السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ج1

- ابن إدريس الحلي المزيد...
659 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه كما حمد نفسه، و الصلاة على محمد و آله كما ينبغي لهم، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

لا يخفى على ذوي البصائر أنّ للشموس الأحمدية و الأقمار العلوية و الكواكب الفاطمية إشراقات نورانيّة و إضاءات روحانيّة و سطوعات ربّانيّة أحاطت بالعالم فعمّته بالخير و البركة، فشقّت للناس سبل الهداية و أوضحت لهم طرق الغواية، فسعد من اهتدى بهداهم و شقي من تنكّب عن سبلهم، و من تلك النعم التي فاضت بها شفاههم الشريفة (صلوات اللّٰه عليهم) روايات الأحكام الشرعية، و التي لها القدح المعلّى في تراث أهل البيت (عليهم السلام).

و تفاعل المسلم مع هذه الروايات مرّ في مراحل مختلفة باختلاف الظروف و الملابسات، بحيث كان رجوع المسلم في عصر النصّ و التشريع أهون بكثير من رجوعه و هو يعيش زمن الغيبة، و كذا الحال في زمن الغيبة فإنّ معرفة الأحكام الفقهية أخذت تمرّ بأدوار مختلفة عمقا و سعة نتيجة تعمّق المعارف الأصولية و انتقال الخبرات من فقيه سابق الى فقيه لاحق، فظهرت الكتب الفقهية و المصنّفات الاستدلالية بعد أن كانت لا تتعدّى طريقة نقل الأخبار و سرد الأحاديث بعد تبويبها و محاولة الجمع العرفي بين المتعارضات منها.

و من جملة تلك الآثار «كتاب السرائر» لمصنّفه فخر الدين محمد بن إدريس الحلّي نوّر اللّٰه مضجعه، و هو بحقّ كتاب جامع في كلّ أبواب الفقه شحنه من التحقيق

4

و التأسيس في التفريع على الأصول و استنباط المسائل الفقهية عن أدلّتها الشرعية، لم يتقدّمه في تحقيقاته في ذلك أحد بل هو الفاتح لهذا الباب لمن تأخّر عنه.

و يعتبر هذا الكتاب المدرك الواضح الذي يعكس طريقة المصنّف المشهورة- و هي عدم العمل بخبر الواحد- و التي صارت سببا للنقد و الطعن من قبل الأصحاب قديما و حديثا، و لكن هذا لا ينقص من قدر صاحبه و لا يقلّل من أهميّة كتابه، فبقي مصنّفه طيلة القرون السابقة و إلى الآن محطّا لأنظار الفقهاء و أهل النظر و الاجتهاد.

و حفظا لهذا التراث القيّم و تعميما للفائدة تصدّت مؤسّستنا لتحقيقه و استخراج منابعه بعد مقابلته مع عدّة نسخ مخطوطة ثمّ طبعه و نشره بهذه الصورة الأنيقة و الحمد للّٰه على توفيقاته.

و لا يسعنا أخيرا إلّا و أن نتقدّم بجزيل شكرنا لسماحة حجة الإسلام و المسلمين الحاج الشيخ محمد المؤمن القميّ على ما بذله من سعي حثيث في الإشراف و المتابعة لكلّ مراحل التحقيق، كما و نشكر الاخوة من أهل الفضل و التحقيق لا سيّما سماحة الحاج الشيخ محمد حسين الأشعري و الحاج السيد حسن آل طه و الشيخ أبو القاسم الأشعري على ما بذلوه من الجهد الوافر في شتى مجالات التحقيق، و كذلك من البحّاثة الحاج الشيخ محمد هادي اليوسفيّ الغروي لما كتبه عن نبذة من حياة مصنّف هذا السفر، سائلين اللّٰه عزّ اسمه أن يوفّقهم و إيّانا لإحياء و نشر التراث الإسلامي إنه خير ناصر و معين.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة

5

من حياة المؤلّف (قدس سره)

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

اسمه و لقبه و نسبه:

قال فيه المولى عبد اللّٰه الأصفهاني في تعاليقه على «أمل الآمل»: رأيت في بعض المواضع نسبه منقولا من خطه في آخر كتاب «المصباح» للشيخ الطوسي (قدس سره) هكذا: محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن الحسين بن القاسم بن عيسى العجليّ. و قال في لقبه: هو الشيخ «شمس الدين» العجليّ، كما في بعض الإجازات. ثم عيّن هذه الإجازة فقال: قال الشيخ أحمد بن نعمة اللّٰه العاملي في إجازته للمولى عبد اللّٰه التستري في وصف ابن إدريس: الشيخ الأجل الأوحد، المحقّق المنقّب «شمس الدين» محمد بن إدريس (1) و هي نسبة إلى الجدّ الأعلى.

و نقل الشيخ يوسف البحراني صاحب «الحدائق» في «لؤلؤة البحرين» عن الشهيد الأوّل في «إجازته» قال: و عن ابن نما و السيد فخار مصنّفات الإمام العلّامة، شيخ العلماء، رئيس المذهب و فخر الدين أبي عبد اللّٰه محمد بن إدريس، (رضي اللّٰه عنه).

و عن الشهيد الثاني في «إجازته» قال: و مرويات الشيخ الإمام العلامة المحقّق «فخر الدين» أبي عبد اللّٰه محمد بن إدريس العجلي (2).

____________

(1) رياض العلماء 5: 31، 32

(2) لؤلؤة البحرين: 279.

6

و في إجازة المحقّق الثاني (رحمه الله): «و منها جميع مصنّفات و مرويّات الشيخ الإمام السعيد المحقّق، خير العلماء و الفقهاء، فخر الملة و الحق و الدين، أبي عبد اللّٰه محمد بن إدريس الحلّي الربعيّ، برّد اللّٰه مضجعه و شكر له سعيه» (1).

و ترجم له القاضي نور اللّٰه الشهيد في «مجالس المؤمنين» فقال: الشيخ العالم المحقّق «فخر الدين» أبو عبد اللّٰه محمد بن إدريس العجليّ الربعيّ الحلّي (قدس سره) (2).

و من قبل ذكره ابن داود في رجاله فقال بشأنه: كان شيخ الفقهاء بالحلّة، متقنا للعلوم، كثير التصانيف (3).

و نقله عنه التفرشي في «نقد الرجال» (4) و ان كان الحرّ العامليّ (قدس سره) لم يجده في نسخته من رجال ابن داود فنقله عن التفرشي و زاد عليه: «و قد اثنى عليه علماؤنا المتأخّرون و اعتمدوا على كتابه و على ما رواه في آخره من كتب المتقدمين و أصولهم. و قد ذكر أقواله العلّامة و غيره في كتب الاستدلال و قبلوا أكثرها».

و عن نسبه و روايته قال المحدّث الحرّ العاملي (رحمه الله): يروي عن خاله أبي علي الطوسي بواسطة و غير واسطة، و عن جدّه لأمه أبي جعفر الطوسي، و أمّ أمّه بنت المسعود ورّام، و كانت فاضلة صالحة (5).

و صاحب «الحدائق» في «اللؤلؤة» في ترجمته لابني طاوس الحليّين قال: هما أخوان من أب و أم، و أمهما- على ما ذكره بعض علمائنا- بنت الشيخ مسعود الورّام

____________

(1) منتهى المقال: 260، و الربعيّ نسبة الى بني ربيعة كما في الهامش التالي.

(2) مجالس المؤمنين بالفارسيّة 1: 569 ط الإسلامية. و العجليّ نسبة الى عجل بن لجيم حيّ من بكر بن وائل من ربيعة، كما نصّ عليه المامقاني في تنقيح المقال 1: 95 و لذلك أضاف القاضي الشهيد في نسبة المترجم له بعد العجلي: الربعي، نسبة إلى بني ربيعة.

(3) رجال ابن داود: 498 ط طهران و 269 ط النجف الأشرف، و النص كما مرّ، و ليس «مفتيا في العلوم» كما عنه في تنقيح المقال 2: 77.

(4) نقد الرجال: 291.

(5) أمل الآمل 2: 243، 244.

7

ابن أبي فراس بن فراس بن حمدان، و أم أمهما بنت الشيخ الطوسي (رحمه الله) و قد أجاز لها و لأختها أم الشيخ محمد بن إدريس جميع مصنفاته و مصنفات الأصحاب (1).

و لكن صاحب «الروضات» شكّك في صحّة ذلك بل ردّه، فهو بعد نقله لكلام صاحب «اللؤلؤة» قال ما معناه: ما تقدمت إليه الإشارة من كلام صاحب «اللؤلؤة» بكون بنت الشيخ الطوسي زوجة الورّام ابن أبي فراس، مدفوع بالكلّيّة، ذلك لأنّ الورّام المذكور كان من تلامذة الشيخ محمود الحمصي المعاصر لابن إدريس بل المتأخر عنه قليلا! و عليه فلتحمل هذه النسبة في نسب هؤلاء على خلط في بعض ما ذكر فيها، أو خبط فيما فيها من أسماء الآباء و الأجداد (2).

و الميرزا النوري في خاتمة «مستدرك الوسائل» بعد نقله لكلام صاحب «اللؤلؤة» قال: أمّا ما ذكروه من أنّ زوجة ورّام بنت الشيخ الطوسي فباطل من وجوه:

أمّا أولا: فلأن وفاة ورّام سنة 606 و وفاة الشيخ سنة 460 فبين الوفاتين مائة و خمسة و أربعون سنة، فكيف يتصور كونه صهرا للشيخ على بنته، حتى و ان فرضت ولادة هذه البنت بعد وفاة الشيخ، مع أنهم ذكروا أنّ الشيخ أجازها.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لو كان كذلك لأشار السيد (ابن طاوس) إلى ذلك في مؤلفاته لشدّة حرصه على ضبط هذه الأمور. و الذي يظهر من مؤلفات السيد هو أنّ أمه بنت الشيخ ورّام الزاهد، و أنّه ينتهي نسبه من طرف أم الأب إلى الشيخ أبي جعفر الطوسي، و لذا يعبّر عنه أيضا بالجدّ. و أمّا كيفيّة الانتساب إليه: فقد قال السيد في «الإقبال»: «فمن ذلك ما رويته عن والدي. بروايته عن حسين بن

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 236 و قال صاحب الرياض: و قد أجازهما بعض العلماء و لعل المجيز أخوهما الشيخ أبو علي ابن الشيخ الطوسي، أو والدهما الشيخ الطوسي فلاحظ- رياض العلماء 5: 409.

(2) روضات الجنات 6: 278 و نقلناه بالمعنى ابتعادا عن تعقيده بالتسجيع المتكلّف.

8

رطبة عن خال والدي أبي علي الحسن عن والده محمد بن الحسن الطوسي: جدّ والدي من قبل أمه» فانتساب السيد الى الشيخ من طرف والده السيد موسى بن جعفر بن طاوس إذ أمه بنت الشيخ (أي أنّ صهر الشيخ هو السيد جعفر بن طاوس) لا من طرف امه بنت الشيخ ورّام.

و أمّا ثالثا: فلعدم تعرض أحد من أرباب الإجازات و أصحاب التراجم لذلك، مع أن صهرية الشيخ الطوسي من المفاخر التي يشار إليها، كما أشاروا إلى ذلك في ترجمة ابن شهريار الخازن.

و يتلو ما ذكروه هنا في القرابة ما في «اللؤلؤة» و غيرها: أنّ أمّ ابن إدريس هي بنت الشيخ، فإنّه في القرابة بمكان يكاد يلحق بالمحال في العادة، فإنّ وفاه الشيخ في سنة ستين بعد الأربعمائة (460) و ولادة ابن إدريس- كما ذكروه- في سنة ثلاث و أربعين بعد الخمسمائة (543) فبين وفاة الشيخ و ولادة ابن إدريس ثلاثة و ثمانون سنة، و لو كانت أم ابن إدريس في وقت إجازة والدها لها في حدود سبعة عشر سنة مثلا، لكانت قد ولدت ابن إدريس في سن المائة تقريبا! و هذه من الخوارق التي لا بدّ أن تكون في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار.

و العجب من هؤلاء الأعلام كيف يدرجون في مؤلفاتهم أمثال هذه الأكاذيب بمجرد أن رأوها مكتوبة في موضع من غير تأمل و نظر.

ثم إنّ تعبيره عن الشيخ ورّام بالمسعود الورّام، أو مسعود بن ورّام، اشتباه آخر. فان المسعود الورّام أو مسعود بن ورّام غير الشيخ ورّام الزاهد صاحب «تنبيه الخواطر» (1).

بينما كل هذا الترديد و الردّ مبني على عدم الالتفات الى أنّ المدّعي في عبارة صاحب «اللؤلؤة» هو أنّ أم أم ابن إدريس بنت الشيخ الطوسي، لا أمّه مباشرة

____________

(1) خاتمة مستدرك الوسائل 3: 482 ط قديم.

9

و إذا ضممنا الى ذلك الترديد في المجيز لها أنّه كان الشيخ الطوسي أو ابنه أخوها الشيخ أبو علي ابن الشيخ الطوسي بل بعض العلماء، كما في «رياض العلماء» (1) ارتفع الاستبعاد.

روايته عن الشيخ و ولده:

و قبل الميرزا النوري بسط المرحوم المجلسي القول في إنكار رواية ابن إدريس عن خاله أبي علي الطوسي «الصحيفة السجادية» بغير واسطة، و ذلك في أول شرحه لها، ذكر ذلك تلميذه المولى عبد اللّٰه الأصفهاني في تعاليقه على «أمل الآمل» و قال: أنكر الأستاذ «أيده اللّٰه تعالى» رواية ابن إدريس بغير واسطة، كما سمعته من لفظه، كما في هامش «رياض العلماء» (2).

فالصحيح من أسانيد الصحيفة ما يرويها الحلي عن الشيخ العماد محمد بن أبي القاسم الطبري، عن أبي علي الطوسي المذكور، عن والده الشيخ الطوسي. و إن كان في البعض الآخر من أسانيدها: أنّه يرويها عن أبي علي ولد الشيخ الطوسي و هو عن والده، بلا واسطة. و قال الأفندي بعد ذكر ذلك: و لا منافاة بينهما (3) بل الأولى قول المولى المجلسي (قدس سره).

سائر مشايخه:

مرّ عن الحرّ العاملي في «أمل الآمل» أن ابن إدريس يروي عن خاله أبي علي الطوسي بواسطة. و أم امه بنت (الشيخ) ورّام، و كانت فاضلة صالحة (4).

____________

(1) رياض العلماء 5: 409

(2) رياض العلماء 5: 31.

(3) رياض العلماء: 5: 32

(4) أمل الآمل 2: 243.

10

و نقل ذلك عنه المولى عبد اللّٰه الأصفهاني في «رياض العلماء» و نصّ على الواسطة بينه و بين خاله الشيخ حسن بن الشيخ الطوسي، بأنه هو: الشيخ العماد محمد بن أبي القاسم الطبري. و أضاف: و يروي هو عن جماعة منهم: عربيّ بن مسافر العبادي (1).

و نقل ذلك صاحب «روضات الجنات» و أضاف عن صاحب «صحيفة الصفا في ذكر أهل الاجتباء و الاصطفاء»: الحسن بن رطبة السوراوي، و أبا المكارم حمزة الحسينيّ (2) و طبيعي أنّ مشايخه و أساتذته أكثر من هؤلاء الأربعة و لا ريب أنّ الباحث يجد له مشايخ أكثر منهم.

تلامذته و الراوون عنه:

يروي عنه جماعة من الأفاضل- كما في «رياض العلماء:- منهم:

الشيخ نجيب الدين بن نما الحلّي. و السيد شمس الدين فخار بن معد الموسويّ. و السيد محمد بن عبد اللّٰه بن زهرة الحسينيّ الحلبيّ، كما يظهر من بعض أسانيد «الصحيفة الكاملة».

و يروي «السرائر» عنه: علي بن يحيى الخيّاط، و أجاز روايته عنه ليوسف بن علوان و هو لتلميذه محمد بن الزنجي في جمادى الآخرة سنة 628 ه (3).

و نجيب الدين هو محمد بن جعفر بن محمد بن نما الحلّي، شيخ المحقّق الحلّي و الشيخ سديد الدين والد العلّامة الحلّي، و السيد رضي الدين و السيد أحمد ابن

____________

(1) رياض العلماء 5: 32.

(2) روضات الجنات 6: 277 ط جديد. و تجد رواية ابن إدريس عن أبي المكارم في الأمل 2: 106. و روايته عن ابن رطبة في الأمل أيضا 2: 80.

(3) رياض العلماء 5: 32، 33 و تجد ترجمة الخيّاط و روايته عن ابن إدريس في أمل الآمل 2:

210. و رواية السيد فخار الموسوي عنه في 2: 214. و رواية ابن نما في 2: 310.

11

طاوس. و هو والد الشيخ جعفر بن محمد صاحب «مثير الأحزان».

و نقل المحدث القمّي في «هدية الأحباب» عن المحقّق الكركي في ذكر المحقّق الحلّي ما هذا لفظه:

و أعلم مشايخه بفقه أهل البيت: الشيخ الفقيه السعيد الأوحد محمد بن نما الحلّي.

و أجل أشياخه: الإمام المحقّق قدوة المتأخرين: فخر الدين محمد بن إدريس (1).

و لكن صاحب «روضات الجنات» نقل عن صاحب «صحيفة الصفا في ذكر أهل الاجتباء و الاصطفاء» فيمن يروي عنه: الشيخ جعفر بن نما، و ابن ابنه محمد بن جعفر بن نما (2). و لا يسعني التحقيق الآن.

و قد مرّ عن «لؤلؤة البحرين» عن اجازة الشهيد الأول أنّه يروي عن السيد فخار و ابن نما (3).

و ذكر الحرّ في «أمل الآمل» من تلامذة ابن إدريس: الشيخ طومان بن أحمد العاملي (4).

هل كان ابن إدريس مخلّطا؟

فهرس الشيخ الطوسي (قدس سره) لكتب الشيعة بأمر أستاذه الشيخ المفيد (ت 413) كما أشار إلى ذلك في أوّل «الفهرست» و هذا يعني أنّه قد فهرس لكتب الشيعة حتى نهاية القرن الرابع الهجري أو بداية القرن الخامس، و بعد قرنين من الزمان كان ذلك بحاجة الى مستدرك، قام به الشيخان: محمد بن علي

____________

(1) هدية الأحباب: 272 ط طهران

(2) روضات الجنات 6: 277 ط قم المقدسة.

(3) لؤلؤة البحرين: 279 ط النجف الأشرف

(4) أمل الآمل 1: 103 ط بغداد.

12

بن شهر آشوب المازندراني (ت 588) و منتجب الدين علي بن عبيد اللّٰه ابن بابويه الرازي (ت بعد 600) (1) و هما معاصران لابن إدريس.

و كان منتجب الدين قد دخل الحلّة و شاهد ابن إدريس، و لكنّه لم يدخل في زمرة تلامذته أو حتى رواته، و ذلك لأنّه كان قد سمع من شيخه سديد الدين محمود الحمصي أنّ ابن إدريس «مخلّط لا يعتمد على تصنيفه» كما ذكره في كتابه (2).

و من غريب خبطاته و مستطرفاتها نسبته في مستطرفاته الى أبان بن تغلب عدّة أخبار لا ربط لها به. فهو مخلّط في الحديث في أسانيدها و متونها، و في اللغة و الأدب و التاريخ و الفقه.

و من خبطه في الفقه: أنّه ينتقد أتباع الشيخ الطوسي بأنّهم يقلّدونه، بينما هو يقلّده أيضا، و ذلك فيما إذا اتفقت فتاواه، فإنّه يتبعه حتى و لو كان مستندا الى آحاد، أمّا إذا اختلفت فتاواه في كتبه فإنّه (يرجّح الفتوى غير الخبرية) و يعترض على فتواه الخبرية بكونه تمسكا بالآحاد، حتى و لو كان مستندا في ذلك الى أخبار ملحقة بالتواتر (3).

أما ما ذكره الشيخ محمود الحمصي من أنّ ابن إدريس «مخلّط لا يعتمد على تصنيفه» فهو صحيح من جهة و باطل من جهة:

أمّا أنّه مخلّط في الجملة فممّا لا شك فيه، و يظهر ذلك بوضوح من الروايات التي ذكرها فيما استطرفه من كتاب أبان بن تغلب، فقد ذكر فيها عدّة روايات ممّن لم يدرك الصادق (عليه السلام)، و كيف يمكن أن يروي أبان المتوفّى في حياة الصادق (عليه السلام) عمّن هو متأخر عنه بطبقة أو طبقتين؟!.

____________

(1) فهرست منتجب الدين: 5 ط قم المقدسة.

(2) فهرست منتجب الدين: 5 ط قم المقدسة.

(3) فهرست منتجب الدين: 5 ط قم المقدسة.

13

و من جملة تخليطه: أنّه ذكر روايات استطرفها من كتاب السيّاريّ و قال «و اسمه أبو عبد اللّٰه صاحب موسى و الرضا «(عليهما السلام)» و هذا فيه خلط واضح، فإنّ السيّاريّ هو أحمد بن محمد بن السيار أبو عبد اللّٰه، و هو من أصحاب الهادي و العسكري «(عليهما السلام)» و لا يمكن روايته عن الكاظم و الرضا «(عليهما السلام)».

و أمّا قوله «لا يعتمد على تصنيفه» فهو غير صحيح، و ذلك أنّ الرجل من أكابر العلماء و محقّقيهم، فلا مانع من الاعتماد على تصنيفه في غير ما ثبت فيه خلافه (1).

و هل كان معرضا عن الأخبار؟

ذكره ابن داود الحلّي (ت بعد 707 أي بعد قرن من منتجب الدين و ابن إدريس) في الباب الثاني من رجاله (الضعفاء) و كأنّه علّل ذلك بقوله: لكنّه أعرض عن أخبار أهل البيت (عليهم السلام). و في بعض النسخ زيادة:

بالكليّة (2) و منها نسخة التفرشي التي نقل عنها في كتابه «نقد الرجال» و علّق عليه فقال: و لعلّ ذكره في باب الموثّقين كان أولى، لأنّ المشهور أنّه لم يكن يعمل بخبر الواحد، و هذا لا يستلزم الإعراض بالكليّة، و إلّا لانتقض بغيره، مثل السيد المرتضى و غيره (3).

و لعلّه لهذا أعرض بعض النسّاخ عن هذه الزيادة بل كلّ الجملة، كما في نسخة الحر العاملي، كما مرّ عنه في «أمل الآمل» قوله: و لم أجده في كتاب ابن

____________

(1) معجم رجال الحديث 15: 70، 71 ط النجف الأشرف- الأولى.

(2) رجال ابن داود: 498 ط طهران و 269 ط النجف الأشرف.

(3) نقد الرجال: 291.

14

داود في الممدوحين و لا المذمومين، في النسخة التي عندي (1) و كذلك قال الميرزا أبو علي الطبري الحائري في «منتهى المقال»: لم أجده في نسختي من رجال ابن داود، و هو المنقول عن كثير من نسخه أيضا، و ما وجد فيه ففي القسم الثاني في الضعفاء (2) و كذلك لم ينقل عنه هذه الجملة الأخيرة الأردبيلي في «جامع الرواة» (3).

و نقله البحراني في «لؤلؤة البحرين» عن الحرّ في «أمل الآمل» و علّق عليه يقول:

(ثمّ إنّ ما نقله في كتاب «أمل الآمل» عن السيد مصطفى من أنّه: ذكره ابن داود في قسم الضعفاء، مع نقله عنه أوّلا أنّه قال في كتابه: «أنّه كان شيخ الفقهاء في الحلّة متقنا للعلوم كثير التصانيف) لا يخلو من تدافع، فإنّ وصفه بما ذكر يوجب دخوله في قسم الممدوحين لا الضعفاء. و أغرب من ذلك قوله «الحرّ العاملي) بعد: «و لم أجده في كتاب ابن داود لا في الممدوحين و لا في المذمومين» مع أنّ الميرزا محمد صاحب الرجال (منهج المقال) قد نقل عن ابن داود عبارة المدح المذكورة، و هي قوله: «كان شيخ الفقهاء.» (4).

قال: «و التحقيق: أنّ فضل الرجل المذكور و علوّ منزلته في هذه الطائفة ممّا لا ينكر، و غلطه- في مسألة من مسائل الفنّ- لا يستلزم الطعن عليه بما ذكره المحقّق المتقدم ذكره (ابن داود) و كم لمثله من الأغلاط الواضحة و لا سيما في هذه المسألة، و هي: مسألة العمل بخبر الواحد. و جملة من تأخر عنه من الفضلاء، حتى مثل

____________

(1) أمل الآمل 2: 243.

(2) منتهى المقال: 260 فلا يتجه ما في تنقيح المقال 2: 77: «و الميرزا لم ينقل قوله (ابن داود):

لكنّه أعرض. و لعلّه كان ساقطا من نسخته أو زائدا في نسختنا، و لم يشير أيضا الى عدّه إيّاه في الباب الثاني، فلاحظ» بل أشار و صرّح فانظر و قل: أعوذ باللّٰه من زيغ البصر.

(3) جامع الرواة 2: 65

(4) لؤلؤة البحرين: 280.

15

المحقّق و العلّامة- الذين هما أصل الطعن عليه- قد اختار العمل بكثير من أقواله» (1).

و عاد فقال أيضا: «و بالجملة: ففضل الرجل المذكور و نبله في هذه الطائفة أظهر من أن ينكر، و إن تفرّد ببعض الأقوال الظاهرة البطلان لذوي الأفهام و الأذهان، و مثله في ذلك غير عزيز، كما لا يخفى على الناظر المنصف» (2).

و بعد ما نقل الميرزا أبو علي الطبري الحائري في «منتهى المقال» مقالة ابن داود قال:

«و لا يخفى ما فيه من الجزاف، و عدم سلوك سبيل الإنصاف، فإنّ الطعن في هذا الفاضل الجليل، سيّما و الاعتذار بهذا التعليل، فيه ما فيه:

أمّا أوّلا: فلأنّ عمله بأكثر الكثير من الأخبار ممّا لا يقبل الاستتار، سيّما ما استطرفه في أواخر «السرائر» من أصول القدماء «(رضي اللّٰه عنه)م».

و أمّا ثانيا: فلأنّ عدم العمل بأخبار الآحاد ليس من متفرداته، بل ذهب إليه جملة من أجلّة الأصحاب: كعلم الهدى، و ابن زهرة، (شيخه) و ابن قبة، و غيرهم. فلو كان ذلك موجبا للتضعيف لوجب تضعيفهم أجمع، و فيه ما فيه (3).

و علّق عليه المامقاني في «تنقيح المقال» فقال: و من غريب ما وجدته في المقام ما صدر من ابن داود، حيث أنّه مع مدحه له أورده في الباب الثاني فقال:

محمد بن إدريس العجليّ الحلّي، كان شيخ الفقهاء، بالحلّة. فإنّ هذا المدح لا يناسب عدّه إيّاه في الباب الثاني، مع أنّه من عادته عدّ الإماميّ في الباب الأوّل و إن لم يوثق بل و إن لم يمدح، و كون الحلّي إماميّا ممّا لا تأمّل فيه لأحد.

و ما نسبه إليه من تركه لأخبار أهل البيت (عليهم السلام) بالكلّيّة، بهتان صرف، فإنّه إنّما ترك أخبار الآحاد كعلم الهدى، لا مطلق الأخبار حتى المتواتر

____________

(1) لؤلؤة البحرين: 279

(2) لؤلؤة البحرين: 280

(3) منتهى المقال: 260.

16

و المحفوف بالقرائن القطعيّة، و يومئذ، أكثر الأخبار التي هي اليوم من الواحد كان عندهم من المحفوفة بالقرائن، كما لا يخفى على الخبير (1).

و قال الفقيه التستري في «قاموس الرجال» أقول: نسبة الاعراض إليه بالكلّيّة غلط، كيف و سرائره كلّه من طهارته إلى دياته مبتن على أخبارهم (عليهم السلام)، و الرجل من علماء الإماميّة و لا يعقل إعراض إمامي عن أخبارهم (عليهم السلام). و انما هو كالمفيد و المرتضى لا يعمل بأخبار الآحاد، الّا أنه كان لا يعرف الآحاد من غير الآحاد (2).

و قال المحقّق الخوئي في معجمة: أمّا قول ابن داود: أنّه أعرض عن أخبار أهل البيت (عليهم السلام) بالكلّيّة. فهو باطل جزما، فإنّه اعتمد على الروايات في تصنيفاته، و كتبه مملوءة من الأخبار. غاية الأمر أنّه لم يكن يعمل بالأخبار الآحاد، فيكون حاله كالسيّد المرتضى و غيره ممّن لم يكونوا يعملون بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرائن (3).

«و أوّل من زعم أنّ أكثر أحاديث أصحابنا- المأخوذة من الأصول التي ألقوها بأمر أصحاب الأئمة (عليهم السلام) و كانت متداولة بينهم و كانوا مأمورين بحفظها و نشرها بين أصحابنا لتعمل بها الطائفة لا سيّما في زمن الغيبة الكبرى- أخبار آحاد خالية عن القرائن الموجبة للقطع بورودها عن أصحاب العترة (عليهم السلام)، هو: محمد بن إدريس الحلّيّ، و لأجل ذلك تكلّم على أكثر فتاوى رئيس الطائفة، المأخوذة من تلك الأصول. و قد وافق رئيس الطائفة و علم الهدى و من تقدم عليهما في أنّه لا يجوز العمل بخبر الواحد الخالي عن القرينة الموجبة للقطع، و غفل عن أنّ أحاديث أصحابنا ليست من ذلك القبيل» (4).

____________

(1) تنقيح المقال 3: 77

(2) قاموس الرجال 8: 45.

(3) معجم رجال الحديث 15: 71 ط النجف الأشرف- الأولى.

(4) روضات الجنات 6: 249 عن مقدمة شرح التهذيب.

17

ابن إدريس و ابن زهرة:

مرّ علينا في مشايخه: أبو المكارم حمزة الحسيني، و هو حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي (ت 585) عمّ تلميذه: محمد بن عبد اللّٰه بن زهرة، و هو صاحب كتاب «غنية النزوع الى علمي الفروع و الأصول» (1).

«و نحن إذا لاحظنا أصول ابن زهرة وجدنا فيه ظاهرة مشتركة بينه و بين فقه (تلميذه) ابن إدريس تميّزهما عن عصر التقليد المطلق للشيخ، و هذه الظاهرة المشتركة هي: الخروج على آراء الشيخ و الأخذ بوجهات نظر تتعارض مع موقفه الأصولي أو الفقهي، و كما رأينا ابن إدريس يحاول في «السرائر» تفنيد ما جاء في فقه الشيخ من أدلّة، كذلك نجد ابن زهرة يناقش في «الغنية» الأدلّة التي جاءت في كتاب «العدّة» و يستدلّ على وجهات نظر معارضه، بل يثير أحيانا مشاكل أصولية جديدة لم تكن مثارة من قبل في كتاب «العدّة» بذلك النحو.

و لا بأس أن نذكر مثالين أو ثلاثة للمسائل التي اختلف فيها رأي ابن زهرة عن رأي الشيخ:

فمن ذلك: مسألة دلالة الأمر على الفور، فقد كان الشيخ يقول بدلالته على الفور، و أنكر ابن زهرة ذلك و قال: إنّ صيغة الأمر حيادية لا تدل على فور و لا تراخ.

و من ذلك أيضا: مسألة اقتضاء النهي عن المعاملة لفسادها، فقد كان الشيخ يقول بالاقتضاء، و أنكر ابن زهرة ذلك، مميّزا بين مفهومي: الحرمة و الفساد، و نافيا للتلازم بينهما.

____________

(1) هدية الأحباب: 70 ط طهران.

18

و من ذلك: أن آثار ابن زهرة في بحوث العام و الخاص مشكلة حجيّة العام المخصّص، في غير مورد التخصيص. بينما لم تكن هذه المشكلة قد أثيرت في كتاب «العدّة».

و قد جاء في كتاب المزارعة من «السرائر» ما يدلّ على أنّ ابن إدريس كان يجابه معاصريه بآرائه و يناقشهم- و منهم أبو المكارم ابن زهرة- إذ كتب عن رأي فقهي يقول: «و القائل بهذا القول السيد العلوي أبو المكارم ابن زهرة الحلبي، شاهدته و رأيته، و كاتبته و كاتبني و عرّفته ما ذكره في تصنيفه (الغنية) من الخطأ، فاعتذر- (رحمه الله)- بأعذار غير واضحة» (1) فنرى ابن إدريس قد أخذ المناقشة و التجديد الفقهي من شيخه ابن زهرة.

ابن إدريس و الاجتهاد و «السرائر»:

يقول ابن إدريس في مقدّمة كتابه «السرائر»: فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق:

إمّا هي من اللّٰه سبحانه، أو سنة رسوله المتواترة المتفق عليها، أو الإجماع، فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعية- عند المحقّقين الباحثين عن مآخذ الشريعة- التمسّك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه و موكولة إليه، فمن هذه الطرق نتوصل الى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها و التمسّك بها، فمن تنكّر عنها عسف و خبط خبط عشواء، و فارق قوله المذهب.

فقد قال السيد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) في جواب (المسألة الثانية) من المسائل الموصليات:

«اعلم أنّه لا بدّ في الأحكام الشرعية من طريق يوصل الى العلم بها، لأنّا متى

____________

(1) و راجع المعالم الجديدة في الأصول للشهيد الصدر: 73، 74 ط النجف الأشرف.

19

لم نعلم الحكم و نقطع بالعلم على أنّه مصلحة جوزنا كونه مفسدة، فيقبح الاقدام منّا عليه، لأنّ الإقدام على مالا نأمن من كونه فسادا أو قبيحا، كالإقدام على ما نقطع على كونه فسادا، و لهذه الجملة أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة الذي يذهب مخالفونا إليه طريقا إلى الأحكام الشرعيّة، من حيث كان القياس يوجب الظنّ و لا يفضي الى العلم، ألا ترى تظن- بجمل الفرع في التحريم على أصل محرم بنسبة تجمع بينهما- أنّه محرّم مثل أصله، و لا نعلم- من حيث ظننّا أنّه يشبه المحرم- أنّه محرم و كذلك أبطلنا العمل في الشريعة بأخبار الآحاد، لأنّها لا توجب علما و لا عملا، و أوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم، لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظنّ بصدقه، و من ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا و إن ظننت به الصدق، فإنّ الظن لا يمنع من التجويز، فعاد الأمر في العمل بأخبار الآحاد إلى أنّه اقدام على ما لا نأمن من كونه فسادا و غير صلاح.

قال: و قد تجاوز قوم من شيوخنا (رحمهم اللّٰه جميعا) في إبطال القياس في الشريعة، و العمل فيها بأخبار الآحاد، الى أن قالوا: إنّه يستحيل من طريق العقول العبادة (التعبّد) بالقياس في الأحكام. و أحالوا أيضا من طريق العقول العبادة (التعبّد) بالعمل بأخبار الآحاد. و عوّلوا على أنّ العمل يجب أن يكون تابعا للعلم، و إذا كان غير متيقن في القياس و أخبار الآحاد لم تجز العبادة (التعبّد) بهما.

و المذهب الصحيح هو غير هذا، لأنّ العقل لا يمنع من العبادة بالقياس و العمل بخبر الواحد، و لو تعبد اللّٰه تعالى بذلك لساغ و لدخل في باب الصحة، لأنّ عبادته (تعبّده) تعالى بذلك يوجب العلم الذي لا بدّ أن يكون العمل تابعا له، فإنّه لا فرق- بين أن يقول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): قد حرّم عليكم كذا و كذا فاجتنبوه، و بين أن يقول: إذا أخبركم عني مخبر- له صفة العدالة- بتحريمه فحرّموه- في صحة الطريق الى العلم بتحريمه، و كذلك إذا قال: لو غلب في ظنكم شبه لبعض الفروع ببعض الأصول في صفة يقتضي التحريم فحرّموه، فقد حرّمته

20

عليكم، و لكان هذا أيضا طريقا الى العلم بتحريمه و ارتفاع الشك و التجويز.

فليس متناول العلم هنا متناول الظن على ما يعتقده قوم لا يتأمّلون، لأنّ متناول الظنّ هنا هو صدق الراوي إذا كان واحدا، و متناول العلم هو تحريم الفعل المخصوص الذي تضمّنه الخبر، و ما علمناه غير ما ظننّاه. و كذلك في القياس متناول الظنّ شبه الفرع بالأصل في علة التحريم، و متناول العلم كون الفرع محرّما.

و إنّما منعنا من القياس في الشريعة و أخبار الآحاد- مع تجويز العبادة (التعبّد) بهما من طريق العقول- لأنّ اللّٰه تعالى ما تعبّد بهما، و لا نصب دليلا عليهما، و من هذا الوجه طرحنا العمل بهما و نفينا كونهما طريقين الى التحريم و التحليل.

قال المرتضى (قدس سره): «و إنّما أردنا بهذه الإشارة أنّ أصحابنا كلّهم سلفهم و خلفهم، متقدّمهم و متأخّرهم يمنعون من العمل بأخبار الآحاد و من العمل بالقياس في الشريعة، و يعيبون أشدّ عيب على الراغب إليهما و المتعلّق في الشريعة بهما، حتى صار هذا المذهب- لظهوره و انتشاره- معلوما ضرورة منهم و غير مشكوك فيه من أقوالهم».

و بعد نقل كلام السيد (قدس سره) قال ابن إدريس: «هذا آخر كلام المرتضى (رحمه الله) حرفا فحرفا. فعلى الأدلّة المتقدّمة أعمل و بها آخذ و افتي و أدين اللّٰه تعالى، و لا ألتفت الى سواد مسطور و قول بعيد عن الحق مهجور، و لا «اقلّد» إلّا الدليل الواضح و البرهان اللائح، و لا أعرّج الى أخبار الآحاد، فهل هدم الإسلام إلّا هي.

و هذه المقدّمة أيضا من جملة بواعثي على وضع كتابي هذا، ليكون قائما بنفسه و مقدّما في جنسه، و ليغني الناظر فيه- إذا كان له أدنى طبع- عن أن يقرأه على من فوقه، و إن كان لأفواه الرجال معنى لا يوصل إليه من أكثر الكتب في أكثر الأحوال» (1).

____________

(1) انظر مقدمة المؤلّف(ص)51.

21

و عمّا كان له من الدور الكبير في بث الحياة من جديد في الفكر العلمي و مقاومته لتلك الفترة من الفتور العلمي التقليدي بعد شيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) فقد كتب في بداية مقدّمته هذه للكتاب فقال: «إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية و الأحكام الإسلامية، و تثاقلهم طلبها و عداوتهم لما يجهلون و تضييعهم لما يعلمون، و رأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا- لغلبة الغباوة عليه .. مضيعا لما استودعته الأيام، مقصّرا في البحث عمّا يجب عليه علمه، حتى كأنّه ابن يومه و نتيج ساعته .. و رأيت العلم عنانة في يد الامتهان، و ميدانه قد عطّل منه الرهان تداركت منه الذماء الباقي، و تلافيت نفسا بلغت التراقي» (1).

بين «السرائر» و «المبسوط»:

و لا بأس هنا بدراسة «كتاب السرائر» و مقارنته بكتاب «المبسوط» و بذلك يمكننا أن ننتهي إلى النقاط التالية:

1- إنّ «كتاب السرائر» يبرز العناصر الأصولية في البحث الفقهي و علاقتها به بصورة أوسع ممّا يقوم به كتاب «المبسوط» بهذا الصدد، فعلى سبيل المثال نذكر: أنّ ابن إدريس أبرز في استنباطه لأحكام المياه ثلاث قواعد أصولية و ربط بحثه الفقهي بها، بينما لا نجد شيئا منها في أحكام المياه من كتاب «المبسوط» و إن كانت هي بصيغتها النظرية العامة موجودة في كتب الأصول قبل ابن إدريس.

2- إنّ الاستدلال الفقهي لدى ابن إدريس أوسع منه عمّا في كتاب «المبسوط» و هو يشتمل في النقاط التي يختلف فيها مع الشيخ على توسّع في الاحتجاج و تجميع الشواهد، حتى أنّ المسألة التي لا يزيد بحثها في «المبسوط» على

____________

(1) انظر مقدمة المؤلّف(ص)41.

22

سطر واحد قد تبلغ في «السرائر» صفحة مثلا، و من هذا القبيل: مسألة طهارة الماء المتنجّس إذا تمّم كرّا بماء متنجس أيضا، فقد حكم الشيخ في «المبسوط» ببقاء الماء على النجاسة و لم يزد على جملة واحدة في توضيح وجهة نظره، و أمّا ابن إدريس فقد اختار طهارة الماء في هذه الحالة، و توسّع في بحث المسألة، ثم ختمه قائلا: «و لنا في هذه المسألة منفردة نحو من عشر ورقات قد بلغنا فيها أقصى الغايات، و حججنا القول فيها و الأسئلة و الأدلّة و الشواهد من الآيات و الأخبار».

و نلاحظ في النقاط التي يختلف فيها ابن إدريس مع الشيخ الطوسي اهتماما كبيرا منه باستعراض الحجج التي يمكن أن تدعم وجهة نظر الطوسي و تفنيدها.

و هذه الحجج التي يستعرضها و يفنّدها إمّا أن تكون من وضعه و إبداعه يفترضها افتراضا ثمّ يبطلها لكي لا يبقى مجالا لشبهة في صحة موقفه، أو أنّها تعكس مقاومة الفكر التقليدي السائد لآراء ابن إدريس الجديدة، أي أنّ الفكر السائد استفزّته هذه الآراء و أخذ يدافع عن آراء الشيخ الطوسي، فكان ابن إدريس يجمع حجج المدافعين و يفنّدها. و هذا يعني أن آراء ابن إدريس كان لها رد فعل و تأثير معاصر على الفكر العلمي السائد الذي اضطره ابن إدريس للمبارزة.

و نحن نعلم من «كتاب السرائر» أن ابن إدريس كان يجابه معاصريه بآرائه و يناقشهم، و لم يكن منكمشا في نطاق تأليفه الخاص، فمن الطبيعي أن يثير ردود الفعل و أن تنعكس ردود الفعل هذه على صورة حجج لتأييد رأي الشيخ.

كما نلمح في بحوث ابن إدريس ما كان يقاسيه من المقلّدة الذين تعبّدوا بآراء الشيخ الطوسي، و كيف كان يضيق بجمودهم. ففي مسألة تحديد مقدار الواجب نزحه من البئر إذا مات فيها كافر، يرى ابن إدريس أن الواجب نزح جميع ما في البئر، بدليل: أنّ الكافر إذا باشر ماء البئر و هو حيّ وجب نزحها جميعا اتفاقا فوجوب نزح الجميع إذا مات فيها أولى. و إذا كان هذا الاستدلال- الاستدلال بالأولويّة- يحمل طابعا عقليّا جزئيّا بالنسبة إلى مستوى العلم الذي عاصره ابن

23

إدريس، فقد علّق عليه يقول: «و كأنّي بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه و يستبعده و يقول: من قال هذا؟ و من ينظره في كتابه؟ و من أشار من أهل هذا الفن- الذين هم القدوة في هذا- اليه»؟.

و أحيانا نجد ابن إدريس يحتال على المقلّدة، فيحاول أن يثبت لهم أنّ الشيخ الطوسي يذهب الى نفس رأيه، و لو بضرب من التأويل. ففي مسألة الماء المتنجّس المتمّم كرا بمثله يفتي بالطهارة، و يحاول أن يثبت ذهاب الشيخ الطوسي إلى القول بالطهارة أيضا فيقول: «فالشيخ أبو جعفر الطوسي- الذي يتمسك بخلافه و يقلّد في هذه المسألة و يجعل دليلا- يقوّي القول و الفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، و أنا أبيّن ان شاء اللّٰه أنّ أبا جعفر تفوح من فيه رائحة تسليم هذه المسألة بالكلّيّة إذا تؤمّل في كلامه و تصنيفه حق التأمّل، و أبصر بالعين الصحيحة، و احضر له الفكر الصافي».

آثار هذه الحركة العلمية:

و استمرت الحركة العلمية التي نشطت في عصر ابن إدريس تنمو و تتسع و تزداد ثراء عبر الأجيال، و برز في تلك الأجيال نوابغ كبار صنّفوا في الأصول و الفقه و أبدعوا:

فمن هؤلاء: المحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن (ت 676 ه) و هو تلميذ تلامذة ابن إدريس، و مؤلف الكتاب الفقيه الكبير «شرائع الإسلام» الذي أصبح بعد تأليفه محورا للبحث و التعليق و التدريس في الحوزة بدلا عن كتاب «النهاية» الذي كان الشيخ الطوسي قد ألّفه قبل «المبسوط».

و هذا التحوّل من «النهاية» إلى «الشرائع» يرمز الى تطوّر كبير في مستوى العلم، لأنّ كتاب «النهاية» كان كتابا فقهيا يشتمل على أمّهات المسائل الفقهية و أصولها، أمّا الشرائع فهو كتاب واسع يشتمل على التفريع و تخريج

24

الأحكام وفقا للمخطّط الذي وضعه الشيخ في «المبسوط» فاحتلال هذا الكتاب المركز الرسمي لكتاب «النهاية» في الحوزة، و اتجاه حركة البحث و التعليق إليه يعني أنّ حركة التفريع و التخريج قد عمّت و اتسعت حتى أصبحت الحوزة كلّها تعيشها. و له في الأصول «معارج الوصول الى علم الأصول» و «نهج الوصول الى علم الأصول».

و من أولئك النوابغ: تلميذ المحقّق و ابن أخته المعروف بالعلّامة الحلّي الحسن بن يوسف (ت 726 ه) و له في الأصول «مبادئ الوصول الى علم الأصول» و «تهذيب الوصول الى علم الأصول» (1) و كأنّه أراد أن يجعل بالأوّل مرقاة لمعارج المحقّق، و بالثاني تهذيبا لنهجه، و الذي هو بدوره كان تيسيرا للطلبة للوصول الى ما في كتابي «العدّة» للطوسي و «الذريعة» للمرتضى من الأصول.

و استمرت هذه الكتب الأصولية الأربعة للأستاذ المحقّق و التلميذ العلّامة هي محور البحث الأصولي في الحوزة في الحلّة في القرون: الثامن و التاسع و العاشر الهجري، حتى نسخها كتاب «معالم الدين و ملاذ المجتهدين» للحسن بن زين الدين الجبعي العاملي (ت 1011 ه) الذي مثّل فيه المستوي العالي لعلم الأصول في عصره بتنظيم جديد و تعبير يسير، الأمر الذي جعل لهذا الكتاب شأنا كبيرا في عالم البحوث الأصولية، حتى أصبح كتابا دراسيّا في هذا العلم، و تناوله المعلّقون بالتعليق و النقد. و قاربه قرينه «زبدة الأصول» للشيخ البهائي محمد بن الحسين العاملي (ت 1031 ه).

هذا جانب من نماذج النتائج التي تمخّضت عنها الحركة العلمية الأصولية و الفقهية التحقيقية الاستدلالية لابن إدريس في الحلّة بالعراق، و التي استمرت فيها حتى القرن العاشر حيث انتقل الازدهار العلمي من الحلّة في العراق الى

____________

(1) من المعالم الجديدة في الأصول للشهيد الصدر (قدس سره): 72- 76 بتصرّف.

25

أصفهان عاصمة الدولة الايرانية الصفويّة، التي اتخذت التشيّع مذهبا رسميّا، و قرّبت علماء عاملة ليعملوا في الدعوة الى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، و تأسيس و رعاية الحوزة العلمية الجعفرية.

آثار المؤلف:

مرّ علينا فيما مضى أن أوّل من ذكره من أرباب الفهارس و التراجم و الرجال هو معاصره الشيخ منتجب الدين علي بن عبيد اللّٰه الرازي (ت بعد 600) فإنّه ذكره في فهرسه و قال: له تصانيف منها: «كتاب السرائر» (1).

ثم ذكره ابن داود الحلّي (ت بعد 707) فقال: كثير التصانيف (2).

و نقلهما الحرّ العاملي (ت 1104) في «أمل الآمل» ثم أكمل اسم الكتاب فقال من مؤلفاته:

«كتاب السرائر» الحاوي لتحرير الفتاوي، و هو الذي تقدّم ذكره.

و في بعض نسخ «الأمل» زيادة: و له أيضا «كتاب التعليقات» كبير، و هو حواش و إيرادات على «التبيان» لشيخنا الطوسي، شاهدته بخطّه في فارس (3).

و قد نقل قول الحرّ هذا مع هذه الزيادة المولى عبد اللّٰه الأصفهاني في «رياض العلماء» ممّا يرجّح أن تكون من الحرّ نفسه، و علّق الأصفهاني على هذه الزيادة في نسخته من «الأمل» قال: و قد رأيته (التعليقات) بخطه في شيراز عند أمير محمد شريف، المستوفي لتلك النواحي، في جملة كتبه الموقوفة على مدرسته، و قد

____________

(1) الفهرست له: 173 برقم 421 ط قم المقدسة.

(2) رجال ابن داود: 498 ط طهران و 269 ط النجف الأشرف.

(3) أمل الآمل 2: 244 ط بغداد.

26

شاهدت قطعة منه في أصفهان أيضا (1) إذن فالمقصود بقول الحرّ «فارس»:

فارس شيراز، و يدلّ على سفر الحرّ الى شيراز أيضا.

و أضاف في «الرياض»: و من مؤلفاته: «رسالة في معنى الناصب نسبها إليه سبطه الشيخ علي الكركي في رسالة «رفع البدعة في حلّ المتعة» و يروي عنها الرواية.

و عن نسخ «كتاب السرائر» قال: و قد رأيت من «كتاب السرائر» نسخا كثيرة:

من أحسن ما رأيته: ما وجدته في كتب المرحوم آميرزا فخر المشهدي، و هو نسخة عتيقة، صحيحة جدا، قريبة العهد بزمان المصنف بل كتبت في زمانه.

و تاريخ تأليف «السرائر» على ما يظهر من كتاب الصلح منه: سنة سبع و ثمانين و خمسمائة.

و رأيت في خزانة الشيخ صفي في أردبيل (في مقبرة الشيخ السيد صفي الدين الموسوي الأردبيلي جدّ سلسلة الملوك الصفويين) قطعة اخرى من هذا الكتاب كتبت أيضا في زمن المصنف و قرئ على السيد فخار بن معد الموسوي تلميذ المصنف، و عليه أيضا بلاغات. و اجازة بخط يوسف بن علوان، في جمادى الآخرة سنة ثمان و عشرين و ستمائة، للشيخ محمد بن الزنجي، يرويه عن علي بن يحيى الخيّاط، عن مصنفه.

و رأيت أيضا نسخة عتيقة منه في بلدة «أشرف» من بلاد «مازندران» (2).

و كان يبدو لي أنّ «الحاوي» و هو لفظ مذكّر كيف يكون وصفا للفظ «السرائر» و هو مؤنث، و أقدّر أنّ هذا الكتاب من الكتب التي يجب ذكر لفظ الكتاب في أوّل اسمه فيكون «الحاوي» وصفا للكتاب: كتاب السرائر،

____________

(1) هامش رياض العلماء 5: 32

(2) رياض العلماء 5: 33.

27

الحاوي لتحرير الفتاوي. حتى وجدت الصفدي في «الوافي بالوفيات» ترجم له و قال: كان عديم النظير في الفقه، صنّف «كتاب الحاوي لتحرير الفتاوي» و لقّبه ب«كتاب السرائر» و هو كتاب مشهور بين الشيعة.

ثم قال: و له كتاب «خلاصة الاستدلال» و «منتخب كتاب التبيان» و لكنّه أخطأ فقال: فقه و «المناسك» و غير ذلك في الأصول و الفروع.

و له تلامذة و أصحاب، و لم يكن في وقته مثله، و مدحه بعض الشعراء بقصيدة فضّله فيها على الشافعي.

توفي في سنة سبع و تسعين و خمسمائة (1).

فتاواه النادرة:

و أمّا الفتاوى النادرة و الأقوال الشاذّة المنسوبة الى ابن إدريس، فهي كثيرة:

منها: قوله بنجاسة مطلق من لا يعتقد الحق و لا يدين اللّٰه بمذهب الشيعة الإماميّة.

و منها: قوله بنجاسة ولد الزنا و إن كان من الشيعة الإماميّة ظاهرا.

و منها: قوله بجواز الابتداء بالأسفل في مواضع الغسل من الوضوء.

و منها: قوله بوجوب إخراج الضيف زكاة فطرة نفسه، و إخراج المضيف زكاته أيضا.

و منها: قوله بعدم اشتراط الفقر في استحقاق يتامى أولاد هاشم الخمس عملا بظاهر الآية.

و منها: قوله بعدم إيجاب تعمّد القيء في الصيام القضاء فضلا عن الكفارة.

____________

(1) الوافي بالوفيات 2: 183 ط 2 و لخّصه ابن حجر في لسان الميزان 5: 65.

28

و منها: قوله بوجوب النفقة على الصغيرة مع عدم جواز وطئها.

و منها: قوله بعدم إيجاب وطء الصغيرة تحريمها المؤبد.

و منها: قوله بعدم جواز امتناع المعقود عليها غير المدخول بها من تسليم نفسها حتى تقبض مهرها مع إعسار زوجها.

و منها: قوله بالقرعة فيما إذا اشتبهت المطلّقة من الأربع، و تزوّج بالخامسة، ثم مات المطلّق قبل تعيين المطلّقة (1).

هل تجاسر ابن إدريس على الشيخ؟

من الغريب ما تداول على الألسن: أنّ ابن إدريس كان يتجاسر على الشيخ الطوسي، و الأغرب أنّ المامقاني نسب ذلك الى كتاب ابن إدريس و قال:

«أقول: في مواضع من «السرائر» .. حتى أنّه في كتاب الطهارة عند نقل قول بالنجاسة عن الشيخ يقول: «و خالي شيخ الأعاجم تفوه من فيه رائحة النجاسة» و هذا منه قد بلغ في إساءة الأدب النهاية (2).

أقول: إنّ ما ذكره (قدس سره) خلاف الواقع، فليس من ذلك في «كتاب السرائر» عين و لا أثر، و يدلّ على ذلك: أنّ الشيخ أبا جعفر الطوسي لم يكن خالا لابن إدريس و انّما هو جدّه لامه، و الشيخ المامقاني لم يلاحظ كتاب ابن إدريس و إنّما ذكر ذلك اعتمادا على ما سمعه من أفواه الناس و كيف يتكلّم ابن إدريس بمثل ذلك و هو يعظّم الشيخ أبا جعفر في موارد عديدة:

منها: قوله في أوائل الكتاب في توبيخ المتمسّكين بالأخبار الآحاد حتى في أصول الدين: «فقد قال الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر الطوسي (رضي اللّٰه عنه)

____________

(1) روضات الجنات 6: 289 ط جديد.

(2) تنقيح المقال 3: 77.

29

و تغمّده اللّٰه تعالى برحمته» (1).

و منها: ما قاله في باب صلاة الجمعة و أحكامها، فإنّه ذكر بعد نقل كلام عن السيد المرتضى حكاه الشيخ أبو جعفر الطوسي (قدس سره): و لم أجد للسيد المرتضى تصنيفا و لا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه .. و لعل شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس و عرفه منه مشافهة دون المسطور، و هذا هو العذر البيّن، فان الشيخ لا يحكي- بحمد اللّٰه تعالى- إلّا الحق اليقين، فإنه أجلّ قدرا و أكثر ديانة من أن يحكي ما لم يسمعه و يحققه منه (2).

و أما منشأ هذه القصة التي لا أساس لها: فهو قصور الفهم عن درك مراد ابن إدريس (قدس سره) من العبارة التي نذكرها له، فإنه (قدس سره) ذهب الى أنّ الماء المتمّم كرّا طاهر حتى فيما إذا كان المتمّم و المتمّم نجسين، و استشهد لذلك بما رواه من «أن الماء إذا بلغ كرّا لم يحمل خبثا» ثم أيّد ذلك: بأنّه يستفاد و يستشم من كلام أبي جعفر الطوسي (قدس سره) قال: «فالشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) الذي يتمسك بخلافه و يقلّد في هذه المسألة و يجعل دليلا، يقوّي القول و الفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، و أنا أبيّن ان شاء اللّٰه أن أبا جعفر (رحمه الله) يفوه من فيه رائحة تسليم المسألة بالكلّيّة، إذا تؤمّل كلامه و تصنيفه حق التأمّل، و أبصر بالعين الصحيحة، و أحرز له الفكر الصافي، فإنّه فيه نظر و لبس» فترى أنه يستظهر من الشيخ (قدس سره) القول بالطهارة، استنصارا لمذهبه. و أين هذا من القصة الفضيعة (3).

هدا، و قد رتبوا على هذه القصة الفضيعة المفتعلة أنّه (قدس سره) لذلك توفي في الخامسة و الثلاثين من عمره، بينما:

____________

(1) انظر مقدّمة المؤلّف(ص)52.

(2) انظر أحكام صلاة الجمعة من الكتاب(ص)296.

(3) معجم رجال الحديث 15: 71- 73 ط النجف الأشرف- الأولى.

30

ولادته و وفاته و قبره:

قال الميرزا أبو علي الطبري الحائري في «منتهى المقال»: و الذي رأيته في «البحار» عن خط الشهيد (قدس سره) هكذا قال: الشيخ الإمام أبو عبد اللّٰه محمد بن إدريس الإماميّ العجليّ، بلغه الحلم سنة ثمان و خمسين و خمسمائة، و توفي إلى رحمة اللّٰه و رضوانه سنة ثمان و سبعين و خمسمائة. انتهى. و على هذا يكون عمره خمسا و ثلاثين. و لكن في الرسالة المشهورة للكفعمي (قدس سره) في «وفيات العلماء» بعد ذكر تاريخ بلوغه كما ذكر قال: بل وجد بخط ولده «صالح»:

«توفّي والدي محمد بن إدريس (رحمه الله) يوم الجمعة وقت الظهر ثامن عشر شوال، سنة ثمان و تسعين و خمسمائة» فيكون عمره تقريبا: خمسة و خمسون سنة (1).

و الظاهر أن ولده «صالح» هذا الذي ذكره الكفعمي (قدس سره) في رسالته «وفيات العلماء» هو أبو محمد، الذي ذكر صاحب «التكملة» أنّه وقف على نسخة من نسخ «الأمالي» في آخرها: كتب من نسخة كتبت بيد الشيخ علي بن أبي محمد بن أحمد بن منصور. و صورة ما في الأصل: تم كتاب «الأمالي» آخر نهار الجمعة ثاني شوال سنة ستمائة و ثمان عشرة، و الحمد للّٰه. كتبه علي بن أبي محمد بن أحمد بن منصور بن إدريس العجليّ الحلّي حامدا مصلّيا. انتهى (2).

و قد ترجم لابن إدريس كثير من أرباب التراجم و كثير منهم أو غير واحد

____________

(1) منتهى المقال: 260.

(2) عن تنقيح المقال 3: 77. هذا، و قد أغرب صاحب التكملة حيث قال: لم نجد في كتب التراجم نسبة ابن إدريس إلى منصور، و تصوّر أنّ أحمد بن منصور هو أخو ابن إدريس و أنّ علي بن أبي محمد حفيد أخي ابن إدريس، كما في التنقيح عنه.

31

منهم قالوا:

كانت ولادته سنة 543 هو توفي يوم الجمعة وقت الظهر ثامن عشر شهر شوال سنة 598 هفيكون عمره تقريبا: خمسا و خمسين سنة.

«و مرقد ابن إدريس- اليوم- في الحلّة واقع في (محلة الجامعين) و كان له قديما مسجد، و قد تهدّم و اندرست آثاره و صار المكان مجمعا للأوساخ ممّا لا يتناسب و مكانة المرقد. فقام جماعة من أبناء الحلّة و جمعوا مبالغ لبنائه، و نفدت المبالغ المجموعة و لم يتمّ بناؤه، بل لم تكف المبالغ إلّا لبناء الأسس. فأكمله الحاج حسن المرجان على أحسن ما يرام و بنى قبة جميلة على المرقد من الحجر القاشاني قائمة على أربعة أعمدة، و بنى مأذنة عالية بجنبه كلفت مبالغ طائلة و ذلك عام 1381، و صار هذا المحل محطّ أنظار أهل الدين و الفضل و محطّ رحال الزائرين، و تقام فيه المآتم الحسينية و الحفلات الدينية في كلّ وقت، حيث هو محلّ واسع يزيد على ثلاثة آلاف متر، و من حيث الموقع يتصل بعدّة شوارع مهمّة في البلد» (1).

____________

(1) هامش لؤلؤة البحرين: 277، 278 للسيد محمد صادق بحر العلوم «قده».

32

منهج التحقيق نسخ الكتاب:

في تحقيق الكتاب اعتمدت لجنة التحقيق على عدّة نسخ هي كما يلي:

1- نسخة كتبت في سنة 603 هأي بعد وفاة المؤلف بخمس سنين، في مدينة الكاظمين (عليهما السلام)، بخط علي بن جعفر بن عبد اللّٰه بن حبشي الجعفري، قوبلت و صححت على نسخة خط المصنّف، و عليها بلاغات و تصحيحات في الهوامش و أواخر الأبواب.

و هي من أول كتاب الجهاد «الجزء الثاني من الكتاب» حتى آخر المستطرفات، و من مزايا هذه النسخة أنّها كانت للشيخ البهائي (قدس سره) أوقفها على روضة الامام الرضا (عليه السلام)، و هي اليوم من كتب مكتبة الامام الرضا «آستان قدس» برقم 712 من الكتب الفقهية و الرقم العام 2774، و كانت هي النسخة المعتمدة من أوّل كتاب الجهاد الى آخر الكتاب.

2- نسخة كتبت سنة 639 ه، و قد قوبلت بنسخة خط المصنف كما تشهد بذلك البلاغات و التصحيحات في هوامشها، و قد جاء في آخرها: «بلغ مقابلة بخط المصنف (رضي اللّٰه عنه) و صحّ إلّا ما زاغ عنه النظر و حسر عنه البصر» و في نهايتها حكاية خط المصنف.

و هي من كتب مكتبة «مجلس الشورى الإسلامي» برقم 62804/ 3371 تبدأ من أوائل باب أحكام السهو و الشك في الصلاة حتى آخر كتاب الحج، و لكنها نسخة جيدة قليلة الأغلاط، و لذلك اعتمد عليها بعنوان نسخة الأصل في الجزء الأوّل من الكتاب و الرمز إليها «م».

3- نسخة جيدة الخط و قليلة الغلط، من أوّل الكتاب حتى آخر الكتاب و من المستطرفات الأحاديث الرؤية عن كتاب موسى بن بكر الواسطي فقط، و هي من كتب المكتبة المركزية لجامعة طهران «كتابخانۀ مركزى دانشگاه تهران» كتبت

33

في سنة 958 هو سجّلت في المكتبة برقم 6651، اعتمد عليها بعنوان نسخة الأصل من أوّل الكتاب حتى أوائل باب أحكام السهو و الشكّ في الصلاة، و رمزنا في سائر المواضع الى موارد اختلافها في الهامش برمز «ج».

4- نسخة من باب النذور و العهود و طرف من المستطرفات، كتبت في سنة 1015 هبخط إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القطيفي النجفي (1)، و استفيد منها في مقابلة المستطرفات و الرمز إليها «ط» و هي نسخة جيدة قليلة الغلط، من كتب مكتبة حجة الإسلام الحاج السيد محمد علي الطبسي «سلمه اللّٰه تعالى».

5- نسخة كاملة كتبت سنة 1243 بخط السيد أبي القاسم ابن السيد حسين الرضوي الخوانساري، استفيد منها في المقابلة و الرمز إليها «ل» و هي من كتب مكتبة حجة الإسلام و المسلمين الحاج السيد مهدي اللاجوردي القمي «رعاه اللّٰه» فقد تفضل على المؤسسة بجعل أصل النسخة في اختيار هيئة التحقيق.

6- النسخة المطبوعة طبعة حجرية قديمة في سنة 1270 هاستفيد منها في المقابلة و ذكر موارد اختلافها في الهوامش بكلمة «المطبوع».

و العمدة في مقابلة الثلث الأوّل من الكتاب كانت نسخة «المجلس» بينما العمدة في مقابلة الثلثين التاليين كانت نسخة مكتبة الامام الرضا (عليه السلام) برمز «ق».

و لمكتبة آية اللّٰه العظمى المرعشي النجفي «دام ظله» نسخة، و لكن لم يعتمد عليها لكثرة ما فيها من أغلاط. و من اللّٰه التوفيق و عليه التكلان.

____________

(1) الكاتب إبراهيم بن محمد متولد و ساكن في النجف الأشرف، و جده إبراهيم القطيفي النجفي الظاهر أنّه هو الشيخ إبراهيم القطيفي الذي كان يمنع من السجود على التربة المطبوخة، فردّه معاصره الشيخ على الكركي برسالة ذكرها المولى عبد اللّٰه الأصفهاني في «رياض العلماء» و نقلها عنه آقا بزرگ الطهراني في الذريعة 12: 148 برقم 997، فرغ من الرسالة سنة 933 ه. مما يكشف عن أن السجود على التربة المطبوخة كأنّها بدأت مع بداية الدولة الصفوية بعد 910 هفكانت مسألة مستحدثة يومئذ.

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

كتاب السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي تأليف الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن منصور بن أحمد بن إدريس الحلّي (قدس سره) المتوفّى 598 هالجزء الأوّل

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

[مقدمة المؤلف]

«هذا كتاب السّرائر» بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و به ثقتي الحمد للّٰه الذي خلق الإنسان فعدّله، و علمه البيان ففضّله، و ألبسه الإيمان فجملة، و عرّفه الدين فكمله، أحمده على ستر أسبله، و نيل نوّله، حمد معترف و له مطلق بالحمد مقولة، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله بكتاب نزّله، و آي فصّله، و دين كمّله، و شرع سبّله، فاضطلع بما حمّله، حتى حل بعضله من البهتان مشكلة، و أرشد إلى الرّحمن من جهله، و (صلّى اللّٰه عليه و آله) و من قبله ما كبّر اللّٰه مكبّر و هلّله.

أمّا بعد فإنّ الفقه أجمل ما التحفته الهمة، و عرفته هذه الأمّة، و ما زالت صدور الصّدور له محلا، و لبّاتهم به يتحلا، و مجتمعاتهم ميدان محلّه، و مكان رويته و ارتحاله، يرشف فيه ثغورهم، و يخطف لديه نورهم، ثمّ تقلّص ذلك البرد الضّافي، و تكدر ذاك الورد الصّافي، و زهد في اقتناء المعارف، و عريت الهمم من تلك المطارف، و أصبح العلم قد دجت مطالعة، و خوي طالعه.

قال محمّد بن إدريس (رحمه الله): إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية و الأحكام الإسلامية و تثاقلهم طلبها، و عداوتهم لما يجهلون، و تضييعهم لما يعلمون، و رأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا لغلبة الغباوة عليه، و ملكه الجهل لقياده، مضيّعا لما استودعته الأيّام، مقصّرا في البحث عمّا يجب عليه علمه، حتى كأنّه ابن يومه و نتيج ساعته، و رأيت الناشئ المستقبل ذا الكفاية و الجدة مؤثرا للشهوات، صادفا عن سبل الخيرات، و رأيت العلم عنانة في يد الامتهان، و ميدانه قد عطل من الرهان، تداركت منه الذماء الباقي،

42

و تلافيت نفسا بلغت التراقي، و حبوت أهله مع معرفتي بفضل إذاعته إليهم، و فرط بصيرتي بما في إظهاره لديهم، من الثواب الجزيل، و الذكر الجميل، و الاحدوثة الباقية على مرّ الدهور، فلم يصان العلم بمثل بذله، و لن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره.

قال بعض العلماء مادحا للعلم، و تخليده في الكتب: و الكتاب قد يفضّل صاحبه، و يقدّم مؤلفه، و يرجح قلمه على لسانه، و عقله على بيانه بأمور:

منها: إنّ الكتاب يقرأ بكلّ مكان، و يظهر ما فيه على كلّ لسان، ثم يوجد مع كل زمان على تفاوت ما بين الأعصار و تباعد ما بين الأمصار، و ذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، و المنازع بالمسألة و الجواب، و مناقلة اللسان و هدايته لا يجوزان مجلس صاحبه، و مبلغ صوته، و قد يذهب الحكيم و تبقى كتبه، و يفنى العاقل و يبقى أثره، و لهذا آثر الجلّة من المحققين، و أهل العبر و الفكرة من الديّانين، وضع الكتب و الاشتغال بها، و اجتهاد النفس في تخليدها و توريثها، على صوم النّهار و قيام الليل، و لو لا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، و خلّدت من عجائب حكمتها، و دوّنت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنّا، و فتحنا بها كلّ مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، و أدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خسّ حظنا من الحكمة، و صعبت سبلنا إلى المعرفة، و لو الجئنا إلى قدر قوتنا، و مبلغ خواطرنا، و منتهى تجاربنا لما أدركته حواسنا، و شاهدته نفوسنا، لقد قلّت المعرفة، و قصرت الهمّة، و انتقصت المنّة، و عاد الرأي عقيما، و الخاطر سقيما، و لكلّ الحدّ و تبلّد العقل، فانّ الكتاب نعم الذخر و العقد، و نعم الجليس و العقدة، و نعم النشرة و النزهة، و نعم المشتغل و الحرفة، و نعم الأنيس في ساعة الوحدة، و نعم المعرفة ببلاد الغربة، و نعم القرين و الرحيل، و نعم الوزير و النزيل.

و الكتاب وعاء ملئ علما، و ظرف حشي طرفا، و إناء شحن مزاحا و جدّا، إن شئت كان أبين من سحبان وائل، و ان شئت كان أعنى من ناقل، و إن شئت ضحكت من نوادره، و إن شئت أشجتك مواعظه، و منّ لك بواعظ

43

ملهي، و بزاجر مغري، و بناسك فاتك، و بناطق أخرس، و بمونس لا ينام إلا بنومك، و لا ينطق إلا بما تهوى، آمن من في الأرض، و أكتم للسر من صاحب السر، و أضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة.

و قال ذو الرمة لعيسى بن عمر اكتب شعري: فالكتاب أعجب إليّ من الحفظ، إنّ الأعرابي ينسى الكلمة و قد سهرت في طلبها ليلة، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثمّ ينشده النّاس، و الكتاب لا ينسى و لا يبدّل كلاما بكلام.

قال: و الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، و الصّديق الذي لا يغريك، و الرفيق الذي لا يملك و المستميح الذي لا يستزيدك، و الجار الذي لا يستبطئك، و الصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، و لا بالمكر، و لا يخدعك بالنفاق، و لا يحتال لك بالكذب، و الكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، و شحذ طباعك، و بسط لسانك، و جوّد بيانك، و منحك تعظيم العوام، و صداقة الملوك، و عرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، و الكتاب هو الذي يطيعك بالليل طاعته بالنهار، و يطيعك في السفر طاعته في الحضر، لا يقبل بنوم، و لا يعتريه كلال السهر.

قال: قال أبو عبيدة: قال المهلّب لبنيه في وصيته: يا بني لا تقوموا في الأسواق إلا على زرّاد (1) أو ورّاق.

قال: و حدّثني صديق لي قال: قرأت على شيخ شامي كتابا فيه مآثر غطفان، فقال لي: ذهبت المكارم إلا من الكتب.

قال: و سمعت الحسن اللؤلؤي يقول: غبرت أربعين سنة ما قلت و لا بت إلا و الكتاب موضوع على صدري، قال: و الإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه،

____________

(1) الزّراد: بمعنى صانع الزرد، و هو الدرع، و كذا الورّاق بمعنى صانع الورق. و في ن: روّاد. بالراء المهملة. و في المطبوع: لا تقوموا في الأسواق الّا على زوّاد أو ورّاق.

44

و لا يعلم و لا يجمع و لا يختلف حتى يكون الإنفاق عليه من ماله ألذ عنده من الإنفاق من مال عدوّه، و من لم يكن نفقته التي تخرج في الكتب، ألذ عنده من إنفاق عشّاق القيان (1)، و المستهترين بالبنان لم يبلغ في العلم مبلغا رضيّا، و ليس ينتفع بإنفاقه حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه باللبن على عياله، و حتى يؤمّل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه و لأنّ سخاء النفس بالإنفاق على الكتب دليل على تعظيم العلم، و تعظيم العلم دليل على شرف النفس، و على السلامة من سكر الآفات.

قال محمد بن إدريس (رحمه الله): و قد روي عن الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: قيّدوا العلم بالكتابة (2) فحداني ما حكيته، و بعثني ما أوردته على أن أجيل قدحي في ربابتهم، و أقتفي اثر جماعتهم.

و اعلم أبقاك اللّٰه و أيّدك بالتوفيق، أنّه ليس لمن أتى في زماننا هذا بمعنى غريب، و أوضح عن قول معيب، ورد شاردة خاطر غير مصيب، عند هؤلاء الأغمار الإغفال، و ذوي النزالة و السفال، الا انّه متأخّر محدث، و هل هذا لو عقلوا إلا فضيلة له، و منبهة عليه، لأنّه جاء في زمان يعقم الخواطر، و يصدي الأذهان، و للّٰه در المتنبي حيث يقول:

أتى الزمان بنوه في شبيبته * * *فسرّهم و آتيناه على الهرم

و لقد أحسن الحيص في قوله في هذا المعنى:

تفضّلون قديم الشعر عن سفه الفضل * * *في الفضل لا في العصر و الدّار

و قال المبرد: ليس بقدم العهد يفضل القائل، و لا لحدثان العهد يهتضم المصيب، و لكن يعطى كلّ واحد منهما ما يستحق، فالعاقل اللبيب الذي يتوخى الإنصاف فلا يسلم إلى المتقدّم إذا جاء بالردى لتقدّمه، و لا يبخس

____________

(1) القيان: العبيد.

(2) تحف العقول: في مواعظ النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) و حكمه، و فيه: بالكتاب.

45

المتأخّر حقّ الفضيلة إذا أتى بالحسن لتأخّره، و كائن نظر للمتأخّر ما لم يسبقه المتقدّم إليه و لا أتى بمثله: إمّا استحقاقا أو اتفاقا، فمن العدل أن يذكر الحسن و لو جاء ممن جاء، و يثبته للآتي به كائنا من كان، و لا ينظر إلى سبق المتقدّم و تبع المتأخّر، فإنّ الحكمة ضالة المؤمن على ما ورد عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) (1) و الخبر المشهور عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوله: انظر إلى ما قال و لا تنظر إلى من قال (2). و لا تغتر أيّها اللبيب و تركن إلى قول ابن الرقاع، فإنّه ختار ذو خداع، و قد ذكر عثمان بن جني النحوي في كتاب الخصائص قال: قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: ما على الناس شر أضر من قولهم: ما ترك الأول للآخر شيئا، و قال الطائي الكبير يقول: من يطرق إسماعه كم ترك الأول للآخر، بل تمسك بقول أمير المؤمنين (عليه السلام): أعرف الحقّ تعرف أهله (3)، و أحسن الحديث و الاستشهاد كتاب اللّٰه، فإنّه مدح قوما بقوله الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (4) و انّي لأستحسن قول لبيد في هذا المعنى:

قوم لهم عرفت معد فضلها * * *و الفضل يعرفه ذوو الألباب

و قال ابن الرومي:

و مستخف بقدر الشعر قلت له * * *لا ينفق العطر إلا عند معطار

و قال خلاد الأرقط: لقيني ابن مناذر بمكة، فأنشدني قصيدته: «كلّ حي لاقى الحمام فمودي» ثم قال: اقرأ أبا عبيدة السّلام، و قل له: يقول لك ابن مناذر: اتق اللّٰه و احكم بين شعري و شعر عدي ابن زيد، و لا تقل ذاك جاهلي و هذا إسلامي، فتحكم بين العصرين، و لكن احكم بين الشعرين و دع العصبية.

____________

(1) نهج الفصاحة: كلمة 1412

(2) غرر الحكم: ج 1،(ص)394.

(3) الوسائل، الباب 10 من صفات القاضي، الحديث 32

(4) سورة الزمر آية 18.

46

و بعد هذا الإسهاب، أطال اللّٰه بقاء من يقف على كتابي هذا، فيوسعني إنصافا أو يتركني، و الميل على مع هواه كفافا، فإنّه كتاب لم أزل على فارط الحال، و تقادم الوقت، ملاحظا له، عاكفا الفكر عليه، منجذب الرأي و الروية إليه، وادّا أن أجد مهلا (أضله) به، أو خللا أرتقه بعمله، و الوقت يزداد بنواديه ضيقا، و لا ينهج لي إلى الابتداء طريقا.

هذا مع إعظامي له و اعتصامي بالأسباب المشاطة إليه، فاعتقادي فيه أنّه من أجود ما صنّف في فنّه، و أسبقه لأبناء سنّه، و أذهبه في طريق البحث و الدليل و النظر، لا الرواية الضعيفة و الخبر، فإني تحرّيت فيه التحقيق، و تنكبت ذلك كلّ طريق، فإنّ الحقّ لا يعدو أربع طرق: إمّا كتاب اللّٰه سبحانه، أو سنّة رسوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) المتواترة المتّفق عليها، أو الإجماع، أو دليل العقل، فإذا فقدت الثلاثة، فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحققين الباحثين عن مأخذ الشريعة التمسك بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه و موكولة إليه، فمن هذا الطريق يوصل إلى العلم بجميع الأحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه، فيجب الاعتماد عليها، و التمسك بها، فمن تنكب عنها عسف، و خبط خبط عشواء، و فارق قوله من المذهب، و اللّٰه تعالى يمدّكم و إيّانا بالتوفيق و التسديد، و يحسن معونتنا على طلب الحقّ و إثارته، و رفض الباطل و إبادته، فقد قال السيد المرتضى (رضي اللّٰه عنه) و ذكر في جواب المسائل الموصليات الثانية الفقهية، و قدّم مقدّمة و أشار و أومأ إليها أن تكون هي الأدلّة على جميع جوابات مسائلهم، اكتفي بها عن الدلالة في تضاعيف الجوابات، فقال: اعلم انّه لا بدّ في الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم بها لأنّا متى لم نعلم الحكم و نقطع بالعلم على أنّه مصلحة، جوّزنا كونه مفسدة، فيقبح الإقدام منّا عليه، لأنّ الإقدام على ما لا نأمن كونه فسادا و قبيحا كالإقدام على ما نقطع على كونه فسادا، و لهذه الجملة أبطلنا أن يكون القياس في الشريعة الذي يذهب مخالفونا

47

إليه طريقا إلى الأحكام الشرعية، من حيث كان القياس يوجب الظن، و لا يفضي إلى العلم. ألا ترى إنّا نظنّ بحمل الفرع في التحريم على أصل محرّم بشبه يجمع بينهما انّه محرّم مثل أصله، و لا يعلم من حيث ظننا انّه يشبه المحرّم انّه محرّم، و لذلك أبطلنا العمل في الشريعة بأخبار الآحاد، لأنّها لا توجب علما و لا عملا، و أوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم، لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن لصدقه، و من ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا، و إن ظننت به الصّدق، فإنّ الظنّ لا يمنع من التجويز، فعاد الأمر في العمل بأخبار الآحاد إلى أنّه إقدام على ما لا نأمن كونه فسادا و غير صلاح. قال: و قد تجاوز قوم من شيوخنا (رحمهم اللّٰه) في إبطال القياس في الشريعة، و العمل فيها بأخبار الآحاد إلى أن قالوا: إنّه مستحيل من طريق العقول العبادة بالقياس في الأحكام، و أحالوا أيضا من طريق العقول العبادة بالعمل بأخبار الآحاد، و عوّلوا على أن العمل يجب أن يكون تابعا للعلم، و إذا كان غير متيقن في القياس، و أخبار الآحاد لم تجز العبادة بهما، قال: و المذهب الصحيح هو غير هذا، لأنّ العقل لا يمنع من العبادة بالقياس و العمل بخبر الواحد، و لو تعبّد اللّٰه تعالى بذلك لشاع و لدخل في باب الصحة، لأنّ عبادته تعالى بذلك توجب العلم الذي لا بدّ أن يكون العمل تابعا له، فإنّه لا فرق بين أن يقول (عليه السلام): قد حرمت عليكم كذا و كذا فاجتنبوه، و بين أن يقول: إذا أخبركم عني مخبر، له صفة العدالة، بتحريمه فحرّموه، في صحة الطريق إلى العلم بتحريمه، و كذلك إذا قال: لو غلب في ظنّكم شبه بعض الفروع ببعض الأصول في صفة، يقتضي التحريم فحرّموه، فقد حرّمته عليكم لكان هذا أيضا طريقا إلى العلم بتحريمه، و ارتفاع الشك و التجويز، و ليس متناول العلم هنا هو متناول الظن على ما يعتقده قوم لا يتأمّلون، لأنّ متناول الظن هاهنا هو صدق الراوي إذا كان واحدا، و متناول العلم هو تحريم الفعل المخصوص الذي تضمّنه الخبر، و ما علمناه

48

غير ما ظنناه، و كذلك في القياس متناول الظن شبّه الفرع بالأصل في علة التحريم، و متناول العلم كون الفرع محرما، و انّما منعنا من القياس بالشريعة و أخبار الآحاد مع تجويز العبادة بهما من طريق العقول، لأنّ اللّٰه تعالى ما تعبّد بهما و لا نصب دليلا عليهما، فمن هذا الوجه أطرحنا العمل بهما، و نفينا كونهما طريقين إلى التحريم و التحليل.

قال المرتضى قدّس اللّٰه روحه: و إنّما أردنا بهذه الإشارة انّ أصحابنا كلّهم، سلفهم و خلفهم، و متقدّمهم و متأخّرهم، يمنعون من العمل بأخبار الآحاد، و من العمل بالقياس في الشريعة، و يعيبون أشدّ عيب على الذاهب إليهما، و المتعلّق في الشريعة بهما، حتى صار هذا المذهب لظهوره و انتشاره معلوما، ضرورة منهم و غير مشكوك فيه من أقوالهم.

قال المرتضى (رضي اللّٰه عنه): و قد استقصينا الكلام في القياس، و فرّعناه، و بسطناه، و انتهينا فيه إلى أبعد الغايات في جواب مسائل، وردت من أهل الموصل متقدّمة، أظنّها في سنة نيف و ثمانين و ثلاثمائة، فمن وقف عليها استفاد منها جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. قال: و إذا صحّ ما ذكرناه، فلا بدّ لنا فيما ثبتناه من الأحكام فيما نذهب إليه من ضروب العبادات، من طريق يوجب العلم، و يقتضي اليقين قال: فطريق العلم في الشرعيات هي الأقوال التي قد قطع الدليل على صحّتها، و أمن العقل من وقوعها على شيء من جهات القبح كلّها، كقول اللّٰه عزّ و جلّ، و كقول الرسول (عليه السلام)، و الأئمة الذين يجرون في العصمة مجراه (عليهم السلام)، و لا بدّ لنا من طريق إلى إضافة الخطاب إلى اللّٰه تعالى إذا كان خطابا له، و كذلك في إضافته إلى الرسول و إلى الأئمة (عليهم السلام). قال: و قد سلك قوم في إضافة خطابه إليه تعالى طرقا غير مرضية، و أصحّها و أبعدها من الشبه، أن يشهد الرّسول (صلّى اللّٰه عليه و آله) المؤيّد بالمعجزات في بعض الكلام أنّه كلام اللّٰه تعالى، فيعلم بشهادته أنّه كلامه،

49

كما فعل نبينا (صلّى اللّٰه عليه و آله) في القرآن فعلمنا بإضافته له إلى ربّه أنّه كلامه، فصار جميع القرآن دالا على الأحكام، و طريقا الى العلم.

فأمّا الطريق إلى معرفة كون الخطاب، مضافا إلى الرسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) فهو المشافهة و المشاهدة لمن حاضرهم و عاصرهم، فأمّا من نأى عنهم، أو وجد بعدهم، فمن الخبر المتواتر المفضي إلى العلم المزيل للشك و الريب، و هاهنا طريق آخر يتوصل به إلى العلم بالحقّ، و الصحيح في الأحكام الشرعية، عند فقد ظهور الإمام، و تمييز شخصه، و هو إجماع الفرقة المحقّة، و هي الإمامية التي قد علمنا أنّ قول الإمام- و إن كان غير متميز الشخص- داخل في أقوالها، و غير خارج عنها، فإذا أطبقوا على مذهب من المذاهب علمنا أنّه هو الحقّ الواضح، و الحجة القاطعة، لأنّ قول الإمام هو الحجة في جملة أقوالها، فكأنّ الإمام قائله و متفرّد به.

ثم قال السيّد المرتضى بعد شرح و إيراد طويل حذفناه: فإن قيل: فما تقولون في مسألة شرعية اختلف فيها قول الإماميّة، و لم يكن عليها دليل من كتاب أو سنّة مقطوع بها، كيف الطريق إلى الحق فيها؟ قال: قلنا هذا الذي فرضتموه قد أمنّا وقوعه، لأنّا قد علمنا انّ اللّٰه تعالى لا يخلّي المكلّف من حجّة و طريق للعلم بما كلّفه، و هذه الحادثة التي ذكرتموها إذا كان للّٰه تعالى فيها حكم شرعي، و اختلفت الإمامية في وقتنا هذا، فلم يمكن الاعتماد على إجماعهم الذي يتفق بأنّ الحجّة فيه لأجل وجود الإمام في جملتهم، فلا بدّ من أن يكون على هذه المسألة دليل قاطع، من كتاب أو سنّة مقطوع بها، حتى لا يفوت المكلّف طريق للعلم يصل به إلى تكليفه. اللّٰهمّ إلا أن يفرض وجود حادثة ليس للإمامية فيها قول على سبيل اتّفاق و اختلاف، و قد يجوز عندنا في مثل ذلك إن اتفق أن يكون للّٰه تعالى فيها حكم شرعي، فإذا لم نجد في الأدلّة الموجبة للعلم طريقا إلى علم حكم هذه الحادثة، كنّا فيها على ما يوجب العقل و حكمه.

50

قال السيّد: فإن قيل أ ليس شيوخ هذه الطائفة قد عوّلوا في كتبهم في الأحكام الشرعية على الأخبار التي رووها عن ثقاتهم، و جعلوها العمدة و الحجّة في هذه الأحكام حتى رووا عن أئمتهم (عليهم السلام) فيما يجيء مختلفا من الأخبار عند عدم الترجيح كلّه، أن يؤخذ منه ما هو أبعد من قول العامّة، و هذا ينقض ما قدّمتموه.

قلنا: ليس ينبغي أن يرجع عن الأمور المعلومة، و المذاهب المشهورة، المقطوع عليها، بما هو مشتبه ملتبس محتمل، و قد علم كلّ موافق و مخالف: أنّ الشيعة الإمامية تبطل القياس في الشريعة من حيث إنّه لا يؤدّي الى علم، و كذلك تقول:

في أخبار الآحاد حتى أنّ منهم من يزيد على ذلك، فيقول: ما كان يجوز من طريق العقل أن يتعبّد اللّٰه تعالى في الشريعة بقياس، و لا عمل بأخبار الآحاد، و من كان هذا مذهبه، كيف يجوز أن يثبت الأحكام الشرعية بأخبار لا يقطع على صحتها، و يجوز كذب رواتها كما يجوز صدقهم؟ و هل هذا إلا من أقبح المناقضة و أفحشها، و العلماء الذين عليهم المعوّل، و يدرون ما يأتون و يذرون ما يجوزون لم يحتجّوا بخبر واحد لا يوجب علما، و لا يقدر أحد أن يحكي عنهم في كتاب و لا غيره خلاف ما ذكرناه، فأمّا أصحاب الحديث من أصحابنا، فإنّهم رووا ما سمعوا و بما حدّثوا به، و نقلوا عن أسلافهم، و ليس عليهم أن يكون حجة و دليلا في الأحكام الشرعية، أو لا يكون كذلك، فإن كان في أصحاب الحديث من يحتجّ في حكم شرعي بحديث غير مقطوع على صحته، فقد زلّ و وهل، و ما يفعل ذلك من يعرف أصول أصحابنا في نفي القياس و العمل بأخبار الآحاد حقّ معرفتها، بل لا يقع مثل ذلك إلا من غافل، و ربّما كان غير مكلّف.

ألا ترى إنّ هؤلاء بأعيانهم قد يحتجّون في أصول الدين من التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة بأخبار الآحاد، و معلوم عند كلّ عاقل: أنّها ليست بحجّة في

51

ذلك، و ربّما ذهب بعضهم إلى الجبر و إلى التشبيه، اغترارا بأخبار الآحاد المروية، و من أشرنا إليه بهذه الغفلة يحتجّ بالخبر الذي ما رواه، و لا حدّث به، و لا سمعه من ناقله فعرفه بعد بعدالة أو غيرها، حتى لو قيل له في بعض الأحكام: من أين أتيته و ذهبت إليه؟ جوابه: لأني وجدته في كتاب الفلاني، و منسوبا إلى رواية فلان بن فلان، و معلوم عند كلّ من نفى العلم بأخبار الآحاد أو من أثبتها و عمل بها، أنّ هذا ليس بشيء يعتمد، و لا طريق يقصد، و انّما هو غرور و زور.

قال: فأمّا الرواية بأن يعمل بالحديثين المتعارضين بأبعدهما من مذهب العامة، فهو لعمري قد روي، و إذا كنّا لا نعمل بأخبار الآحاد في الفروع، كيف نعمل بها في الأصول التي لا خلاف في أنّ طريقها العلم و القطع؟

قال السيّد المرتضى (رحمه الله): و إذا قد قدّمنا ما احتجنا إلى تقديمه، فهو الذي يعتمد عليه في جميع المسائل الشرعية. هذا آخر كلام المرتضى (رضي اللّٰه عنه) حرفا فحرفا.

قال محمّد بن إدريس: فعلى الأدلّة المتقدّمة أعمل، و بها آخذ و أفتي و أدين اللّٰه تعالى، و لا ألتفت إلى سواد مسطور، و قول بعيد عن الحقّ مهجور، و لا اقلّد إلا الدليل الواضح، و البرهان اللائح، و لا أعرّج الى أخبار الآحاد، فهل هدم الإسلام إلا هي، و هذه المقدّمة أيضا من جملة بواعثي على وضع كتابي هذا، ليكون قائما بنفسه، و مقدّما في جنسه، و ليغني الناظر فيه، إذا كان له أدنى طبع عن أن يقرأه على من فوقه، و إن كان لأفواه الرّجال معنى لا يوصل إليه من أكثر الكتب في أكثر الأحوال، و عزمت على أنّه: إن مرّ في أثناء الأبواب مسألة فيها خلاف بين أصحابنا المصنّفين (رحمهم اللّٰه) أومأت إلى ذلك، و ذكرت ما عندي فيه، و ما أعتمد عليه، و قادني الدليل إليه، و إن كان في بعض كتب أصحابنا كلام متضادّ العبارة، متفق المعنى، أو مسألة صعبة القياد جموح لا تنقاد، أو كلمة لغوية أعربت عنها بالتعجيم، و أزلت اللبس فيها و التصحيف، و إن كان

52

لبعض الأصحاب فتوى في كتاب له، أو قول قد رجع عنه في كتاب له آخر، ذكرته، فإن كان قد أورده على جهة الرواية لا بمجرد العمل ذكرته، فكثيرا ما يوجد لأصحابنا في كتبهم ذلك، حتى أنّ قليل التأمل، و من لا بصيرة له بهذا الشأن يحتج به، و يجعله اعتقادا له و مذهبا يدين اللّٰه تعالى به، أو قد ذكر ذلك و أودعه كتابه على جهة الحجاج على خصمه، لأنّه عند خصمه حجّة و إن لم يكن عنده كذلك، فقد قال الشيخ السعيد الصدوق أبو جعفر الطوسي ((رضي اللّٰه عنه)، و تغمده اللّٰه تعالى برحمته) ذكر ذلك في عدّته جوابا لسؤال يسأل نفسه، فقال: ليس كلّ الثقات نقل حديث الجبر و التشبيه، و لو صحّ انّه نقله، لم يدلّ على انّه كان معتقدا لما تضمّنه الخبر، و لا يمتنع أن يكون انّما رواه ليعلم انّه لم يشذّ عنه شيء من الرّوايات، لا لأنّه يعتقد ذلك و قال (رضي اللّٰه عنه) في هذا الكتاب المشار إليه: و قد ذكرت ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الأحاديث المختلفة التي يختص الفقه في كتابي المعروف بالاستبصار، و في كتابي تهذيب الأحكام، ما يزيد على خمسة آلاف حديث، و ذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها، و ذلك أشهر من أن يخفى، حتى أنّك لو تأمّلت اختلافهم في هذه الأحكام، وجدته يزيد على اختلاف أبي حنيفة و الشافعي و مالك هذا آخر كلام الشيخ أبي جعفر (رحمه الله).

و ذكر الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (رضي اللّٰه عنه) في جواب سائل سأله فقال: كم قدر ما تقعد النفساء عن الصّلاة؟ و كم مبلغ أيام ذلك؟ فقد رأيت في كتابك كتاب أحكام النساء أحد عشر يوما، و في الرّسالة المقنعة ثمانية عشر يوما، و في كتاب الإعلام أحد و عشرين يوما، فعلى أيّها العمل دون صاحبته؟ فأجابه بأن قال: الواجب على النفساء أن تقعد عشرة أيام، و انّما ذكرت في كتبي ما روي من قعودها ثمانية عشر يوما، و ما روي في النوادر استظهارا بأحد و عشرين يوما، و عملي في ذلك على عشرة أيام، لقول الصادق