السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ج3

- ابن إدريس الحلي المزيد...
653 /
3

-

4

كتاب العتق و التدبير و المكاتبة

العتق فيه فضل كبير و ثواب جزيل، بغير خلاف بين الأمّة.

و لا يصحّ العتق الّا بعد الملك كما لا يصح الطلاق قبل النّكاح (1)، لقوله (صلّى اللّٰه عليه و آله) لا عتق قبل ملك، و لا طلاق قبل نكاح (2).

و لا يصح العتق أيضا الّا من كامل العقل، غير مولى عليه، مختار له، قاصد اليه، متلفظ بصريحه، و هو قوله أنت حر. مطلق له من الشروط إلّا في النذر خاصّة، موجه به الى مسلم، أو من هو في حكمه، لأنّ عتق الكافر لا يقع على الصحيح من أقوال المحصّلين من أصحابنا، و هو الذي يقتضيه أصول مذهبنا، لان العتق قربة الى اللّٰه تعالى، و لا يتقرب إليه بالمعاصي متقرب به الى اللّٰه تعالى.

و لا يقع العتق من طفل، و لا مجنون، و لا سكران، و لا محجور عليه، و لا مكره و لا مجبر، و لا ساه، و لا حالف به.

و لا يقع بالكتابة و الإشارة مع القدرة على النطق باللسان العربي، و لا يقع بكنايات العتق، كقوله أنت سائبة، و لا سبيل لي عليك، و لا بقوله ان فعلت كذا و كذا فعبدي حر، و لا بكافر على ما قدّمناه، و لا للأغراض الدنياوية، من نفع، أو دفع ضرر، أو إضرار بالغير.

و الدّليل على وجوب اعتبار هذه الشروط، إجماع الأمة، لأنّه لا خلاف في صحّة

____________

(1) ج: كما لا يصح الطلاق الّا بعد النكاح.

(2) الوسائل: كتاب العتق، باب 5، ح 1 و فيه التقديم و التأخير.

5

العتق مع تكاملها، و ليس على صحته مع اختلال بعضها دليل، و أيضا الأصل ان لا عتق، و امّا الملك فمعلوم ثبوته، و خروجه عن يد مالكه يحتاج الى دليل، لأنّ العتق حكم شرعيّ يحتاج في ثبوته الى دليل شرعي.

و إذا أعتق مالك العبد عضوا من أعضائه، لم يكن لذلك حكم، و لم يقع به عتق، فإن أعتق بعضا منه مشاعا، نصفه مثلا، أو ثلثه، أو ربعه، أو ما زاد على ذلك أو نقص، عتق الجميع، فان كان العبد مشتركا، فأعتق أحد الشركاء نصيبه، لا للإضرار بالشركاء، انعتق ملكه خاصّة، الّا انّه ان كان موسرا انعتق الباقي، و اجبر على قيمته لشريكه، و ان كان معسرا، استسعى العبد في قيمة باقية، فإذا أدّاها عتق جميعه، فان عجز عن ذلك، فكه سلطان الإسلام من سهم الرقاب من الزكاة، و الّا خدم مولاه بما فيه من العبوديّة.

و العتق في مرض الموت من أصل التركة، سواء كان واجبا أو متبرّعا به، على الصحيح من المذهب، لان بعض أصحابنا يجعله من الثلث، و هو مذهب جميع من خالفنا، و بعض أصحابنا و هم المحصّلون يجعله من أصل المال، لأنها عطيّة منجزة، و للإنسان أن يتصرف في ماله جميعه في حال حياته، و ينفق في مرضه ما شاء من أمواله، بغير خلاف.

فامّا ان اوصى بعتق عبده أو عبيده بعد موته، فإنه من الثلث لان هذه عطيّة مؤخّرة، و هذه حقيقة الوصية.

فإن أوصى بعتق عبده، فان كانت قيمته وفق الثلث، عتق جميعه، و لا شيء له و لا عليه، و ان كانت القيمة تنقص عن الثلث، عتق أيضا، و لا شيء له و لا عليه، و ان كانت القيمة تزيد على الثلث، فالصحيح من أقوال أصحابنا انه ينعتق منه بقدر الثلث، و يستسعى فيما زاد على الثلث، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث، أو أقل، أو أكثر، و على كل حال، و هو مذهب ابن بابويه في رسالته. و شيخنا أبي جعفر في مبسوطة (1)، و هو الّذي يقتضيه أصول مذهبنا.

____________

(1) المبسوط ج 4 كتاب الوصايا(ص)22.

6

و قال بعض أصحابنا ان كانت القيمة على الضعف من الثلث، بطلت الوصيّة، و لم ينفذ عتق شيء منه، و قد أو رد ذلك شيخنا أبو جعفر في نهايته (1)، إيرادا لا اعتقادا، لأنّا قد بينا انه رجع عن ذلك في مبسوطة.

فإن أوصى لعبده بثلث ماله، فان كانت قيمته وفق الثلث، عتق و لا شيء له و لا عليه، و ان كانت أقلّ من الثلث عتق و اعطى تمام الثلث، و ان كانت أكثر من الثلث، عتق منه بمقدار الثلث، و استسعى في الزيادة على الثلث، فإذا أدّاها عتق جميعه.

و إذا اوصى بعتق ثلث عبيده، استخرج ثلثهم بالقرعة و عتقوا.

و لا يجوز ان يعتق في الكفارة، الأعمى، و المجذوم، و المقعد، لأنّ هؤلاء خرجوا من الملك بهذه الآفات، و العتق لا يكون الّا بعد ملك.

و إذا أعتق مملوكا و له مال، فماله لمولاه، سواء علم مولاه بالمال في حال إعتاقه، أ و لم يعلم، لان العبد عندنا لا يملك شيئا، و ذهب بعض أصحابنا إلى انه ان علم ان له مالا في حال إعتاقه، فالمال للعبد المعتق، و ان لم يعلم به، أو علم فاشترطه لنفسه، فهو لمولاه دونه، و ينبغي عند هذا القائل ان يقول «مالك لي» و أنت حرّ فإن قال «أنت حرّ و مالك لي» لم يكن له على المال سبيل و قد بيّنا فساد هذا المذهب، بما دللنا عليه من ان العبد لا يملك شيئا لقوله تعالى «عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ» (2) و انما ذلك المذهب على رأى من يملكه من أصحابنا فواضل الضرائب، و أروش الجنايات عليه في نفسه، و ذلك باطل للآية التي تلوناها.

و كل من أقر على نفسه بالعبوديّة، و كان بالغا مجهول النسب بالحرية، عاقلا، أو قامت البيّنة على عبوديته، و ان لم يكن بالغا (3) أو عقل جاز تملكه و التصرّف فيه بالبيع و الشّراء و الهبة و غير ذلك.

____________

(1) النهاية، كتاب الوصايا، باب الوصيّة و ما يصحّ منها و ما لا يصحّ.

(2) سورة النحل: الآية 75.

(3) ج. ل. لم يكن بلغ.

7

و كل من خالف الإسلام من سائر أنواع الكفّار، يصحّ استرقاقهم، ثمّ هم ينقسمون قسمين، قسم منهم يقبل منهم الجزية، و يقرون على دينهم و أحكامهم، و يعفون من الاسترقاق، و هم أهل الكتاب، اليهود و النصارى، و من حكمه حكمهم، و هم المجوس، فان امتنعوا من قبول الجزية و إجراء أحكامنا عليهم، قتلوا، و سبى ذراريهم، و استرقوا، و من عدا أهل الكتاب، لا يقبل منهم إلا الإسلام، فإن امتنعوا، كان الحكم فيهم القتل، و استرقاق الذراري.

و لا بأس باسترقاق جميع أصناف الكفار، و ان سباهم أهل الفسق و الضلال.

و كذلك لا بأس ان يشتري الإنسان ممّا يسبى بعض الكفار من بعض، و لا بأس أيضا ان يشترى من الكافر بعض أولاده، أو زوجته، أو أحد ذوي أرحامه، و يكون ذلك حلالا له، و يسوغ له التصرّف فيه كيف شاء، إذا كانوا مستحقين للسّبي على ما حررناه.

و إذا كان العبد يباع في أسواق المسلمين، و يد المالك عليه، فلا بأس بشرائه، فإن ادعى الحرية، لم يقبل قوله الّا ببيّنة عادلة.

و متى ملك الإنسان أحد قراباته فلا يخلو امّا ان يكونوا من ذوي الأنساب، أو ذوي الأسباب، فإن كانوا من ذوي الأنساب، فهم ينقسمون الى قسمين، العمودان الآباء و ان علوا، و الأبناء و ان نزلوا، فهؤلاء ينعتقون بنفس الملك بغير اختيار المالك.

و قد قيل في انّه متى يكون العتق أقوال، الأصحّ من ذلك انّه مع تمام البيع معا معا لأنّ الإنسان لا يملك من ذكرناه، و سواء كانوا ذكورا أو إناثا.

و القسم الآخر و هم من عدا العمودين، و هذا القسم ينقسم الى قسمين: ذكور و إناث، فالذكور يملكون، و لا ينعتقون الّا ان يتبرع المالك بالعتق، و الإناث ينقسمون الى قسمين، من لا يحل للمالك نكاحها ابدا، مثل العمّات، و الخالات، و بنات الأخ، و بنات الأخت، فهذا القسم ملحق بالعمودين بلا خلاف، و حكمه حكمهما حرفا فحرفا، و من عداهن لا ينعتقن بالملك، الّا ان يتبرع مالكهن

8

باعتاقهن.

فاما ذوو الأسباب، فهو الرّضاع و الزّوجية.

فقد اختلف قول أصحابنا في أحكام الرضاع في العتق، فذهب فريق منهم الى ان حكم الرّضاع في العتق حكم العمودين، و من عدا العمودين من الإناث حكمهنّ حكم من عدا العمودين من الإناث، من الأنساب، و قال الباقي من أصحابنا المحصّلين يسترق المرضعات، و ليس حكمهنّ في الاسترقاق حكم الأنساب، و كذلك من عدّاهن من الإناث، و الأوّل اختيار شيخنا أبي جعفر (رحمه الله) (1) و الثاني اختيار شيخنا المفيد (2) و هو الّذي يقوى في نفسي، و به افتى، لأنه لا دليل على عتقهن من كتاب و لا سنّة مقطوع بها، و لا إجماع منعقد، و الأصل بقاء الملك و العبوديّة، فمن اخرج ذلك من الملك يحتاج الى دليل.

و تمسّك الذاهب الى خلاف ما اخترناه بقوله (عليه السلام): «يحرم من الرضاع من يحرم من النسب» (3).

فإنّه مفهوم من فحوى هذا القول النكاح، دون غيره، و ان ورد في ذلك أخبار، فهي آحاد لا يلتفت إليها، و لا يعرج عليها، لأنّ اخبار الآحاد، لا توجب علما و لا عملا على ما كرّرنا القول فيه و قد مناه.

فامّا الزّوجيّة فمتى ملك أحد الزوجين الآخر، انفسخت الزّوجيّة بينهما و ملكه.

و المملوك إذا عمى من قبل اللّٰه تعالى، أو جذم، أو أقعد بزمانة من قبل اللّٰه تعالى، انعتق بغير اختيار مالكه، و لا يكون له ولاء، بل يتوالى من شاء، فان لم يتوال أحدا و مات، كان ميراثه لإمام المسلمين.

و قد روى انه: إذا نكّل به صاحبه، أو مثّل به، انعتق في الحال، و لا سبيل

____________

(1) في المبسوط، كتاب العتق، فصل في من يعتق على من يملكه، ج 6،(ص)68.

(2) في المقنعة، كتاب البيع باب ابتياع الحيوانات(ص)599، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

(3) الوسائل الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع الّا ان في اخبار الباب و كذا في غير هذا الباب هكذا يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب و كذا في اخبار العامة كما عن سنن ابن ماجة الباب 34 من كتاب النكاح، ج 1،(ص)623.

9

لصاحبه عليه (1)، أورد هذه الرّواية شيخنا في نهايته (2) إيرادا.

و روي في بعض الأخبار: انه إذا كان المملوك مؤمنا و اتى عليه بعد ملكه سبع سنين، استحب عتقه، و ان لا يملك أكثر من ذلك (3).

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و يستحب عتق المؤمن المستبصر، و يكره عتق المخالف للحق (4).

و قد قلنا في ما مضى (5) انّه لا يجوز عتق الكافر، و مقصود شيخنا بقوله «و يكره عتق المخالف للحق» المظهر للشهادتين غير الحق.

ثمّ قال و لا بأس بعتق المستضعف، ثمّ قال و لا عتق الّا ما أريد به وجه اللّٰه تعالى.

و قد روى: انّه يستحب ان لا يعتق الإنسان الّا من أغنى نفسه و يقدر على اكتساب ما يحتاج اليه (6).

و متى أعتق صبيا أو من يعجز عن النهوض بما يحتاج إليه، فالأفضل أن يجعل له شيئا يعينه به على معيشته، و ليس ذلك بفرض.

و قال شيخنا في نهايته، و لا بأس ان يعتق ولد الزّنا (7).

و تحرير هذا القول على رأي شيخنا أبي جعفر، من كونه يذهب الى ان عتق الكافر جائز في الكفارات، و خصوصا من كان مظهرا للشّهادتين، و ان كان مخالفا للحق، فإنه يرى إعتاقه في غير الكفارة، فعلى هذا القول انه إذا كان مظهرا للشهادتين، فإنه يجوز إعتاقه على كراهية في ذلك، على ما قدمناه عنه في إعتاق من خالف الحق، و ان كان ما هو عليه يقتضي تكفيره، الّا انه له تحرّم بالإسلام (8)

____________

(1) الوسائل، كتاب العتق، الباب 22.

(2) النهاية، كتاب العتق و التدبير .. باب من يصح ملكه ..

(3) الوسائل، الباب 33، من أبواب العتق.

(4) النهاية، كتاب العتق و التدبير .. باب العتق و أحكامه.

(5) في(ص)4.

(6) الوسائل، كتاب العتق، الباب 14، ح 1.

(7) النهاية، كتاب العتق و التدبير .. باب العتق و احكامه.

(8) ج. ل. الّا انه يحكم له بالإسلام.

10

و أحكامه تجري عليه، و ان كان غير مظهر للشهادتين، فلا يجوز إعتاقه على ما قدمناه.

و الأظهر بين الطّائفة ان عتق الكافر لا يجوز، و ولد الزّنا كافر بلا خلاف بينهم.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته، و إذا كان العبد بين شريكين، و أعتق أحدهما نصيبه مضارة لشريكه الآخر، الزم ان يشترى ما بقي، و يعتقه، إذا كان موسرا، و ان لم يكن موسرا، و لا يملك غير ما أعتقه، كان العتق باطلا، و إذا لم يقصد بذلك مضارته بل قصد بذلك وجه اللّٰه تعالى، لم يلزم شراء الباقي، و عتقه بل يستحب له ذلك، فان لم يفعل استسعى العبد في الباقي، و لم يكن لصاحبه الّذي يملك ما بقي منه استخدامه، و لا له عليه ضريبة، بل له ان يستسعيه فيما بقي من ثمنه، فان امتنع العبد من السعي في فك رقبته، كان له من نفسه قدر ما أعتق، و لمولاه قدر ما بقي هذا آخر كلام شيخنا في نهايته (1).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) قوله (رحمه الله) هذا، عجيب، فإنه قال في الباب الّذي ذكر هذا الكلام فيه: «و لا عتق أيضا إلّا ما أريد به وجه اللّٰه تعالى» ثمّ قال: «و إذا كان العبد بين شريكين، و أعتق أحدهما نصيبه مضارة لشريكه الآخر، الزم ان يشترى ما بقي، و يعتقه إذا كان موسرا» و هذا متناقض مخالف لأصول المذهب، و لما أصله من انّه لا عتق الّا ما أريد به وجه اللّٰه تعالى، و انّما أورد هذه الرواية، ان كانت وردت، و رويت، إيرادا لا اعتقادا، كما أورد نظائرها ممّا لا يعمل عليه و لا يعتقد صحته.

و الدليل على ما قلناه عنه، انّه رجع في مبسوطة عن هذا، فقال فإذا أعتق شركا له (2) من عبد، لم يخل من أحد أمرين: امّا ان يكون موسرا أو معسرا، فان كان معسرا أعتق نصفه، و استقر الرق في نصف شريكه، و روى (3) أصحابنا انه ان قصد بذلك الإضرار لشريكه، انه يبطل عتقه، هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر في مبسوطة (4).

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(2) الشرك: النصيب.

(3) الوسائل، الباب 18، من أبواب العتق الحديث 12.

(4) المبسوط، كتاب العتق، ج 6،(ص)51.

11

ثمّ قال في نهايته: و ان لم يقصد بذلك مضارته، بل قصد بذلك وجه اللّٰه تعالى، لم يلزم شراء الباقي و عتقه، بل يستحب له ذلك (1).

و هذا غير واضح، و لا مستقيم، لأنا قد بيّنا انّه ان كان موسرا الزم شراء الباقي و أجبره السّلطان على ذلك، و ان كان معسرا استسعى العبد في الباقي.

و قال شيخنا في نهايته و إذا أعتق مملوكه و شرط عليه شرطا، وجب عليه الوفاء به، و لم يكن له خلافه، فان شرط عليه انّه متى خالفه في فعل من الافعال، كان ردا في الرق. فخالفه كان له رده في الرق (2).

هذا غير واضح، لان الحرّ لا يجوز انّ يعود رقا. و الشرط إذا كان مخالفا للكتاب و السنة كان باطلا، و هذا شرط يخالف السنة، فاما ان كان الشرط لا يخالف كتابا و لا سنة فهو شرط صحيح، فان شرط عليه خدمته سنة، أو سنتين، أو أكثر من ذلك لزمه، فان مات المعتق كان خدمته لورثته، فإن أبق العبد و لم يوجد الّا بعد انقضاء المدّة التي شرط عليه المعتق فيها الخدمة، لم يكن للورثة عليه سبيل في الخدمة.

و الاولى ان يكون لهم الرّجوع بمثل اجرة تلك المدة، لأنها مستحقة عليه، و قد فاتت أوقاتها، فيرجع عليه بأجرة مثلها، فامّا الخدمة فليس لهم سبيل عليه فيها، فلأجل هذا قال شيخنا أبو جعفر (رحمه الله) في نهايته، لم يكن للورثة عليه سبيل يعني في الخدمة.

و إذا باع العبد و علم انّ له مالا، كان ماله لبائعه دون مشتريه، و ان لم يعلم ان له مالا كان ماله لبائعه بغير خلاف.

و ذكر شيخنا في نهايته: انه إذا باع العبد و علم ان له مالا كان ماله لمن ابتاعه، و ان لم يكن عالما بذلك كان المال له دون المبتاع (3).

و هذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا، لأنّا قد بيّنا انّ العبد لا يملك شيئا عند المحصّلين من أصحابنا لقوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (4) فنفى قدرته

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(2) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(3) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(4) سورة النحل، الآية 75.

12

على شيء، و المال من جملة الأشياء.

و الدليل على صحة ما اعتذرنا لشيخنا قوله أيضا في نهايته بعد القول الّذي حكيناه عنه بلا فصل: و العبد المملوك لا يملك شيئا من الأموال ما دام رقا، فان ملّكه مولاه شيئا، ملك التّصرف فيه، و ليس له رقبة المال على وجه من الوجوه (1).

و قد روى (2) انه إذا نذر الإنسان ان يعتق أول مملوك يملكه، فملك جماعة من العبيد في حالة واحدة، أقرع بينهم، فمن خرج اسمه أعتقه، و قد روى (3) انه مخير في عتق أيهم شاء، و الأول أحوط هكذا أورده شيخنا في نهايته (4).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) و الأولى عندي انّه لا يعتق شيء من العبيد، لأنّ شرط النذر ما وجد، لانّه نذر عتق أول مملوك يملكه، و ليس لمن ملك في حالة واحدة من المماليك أول، فما وجد شرط النذر، و أيضا الأصل براءة الذّمة، فمن شغلها بشيء يحتاج الى دليل، و لا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، و ما أورده شيخنا فإنها رواية شاذة.

و أورد شيخنا في نهايته، انه إذا أعتق ثلاثة من عبيده و كان له أكثر من ذلك، فقيل له اعتقت مماليكك؟ فقال نعم، لم يمض العتق الّا فيمن كان أجاز فيهم العتق أوّلا، و ان أجابهم حين سألوه بلفظ العموم بقوله نعم (5).

و فقه ذلك ان العتق يحتاج إلى نية القربة، فلا يصح و لا ينعتق الّا من نوى عتقه، دون من لم ينو، لأنّه أعرف بنيته.

و قد روى (6) انه إذا كان للرجل جارية فنذر أنه متى وطأها كانت معتقة، فإن وطأها قبل ان يخرجها من ملكه انعتقت، و ان أخرجها ثمّ اشتراها بعد ذلك وطأها لم يقع بذلك عتق.

و فقه هذه الرواية ان صحت: انّه إذا أخرجها من ملكه انحل نذره، لانّه نذر في

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه، في العبارة تقطيع.

(2) الوسائل، كتاب العتق، الباب 57، ح 1- 3.

(3) الوسائل، كتاب العتق، الباب 57، ح 1- 3.

(4) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه، في العبارة تقطيع.

(5) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه، في العبارة تقطيع.

(6) الوسائل، كتاب العتق، الباب 59، ح 1.

13

ملكه، فإذا زال ملكه عنها انحلّ نذره، و لا يصح في ملك الغير، فيحتاج إذا عادت الى ملكه الى دليل على عتقها.

و إذا نذر الإنسان ان يعتق مملوكا بعينه، لم يجز له ان يعتق غيره، و ان كان لو لا النذر ما كان يجوز عتقه، أو كان يكون مكروها، مثل ان يكون كافرا أو مخالفا في الاعتقاد، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).

هذا على رأيه (رحمه الله) و مذهبه في ان عتق الكافر يصح في الكفارات و النذور إذا عيّنه فيه، و قد قلنا ما عندنا في ذلك (2)، فلا وجه لا عادته.

و اما قوله (رحمه الله) «لو لا النذر لم يجز ذلك» يعنى ما كان يجوز عتق الكافر الغير المظهر للشهادتين ابتداء من غير نذر بعينه.

و اما قوله «أو كان يكون مكروها» يعنى الكافر الّذي يظهر الشهادتين كان لو لا النذر يكون عتقه مكروها إذا كان ابتداء، لا عن نذر، فهذا معنى قوله (رحمه الله).

و أورد في النهاية أيضا انه إذا زوّج الرجل جاريته، و شرط انّ أوّل ما تلده يكون حرا فولدت توأما، كانا جميعا معتقين (3).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) ان أراد بالشرط المذكور أول حمل، كان على ما ذكر، و ان أراد بذلك أول ولد تلده، كان الأول حرا، و الّذي يخرج ثانيا مملوكا إذا شرطه.

و إذا قال الرجل كل عبد لي قديم فهو حر، فما كان من مماليكه اتى له ستة أشهر فهو قديم، و صار حرا، و كذلك إذا كان في ملكه و قد اتى عليه أكثر من ستة أشهر، و انّما أقلّه ستة، لقوله تعالى «حَتّٰى عٰادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (4) و العرجون في ستة أشهر يكون كذلك، من جهة عرف الشرع بالآية، لا من جهة عرف اللغة.

و لا يجوز للإنسان أن يأخذ من مملوك لغيره مالا ليشتريه من غير علم مولاه.

قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و إذا اشترى الإنسان جارية و لم ينقد ثمنها،

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(2) في(ص)6.

(3) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(4) سورة يس: الآية 39.

14

فأعتقها و تزوجها، ثمّ مات بعد ذلك، و لم يخلف غيرها، فانّ عتقه و نكاحه باطل، و ترد في الرق لمولاها الأول، و ان كانت قد حملت، كان أولادها رقا كهيئتها، فإن خلّف ما يحيط بثمن رقبتها، فعلى الورثة ان يؤدوا ثمنها لمولاها، و قد مضى العتق و التزويج، و لا سبيل لأحد عليها (1).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله)، الّذي يقتضيه أصول مذهب أصحابنا، ان العتق المذكور صحيح، لأنه أعتق ملكه بغير خلاف، و الحر لا يعود رقا، و النكاح صحيح، و الولد حر، و الحر لا يصير عبدا، لانّه انعقد حرا، سواء خلّف غيرها من الأموال، أ و لم يخلّف. و الثمن في ذمته، و ما ذكره (رحمه الله) من بطلان العتق و التزويج و صيرورة أولادها ان حمل كهيئتها رقا، غير مستقيم و لا واضح، لانّه مخالف للأدلّة القاهرة، و مضاد للكتاب و الإجماع و السنّة، المتواترة، لأنه لا إجماع عليه، و لا كتاب و لا سنة، و ما أورد شيخنا خبر واحد لا يوجب علما و لا عملا، أورده إيرادا لا اعتقادا على ما بيناه، كما أورد أمثاله في هذا الكتاب، أعني النهاية مما لا يعمل عليه و لا يفتي به.

و قال أيضا في نهايته: و إذا أعتق الرجل مملوكه عند موته و عليه دين، فان كان ثمن العبد ضعفي ما عليه من الدين، مضى العتق، و استسعى العبد في قضاء دين مولاه، و ان كان ثمنه أقل من ضعفي الدين كان العتق باطلا (2).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) ان أراد بقوله عند موته انه أنجز عتقه قبل موته، فان العتق صحيح ماض، و لا سبيل للديّان عليه، لانّه تصرف في ملك الإنسان قبل الحجر عليه، و للإنسان أن يتصرف في ملكه كيف شاء، لان الناس مسلطون على أملاكهم، يتصرفون فيها بالبيع و الهبة، و الصدقة، و العتق، و غير ذلك و ان أخّر عتقه الى بعد موته، فهذا تدبير و وصيّة، لأنّ التدبير عند أصحابنا بمنزلة الوصية، و الوصية لا تصح الّا بعد قضاء جميع الديون، و انّما الذي أورده شيخنا في نهايته خبر واحد، على قول من قال من أصحابنا ان العطايا المنجزة في مرضه الموت، لا تخرج من أصل المال، و انّما تخرج من الثلث، لأنّ أصحابنا لهم في ذلك مذهبان، فبعض

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(2) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و احكامه.

15

يرى انها من أصل المال، و بعض يرى أنها من الثلث، و الأول هو الأظهر، لأنه الذي يقتضيه أصول المذهب، لأنّ للإنسان أن ينفق جميع ماله على مرضه بغير خلاف، و انما وردت بالثاني أخبار آحاد لا يعوّل عليها و لا يلتفت إليها، و هي موافقة لمذهب مخالفينا.

قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطة في كتاب العتق: العتق في المرض المخوف، يعتبر عند بعض أصحابنا من الأصل، و عند الباقين من الثلث، و هو مذهب المخالفين، ثمّ قال: فإذا ثبت ذلك، و أعتق شقصا من عبد، نظرت، فان كان وفق الثلث نفذ فيه وحده، و لم يقوّم عليه نصيب شريكه، و ان كان الشقص أقل من الثلث، قوم عليه تمام الثلث، و ان استغرق جميع ثلثه، فاما إذا اعتبرناه من أصل المال، فحكمه حكمه لو كان صحيحا، و قد مضى ثمّ قال إذا اوصى بعتق شقص له من عبد، ثمّ مات، أعتق عنه ذلك الشقص، و لم يقوّم عليه نصيب شريكه، و ان كان غنيا، لأنّ ملكه زال عن ماله بالموت، الّا القدر الذي استثنيناه. هذا آخر كلام شيخنا في مبسوطة (1)، أوردناه ليعلم انّ ما أورده في نهايته على أحد القولين اللذين لأصحابنا الّذي هو غير معمول عليه، لما أشرنا إليه من الأدلّة.

إذا كان العبد بين ثلاثة، لواحد النصف، و للآخر (2) السّدس، فأعتق صاحب النّصف و صاحب السّدس ملكهما معا في زمان واحد، أو وكّلا وكيلا فأعتق ملكهما معا سرى الى نصيب شريكهما، و يكون عليهما قيمة الثلث بينهما نصفين، و ان اختلف ملك المعتقين لما روي عن النبي (صلّى اللّٰه عليه و آله) أنه قال من أعتق شركا له في عبد، و كان له مال يبلغ ثمن العبد، قوّم العبد قيمة العدل، و اعطى شركاؤه حصصهم، و عتق العبد (3)، فعلّق الضمان بأن أعتق شركا له من

____________

(1) المبسوط، كتاب العتق،(ص)57، ج 6، و في المصدر، الّا العقد الذي أثبتناه.

(2) ل. و لآخر الثلث و لآخر السدس.

(3) مستدرك الوسائل، الباب 16، من أبواب العتق الحديث 7، مع اختلاف في العبارة و هي هذه و عنه (عليه السلام) قال من أعتق شركا له من مملوك أقيم عليه قيمة عدل فاعطى شركاؤه حصصهم و أعتق عليه العبد ان كان ذا يسار و الّا فقد عتق منه ما عتق.

16

عبد، و قد اشتركا في هذا المعنى، فكانا سواء في الضمان، و يكون القيمة حين العتق سواء قيل بنفس اللفظ، أو بشرطين، أو مراعى، لأنّ بين الفقهاء في ذلك اختلافا، فبعض يقول يعتق حصة شريكه بنفس اللفظ، و هو الأظهر، و بعض يقول بشرطين، باللفظ و قبض القيمة، و بعض يقول مراعى.

و إذا أعتق الرجل ثلث عبيده، و له عبيد جماعة، استخرج منهم ثلثهم بالقرعة، فمن خرج اسمه كان معتقا. و قال المخالف يعتق من كل واحد ثلثه و يستسعى كل واحد في ثلثي قيمته، ليؤدي و يعتق.

و جملة الإقراع بينهم، و كيفيّته، فإذا كانوا على صفة يمكن تعديدهم أثلاثا بالقيمة و العدد معا، و هو إذا كانوا ستة قيمة كل واحد الف، فيكون كل عبدين ثلث ماله، فانا نجزيهم ثلاثة أجزاء، كل عبدين جزاء نقرع بينهم، بان نكتب الرقاع، و نساهم على ما بيّناه في غير موضع، و يمكن إخراج الأسماء على الرق و الحرّيّة، و إخراج الرق و الحرية على الأسماء، فإذا أردت ان تخرج الأسماء على الرق و الحرّية، كتبت في كل رقعة اسم اثنين فيكون ثلاث رقاع، و تقول أخرج رقعة على الحرّيّة، فإذا أخرجها فضّت فيعتق من اسمه فيها و يرق الباقون، و قد اكتفيت بإخراج الرقعة دفعة واحدة، و ان قلت: أخرج رقعة على الرق، فإذا أخرجها فضت و يرق من اسمه فيها، و لا بدّ من إخراج أخرى، فتقول: أخرج أخرى على الرق، فإذا خرج، رق من فيها، و عتق الآخران، فمتى اخرج القرعة على الحرية، أجزأه دفعة واحدة، و متى أخرجها على الرق، فلا بد من دفعتين.

فان لم يتفق ذلك، و هو إذا لم يمكن التعديل بالعدد دون القيمة، أو بالقيمة دون العدد، مثل ان كانوا ستة، قيمة عبد الف، و قيمة عبدين الف، و قيمة ثلاثة أعبد الف، فإذا اعتبرت القيمة، كانت التركة أثلاثا، لكن العدد مختلف، و متى اعتبرت العدد، و جعلت كل عبدين سهما، صحّ، لكن اختلفت القيمة فما الّذي يصنع به؟

قال قوم تعتبر القيمة، و يترك العدد، كما ان قسمة الدار إذا لم تمكن بالمساحة و الاجزاء، عدلت بالقيمة، و قال آخرون يعتبر بالعدد و يترك القيمة، و الأول هو

17

الّذي يقتضيه مذهبنا.

و إذا خلّف الرجل مملوكا و شهد بعض الورثة أنّه أعتقه مورّثهم، فان كان الشاهد مرضيا جائز الشهادة، و كانا اثنين عتق المملوك، و ان لم يكن مرضيا أو كان غير ان الآخر غير مرضى، مضى العتق في حصّته، و استسعى العبد في الباقي.

و إذا اوصى الإنسان بعتق رقبة، جاز ان يعتق عنه نسمة، ذكرا كان أو أنثى، إذا كانت النسمة ممن يجوز إعتاقها.

و قد روى (1) انه إذا أعتق الرجل مملوك ابنه كان العتق ماضيا.

و هذه الرّواية لا يصح العمل بها، الّا ان يكون الا بن صغيرا، و يكون الأب قد قوم العبد على نفسه، و الّا فلا يصح ذلك فيه.

و شيخنا أبو جعفر أورد ذلك في نهايته (2)، و أطلق و لم يقيّد بالابن الصغير، و تحرير الفتيا ما قلناه.

و قد روى (3) انه إذا أعتق الرجل جارية حبلى بمملوك، صار ما في بطنها حرا كهيئتها، فإن استثناه من الحرية لم يثبت رقّه مع نفوذ الحرية في امّه.

و هذه الرّواية أوردها شيخنا في نهايته (4) و لا دليل على صحتها في كتاب، و لا سنّة مقطوع بها، و لا إجماع، و الأصل ان لا عتق، و ثبوت العبودية في حملها، فمن حرّره يحتاج الى دليل، و لا دليل له على ما بيّناه، و اخبار الآحاد غير معمول عليها عند أصحابنا، و انّما هذا يصح على مذهب الشافعي، لأنّه يجري الحمل مجرى بعض أعضائها، و لهذا يقول انه إذا باعها و استثنى الحمل، لا يصح استثناؤه، و نحمل نحن الرواية على انها وردت مورد التقيّة، لأنه مذهب مخالفينا.

و إذا أسلم أحد الأبوين، كان حكم أولاده (5) حكمه في إجراء حكم الإسلام عليهم، فان بلغوا و اختاروا الشرك، لم يمكنوا من ذلك، و قهروا على الإسلام، فإن

____________

(1) الوسائل، الباب 67، من أبواب العتق.

(2) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و أحكامه.

(3) الوسائل، الباب 69، من أبواب العتق.

(4) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و احكامه.

(5) ل. أولاده الصغار.

18

أبوا ذلك، كان عليهم القتل.

و إذا كان للرجل مملوك، و هو يحسن اليه، و يقوم بما يحتاج اليه، فاستباعه العبد، لم يلزمه بيعه، و كان مخيرا في ذلك.

و يكره ان يفرق بين الولد الصغير و بين امه، و ينبغي ان يباعا معا، و ليس ذلك بمحظور على الأظهر من قول المحصّلين من أصحابنا، و الى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في كتاب العتق في نهايته (1).

و إذا أبق العبد، جاز لمولاه ان يعتقه في الكفارة الواجبة عليه، ما لم يعرف منه موتا، على ما بيناه في كتاب الظهار (2).

و إذا عتق العبد، و عليه دين، فان كان استدانه بإذن مولاه و امره، لزم المولى قضاؤه، و ان كان عن غير اذنه، كان ثابتا في ذمته، يتبع به، و لا يلزم المولى منه شيء.

و قد روى (3) انه إذا اتى على الغلام عشر سنين، كان عتقه و صدقته جائزا إذا كان على جهة المعروف، أوردها في نهايته (4) شيخنا إيرادا لا اعتقادا لانه لا دليل على صحة العمل بها، لأنها مخالفة لأصول المذهب، لكونها لا دليل عليها من كتاب، و لا سنة مقطوع بها، و لا إجماع منعقد، و الأصل نفى الأحكام الشرعية، و ثبوتها يحتاج إلى أدلة شرعية، و قول الرسول (عليه السلام) المجمع عليه، يؤيد ما قلناه، و هو «رفع القلم عن ثلاث» (5) و ذكر الصبي من جملة الثلاث.

و إذا أعتق الرجل عبده عن دبر، «بالدال غير المعجمة المضمومة، و الباء المسكنة المنقطة من تحتها نقطة واحدة، و الراء و المراد بذلك التأخير، لأنّ الدبر

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و احكامه.

(2) الجزء الثاني،(ص)718.

(3) الوسائل، الباب 56، من أبواب العتق الحديث 1.

(4) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و احكامه.

(5) سنن ابن ماجة، كتاب الطلاق الباب 15، الحديث 1، ج 1،(ص)658، و الحديث هكذا عن عائشة ان رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) قال رفع العلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ و عن الصغير حتى يكبر و عن المجنون حتى يعقل أو يفيق. و كذلك مع اختلاف يسير في سنن البيهقي الباب 24، من كتاب الطلاق الحديث 1، ج 7،(ص)359.

19

المؤخر، و التدبير تفعيل من الدبر، و هو العتق المؤخر الى بعد الموت» و كان عليه عتق رقبة واجبة، لم يجز ذلك عنه، لأنّ المدبر يخرج من الثلث، و الرقبة الواجبة من أصل المال، و المدبر غير ما يعتق في الكفارات، فلهذا لا يجزئه، و لأنّ أسبابهما مختلفة، فهذا معنى قول شيخنا أبي جعفر في نهايته: و إذا أعتق الرجل عبده عن دبر، و كان عليه رقبة واجبة، لم يجز ذلك عنه (1).

و أيضا التدبير على ضربين، واجب و ندب، فالواجب ما أوجبه الإنسان على نفسه بالنذر أو العهد، فان كان هذا الضرب، فلا يجزئه عن الكفارة، لأنّ الفرضين لا يتداخلان، و ان كان الضرب الآخر من التدبير، فلا يجزئه عن الكفارة الواجبة عليه، لانه يحتاج إلى نية الإعتاق، و الى كيفية النيّة، و جنس العتق، و القصد اليه، و هذا الضرب أيضا يخرج من الثلث، و الكفارة من أصل المال، فليلحظ جميع هذه الأقسام.

و حد اليسار الذي يقوّم العبد إذا كان مشتركا بينه و بين غيره، و أعتق نصيبه منه، ان يكون للمعتق غير هذا النصيب قدر قيمة نصيب شريكه في الفاضل عن قوت يومه و ليلته، لما روى عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله)، قال من أعتق شركا له من عبد، و كان له مال يبلغ ثمنه، قوم عليه (2).

فان لم يكن الّا قدر نصيبه منه و تمام قيمة نصيب شريكه، فليس له مال الا ثمن العبد (3)، فان كان معه وفق قيمة نصيب شريكه، قوم كل نصيب شريكه عليه، و ان كان معه أقل من ذلك، قوم عليه بقدر ما يملك من الفاضل عن قوت يومه و ليلته.

فامّا ان كان معسرا، فأعتق نصيبه منه، عتق ورق الباقي عندنا، و قال بعض المخالفين يعتق كله، و يكون قيمة نصيب شريكه في ذمته، يتبع به إذا أيسر، و قال

____________

(1) النهاية، كتاب العتق و التدبير، باب العتق و احكامه.

(2) مستدرك الوسائل الباب 16، من أبواب العتق. الحديث 7.

(3) ج. فان لم يكن الّا قدر نصيبه منه أو لم يكن تمام قيمة نصيب شريكه فليس له مال يبلغ ثمن العبد.

20

بعضهم شريكه بالخيار بين ان يعتق نصيبه، و بين ان يستسعيه في قيمته، ليؤدى فيعتق. و قد روى (1) في أخبارنا ذلك.

قال شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، مسألة: إذا ورث شقصا من أبيه أو أمه، قوّم عليه ما بقي إذا كان موسرا، و قال الشافعي لا يقوم عليه لأنّه بغير اختياره، دليلنا إجماع الفرقة و اخبارهم هذا أخر المسألة (2).

قال محمّد بن إدريس (رحمه الله)، الّذي يقتضيه أصول مذهبنا، انه لا يقوّم عليه ما بقي، لأنه لا دلالة على ذلك من كتاب، و لا سنّة مقطوع بها، و لا إجماع، و الأصل براءة الذمة، و ما ذكره (رحمه الله) من قوله «دليلنا إجماع الفرقة» فعلى اىّ شيء أجمعت، انّما أجمعت على انه من أعتق شركا له في عبد، و كان موسرا قوّم عليه حصّة شريكه، و كذلك الأخبار التي ادّعاها، انما وردت بما اجمعوا عليه، و ما وردت، و لا أجمع أصحابه على ان من ورث شقصا له من عبد يعتق عليه، يقوم عليه ما بقي إذا كان موسرا.

الّا ان شيخنا رجع عما ذكره، في مبسوطة، و قال لا يقوم عليه (3)، و هو الحق اليقين.

و قال في مسائل الخلاف، إذا أعتق كافر مسلما، ثبت له عليه الولاء (4).

و هذا لا يتقدر على ما قررناه ان العتق لا يقع الّا ان يقصد به وجه اللّٰه تعالى، و الكافر لا يعرف اللّٰه تعالى و لا يقع منه نية القربة.

عندنا ان العتق لا يقع بشرط و لا يمين، و خالف جميع الفقهاء في ذلك.

إذا قال كل عبد أملكه فهو حر، أو قال ان ملكت هذا فهو حرّ، و لم يجعل ذلك نذرا، ثمّ ملك، لم يعتق.

قال شيخنا في مسائل الخلاف، مسألة: إذا أعتق عن غيره عبدا باذنه، وقع

____________

(1) الوسائل، كتاب العتق، الباب 18، ح 2- 3- 4- 7 و غيرها في الباب.

(2) الخلاف، كتاب العتق مسألة 7.

(3) المبسوط، ج 6، كتاب العتق، فصل فيمن يعتق على من ملكه،(ص)68.

(4) الخلاف كتاب العتق مسألة 12.

21

العتق عن الآذن (1).

و الذي يقتضيه أصول مذهبنا، ان العتق لا يقع الّا عن المالك للعبد، دون الآذن الذي ليس بمالك، لانّه لا خلاف في قوله (عليه السلام) «لا عتق قبل ملك، و لا طلاق قبل نكاح» (2) و الآذن لم يملك العبد و انما هو على ملك المباشر للعتق الى حين إعتاقه، و انّما هذا الذي ذكره شيخنا (رحمه الله) قول المخالفين، دون ان يكون ورد في أخبارنا، أو أجمع أصحابنا عليه، لانّه لو اجمع عليه أصحابنا، أو وردت به أخبارنا لما قال في استدلاله على صحة ما اختاره «دليلنا ان الآذن في الحقيقة هو المعتق» لانه لو لم يأمره بذلك لم يعتقه، كما لو امره ببيع شيء منه، أو شرائه، و لكان يقول دليلنا إجماع الفرقة و اخبارهم.

باب أمّهات الأولاد

إذا وطئ الرجل أمته، فاتت منه بولد، فان الولد يكون حرّا، لأنّها علقت به في ملكه بغير خلاف، و تسرى حرّية الولد إلى الأم عند المخالف، و عندنا لا تسرى، و هي أم ولد، فما دامت حاملا، فلا يجوز بيعها عندنا، و ان ولدت، فما دام ولدها باقيا لا يجوز بيعها إلّا في ثمنها، إذا كان دينا على مولاها و لم يكن له غيرها.

و قال السيّد المرتضى لا يجوز بيعها ما دام الولد باقيا، لا في الثمن و لا في غيره (3).

و الأظهر الأوّل.

فإذا مات الولد، جاز بيعها، و هبتها، و التصرف فيها بسائر أنواع التصرف، و قال المخالف لا يجوز بيعها، و لا هبتها، و لا التصرف في رقبتها بشيء من أنواع التصرف، لكن يجوز التصرف في منافعها بالوطي و الاستخدام.

____________

(1) الخلاف، كتاب العتق مسألة 16.

(2) الوسائل الباب 5 من أبواب العتق الحديث 1 مع التقديم و التأخير في لفظ العتق و الطلاق.

(3) في كتاب الانتصار، كتاب التدبير، مسألة 9.

22

فإذا مات السيّد عتقت من أصل المال عندهم، و عندنا تجعل من نصيب ولدها، و تعتق عليه (1)، فان لم يكن هناك غيرها انعتق نصيب ولدها، و استسعيت في الباقي.

و روي انه ان كان لولدها مال، ادى بقية ثمنها منه، و لا دليل على هذه الرواية.

فان لم يكن ولدها باقيا، جاز للورثة بيعها.

أم الولد إذا جنت جناية وجب لها أرش، فإن الأرش يتعلق برقبتها بلا خلاف، و المولى بالخيار بين ان يفديها، أو يسلمها للبيع عندنا، و عند المخالف على السيّد ان يفديها و يخلصها من الجناية، قالوا: لانه منع من بيعها باحباله، و لم يبلغ بها حالة يتعلق الأرش بذمتها، فصار كالمتلف لمحل الأرش، فلزمه ضمان الجناية، كما لو كان له عبد فجنى، فقتله، و يفارق إذا كان له عبد، فأعتقه، ثمّ جنى جناية، لم يلزمه جناية ذلك، لأن هناك بلغ به حالة يتعلق الأرش بذمته.

إذا كان لذمي أم ولد منه، فأسلمت، فإنّها لا تعتق عليه، و تباع عليه عندنا، لأنها مملوكة.

و لا خلاف بين أصحابنا، انّ الذّمي إذا كانت عنده جارية ذمّية، فأسلمت، فإنّها تباع عليه بغير اختياره، و يعطى ثمنها، لقوله تعالى «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (2) و هذا مذهب شيخنا في مبسوطة (3)، و اختار في مسائل خلافه قول بعض المخالفين، و هو انه لا تباع و لا تستعار، لكن يحال بينها و بين المولى الذّمي، و تجعل في يد امرأة ثقة تنفق عليها من كسبها، فان فضل شيء من كسبها، كان لسيّدها، و ان عجز ذلك عن نفقتها، كان على السيّد تمام النفقة (4).

و ما ذكره في مبسوطة هو الّذي يقتضيه أصول مذهبنا.

____________

(1) ج. ل. تنعتق عليه.

(2) سورة النساء: الآية 141.

(3) المبسوط، ج 6، كتاب أمهات الأولاد،(ص)188، و العبارة هكذا، إذا كان لذمي أم ولد منه، فأسلمت فإنها لا يعتق عليه و تباع عندنا.

(4) الخلاف، كتاب أمهات الأولاد، مسألة 2، و المنقول مضمونها.

23

و قال شيخنا في نهايته في باب أمهات الأولاد، فان لم يخلف غيرها، و كان ثمنها دينا على مولاها، قومت على ولدها، و تترك الى ان يبلغ، فإذا بلغ اجبر على ثمنها، فان مات قبل البلوغ، بيعت في ثمنها، و قضى به الدين (1).

و هذا الذي ذكره، غير واضح، لأنا نبيعها في ثمن رقبتها في حياة مولاها، فكيف بعد موته، و لأيّ شيء يجبر الولد بعد بلوغه على ثمنها؟ فلأيّ شيء يؤخر الدين؟

الّا ان شيخنا قد رجع عن هذا في عدّة مواضع، و لا شك ان هذا خبر واحد أورده هاهنا إيرادا لا اعتقادا.

باب الولاء

الولاء على ثلاثة أقسام، و ولاء النعمة، و هو كل من أنعم عليه مولاه، و أعتقه متبرّعا بإعتاقه، متقربا بذلك الى اللّٰه تعالى، لا في واجب عليه، و لا مجبر عليه، بان يرث من يعتق عليه أو يبتاع من يعتق عليه.

و ولاء تضمن الجريرة، و هو ان يتعاقد اثنان مجهولا النسب، أو أحدهما، أولا وارث (2) من جهة النسب لهما أو لأحدهما، على ان يعقل عنه و يضمن جريرته و خطاءه، و يكون له ميراثه.

و ولاء الإمامة، و هو كل من مات و لا وارث له من نسب، و لا مولى منعم، و لا ضامن جريرة.

فالقسم الأول، إذا كان المباشر للعتق رجلا، فولاء مولاه له، و ضمان جريرته عليه، الّا ان يتبرّأ (3) من ضمان جريرته في حال عتقه، و يشهد على ذلك.

فإذا مات المنعم، فولاء مولاه يجرى مجرى النسب، و يرثه من يرث من ذوي الأنساب على حد واحد، إلّا الاخوة، و الأخوات من الأم، أو من يتقرب بها من الجدّ و الجدّة، و الخال و الخالة، و أولادهما.

____________

(1) النهاية، كتاب العتق، باب أمهات الأولاد.

(2) ج. ل. و لا وارث.

(3) ج. ل. ان يبرأ.

24

و في أصحابنا من قال انه لا يرث النساء من الولاء شيئا، و انما يرثه الذكور من الأولاد و العصبة، و هذا مذهب شيخنا أبي جعفر في نهايته (1) و إيجازه (2).

و الأول مذهبه في استبصاره (3)، فإنه قال: ان البنت ترث من ميراث المولى، كما يرث الابن، قال و هو الأظهر من مذهب أصحابنا، و هو مذهبه في مسائل خلافه (4)، و استدل على صحته بان قال: دليلنا إجماع الفرقة، و أيضا قوله (عليه السلام) «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع و لا يوهب» (5).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) و هذا الذي يقوى في نفسي، و به افتى، لأنّ هذا الخبر مجمع عليه، متلقى بالقبول عند الخاصّة و العامة، فلا معدل عنه، و لا إجماع منعقد لأصحابنا على المسألة، فنخصّص العموم به.

فاما إذا كان المنعم بالعتق امرأة، فإنها ترث ولاء مواليها ما دامت حية، فإذا ماتت ورث ولاء مواليها عصبتها من الرجال، دون أولادها، سواء كان الأولاد ذكورا أو إناثا، لأن إجماع أصحابنا منعقد على ذلك، فهو المخصّص لعموم الخبر المقدم ذكره.

الّا ما ذهب اليه شيخنا المفيد في مقنعته (6)، فإنّه قال يرث الولاء أولادها الذكور دون الإناث.

و ابن أبي عقيل ذهب الى ان الولاء يرثه أولاد المرأة، سواء كانوا ذكورا أو إناثا، و هو يجرى مجرى النّسب على حد واحد، إلّا الاخوة و الأخوات من الام و من يتقرب بها، و هو اختيار شيخنا أبي جعفر في مسائل خلافه (7).

و هذا أقوى، يجب ان يعتمد عليه للخبر المقدم ذكره و ما قلناه من تخصيصه

____________

(1) النهاية، كتاب العتق، باب الولاء.

(2) الإيجاز.

(3) الإستبصار، ج 4،(ص)173، باب انه لا يرث أحد من الموالي مع وجود واحد من ذوي الأرحام ذيل حديث 7.

(4) الخلاف. كتاب الفرائض، مسألة 84.

(5) الوسائل، الباب 42، من أبوال القن، الحديث 2 و 6.

(6) المقنعة باب ميراث الموالي و ذوي الأرحام(ص)694.

(7) الخلاف. كتاب الفرائض، مسألة 84.

25

بالإجماع، فراجعنا النّظر في أقوال أصحابنا و تصانيفهم، فرأيناها مختلفة غير متفقة، فالأولى التمسّك بالعموم، الى ان يقوم دليل الخصوص.

فاما القسم الثاني، فلا يتعدى الضامن، فإذا مات الضّامن بطل التعاقد بينهما، و لا يرثه ورثته بغير خلاف.

فامّا القسم الثالث، فان ميراثه لإمام المسلمين، مع فقدان جميع الأنساب و الموالي، و هذا هو ميراث من لا وارث له، و هو الضّامن لجريرته و حدثه، فإذا مات الامام، انتقل الى الامام الذي يقوم مقامه، دون ورثته الّذين يرثون تركته، و من يتقرب اليه.

و لا يصح بيع الولاء و لا هبته.

و إذا أعتق الرجل مملوكا و تبرأ من ضمان جريرته كان سائبة، و لا ولاء له عليه على ما قدمناه، و كذلك الّذين يعتقهم في النذور و الكفارات و الواجبات، فلا ولاء لمن أعتقه عليه، و لا لأحد بسببه، فان توالى هذا المعتق اليه، و ضمن جريرته، كان ولاؤه له، فان توالى الى غيره، كان ولاؤه له، و ضمان جريرته عليه، فان مات و لم يتوال أحدا، كان ميراثه لإمام المسلمين على ما قدمناه.

قال شيخنا في مبسوطة، إذا ملك من يعتق عليه بعوض، أو بغير عوض، عتق عليه، و كان ولاؤه له، لعموم الخبر (1).

و هذا غير واضح، و لا مستقيم، لأنا قد بيّنا انه لا خلاف بين أصحابنا في ان الولاء يستحقه المتبرع بالعتق، دون غيره، و أيضا فقول الرّسول (عليه السلام). المجمع عليه «ان الولاء لمن أعتق» (2) و هذا ما أعتق بغير خلاف، لانّه انعتق عليه بغير اختياره، فإن أراد شيخنا بقوله لعموم الخبر، هذا الخبر الّذي ذكرناه، فهو بالضدّ من مراده و استشهاده.

ثمّ قال (رحمه الله)، فامّا المكاتب، إذا أعتق بالأداء، أو اشترى العبد نفسه من

____________

(1) المبسوط، ج 6، كتاب العتق فصل في الولاء،(ص)71.

(2) الوسائل، الباب 25، من أبواب العتق.

26

مولاه، و عتق، لم يثبت له عليه الولاء عندنا، الّا ان يشترط عليه، و عندهم يثبت و اما المدبر فإنه يثبت عليه الولاء بلا خلاف، و كذلك أم الولد (1).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) قوله (رحمه الله) في المكاتب و المدبر صحيح واضح، لا خلاف عندنا فيهما، و امّا أمّ الولد فلا ولاء عليها لأحد من جهة مولاها، لما قدّمناه من الأدلة و بيّناه.

باب المكاتبة

المكاتبة مشتقة من الكتب، و هو الضمّ و الجمع، يقال كتبت البغلة إذا ضممت أحد شفريها بحلقة أو سير، و منه قيل للجيش و الناس المجتمعين «كتيبة» فكذلك المكاتبة، اشتقاقها من هذا، لانه ضم أجل إلى أجل، و عقد المعاوضة على ذلك.

فدليل جوازها قوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتٰابَ مِمّٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ فَكٰاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً» (2) فأمر بالكتابة، فإذا ثبت ذلك، فهي أن يشترط المالك على عبده أو أمته تأدية شيء معلوم، يعتق بالخروج منه اليه، و هي بيع العبد من نفسه، و صورتها ان يقول الإنسان، لعبده أو أمته، «قد كاتبتك على ان تعطيني كذا و كذا دينارا، أو درهما، في نجوم معلومة، على انك إذا أديت ذلك فأنت حرّ» فيرضى العبد بذلك، و يكاتبه عليه، و يشهد بذلك على نفسه، فمتى ادى مال الكتابة في النجوم الّتي سمّاها، صار حرّا.

و هي على ضربين، مشروطة و مطلقة غير مشروطة فإذا أدى المكاتب من غير شرط، شيئا من مال الكتابة، عتق منه بحسابه، و المشروط عبد ما بقي عليه درهم.

و لا يجوز للإنسان و طي أمته المكاتبة، سواء كانت الكتابة مطلقة، أو مشروطة بلا خلاف، فإن وطأها و كانت مشروطا عليها، لم يحد، لأنّ هناك شبهة يسقط بها الحد، و ان كانت غير مشروطة عليها، و قد أدت من مال الكتابة شيئا، كان عليه

____________

(1) المبسوط، ج 6، كتاب العتق فصل في الولاء،(ص)71.

(2) سورة النور، الآية 33.

27

الحد بمقدار ما تحرّر منها إذا لم يشتبه الحكم عليه.

و الكتابة المشروطة، هو ان تقول للعبد في حال الكتابة «متى عجزت عن أداء ثمنك فأنت رد في الرق، ولى جميع ما أخذت منك»- فمتى عجز عن ذلك و حد العجز هو ان يؤخر نجما الى نجم و الاولى ان نقول ان يؤخر النجم بعد محلّه فامّا تأخير النجم الى النجم الآخر فعلى جهة الاستحباب الصّبر عليه الى ذلك الوقت، أو يعلم من حاله انه لا يقدر على فك رقبته و أداء ثمنه فإنه عند ذلك يرجع رقا إذا فسخ ذلك مولاه، فان لم يفسخ الكتابة مولاه، بقي على ما هو عليه من الكتابة، و ليس بمجرّد عجزه يرجع رقا، بل يكون سيده بالخيار بين فسخ الكتابة، أو المقام عليها و الصبر عليه.

فان مات هذا المكاتب، و خلف مالا و أولادا، كان ما ترك لمولاه، دون غيره، و كان أولاده مماليك له إذا كان أولاده من مملوكة اشتراها، فامّا ان كانوا من حرة، فلا يكونون مماليك لسيده.

و لا يجوز لهذا المكاتب ان يتصرف في نفسه بالتزويج، و لا بهبة المال، و لا بالعتق ما دام قد بقي عليه شيء من مال الكتابة، و انما يجوز له التصرف في تنمية المال.

و متى حصل عليه دين، كان مولاه ضامنا له، إذا كان قد اذن له في الاستدانة، لأنه عبده.

و الضرب الآخر من المكاتبة، هو ان يكاتبه على شيء معلوم، و نجوم معلومة، و لا يشترط عليه انه ان عجز فهو رد في الرق، على ما بيناه، فمتى أدى شيئا من مكاتبته انعتق منه بحساب ذلك على ما تقدم بيانه، و لم يكن لمولاه عليه سبيل.

فان مات هذا المكاتب و ترك مالا و ترك أولادا، ورثه مولاه بقدر ما بقي له من العبودية، و كان الباقي لولده إذا كانوا أحرارا في الأصل، بعد إخراج ما بقي من مال الكتابة قبل ذلك أجمع، لأنّه دين، و ما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا على ما بيناه.

و الّذي ينبغي تحصيله في ذلك، ان نقول يرث السيد بمقدار ما فيه من العبودية، و ابنه أو وارثه بقدر ما تحرر منه، و يؤخذ بقيّة مال الكتابة من نصيب وارث

28

المكاتب، إذا صار اليه نصيبه، لأنّ الدين الّذي هو مال الكتابة يخرج من نصيب الوارث للأجزاء الحرّيّة (1)، دون جميع ما خلفه و تركه الميت، لأنّ الاجزاء الباقية على العبودية لا تملك شيئا، لأنّه مال سيده دونه، و انّما الدين يتعلق بما فيه من الحرّيّة و نصيبها، دون جميع التركة.

و هذا مذهب شيخنا أبي جعفر في استبصاره (2)، و هو الصحيح دون ما أوردناه أوّلا فإن كان هذا المكاتب قد رزق الولد بعد الكتابة من امة له، كان حكم ولده حكمه في انه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه، فإن أدى الابن ما كان قد بقي على أبيه، صار حرا لا سبيل لمولاه عليه، فان لم يكن له مال، استسعاه مولى الأب فيما بقي على أبيه، فمتى ادّاه صار حرا.

و هذا المكاتب إذا أدى بعض مكاتبته، يرث و يورث بحساب ما عتق منه، و يمنع الميراث بقدر ما بقي من الرق، و كذلك ان وصى له، كانت الوصيّة ماضية له، بقدر ما عتق، و يحرم بقدر ما بقي من رقه.

و كل شرط يشرطه المولى على مكاتبه، فإنه يكون ماضيا ما لم يكن شرطا يخالف الكتاب و السنة، كما ان له جميع ما يشرط عليه، إذا أعتقه، فإن شرط عليه ان يكون ولاؤه له، كان له الولاء دون غيره، و لا يكون له الولاء بمجرد الكتابة إلّا بالشرط.

و متى تزوجت المكاتبة بغير اذن مولاها، كان نكاحها باطلا، و ان كان ذلك بإذن مولاها و قد أدّت بعض مكاتبتها، و رزقت أولادا، كان حكم ولدها حكمها، يسترق منهم بحساب ما بقي من ثمنها، و يعتق بحساب ما عتقت (3) إذا كان تزويجها بعبد مملوك، فان كان تزويجها بحر، كان الولد أحرارا.

و إذا قال المكاتب لمولاه، خذ مني جميع ما كاتبتنى عليه دفعة واحدة، كان مخيرا بين أخذه منه في موضع، و الامتناع منه، و لا يقبل منه الّا على ما وافقه من النّجوم.

____________

(1) ج. الوارث الآخر من جهة الحرية.

(2) الاستبصار، الباب 21، من كتاب العتق باب ميراث المكاتب، ج 4،(ص)47.

(3) ق: و عتق بحساب ما أعتق.

29

و إذا كان المكاتب غير مشروط عليه، و عجز عن توفية ثمنه، فان كان مولاه ممّن عليه زكاة واجبة، فإنه يجب عليه ان يعطيه شيئا من ذلك، قلّ أم كثر، لقوله تعالى «وَ آتُوهُمْ مِنْ مٰالِ اللّٰهِ الَّذِي آتٰاكُمْ» (1) و ان لم يكن ممن يجب عليه زكاة، فلا يجب عليه الإيتاء المذكور في الآية، لأنه لا مال للّٰه تعالى واجب عليه، و كان على الامام ان يفك رقبته من سهم الرقاب.

و المكاتب إذا كان غير مشروط عليه، لم يكن على مولاه فطرته، فان كان مشروطا عليه، وجب على مولاه فطرته.

و لا يجوز مكاتبة الكافر، لقوله تعالى «فَكٰاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً» (2) و حمل ذلك على الايمان و الدين، اولى من حمله على المال و التكسّب، لانّه لا يقال للكافر و ان كان موسرا أو مكتسبا، انّ فيه خيرا، و لا انّه خير، و يقال ذلك لمن كان فيه ايمان و دين، و ان لم يكن مكتسبا، و لا ذا مال، و لو تساوى ذلك في الاحتمال، لوجب الحمل على الجميع.

الكتابة المشروطة لازمة من جهة السيد، جائزة من جهة العبد، و لسنا نريد بقولنا جائزة من جهته، ان له الفسخ، كالعامل في القراض، بل نريد ان له الامتناع عن أداء ما عليه مع القدرة عليه، فإذا امتنع منه كان سيده بالخيار بين البقاء على العقد و بين الفسخ.

فان كانت الكتابة مطلقة، فهي لازمة من الطّرفين، و ليس لأحدهما فسخ.

إذا وجبت على المكاتب كفارة في قتل، أو ظهار، أو جماع، ففرضه الصوم بلا خلاف، فان كفر بالمال بغير اذن سيّده لم يصح، لأنّه مستغن عن التكفير بالمال، لانّه يمكنه التكفير بالصوم، فان اذن له السيد في ذلك، فإن أراد ان يكفر بالعتق، لم يجز بلا خلاف عندنا، لأنه فعل ما لم يجب عليه، و عند المخالف لأنّ العتق يتضمن ثبوت الولاء، و ليس المكاتب من أهل الولاء، و امّا ان أراد ان يكفّر بالإطعام أو الكسوة، فعندنا لا يجزيه، لانّه فعل ما لم يجب عليه.

____________

(1) سورة النور: الآية 33.

(2) سورة النور: الآية 33.

30

الكتابة تصح حالّة، و مؤجّلة، و ليس الأجل شرطا في صحتها.

يجوز عتق المكاتب المشروط عليه في الكفارة الواجبة، لأنّه عند أصحابنا جميعا عبد ما بقي عليه درهم، و أحكامه أحكام العبد القن بلا خلاف بينهم، فامّا المكاتب المطلق ان لم يكن ادى من مكاتبته شيئا، فيجوز عتقه في الكفارة، فإن كان ادى منها شيئا، فلا يجوز عتقه في الكفارة.

و قال شيخنا في مسائل خلافه، لا يجوز عتق المكاتب في الكفارة، سواء كانت المكاتبة مطلقة أو مشروطة (1).

و ما حرّرناه هو الّذي يقتضيه أصول مذهبنا، و اليه ذهب في نهايته (2).

باب التدبير

التدبير، هو ان يعلّق عتق عبده بوفاته، فيقول «متى مت أو إذا مت فأنت حرّ أو محرّر أو عتيق، أو معتق» و سمّى مدبرا لان العتق عن دبر حياة سيّده، يقال: دابر الرجل يدابر مدابرة، إذا مات، و دبّر عبده يدبره تدبيرا، إذا علق عتقه بوفاته.

و التدبير لا يقع الّا مع قصد اليه، و اختيار له، و لا يقع على غضب، و لا إكراه، و لا سكر، و لا على جهة اليمين، و يكون القربة الى اللّٰه تعالى هي المقصودة به، دون سائر الأغراض، فعلى هذا تدبير الكافر غير جائز.

و هو على ضربين ضرب يجوز الرجوع فيه، و هو إذا كان ذلك التدبير تطوعا و تبرّعا، فهو بمنزلة الوصيّة، يجوز بيعه في دين و غير دين، و إخراجه عن ملكه، و التصرف فيه بسائر جميع التصرفات، كما يجوز له الرجوع في وصيّته.

و الضرب الآخر، لا يجوز بيعه، و هو انّه إذا كان تدبيره عن واجب، و معنى ذلك ان يكون مثلا قد نذر إن برئ مريضة، أو قدم غائبة أن يدبر عبده، ففعل

____________

(1) الخلاف، كتاب الظهار، مسألة 29، و العبارة هكذا، عتق المكاتب لا يجزى في الكفارة .. فإن المكاتب عندنا على ضربين، مشروط عليه و غير مشروط إلخ.

(2) النهاية كتاب النذر و العهود باب الكفارات.

31

ذلك واجبا لا تبرعا، فهذا الضرب لا يجوز بيعه.

فإذا كان التدبير عن وجوب، فهو من رأس المال، و ان كان عن تطوع فهو من الثلث.

و كيفيّة ذلك: ان يقول الإنسان لمملوكه «أنت حر بعد وفاتي».

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: التدبير هو ان يقول الرجل لمملوكه: أنت رق في حياتي، حرّ بعد وفاتي (1).

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) عليه، لا حاجة بنا ان نقول أنت رق في حياتي، لأنّه لو لم يقل ذلك، و قال أنت حرّ بعد وفاتي، كان ذلك كافيا.

و متى مات المدبر، كان المدبر من الثلث، إذا كان متبرعا بالتدبير، على ما قدّمناه، فان نقص عن الثلث انعتق، و لا له شيء، و لا عليه شيء، فان زاد عليه استسعى، سواء كانت الزيادة ضعفي الثلث، أو أقل، أو أكثر.

و قال شيخنا في نهايته، و متى أراد بيعه من غير ان ينقض تدبيره، لم يجز له، الّا ان يعلم المبتاع انه يبيعه خدمته، و انه متى مات هو كان حرّا، لا سبيل له عليه (2).

إلّا ان شيخنا رجع في مسائل خلافه، بان قال في آخر المسألة الرابعة من كتاب المدبر، قال: دليلنا إجماع الفرقة و اخبارهم، ثمّ قال: فامّا بيعه، و هبته، و وقفه، فلا خلاف في ذلك انّه ينتقض بذلك التدبير (3)، ثمّ قال (رحمه الله) مسألة:

إذا دبره، ثمّ وهبه، كان هبته رجوعا في التدبير (4)، ثمّ قال مسألة: إذا دبره، ثمّ اوصى به لرجل، كان ذلك رجوعا (5).

و قد قلنا ما عندنا في ذلك، فامّا قوله رضى اللّٰه عنه انّه يبيعه خدمته، فغير واضح، لأنّ حقيقة البيع في عرف الشرع يقتضي بيع الرّقبة، فحمله على بيع المنافع عدول باللّفظ عن حقيقته بلا دلالة، بل شروعه في بيعه، يقتضي الرّجوع عن التدبير

____________

(1) النهاية، كتاب الطلاق باب التدبير.

(2) النهاية، كتاب الطلاق باب التدبير.

(3) الخلاف. كتاب المدبر مسألة 4.

(4) الخلاف. كتاب المدبر مسألة 6.

(5) الخلاف. كتاب المدبر مسألة 7.

32

الّذي هو عندنا بمنزلة الوصيّة، بغير خلاف بيننا، كمن اوصى بداره لرجل، ثمّ باعها قبل موته، اقتضى ذلك الرّجوع عن الوصيّة، من غير ان يحتاج الى نقض الوصية قبل بيع الدّار، فليلحظ ذلك، فهذا الّذي تقتضيه أصول مذهبنا، و هو مقالة السيّد المرتضى، ذكره في النّاصريات (1).

فامّا ان كان التدبير عن واجب، فيمكن بيعه على جهة الصّلح، فيكون الصّلح على منافعه مدة حياة من دبّره، و لا يمتنع ان يسمّى هذا الصّلح على المنافع في هذا الموضع بيعا، فليلحظ ذلك.

و إذا دبّر الإنسان جاريته و هي حبلى، و هو عالم بذلك، فقد روى (2) انه يكون ما في بطنها كهيئتها، و بمنزلتها يكون مدبرا.

و الّذي يقتضيه مذهبنا، ان ما في بطنها لا يكون مدبّرا مثلها، لانه ما دبره، و التدبير حكم شرعيّ يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و لا يرجع في مثل هذا الى اخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا، و ان كان أورد ذلك شيخنا في نهايته (3) إيرادا لا اعتقادا، كما أورد أمثاله.

فان لم يعلم بحبلها، كان الولد رقا، و يكون التدبير ماضيا في الجارية.

فإن حملت بعد التدبير و ولدت أولادا، كان أولادها بمنزلتها مدبرين، على ما روى (4).

فمتى مات الّذي دبّر أمهم، صاروا أحرارا من الثلث، فان زاد ثمنهم على الثلث، استسعوا في الباقي، فإذا أدوا انعتقوا.

و قد روى (5) انه ليس للمولى ان ينقض تدبير الأولاد، و انما له نقض تدبير الام حسب.

____________

(1) الناصريات، كتاب البيوع مسألة 174.

(2) الوسائل: الباب 5 من أبواب التدبير الحديث 3.

(3) النهاية كتاب العتق باب التدبير.

(4) الوسائل الباب 5 من أبواب التدبير الحديث 2.

(5) الوسائل الباب 7 من أبواب التدبير الحديث 1.

33

و الّذي يقتضيه مذهبنا خلاف ذلك، لأنّ إجماع أصحابنا منعقد على ان التدبير بمنزلة الوصيّة، بل هو وصيّة، و لا خلاف بينهم في ان للإنسان ان يرجع في وصيّته ما دام حيّا ثابت العقل، و لا خلاف بينهم في ان الأولاد مدبرون، فكيف لا يرجع فيهم.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته، و إذا دبر عبده و عليه دين، فرارا به من الدين، ثمّ مات، كان التدبير باطلا، و بيع العبد في الدين، و ان دبر العبد في حال السّلامة ثمّ حصل عليه دين، و مات، لم يكن للديان على المدبر سبيل (1).

قال محمّد بن إدريس (رحمه الله) و هذا غير واضح، لانه لا خلاف بيننا أنّ التدبير بمنزلة الوصيّة يخرج من الثلث، و لا يصح الّا بعد قضاء الدّيون، فعلى هذا التحرير و التقرير يباع العبد في الدّين، و يبطل التدبير على كل حال، سواء دبره في حال السلامة، أو فرارا من الدّين، و انما هذا خبر واحد أورده إيرادا لا اعتقادا.

و المدبر متى حصل معه مال، جاز لمولاه التصرف فيه، كما ينصرف في ماله، فان باعه، جاز له ان يأخذ ماله.

و إذا أبق المدبر، بطل تدبيره، فان رزق في حال إباقه بكسر الألف مالا، و أولادا، ثمّ مات، و مات الذي دبره، كانوا رقا لورثته، و جميع ما خلفه من المال و الولد لورثة الذي دبره.

و قد روي (2) انه إذا جعل الإنسان خدمة عبده لغيره، و قال «متى مات من جعل له تلك الخدمة يكون حرا» كان ذلك صحيحا فمتى مات المجعول له ذلك، صار حرا، و ان أبق العبد و لم يرجع الّا بعد موت من جعل له خدمته، لم يكن لأحد عليه سبيل، و صار حرا.

و لا دليل على هذه الرّواية، و صحّتها، لأنها مخالفة لأصول مذهبنا، لأنّ التدبير في عرف الشريعة عتق العبد بعد موت مولاه، و المجعول له الخدمة غير مولاه، و أيضا لو كان التدبير صحيحا، لكان إذا أبق أبطل التدبير، لأنّ عندنا إباق المدبر يبطل

____________

(1) النهاية، كتاب العتق باب التدبير.

(2) الوسائل، الباب 11، من أبواب التدبير، الحديث 1.

34

التدبير، و في هذه الرواية انه ان أبق العبد و لم يرجع الّا بعد موت من جعل له خدمته، لم يكن لأحد عليه سبيل، و صار حرّا، و هذا مخالف لحقيقة التدبير، و أيضا فهذا حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و لا دليل على ذلك الّا هذه الرواية الشّاذة.

و قال شيخنا في نهايته، و المدبر لا يجوز ان يعتق في كفارة ظهار، و لا في شيء من الواجبات التي على الإنسان فيها العتق، ما لم ينقض تدبيره، فان نقض تدبيره و ردّه الى محض الرق، جاز له بعد ذلك عتقه فيما وجب عليه (1).

و قد قلنا ما عندنا في ذلك: من ان التصرف فيه و إخراجه عن ملكه، رجوع عن التدبير، و لا يحتاج الى قول «بأنّه قد نقض تدبيره».

و الى هذا يذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، فإنّه قال مسألة: إذا دبّره، ثمّ وهبه، كان هبته رجوعا في التدبير سواء أقبضه أو لم يقبضه. و قال الشّافعي ان أقبضه، مثل ما قلناه، و ان لم يقبضه فعلى ضربين، منهم من قال يكون رجوعا قولا واحدا، و منهم من قال على قولين، دليلنا ان الهبة إزالة الملك، و إذا أزال ملكه عنه، فقد نقض التدبير، كما لو باعه، هذا أخر كلام شيخنا أبي جعفر (رحمه الله) (2).

إذا كان عبد بين شريكين، فدبر أحدهما نصيبه، لم يقوم عليه نصيب شريكه.

و قال السيد المرتضى، حكم التدبير بين الشريكين، حكم العتق سواء، من التقويم و السعاية (3).

و الأول اختيار شيخنا أبي جعفر (4)، و هو الّذي يقوى في نفسي، لأنه لا دليل على التقويم، و الحاقه بحكم العتق يحتاج الى دليل، و هو ضرب من القياس، و نحن لا نقول به، و الأصل براءة الذّمة.

و التدبير بشرط لا يصحّ عندنا.

____________

(1) النهاية، كتاب العتق، باب التدبير، آخر الباب.

(2) الخلاف كتاب المدبر مسألة 16.

(3) الانتصار، كتاب التدبير مسألة 4، بهذا المضمون لا بهذه العبارة.

(4) في كتاب الخلاف، كتاب المدبّر، مسألة 16.

35

كتاب الأيمان

36

كتاب الايمان و النّذور و الكفارات

باب ماهية الأقسام و الايمان

لا يمين شرعيّة منعقدة عند أهل البيت (عليهم السلام)، الّا باللّه تعالى، أو بأسمائه أو صفاته، فان حلف به كان يمينا بكل حال، و الحلف به هو ان يقول «و مقلب القلوب، و الذي نفسي بيده» و متى حنث وجبت عليه الكفارة.

فامّا الحلف بأسمائه، فاسماؤه على ثلاثة أضرب، اسم لا يشاركه غيره فيه، و اسم يشاركه فيه غيره، و لكن إطلاقه ينصرف اليه، و اسم يشاركه فيه غيره، و إطلاقه لا ينصرف اليه.

فاما مالا يشاركه فيه غيره، فإنه يكون يمينا بكل حال، كقوله «و اللّٰه» فإنه يبدأ به، و يعطف عليه غيره فيقول «و اللّٰه الرّحمن الرحيم، الطّالب الغالب» و كذلك «الرحمن» له خاصّة و هكذا «الأول الذي ليس كمثله شيء» كل هذا لا يصلح لغيره بوجه، و الحكم فيه كما لو حلف به و قد مضى.

الثاني ما يشاركه فيه غيره، و إطلاقه ينصرف اليه، كالرّب، و الرازق، و الخالق، يقال ربّ العالمين، و ربّ الدّار لغيره، و رازق الخلق، و رازق الجند لغيره، و خالق الأشياء له، و خالق الافك لغيره، و ما كان من هذا فإطلاقه ينصرف إليه، فإن أطلق، أو أراد يمينا، كان يمينا، و ان لم يرد يمينا، فيقيّد بالنيّة، أو بالنطق، و أراد غير اللّٰه بذلك، لم يكن يمينا.

الثالث ما يشاركه فيه غيره، و إطلاقه لا ينصرف اليه، كالموجود، و الحيّ الناطق، و نحو هذا، كل هذا لا يكون يمينا بوجه، و ان أرادها و قصدها، لانّه مشترك لا ينصرف إطلاقه اليه، فإذا كان كذلك، لم يكن له في نفسه حرمة.

37

فاما الكلام في صفاته، فصفاته ضربان، صفات ذات، و صفات فعل، فصفات ذاته، مثل قوله «و عظمة اللّٰه، و جلال اللّٰه، و قدرة اللّٰه، و علم اللّٰه، و كبرياء اللّٰه، و عزّة اللّٰه» فإنّه ان قصد به المعنى الّذي يكون به عالما، و قادرا على ما يذهب إليه الأشعري، لم يكن يمينا باللّه، و ان قصد به كونه عالما و قادرا. كان يمينا، فان ذلك قد يعبّر به عن كونه عالما و قادرا.

إذا قال لعمر اللّٰه، روى (1) أصحابنا انه يكون يمينا.

فعلى هذا لا يمين منعقدة بشيء من المخلوقات و المحدثات، و كل مقسوم به ما عداه تعالى، و أسماؤه الحسنى، و صفات ذاته على المعنى الذي حرّرناه و شرحناه، فمن حلف بغير ذلك لا تنعقد يمينه، و كان مخطئا، مثل قوله «و حق اللّٰه، و القرآن، و المصحف، و الكعبة، و أنبياء اللّٰه، و أئمته (عليهم السلام)» كل ذلك لا ينعقد به اليمين، لأنّ الحالف بغير اللّٰه تعالى، عاص بمخالفة المشروع من كيفية اليمين، و إذا كان انعقاد اليمين و لزوم الكفّارة بالحنث حكما شرعيا، لم يثبت بالمعصية، و أيضا الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج الى دليل.

و اليمين المنعقدة الموجبة للكفّارة بالحنث، هي ان يحلف العاقل المالك لاختياره، ان لا يفعل في المستقبل قبيحا أو مباحا لا ضرر عليه في تركه، أو ان يفعل طاعة أو مباحا لا يترجح فعله على تركه، مع عقد اليمين بالنيّة، و إطلاقها من الاشتراط بالمشيّة، فيخالف ما عقد اليمين عليه، مع العمد و الاختيار، لانه لا خلاف في انعقاد اليمين في الموضع الذي ذكرناه، و ليس على انعقادها فيما سواه دليل.

و يختصّ النية قوله تعالى «لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ» (2) و عقد اليمين لا يكون إلّا بالنيّة.

و يحتج على المخالف في سقوط الكفارة بالسّهو و الإكراه، بقوله (عليه السلام) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه» (3) و اليمين الّتي لا تنعقد، و لا

____________

(1) الوسائل، الباب 30 من أبواب الايمان الحديث 4.

(2) سورة البقرة: الآية 225.

(3) الوسائل، الباب 56 من أبواب جهاد النفس لكن ما في الباب من الاخبار رفع عن أمتي تسعة أشياء الخطاء و النسيان و ما أكرهوا عليه إلخ. أو قريب من هذه العبارة امّا في كتب العامة ففي سنن البيهقي الباب 32 من كتاب الخلع و الطلاق الحديث 2 ج 7(ص)357 عن عقبة بن عامر قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) وضع اللّٰه عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه، و كذلك في سنن ابن ماجة الباب 16 من كتاب الطلاق الحديث 3، ج 1،(ص)659.

38

كفارة فيها، ما عدا ما ذكرناه، مثل ان يحلف الإنسان على ماض هو كاذب فيه، أو يقول: «لا و اللّٰه، و بلى و اللّٰه» من غير ان يعقد ذلك بنية، و هذه يمين اللغو، أو يحلف ان يفعل أو يترك ما يكون خلافه طاعة للّٰه تعالى واجبة، أو مندوبا إليها، أو يكون أصلح له في دينه أو دنياه.

و يحتج على المخالف، في هذا، بقوله (عليه السلام) «من حلف على شيء، فرأى ما هو خير منه، فليأت الذي هو خير» (1) و تركه كفارتها.

و يخصّ اليمين على المعصية، انّ معنى انعقاد اليمين، ان يجب على الحالف ان يفعل أو يترك ما علق اليمين به، و هذا لا يصحّ في المعصية، لأنّ الواجب تركها.

و ليس لأحد ان يقول معنى انعقاد اليمين لزوم الكفارة بالمخالفة، لأنّ ذلك تابع لانعقاد اليمين، و موجب عنه، و كيف يفسّر الانعقاد به.

و كفارة اليمين، عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات.

و الكسوة اختلف قول أصحابنا في ذلك على حسب اختلاف الاخبار، فبعض ذهب الى ثوبين، و بعض ذهب الى ثوب واحد، و هو الأظهر، للظاهر، و سواء كان غسيلا، أو جديدا، قميصا أو مئزرا، أو سراويلا، و لا يجزى قلنسوة و لا خف.

و الإطعام شبع المسكين مما يقتاته الحالف، لا يجزى غيره، الّا ان يكون أعلى منه، لقوله تعالى «مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» (2) أوان يسلم اليه، مدّا، و قدره

____________

(1) سنن ابن ماجة الباب 7، من كتاب الكفارات، الحديث 2، ج 1،(ص)681، و الحديث هكذا عن عدي بن حاتم قال قال رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) من حلف على يمن فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير و ليكفر عن يمينه و رواه البيهقي عن عدي و عن أبي موسى الأشعري و عن أبي هريرة.

كتاب الايمان الباب 6 الحديث 2 و 4 و 5، ج 10(ص)31 و 32 و روى أيضا مثله في الكتابين.

(2) سورة المائدة: الآية 89.

39

رطلان و ربع بالبغدادي على الأظهر من الأقوال، و ذهب بعض أصحابنا إلى المدين، و اضافة الأدم الى ذلك غير واجب، بل هو مستحب على ما رواه (1) أصحابنا، أعلاه اللّحم، و أوسطه الزيت و الخل، و أدونه الملح.

و مصرفها مصرف زكاة الأموال، و مستحقها مستحقها، لا يجزى غير ذلك.

و العبد كفّارة يمينه، الصيام، الأيام الثلاثة فحسب، لانه غير مخاطب بما يوجب المال.

و لا كفارة قبل الحنث.

و لا يمين لولد مع والده، و لا لعبد مع سيّده، و لا للمرأة مع زوجها، فيما يكرهونه من المباح، فمتى حلف واحد منهم على شيء ممّا ليس بواجب و لا قبيح، جاز للأب حمل الولد على خلافه، و ساغ للزوج حمل زوجته على خلاف ما حلفت عليه، و كذلك العبد، و لا يلزم واحدا منهم كفارة على ذلك.

و لا يجوز اليمين بالبراءة من اللّٰه، أو من رسوله، أو واحد من الأئمّة (عليهم السلام)، فان فعل اثم، و لزمه ان خالف ما علق البراءة به، كفارة ظهار، على قول بعض أصحابنا، و هو اختيار شيخنا المفيد في مقنعته (2)، و شيخنا أبي جعفر في نهايته (3).

الّا ان شيخنا أبا جعفر، رجع عن ذلك في مبسوطة، فقال إذا قال انا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو برئت من اللّٰه أو من القرآن، أو من الإسلام، لا فعلت كذا، ففعل، لم يكن يمينا، و لا يحنث بخلافه، و لا يلزمه كفارة، و فيه خلاف. هذا آخر كلام شيخنا أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) (4).

و قال أيضا في مسائل خلافه مسألة إذا قال انا يهودي، أو نصراني، أو مجوسي،

____________

(1) الوسائل، الباب 14، من أبواب الكفارات، الحديث 3.

(2) المقنعة، باب الايمان و الأقسام آخر الباب،(ص)731.

(3) النهاية، كتاب الايمان و النذور و الكفارة باب ماهية الايمان و الأقسام لكنه قال فيه و لا يجوز ان يحلف الإنسان بالبراءة من اللّٰه و لا من كتابه و لا من نبيه و لا من شريعة نبيه و لا من واحد من الأئمة (عليهم السلام) و ما أضاف بعد هذا فان فعل اثم و لزمه ان خالف ما علق البراءة به كفارة ظهار.

(4) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان،(ص)194.

40

أو برئت من الإسلام، أو من اللّٰه، أو من القرآن لا فعلت كذا، ففعل لم يكن يمينا، و لا المخالفة حنث، و لا يجب به كفارة، ثمّ قال: دليلنا إجماع الفرقة و اخبارهم، و أيضا الأصل براءة الذّمة و تعليق الكفارة عليها يحتاج الى دليل (1).

و ما ذكره في مبسوطة و مسائل خلافه، هو الّذي يقوى في نفسي، و اليه اذهب، و به افتى، لأنّا قد بيّنا انه لا يمين الّا باللّه تعالى، و بأسمائه و بصفاته، و هذا ليس كذلك، و أيضا الأصل براءة الذّمة، و شغلها بالكفارة و الانعقاد يحتاج الى دليل، و أيضا انعقاد اليمين حكم شرعي، يحتاج في ثبوته الى دليل شرعي، و لا يرجع في ذلك الى اخبار آحاد لا توجب علما و لا عملا، و الإجماع فغير منعقد عليه، و كتاب اللّٰه تعالى خال من ذلك.

و قول الرجل «يا هناه، و لا بل شانئك» من قول أهل الجاهلية، لا ينعقد بذلك يمين.

قال محمد بن إدريس (رحمه الله) معنى «لا بل شانئك» اى لا أب لشانئك.

فاختصروا ذلك على عادتهم في الاختصار و الحذف، فقالوا «لا بل شانيك».

قال ابن درستويه النحوي: قد يلهج بالكلمة الشّاذة عن القياس، البعيدة من الصواب، حتّى لا يتكلموا بغيرها، و يدعوا القياس المطرد المختار، و لا يجب ان يقال مع ذلك هذا أفصح من المتروك، من ذلك «أيش صنعت» يريدون «أيّ شيء صنعت» و «لا بل شانئك» اى لا أب لشانئك، و «لا تبك» اى لا تباك، هذا آخر كلام ابن درستويه.

فدل ذلك على ما قلناه في «لا بل شانئك» و ما حدانا على تحقيق هذا الّا إيراد شيخنا أبي جعفر ذلك في نهايته (2)، مطلقا من غير بيان له.

و إذا قال الإنسان أقسمت، أو حلفت، لم يكن ذلك يمينا، حتى يقول حلفت باللّه، أقسمت باللّه.

و سائر أصناف الكفّار، لا يحلفون الّا باللّه تعالى، و بأسمائه، فإن علم الامام

____________

(1) الخلاف، كتاب الايمان، مسألة 4.

(2) النهاية، كتاب الايمان و النذور ..

41

أو الحاكم انّ استحلافهم بالتوراة و الإنجيل، أو بشيء من كتبهم أردع لهم في بعض الأحوال، جاز له ان يحلفهم به.

و لا يقع اليمين بالطلاق، و لا بالعتاق، و لا بالظّهار، و لا بتحريم الرّجل امرأته على نفسه.

و لا تنعقد اليمين إلّا بالنيّة، و الضمير، على ما قدمناه، و النيّة إنما تراعى فيها نية المظلوم، دون الظالم، فهذا معنى قول شيخنا في نهايته «و النية إنما تراعى فيها نية المستحلف» إذا كان محقا، و إذا كان مبطلا، كانت النية نية الحالف (1). و يمين المكره، و الغضبان، و السّكران غير منعقدة، الّا ان يكون في شيء من هذه الأحوال مالكا فيها نفسه، لأنا قد بيّنا ان اليمين لا تنعقد إلّا بالنية و الضمير.

و الاستثناء في اليمين جائز إذا كان متصلا باليمين، أو حكم المتصل، بان ينقطع النفس، فان لم يتصل فلا تأثير له، فإذا استثنى فإنما يعمل إذا كان موصولا، و لا يعمل مفصولا، و ينبغي ان يأتي به نسقا، من غير قطع الكلام، أو يأتي به في معنى الموصول، و هو ان يكون الكلام انقطع لانقطاع نفس، أو صوت، أو عيّ فمتى اتى به على هذا صح، و ان فصل بينه و بين اليمين فصلا طويلا، ثمّ استثنى، أو حين فرغ من اليمين تشاغل بحديث أخر، سقط الاستثناء.

فإذا ثبت انه لا يصحّ الّا موصولا فإنّما يصح قولا و نطقا، و لا يصح اعتقادا و نية، فإذا اتى به نطقا، فإنما يصح إذا قصد به الاستثناء، و نواه، و اعتقده، فامّا إذا لم يكن كذلك فلا يصح.

و يصح الاستثناء في اليمين نفيا كانت أو إثباتا، فالنفي أن يقول «و اللّٰه لا كلّمت زيدا ان شاء اللّٰه» و الإثبات «و اللّٰه لاكلّمنّ زيدا اليوم إن شاء اللّٰه تعالى» فإذا استثنى سقط حكمها، و لم يحنث بالمخالفة، و لسنا نقول الاستثناء يرفع ما حلف به، لكنها قد وقعت و منع من الاعتقاد (2).

و لا يدخل الاستثناء إلّا في اليمين فحسب.

____________

(1) النهاية، كتاب الايمان و النذور ..

(2) ج. ل. من الانعقاد.

42

و قال شيخنا أبو جعفر في مبسوطة، و يدخل أيضا في الطلاق، كقوله أنت طالق ان شاء اللّٰه. و يدخل أيضا في العتق و النذور و في الإقرار (1).

الّا انه رجع عنه في مسائل خلافه، في كتاب الايمان، و قال لا يدخل في غير اليمين باللّه تعالى (2) و هذا الصحيح الذي لا خلاف فيه بين أصحابنا، و الذي اختاره (رحمه الله) في مبسوطة، و في مسائل خلافه، في كتاب الطّلاق (3)، مذهب بعض المخالفين.

و لا يجوز لأحد ان يحلف الّا على ما يعلمه، فإذا علمه جاز ان يحلف عليه، قليلا كان أو كثيرا، لأنّه مأذون له في ذلك، الّا انّه يستحب ان يتجنب اليمين على القليل، و ان كان مظلوما ما لم يضر به ذلك.

و إذا حلف الإنسان غيره على مال له، وجب عليه الرضا بيمينه، و ليس له ان يحاكمه بعد ذلك على ما حلفه عليه.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و ليس له ان يأخذ من ماله شيئا، و ان جاء الحالف تائبا مقلعا، و أعطاه المال الذي حلف عليه جاز له قبضه، و ان جاء بالمال و معه ربحه، فليأخذ رأس المال و نصف الربح، و يعطيه النّصف الآخر، و ان كان له المال عنده، فغصبه عليه، و جحده، غير انه لم يحلفه، ثمّ ظفر بشيء من ماله، جاز له انّ يأخذ منه القدر الّذي له، من غير زيادة عليه، و ان كان المال الّذي ظفر به وديعة عنده، لم يجز له جحده، و لا يدخل في مثل ما دخل معه، فيه (4).

و الذي نقول في هذا كله، انه يجوز له ان يأخذ بمقدار ماله، فيما بينه و بين اللّٰه تعالى، سواء حلفه أو لم يحلفه، و سواء كان المال المجحود غصبه منه، أو لم يغصبه، و سواء كان ما ظفر له به وديعة، أو غير وديعة، لأنّه لا دليل على المنع من ذلك، من

____________

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان،(ص)200.

(2) الخلاف، كتاب الايمان، مسألة 26، و العبارة هكذا، لا يدخل الاستثناء بمشية اللّٰه الّا في اليمين فحسب.

(3) المبسوط، ج 5، كتاب الطلاق، فصل في ذكر القرائن و الصلات ..،(ص)32.

(4) النهاية، كتاب الايمان و النذور ..

43

كتاب، و لا سنّة مقطوع بها، و لا إجماع منعقد، فلا يجوز تضييع المال، لأنّ الرسول (عليه السلام)، نهى عن قيل و قال و إضاعة المال (1)، فامّا الربح المذكور، و أخذ نصفه فلا وجه له، الّا ان يكون المال المجحود مضاربة، و كان الربح قبل الجحود و المطالبة و الحكومة، فحينئذ يصح ما ذكره (رحمه الله).

و من كان عنده وديعة لمؤمن، فطالبه بها ظالم، فلينكرها، فإذا استحلفه على ذلك، فليحلف، و يورّى في نفسه ما يخرجه من كونه كاذبا، و ليس عليه كفّارة، بل له فيه أجر كبير.

و هذه من جملة الإيمان التي يؤجر الحالف عليها، لأنّها اربع، هذه إحداها.

و الثانية لا يؤجر عليها و لا يعاقب، و وجودها كعدمها، و هي ان يسبق لسانه إلى شيء، و يريد خلافه من غير نيّة له، و هذه لغو اليمين.

و الثالثة يأثم و يعاقب عليها، و لا كفّارة فيها، و هي اليمين على الماضي في اقتطاع مال الإنسان، و هي اليمين الغموس، لأنها تغمس الحالف في الإثم، فلأجل ذلك سميت يمين الغموس.

و الرّابعة من الايمان هي التي تجب فيها الكفّارة، فهو ان يحلف الإنسان ان لا يخل بواجب، أو لا يفعل قبيحا، فمتى أخل بما وجب عليه، أو ارتكب قبيحا، وجب عليه فيه الكفّارة.

و متى حلف أيضا ان يفعل ما قد وجب عليه فعله أو ما الأولى به فعله في دينه أو دنياه ثمّ لم يفعل ما وجب، أو أخل بما الاولى به فعله، كان عليه الكفارة.

و من حلف أيضا ان يفعل فعلا من الأفعال كان فعله و تركه على حد واحد، و لم يكن لأحدهما مزية على الآخر، فمتى لم يفعله كان عليه الكفّارة.

و كذلك ان حلف ان لا يفعل فعلا كان فعله مثل تركه، فمتى فعله وجبت عليه

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، الباب 22، و الجزء 23،(ص)3، بإسناده عن المغيرة في حديث، انه (صلّى اللّٰه عليه و آله)، كان ينهى عن قيل و قال، و كثرة السؤال و إضاعة المال.

و في الوسائل، الباب 6، من كتاب الوديعة، الحديث 2،(ص)231، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ان اللّٰه نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السؤال.

44

الكفّارة.

و جملة الأمر، و عقد الباب انّ ما فيه الكفارة، فهو ان يحلف على ان يفعل أو يترك، و كان الوفاء به امّا واجبا أو ندبا، أو كان فعله و تركه سواء، فمتى خالف، كان عليه الكفّارة.

و متى حلف الإنسان على شيء يدفع به أذى عن نفسه، أو عن مؤمن كان له فيه أجر (1) و لم يكن عليه في ذلك كفّارة.

و السّلطان الجائر إذا استحلف أعوانه على ظلم المسلمين، فحلفوا له، لم يجز لهم الوفاء به، بل يجب عليهم ترك الظّلم، و لا كفارة عليهم.

و من كان عليه دين لا يجد إلى قضائه سبيلا لإعساره، فقدمه صاحب الدّين الى حاكم، يعلم انّه متى أقر عنده حبسه، و أضرّ به و بأهله، جاز له جحده، و الحلف عليه، بعد ان ينوي قضاؤه عند التمكن منه، و يورّى في يمينه، و لا اثم عليه، و معنى التورية انّه يبطن بخلاف ما يظهر إذا حلف، بان يقول: «و اللّٰه مالك عندي شيء» و يبطن في ضميره «تستحق المطالبة به الآن» و هو صادق في ذلك لأنه ليس له المطالبة به الآن، لقوله تعالى «وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» (2).

و لا يجوز لصاحب الدين ان يعرضه لليمين، مع علمه بإعساره، و لا يحل له حبسه مع إحاطة علمه بعجزه، فان حبسه حينئذ كان مأثوما.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته، و من وهب له أحد و الدية شيئا، ثمّ مات الواهب، و طالبه الورثة بذلك الشيء، جاز له ان يحلف انّه كان اشتراه، و اعطى ثمنه، و لم يكن عليه كفّارة و لا اثم (3).

قال محمّد بن إدريس (رحمه الله) هذا غير واضح. امّا إذا طالبه الورثة بذلك الشيء، فأقرّ لهم به، أو قامت لهم بيّنة بأنّه للميّت، فلهم انتزاعه و عوده تركة، فان ادعى انه اشتراه من والده، فقوله غير مقبول، و القول قول الورثة، الّا ان يردوا عليه

____________

(1) ج. ل. كان له فيه أجر كبير.

(2) سورة البقرة، الآية 280.

(3) النهاية، كتاب الايمان و النذور، باب أقسام الايمان.

45

اليمين، لأنّ اليمين في جنبتهم، و لا يجوز له ان يدعى انّه اشتراه، و لا ان يحلف انّه اشتراه، فان حلف على ذلك، كان كاذبا، معاقبا على كذبه، و انّما إن ادّعى انّه له، و رضى الورثة بيمينه، فيجوز حينئذ ان يحلف انّه له، و لا يكون كاذبا في يمينه، بل يكون صادقا، و انما هذا خبر واحد، أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا.

و من حلف على إنسان ليأكل معه، أو يجلس معه، أو يمشى، فلم يفعل، لم يجب عليه الكفّارة لأنّه حلف على فعل الغير.

و من حلف أن لا يشترى لأهله شيئا بنفسه، و كان شراؤه صلاحا له في دينه أو دنياه، فليشتره، و لا كفّارة عليه.

و من حلف لزوجته ان لا يتزوج عليها، و لا يتسرى، لا في حياتها، و لا بعد وفاتها، جاز له ان يتزوّج و يتسرى، و لا كفارة عليه في ذلك، و لا اثم.

و من حلف بأن عبيده أحرار، خوفا من ظالم، لم ينعتقوا بذلك، و لم يكن عليه كفارة.

و إذا حلفت المرأة إلّا تخرج الى بلد زوجها، ثم احتاجت الى الخروج، فلتخرج، و لا كفارة عليها، و كذلك إذا أمرها بالخروج و ان لم تحتج الى الخروج، فلتخرج معه، و يجب عليها امتثال امره، و لا كفارة عليها في ذلك و لا اثم.

و من كان عليه دين، فحلّفه صاحبه ان لا يخرج من البلد إلّا بإذنه، لم يجز له الخروج الّا بعد إعلامه، الّا ان يخاف ان أعلمه منعه من ذلك، و كان عليه في المقام ضرر و على عياله، فإنه يجوز له الخروج و لا كفارة عليه و لا اثم.

و من حلف ان يؤدّب غلامه بالضرب، جاز له تركه، و لا يلزمه الكفّارة، لقوله تعالى «وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوىٰ» (1).

و من حلف ان لا يشرب لبن عنز له، و لا يأكل من لحمها، و ليس به حاجة الى ذلك، لم يجز له شرب لبنها و لا لبن أولادها، و لا أكل لحومهن، فإن أكل أو شرب، مع ارتفاع الحاجة، كانت عليه الكفارة، و ان كان شرب ذلك لحاجة به لم يكن

____________

(1) سورة البقرة، الآية 237.

46

عليه شيء، هكذا أورده شيخنا في نهايته (1).

قال محمّد بن إدريس (رحمه الله)، اما شرب لبن العنز، و أكل لحمها، فان كان الشرب أو الأكل تركه اولى من فعله في دينه أو دنياه، فهو على ما قال (رحمه الله)، و ان كان فعل الأكل أو الشرب أولى في دينه أو دنياه، فليفعل ذلك و لا كفّارة عليه و لا آثم، لانّه لا خلاف بيننا في ان من حلف على شيء، و رأى خلافه خيرا له في دينه أو دنياه، فليأت الّذي هو خير له و لا كفّارة عليه، فامّا شرب لبن أولادها، أو أكل لحومهن، فلا بأس بذلك على كل حال، لان اليمين تعلقت بعين العنز، دون أولادها، و انما ذلك خبر واحد، أورده إيرادا لا اعتقادا فهذا تحرير الفتيا.

و من أودع عند إنسان مالا، و ذكر انه لإنسان بعينه، ثمّ مات فجاء ورثته يطالبونه بالوديعة، جاز له ان يحلف بان ليس له عنده شيء و يوصل الوديعة إلى صاحبها الذي أقرّ المودع بأنها له، سواء كان المودع ثقة أو غير ثقة، لأنّ إقرار العقلاء جائز على نفوسهم، سواء كانوا أتقياء أو غير أتقياء.

و ذكر شيخنا أبو جعفر في نهايته، بأنه ان كان الموصي (2) ثقة عنده، جاز له ان يحلف بأن ليس له عنده شيء، و يوصل الوديعة إلى صاحبها، و ان لم يكن ثقة عنده، وجب عليه ان يرد الوديعة على ورثته (3).

و هذا خبر واحد، أورده رضى اللّٰه عنه إيرادا كما أورد أمثاله ممّا لا يعمل عليه و من حلف ان لا يمس جارية غيره ابدا، ثم ملكها بعد ذلك، جاز له وطؤها، لأنّه إنّما حلف الّا يمسّها حراما، فإذا ملكها فقد زال عنه ذلك.

و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته و إذا قال الرجل أنا يهوديّ أو مجوسيّ أو مشرك أو كافر، و ايمان البيعة و الكنيسة تلزمني، فإنّ كلّ ذلك باطل، و يستحق قائله به الإثم، و لم يلزمه حكم اليمين (4). قال محمد بن إدريس (رحمه الله)، ايمان البيعة، بفتح

____________

(1) النهاية، كتاب الايمان و النذور، باب أقسام الايمان.

(2) كذا في النسخ الّا انّ في نسخة الأصل عن خط المصنف «الوصي» و هو غير ظاهر.

(3) النهاية، كتاب الايمان و النذور، باب أقسام الايمان.

(4) النهاية، كتاب الايمان و النذور ..

47

الباء و هي اما حقيقة البيعة، التي كانت على عهد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) من المصافحة، و بعده الى أيّام الحجاج، أو ما حدث في أيّام الحجاج، من اليمين بالطلاق و العتق و غير ذلك، سواء صرّح بذلك أو نواه، و على كل حال فلا يظن ظانّ انّها بكسر الباء، و انها بيعة النصارى، و انما يشتبه ذلك على كثير من النّاس، لانضمام الكنيسة إليها، و ذلك غلط و وهم عظيم.

فاما الكنيسة لم يوردها أحد من أصحابنا في كتاب له، و لا ورد بذلك خبر في كتب الاخبار، و شيخنا مصنف النهاية لم يوردها في غير النهاية من سائر كتبه، لا كتبه الأخباريّة و لا غيرها، و لا أدرى الى اى شيء انسب ذلك، لانه لا ايمان للبيعة و الكنيسة، و لا فيهما ايمان يحلف بها.

و قال (رحمه الله) في مسائل خلافه في الجزء الثالث، في آخر كتاب النذور، مسألة إذا قال أيمان البيعة لازمة لي، أو حلف بإيمان البيعة لا دخلت الدّار، لم يلزمه شيئا، و لم يكن يمينا، سواء عنى بذلك حقيقة البيعة التي كانت على عهد رسول اللّٰه (صلّى اللّٰه عليه و آله) من المصافحة، و بعده الى أيام الحجاج، أو ما حدث في أيام الحجاج من اليمين بالطلاق و العتق و غير ذلك، سواء صرّح بذلك أو نواه و على كل حال، و قال الشّافعي ان لم ينو شيئا كان لاغيا، و ان نوى ايمان الحجاج، و نطق فقال أيمان البيعة لازمة لي بطلاقها و عتقها، انعقدت يمينه، لانه حلف بالطلاق، فان لم ينطق بذلك، و نوى الطلاق و العتق، انعقدت يمينه أيضا، لأنّها كناية عن الطلاق و العتق، دليلنا ان الأصل براءة الذمة، و انعقاد ذلك يحتاج الى دليل، و عليه إجماع الفرقة، فإنهم مجمعون على ان اليمين بالطلاق و العتاق باطلة، فهذا لو كان صريحا بها لبطل بما قلناه هذا آخر كلامه (رحمه الله) (1). فدل ذلك انّه ما أراد في نهايته بيعة النصارى، و في نهايته أورد الكنيسة.

إذا حلف و اللّٰه لا أكلت طيبا، و لا لبست ناعما، كانت هذه يمين مكروهة (2)، و المقام عليها مكروه، و حلها طاعة، لقوله تعالى

____________

(1) الخلاف، كتاب النذور، مسألة 19.

(2) ج. ل. يمينا مكروهة.

48

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُحَرِّمُوا طَيِّبٰاتِ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكُمْ» (1) ثم قال تعالى «وَ كُلُوا مِمّٰا رَزَقَكُمُ اللّٰهُ حَلٰالًا طَيِّباً» (2) ثم قال تعالى «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ» (3) و قال تعالى «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مٰا أَحَلَّ اللّٰهُ لَكَ» (4).

لا تنعقد يمين الكافر باللّه، و لا يجب عليه الكفارة بالحنث، و لا يصح منه التكفير بوجه.

إذا قال «و حق اللّٰه» لا يكون يمينا، قصد أو لم يقصد.

إذا قال اللّٰه بكسر الهاء، بلا حرف قسم لا يكون يمينا إذا قال اشهد باللّه، لا يكون يمينا.

إذا قال اعزم باللّه لا يكون يمينا.

إذا قال أسألك باللّه، أو أقسم عليك باللّه، لا يكون يمينا.

إذا حلف لا اتحلى أو لا ألبس الحلي، فلبس الخاتم، حنث.

إذا حلفت المرأة لا لبست حليا، فلبست الجوهر وحده، حنثت، قال اللّٰه تعالى «وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهٰا» (5) و معلوم ان الذي يخرج منه هو اللؤلؤ و المرجان.

إذا كان في دار فحلف لا سكنت هذه الدّار، فأقام عقيب يمينه مدة يمكنه الخروج منها، فلم يفعل، حنث، لان اليمين إذا علقت بالفعل، تعلقت بأقل ما يقع عليه الاسم من ذلك، كرجل حلف لا دخلت الدّار، حنث بأقل ما يقع عليه الدخول، و هو إذا عبر العتبة.

إذا كان في دار فحلف لأدخلها، لم يحنث باستدامة قعوده فيها.

إذا حلف لا دخلت بيتا، فدخل بيتا من شعر أو وبر، أو بيتا مبنيا من حجر، أو مدر، فإنه يحنث.

إذا قال و اللّٰه لا دخلت على زيد بيتا، فدخل عليه و هو في الكعبة، فإنه يحنث، لان اللّٰه تعالى سماه بيتا فبعرف الشرع يسمّى بيتا، و ان كان بعرف الاستعمال

____________

(1) سورة المائدة، الآية 87.

(2) سورة المائدة، الآية 88.

(3) سورة الأعراف، الآية 32.

(4) سورة التحريم، الآية 1.

(5) سورة النمل، الآية 14.

49

و العادة لا يسمى بيتا، فإذا طرأ عرف الشرع على عرف اللغة أو الاستعمال، كان الحكم له، و المرجع اليه، دون العرفين، بغير خلاف من محصل لأصول الفقه.

و قال شيخنا في مبسوطة، لا يحنث لأنّ البيت ما يكون للإيواء و السكنى (1).

ثمّ قال في موضع آخر من تصنيفه، في مسائل خلافه، إذا حلف لا يأكل لحما، فأكل لحم السمك، حنث، ثمّ قال دليلنا ان اسم اللحم يطلق عليه، قال اللّٰه تعالى «وَ مِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا» (2) و قال «وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا» (3) فإذا كان اسم اللّحم ينطلق عليه، وجب ان يطلق الأيمان عليه، هذا آخر كلامه (4).

قال محمّد بن إدريس (رحمه الله) العرف الشرعي و هو القرآن، هو الّذي سمّاه لحما، و ان كان في عرف الاستعمال و العادة لا يسمّى لحما، فلزمه في البيت و الكعبة ما الزم خصمه من الاستشهاد بالقرآن، و تحنيث من دخل الكعبة في المسألة الأولى، إذ هما سواء.

إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد، فاشترى زيد و عمرو طعاما صفقة واحدة، فأكل منه، لم يحنث عندنا إذا اقتسما هذا الطّعام، و أفرد كل واحد منهما نصيبه، فإن أكل من نصيب زيد أو نصيب عمرو لم يحنث.

إذا حلف لا يلبس ثوبا من عمل يد فلان، فوهب له فلان ثوبا، فان لبسه حنث بلا خلاف، و ان استبدل به، و باعه، و بادل به، و لبسه لم يحنث إذا حلف لا يدخل دار زيد، فان دخلها و هي ملك لزيد، حنث بلا خلاف، و ان كان ساكنها بأجرة، لم يحنث، لأن حقيقة هذه الإضافة تقيد الملك، و انّما يستعمل في السكنى مجازا، و ظواهر الأسماء يجب حملها على الحقيقة، و الدّليل على ان حقيقة ذلك ما قلناه، انه لو قال هذه الدار لزيد، كان ذلك اعترافا بالملك، و لو قال

____________

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان،(ص)249، و العبارة هكذا، «لان البيت إذا أطلق يتناول ما بنى للإيواء و السكنى».

(2) سورة فاطر، الآية 12.

(3) سورة النحل، الآية 14.

(4) الخلاف، كتاب الايمان، مسألة 73.

50

أردت أن يسكنها بأجرة لم يقبل منه.

إذا حلف لا دخلت دار زيد، أو حلف لا كلمت زيدا، فكلمه ناسيا، أو جاهلا بأنه هو زيد، أو مكرها، أو دخل الدار ناسيا، أو مكرها، أو جاهلا، لم يحنث، لأن الأصل براءة الذمة، و شغلها يحتاج الى دليل، و أيضا قوله (عليه السلام) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه» (1)، و ذلك عام في جميع الأشياء إلّا ما خرج بالدليل.

إذا حلف لا دخلت على زيد بيتا، فدخل على عمرو بيتا و زيد فيه، و هو لا يعلم بكون زيد فيه، فإنه لا يحنث.

إذا دخل على عمرو بيتا و زيد فيه، و استثناه بقلبه، كأنه قصد الدخول على عمرو دون زيد، لم يصح.

و ان حلف لا كلم زيدا، فسلم على جماعة فيهم زيد، و استثناه بقلبه، لم يحنث.

إذا دخل عليه عمرو بيتا، فاستدام زيد القعود معه لا يحنث.

إذا قال الخليفة أو الملك و اللّٰه لا ضربت عبدي، ثم أمر به فضربه، لم يحنث.

إذا قال الخليفة و اللّٰه لا تزوجت، و لا بعت، فوكل فيهما، لم يحنث.

إذا حلف لا لبست هذين الثوبين، أو لا أكلت هذين الرغيفين، فأكل أحدهما لم يحنث.

إذا حلف لا يأكل الرءوس، فأكل رءوس الغنم و الإبل و البقر، حنث، و لا يحنث بأكل رءوس العصافير، و الطّيور، و الحيتان، و الجراد.

و قال بعض الفقهاء لا يحنث إلّا بأكل رءوس الغنم فحسب، و هو قوى لعرف العادة، هذا إذا لم يكن له نيّة، فاما إذا كان له نية، حنث و برّ على نيته، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر (رحمه الله) في مبسوطة (2)، و هو فروع المخالفين و تخريجاتهم.

و الذي يقتضيه أصولنا، أنه يحنث بأكل جميع الرءوس، لأنّ ذلك هو الحقيقة،

____________

(1) الوسائل، الباب 56 من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه.

(2) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان،(ص)238- 239، في العبارة تغيير و تقطيع.

51

فلا يعدل عنها الى المجاز، لأنا ننظر الى مخرج اليمين، و يحنث صاحبها و يبر على مخرجها و حقائقها، دون أسبابها، و معانيها، و مجازاتها، و فحوى خطابها، و لهذا إذا حلف الإنسان لا ضرب عبده، أولا اشترى شيئا، فأمر بضربة أو شراء ذلك الشّيء، فإنه لا يحنث، لأن الإيمان تتعلق بحقائق الأسماء و الافعال، لا بمجازاتها و معانيها.

و كذا إذا حلف إنسان على إنسان آخر و قد عدد انعامه عليه، فقال له في جواب ذلك و اللّٰه لا شربت لك ماء من عطش، فانتفع بغير الماء و أكل الخبر، و لبس الثياب، لا يحنث، لأنّ يمينه تعلقت بشرب الماء فحسب، و هو الحقيقة، و ما عدا ذلك مجاز و فحوى خطاب، و لأن الأصل براءة الذّمة من الواجبات و المندوبات، الّا ما أوجبه دليل قاطع للأعذار، فليلحظ ذلك و يتأمّل حق التأمّل.

إذا حلف لا يأكل البيض، انطلق على كل بيض يزايل بائضه، و هو بيض الدجاج، و الإوز، و النعام، و الطّيور، و نحوها، فامّا ما عدا ذلك، ممّا لا يزايل بائضه حيا، و هو بيض الحيتان، و الجراد، فلا يحنث بأكله، لأن إطلاق الايمان يتعلق بما يقصد و يفرد للأكل وحده، دون بائضه، هكذا ذكر شيخنا في مبسوطة (1).

و الذي يقتضيه مذهبنا انه يحنث بأكل جميع ما ينطلق عليه اسم البيض، لان اسم البيض يقع حقيقة على جميع ذلك، و الايمان عندنا تتعلق بحقائق الأشياء، و مخارج الافعال و الأسماء، و لا ترجع إلى المعاني، فإنما هذه تخريجات المخالفين و قياساتهم، فإذا كان اسم البيض ينطلق على بيض السّمك حقيقة، وجب ان يتعلق الأيمان و تطلق عليه، و طريقة الاحتياط أيضا يقتضيه.

و قال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا يأكل لحما، فأكل قلبا، لا يحنث (2).

و الاولى انّه يحنث، لان اسم اللحم ينطلق عليه حقيقة، و قد قلنا ان الايمان تتعلق بمخارج الأسماء و حقائقها، و انما بعض المخالفين قال هذا، و استدلّ بأنّه لا يباع

____________

(1) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان،(ص)239.

(2) الخلاف، كتاب الايمان، مسألة 79.

52

مع اللّحم، و هذا خروج منه عن الحقائق إلى المعاني، و المقاييس، فلا يعرج عليها، و لا يلتفت إليها.

إذا حلف لا يشم الورد، فشم دهنه، لا يحنث، و كذلك البنفسج، لأنّ اليمين ما تعلقت الّا بشم الورد و البنفسج، فلا يتعدى الى غيره، و لا يرجع عن الحقائق الى المجازات، و المعاني، و التخريجات.

إذا حلف ان لا يأكل لحما فأكل لحم النعم و الصّيود و الطيور، حنث، بلا خلاف، و ان أكل لحم السّمك، ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، إلى أنه يحنث، و احتج بالآية، و هي قوله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا» (1) و إذا كان اسم اللحم ينطلق عليه شرعا، وجب ان تطلق الايمان عليه (2).

الّا انّه رجع عن ذلك في مبسوطة، و قال لا يحنث بأكل لحم السّمك (3).

و هو قوى لعرف العادة، و الأوّل أقوى، للآية، لأن عرف الشرع إذا طرأ على عرف العادة، كان الحكم لعرف الشرع.

و قال شيخنا في مسائل خلافه: إذا حلف لا شربت من نهر، لا شربت من دجلة، فمتى شرب من مائها، سواء غرف بيده، أو في كوز، أو غيره، أو كرع فيها كالبهيمة، حنث (4).

الّا انه رجع عن ذلك، في مبسوطة، فقال لا يحنث حتّى يركع فيها كالبهيمة، لأنّه إذا شرب غرفا بيده، فما شرب منها، و انما شرب من يده (5).

و هذا الّذي يقوى في نفسي، لأن الأصل براءة الذّمة، و الكلام في الحقائق دون المجاز، و هذا هو الحقيقة، و ما عداه مجاز.

و معنى قوله كرع يقال كرع في الماء يكرع كروعا، فهو كارع، إذا تناوله بفيه من

____________

(1) سورة النحل، الآية 14.

(2) الخلاف، كتاب الايمان، مسألة 73- 67.

(3) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان(ص)239، و العبارة هكذا: فإن أكل لحم الحيتان لا يحنث.

(4) الخلاف، كتاب الايمان، مسألة 73- 67.

(5) المبسوط، ج 6، كتاب الايمان،(ص)232.