الدروس الشرعية في فقه الإمامية - ج2

- الشهيد الأول المزيد...
416 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب المزار

[ثواب زيارة النبي و الأئمة (عليهم السلام)]

يستحبّ للحاج و غيرهم زيارة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بالمدينة استحباباً مؤكّداً، و يجبر الامام الناس على ذلك لو تركوه. لما فيه من الجفاء المحرّم، كما يجبرون على الأذان، و منع ابن إدريس (1) ضعيف. لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) (2): من أتى مكّة حاجّاً و لم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، و من أتاني زائراً وجبت له شفاعتي، و من وجبت له شفاعتي وجبت له الجنّة.

و قال (صلّى اللّٰه عليه و آله) (3) في الترغيب في زيارته: من زار قبري بعد موتي كان كمن هاجر إليّ في حياتي فإن لم تستطيعوا فابعثوا إليّ بالسلام فإنّه يبلغني. و قال للحسين (عليه السلام) (4): يا بنيّ من زارني حيّاً أو ميّتاً أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك كان حقّاً عليّ أن أزوره يوم القيامة و أُخلّصه من ذنوبه.

و رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) هو أبو القاسم محمَّد بن عبد اللّٰه بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، ولد بمكّة في شعب أبي طالب يوم الجمعة

____________

(1) السرائر: ج 1 ص 647.

(2) وسائل الشيعة: باب 3 من أبواب المزار ح 3 ج 10 ص 261.

(3) وسائل الشيعة: باب 4 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 263.

(4) وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب المزار ح 14 ج 10 ص 256.

6

بعد طلوع الفجر سابع عشر شهر ربيع الأوّل عام الفيل، و كان حمل امّه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب به أيّام التشريق في منزل أبيه عبد اللّٰه بمنى عند الجمرة الوسطى، و صدع بالرسالة في اليوم السابع و العشرين من رجب لأربعين سنة، و قبض بالمدينة يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة، و قيل: لا ثنتي عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل، عن ثلاث و ستّين سنة.

و يستحبّ زيارة فاطمة (عليها السلام)، ابنة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و زوجة (1) أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أُمّ الحسن و الحسين (عليهما السلام). قالت (عليها السلام) (2): أخبرني أبي أنّه من سلّم عليه و عليّ ثلاثة أيّام أوجب اللّٰه له الجنّة، فقيل لها: في حياتكما؟ قالت: نعم و بعد موتنا، و ليزر بيتها و الروضة و البقيع. ولدت (عليها السلام) بعد المبعث بخمس سنين، و قبضت بعد أبيها (صلّى اللّٰه عليه و آله) بنحو مائة يوم.

و يستحبّ زيارة الأئمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، فالأوّل: أمير المؤمنين أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، و أبو طالب و عبد اللّٰه أخوان للأبوين، و امّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، و هو و إخوته أوّل هاشمي ولد بين هاشميّين.

ولد يوم الجمعة ثالث عشر رجب، و روي (3) سابع شعبان، بعد مولد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) بثلاثين سنة، و قبض قتيلًا بالكوفة ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين عن ثلاث و ستّين سنة، و دفن

____________

(1) في «ز» و «م»: و زوج.

(2) وسائل الشيعة: باب 18 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 287.

(3) بحار الأنوار: باب 1 تاريخ ولادة أمير المؤمنين ذيل ح 7 ج 35 ص 7.

7

بالغري من نجف الكوفة بمشهده الآن.

قال الصادق (عليه السلام) (1): من زار أمير المؤمنين (عليه السلام) ماشياً كتب اللّٰه له بكلّ خطوة حجّة و عمرة، و إن رجع ماشياً كتب اللّٰه له بكلّ خطوة حجّتين و عمرتين، و قال الصادق (عليه السلام) (2): زيارة عليّ (عليه السلام) تعدل حجّتين و عمرتين، و زيارة الحسين (عليه السلام) تعدل حجّة و عمرة، و قال (عليه السلام) (3): من زار أمير المؤمنين (عليه السلام) عارفاً بحقّه كتب اللّٰه له بكلّ خطوة حجّة مقبولة و عمرة مبرورة، و اللّٰه ما تطعم النار قدماً اغبرت في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) ماشياً كان أو راكباً.

و يستحبّ زيارة آدم و نوح صلّى اللّٰه عليهما معه، قال الصادق (عليه السلام) (4): إذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم و بدن نوح و جسم عليّ عليهم الصلاة و السّلام، و قال الرضا (عليه السلام) (5) للبزنطي: احضر يوم الغدير عند أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ اللّٰه يغفر لكلّ مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة ذنوب ستّين سنة، و يعتق من النار ضعف ما أعتق في شهر رمضان و في ليلة القدر و ليلة الفطر، و الدرهم فيه بألف درهم لإخوانك العارفين فأفضل عليهم في هذا اليوم.

الثاني: الإمام الزكيّ أبو محمَّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) سيّد شباب أهل الجنّة، ولد بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، و قال المفيد (6): سنة ثلاث، و قبض بها مسموماً يوم الخميس سابع صفر

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 24 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 296.

(2) وسائل الشيعة: باب 25 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 297.

(3) وسائل الشيعة: باب 23 من أبواب المزار ح 3 ج 10 ص 294.

(4) وسائل الشيعة: باب 27 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 299.

(5) وسائل الشيعة: باب 28 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 302.

(6) الإرشاد: ص 187.

8

سنة تسع و أربعين أو سنة خمسين من الهجرة، عن سبع أو ثمان و أربعين سنة.

قال (عليه السلام) (1): يا رسول اللّٰه ما لمن زارنا؟ فقال: من زارني حيّاً أو ميّتاً، أو زار أباك حيّاً أو ميّتاً، أو زار أخاك حيّاً أو ميّتاً، أو زارك حيّاً أو ميّتاً، كان حقّا عليّ أن أستنقذه يوم القيامة.

و قيل للصادق (عليه السلام) (2): ما لمن زار واحداً منكم؟ فقال: كمن زار رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و قال الرضا (عليه السلام) (3): إنّ لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائهم و شيعتهم، و إنّ من تمام الوفاء بالعهد و حسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم و تصديقاً لما رغبوا فيه كان أئمّتهم شفعاءهم يوم القيامة.

و قال الصادق (عليه السلام) (4) في الحسين (عليه السلام): من أتاه و زاره و صلّى عنده ركعتين كتب اللّٰه له حجّة مبرورة، فإن صلّى عنده أربع ركعات كتب اللّٰه له حجّة و عمرة، قال (عليه السلام): و كذلك كلّ من زار اماماً مفترضاً (5) طاعته.

الثالث: الامام الشهيد أبو عبد اللّٰه الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) سيّد شباب أهل الجنّة، ولد بالمدينة آخر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث من الهجرة، و قيل: يوم الخميس ثالث عشر شهر رمضان، و قال المفيد (6):

لخمس خلون من شعبان سنة أربع، و قتل بكربلاء يوم السبت عاشوراء سنة

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب المزار ح 19 ج 10 ص 258.

(2) وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب المزار ح 15 ج 10 ص 256.

(3) وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب المزار ح 5 ج 10 ص 253.

(4) وسائل الشيعة: باب 2 من أبواب المزار ح 20 ج 10 ص 258.

(5) في «م» و «ق»: مفروضاً.

(6) الإرشاد: ص 198.

9

إحدى و ستّين عن ثمان و خمسين سنة.

و ثواب زيارته لا يحصى، حتّى روي (1) أنّ زيارته فرض على كلّ مؤمن، و أنّ تركها ترك حقّ للّٰه و لرسوله (2)، و أنّ تركها عقوق رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) (3)، و انتقاص في الإيمان و الدين (4)، و أنّه حقّ على الغنيّ زيارته في السنة مرّتين و الفقير في السنة مرّة (5)، و أنّ من أتى عليه حول و لم يأت قبره نقص من عمره حول، و أنّها تطيل العمر (6)، و أنّ أيّام زيارته لا تعدّ من الأجل (7)، و تفرّج الغمّ (8)، و تمحّص الذنوب (9)، و لكلّ خطوة حجّة مبرورة (10)، و له بزيارته أجر عتق ألف نسمة و حمل على ألف فرس في سبيل اللّٰه (11)، و له بكلّ درهم أنفقه عشرة آلاف درهم (12)، و أنّ من أتى قبره عارفاً بحقّه غفر اللّٰه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر (13).

و أنّ زيارته يوم عرفة بعشرين حجّة و عشرين عمرة مبرورة و عشرين غزوة مع

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 44 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 345 و ح 8 ص 321.

(2) وسائل الشيعة: باب 38 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 333.

(3) مستدرك الوسائل: باب 27 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 256.

(4) وسائل الشيعة: باب 38 من أبواب المزار ح 5، 10 ج 10 ص 335- 336.

(5) وسائل الشيعة: باب 40 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 340.

(6) وسائل الشيعة: باب 38 من أبواب المزار ح 4 ج 10 ص 334.

(7) وسائل الشيعة: باب 37 من أبواب المزار ح 9 ج 10 ص 322.

(8) مستدرك الوسائل: باب 26 من أبواب المزار ح 16 ج 10 ص 239.

(9) وسائل الشيعة: باب 45 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 347.

(10) التهذيب: باب 16 في فضل زيارته ح 16 ج 6 ص 46 و فيه بمناسكها.

(11) وسائل الشيعة: باب 46 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 355.

(12) وسائل الشيعة: باب 38 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 333.

(13) وسائل الشيعة: باب 37 من أبواب المزار ح 6 ج 10 ص 320.

10

النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) (1) بل روي (2) أنّ مطلق زيارته خير من عشرين حجّة، و أنّ زيارته (3) يوم عرفة مع المعرفة بحقّه بألف ألف حجّة و ألف ألف عمرة متقبّلات و ألف غزوة مع النبيّ أو الامام.

و زيارته أوّل رجب مغفرة الذنب (4) البتّة، و نصف شعبان يصافحه مائتا ألف نبيّ و عشرون ألف نبيّ (5)، و ليلة القدر مغفرة الذنب (6)، و أنّ الجمع في سنة واحدة بين زيارته ليلة عرفة و الفطر و ليلة النصف من شعبان بثواب ألف حجّة مبرورة و ألف عمرة متقبّلة و قضاء ألف حاجة للدنيا و الآخرة (7).

و زيارته يوم عاشوراء مع معرفته (8) بحقّه كمن زار اللّٰه فوق عرشه (9). و هو كناية عن كثرة الثواب و الإجلال، بمثابة من رفعه اللّٰه إلى سمائه و أدناه من (10) عرشه و أراه من خاصّة ملكه ما يكون به توكيد كرامته. و زيارته في العشرين من صفر من علامات المؤمن (11)، و زيارته في كلّ شهر ثوابها ثواب مائة ألف شهيد من شهداء بدر (12).

____________

(1) ثواب الأعمال: ح 24 ص 115 لم أعثر على غير هذا.

(2) وسائل الشيعة: باب 45 من أبواب المزار ح 5 ج 10 ص 348.

(3) وسائل الشيعة: باب 49 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 359 مع اختلاف، مستدرك الوسائل:

باب 36 من أبواب المزار ح 10 ج 10 ص 286 و فيه ألف.

(4) وسائل الشيعة: باب 50 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 363.

(5) وسائل الشيعة: باب 51 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 364.

(6) وسائل الشيعة: باب 53 من أبواب المزار ح 1، 6 ج 10 ص 368.

(7) وسائل الشيعة: باب 54 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 371.

(8) في باقي النسخ: معرفة.

(9) وسائل الشيعة: باب 55 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 371.

(10) في «ق»: إلى.

(11) وسائل الشيعة: باب 56 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 373.

(12) وسائل الشيعة: باب 40 من أبواب المزار ح 4 ج 10 ص 341.

11

و من بعد عنه و صعد على سطحه، ثمّ رفع رأسه إلى السماء ثمّ توجّه إلى قبره، و قال: السلام عليك يا أبا عبد اللّٰه السَّلام عليك و رحمة اللّٰه و بركاته، كتب اللّٰه له زورة و الزورة حجّة و عمرة (1)، و لو فعل ذلك في (2) كلّ يوم خمس مرّات كتب اللّٰه له ذلك.

و إذا زاره فليزر ولده عليّ بن الحسين، و هو الأكبر على الأصحّ، و ليزر الشهداء و أخاه العبّاس و الحرّ بن يزيد، و ليتمّ الصلاة عنده ندباً، و يستشفي بتربته من حريم قبره، و حدّه خمسة فراسخ من أربع جوانبه، و روي (3) فرسخ من كلّ جانب، و روى إسحاق بن عمّار (4) خمساً و عشرين ذراعاً من ناحية الرأس و مثلها من ناحية الرجلين، و روى عبد اللّٰه بن سنان (5) أنّ قبره عشرون ذراعاً مكسّراً، و كلّه على الترتيب في الفضل.

و روى المفضّل بن عمر (6) عن الصادق (عليه السلام) في الصلاة عنده كلّ ركعة بألف حجّة و ألف عمرة و عتق ألف رقبة و ألف وقفة في سبيل اللّٰه مع نبيّ مرسل، و روى ابن أبي عمير (7) مرسلًا عن الباقر (عليه السلام) صلاة الفريضة عنده تعدل حجّة و النافلة تعدل عمرة.

و في تربته الشفاء من كلّ داء و هي الدواء الأكبر، رواه سليمان البصري (8) عن الصادق (عليه السلام)، و ليؤخذ من قبره إلى سبعين ذراعاً على

____________

(1) التهذيب: باب 52 من كتاب المزار ح 21 ج 6 ص 116.

(2) هذه الكلمة غير موجودة في باقي النسخ.

(3) مستدرك الوسائل: باب 50 من أبواب المزار ح 2، 5 ج 10 ص 320.

(4) وسائل الشيعة: باب 67 من أبواب المزار ح 4 ج 10 ص 400.

(5) وسائل الشيعة: باب 67 من أبواب المزار ح 6 ج 10 ص 401.

(6) وسائل الشيعة: باب 69 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 406.

(7) وسائل الشيعة: باب 69 من أبواب المزار ح 3 ج 10 ص 406.

(8) وسائل الشيعة: باب 70 من أبواب المزار ح 7 ج 10 ص 410.

12

الأفضل، و حملها أيضاً أمان من كلّ خوف، و يستحبّ حمل سبحة من طينه ثلاثاً و ثلاثين حبّة، فمن قلّبها ذاكراً للّٰه فله بكلّ حبّة أربعون حسنة، و إن قلّبها ساهياً فعشرون حسنة، و ما سبّح اللّٰه بأفضل من سبحة طينه، و يستحبّ وضعها مع الميّت في قبره و خلطها بحنوطه، رواه الحميري (1) عن الفقيه.

و يستحبّ لزائره أن يأتيه محزوناً أشعث أغبر جائعاً عطشاناً، و لا يتّخذ في طريقه السفر، و لا يتطيّب و لا يدهن و لا يكتحل، و يأكل الخبز و اللبن، و يزوره بالمأثور.

الرابع: الإمام أبو محمَّد زين العابدين عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، ولد بالمدينة يوم الأحد خامس شعبان سنة ثمان و ثلاثين، و قبض بها يوم السبت ثاني عشر المحرّم سنة خمس و تسعين عن سبع و خمسين سنة، و امّه شاه زنان بنت شيروية بن كسرى أبرويز، و قيل: ابنة يزدجرد.

الخامس: الإمام أبو جعفر محمَّد بن عليّ (عليهما السلام) الباقر لعلم الدين، ولد بالمدينة يوم الاثنين ثالث صفر سنة سبع و خمسين، و قبض بها يوم الاثنين سابع ذي الحجّة سنة أربع عشرة و مائة، و روي (2) سنة ستّ عشرة، و امّه أُمّ عبد اللّٰه بنت الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، فهو علويّ بين علويّين.

السادس: الإمام أبو عبد اللّٰه جعفر بن محمَّد الصادق (عليهما السلام) العالم، ولد بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث و ثمانين، و قبض بها في شوّال، و قيل: في منتصف رجب، يوم الاثنين سنة ثمان و أربعين و مائة عن خمس و ستّين سنة، امّه أُمّ فروة ابنة القاسم الفقيه بن محمَّد النجيب بن أبي بكر، و قال الجعفي (3): اسمها فاطمة و كنيتها أُمّ فروة.

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 12 من أبواب التكفين ح 1 ج 2 ص 742.

(2) مصباح الكفعمي: ص 522 في الجدول.

(3) لا يوجد كتابه لدينا.

13

و قبره و قبر أبيه و جدّه و عمّه الحسن بالبقيع في مكان واحد، و في بعض الروايات (1) أنّ فاطمة بنت أسد جدّتهم معهم في تربتهم. و الروايات (2) في زيارة الحسن (عليه السلام) تدلّ على فضيلة زيارتهم، و عن أبي محمَّد الحسن بن عليّ العسكريّ (3) من زار جعفراً و أباه لم يشك عينه و لم يصبه سقم و لم يمت مبتلى، و عن الصادق (عليه السلام) (4) من زارني غفرت له ذنوبه و لم يمت فقيراً.

السابع: الامام الكاظم أبو الحسن و أبو إبراهيم و أبو عليّ موسى بن جعفر الصادق (عليه السلام)، و امّه حميدة البربريّة، ولد بالأبواء سنة ثمان و عشرين و مائة، و قيل: سنة تسع و عشرين و مائة، يوم الأحد سابع صفر، و قبض مسموماً ببغداد في حبس السندي بن شاهك، لستّ بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و قيل: يوم الجمعة لخمس خلون من رجب سنة إحدى و ثمانين و مائة، و دفن بمقابر قريش في مشهده الآن.

سأل الحسن بن عليّ الوشاء (5) الرضا (عليه السلام) عن زيارة أبيه أبي الحسن، أ هي مثل زيارة الحسين (عليه السلام)؟ قال: نعم، و قال (عليه السلام) (6):

من زار قبر أبي ببغداد كمن زار قبر رسول اللّٰه و قبر أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السَّلام، و قال (عليه السلام) (7): إنّ اللّٰه نجّى بغداد لمكان قبره بها، و إنّ لمن زاره الجنّة (8).

____________

(1) التهذيب: باب 25 من كتاب المزار ح 6 ص 78.

(2) وسائل الشيعة: باب 79 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 426.

(3) وسائل الشيعة: باب 79 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 426.

(4) التهذيب: باب 26 من كتاب المزار ح 1 ج 6 ص 78.

(5) وسائل الشيعة: باب 80 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 427.

(6) وسائل الشيعة: باب 80 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 427.

(7) وسائل الشيعة: باب 80 من أبواب المزار ح 5 ج 10 ص 428. و فيه الحسينيين.

(8) وسائل الشيعة: باب 80 من أبواب المزار ح 3 ج 10 ص 428.

14

الثامن: الامام الرضا أبو الحسن عليّ بن موسى (عليهما السلام) وليّ المؤمنين، و امّه أُمّ البنين أُمّ ولد، ولد بالمدينة سنة ثمان و أربعين و مائة و قيل: يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة، و قبض بطوس في صفر، و قبره بسناباد بمشهده الآن، سنة ثلاث و مائتين.

عن الكاظم (عليه السلام) (1) من زار قبر ولدي عليّ كان عند اللّٰه كسبعين حجّة مبرورة، قال له يحيى المازني: سبعين حجّة؟ قال: نعم و سبعين ألف حجّة. و قيل لأبي جعفر محمَّد بن عليّ الجواد (عليهما السلام): أ زيارة الرضا أفضل أم زيارة الحسين (عليه السلام)؟ قال: زيارة أبي أفضل لأنّه لا يزوره إلّا الخواصّ من الشيعة (2). و عنه (عليه السلام) (3) أنّها أفضل من الحجّ و أفضلها رجب.

و روى البزنطي (4) قال: قرأت كتاب أبي الحسن الرضا (عليه السلام) بخطّه أبلغ شيعتي أنّ زيارتي تعدل عند اللّٰه ألف حجّة و ألف عمرة متقبّلة كلّها، قال:

قلت لأبي جعفر ألف حجّة؟ قال: اي و اللّٰه و ألف ألف حجّة لمن يزوره عارفاً بحقّه، و قال الرضا (عليه السلام) (5): من زارني على بعد داري و مزاري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتّى أُخلّصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يميناً و شمالًا و عند الصراط و الميزان.

التاسع: الامام الجواد أبو جعفر محمَّد بن عليّ الرضا (عليهما السلام)، و امّه الخيزران أُمّ ولد، و كانت من أهل بيت مارية القبطيّة، ولد بالمدينة في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة، و قبض ببغداد في آخر ذي القعدة، و قيل: يوم

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 87 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 443.

(2) وسائل الشيعة: باب 85 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 441.

(3) وسائل الشيعة: باب 87 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 444.

(4) وسائل الشيعة: باب 87 من أبواب المزار ذيل ح 3 ج 10 ص 444.

(5) وسائل الشيعة: باب 82 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 433.

15

الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة سنة عشرين و مائتين، و دفن في ظهر جدّه الكاظم (عليه السلام) بمقابر قريش.

عن الهادي (عليه السلام) (1) في فضل زيارتهما على الحسين (عليه السلام) أبو عبد اللّٰه المقدّم، و هذا أجمع و أعظم أجراً.

العاشر: الامام الهادي المنتجب أبو الحسن عليّ بن محمَّد الجواد، أُمّه سمانة أُمّ ولد، ولد بالمدينة منتصف ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة و مائتين، و قبض بسرّ من رأى في يوم الاثنين ثالث رجب سنة أربع و خمسين و مائتين، و دفن في داره بها.

الحادي عشر: الإمام التقي الهادي وليّ المؤمنين أبو محمَّد الحسن بن عليّ العسكري، امّه حديث أُمّ ولد، ولد بالمدينة في شهر ربيع الآخر، قيل: يوم الاثنين رابعة، سنة اثنين و ثلاثين و مائتين، و قبض بسرّ من رأى يوم الأحد، و قال المفيد (2): يوم الجمعة، ثامن شهر ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين، و دفن إلى جانب أبيه.

و ثواب زيارتهما يعلم من الأخبار السابقة، و روى أبو هاشم الجعفري (3) قال: قال لي أبو محمَّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام): قبري بسرّ من رأى أمان لأهل الجانبين.

و قال المفيد (4): يزاران من ظاهر الشبّاك، و منع من دخول الدار، قال الشيخ أبو جعفر (5): و هو الأحوط؛ لأنّها ملك الغير فلا يجوز التصرّف فيها إلّا

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 89 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 447.

(2) الإرشاد: ص 335.

(3) وسائل الشيعة: باب 90 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 448.

(4) المقنعة: ص 486.

(5) التهذيب: ج 6 ص 94.

16

بإذنه، قال: و لو أنّ أحداً دخلها لم يكن مأثوماً و خاصّة إذا تأوّل في ذلك ما روي عنهم (عليهم السلام) (1) أنّهم جعلوا شيعتهم في حلّ من مالهم.

الثاني عشر: الإمام المهدي الحجّة صاحب الزمان أبو القاسم محمَّد بن الامام أبي محمَّد الحسن العسكري عجّل اللّٰه فرجه، ولد بسرّ من رأى يوم الجمعة ليلًا و قيل: ضحى خامس عشر شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين، امّه صقيل، و قيل: نرجس، و قيل: مريم بنت زيد العلويّة، و هو المتيقّن ظهوره و تملّكه و أنّه يملأ الأرض قسطاً و عدلًا كما ملئت ظلماً و جوراً.

اللّهم إنّا نسألك بك و بحقّ حبيبك محمَّد و أهل بيته الطاهرين أن تصلّي على محمَّد و آل محمَّد، و أن تحشرنا في زمرتهم، و تعتق رقابنا من النار بحبّهم، و تعجّل فرجهم و فرجنا بهم، و تدرك بنا أيّامهم يا أرحم الراحمين.

و يستحبّ زيارة المهدي (عليه السلام) في كلّ مكان و كلّ زمان، و الدعاء بتعجيل الفرج عند زيارته، و تتأكّد زيارته في السرداب بسرّ من رأى.

و يستحبّ زيارة النبيّ و الأئمّة صلّى اللّٰه عليهم في كلّ يوم جمعة و لو من البعد، و إذا كان على مكان عال كان أفضل.

و يستحبّ زيارة منتجبي الصحابة رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، و خصوصاً جعفر بن أبي طالب بمؤتة، و العبّاس و أولاده، و سلمان بالمدائن، و عمّار بصفّين، و حذيفة، و زيارة الأنبياء (عليهم السلام) حيث كانوا و خصوصاً إبراهيم و إسحاق و يعقوب بمشهدهم المعروف، و باقي الأنبياء بالأرض المقدّسة، و زيارة المسجد الأقصى و إتيان مقامات الأنبياء، و زيارة قبور الشهداء و الصلحاء من المؤمنين.

قال الكاظم (عليه السلام) (2): من لم يقدر أن يزورنا فليزر صالحي إخوانه

____________

(1) وسائل الشيعة: انظر باب 4 من أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ج 6 ص 378.

(2) وسائل الشيعة: باب 97 من أبواب المزار ح 10 ج 10 ص 458.

17

يكتب له ثواب زيارتنا، و من لم يقدر أن يصلنا فليصل صالحي إخوانه يكتب له ثواب صلتنا.

[استحباب زيارة القبور]

و ليقل ما قاله أبو جعفر (عليه السلام) (1) على قبر رجل من الشيعة: اللّهم ارحم غربته، و صل وحدته، و آنس وحشته، و آمن روعته، و أسكن إليه من رحمتك رحمة، يستغني بها عن رحمة من سواك، و ألحقه بمن كان يتولّاه.

و ليكن الزائر مستقبل القبلة، و يقرأ كلًّا من التوحيد و القدر سبعاً بعد وضع يده عليه، قال ابن إدريس (2): و لا أرى التعفير على قبر أحد و لا التقبيل له سوى قبور الأئمّة (عليهم السلام) للإجماع عليه و إلّا لامتنع. و روى محمَّد بن بزيع (3) عن الرضا (عليه السلام) من أتى قبر أخيه المؤمن من أيّ ناحية فوضع يده عليه، و قرأ إنّا أنزلناه سبع مرّات، أمن من الفزع الأكبر.

و يستحبّ لمن حضر مزاراً أن يزور عن والديه و أحبّائه و عن جميع المؤمنين، فيقول: السَّلام عليك يا مولاي من فلان بن فلان، أتيتك زائراً عنه، فاشفع له عند ربّك، ثمّ يدعو (4) له، و لو قال: السَّلام عليك يا نبيّ اللّٰه من أبي و أُمّي و زوجتي و ولدي و حامتي و جميع إخواني من المؤمنين أجزأ، و جاز له أن يقول لكلّ واحد: قد أقرأت رسول اللّٰه عنك السَّلام، و كذا باقي الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام).

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 101 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 462.

(2) السرائر: ج 1 ص 658.

(3) وسائل الشيعة: باب 57 من أبواب الدفن ح 1 ج 2 ص 881 و فيه محمَّد بن إسماعيل ابن إسماعيل بن بزيع.

(4) في «م» و «ق»: و يدعو.

18

و روى حفص بن البختري (1) أنّه من خرج من مكّة أو المدينة أو مسجد الكوفة أو الحائر قبل أن ينتظر الجمعة، نادته الملائكة أين تذهب لا ردّك اللّٰه.

خاتمة [فضل زيارة الأخوان]

يستحبّ زيارة الإخوان في اللّٰه تعالى استحباباً مؤكّداً، فإذا زاره نزل على حكمه، و لا يحتشمه و لا يكلّفه، و يستحبّ للمزور استقبال الزائر و مصافحته و اعتناقه، و تقبيل موضع السجود من كلّ منهما، و لو قبّل يده كان جائزاً، و خصوصاً العلماء و ذريّة رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)؛ لقول الصادق (عليه السلام) (2): لا تقبّل يد أحدٍ إلّا من أُريد به رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و روي (3) تقبيل الحاجّ حين يقدم على شفتيه، و ليتحفه بما حضر من طعام و شراب و فاكهة و طيب، و أدناه شرب الماء أو الوضوء و صلاة ركعتين عنده، و التأنيس بالحديث، و التوديع إذا خرج.

و روى الكليني عن أبي حمزة (4) عن الصادق (عليه السلام) من زار أخاه للّٰه وكّل اللّٰه به سبعين ألف ملك، ينادونه ألا طبت و طابت لك الجنّة.

و قال الباقر (عليه السلام) (5) لخيثمة: أبلغ من ترى من موالينا السَّلام، و أوصهم بتقوى اللّٰه، و أن يعود غنيّهم على فقيرهم و قويّهم على ضعيفهم، و أن يشهد حيّهم جنازة ميّتهم، و أن يتلاقوا في بيوتهم، فإنّ تلاقيهم حياة لأمرنا، رحم اللّٰه عبداً أحيى أمرنا.

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 78 من أبواب المزار ح 1 ج 10 ص 426.

(2) وسائل الشيعة: باب 133 من أبواب أحكام العشرة ح 3 ج 8 ص 565.

(3) وسائل الشيعة: باب 55 من أبواب آداب السفر الى الحجّ ح 7 ج 8 ص 328.

(4) الكافي: باب زيارة الاخوان من كتاب الايمان و الكفر ح 1 ج 2 ص 175.

(5) وسائل الشيعة: باب 98 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 459.

19

و قال الصادق (عليه السلام) (1) لصفوان الجمّال: أيّما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخ لهم، يأمنون بوائقه، و لا يخافون غوائله، و يرجون ما عنده، إن دعوا اللّٰه أجابهم، و ان سألوه أعطاهم، و إن استزادوا زادهم، و إن سكتوا ابتدأهم.

و قال (عليه السلام) (2): من زار أخاه في اللّٰه عزَّ و جلّ قال اللّٰه عزَّ و جلّ: إيّاي زرت و ثوابك عليّ، لست أرضى لك ثواباً دون الجنّة.

درس 127 [ما ينبغي فعله في المدينة المنوّرة]

إذا توجّه الحاجّ إلى المدينة، و انتهى إلى مسجد غدير خم، دخله و صلّى فيه، و أكثر فيه من الدعاء، و هو موضع النصّ من رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و المسجد باق إلى الآن جدرانه.

و إذا أتى (3) المعرّس بضمّ الميم و فتح العين و تشديد الراء المفتوحة، و يقال بفتح الميم و سكون العين و تخفيف الراء، و هو بذي الحليفة بإزاء مسجد الشجرة إلى ما يلي القبلة، فلينزل به تأسّياً برسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و ليصلّ فيه (4)، و ليسترح به.

فإذا أتى المدينة فليغتسل لدخولها، و لدخول المسجد، و لزيارة النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و ليدخل المسجد من باب جبرئيل (عليه السلام)، و يدعو عند دخوله، فإذا دخل المسجد صلّى التحيّة، ثمّ أتى سيّدنا رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) فزارة مستقبلًا حجرته الشريفة ممّا يلي الرأس، ثمّ يأتي جانب الحجرة القبلي فيستقبل وجهه (صلّى اللّٰه عليه و آله) مستدبر القبلة و يسلّم عليه، و يزوره

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 98 من أبواب المزار ح 3 ج 10 ص 460.

(2) وسائل الشيعة: باب 97 من أبواب المزار ح 7 ج 10 ص 457.

(3) في «ق»: بلغ الى.

(4) في «ق»: عنده.

20

بالمأثور أو بما حضر، ثمّ يستقبل القبلة و يدعو بما أحبّ، ثمّ يصلّي ركعتي الزيارة بالمسجد و يدعو بعدها.

و ليكثر من الصلاة بالمسجد و خصوصاً الروضة، و هي ما بين القبر و المنبر، و روى البزنطي (1) عن عبد الكريم عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) حدّ الروضة من مسجد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إلى طرف الظلال، قال البزنطي: و قال بعضهم: ما بين القبر و المنبر إلى طرف الظلال، و قال أبو بصير:

حدّ مسجد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) إلى الأساطين يمين المنبر إلى الطريق ممّا يلي سوق الليل.

و يستحبّ للزائر أن يأتي بعد الزيارة منبر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و يمسح رمّانتيه و إن لم يكن منبر رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) باقياً.

و يستحبّ صيام ثلاثة أيّام بالمدينة معتكفاً بالمسجد، و أفضلها الأربعاء و الخميس و الجمعة، و يصلّي ليلة الأربعاء عند أُسطوانة أبي لبابة، و اسمه بشير ابن عبد المنذر الأنصاري شهد بدراً، و هي أُسطوانة التوبة، و يقيم عندها يوم الأربعاء، ثمّ يصلّي ليلة الخميس عند الأُسطوانة التي تلي مقام النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) و مصلاه، و يصلّي ليلة الجمعة عند مقام النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله).

و كلّما دخل المسجد سلّم على النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله).

ثمّ يأتي البقيع فيزور الأئمّة الأربعة و فاطمة بنت رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، بعد أن يكون قد زارها بالروضة و بيتها، و قيل: يزورها مع الأئمّة الأربعة (عليهم السلام)، ثمّ يزور قبر إبراهيم ابن رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، و عبد اللّٰه

____________

(1) لم نعثر في الكتب الأربعة و غيرها عليه بهذا الإسناد، و ذكره في الوسائل بسندٍ آخر عن أبي بصير مع اختلافٍ يسير، و لكن لم يذكر قول البزنطي، راجع وسائل الشيعة: باب 58 من أبواب أحكام المساجد ح 3 ج 3 ص 546.

21

ابن جعفر، و فاطمة بنت أسد، و من بالبقيع من الصحابة و التابعين، ثمّ يأتي قبر حمزة (عليه السلام) و شهداء احد فيزورهم بادياً بحمزة، و يهدي لهم ثواب ما تيسّر من القرآن.

ثمّ يأتي المساجد الشريفة بالمدينة كمسجد قباء، و مسجد الفتح و هو مسجد الأحزاب، و مسجد الفضيخ و هو الذي ردّت فيه الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة، و مشربة أُمّ إبراهيم ولد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله).

و يستحبّ المجاورة بالمدينة إجماعاً، قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله (1):

لا يصبر على لأواء المدينة و شدّتها أحد من أُمّتي إلّا كنت له شفيعاً يوم القيامة أو شهيداً، و قال (صلّى اللّٰه عليه و آله) (2) في الذين يريدون الخروج من المدينة إلى أحد الأمصار: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.

و ليكثر المجاور فيها من الصلاة في مسجد رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله، و تلاوة الكتاب العزيز و تدبّر معانيه، و تمثّل أنّه بحضرة رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله، و يزوره إن استطاع في كلّ يوم مراراً، و أقلّ الزيارة أن يقول إذا شاهد حجرته: السَّلام عليك يا رسول اللّٰه، و كذا يزور الأئمّة (عليهم السلام) ما استطاع، و ليحفظ نفسه فيها من المآثم و المظالم. و في الصدقة فيها على المحاويج ثواب جزيل، و خصوصاً على ذريّة رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله.

تنبيه:

للمدينة حرم و هو من ظلّ عائر إلى فيء (3) و عير بفتح الواو، و لا يعضد شجره، و لا يصاد ما بين الحرّتين منه، أعني حرّة ليلى و حرّة و أقم، و هو على

____________

(1) مستدرك الوسائل: باب 12 من أبواب المزار ح 18 ج 10 ص 207.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي: ج 9 ص 153.

(3) هذه الكلمة غير موجودة في «م» و «ق».

22

الكراهيّة، و ظاهر الشيخ (1) التحريم.

درس 128 [أحكام المشاهد المقدّسة]

قد بيّنا في كتاب الذكرى (2) استحباب بناء قبور الأئمّة (عليهم السلام) و تعاهدها، و لنذكر هنا نبذاً من أحكام المشاهد المقدّسة لم يذكرها الأصحاب:

قد جمع المشهد بين المسجديّة و الرباط فله حكمهما، فمن سبق إلى منزل منه فهو أولى به (3) ما دام رحله باقياً، و لو استبق اثنان و لم يمكن الجمع أُقرع، و لا فرق بين من يعتاد منزلًا منه و بين غيره.

و الوقف على المشاهد يتبع شرط الواقف، و لو فضل شيء من المصالح ادّخر له، إمّا عيناً أو مشغولًا في عقار يرجع نفعه عليه، و لو فضل عن ذلك كلّه فالأقرب جواز صرفه في مشهد آخر أو مسجد، و أمر مصالحه العامّة إلى الحاكم الشرعي.

و يجوز انتفاع الزائر بالآلة (4) المعدّة، فإذا انصرف سلّمها إلى الناظر فيه، و لو نقلت فرشه إلى مكان آخر للزائر جاز و إن خرج عن خطّة المشهد، و في جواز صرف أوقافه و نذوره إلى مصالح الزائرين مع استغنائهم عنها نظر، أمّا مع الحاجة فيجوز كالمنقطع به عن أهله.

و للزيارة آداب: أحدها: الغسل قبل دخول المشهد، و الكون على طهارة، فلو أحدث أعاد الغسل، قاله المفيد (5)، و إتيانه بخضوع و خشوع في ثياب طاهرة

____________

(1) النهاية: ص 287.

(2) الذكرى: ص 69.

(3) هذه الكلمة غير موجودة في باقي النسخ.

(4) في «م»: بالآلات.

(5) المقنعة: ص 494.

23

نظيفة جدد (1).

و ثانيها: الوقوف على بابه و الدعاء و الاستئذان بالمأثور، فإن وجد خشوعاً و رقّة دخل، و إلا فالأفضل له تحرّي زمان الرقّة؛ لأنّ الغرض الأهمّ حضور القلب لتلقّي الرحمة النازلة من الربّ، فإذا دخل قدّم رجله اليمنى، و إذا خرج فباليسرى.

و ثالثها: الوقوف على الضريح ملاصقاً له أو غير ملاصق، و توهّم أنّ البعد أدب وهم؛ فقد نصّ (2) على الاتّكاء على الضريح و تقبيله.

و رابعها: استقبال وجه المزور و استدبار القبلة حال الزيارة، ثمّ يضع عليه خدّه الأيمن عند الفراغ من الزيارة و يدعو متضرّعاً، ثمّ يضع خدّه الأيسر و يدعو سائلًا من اللّٰه تعالى بحقّه و بحقّ صاحب القبر أن يجعله من أهل شفاعته، و يبالغ في الدعاء و الإلحاح، ثمّ ينصرف إلى ما يلي الرأس، ثمّ يستقبل القبلة و يدعو.

و خامسها: الزيارة بالمأثور، و يكفي السَّلام و الحضور.

و سادسها: صلاة ركعتي الزيارة عند الفراغ، فإن كان زائراً للنبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) ففي الروضة، و إن كان لأحد الأئمّة (عليهم السلام) فعند رأسه، و لو صلاهما بمسجد المكان جاز، و رويت (3) رخصة في صلاتهما إلى القبر، و لو استدبر القبر و صلّى جاز، و إن كان غير مستحسن إلّا مع البعد.

و سابعها: الدعاء بعد الركعتين بما نقل و إلّا فبما سنح له في أُمور دينه و دنياه، و ليعمم الدعاء فإنّه أقرب إلى الإجابة.

و ثامنها: تلاوة شيء من القرآن عند الضرائح و إهداؤه إلى المزور، و المنتفع بذلك الزائر، و فيه تعظيم للمزور.

____________

(1) في «ق»: جديدة.

(2) وسائل الشيعة: باب 6 من أبواب المزار ح 2 ج 10 ص 267. بحار الأنوار 100- 124.

(3) وسائل الشيعة: باب 26 من أبواب مكان المصلي ح 4 ج 3 ص 455.

24

و تاسعها: إحضار القلب في جميع أحواله مهما استطاع، و التوبة من الذنب و الاستغفار و الإقلاع.

و عاشرها: التصدّق على السدنة و الحفظة للمشهد و إكرامهم و إعظامهم؛ فإنّ فيه إكرام صاحب المشهد عليه الصلاة و السَّلام. و ينبغي لهؤلاء أن يكونوا من أهل الخير و الصلاح و الدين و المروّة و الاحتمال و الصبر و كظم الغيظ، خالين من الغلظة على الزائرين، قائمين بحوائج المحتاجين، مرشدي ضالّي الغرباء و الواردين. و ليتعهّد أحوالهم الناظر فيه، فإن وجد من أحدٍ منهم تقصيراً نبّهه عليه، فإن أصرّ زجره، فإن كان من المحرّم جاز ردعه بالضرب إن لم يجد التعنيف، من باب النهي عن المنكر.

و حادي عشرها: أنّه إذا انصرف من الزيارة إلى منزله استحبّ له العود إليها ما دام مقيماً، فإذا حان الخروج ودّع و دعا بالمأثور، و سأل اللّٰه تعالى العود إليه.

و ثاني عشرها: أن يكون الزائر بعد الزيارة خيراً منه قبلها؛ فإنّها تحطّ الأوزار إذا صادفت القبول.

و ثالث عشرها: تعجيل الخروج عند قضاء الوتر من الزيارة؛ لتعظيم الحرمة و يشتدّ الشوق، و روي (1) أنّ الخارج يمشي القهقرى حتّى يتوارى.

و رابع عشرها: الصدقة على المحاويج بتلك البقعة؛ فإنّ الصدقة مضاعفة هنالك، و خصوصاً على الذرّية الطاهرة كما تقدّم بالمدينة.

و يستحبّ الزيارة في المواسم المشهورة قصداً، و قصد الامام الرضا (عليه السلام) في رجب؛ فإنّه من أفضل الأعمال.

و لا كراهة في تقبيل الضرائح، بل هو سنّة عندنا، و لو كان هناك تقيّة

____________

(1) كامل الزيارات: ص 256.

25

فتركه أولى، و أمّا تقبيل الأعتاب فلم نقف فيه على نصّ نعتدّ به، و لكن عليه الإماميّة، و لو سجد الزائر و نوى بالسجدة الشكر للّٰه تعالى على بلوغه تلك البقعة كان أولى.

و إذا أدرك الجمعة فلا يخرج قبل الصلاة، و من دخل المشهد و الامام يصلّي بدأ بالصلاة قبل الزيارة، و كذلك لو كان قد حضر وقتها، و إلّا فالبدأة بالزيارة أولى لأنّها غاية مقصده، و لو أُقيمت الصلاة استحبّ للزائرين قطع الزيارة و الإقبال على الصلاة، و يكره تركه، و على الناظر أمرهم بذلك.

و إذا زارت (1) النساء فليكنّ منفردات عن الرجال، و لو كان ليلًا فهو أولى، و ليكنّ متنكّرات مستخفيات مستترات، و لو زرن بين الرجال لجاز و إن كره. و ينبغي مع كثرة الزائرين أن يخفّف السابقون إلى الضريح الزيارة و ينصرفوا ليحضر من بعدهم، فيفوزوا من القرب إلى الضريح بما فاز أُولئك.

تنبيه:

يستحبّ إذا زار الحسين (عليه السلام) أن يزور عقيبه ولده عليّاً، و هو الأكبر على الأصحّ، و امّه ليلى بنت أبي مسعود بن مرّة بن مسعود الثقفي، و هو أوّل قتيل من ولد عليّ (عليه السلام) في الطفّ، و له رواية عن جدّه عليّ (عليه السلام)، ثمّ يزور الشهداء، ثمّ يأتي العبّاس بن عليّ (عليه السلام) فيزوره، و امّه أُمّ البنين بنت حزام بن خالد بن ربيعة أخي لبيد الشاعر.

خاتمة [فضل التربة الحسينية]

أجمع الأصحاب على الاستشفاء بالتربة الحسينيّة صلوات اللّٰه على مشرّفها،

____________

(1) في «م»: زار.

26

و على أفضليّة التسبيح بها، و بذلك أخبار (1) متواترة، و يجوز أخذها من حرمه (عليه السلام) و إن بعد كما سبق، و كلّما قرب من الضريح كان أفضل، و لو جيء بتربة ثمّ وضعت على الضريح كان حسناً، و ليقل عند قبضها و استعمالها ما هو مشهور. و لا يتجاوز المستشفي قدر الحمصة، و يجوز لمن حازها بيعها كيلًا و وزناً و مشاهدة، سواء كانت تربة مجرّدة أو مشتملة على هيئات الانتفاع.

و ينبغي للزائر أن يستصحب منها ما أمكن؛ لتعمّ البركة أهله و بلده، فهي شفاء من كلّ داء و أمان من كلّ خوف، و لو طبخت التربة قصداً للحفظ عن التهافت فلا بأس، و تركه أفضل، و السجود عليها من أفضل الأعمال إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) وسائل الشيعة: انظر باب 70 من أبواب المزار ج 10 ص 408.

27

كتاب الجهاد

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

كتاب الجهاد

[فضل الجهاد و من يجب عليه]

و هو من أعظم أركان الإسلام، قال اللّٰه تعالى «إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» (1)، و عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) (2) فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل اللّٰه فليس فوقه برّ، و في الفاخر (3) أنّ الملائكة تصلّي على المتقلّد بسيفه في سبيل اللّٰه حتّى يضعه، و من صدع رأسه في سبيل اللّٰه غفر اللّٰه له ما كان قبل ذلك من ذنب (4).

و هو فرض كفاية على البالغ، العاقل، الحرّ، الذكر، الصحيح من المرض، السليم من العمى و الإقعاد و الشيخوخة المانعة من القيام و الفقر، و يتعيّن بتعيين الإمام أو قصور القائمين بدونه و بالنذر و شبهه. و للأبوين و المدين مع الحلول و اليسار المنع، و قال الحسن (5): يسقط طاعتهما و طاعة الغريم عند الاستنفار، و حمل على التعيين.

____________

(1) سورة التوبة: الآية 111.

(2) وسائل الشيعة: باب 1 من أبواب جهاد العدو ح 21 ج 11 ص 10.

(3) لا يوجد لدينا هذا الكتاب و عثرنا على مضمون الخبر في كنز العمال: كتاب الجهاد في المسابقة من الإكمال ح 10787 و 10789 ج 4 ص 338.

(4) كنز العمال: كتاب الجهاد باب الترغيب في الجهاد ح 10490 ج 4 ص 280، مع اختلاف يسير.

(5) المختلف: ج 1 ص 324.

30

و من عجز بنفسه و تمكّن من إقامة غيره مقامه وجب عند الشيخ (1) و ابن إدريس (2)، و لو قدر فأقام غيره مقامه سقط عنه، إلّا أن يعيّنه الامام، و يجوز الاستئجار للجهاد عندنا.

و إنّما يجب بشرط دعاء الامام العادل أو نائبه. و لا يجوز مع الجائر اختياراً، إلّا أن يخاف على بيضة الإسلام- و هي أصله و مجتمعة- من الاصطلام، أو يخاف اصطلام قوم من المسلمين، فيجب على من يليهم الدفاع عنهم.

و لو احتيج إلى مدد من غيرهم وجب لكفّهم لا لإدخالهم في الإسلام، و كذا لو كان بين أهل الحرب و دهمهم عدوّ و خاف منه على نفسه جاز له أن يجاهد دفاعاً لا إعانة للكفّار، و قيّد في النهاية (3) العدوّ لأهل الحرب بالكفر، و كذا كلّ من خشي على نفسه مطلقاً. و ظاهر الأصحاب عدم تسمية ذلك كلّه جهاداً بل دفاع، و تظهر الفائدة في حكم الشهادة و الفرار و قسمة الغنيمة و شبهها.

[أحكام الجهاد و المرابطة]

و أمّا الرباط ففضله كثير، سواء كان بنفسه أو غلامه أو دابّته، في حضور الامام و غيبته.

و من نذر المرابطة وجبت مطلقاً، و كذا لو نذر صرف مال فيها، و لا يجوز صرفه في البرّ حال الغيبة على الأصحّ. و لو آجر نفسه أو قبل الجعل عليها قام بها، و لا يجب ردّ المال على الباذل أو وارثه حال الغيبة، و أوجبه الشيخ (4)، فإن لم يجد الوارث قام بها، و هو مخصّص لعموم الأدلّة بغير ثبت.

و أقلّها ثلاثة أيّام، و نقل ابن الجنيد (5) ليلة، و أكثرها أربعون يوماً، فإن زاد

____________

(1) النهاية: ص 289.

(2) السرائر: ج 2 ص 3.

(3) النهاية: ص 291.

(4) المبسوط: ج 2 ص 9.

(5) المختلف: ج 1 ص 325.

31

فله ثواب المجاهدين، و أفضلها ما قرب من الثغر. و كلّ من وطّن نفسه على الإعلام و المحافظة من أهل الثغور فهو مرابط. و يكره نقل الأهل و الذرّية إليه.

و المجاهدون ثلاثة: أهل الكتاب و هم اليهود و النصارى، و بحكمهم من له شبهة كتاب كالمجوس، و الحق بهم ابن الجنيد (1) الصابئة، و من عداهم من المشركين، و البغاة على الامام العادل. و الواجب قتال الكتابي حتّى يسلم أو يتذمّم أو يقتل، و قتال المشرك حتّى يسلم أو يقتل، و قتال الباغي حتّى يفيء أو يقتل.

و يبدأ بقتال من يليه، إلّا أن يكون الأبعد أشدّ خطراً، و من ثمّ أغار رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله (2) على الحارث بن أبي ضرار لمّا بلغه أنّه يجمع له، و كان بينه و بينه عدوّ أقرب، و كذا فعل بخالد بن سفيان الهذلي (3)، أو يكون الأقرب مهادناً.

و لا يجوز القتال إلّا بعد الدعاء إلى الإسلام، بإظهار الشهادتين و التزام جميع أحكام الإسلام، و الداعي هو الإمام أو نائبه، و لو قوتلوا مرّة بعد الدعاء كفى عمّا بعدها، و من ثمّ غزا النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) (4) بني المصطلق غارين فاستأصلهم.

و لا يجوز في أشهر الحرم، و هي رجب و ذو القعدة و ذو الحجّة و المحرّم، إلّا أن يبدأ العدوّ بالقتال فيها، أو لا يرى حرمتها.

و يكفّ عن النساء و إن أعنّ إلّا مع الضرورة، و كذا عن الصبيان و المجانين و أسرى المسلمين، و لو لم يمكن الفتح إلّا بقتلهم جاز، و على القاتل الكفّارة في

____________

(1) المختلف: ج 1 ص 333.

(2) سنن البيهقي: باب من يبدأ بجهاده من المشركين ج 9 ص 37.

(3) سنن البيهقي: باب من يبدأ بجهاده من المشركين ج 9 ص 38.

(4) نفس المصدر.

32

المسلم، و لا يغرم ماله لو أتلفه بخطإ أو بحاجة.

و يستحبّ الدعاء عند التقاء الصفّين بالمأثور، و منه دعاء النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) (1): اللّهم منزل الكتاب سريع الحساب مجري السحاب اهزم الأحزاب، و منه (2): يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرّين، يا كاشف الكرب العظيم، اكشف كربي و غمي، فإنّك تعلم حالي و حال أصحابي، فاكفني بقوّتك عدوّي. و ليوص الامام أصحابه بوصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) استشعر و الخشية إلى آخرها.

و يستحبّ أن يكون القتال عند الزوال بعد أن يصلّي الظهرين؛ لأنّه يفتح عنده أبواب السماء و تنزل الرحمة و النصر، و هو أقرب إلى الليل و أقلّ للقتل.

و يجوز القتال بسائر أنواعه، و هدم المنازل و الحصون، و رمي المناجيق، و التحريق بالنار، و قطع الأشجار، و إرسال الماء و منعه، و عن عليّ (عليه السلام) (4) لا يحلّ منع الماء، و يحمل على حالة الاختيار، و إلّا جاز إذا توقّف الفتح عليه، و الحصار، و منع السابلة دخولًا و خروجاً، فقد قطع رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) أشجار الطائف (5)، و حرق على بني النضير و خرّب ذيارهم (6)، و لا يجوز بإلقاء السمّ على الأصحّ.

و يكره تبييتهم ليلًا و القتال قبل الزوال لغير حاجة، و لو اضطرّ فيهما جاز، و أن يعرقب الدابّة و لو وقفت به، و لو رأى صلاحاً جاز، كما فعله جعفر

____________

(1) الجعفريات: كتاب الدعاء باب دعاء النبيّ يوم الأحزاب ص 218، مع اختلاف يسير.

(2) بحار الأنوار: كتاب الدعاء و الذكر باب 38 في إحراز النبيّ ح 6 و 7 ج 94 ص 212.

(3) نهج البلاغة: خطبة 66 ص 97.

(4) وقعة صفين: ص 193.

(5) سنن البيهقي: باب قطع الشجر و حرق المنازل ج 9 ص 83.

(6) نفس المصدر.

33

(عليه السلام) بمؤتة (1)، و ذبحها أحسن حينئذٍ.

و يكره المبارزة بين الصفّين بغير إذن الامام، و يحرم إن منع، و يجب إن ألزم. و لو نكل المحارب (2) عن قرنه جازت إعانته إلّا مع شرط عدمها، فإن هرب المسلم فطلبه القرن أُعين مطلقاً، و أبطل ابن الجنيد (3) اشتراط عدم المعاونة. و يكره قتل الأسير صبراً أي حبسا للقتل.

و يحرم الفرار إذا كان العدوّ على الضعف فأقلّ، إلّا متحرّفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة، و التمثيل بالكفّار، و الغدر بهم، و الغلول منهم، و القتال بعد الأمان، و لو كان من آحاد المسلمين لآحاد الكفّار، و إن كان المجير عبداً أو أدون شرفاً، و لو استذمّ الخصم فأُجيب بعدم الذمام فتوهّم الأمان حرم اغتياله و أُعيد إلى مأمنه.

و يحرم القتال أيضاً بعد الهدنة، و لا يتولّاها إلّا الإمام أو نائبه لمصلحة.

و من لم ينبت فهو صبيّ، فلو ادّعى استعجاله بالدواء قبل منه بغير يمين.

درس 129 [أحكام الجزية]

لا يجوز أخذ الجزية من الوثني و إن كان عجميّاً، و يجوز من الكتابي و إن كان عربيّاً، و لو انتقل الكتابي إلى غير ملّته أقرّ عند الشيخ (4) إذا كان الثاني يقرّ عليه ناقلًا فيه الإجماع.

و شرائط الذمّة قبول الجزية بحسب ما يراه الامام على الرؤوس، أو على (5)

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 52 من أبواب أحكام الدواب ح 2 ج 8 ص 396.

(2) في «م» و خ ل «ز» و خ ل المعتمدة: المبارز.

(3) المختلف: ج 1 ص 326.

(4) الخلاف: ج 3 ص 241.

(5) هذه الكلمة غير موجودة في باقي النسخ.

34

الأرضين، أو عليهما على الأقوى، و التزام أحكام الإسلام، و أن لا يفعلوا ما ينافي الأمان، كمعاونة الكفّار و إيواء عينهم، و أن لا يتجاهروا بالمحرّمات في شريعة الإسلام، كأكل لحم الخنزير و شرب الخمر و أكل الربا و نكاح المحارم، فيخرجون عن الذمّة بترك هذه أو بعضها.

و يجب أن يعطوا الجزية صاغرين، فعند المفيد (1) هو أن يؤخذوا بما لا يطيقون حتّى يسلموا للرواية (2)، و في المبسوط (3): التزام أحكامنا، و في الخلاف (4) عدم تقديرها مع التزام أحكامنا، و قال ابن الجنيد (5): التزام أحكامنا و أخذها منه قائماً، و لم يجوّز النقص عن دينار.

و يجب على الفقير على الأصحّ، و ينظر بها حتّى يوسر، و في العبد قولان، و المروي (6) الوجوب على مولاه عنه، و لا جزية على النساء و الأطفال و المجانين، و في الهمّ و المقعد و الراهب و أهل الصوامع و المجنون أدواراً قولان، و كذا في قتلهم، و يجب على السفيه خلافاً لابن حمزة (7). و يجوز أخذها من ثمن المحرّم و لو كان بالإحالة على المشتري، خلافاً لابن الجنيد (8) في الإحالة.

و يمنعون من أن يحدثوا كنيسة أو بيعة، أو يضربوا ناقوساً، أو يطيلوا بناء على جاره المسلم أو يساووه، بل ينخفضون عنه.

فرع:

لو كانت دار جاره سرداباً لم يلزم بمثله، و لو كانت داره على نشر لا يمكن

____________

(1) المقنعة: ص 273.

(2) وسائل الشيعة: باب 68 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 113.

(3) المبسوط: ج 2 ص 43.

(4) الخلاف: ج 3 ص 238.

(5) المختلف: ج 1 ص 334.

(6) وسائل الشيعة: باب 49 من أبواب جهاد العدو ح 6 ج 11 ص 97.

(7) الوسيلة: ص 205.

(8) المختلف: ج 1 ص 335.

35

الانتفاع بها إلّا بالعلوّ على المسلم فالأقرب جوازه، و يقتصر على أقلّ من بنيان المسلم، و لو انعكس جاز له أن يقارب دار المسلم في العلوّ، و إن أدّى إلى الإفراط في الارتفاع.

تنبيه:

يجوز تقرير نصارى تغلب عند الشيخ (1) مع أنّهم تنصّروا في الإسلام، و منعه ابن الجنيد (2)، و المروي عن عليّ (عليه السلام) (3) أنّه توعّدهم بالقتل، و علّله بتركهم ما شرطه النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) من أنّهم لا ينصرون أبناءهم، و في زمن الغيبة يجب إقرارهم على ما أقرّهم عليه ذو الشوكة من المسلمين كغيرهم.

و يجب الهجرة عن بلاد الشرك لمن لا يتمكّن من إظهار دينه، و لم تنقطع الهجرة بفتح مكّة عن غيرها، و لو عجز عنها كالمستضعف و المرأة سقط و توقّع المكنة. و يجب مواراة المسلم دون الكافر، فإن اشتبها دفن كميش الذكر، و لا يقرع خلافاً لابن إدريس (4).

درس 130 [تقسيم الغنائم]

تقسّم الغنيمة المنقولة بعد الجعائل و المؤن ثمّ الخمس بين المقاتلة و من حضر قبل القسمة حتّى المولود بالسويّة، للراجل سهم، و للفارس سهمان، و لذي الأفراس ثلاثة و إن كثرت، و لو اشتركوا في فرس اقتسموا سهمها.

و لا يسهم لغيرها من الدوابّ، و لا للعبيد و النساء و الكفّار، و لكن يرضخ

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 50.

(2) المختلف: ج 1 ص 336.

(3) كنز العمال: باب المصالحة ح 11507 ج 4 ص 510.

(4) السرائر: ج 2 ص 20.

36

لهم بحسب ما يراه الامام، و كان النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) (1) يخرج النساء معه للمداواة، و لا للأعراب و إن قاتلوا مع المهاجرين على الأصحّ و يرضخ لهم، و يتشارك الجيش و سريّته. و لا فرق بين غنيمة البحر و البرّ.

و من أسلم قبل الظفر به عصم نفسه و ولده الأصاغر و ماله المنقول دون غيره، و كلّ عبد أسلم قبل مولاه و خرج إلينا فهو حرّ و إلّا فلا.

و لو وطئ الغانم جارية من المغنم فلا حدّ عليه عند الشيخ (2) ناقلًا الإجماع، و يلحق به الولد. و لو وجد في الغنيمة أموال للمسلمين فهي لأربابها، و لو عرفت بعد القسمة على الأصحّ، و في النهاية (3): يقوّم العبيد و الأموال في سهم المقاتلة و تدفع القيمة إلى أربابها من بيت المال، أمّا الأحرار فلا سبيل عليهم إجماعاً.

و ما لا ينقل من الأرضين و العقارات فهو للمسلمين قاطبة، و النظر فيه إلى الامام.

و أمّا الأسرى (4) فالإناث و الأطفال يملكون بالسبي مطلقاً، و الذكور البالغون يقتلون حتماً إن أُخذوا و لمّا تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا إلّا أن يسلموا، و إن أُخذوا بعد الحرب تخيّر الامام فيهم بين المنّ و الفداء و الاسترقاق، و منع في المبسوط (5) من استرقاق من لا يقرّ على دينه كالوثني، بل يمنّ عليه أو يفادي، و تبعه الفاضل (6).

و لو عجز الأسير عن المشي احتمل، فإن أعوز لم يحلّ قتله، و أمر بإطلاقه في

____________

(1) وسائل الشيعة: باب 41 من أبواب جهاد العدو ح 6 ج 11 ص 86.

(2) المبسوط: ج 2 ص 31.

(3) النهاية: ص 295.

(4) في باقي النسخ: الأُسارى.

(5) المبسوط: ج 2 ص 20.

(6) المختلف: ج 1 ص 331.

37

النهاية (1)، و يجب إطعام الأسير و سقيه و إن أُريد قتله سريعاً. و يتخيّر في القتل بين ضرب العنق و قطع اليد و الرجل بغير حسم لينزفوا.

و لو أسر المشركون مسلماً لم يجز له التزوّج فيهم، إلّا أن يكونوا أهل كتاب، فيجوز متعة أو دواماً عند الضرورة الشديدة. و ينفسخ نكاح المشركين بأسرهما، و كذا بأسر الزوجة وحدها، و بأسر الزوج الصغير وحده، و لو أُسر الزوج الكبير وحده لم يحكم بالانفساح حتّى يسترقّ، و لو كانا رقيقين تخيّر الغانم.

درس 131 في اللواحق

يجوز إخراج الشيوخ ما دام فيهم قتال، بارز عمّار بصفّين و هو ابن نيف و تسعين سنة (2)، قال ابن الجنيد (3): لا أستحبّ أن ينقص سنّه عن ثماني عشرة.

و يجوز الذمام من الواحد للآحاد بغير إذن الامام خلافاً للحلبي (4)، مع قوله بوجوب الكفّ عمّن أذمّه و إن أثم.

و يجوز التحكيم في الحرب، و يراعى في الحاكم الكمال، و الإيمان، و العدالة، و المعرفة بمصالح القتال، و رضي الإمام به، نعم يكره إذا كان أسيراً في أيدي المشركين، و منعه ابن الجنيد (5)، فينفذ حكمه ما لم يخالف المشروع.

و تتقدّر الهدنة بما دون السنة، فيراعى الأصلح في القدر، و لو اشتدّ الضعف

____________

(1) النهاية: ص 296.

(2) الإصابة: ج 2 ص 512.

(3) لم نعثر على من حكاه عنه.

(4) الكافي في الفقه: ص 257.

(5) المختلف: ج 1 ص 327.

38

جازت إلى عشر سنين لا أزيد. و إذا هاجرت امرأة منهم إلينا مسلمة و تحقّق إسلامها لم تعد، و يعاد على زوجها ما سلّمه إليها من الصداق المباح من بيت المال، و قال ابن الجنيد (1): من سهم الغارمين في (2) الزكاة، و لو كانت عينه باقية ردّ بعينه، و هو بعيد.

و ظاهر بعض الأصحاب أنّ الغانمين ليس لهم تصرّف في الغنيمة بأكل و لا علف و لا غيره قبل القسمة، و جوّزه الشيخ في المبسوط (3) و ابن الجنيد (4) مدّعياً للإجماع، و هو الحقّ. و للإمام الاصطفاء من الغنيمة، و جوّز الحلبي (5) أن يبدأ بسدّ ما ينوبه من خلل في الإسلام و مصالح أهله و لو استغرق الغنيمة، و هو نادر.

و لو خيف استرجاع الكفّار الغنيمة ففي جواز إتلاف الحيوان نظر، و قطع الشيخ (6) بالمنع.

و يجوز السلب و النقل بالشرط، و أوجب ابن الجنيد (7) السلب للقاتل بغير شرط، و جعل (8) للفارس ثلاثة أسهم لرواية إسحاق بن عمّار (9)، و يعارضها رواية حفص بن غياث (10) و إن كانت ضعيفة، لاعتضادها بعمل المعظم.

و لا يسهم للعبد المأذون له و لا المكاتب خلافاً له (11).

و المروي (12) تحريم التفرقة بين الامّ و ولدها، و كرّه ابن الجنيد (13) التفريق بين

____________

(1) نفس المصدر.

(2) في «ق»: من.

(3) المبسوط: ج 2 ص 29.

(4) المختلف: ج 1 ص 327.

(5) الكافي في الفقه: ص 258.

(6) المبسوط: ج 2 ص 31.

(7) المختلف: ج 1 ص 328.

(8) المختلف: ج 1 ص 328.

(9) وسائل الشيعة: باب 42 من أبواب جهاد العدو ح 2 ج 11 ص 88.

(10) وسائل الشيعة: باب 38 من أبواب جهاد العدو ح 1 ج 11 ص 78.

(11) المختلف: ج 1 ص 328.

(12) الفقيه: باب شراء الرقيق ح 3811 ج 3 ص 219.

(13) المختلف: ج 1 ص 331.

39

الصغير و بين من يقوم مقام الأبوين في النفقة كالإخوة و الأجداد، و هو حسن، و لا فرق في التفريق بين البيع و غيره.

و لو سبي الطفل منفرداً تبع السابي في الإسلام عند الشيخ (1) و القاضي (2) و ابن الجنيد (3)، و هو المختار.

و لو أسلم الأسير بعد حكم الإمام فيه أُنفذ إلّا القتل، و لو كان قبل الحكم تخيّر بين المنّ و الفداء و الاسترقاق، و نقل الشيخ (4) سقوط الاسترقاق؛ لأنّ عقيلًا أسلم بعد الأسر، ففداه النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) و لم يسترقّه، و هي حكاية حال فلا يعمّ.

و لا يجوز للذمّي استيطان الحجاز و لا جزيرة العرب، و حدّها من عدن إلى ريف عبّادان طولًا، و من تهامة و ما والاها إلى أطراف الشام عرضاً، و يجوز الاجتياز و الامتياز. و قال الجعفي (5): لا يصلح سكناهم دار الهجرة إلّا أن يدخلوها نهاراً يتسوّقون بها و يخرجون ليلًا، و قال ابن الجنيد (6): يجوز إقامتهم فيما صولحوا عليه كايلة و تيما و وادي القرى.

و كلّ بلدة مصّرها المسلمون لا يجوز إحداث كنيسة و لا بيعة و لا بيت نار فيها إجماعاً، و كذا لو سكنوا الأرض المفتوحة عنوة لم يحدثوا فيها شيئاً من ذلك. و منع ابن الجنيد (7) من سكناهم مصراً مصّره المسلمون و من دفنهم فيه. قال (8):

و التمصير إمّا بالإحداث كالكوفة و البصرة و بغداد و سرّ من رأى، أو بإسلام أهلها عليها (9) طوعاً، كالمدينة و الطائف و اليمن و بعض الديلم، أو بقسمة بلاد

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 23.

(2) المهذب: ج 1 ص 318.

(3) المختلف: ج 1 ص 331.

(4) المبسوط: ج 2 ص 20.

(5) لم نعثر عليه.

(6) لم نعثر عليه.

(7) لم نعثر عليه.

(8) لم نعثر عليه.

(9) في باقي النسخ: بالإسلام عليها.

40

العنوة بين المسلمين.

و يجوز اشتراط ضيافة مارّة المسلمين، كما شرط رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) على أهل ايلة أن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين ثلاثاً (1)، و شرط على أهل نجران إقراء رسله عشرين ليلة فما دون، و عارية ثلاثين فرساً و ثلاثين بعيراً و ثلاثين درعاً مضمونة (2).

و يكره بدأة الذمّي بالسلام، و إذا سلّم أُجيب بعليكم، و يكره مصافحته، فإن فعل فمن وراء الثياب. و يستحبّ أن يضطرّ إلى أضيق الطرق و أن يمنع من الجادّة، و أمّا العلامة و الركوب عرضاً و المنع من الخيل و حذف مقاديم الشعور و ترك الكنى الإسلاميّة و شبه ذلك فلم نقف عليه لأئمّتنا (عليهم السلام).

و لو أسلم الذمّي بعد الحول قبل الأداء سقطت الجزية على الأصحّ. و لو أسلم قوم على أرضهم طوعاً ملكوها، و ليس عليهم فيها سوى الزكاة مع اجتماع الشرائط، و لو تركوا عمارتها فالمشهور في الرواية (3) أنّ الامام يقبلها بما يراه و يصرفه في مصالح المسلمين، و في النهاية (4): يدفع من حاصلها طسقها لأربابها و الباقي للمسلمين، و ابن إدريس (5) منع من التصرّف بغير إذن أربابها، و هو متروك.

و لو باع الذمّي أرضه المجعول عليها الجزية على مسلم انتقل إلى الذمّي لأنّه جزية، و قال الحلبي (6): هو على المشتري مع الزكاة، و هو مردود؛ لقوله صلّى اللّٰه

____________

(1) سنن البيهقي: باب كم الجزية ج 9 ص 195.

(2) نفس المصدر، و ليس فيه عشرين ليلة.

(3) وسائل الشيعة: باب 72 من أبواب جهاد العدو ح 2001 ج 11 ص 119.

(4) النهاية: ص 194.

(5) السرائر: ج 1 ص 477.

(6) الكافي في الفقه: ص 260.

41

عليه و آله (1): لا جزية على مسلم، قال (2): و لو استأجرها من الذمّي مسلم أو ذمّي فخراجها على المستأجر، و فيه بعد، إلّا مع الشرط. و مصرف الجزية عسكر المجاهدين.

و لا يجوز التصرّف في المفتوحة عنوة إلّا بإذن الإمام (عليه السلام)، سواء كان بالوقف أو بالبيع أو غيرهما، نعم في حال الغيبة ينفذ ذلك، و أطلق في المبسوط (3) أنّ التصرّف فيها لا ينفذ، و قال ابن إدريس (4): إنّما يباع و يوقف تحجيرنا و بناؤنا و تصرّفنا لا نفس الأرض.

و لا يجوز بيع المصحف للكافر، و لا يملكه لو اشتراه، و الحق الشيخ (5) أحاديث رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله، و كرّهه الفاضلان (6).

درس 132 [كيفيّة قتال البغاة و أحكامه]

يجب قتال البغاة على الامام العادل إذا استنفر عليهم، قال اللّٰه تعالى:

«فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ» (7)، و قال النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) (8): ما سمع داعينا (9) أهل البيت أحد فلم يجبه (10) إلّا كبّه اللّٰه على منخريه في النار، و قال (صلّى اللّٰه عليه و آله) (11): ما خفقت راية على رأس امرئ (12) في سبيل اللّٰه فطعمته النار.

____________

(1) مستدرك الوسائل: باب 61 من أبواب جهاد العدو ذيل ح 34 ج 11 ص 134.

(2) الكافي في الفقه: ص 261.

(3) المبسوط: ج 2 ص 34.

(4) السرائر: ج 1 ص 478.

(5) المبسوط: ج 2 ص 62.

(6) المنتهى: ج 2 ص 982، شرائع الإسلام: ج 1 ص 335.

(7) سورة الحجرات: الآية 9.

(8) لم نعثر عليه.

(9) في «ق» و «ز»: واعيتنا.

(10) في باقي النسخ: يجبها.

(11) لم نعثر عليه.

(12) في باقي النسخ: امرئ مؤمن.

42

و كيفيّة قتال البغاة مثل كيفيّة قتال المشركين، و الفرار كالفرار، إلّا أنّ البغاة إذا كان لهم فئة أجهز على جريحهم و تبع مدبرهم و قتل أسيرهم، و إن لم يكن لهم فئة اقتصر على تفريقهم. و نقل الحسن (1) أنّهم يعرضون على السيف، فمن تاب منهم ترك و إلّا قتل.

و لا يجوز سبي نساء الفريقين، و نقل الحسن (2) أنّ للإمام ذلك إن شاء؛ لمفهوم قول عليّ (عليه السلام) (3): إنّي مننت على أهل البصرة كما منّ رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله على أهل مكّة، و قد كان لرسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و آله أن يسبي فكذا للإمام، و هو شاذّ.

و لا تقسّم أموالهم التي لم يحوها العسكر إجماعاً. و جوّز المرتضى (4) قتالهم بسلاحهم و على (5) دوابّهم؛ لعموم «فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ» (6)، و ما حواه العسكر إذا رجعوا إلى طاعة الإمام حرام أيضاً، و إن أصرّوا فالأكثر على أنّ قسمته كقسمة الغنيمة، و أنكره المرتضى (7) و ابن إدريس (8)، و هو الأقرب عملًا بسيرة عليّ (عليه السلام) في أهل البصرة، فإنّه أمر (9) بردّ أموالهم فأُخذت حتّى المقدور.

و إذا استؤسر منهم مقاتل حبس حتّى تنقضي الحرب، و لو كان غير مقاتل كالنساء و الزمنى و الشيوخ و الصبيان أُطلقوا، و نقل الشيخ في الخلاف (10) أنّهم

____________

(1) لم نعثر عليه في مظانّه.

(2) المختلف: ج 1 ص 337.

(3) وسائل الشيعة: باب 25 من أبواب جهاد العدو ح 4 ج 11 ص 58.

(4) المسائل الناصريات (ضمن الجوامع الفقهية): ص 261.

(5) في باقي النسخ: على.

(6) سورة الحجرات: الآية 9.

(7) المسائل الناصريات (ضمن الجوامع الفقهية): ص 261.

(8) السرائر: ج 2 ص 19.

(9) المغني لابني قدامة: ج 10 ص 65.

(10) الخلاف: ج 3 ص 166.

43

يحبسون، و هو ظاهر ابن الجنيد (1).

و البغي اسم ذمّ عندنا، و في تكفيره قولان، يتفرّع عليهما تغسيله و الصلاة عليه و دفنه لا حلّ ماله.

و اشترط الشيخ (2) في قتال البغاة ثلاثة شروط: كونهم في منعة لا يمكن تفريقهم إلّا بالجيوش، و أن يخرجوا عن قبضة الامام في بلد أو بادية، و أن يكونوا على المباينة بتأويل يعتقدونه، و إلّا فهم محاربون.

و تجوز الاستعانة بأهل الذمّة في قتال البغاة مع الأمن، و في قتال المشركين أيضاً، و لو استعان البغاة بنسائهم و أطفالهم فكما تقدّم، و لو عاذوا بالمصاحف و الدعوة إلى حكم الكتاب لم يلتفت إليهم، إذا كانوا قد دعوا إليه فامتنعوا، و قوتلوا حتّى يصرّحوا بالفئة، و لو قاتل الذمّي معهم نقض عهده، فلو ادّعوا الجهل أو الإكراه فالأقرب القبول، و لو غزى المشركون البغاة فعلى الامام الذبّ عنهم.

و يضمن البغاة ما أتلفوه على أهل العدل نفساً و مالًا حال الحرب و بعده بخلاف العكس، و أمّا جناية أهل الحرب على المسلمين فمغتفرة إذا أسلموا نفساً و مالًا، و كذا جناية حربي على حربي هدر إذا أسلما، و العادل إذا قتل فهو شهيد إجماعاً.

و سابّ النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو أحد الأئمّة (3) (عليهم السلام) يجب قتله، و يحلّ دمه لكلّ سامع مع الأمن، و لو عرّض عزّر. و مانع الزكاة مستحلًّا مرتدّ، و غيره يقاتل حتّى يدفعها.

____________

(1) المختلف: ج 1 ص 338.

(2) المبسوط: ج 7 ص 264- 265.

(3) في «ق» و «ز»: الأئمة المعصومين.

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

كتاب الحسبة

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

كتاب الحسبة

[شرائط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر]

يجب الأمر بالمعروف الواجب و النهي عن المنكر بشروط ستّة: التكليف، و العلم بجهة الفعل، و إمكان التأثير، و انتفاء المفسدة، و أن يكون المعروف ممّا سيقع و المنكر ممّا سيترك، و عدم ظنّ قيام الغير مقامه على الأقوى، و بعض هذه شروط الجواز.

و مدرك وجوبهما العقل و النقل، و لا يلزم وجوبهما على اللّٰه تعالى بمعنى يحصل معه أثرهما، حذراً من الإلجاء.

و يستحبّ الأمر بالمندوب و النهي عن المكروه.

و طريق الأمر و النهي التدرّج، فالإعراض، ثمّ الكلام اللّين، ثمّ الخشن، ثمّ الأخشن، ثمّ الضرب غير المبرح، ثمّ المبرح، أمّا الجرح و القتل فالأقرب تفويضهما إلى الامام، و يجب بالقلب وجوباً مطلقاً.

و يكفي في سقوط إظهارهما ظنّ الضرر على المباشر أو على بعض المؤمنين نفساً أو مالًا، و حينئذٍ الأقرب التحريم، و لو لم يجوّز التأثير و أمن الضرر جاز الإنكار قطعاً، و لو لاح من المتلبّس أمارة الندم حرم قطعاً.

و الحدود و التعزيرات إلى الامام و نائبه و لو عموماً، فيجوز حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتي في القضاء إقامتها مع المكنة، و يجب على العامّة تقويته و منع

48

المتغلّب عليه مع الإمكان، و يجب عليه الإفتاء مع الأمن، و على العامّة المصير إليه و الترافع في الأحكام، فيعصي مؤثر المخالف و يفسق، و لا يكفي في الحكم و الإفتاء التقليد.

و لا يجوز تولّي القضاء من قبل الجائر إلّا مع الإكراه أو التمكّن من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لو اكره على الحكم أو الإفتاء بغير حقّ أجاب إلّا في القتل، و في إجراء الجرح مجراه خلاف، قطع الشيخ (1) في الكلام بأنّه كالقتل في عدم جوازه بالإكراه.

و يجوز للمولّى إقامة الحدّ على رقيقه إذا شاهد أو أقرّ الرقّ أو قامت عنده بيّنة تثبت عند الحاكم على قول، و للأب الإقامة على ولده كذلك و إن نزل، و للزوج على الزوجة حرّين أو عبدين أو أحدهما، فيجتمع على الأمة ولاية الزوج و السيّد، و لا فرق بين الجلد و الرجم؛ لما روي (2) أنّه لو وجد رجلًا يزني بامرأته فله قتلهما، و منع الفاضل (3) من الرجم و القطع بالسرقة، و لا يشترط في الزوجة الدخول، و في اشتراط الدوام نظر أقربه المنع، فيجوز إقامته في المؤجّل.

و في جواز إقامة المرأة الحدّ على رقيقها و المكاتب على رقّه (4) و الفاسق مطلقاً نظر.

و لا يملك إقامة الحدّ على المكاتب و المبعّض، و لو اشترك الموليان اجتمعا في الاستيفاء، و لا يجوز لأحدهما الاستقلال.

و لو ولي من قبل الجائر كرهاً قيل: جاز له إقامة الحدّ معتقداً لنيابته (5) عن الامام، و هو حسن إن كان مجتهداً و إلّا فالمنع أحسن.

____________

(1) لم أعثر عليه في كتب الشيخ و قد نسبه اليه من المسالك: ج 1 ص 162.

(2) وسائل الشيعة: باب 45 من أبواب حد الزنا ح 2 ج 18 ص 413.

(3) قواعد الأحكام: ج 2 ص 255.

(4) في «م» و «ز»: رقيقه.

(5) في «م» و «ز»: النيابة.

49

كتاب المُرتد

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

كتاب المُرتد

[تعريف المرتد و أحكامه]

و هو من قطع الإسلام بالإقرار على نفسه بالخروج منه، أو ببعض أنواع الكفر، سواء كان ممّا يقرّ أهله عليه أو لا، أو بإنكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة، أو بإثبات ما علم نفيه كذلك، أو بفعل دال صريحاً، كالسجود للشمس و الصنم، و إلقاء المصحف في المقذر قصداً، و إلقاء النجاسة على الكعبة أو هدمها، أو إظهار الاستخفاف بها.

و لا حكم لردّة الصبي بل يؤدّب، و كذا المجنون، و لو ارتدّ عاقلًا ثمّ جنّ لم يقتل (1) في موضع الاستتابة؛ لأنّا لا نعلم امتناعه.

و الكافر الأصلي لا يسمّى مرتداً؛ لعدم قطعه الإسلام.

و لو تلفّظ السكران بكلمة الكفر لم يرتدّ عند الشيخ في الخلاف (2)؛ لعدم القصد، و أولى منه عدم الحكم بإسلامه حال السكر إذا كان كافراً، و يمكن حصول ردّته لإلحاقه بالصاحي فيما عليه كقضاء العبادات، قال في المبسوط (3):

و هو قضيّة المذهب، و حكم أيضاً بصحّة إسلامه و فساد عقوده و إيقاعه كبيعه

____________

(1) في «م» و «ز»: لم يقبل.

(2) الخلاف: ج 3 ص 226.

(3) المبسوط: ج 8 ص 74.

52

و طلاقه، و إن كان الاحتياط تجديد إسلامه بعد إفاقته.

و لا حكم لردّة الغالط و الغافل و الساهي و النائم إجماعاً، و تقبل دعوى ذلك كلّه، و كذا الإكراه مع القرينة كالأسر.

و تثبت الردّة بالإقرار بها و لو مرّة، و بشهادة عدلين، فلو كذّبهما لم يسمع، و إن ادّعى الغلط سمع بلا يمين، و إن ادّعى الإكراه فكذلك إن كان هناك قرينة.

و لو خرج الأسير بعد وصف الكفر مكرهاً لم يجب تجديد إسلامه، فلو أُمر به فامتنع كشف عن سبق ردّته، و ظاهر المبسوط (1) أنّه لا بدّ من عرضه عليه، و لو أُمر المسلم بالشهادتين فامتنع لم يحكم بكفره.

و أمّا أحكام المرتدّ: فهي إمّا في النفس أو المال أو الولد أو الزوجيّة.

فالأوّل: وجوب القتل إن كان رجلًا مولوداً على فطرة الإسلام؛ لقول رسول اللّٰه (2) صلى اللّه عليه و آله (3): من بدّل دينه فاقتلوه، و لا تقبل منه التوبة ظاهراً، و في قبولها باطناً وجه قوي.

و إن أسلم عن كفر ثمّ ارتدّ لم يقتل، بل يستتاب بما يؤمّل معه عوده، و قيل:

ثلاثة أيّام للرواية (4)، فإن لم يتب قتل، و استتابته واجبة عندنا.

و المرأة لا تقتل مطلقاً، بل تضرب أوقات الصلوات، و يدام عليها السجن حتّى تتوب أو تموت، و لو لحقت بدار الحرب قال في المبسوط (5): تُسترق.

و لو كان المرتدّون في منعة بدأ الإمام بقتالهم قبل قتال الكفّار، فإذا ظفر

____________

(1) المبسوط: ج 8 ص 72.

(2) في باقي النسخ: لقوله.

(3) صحيح الترمذي: باب 25 ما جاء في المرتد ح 1458 ج 4 ص 59.

(4) وسائل الشيعة: باب 3 من أبواب حد المرتد ح 5 ج 18 ص 548.

(5) المبسوط: ج 7 ص 282.

53

بهم أجرى عليهم الأحكام المذكورة.

و المرتدّ عن ملّة لو تكرّرت منه الردّة و الاستتابة قتل في الرابعة أو الثالثة على الخلاف.

و قاتل المرتدّ الإمام أو نائبه، و لو بادر غيره إلى قتله فلا ضمان؛ لأنّه مباح الدم، و لكنّه يأثم و يعزّر، قاله الشيخ (1)؛ لعدم إذن الامام، و قال الفاضل (2):

يحلّ قتله لكلّ من سمعه، و هو بعيد.

فرع:

لو قتل المرتدّ مسلماً أو مرتدّاً عمداً قتل به و قدّم على قتل الردّة، و إن كان شبيه عمد فالدية في ماله، و كذا لو صولح على مال، و يشكل إذا كان عن فطرة؛ لأنّه لا مال له، و إن كان خطأ قال الشيخ (3): في ماله؛ لأنّه لا يعقله قومه، و يشكل بأنّ (4) ميراثه لهم.

و كلمة الإسلام: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه، و أشهد أنّ محمَّداً رسول اللّٰه، و إن تبرّأ من كلّ دين غير الإسلام كان تأكيداً، و لو كان كفره بدفع عموم النبوّة صرّح بالعموم، و كذا بجحد فريضة.

و تقبل توبة الزنديق على الأصحّ؛ لأنّ باب الهداية غير محسوم و البواطن لا تتبع؛ لقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (5) لأُسامة: هلا شققت عن قلبه، و روي (6) عدمه؛ لأنّ التقيّة دينه فلا يتصوّر فيه الترك؛ لأنّ الترك هو التلبّس

____________

(1) المبسوط: ج 7 ص 284.

(2) التحرير: ج 2 ص 236.

(3) المبسوط: ج 7 ص 284.

(4) في «ق»: إذ.

(5) تفسير الطبري: ج 5 ص 142.

(6) وسائل الشيعة: باب 5 من أبواب حد المرتد ح 2، 4 ج 18 ص 551.

54

بالضدّ؛ إذ الكافر لا يكون تاركاً دينه الّا بما هو ضدّه، و لو أُمر بحلّ شبهته احتمل الإجابة؛ لأنّ أصل الدعوة الحجّة، و عدمه إذ الحقّ لا لبس فيه، و الخيالات لا حصر لها فربّما تمادى كفره.

و تمنع الردّة قبول الجزية و صحّة النكاح لكافرة أو مسلمة و حلّ الذبيحة و الإرقاق، و توجب الحكم بالنجاسة و عدم إجراء أحكام المسلمين عليه لو مات، فلا يغسّل و لا يكفّن و لا يدفن بين المسلمين و لا بين الكفّار، و لا تدرأ غرامة المتلفات و لا عقوبة الجنايات.

و أمّا حكم ماله فالخروج عنه إلى الوارث إن كان عن فطرة، و تقضى منه ديونه، و في إنفاذ وصاياه قبل الردّة عندي تردّد، و الأقرب أنّه لا ينفق عليه منه لو فات السلطان، و لو احتشّ أو احتطب ففي دخوله في ملكه تردّد، فإن أدخلناه صار إرثاً، و على هذا لا ينقطع إرثه ما دام حيّاً، و هو بعيد.

و إن كان ملّياً حجر عليه و لم يزل ملكه و يدخل في ملكه المتجددات، و في الحجر عليه بنفس الردّة أو بحكم الحاكم وجهان، الأقرب الأوّل، و ينفق عليه ما دام حيّاً، و كذا من تجب نفقته عليه، و في فساد تصرّفاته في أمواله مطلقاً أو بشرط الموت على الردّة وجهان، و إذا مات مرتدّاً أو قتل فماله لوارثه عندنا لا لبيت المال.

و أمّا ولده السابق فمسلم، و لو علق بعد الردّة من مسلمة فمسلم، و إن كان من كافرة أو مرتدّة فمرتد تبعاً، و يحتمل كونه كافراً، لأنّه لم يسبق له إسلام و لا تبعيّة إسلام، و يحتمل ضعيفاً كونه مسلماً؛ لبقاء علاقة الإسلام، و حديث الولادة على الفطرة (1).

فعلى الأوّل لا يسترق، و هو قول المبسوط (2)، و يلزم عند البلوغ بالإسلام أو

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1 ص 35 ح 18.

(2) المبسوط: ج 7 ص 285.