زين الأبرار إلى الركن الذي يلجأ إليه العباد و تحيي به البلاد إلى أبي الحسن علي بن محمد النقي الهادي(عليه السلام)نهدي هذا الجهد المتواضع راجين منه القبول لجنة التحقيق