المهذب - ج1

- القاضي ابن البراج المزيد...
503 /
5

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

شرف الفقه:

ان شرف كل علم بشرف موضوعه، و شرف ما يبحث فيه عن عوارضه و أحواله.

فكل علم يرتبط بالله سبحانه و أسمائه و صفاته و أفعاله، أو يرجع الى التعرف على سفرائه و خلفائه و ما اوحى إليهم من حقائق و تعاليم، و أحكام و تكاليف يعد من أشرف العلوم، و أفضلها، و أسناها. لارتباطه به تعالى.

و قد أصبح (علم الفقه) ذات مكانة خاصة بين تلك المعارف و العلوم، لأنه الراسم لمناهج الحياة في مختلف مجالاتها، و المبين للنسك و العبادات، و محرم المعاملات و محللها، و نظام المناكح، و المواريث، و كيفية القضاء، و فصل الخصومات و المنازعات، و غيرها.

و على الجملة: هو المنهاج الوحيد و البرنامج الدقيق لحياة المسلم الفردية، و الاجتماعية، كيف و يصف على أمير المؤمنين (عليه السلام) أهمية تلك التعاليم و البرامج، من خلال الإشارة إلى آثارها في حياة الفرد و الجماعة إذ يقول:

«فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك، و الصلاة تنزيها عن الكبر، و الزكاة تسبيبا للرزق. و الصيام ابتلاء لإخلاص الخلق، و الحج تقوية للدين: و الجهاد عزا

6

للإسلام، و الأمر بالمعروف مصلحة للعوام، و النهى عن المنكر ردعا للسفهاء و صلة الرحم منماة للعدد، و القصاص حقنا للدماء، و اقامة الحدود إعظاما للمحارم، و ترك شرب الخمر تحصينا للعقل، و مجانبة السرقة إيجابا للعفة، و ترك الزنا تحصينا للنسب، و ترك اللواط تكثيرا للنسل، و الشهادات استظهارا على المجاحدات، و ترك الكذب تشريفا للصدق، و السلام أمانا من المخاوف، و الإمامة نظاما للأمة، و الطاعة تعظيما للإمامة» (1) و إذا كان الفقه كفيلا بسعادة الإنسان في الدارين و مبينا لفرائض العباد و وظائفهم فقد اختار الله سبحانه أفضل خلائقه، و أشرف أنبيائه لا بلاغ تلك المهمة الجسيمة، فكان النبي (صلى الله عليه و آله) في حياته مرجع المسلمين، في بيان وظائفهم و ما كانوا يحتاجون اليه من أحكام، كما كان قائدهم في الحكم و السياسة، و معلمهم في المعارف و العقائد فقام (صلى الله عليه و آله) بتعليم الفرائض و الواجبات و العزائم و المنهيات، و السنن و الرخص و ما يتكفل سعادة الأمة و نجاحها في معترك الحياة، و فوزها و نجاتها في عالم الآخرة.

إكمال الشريعة بتمام أبعادها

. أن الشريعة التي جاء بها خير الرسل، و أفضلهم هي آخر الشرائع التي أنزلها الله سبحانه، لهداية عبادة فهو- (صلوات الله عليه)- خاتم الأنبياء، كما أن كتابه و شريعته خاتمة الشرائع، و آخر الكتب.

قال سبحانه «مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ، وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كٰانَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» (الأحزاب- 40).

و بما أنه (صلى الله عليه و آله) خاتم الأنبياء، و شريعته خاتمة الكتب و الشرائع، يجب أن تكون شريعته- حتما- كاملة الجوانب، جامعة الأطراف لن يفوتها بيان شيء، و تغنى المجتمع البشرى عن كل تعليم غير سماوي.

____________

(1) نهج البلاغة قسم الحكم، الحكمة رقم 252.

7

و لأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينص على ذلك و يصرح بأنه زوده بشريعة اكتملت جوانبها يوم قال تعالى «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً» (المائدة- 3) و ظاهر قوله «أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» أنه سبحانه أكمل دينه النازل على نبيه الأكرم (صلى الله عليه و آله) من جميع الجوانب، و كل الجهات.

فهذا الدين كامل من حيث توضيح المعارف و العقائد، كامل من حيث بيان الوظائف و الأحكام، كامل من جهة عناصر استمراره، و موجبات خلوده، و متطلبات بقائه، على مدى الأيام و الدهور.

فلا وجه- اذن- لقصر الآية على الكمال من ناحية دون ناحية، و جانب دون جانب فهي بإطلاقها تنبئ عن كمال الشريعة في جميع جوانبها، و مجالاتها من غير اختصاص بالايمان، أو بالحج، أو بغيره.

على أن حديث الاكتمال الوارد في هذه الآية، لا يختص بإكمال الدين من حيث بيان العقيدة و تبليغ الشريعة، بل يعم الاكتمال من جهة بقاء الشريعة و استمرار وجودها طيلة الأعوام و الحقب القادمة، إذ ليس حديث الدين كالمناهج الفلسفية و الأدبية و ما يشبه ذلك، فان الاكتمال في هذه المناهج يتحقق بمجرد بيان نظامها و توضيح خطوطها الفكرية، سواء أطبقت على الخارج أم لا، و سواء استمر وجودها في مهب الحوادث أم لا، بل الدين شريعة إلهية أنزلت للتطبيق على الخارج ابتداء و استمرارا حسب الأجل الذي أريد لها.

فتشريع الدين من دون تنظيم عوامل استمرار وجوده يعد دينا ناقصا.

و لأجل ذلك دلت السنة على نزول الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ» يوم غدير خم عند ما قام النبي (صلى الله عليه و آله) بنصب على (عليه السلام)للولاية و الخلافة (1).

____________

(1) راجع الغدير ج 1 ص 210- 217 للوقوف على مصادر هذا الأمر.

8

و العجب أن ابن جرير أخرج عن ابن جريح، قال: مكث النبي (ص) بعد ما نزلت هذه الآية «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ.» احدى و ثمانين ليلة (1).

و بما أن الجمهور أطبقوا على أن وفاة النبي (صلى الله عليه و آله) كانت في الثاني عشر من ربيع الأول، فينطبق أو يقارب يوم نزول هذه الآية على الثامن عشر من شهر ذي الحجة، و هو يوم الغدير الذي قام النبي (صلى الله عليه و آله) فيه بنصب على (عليه السلام) للخلافة و الولاية.

و لأجل هذه العظمة الموجودة في مفهوم الآية، روى المحدثون عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود للمسلمين: انكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا- معشر اليهود- نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: و أي آية؟ قال «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي».

أخرج ابن جرير، عن عيسى بن حارثة الأنصاري قال: كنا جلوسا في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الإسلام: لقد أنزلت عليكم آية لو أنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم، و تلك الساعة عيدا ما بقي اثنان، و هي قوله «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ».

و كما روى ابن جرير، عن ابن جريح، عن السدي أنه لم ينزل بعد هذه الآية حرام لا حلال، و رجع رسول الله (ص) فمات (2).

بما ذا تحقق الكمال؟

لا شك أن الشريعة الإسلامية من جانب الأحكام و العقائد اكتملت بأمرين أحدهما: كتاب الله سبحانه، و الأخر سنة نبيه الكريم.

أما الأول فقد عرف سبحانه مكانته، و سعة معارفه بقوله:

____________

(1) الدر المنثور ج 2 ص 257 و 259.

(2) الدر المنثور للعلامة جلال الدين السيوطي (المتوفى عام 911 هج) ج 2 ص 257.

9

«وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ» (النحل- 89).

فلا شك أن المراد من لفظة «كل شيء» هو كل شيء أنيط بيانه إلى سفرائه و أنبيائه سبحانه من العلوم و المعارف، و المناهج و التعاليم التي لا يصل الفكر الإنساني إلى الصحيح منها، بلغ ما بلغ من الكمال.

فهذه الأمور تكفل الكتاب الكريم ببيانها و ذكر خصوصياتها، و أما العلوم التي يصل إليها البشر بفكره، كالفنون المعمارية، و المعادلات الرياضية و القوانين الفيزياوية و الكيماوية، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب، و ليس بيانها من مهامه و وظائفه.

نعم ربما يحتمل أن يكون للاية معنى أوسع، حتى يكون القرآن الكريم قابلًا لتبيان تلك المعارف و العلوم، غير أن هذا الاحتمال- على فرض صحته- لا يصحح أن يكون (القرآن الكريم) مصدرا لهذه المعارف، حتى يرجع إليه كافة العلماء و الاختصاصيون في هذه العلوم، و انما يتيسر استخراج هذه العلوم و المعارف لمن له مقدرة علمية إلهية غيبية، حتى يتسنى له استخراج هذه الحقائق و المعارف من بطون الآيات و اشاراتها، و هو ينحصر في جماعة قليلة.

و أما مكانة السنة فيكفي فيها قوله سبحانه «وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ» (النجم- 3) و قوله سبحانه «وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (الحشر- 7)، و غير ذلك من الآيات التي تنص على لزوم اقتفاء أثر النبي، و تصرح بوجوب اتباعه، و عدم مخالفته و معصيته.

و على ذلك تكون الشريعة الإسلامية شريعة كاملة الجوانب، كاملة الجهات و الأطراف، قد بينت معارفها، و أحكامها بكتاب الله العزيز و سنة نبيه الكريم، فلم يبق مجال للرجوع الى غير الوحي الإلهي و الى غير ما صدر عن النبي الكريم.

و هذه الحقيقة التي تكشف عنها الآية- بوضوح- و أن الدين اكتمل في حياة النبي

10

بفضل كتابه و سنته، مما أطبقت عليه كلمة العترة الطاهرة بلا خلاف، و لإيقاف القارئ على ملامح كلماتهم في هذا المقام، نأتي ببعض ما ورد عنهم في ذلك المجال:

لكل شيء أصل في الكتاب و السنة:

لقد صرح أئمة أهل البيت و العترة الطاهرة بأنه ما من شيء في مجالي العقيدة و الشريعة الا و له أصل في الكتاب و السنة و هذا هو ما يظهر من كلماتهم و نصوصهم الوافرة.

روى مرازم، عن الصادق (عليه السلام)أنه قال: ان الله تبارك و تعالى أنزل في القرآن الكريم تبيان كل شيء حتى و الله ما ترك الله شيئا يحتاج العباد اليه الا بينه للناس حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا نزل في القرآن الا و قد أنزل الله فيه (1).

و روى عمرو بن قيس، عن الامام الباقر (عليه السلام)قال: سمعته يقول: ان الله تبارك و تعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة، الا أنزله في كتابه و بينه لرسوله، و جعل لكل شيء حدا و جعل عليه دليلا يدل عليه (2).

و روى سليمان بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: ما خلق الله حلالا و لا حراما الا و له حد كحد الدار، فما كان من الطريق فهو من الطريق و ما كان من الدار فهو من الدار، حتى أرش الخدش فما سواه، و الجلدة و نصف الجلدة (3).

و روى حماد، عن أبى عبد الله (عليه السلام)قال: سمعته يقول: ما من شيء الا و فيه كتاب أو سنة (4).

و عن المعلى بن خنيس قال، قال أبو عبد الله ((عليه السلام)): ما من أمر يختلف فيه

____________

(1) الكافي ج 1 ص 48.

(2) الكافي ج 1 ص 48 من كتاب فضل العلم

(3) الكافي ج 1 ص 48- 50- من كتاب فضل العلم.

(4) الكافي ج 1 ص 48- 50- من كتاب فضل العلم.

11

اثنان الأولة أصل في كتاب الله عز و جل، و لكن لا تبلغه عقول الرجال (1).

و عن سماعة، عن أبى الحسن موسى (عليه السلام) قال قلت له: أكل شيء في كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) أو تقولون فيه؟ قال: بل كل شيء في كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) (2).

هذا هو حال الكتاب و السنة عند أئمة العترة الطاهرة، فلو لم نجد حكم كثير من الموضوعات و الحوادث، في الكتاب و السنة و لا وقفنا على جملة من المعارف و العقائد فيهما، فما ذلك إلا لأجل قصور فهمنا و قلة بضاعتنا، لأن في الكتاب رموزا و إشارات، و تنبيهات و تلويحات منها تستنبط أحكام الحوادث و الموضوعات، و يهتدى بها الإنسان إلى المعارف و العقائد و العقائد و قد اختص علمها بهم دون غيرهم.

كما أن عندهم سنة النبي التي لم تصل كثير منها إلى أيدي الناس، هذه هي حقيقة الحال عن أئمة العترة الطاهرة، و على ذلك اقتفت شيعتهم أثرهم في تشييد صرح المعارف و العقائد، و إرساء فقههم، و فروعهم و أصولهم.

إن القارئ الكريم لو راجع الجوامع الحديثية و التفسيرية، و وقف على كيفية استدلال الأئمة الطاهرين، بالآيات و السنة النبوية على كثير من المعارف و الأحكام يقف على صحة ما قلناه، و هو أن عندهم علم الكتاب بالمعنى الجامع الوسيع، كما أن عندهم السنة النبوية بعامتها.

و هذا لا ينافي أن يكون الكتاب هاديا للأمة جمعاء، و يكون طائفة من السنة في أيدي الناس، غير أن الاكتناه بموز الكتاب و إشاراته، و الإحاطة بعامة سننه، من خصائص العترة الطاهرة.

و قد قام بعض الأفاضل من طلاب مدرستنا بجمع الأحاديث، التي استدل فيها الأئمة الطاهرون بالكتاب و السنة على أمور و أحكام، مما لم تصل إليه أفهام الناس، و انما خص علم ذلك بهم.

____________

(1) الكافي ج 1 ص 48- 50- من كتاب فضل العلم

(2) الكافي ج 1 ص 48- 50- من كتاب فضل العلم

12

الواقعيات المتضادة للكمال:

فاذا كان الشارع قد أعلن عن خاتمية الرسالة و كمال الشريعة الإسلامية، وجب أن تتقارب الخطى و المواقف بين المسلمين، و يقل الخلاف و النقاش بينهم، و يجتمع الكل على مائدة القرآن و السنة من دون أن يختلفوا في عقائدهم، و لا أن يتشاجروا في تكاليفهم و وظائفهم.

و لكننا- مع الأسف- نشاهد في حياة المسلمين أمرا لا يجتمع مع هذا الكمال، بل يضاده، و يخالفه بل و ينادى بظاهره بعدم كماله من حيث الأصول و الفروع، و ينادى بأن الرسول (صلى الله عليه و آله) ما جاء بشريعة كاملة جامعة الأطراف شاملة لكل شيء.

و تلك الحقيقة المضادة لحديث الكمال هي الاختلافات الكبيرة و الخلافات العريقة التي حدثت بين المسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) بل قبيلها أيضا.

فقد صاروا في أبسط المسائل إلى معقدها الى اليمين و اليسار، و افترقوا فرقتين أو فرقا حتى انتهوا الى سبعين فرقة، بل الى سبع مائة فرقة.

فهذا هو التأريخ يحدثنا أن أول تنازع وقع في مرضه (عليه الصلاة و السلام) هو ما رواه البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس، قال: لما اشتد بالنبي مرضه الذي مات فيه، قال: ائتوني بدواة و قرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي، فقال عمر (رضي الله عنه): ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله و كثر اللغط فقال النبي (صلى الله عليه و آله) قوموا عنى لا ينبغي عندي التنازع، قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا و بين رسول الله (1).

و لم ينحصر الخلاف في أخريات حياته، بل ظهر الخلاف في تجهيز جيش

____________

(1) صحيح البخاري ج 1 باب كتابة العلم ص 29 و أيضا ج 4 كتاب الجهاد باب جوائز الوفد ص 69، و صحيح مسلم ج 5 كتاب الوصية، باب ترك الوصية ص 76.

13

أسامة، حيث أنه (صلى الله عليه و آله) أمر أسامة بأن يسير إلى النقطة التي سار إليها أبوه من قبل، و جهز له جيشا و عقد له راية فتثاقل أكابر الصحابة عن المسير معه لما رأوا مرض النبي (صلى الله عليه و آله) و هو يصر على مسيرهم، حتى أنه خرج معصب الجبين، و قال جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه (1) و أما اتساع رقعة الخلاف، و دائرة الاختلاف بعد لحوقه (صلى الله عليه و آله) بالرفيق الأعلى فحدث عنه و لا حرج.

فقد اختلفوا في يوم وفاته في موته (عليه الصلاة و السلام) قال عمر بن الخطاب من قال ان محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا، و انما رفع الى السماء كما رفع عيسى (عليه السلام) و لما جاء أبو بكر بن أبي قحافة من السلع، و قرأ قول الله سبحانه «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ، وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ» رجع عمر عن قوله، و قال كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر (2).

و أخطر الخلافات و أعظمها هو الاختلاف في الإمامة، و ادارة شئون الأمة الإسلامية، فمنهم من قال بتعدد الأمراء فأمير من الأنصار و أمير من المهاجرين، و من قائل بلزوم انتخابه من طريق الشورى، و من قائل ثالث بالتنصيص بالولاية و الامارة فقد أحدث ذلك الخلاف خرقا عظيما لا يسد بسهولة.

و لأجل ذلك يقول الشهرستاني في «ملله و نحلة»: ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان (3).

____________

(1) الملل و النحل للشهرستانى المقدمة الرابعة ج 1 ص 23، و شرح النهج لابن ابى الحديد ج 2 ص 20.

(2) الملل و النحل ج 1 ص 23.

(3) الملل و النحل ج 1 ص 24.

14

و لم يقف الخلاف و الاختلاف عند هذا الحد، فقد اتسع نطاقه بعد الاختلاف في الزعامة السياسية، حتى شمل القيادة الفكرية، فحدثت مذاهب و اتجاهات، و وجدت مناهج متباينة في المعارف الاعتقادية، التي تشكل أعمدة الدين و أصوله و جذور الإسلام و أسسه.

فاختلف المسلمون- في هذا المجال- الى معتزلة و جبرية، و انقسمت الاولى الى واصلية، هذلية. نظامية، خابطية، بشرية، معمرية، مردارية، ثمامية، هشامية، جاحظية، خياطية.

كما انقسم منافسوا المعتزلة (أعنى الجبرية) الى: جهمية، نجادية، ضرارية و قد كان هذا الاختلاف في اطار خاص، أي في معنى الإسلام و الايمان و ما يرجع الى فعل الله سبحانه، و إذا أضفنا اليه الاختلاف سائر النواحي، فنرى أنهم اختلفوا في صفاته سبحانه الى: أشعرية، و مشبهة و كرامية.

و قد أوجبت هذه الاختلافات و النقاشات الى وقوع حروب دامية، و صراعات مدمرة أريقت فيها الدماء البريئة- من المسلمين، و سحقت الكرامات.

غير أن اطار الاختلاف لم يقف عند ذلك، فقد حدث اختلاف في مصير الإنسان و ما يؤول إليه بعد موته من البرزخ و مواقفه، و يوم القيامة و خصوصياته، الى غيرها من الاختلافات و المنازعات الفكرية العقيدية، التي فرقت شمل المسلمين، و مزقت وحدتهم و كأنهم نسوا قول الله تعالى إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء 92) فصارت الأمة الواحدة امما متعددة، و أصبحت اليد الواحدة أيدي متشتتة.

و لو أضفنا الى ذلك ما حدث بين المسلمين من الاختلاف في المناهج الفقهية التي أرساها الصحابة و التابعون و تابعوا التابعين، الى أن وصل الدور إلى الأئمة الأربعة يقف الإنسان على اختلاف واسع مروع، و عند ذلك يتسائل الإنسان و يسأل

15

المرء نفسه: ترى أي الأمرين أحق و أصح؟

1- ما نص به القرآن الكريم، و حدث عنه سيد المرسلين عن كمال الدين بأصوله و جذوره، و شعبه و فروعه بحيث لم يبق للمسلم حاجة الا رفعها، و لا حادثة إلا بين حكمها، و مقتضى ذلك أن يتقلل الخلاف و النقاش إلى أقل حد ممكن.

2- ما نلمسه و نراه- بوضوح- من الخلاف و التشاجر في أبسط الأمور و أعمقها من دقيقها و جليلها، بحيث لم يبق أصل و لا فرع الا و فيه رأيان بل آراء.

ان حديث الاختلاف الكبير هذا لا يمكن أن يعد امرا بسيطا، كيف و الامام على (عليه السلام) يعتبره دليلا على نقصان الدين ان كان المختلفون على حق، و الا كان اختلافهم أمرا باطلا، لان كمال الشريعة يستلزم أن يكون كل شيء فيها مبينا، فلا مبرر و لا مصحح للاختلاف.

يقول الامام (عليه السلام) في ذم اختلاف العلماء في الفتيا:

ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا. و إلههم واحد، و نبيهم واحد، و كتابهم واحد أ فأمرهم الله- سبحانه- بالاختلاف فأطاعوه! أم نهاهم عنه فعصوه! أم أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا و عليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول (صلى الله عليه و آله) عن تبليغه و أدائه، و الله سبحانه يقول «مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ» و فيه تبيان لكل شيء و ذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا (1) أ ترى أنه ((صلوات الله عليه)) بعد ما يندد بالاختلاف، يقول أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه.

____________

(1) نهج البلاغة قسم الخطب، الخطبة رقم 18.

16

فاكتمال الدين بعامة أبعاده ينفي وجود الثاني، كما أن وجود الخلاف في عامة المسائل لا يجتمع مع إكمال الدين، فما هو الحل لهذين الأمرين المتخالفين؟!

الإجابة على هذا السؤال:

ان هناك تحليلين يمكن أن يستند إليها الباحث في حل هذه المعضلة:

الأول: ان النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) و ان أكمل دينه في أصوله و فروعه غير ان المسلمين في القرون الغابرة وقفوا أمام النصوص الإسلامية، فأوجدوا مناهج و مذاهب لا تلائم القرآن الكريم و لا السنة النبوية.

الا ان هذه الإجابة لا تتفق مع الواقع، بل تعتبر قسوة على الحق و أصحابه، لما نعلم من حياة المسلمين في الصدر الأول و بعده من أن الدين كان عندهم من أعز الأشياء و أنفسها، فكانوا يضحون بأنفسهم و أموالهم في سبيله.

فعند ذلك كيف يمكن أن ينسب إلى هؤلاء الجماعة بأنهم قد وقفوا في وجه النصوص الإسلامية، و قابلوها بآرائهم، و رجحوا أفكارهم و نظرياتهم على الوحي؟

كيف و القرآن الكريم يصف تلك الثلاثة بقوله «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى الْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرٰاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوىٰ عَلىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّٰاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّٰارَ وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً) (الفتح- 29).

الثاني: ان الشريعة الإسلامية قد جاءت بدقائق الأمور و جلائلها في كتاب الله و سنة نبيه، غير أن الشارع الحكيم قد أودع علم كتابه و الإحاطة بسنة نبيه- اللذين اكتملت بهما الشريعة، و تمت بهما النعمة. و استغنت الأمة بهما عن اتخاذ أي شيء في عداد كتاب الله و سنة نبيه- عند أناس متطهرين من الإثم و الذنب، مصونين

17

عن الزلل و الخطأ، قد أحاطوا بمحكم القرآن و متشابهه، و مجمله، و مفصله و ناسخه و منسوخه، و عامه و خاصه، و مطلقة و مقيده، بل بدلالاته و تنبيهاته، و رموزه و إشاراته التي لا يهتدى إليها الا من شملته العناية الإلهية، و عمته الفيوض الربانية.

كما و أحاطوا بسنة نبيهم، و شوارد أقواله، و وجوه أفعاله. و ألوان تقريره و إقراره.

فالتحق- (صلى الله عليه و آله)- بالرفيق الأعلى و الحال هذه، أى أن العلم بحقائق الكتاب و متون سنته مخزون عند جماعة خاصة، قد عرفهم بصفاتهم و خصوصياتهم تارة، و أسمائهم و أعدادهم تارة أخرى كما سيوافيك.

و لو أن الأمة الإسلامية رجعوا في مجال العقائد و المعارف، و موارد الأحكام و الوظائف الى هذه الثلاثة، لأوقفوهم على كل غرة لائحة، و حجة واضحة، و قول مبين، و برهان متين، و استغنوا بذلك عن كل قول ليس له أصل في كتاب الله و سنة رسوله، و لمسوا اكتمال الدين في مجالي العقيدة و الشريعة بأوضح شكل.

فحديث اكتمال الدين و كمال الشريعة في جميع مجالاتها أمر لا غبار عليه، و لكن الخلاف و النقاش حدث في أسس الإسلام و فروعه لأجل الاستقلال في فهم الذكر الحكيم، و جمع سنة الرسول من دون أن يرجعوا الى من عنده رموز الكتاب و إشاراته، و دلائله و تنبيهاته، فهم وراث الكتاب [1] و ترجمان السنة، فافترقوا- لأجل هذا الإعراض- إلى فرق كثيرة و مناهج متكثرة.

أن الاستقلال في فهم المعارف و الأصول و استنباط الفروع، ألجأ القوم الى القول بالقياس و الاستحسان، و تشييد قواعد و مقاييس ظنية كسد الذرائع و المصالح المرسلة، و غيرها من الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، و ذلك لأنهم واجهوا من جانب اكتمال الدين من حيث الفروع و الأصول، بحيث لا يمكن إنكاره حسب

____________

[1] إشارة إلى قوله سبحانه «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتٰابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا» الفاطر- 32.

18

الآيات و الأحاديث، و من جانب آخر واجهوا الحاجات و الحوادث المتجددة التي لم يجدوا لها دليلا، لا في الكتاب و لا في السنة، فلا ذوا الى العمل بهذه المقاييس حتى يسدوا الفراغ، و يبرئوا الشريعة الإسلامية عن وصمة النقص.

قال ابن رشد مستدلا على حجية القياس: ان الوقائع بين أشخاص الأناس غير متناهية، و النصوص و الأفعال و الإقرارات (أى تقرير النبي) متناهية، و محال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى (1).

و كأنه يريد أن يقول انه لو لا القول بحجية القياس لأصبحت الشريعة ناقصة غير متكاملة.

و هذا الجواب (و هو إيداع علم الكتاب عند العترة و الإحاطة بالسنة) مما يلوح من الغور في غضون السنة، و لعل القارئ الكريم يزعم- بادئ بدء- أن هذه الجواب نظرية غير مدعمة بالبرهان، غير أن من راجع السنة يرى النبي الأكرم- (صلى الله عليه و آله)- يصرح في خطبة حجة الوداع بأن عترته أعدال الكتاب العزيز و قرناؤه، و هم يصونون الأمة عن الانحراف و الضلال، و لا يفارقون الكتاب قدر شعرة، و مع الرجوع إليهم لا يبقى لقائل شك و لا ترديد.

روى الترمذي، عن جابر قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) في حجه يوم عرفة، و هو على ناقته القصوى يخطب فسمعته يقول:

«يا أيها الناس انى قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله و عترتي أهل بيتي» (2).

و روى مسلم في صحيحة: «أن رسول الله قام خطيبا بماء يدعى خما بين مكة و المدينة. ثم قال: ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب

____________

(1) بداية المجتهد و نهاية المقتصد ج 1 ص 2 راجع أيضا المدخل الفقهي العام ج 1 ص 77.

(2) صحيح الترمذي ج 3 ص 199 باب مناقب أهل بيت النبي.

19

و انى تارك فيكم ثقلين: أو لها كتاب الله فيه الهدى و النور، فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به. و أهل بيتي» (1).

و قد روى هذا الحديث أصحاب الصحاح و السنن بعبارات مختلفة، كما رووا أنه نطق به النبي في حجة الوداع، و في غدير خم و قبيل وفاته، فدراسة الحديث توقفنا على مكانة أهل البيت النبوي، و عترة رسول الله (صلى الله عليه و آله) حيث يعدلون القرآن الكريم في الهداية و النور، و العصمة و المصونية، و أن مفارقتهم مفارقة للكتاب، و بالتالى مفارقة السعادة، و الوقوع في وهاد الضلالة.

عدد الأئمة:

ان النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) لم يكتف بالتنصيص بالوصف، بل أخبر بأن عدد الأئمة الذين يلون من بعده اثنا عشر، و قد رواه أصحاب الصحاح و المسانيد، فروى مسلم، عن جابر بن سمرة، أنه سمع النبي يقول: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (2).

و روى البخاري قال: سمعت النبي يقول: يكون اثنا عشر أميرا: فقال كلمة لم أسمعها فقال ابى: قال كلهم من: قريش (3).

و هناك نصوص اخرى لهذا الحديث تصرح بأن عدد الولاة اثنا عشر و أنهم من قريش.

و جاء على (عليه السلام)يفسر حديث النبي و يوضح إبهامه و يقول: ان الأئمة من قريش في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم و لا يصلح الولاة من غيرهم (4)

____________

(1) صحيح مسلم ج 7 باب فضائل على بن ابى طالب ص 123

(2) صحيح مسلم ج 6 كتاب الامارة ص 3- 4 باب الناس تبع لقريش

(3) البخاري ج 6 ص 65 كتاب الأحكام

(4) نهج البلاغة الخطبة 142

20

إحاطة العترة بالسنة:

ما ذكرناه آنفا من أن العترة الطاهرة أحاطوا بالسنة النبوية، التي لم تحتفظ بأكثرها الأمة مما تصرح به العترة و تقول: ان كل ما يروون من أحاديث في مجالي العقيدة و الشريعة، كلها رواية عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن طريق آبائهم.

و قد وردت في هذا الصعيد نصوص لا مجال لنقلها برمتها، بل نكتفي بالقليل من الكثير:

روى حماد بن عثمان و غيره قالوا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبى، و حديث أبى حديث جدي، و حديث جدي حديث الحسين، و حديث الحسين حديث الحسن، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين ((عليه السلام))، و حديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و حديث رسول الله (صلى الله عليه و آله) قول الله عز و جل (1).

و عن جابر قال: قلت لأبي جعفر ((عليه السلام)): إذا حدثتني بحديث، فأسنده لي فقال: حدثني أبى عن جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله)، عن جبرئيل ((عليه السلام))، عن الله عز و جل و كل ما أحدثك (فهو) بهذا الاسناد، و قال: يا جابر لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا و ما فيها (2).

و من كتاب حفص بن البختري، قال: قلت لأبي عبد الله ((عليه السلام)): نسمع الحديث منك فلا أدرى منك سماعة، أو من أبيك، فقال: ما سمعته منى فاروه عن أبى، و ما سمعته فاروه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (3).

و عن يونس، عن عنبسة قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسألة فأجابه فيها،

____________

(1) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 127- 128

(2) المصدر السابق

(3) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 128- 129، و من أراد الوقوف على المزيد من ذلك فليراجع المصدر المذكور من ص 126- 219

21

فقال الرجل: ان كان كذا و كذا ما كان القول فيها، فقال له: منهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، لسنا نقول برأينا من شيء (1).

كيفية بيان الفقه عند الإمامية:

لقد عكفت الشيعة بعد لحوق النبي (صلى الله عليه و آله) بالرفيق الأعلى على دراسة الفقه، و جمع مسائله و تبويب أبوابه و ضم شوارده، و أقبلوا عليه إقبالا تاما قل نظيره لدى الطوائف الإسلامية الأخرى، حتى تخرج من مدرسة أهل البيت و على أيدي أئمة الهدى، عدة من الفقهاء العظام لا يستهان بهم، فبلغوا الذروة في الفقاهة و الاجتهاد نظراء. زرارة ابن أعين، و محمد بن مسلم الطائفي، و أبى بصير الأسدي، و يزيد بن معاوية، و الفضيل بن يسار، و هؤلاء من أفاضل خريجى مدرسة أبي جعفر الباقر و أبى عبد الله (عليهما السلام)، فأجمعت العصابة على تصديق هؤلاء، و انقادت لهم بالفقه و الفقاهة.

و يليهم في الفضل و الفقاهة ثلة اخرى، و هم أحداث خريجى مدرسة أبى عبد الله الصادق (عليه السلام)نظراء: جميل بن دراج، و عبد الله بن مسكان، و عبد الله بن بكير، و حماد بن عثمان، و حماد بن عيسى، و ابان بن عثمان، كما أقرت العصابة على فقاهة ثلة اخرى من تلاميذ أصحاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم و ابنه أبى الحسن الرضا (عليهما السلام) نظراء: يونس بن عبد الرحمن، و صفوان بن يحيى، و محمد بن أبى عمير، و عبد الله بن المغيرة، و الحسن بن محبوب و الحسين بن على بن فضال، و فضالة بن أيوب (2).

هؤلاء أبطال الشيعة في الفقه و الحديث في القرنين: الأول و الثاني من الهجرة، و قد تخرجوا من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و أخذوا منهم الفقه و أصول الاجتهاد و الاستنباط.

____________

(1) المصدر نفسه.

(2) راجع رجال الكشي ص 206 و 322 و 466

22

نعم لا ينحصر المتخرجون من مدرستهم في هؤلاء الذين ذكرناهم، فقد تخرج من تلك المدرسة جماعة كثيرة تجاوزت المئات بل الالاف، و قد ضبطت أسماءهم و خصوصياتهم و كتبهم، الكتب الرجالية و الفهارس العلمية.

و مع أن كتب الرجال و الفقه تنص على مكانتهم في الفقاهة، و مدى استنباطهم الأحكام الشرعية، غير أن كتبهم في القرون الثلاثة الأولى كانت مقصورة على نقل الروايات بأسنادها، و الإفتاء في المسائل بهذا الشكل، مع تمييز الصحيح عن السقيم و المتقن عن الزائف.

و تطلق على كتبهم عناوين: الأصل، الكتاب، النوادر، الجامع، المسائل، أو خصوص باب من أبواب الفقه، كالطهارة، و الصلاة، و ما شابه ذلك.

هذه الكتب المدونة في القرون الثلاثة بمنزلة «المسانيد» عند العامة، فكل كتاب من هذه الرواة يعد مسندا للراوي، قد جمع فيه مجموع رواياته عن الإمام أو الأئمة في كتابه، و كان الإفتاء بشكل نقل الرواية بعد اعمال النظر و مراعاة ضوابط الفتيا و هكذا مضى القرن الثالث.

و باطلاله أوائل القرن الرابع طلع لون جديد في الكتابة و الفتيا، و هو الإفتاء بمتون الروايات مع حذف أسنادها، و الكتابة على هذا النمط مع اعمال النظر و الدقة في تمييز الصحيح عن الزائف فخرج الفقه- في ظاهره- عن صورة نقل الرواية، و اتخذ لنفسه شكل الفتوى المحضة، و أول من فتح هذا الباب على وجه الشيعة بمصراعيه هو والد الشيخ الصدوق «على بن الحسين بن موسى بن بابويه» المتوفى عام 329 ه، فألف كتاب «الشرائع» لولده الصدوق، و قد عكف فيه على نقل متون و نصوص الروايات، و قد بث الصدوق هذا الكتاب في متون كتبه: كالفقيه، و المقنع و الهداية، كما يظهر ذلك من الرجوع إليها.

23

و لقد استمر التأليف على هذا النمط، فتبعه ولده الصدوق المتوفى عام 381، فألف «المقنع و الهداية»، و تبعه شيخ الأمة و مفيدها «محمد بن النعمان» المتوفى عام 413 في «مقنعته»، و تلميذه شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى عام 640 في «نهايته».

و لما كانت متون هذه الكتب و المؤلفات مأخوذة من نفسه الروايات و الأصول وقعت متونها موضع القبول من قبل الفقهاء فعاملوها معاملة الكتب الحديثية، و عولوا عليها عند اعوازهم النصوص على اختلاف مشاربهم و أذواقهم.

و كان سيدنا الأستاذ آية الله البروجردي المتوفى عام (1380 ه) يسمى تلك الكتب ب«المسائل المتلقاة»، و سماها بعض الأجلة ب: «الفقه المنصوص».

مبدء تطور الفقه عند الشيعة الإمامية

ما تقدم من المرحلتين كان راجعا الى بيان الفقه من دون حدوث اى تطور عميق فيه: و النمط الثاني (تجريد المتون عن الأسانيد) و ان كان نمطا جديدا، و ثورة على الطريقة القديمة السائدة طيلة قرون، لكنه لم يكن رافعا للحاجة و سادا للفراغ، لان هناك حاجات و أحداث لم ترد بعينها في متون الروايات و سنن النبي (صلى الله عليه و آله)، و ان كان يمكن استنباط أحكامها من العمومات و الإطلاقات و الأصول الواردة في الكتاب و السنة، فعند ذلك يجب أن تكون هناك ثورة جديدة قوية تسد هذا الفراغ، و تغنى المجتمع الإسلامي من الرجوع الى غير الكتاب و السنة.

و لذلك قام في أوائل القرن الرابع لفيف من فقهاء الشيعة بإبداع منهج خاص في الفقه، و هو الخروج عن حدود عبائر النصوص و الألفاظ الواردة في الكتاب و السنة، و عرض المسائل على القواعد الكلية الواردة في ذينك المصدرين، مع التحفظ على الأصول المرضية عند أئمة الشيعة من نفي القياس و الاستحسان و نفي الاعتماد على كل نظر و رأى ليس له دليل في الكتاب و السنة.

24

و هذا اللون من الفقه و ان كان سائدا بين فقهاء العامة، لكنه كان مبنيا على أسس و قواعد زائفة، كالعمل بالقياس و سائر المصادر الفقهية، غير المرضية عند أئمة الشيعة.

[الحسن بن على بن أبى عقيل] و أول من فتح هذا الباب

بمصراعيه في وجه الأمة، هو شيخ الشيعة و فقيهها الأجل، الذي يعرفه شيخ الرجاليين، و حجة التأريخ بقوله: الحسن بن على بن أبى عقيل أبو محمد الحذاء: فقيه متكلم ثقة، له كتب في الفقه و الكلام منها، كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول»، كتاب مشهور في الطائفة، و قيل: ما ورد الحاج من خراسان الا طلب و اشترى منه نسخا، و سمعت شيخنا أبا عبد الله (المفيد) (رحمه الله) يكثر الثناء على هذا الرجل (رحمه الله) (1).

و هذا شيخ الطائفة الطوسي يعرفه و يعرف كتابه المذكور في فهرسه، و يقول و هو من جملة المتكلمين، امامى المذهب، و من كتبه كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول» في الفقه و غيره، و هو كتاب كبير حسن (2).

و يقول العلامة: و نحن نقلنا أقواله في كتبنا الفقهية، و هو من جملة المتكلمين و فضلاء الإمامية.

و يصف كتابه «المتمسك بحبل آل الرسول» بأنه كتاب مشهور عندنا (3)، و قد نقل آراءه العلامة في «مختلف الشيعة» في جميع أبواب الفقه، و هذا يكشف عن أن الكتاب المذكور كتب على أساس الاستنباط، و رد الفروع إلى الأصول،

____________

(1) فهرس النجاشي ص 35 و اختلف أرباب المعاجم في كنيته و اسم أبيه لاحظ تعليقات فوائد الرجال للعلامة بحر العلوم ج 2 ص 212

(2) الفهرس للشيخ ص 79، ضبط الشيخ اسم أبيه عيسى»، و النجاشي «على»، و الثاني أقرب الى الصواب.

(3) الخلاصة ص 40

25

و الخروج عن دائرة ألفاظ الحديث، عملا بقول الصادق: علينا إلقاء الأصول إليكم، و عليكم التفريح (1).

و لعله لأجل هذا قال العلامة بحر العلوم في «فوائده الرجالية»: هو أول من هذب الفقه و استعمل النظر، و فتق البحث في الأصول و الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى و بعده الشيخ الفاضل «ابن الجنيد» (2).

و قال صاحب «روضات الجنات» أيضا: ان هذا الشيخ هو الذي ينسب إليه إبداع أساس النظر في الأدلة، و طريق الجمع بين مدارك الأحكام بالاجتهاد الصحيح، و لذا يعبر عنه و عن الشيخ أبى على بن الجنيد في كلمات فقهاء أصحابنا. بالقديمين، و قد بالغ في الثناء عليه أيضا صاحب «السرائر»، و غيره و تعرضوا لبيان خلافاته الكثيرة في مصنفاتهم (3).

و التأريخ و ان لم يضبط عام وفاته، غير أنه من معاصري الشيخ الكليني المتوفى عام 328 ه، و من مشايخ جعفر بن محمد بن قولويه، المتوفى عام 369 ه، و قد ترجم له السيد الأمين (رحمه الله) في أعيان الشيعة ترجمة مبسوطة (4).

و الثاني هو محمد بن أحمد بن جنيد

، أبو على الكاتب الإسكافي، الذي قال النجاشي عنه: وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر، صنف فأكثر، ثم ذكر فهرس كتبه و منها: كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة»، و كتاب، «الأحمدي للفقه المحمدي» (5).

____________

(1) السرائر قسم المستطرفات ص 477 في ما أورده من جامع البزنطي، صاحب الرضا.

(2) الفوائد الرجالية ج 2 ص 229

(3) روضات الجنات ج 2 ص 259

(4) أعيان الشيعة ج 22 ص 192- 202

(5) رجال النجاشي ص 273

26

و يصف الشيخ الطوسي كتاب «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة»: بأنه كتاب كبير على عشرين مجلدا، يشتمل على عدة من كتب الفقه على طريق الفقهاء (1).

و قوله: على طريقة الفقهاء إشارة إلى انه كان كتابا على نمط الكتب الفقهية الاستدلالية، نظير الكتب الفقهية للعامة.

و لأجل ذلك يقول صاحب «روضات الجنات»: ان هذا الشيخ تبع الحسن بن أبى عقيل العماني فأبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة.

و يقول: و نقل عن «إيضاح العلامة» أنه قال: وجدت بخط السيد السعيد محمد بن معد، ما صورته: وقع الى من هذا الكتاب- أى كتاب «تهذيب الشيعة»- مجلد واحد، و قد ذهب من أوله أوراق، و هو كتاب النكاح، فتصفحته و لمحت مضمونه فلم أر لأحد من هذه الطائفة كتابا أجود منه، و لا أبلغ و لا أحسن عبارة، و لا أدق معنى، و قد استوفي منه الفروع و الأصول، و ذكر الخلاف في المسائل و استدل بطريق الإمامية و طريق مخالفيهم، و هذا الكتاب إذا أمعن النظر فيه و حصلت معانيه علم قدره و مرتبته، و حصل منه شيء كثير و لا يحصل من غيره.

ثم يقول العلامة: قد وقع الى من مصنفات هذا الشيخ المعظم الشأن كتاب «الأحمدي في الفقه المحمدي»، و هو مختصر هذا الكتاب، جيد يدل على فضل هذا الرجل و كماله، و بلوغه الغاية القصوى في الفقه و جودة نظره، و أنا ذكرت خلافه و أقواله في كتاب «مختلف الشيعة في أحكام الشريعة» (2).

و بذلك يعلم أن استعمال القياس في فقهه كان لأجل الاستدلال على طريق

____________

(1) فهرس الشيخ ص 160

(2) روضات الجنات ج 6 ص 145- 147، نقلا عن إيضاح العلامة، و قد نقله بعض الأجلة عن خلاصة العلامة، و هو ليس بصحيح. و لا حظ أيضا إيضاح الاشتباه للعلامة ص 88- 89 ط إيران.

27

المخالفين، و لعله الى ذلك ينظر الشيخ حيث يقول في «عدته»: لما كان العمل بالقياس محظورا في الشريعة عندهم لم يعملوا به أصلا، و إذا شذ واحد منهم عمل به في بعض المسائل، على وجه المحاجة لخصمه، و ان لم يكن اعتقاده، رووا قوله و أنكروا عليه (1).

الثالث: الشيخ الفقيه المحقق النقاد نابغة العراق، و نادرة الافاق، الشيخ المفيد محمد بن النعمان

، المولود عام 338 هو المتوفى عام 413.

يقول تلميذه، أبو العباس النجاشي في فهرسه في حقه: شيخنا و أستاذنا رضي الله عنه فضله أشهر من ان يوصف في الفقه و الكلام و الرواية و الوثاقة و العلم (2).

و يقول عنه تلميذه الأخر الشيخ الطوسي في فهرسه: محمد بن محمد بن النعمان المفيد يكنى أبا عبد الله المعروف بابن المعلم، من جملة متكلمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإمامية في وقته، و كان مقدما في العلم و صناعة الكلام، و كان فقيها متقدما فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، و له قريب من مائتي مصنف كبار و صغار (3).

و كفي في فضل الرجل و تقدمه في الفقه و الكلام انه تخرج عليه و تربى في مدرسته العلمان الكبيران: السيد المرتضى، و الشيخ الطوسي قدس الله اسرارهما:

(ان آثارنا تدل علينا).

و قد ذكر النجاشي من أسامي مؤلفاته نحوا من مأة و اربع و ستين كتابا.

____________

(1) عدة الأصول ج 1 ص 339 الطبعة الحديثة. لاحظ أيضا في ذلك ما حققه السيد بحر العلوم في فوائده ج 3 ص 213- 225 فقد أغرق نزعا في التحقيق فلم يبق في القوس منزعا.

(2) فهرس النجاشي طبعة الهند ص 283

(3) فهرس الشيخ الطوسي ص 166

28

و قد طبع منه في الفقه: المقنعة، (و المسائل الصاغانية «و الأعلام» فيما اتفقت عليه الإمامية و هو كالذيل لكتاب أوائل المقالات) غير أن رسائله في الفقه كثيرة معروفة، يظهر لمن راجع الفهارس.

الرابع: على بن الحسين الملقب ب: «علم الهدى»

و المعروف ب: «السيد المرتضى» المولود عام 355 هجرى، و المتوفى عام 436 هجرى.

قال عنه تلميذه الشيخ الطوسي: متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله مقدم في العلوم مثل علم الكلام و الفقه و أصول الفقه، ثم ذكر تصانيفه. (1)

و قال عنه تلميذه الأخر أبو العباس النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه و سمع من الحديث فأكثر. و ذكر تأليفه (2).

و من تأليفه في الفقه: الانتصار في انفرادات الإمامية، صنفه للأمير الوزير عميد الدين في بيان الفروع التي شنع على الشيعة لأنهم خالفوا فيها الإجماع فاثبت ان لهم فيها موافقا من فقهاء سائر المذاهب، و ان لهم عليها حجة قاطعة، من الكتاب و السنة، و قد طبع الكتاب كرارا.

و كتابه هذا في الفقه، و كتابه الأخر اعنى «الذريعة في أصول الفقه» يعربان عن أن السيد من الشخصيات البارزة التي يضمن بها الدهر إلا في فترات قليلة.

الخامس شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسي

، المولود عام 385 ه، المتوفى 460 ه، فقيه الشيعة و زعيمهم في القرن الخامس بعد السيد المرتضى الشهير بعلم الهدى، فقد قام بتأليف كتاب على هذا النمط و أسماه كتاب «المبسوط»، و ألفه بعد كتابه المسمى «بالنهاية» الذي كتبه على النمط الأول من التأليف،.

قال في مقدمة «المبسوط»: كنت عملت على قديم الوقت كتاب «النهاية»،

____________

(1) فهرس الشيخ ص 125

(2) فهرس النجاشي ص 192

29

و ذكرت جمع ما رواه أصحابنا في مصنفاتهم و أصولها من المسائل، و فرقوه في كتبهم، و رتبته ترتيب الفقه، و جمعت فيه النظائر. و لم أتعرض للتفريع على المسائل و لا لتعقيد الأبواب، و ترتيب المسائل و تعليقها و الجمع بين نظائرها، بل أوردت جميع ذلك أو أكثره بالألفاظ المنقولة، حتى لا يستوحشوا من ذلك و عملت بآخره مختصر جمل العقود، و في العبارات سلكت فيه طريق الإيجاز و الاختصار، و عقود الأبواب في ما يتعلق بالعبادات و وعدت فيه أن أعمل كتابا في الفروع خاصة، يضاف الى كتاب «النهاية»، و يجتمع مع ما يكون كاملا كافيا في جميع ما يحتاج اليه.

ثم رأيت أن ذلك يكون مبتورا يصعب فهمه على الناظر فيه، لان الفرع انما يفهمه إذا ضبط الأصل معه، فعدلت الى عمل كتاب يشتمل على عدد جميع كتب الفقه التي فصلوها الفقهاء، و هي نحو من ثلاثين كتابا، أذكر كل كتاب منه على غاية ما يمكن تلخيصه من الألفاظ، و اقتصرت على مجرد الفقه دون الأدعية و الآداب، و أعقد فيه الأبواب و اقسم فيه المسائل، و اجمع بين النظائر و استوفيه غاية الاستيفاء، و أذكر أكثر الفروع التي ذكرها المخالفون (1).

و قد لخصنا عبارة الشيخ في مقدمته، و قد أوضح فيها طريقته الحديثة، التي اجتمعت فيه مزية التفريع و التكثير، و الإجابة على الحاجات الجديدة، و بيان أحكام الحوادث مع عدم الخروج عن حدود الكتاب و السنة، بل الرجوع إليهما في جميع الأبواب.

و قد نال هذا الكتاب القيم رواجا خاصا، و هو أحد الكتب النفيسة للشيعة الإمامية في الفقه، و قد طبع في ثمانية أجزاء.

كما ان للشيخ الطوسي كتابا آخر و هو كتاب «الخلاف»، سلك فيه مسلك الفقه المقارن.

____________

(1) المبسوط ج 1 ص 2- 3

30

و الحق أن شيخ الطائفة قد أوتي موهبة عظيمة و فائقة، فخدم الفقه الإسلامي بألوان الخدمة، فتارة كتب كتاب «النهاية» على طريقة «الفقه المنصوص» أو «المسائل المتلقاة» كما كتب «المبسوط» على نهج الفقه التفريعى، و أثبت أن الشيعة مع نفيهم للقياس و الاستحسان، قادرون على تفريع الفروع، و تكثير المسائل، و تبيين أحكامها من الكتاب و السنة مع التحفظ على أصولهم بالاجتهاد.

ثم ألف كتاب «الخلاف» على نمط الفقه المقارن، فأورد فيه آراء الفقهاء في عصره و العصور الماضية، و هو من أحسن الكتب و أنفسها، كما أنه ابتدع نوعا رابعا في التأليف، فأخرج أصول المسائل الفقهية بأبرع العبارات و أقصرها و أدرجها في فصول و عقود خاصة، أسماها «الجمل و العقود»، و قد أشار إليها في مقدمته إذ قال و انا مجيب الى ما سال الشيخ الفاضل أدام الله بقاه من إملاء مختصر، يشتمل على ذكر كتب العبادات، و ذكر عقود و أبواب و حصر جملها، و بيان أفعالها، و أقسامها إلى الأفعال و التروك و ما يتنوع من الوجوب و الندب، و أضبطها بالعدد، ليسهل على من يريد حفظها، و لا يصعب تناولها و يفزع اليه الحافظ عند تذكره، و الطالب عند تدبره.

فهذه الألوان الأربعة في كتب الشيخ يسد كل منها ناحية من النواحي الفقهية.

السادس: الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير

[1] بن عبد العزيز بن براج الطرابلسي، تلميذ السيد المرتضى، و زميل الشيخ الطوسي أو تلميذه المعروف بالقاضي تارة و بابن البراج اخرى، فقيه عصره و قاضي زمانه، و خليفة الشيخ في الشامات.

و هو أحد الفقهاء الإبطال في القرن الخامس بعد شيخيه: المرتضى و الطوسي،

____________

[1] نقل السيد بحر العلوم في فوائده ج 3 ص 61 ان في نسختين من نسخ اجازة العلامة لأبناء زهرة «بحر» مكان نحرير و جعله أصح لكون «بحر» أكثر في الأسماء من «نحرير».

31

صاحب كتاب «المهذب» في الفقه و غيره من الآثار الفقهية فهو(قدس سره) اقتفي خطوات شيخ الطائفة من حيث التبويب و التفريع، و يعد الكتاب من الموسوعات الفقهية البديعة في عصره.

و هذا الكتاب هو الذي يزفه الطبع الى القراء الكرام في العالم الإسلامي، و سوف تقف على مكانة الكتاب و كيفية التصحيح و التحقيق في آخر هذه المقدمة.

و لأجل ذلك يجب علينا البحث عن المؤلف و الكتاب حسبما وقفنا عليه في غضون الكتب و معاجم التراجم، و ما أوحت إلينا مؤلفاته، و آثاره الواصلة إلينا.

و قبل كل شيء نذكر أقوال أئمة الرجال و التراجم في حقه، فنقول:

1- يقول الشيخ منتجب الدين في الفهرس عنه: القاضي سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، وجه الأصحاب، و فقيههم، و كان قاضيا بطرابلس، و له مصنفات منها: «المهذب» و «المعتمد» و «الروضة» و «المقرب» و «عماد المحتاج في مناسك الحاج» أخبرنا بها الوالد، عن والده، عنه (1).

2- و يقول ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» (2): أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز، المعروف بابن البراج، من غلمان [1] المرتضى رضي الله عنه، له كتب في الأصول و الفروع، فمن الفروع: الجواهر، المعالم، المنهاج، الكامل، روضة النفس في أحكام العبادات الخمس، المقرب، المهذب، التعريف، شرح جمل العلم و العمل للمرتضى (رحمه الله) (3).

____________

[1] المراد من الغلمان في مصطلح الرجاليين هو الخصيص بالشيخ، حيث أنه تلمذ عليه و صار من بطانة علومه

____________

(1) بحار الأنوار ج 102 ص 441، و قد طبع فهرس منتجب الدين في هذا الجزء من اجزاء البحار.

(2) معالم العلماء ص 80

(3) معالم العلماء ص 80

32

3- و قال العلامة الحلي في إجازته لأولاد زهرة المدرجة في كتاب الإجازات للمجلسي الملحق بآخر أجزاء البحار قال: و من ذلك جميع كتب الشيخ عبد العزيز بن نحرير البراج (1).

4- و قال الشهيد في بعض مجاميعه في بيان تلامذة السيد المرتضى-: و منهم أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج، و كان قاضي طرابلس، ولاه القاضي جلال الملك (رحمه الله) و كان أستاذ أبي الفتح الصيداوي، و ابن رزح [كذا]، من أصحابنا.

5- و قال ابن فهد في اصطلاحات المهذب: و بالقاضي عبد العزيز بن البراج تولى قضاء طرابلس عشرين سنة.

و قال في رموز الكتاب: «و بكتابي القاضي: إلى المهذب و الكامل (2).

6- و قال الشيخ على الكركي في إجازته للشيخ برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن على- في حق ابن البراج: الشيخ السعيد، خليفة الشيخ الإمام أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي بالبلاد الشامية، عز الدين عبد العزيز بن نحرير بن البراج (قدس سره) (3).

7- و ذكره الشهيد الثاني في إجازته قال: «. و عن السيد المرتضى علم الهدى، و عن الشيخ سلار و القاضي عبد العزيز بن البراج، و الشيخ ابى الصلاح بجميع ما صنفوه و رووه».

و قال في حاشية هذا الموضع: وجدت بخط شيخنا الشهيد ان ابن البراج تولى قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين (4)

____________

(1) البحار ج 102 ص 265

(2) الفوائد الرجالية ج 3 ص 63

(3) رياض العلماء ج 3 ص 144، و ما نقلناه من الشهيد آنفا نقلناه من ذاك المصدر.

(4) و لاحظ الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم ج 3 ص 62

33

8- و قال بعض تلامذة الشيخ على الكركي، في رسالته المعمولة في ذكر أسامي مشايخ الأصحاب: و منهم الشيخ عبد العزيز بن البراج الطرابلسي، صنف كتبا نفيسة منها: المهذب، و الكامل، و الموجز، و الإشراق، و الجواهر، و هو تلميذ الشيخ محمد بن الحسن الطوسي.

9- و قال الأفندي التبريزي في الرياض: و قد وجدت منقولا عن خط الشيخ البهائي، عن خط الشهيد أنه تولى ابن البراج قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين سنة، و كان للشيخ ابى جعفر الطوسي أيام قراءته على السيد المرتضى كل شهر اثنا عشر دينارا و لابن البراج كل شهر ثمانية دنانير، و كان السيد المرتضى يجرى على تلامذته جميعا.

10- و نقل عن بعض الفضلاء أن ابن البراج قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع و عشرين و أربع مائة الى أن مات المرتضى، و أكمل قراءته على الشيخ الطوسي، و عاد الى طرابلس في سنة ثمان و ثلاثين و أربع مائة، و أقام بها الى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة احدى و ثمانين و أربعمائة و قد نيف على الثمانين (1).

11- و نقل صاحب الروضات عن «أربعين الشهيد»، نقلا عن خط صفي الدين المعد الموسوي: أن سيدنا المرتضى- رضي الله عنه- كان يجرى على تلامذته رزقا فكان للشيخ أبى جعفر الطوسي (رحمه الله) أيام قراءته عليه كل شهر اثنا عشر دينارا و للقاضي كل شهر ثمانية دنانير، و كان وقف قرية على كاغذ الفقهاء (2).

12- و قال عنه التفريشى في رجاله: فقيه الشيعة الملقب بالقاضي و كان قاضيا

____________

(1) رياض العلماء ج 3 ص 141- 142

(2) روضات الجنات ج 4 ص 230 و اقرأ ذيله في رجال السيد بحر العلوم ج 3 ص 105 فإنه يفيدك.

34

بطرابلس (1).

13- و قال المولى نظام الدين القريشي في نظام الأقوال: عبد العزيز بن البراج، أبو القاسم، شيخ من أصحابنا، قرأ على السيد المرتضى في شهور سنة تسع و عشرين و أربع مائة و كمل قراءته على الشيخ الطوسي، و عبر عنه بعض- كالشهيد في الدروس و غيره- بالقاضي، لأنه ولي قضاء طرابلس عشرين سنة أو ثلاثين، مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة احدى و ثمانين و أربع مائة (2).

14- و قال الشيخ الحر العاملي في أمل الأمل .. وجه الأصحاب و فقيههم، و كان قاضيا بطرابلس، و له مصنفات، ثم ذكر نفس ما ذكره منتجب الدين في فهرسه، و ابن شهرآشوب في معالمه، و التفريشى في رجاله (3).

15- و قال المجلسي في أول البحار: و كتاب المهذب و كتاب الكامل و كتاب جواهر الفقه للشيخ، الحسن المنهاج، بعد العزيز بن البراج، و كتب الشيخ الجليل ابن البارج كمؤلفها في غاية الاعتبار (4).

16- و في مجمع البحرين. مادة «برج»: و ابن البراج: أبو القاسم عبد العزيز من فقهاء الإمامية و كان قاضيا بطرابلس.

17- و قال التستري في مقابيس الأنوار: الفاضل الكامل، المحقق المدقق، الحائز للمفاخر و المكارم و محاسن المراسم: الشيخ سعد الدين و عز المؤمنين، أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج الطرابلسي الشامي نور الله مرقده السامي، و هو من غلمان المرتضى، و كان خصيصا بالشيخ و تلمذ عليه و صار خليفته في البلاد الشامية، و روى عنه و عن الحلبي، و ربما استظهر تلمذته على الكراجكي و روايته

____________

(1) نقد الرجال ص 189

(2) رياض العلماء ج 3 ص 145، نقلا عن نظام الأقوال

(3) أمل الأمل ج 2 ص 152- 153

(4) بحار الأنوار ج 1 ص 20 و 38

35

عنه أيضا [1] و صنف الشيخ له- بعد سؤاله- جملة من كتبه معبرا عنه في أوائلها بالشيخ الفاضل، و هو المقصود به و المعهود، كما صرح به الراوندي في «حل المعقود»، و كتب الشيخ أجوبة مسائل له أيضا، و كان من مشايخ ابن أبى كامل، و الشيخ حسكا، و الشيخ عبد الجبار، و الشيخ محمد بن على بن محسن الحلبي، و روى عنه ابناه الأستاذان: أبو القاسم و أبو جعفر اللذان يروى عنهما القطب الراوندي و ابن شهرآشوب السروي و غيرهم، و له كتب منها، المهذب، و الجواهر، و شرح جمل المرتضى، و الكامل، و روضة النفس، و المعالم، و المقرب، و المعتمد، و المنهاج و عماد المحتاج في مناسك الحاج، و الموجز، و غيرها، و لم أقف الا على الثلاثة الأول، و يعبر عنه كثيرا بابن البراج (1).

18- و قال المتتبع النوري .. الفقيه العالم الجليل، القاضي في طرابلس الشام في مدة عشرين سنة، تلميذ علم الهدى و شيخ الطائفة، و كان يجرى السيد عليه في كل شهر دينار (الصحيح ثمانية دنانير)، و هو المراد بالقاضي على الإطلاق في لسان الفقهاء، و هو صاحب المهذب و الكامل و الجواهر و شرح الجمل للسيد و الموجز و غيرها. توفي- (رحمه الله)- ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة 481 هو كان مولده و منشأه بمصر (2).

19- و قال السيد الأمين العاملي: وجه الأصحاب، و كان قاضيا بطرابلس، و له مصنفات،. كتاب في الكلام، و كان في زمن بنى عمار (3).

____________

[1] سيوافيك من صاحب رياض العلماء خلافه و أن الذي تتلمذ عليه هو تلميذ القاضي لا نفسه، و أن الاشتباه حصل من الوحدة في الاسم و اللقب.

____________

(1) مقابيس الأنوار ص 7- 9

(2) المستدرك ج 3 ص 481

(3) أعيان الشيعة ج 7 ص 18

36

- و قال الحجة السيد حسن الصدر عنه: القاضي ابن البراج، هو الشيخ أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، وجه الأصحاب و فقيههم إمام في الفقه، واسع العلم، كثير التصنيف، كان من خواص تلامذة السيد المرتضى حضر عالي مجلس السيد في شهور سنة 429 الى أن توفي السيد.

ثم لازم شيخ الطائفة أبا جعفر الطوسي حتى صار خليفة الشيخ و واحد أهل الفقه، فولاه جلاف الملك قضاء طرابلس سنة 438، و أقام بها الى أن مات ليلة الجمعة لتسع خلون من شعبان سنة احدى و ثمانين و أربعمائة، و قد نيف على الثمانين، و كان مولده بمصر و بها منشأه (1).

الى غير ذلك من الكلمات المشابهة و المترادفة الواردة في كتب التراجم و الرجال التي تعرف مكانة الرجل و مرتبته في الفقه و كونه أحد أعيان الطائفة في عصره، و قاضيا من قضاتهم في طرابلس.

غير أن من المؤسف إن أرباب التراجم الذين تناولوا ترجمة الرجل عمدوا الى نقل الكلمات حوله آخذين بعضهم من بعضهم من دون تحليل لشخصيته، و من دون أن يشيروا إلى ناحية من نواحي حياته العلمية و الاجتماعية.

و لأجل ذلك نحاول في هذه المقدمة القصيرة تسليط شيء من الضوء على حياته، و تحليلها حسبما يسمح لنا الوقت.

أضواء على حياة المؤلف:

ميلاده: لم نقف على مصدر يعين تاريخ ميلاد المترجم له على وجه دقيق، غير أن كلمة الرجاليين و المترجمين له اتفقت على أنه توفي عام 481 هو قد نيف على الثمانين، فعلى هذا فإن أغلب الظن أنه- (رحمه الله)- ولد عام 400 هأو قبل هذا التأريخ بقليل.

____________

(1) تأسيس الشيعة لفنون الإسلام ص 304

37

هو شامي لا مصرى:

و أما موطنه فقد نقل صاحب «رياض العلماء» عن بعض الفضلاء أنه كان مولده بمصر، و بها منشأه (1).

و أخذ منه صاحب «المقابيس» و السيد الصدر كما عرفت، و لكنه بعيد جدا.

و الظاهر أنه شامي لا مصرى، و لو كان من الديار المصرية لزم عادة أن ينتحل المذهب الإسماعيلي، و ينسلك في سلك الاسماعيليين، لان المذهب الرائج في مصر- يومذاك- كان هو المذهب الإسماعيلي، و كان الحكام هناك من الفاطميين يروجون لذلك المذهب، فلو كان المترجم له مصرى المولد و المنشأ فهو بطبع الحال إذا لم يكن سنيا، يكون اسماعيليا، و بما أنه يعد من أبطال فقهاء الشيعة الإمامية لزم أن يشتهر انتقاله من مذهب الى مذهب، و لذاع و بان، مع انه لم يذكر في حقه شيء من هذا القبيل.

هذا هو القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي، الفقيه الفاطمي الإسماعيلي، مؤلف كتاب «دعائم الإسلام» المتوفى في القاهرة في جمادى الآخرة عام 363 هقد عاش بين الفاطميين و ألف على مذهبهم، و مات عليه، و صلى عليه المعز لدين الله و ترجمه السيد بحر العلوم في الجزء الرابع ص 145 من فوائده و علق عليه المعلق تعليقات مفيدة فشكر الله مساعي المؤلف و المعلق فلاحظ.

فالظاهر أن ابن البراج شامي، و قد انتقل بعد تكميل دراسته في بغداد الى مولده- البلاد الشامية- للقيام بواجباته، و حفظ الشيعة من الرجوع الى محاكم الآخرين

____________

(1) رياض العلماء ج 3 ص 143

38

الرزق بحسب الدرجة العلمية:

قد وقفت في غضون كلمات الرجاليين و المترجمين ان السيد المرتضى كان يجرى الرزق على الشيخ الطوسي اثنى عشر دينارا و على المؤلف ثمانية دنانير، و هذا يفيد أن المؤلف كان التلميذ الثاني من حيث المرتبة و البراعة بعد الشيخ الطوسي في مجلس درس السيد المرتضى، كيف و قد اشتغل الشيخ بالدراسة و التعلم قبله بخمسة عشر عاما، لأنه تولد عام 400 هأو قبله بقليل و ولد الشيخ الطوسي عام 385 ه.

و حتى لو فرض أنهما كانا متساويين في العمر و مدة الدراسة و لكن براعة الشيخ و توقده و نبوغه مما لا يكاد ينكر، و على كل تقدير فالظاهر أن هذا السلوك من السيد بالنسبة لتلميذيه كان بحسب الدرجة العلمية.

هو الزميل الأصغر للشيخ:

لقد حضر المؤلف درس السيد المرتضى- (رحمه الله)- عام 429 هو هو ابن ثلاثين سنة أو ما يقاربه فقد استفاد من بحر علمه و حوزة درسه قرابة ثمان سنين، حيث أن المرتضى لبى دعوة ربه لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 (1).

فعند ما لبى الأستاذ دعوة ربه، حضر درس الشيخ الى أن نصب قاضيا في طرابلس عام 438، و على ذلك فقد استفاد من شيخه الثاني قرابة ثلاث سنوات، و مع ذلك كله فالحق أن القاضي ابن البراج زميل الشيخ في الحقيقة، و شريكه في التلمذ على السيد المرتضى، و أنه بعد ما لبى السيد المرتضى دعوة ربه و انتهت رئاسة الشيعة- في بغداد- الى الشيخ الطوسي، حضر درس الشيخ الطوسي توحيدا للكلمة، و تشرفا و افتخارا، أولا، و استفادة ثانيا كما قبل من جانبه الخلافة و النيابة في البلاد الشامية.

و تدل على أن ابن البراج كان زميلا صغيرا للشيخ لا تلميذا له أمور:

____________

(1) فهرس النجاشي ص 193

39

1- عند ما توفي أستاذه السيد المرتضى (رحمه الله)، كان القاضي ابن البراج قد بلخ مبلغا كبيرا من العمر، يبلغ الطالب- في مثله- مرتبة الاجتهاد، و هو قرابة الأربعين، فيبعد أن يكون حضوره في درس الشيخ الطوسي من باب التلمذ المحض بل هو لأجل ما ذكرناه قبل قليل.

2- ان السيد المرتضى عمل كتابا باسم «جمل العلم و العمل» في الكلام و الفقه على وجه موجز، ملقيا فيها الأصول و القواعد في فن الكلام و الفقه.

و قد تولى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي شرح القسم الكلامي منه و هو ما يعز عنه ب«تمهيد الأصول» و قد طبع الكتاب بهذا الاسم و انتشر.

بينما تولى القاضي ابن البراج- المترجم له- شرح القسم الفقهي و من هذا يظهر زمالة هذين العلمين، بعضهما لبعض في المجالات العلمية، فكل واحد يشرح قسما خاصا من كتاب أستاذهما.

3- ان شيخنا المؤلف ينقل في كتابه «شرح جمل العلم و العمل» عند البحث عن جواز إخراج القيمة من الأجناس الزكوية ما هذا عبارته: «و قد ذكر في ذلك ما أشار إليه صاحب الكتاب رضي الله عنه من الرواية الواردة، من الدرهم أو الثلثين، و الأحوط إخراجها بقيمة الوقت، و هذا الذي استقر تحريرنا له مع شيخنا أبى جعفر الطوسي و رأيت من علمائنا من يميل الى ذلك» (1).

و هذه العبارة تفيد زمالتهما في البحث و التحرير.

4- نرى أن المؤلف عند ما يطرح في كتابه «المهذب» آراء الشيخ يعقبه بنقد بناء و مناقشة جريئة، و هذا يعطى كونه زميلا للشيخ لا تلميذا آخذا، و نأتي لذلك بنموذجين:

____________

(1) شرح جمل العلم و العمل ص 268، و قد حقق نصوصه الأستاذ مدير شانهچى دام ظله.

40

أولا- فهو يكتب في كتاب الايمان من «المهذب» إذا ما حلف الرجل على عدم أكل الحنطة فهل يحلف إذا أكلها دقيقا أولا، ما هذا عبارته:

كان الشيخ أبو جعفر الطوسي- (رحمه الله)- قد قال لي يوما في الدرس: أن أكلها على جهتها حنث، و ان أكلها دقيقا أو سويقا لم يحنث.

فقلت له: و لم ذلك؟ و عين الدقيق هي عين الحنطة، و انما تغيرت بالتقطيع الذي هو الطحن.

فقال: قد تغيرت عما كانت عليه. و ان كانت العين واحدة، و هو حلف أن لا يأكل ما هو مسمى بحنطة لا ما يسمى دقيقا.

فقلت له: هذا لم يجز في اليمين، فلو حلف: لا أكلت هذه الحنطة ما دامت تسمى حنطة، كان الأمر على ما ذكرت، فإنما حلف أن لا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة.

فقال: على كل حال قد حلف أن لا يأكلها و هي على صفة، و قد تغيرت عن تلك الصفة، فلم يحنث.

فقلت: الجواب هاهنا مثل ما ذكرته أولا، و ذلك: ان كنت تريد أنه حلف أن لا يأكلها و هي على صفة. أنه أراد على تلك الصفة، فقد تقدم ما فيه، فان كنت لم ترد ذلك فلا حجة فيه.

ثم يلزم على ما ذكرته أنه لو حلف أن لا يأكل هذا الخيار و هذا التفاح، ثم قشره و قطعه و أكله لم يحنث و لا شبهة في أنه يحنث.

فقال: من قال في الحنطة ما تقدم، يقول في الخيار و التفاح مثله.

فقلت له: إذا قال في هذا مثل ما قاله في الحنطة علم فساد قوله بما ذكرته من أن العين واحدة، اللهم الا ان شرط في يمينه أن لا يأكل هذا الخيار أو هذا التفاح و هو على ما هو عليه، فأن الأمر يكون على ما ذكرت، و قد قلنا ان اليمين لم يتناول ذلك.

41

ثم قلت: ان الاحتياط يتناول ما ذكرته، فأمسك (1).

ثانيا- ما جاء في كتاب الطهارة، عند ما إذا اختلط المضاف بالماء المطلق و كانا متساويين في المقدار، فذهب القاضي إلى أنه لا يجوز استعماله في رفع الحدث، و لا إزالة النجاسة، و يجوز في غير ذلك، ثم قال:

و قد كان الشيخ أبو جعفر الطوسي- (رحمه الله)- قال في يوما في الدرس: هذا الماء يجوز استعماله في الطهارة و ازالة النجاسة.

فقلت له و لم أجزت ذلك مع تساويهما؟

فقال: إنما أجزت ذلك لان الأصل الإباحة.

فقلت: له الأصل و ان كان هو الإباحة، فأنت تعلم أن المكلف مأخوذ بأن لا يرفع الحدث و لا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه الا بالماء المطلق، فتقول أنت بأن هذا الماء مطلق؟! فقال: أ فتقول أنت بأنه غير مطلق؟.

فقلت له: أنت تعلم أن الواجب أن تجيبني عما سألتك عنه قبل أن تسألني ب«لا» أو «نعم» ثم تسألني عما أردت، ثم اننى أقول بأنه غير مطلق.

فقال: أ لست تقول فيها إذا اختلطا و كان الأغلب و الأكثر المطلق فهما مع التساوي كذلك؟

فقلت له: انما أقول بأنه مطلق إذا كان المطلق هو الأكثر و الأغلب، لأن ما ليس بمطلق لم يؤثر في إطلاق اسم الماء عليه، و مع التساوي قد أثر في إطلاق هذا الاسم عليه، فلا أقول فيه بأنه مطلق، و لهذا لم تقل أنت بأنه مطلق، و قلت فيه بذلك إذا كان المطلق هو الأكثر و الأغلب، ثم ان دليل الاحتياط تناول ما ذكرته، فعاد الى الدرس و لم يذكر فيه شيئا (2).

و هذا النمط من البحث و النقاش و الأخذ و الرد في أثناء الدروس يرشد الى

____________

(1) المهذب كتاب الكفارات ج 2 ص 419 و 420.

(2) المهذب، كتاب الطهارة ج 1 ص 24- 25

42

مكانة القاضي في درس الشيخ الطوسي و ان منزلته لم تكن منزلة التلميذ بل كان رجلا مجتهدا ذا رأى و نظر ربما قدر على إقناع أستاذه و إلزامه برأيه.

5- ان الناظر في ثنايا كتاب «المهذب» يرى بأن المؤلف- المترجم له- يعبر عن أستاذ السيد المرتضى بلفظة «شيخنا» بينما يعبر عن «الشيخ الطوسي «بلفظة الشيخ أبو جعفر الطوسي» لا ب«شيخنا» و الفارق بين التعبيرين واضح و بين.

و هذا و ان لم يكن قاعدة مطردة في هذا الكتاب الا انها قاعدة غالبية. نعم عبر في «شرح جمل العلم و العمل» عنه ب«شيخنا» كما نقلناه.

6- ينقل هو رأى الشيخ الطوسي- (رحمه الله)- في مواضع كثيرة بلفظ «ذكر» أى قيل، و قد وجدنا موارده في مبسوط الشيخ- (رحمه الله)- و نهايته.

و لا شك أن هذا التعبير يناسب تعبير الزميل عن الزميل لا حكاية التلميذ عن أستاذه و على كل تقدير فرحم الله الشيخ و القاضي بما أسديا إلى الأمة من الخدمات العلمية، و وفقنا للقيام بواجبنا تجاه هذين العلمين، و الطودين الشامخين، سواء أ كانا زميلين أو استاذا و تلميذا.

استمرار الاجتهاد و المناقشة في آراء الشيخ:

لقد نقل صاحب المعالم عن والده- الشهيد الثاني- (رحمه الله) بأن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه و حسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ و متابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء، و ما دروا أن مرجعها الى الشيخ و أن الشهرة إنما حصلت بمتابعته.

قال الوالد- قدس الله نفسه-: و ممن اطلع على هذا الذي تبينته و تحققته من غير تقليد: الشيخ الفاضل المحقق سديد الدين محمود الحمصي، و السيد رضي الدين ابن طاوس، و جماعة.

و قال السيد- (رحمه الله)- في كتابه المسمى: ب«البهجة لثمرة المهجة»: أخبرني

43

جدي الصالح(قدس الله روحه) و رام بن أبي فراس(قدس الله روحه) أن الحمصي حدثه أنه لم يبق مفت للإمامية على التحقيق بل كلهم حاك. و قال السيد عقيب ذلك:

و الان فقد ظهر لي أن الذي يفتي به و يجاب على سبيل ما حفظ من كلام المتقدمين (1) و لكن هذا الكلام على إطلاقه غير تام، لما نرى من أن ابن البراج قد عاش بعد الشيخ أزيد من عشرين سنة، و ألف بعض كتبه كالمهذب بعد وفاة الشيخ و ناقش آراءه بوضوح، فعند ذلك لا يستقيم هذا القول على إطلاقه: «لم يبق مفت للإمامية على التحقيق بل كلهم حاك».

و خلاصة القول أن في الكلام المذكور نوع مبالغة، لوجود مثل هذا البطل العظيم، و هذا الفقيه البارع.

مدى صلته بالشيخ الطوسي:

قد عرفت مكانة الشيخ و منزلته العلمية، فقد كان الشيخ الطوسي ينظر اليه بنظر الإكبار و الإجلال، و لأجل ذلك نرى أن الشيخ ألف بعض كتبه لأجل التماسه و سؤاله فها هو الشيخ الطوسي يصرح في كتابه «المفصح في إمامة أمير المؤمنين» بأنه ألف هذا الكتاب لأجل سؤال الشيخ (ابن البراج) منه فيقول:

سألت أيها الشيخ الفاضل أطال الله بقاءك و أدام تأييدك إملاء كلام في صحة إمامة أمير المؤمنين، على بن أبى طالب، (صلوات الله عليه) (2) كما أنه ألف كتابه «الجمل و العقود» بسؤاله أيضا حيث قال: أما بعد فأنا مجيب الى ما سأل الشيخ الفاضل- أدام الله بقاءه-، من إملاء مختصر يشتمل على ذكر كتب العبادات (3).

و نرى أنه ألف كتابه الثالث «الإيجاز في الفرائض و المواريث» بسؤال الشيخ

____________

(1) معالم الدين- الطبعة الجديدة- المطلب الخامس في الإجماع ص 408

(2) الرسائل العشر ص 117.

(3) الرسائل العشر ص 155.

44

أيضا فيقول: سألت أيدك الله إملاء مختصر في الفرائض و المواريث (1).

و لم يكتف الشيخ بذلك، فألف رجاله بالتماس هذا الشيخ أيضا إذ يقول:

أما بعد فانى قد أجبت الى ما تكرر سؤال الشيخ الفاضل فيه، من جمع كتاب يشتمل على أسماء الرجال الذين رووا عن النبي (صلى الله عليه و آله)، و عن الأئمة من بعده الى زمن القائم (عليهم السلام)، ثم أذكر من تأخر زمانه عن الأئمة من رواة الحديث (2).

و يقول المحقق الطهراني في مقدمته على «التبيان» عند البحث عن «الجمل و العقود»: قد رأيت منه عدة نسخ في النجف الأشرف، و في طهران، ألفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية، و هو القاضي ابن البراج، و قد صرح في هامش بعض الكتب القديمة بأن القاضي المذكور هو المراد بالشيخ، كما ذكرناه في الذريعة ج 5 ص 145 (3) و يقول المحقق الشيخ محمد واعظ زاده في تقديمه على كتاب «الرسائل العشر»:

و في هامش النسخة من كتاب «الجمل و العقود» التي كانت بأيدينا، قد قيد أن الشيخ هو ابن البراج.

و على ذلك يحتمل أن يكون المراد من الشيخ الفاضل في هذه الكتب الثلاثة هو الشيخ القاضي ابن البراج، كما يحتمل أن يكون هو المراد في ما ذكره في أول كتاب الفهرس حيث قال:

و لما تكرر من الشيخ الفاضل- ادام الله تأييده- الرغبة في ما يجرى هذا المجرى و توالى منه الحث على ذلك، و رأيته حريصا عليه، عمدت الى كتاب يشتمل على ذكر المصنفات و الأصول و لم أفرد أحدهما عن الأخر.، و ألتمس بذلك القربة الى الله تعالى، و جزيل ثوابه، و وجوب حق الشيخ الفاضل- أدام الله تأييده-، و أرجو أن يقع ذلك موافقا لما طلبه ان شاء الله تعالى (4).

و نرى نظير ذلك في كتابه الخامس أعنى «الغيبة» حيث يقول:

____________

(1) الرسائل العشر ص 269

(2) رجال الشيخ ص 2

(3) التبيان ج 1 مقدمة المحقق الطهراني ص (ث)

(4) فهرس الشيخ ص 24

45

فانى مجيب الى ما رسمه الشيخ الجليل أطال الله بقاه، من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان (1). و ربما يحتمل أن يكون المراد من الشيخ في الكتاب الخامس، هو الشيخ المفيد، و لكنه غير تام لوجهين.

أولا: انه(قدس سره) قد عين تاريخ تأليف الكتاب عند البحث عن طول عمره حيث قال: فان قيل: ادعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات، مع بقائه- على قولكم- كامل العقل تام القوة و الشباب، لأنه على قولكم في هذا الوقت الذي هو سنة سبع و أربعين و أربع مائة.

و من المعلوم ان الشيخ المفيد قد توفي قبل هذه السنة ب34 عاما.

أضف الى ذلك أنه يصرح في أول كتاب الغيبة بأنه (رسمه مع ضيق الوقت و شعت الفكر، و عوائق الزمان، و طوارق الحدثان)، و هو يناسب أخريات اقامة الشيخ في بغداد، حيث حاقت به كثير من الحوادث المؤسفة المؤلمة، حتى ألجأت الشيخ الى مغادرة بغداد مهاجرا الى النجف الأشرف، حيث دخل طغرل بك السلجوقي بغداد عام 447، و اتفق خروج الشيخ منها بعد ذلك عام 448، فقد أحرق ذلك الحاكم الجائر مكتبة الشيخ و الكرسي الذي يجلس عليه في الدرس، و كان ذلك في شهر صفر عام 448 (2) أضف الى ذلك أن شيخ الطائفة ألف كتابا خاصا باسم «مسائل ابن البراج» نقله شيخنا الطهراني في مقدمة «التبيان» عن فهرس الشيخ (3).

أساتذته:

لا شك أن ابن البراج- (رحمه الله)- أخذ أكثر علومه عن أستاذه السيد المرتضى

____________

(1) الغيبة ص 78.

(2) لاحظ المنتظم لابن الجوزي ج 8 ص 173، الكامل لابن الأثير ج 8 ص 81.

(3) التبيان ص أ- ب. و نص به أيضا العلامة الطباطبائي في فوائده الرجالية لاحظ ج 3 ص 233

46

(رحمه الله)- و تخرج على يديه، قال السيد بحر العلوم الفوائد ج 3 ص 139 «و قد تلمذ على السيد المرتضى و أخذ عنه العلم و الفقه، الجم الغفير من فضلاء أصحابنا و أعيان فقهائنا منهم. و القاضي السعيد عبد العزيز بن البراج». و حضر بحث شيخ الطائفة على النحو الذي سمعت، غير أننا لم نقف على أنه عمن أخذ أوليات دراساته في الأدب و غيره و ربما يقال أنه تتلمذ على المفيد، كما في «رياض العلماء» (1) و هو بعيد جدا، لان المفيد توفي عام 413 ه، و القاضي بعد لم يبلغ الحلم لأنه من مواليد 400 أو بعام قبله، و مثله لا يقدر على الاستفادة عادة من بحث عالم نحرير كالمفيد- (رحمه الله)- و قد ذكر التستري صاحب المقابيس أنه تلمذ على الشيخ أبى الفتح محمد بن على بن عثمان الكراجكي. أحد تلاميذ المفيد ثم السيد، و مؤلف كتاب «كنز الفوائد» و غيره من المؤلفات البالغة ثلاثين تأليفا (2).

و قال في الرياض ناقلا عن المجلسي في فهرس بحاره: ان عبد العزيز بن البراج الطرابلسي من تلاميذ أبى الفتح الكراجكي، ثم استدرك على المجلسي بان تلميذه هو القاضي عبد العزيز بن أبى كامل الطرابلسي، لا عبد العزيز بن نحرير (3) غير أن التستري لم يذكر على ما قاله مصدرا، نعم بحسب طبع الحال فقد أخذ عن مثله.

و ربما يقال بتلمذه على ابى يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، صهر الشيخ المفيد و خليفته، و الجالس محله الذي و صفة النجاشي في رجاله بقوله: بأنه متكلم فقيه قيم بالأمرين جميعا [1].

____________

[1] النجاشي ص 288، و هذا الشيخ هو الذي اشترك مع النجاشي في تغسيل السيد المرتضى، يقول الشيخ النجاشي عند ترجمة المرتضى: و توليت غسله و معى الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري و سالار بن عبد العزيز، و بذلك يظهر أنه كان حيا عام وفاة المرتضى، و هو 436 هفلا يصح القول بأنه قد توفي عام 433، بل هو توفي اما في 443، أو 463 و الأخير هو الحق الحقيق بالتصديق لاحظ مقال العلامة الحجة السيد موسى الزنجاني دام ظله في مجلة «نور علم» العدد 11 و 12.

و ليعلم أن الشيخ أبا يعلى غير محمد بن على بن حمزة الطوسي المشهدي، و هو الذي يقول فيه الشيخ منتجب الدين: فقيه، عالم، واعظ له تصانيف منها: الوسيلة، الواسطة، الرائع في الشرائع، المعجزات، مسائل في الفقه، (البحار ج 102 ص 271).

____________

(1) رياض العلماء ج 3 ص 413.

(2) ريحانة الأدب ج 5 ص 40.

(3) رياض العلماء ج 3 ص 142

47

و لم نقف على مصدر لهذا القول، سوى ما ذكره الفاضل المعاصر الشيخ كاظم مدير شانهچى في مقدمة كتاب لشرح (جمل العلم و العمل) للقاضي ابن البراج.

و ربما عد من مشايخه أبو الصلاح تقى الدين بن نجم الدين المولود عام 347 و المتوفى عام 447، عن عمر يناهز المائة، و هو خليفة الشيخ في الديار الحلبية، كما كان القاضي خليفته في ناحية طرابلس.

كما يحتمل تلمذه على حمزة بن عبد العزيز الملقب بسلار المتوفى عام 463، المدفون بقرية خسروشاه من ضواحي تبريز، صاحب المراسم و لم نجد لذلك مصدرا و انما هو و ما قبله ظنون و احتمالات، و تقريبات من الشيخ الفاضل المعاصر «مدير شانهچى» و على ذلك فقد تلمذ المترجم له على الشيخ أبى عبد الله جعفر بن محمد الدوريستى الذي هو «ثقة عين، عدل، قرأ على شيخنا المفيد، و المرتضى علم الهدى» (1) و قد ذكر الفاضل المعاصر من مشايخه عبد الرحمن الرازي، و الشيخ المقرئ ابن خشاب، و نقله عن فهرس منتجب الدين، غير أنا لم نقف على ذلك في فهرس منتجب الدين و انما الوارد فيه غير ذلك. [1]

فقد قال الشيخ منتجب الدين: الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الحسين النيسابوري الخزاعي، شيخ الأصحاب بالري، حافظ، ثقة، واعظ، سافر في البلاد شرقا و غربا، و سمع الأحاديث عن المؤالف و المخالف، و قد قرأ على السيدين: علم الهدى المرتضى، و أخيه الرضى، و الشيخ أبى جعفر الطوسي، و المشايخ:

____________

[1] و قد رفعنا رسالة في هذا الموضوع الى الفاضل المعاصر «مدير شانهچى» فتفضل بالجواب مصرحا بأن الحق انهما من تلاميذه لا من مشايخه.

____________

(1) فهرس منتجب الدين ص 215- 216.

48

سالار، و ابن البراج، و الكراجكي (رحمهم الله جميعا) و قال أيضا: الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن على المقرئ الرازي فقيه الأصحاب بالري، قرأ عليه في زمانه قاطبة المتعلمين من السادة و العلماء، و قد قرأ على الشيخ أبى جعفر الطوسي جميع تصانيفه و قرأ على الشيخين سالار و ابن البراج (1).

عام تأليف الكتاب:

قد ذكر القاضي في كتاب الإجارة تاريخ اشتغاله بكتابة باب الإجارة و هو عام 467 [1]. فالكتاب حصيلة ممارسة فقهية، و مزاولة طويلة شغلت عمر المؤلف مدة لا يستهان بها، و على ذلك فهو ألف الكتاب بعد تخلية عن القضاء لأنه اشتغل بالقضاء عام 438 و مارسها بين عشرين و ثلاثين عاما، فعلى الأول كتبها بعد التخلي عنه، و على الثاني اشتغل بالكتابة في أخريات ممارسته للقضاء.

و على ذلك فالكتاب يتمتع بأهمية كبرى، لأنه- (رحمه الله)- وقف في أيام توليه للقضاء على موضوعات و مسائل مطروحة على صعيد القضاء، فتناولها بالبحث في الكتاب و أوضح أحكامها، فكم فرق بين كتاب فقهي يؤلف في زوايات المدرسة من غير ممارسة عملية للقضاء، و كتاب يؤلف بعد الممارسة لها أو خلالها.

و لأجل ذلك يعتبر الكتاب الحاضر «المهذب» من محاسن عصره.

تلاميذه:

كان شيخنا المترجم له يجاهد على صعيد القضاء بينما هو يؤلف في موضوعات فقهية و كلامية، و في نفس الوقت كان مفيدا و مدرسا، فقد تخرج على يديه عدة من الأعلام نشير الى بعضهم:

____________

[1] راجع الجزء الثاني، كتاب الإجارة ص 476 قال: إذا استأجر دارا فقال المؤجر و هو مثلا في رجب: أجرتك هذه الدار في شهر رمضان، أو كان في مثل هذه السنة و هي سنة سبع و ستين و أربع مائة، فقال: أجرتك هذه الدار سنة ثمان و ستين و أربع مائة، الى آخره.

____________

(1) بحار الأنوار ج 102- فهرس الشيخ منتجب الدين- 242.

49

1- الحسن بن عبد العزيز بن المحسن الجبهاني (الجهيانى) المعدل بالقاهرة فقيه، ثقة، قرأ على الشيخ أبى جعفر الطوسي، و الشيخ ابن البراج (رحمهم الله جميعا) (1).

2- الداعي بن زيد بن على بن الحسين بن الحسن الأفطسي الحسيني الاوى، الذي عمر عمرا طويلا كما ذكره صاحب المعالم في إجازته الكبيرة، و هو يروى عن المرتضى، و الطوسي، و سلار، و ابن البراج، و التقي الحلبي جميع كتبهم و تصانيفهم و جميع ما رووه و أجيز لهم روايته (2).

3- الشيخ الامام شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، نزيل الري المدعو حسكا، جد الشيخ منتجب الدين الذي يقول نجله في حقه: فقيه، ثقة، قرأ على شيخنا الموفق أبى جعفر(قدس الله روحه) جميع تصانيفه بالغري- على ساكنه السلام- و قرأ على الشيخين: سلار بن عبد العزيز، و ابن البراج جميع تصانيفهما (3) 4- الشيخ المفيد أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي 5- الشيخ المفيد عبد الجبار بن عبد الله بن على المقرى الرازي، و قد توفي بطرابلس، و دفن في حجرة القاضي، كما حكى عن خط جد صاحب المدارك، عن خط الشهيد و كان حيا الى عام 503 (4).

و قد عرفت نص الشيخ منتجب الدين في حق الرجلين.

6- الشيخ أبو جعفر محمد بن على بن المحسن الحلبي، فقيه، صالح، أدرك الشيخ أبا جعفر الطوسي- (رحمه الله)- (5).

و قال في «الرياض»: انه يظهر من اجازة الشيخ على الكركي للشيخ على الميسي و غيرها من المواضع، انه يروى عن القاضي عبد العزيز بن البراج(قدس الله روحه)

____________

(1) فهرس منتجب الدين المطبوع في الجزء 102 من البحار ص 219.

(2) المستدرك ج 3 ص 444، طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 75.

(3) فهرس منتجب الدين المطبوع في بحار الأنوار ج 102 ص 219.

(4) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 103 و 107.

(5) فهرس منتجب الدين المطبوع في بحار الأنوار ج 102 ص 265.

50

الشيخ أبو جعفر محمد بن محسن الحلي [1] و ينقل عنه.

و قال في تلك الإجازة في مدح ابن البراج هكذا: الشيخ السعيد الفقيه، الحبر العلامة، عز الدين، عبد العزيز بن البراج- قدس الله سره- (1).

7- عبد العزيز بن أبى كامل القاضي عز الدين الطرابلسي، سمى شيخنا المترجم له، يروى عن المترجم له، و الشيخ الطوسي، و سلار، و يروى عنه عبد الله بن عمر الطرابلسي كما في «حجة الذاهب» (2).

8- الشيخ كميح والد أبى جعفر، يروى عن ابن البراج (3).

9 و 10- الشيخان الفاضلان الأستاذان ابنا المؤلف: أبو القاسم [2] و أبو جعفر اللذان يروى عنهما الراوندي و السروي و غيرهم (4).

11 و 12- أبو الفتح الصيداوي و ابن رزح، من أصحابنا (5) هؤلاء من مشاهير تلاميذ القاضي وقفنا عليهم في غضون المعاجم و ليست تنحصر فيمن عددناهم.

و قال السيد بحر العلوم: و له كتاب الموجز في الفقه قرأ عليه الفقيه شمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه [3] و الشيخ الفقيه الحسين بن عبد العزيز [4] و شيخ الأصحاب عبد الرحمن بن أحمد الخزاعي [5] و فقيه الأصحاب عبد الجبار بن

____________

[1] و وصفه الشيخ منتجب الدين: بالحلبي كما نقلناه آنفا.

[2] و بما أن كنية القاضي هو أبو القاسم، فلازم ذلك ان يكون اسم ابنه القاسم لا أبا القاسم، و من جانب آخر فإن التسمية بنفس القاسم وحده بلا ضم كلمة الأب إليه قليل في البيئات العربية، فيحتمل وحدة الكنية في الوالد و الولد.

[3] و هو جد الشيخ منتجب الدين المدعو ب«حسكا» تجد ترجمته في فهرس منتجب الدين

[4] ترجمة الشيخ منتجب الدين في فهرسه ص 4 و قال: «الموفق الشيخ أبو محمد الحسين بن عبد العزيز بن الحسن الجهانى المعدل بالقاهرة فقيه ثقة قرأ على الشيخ ابى جعفر الطوسي و الشيخ ابن البراج»

[5] ترجمه الشيخ منتجب الدين في فهرسه ص 7 و نص على تلمذه على ابن البراج

____________

(1) رياض العلماء ج 3 ص 144

(2) طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس ص 106

(3) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس ص 4.

(4) المقابيس ص 90.

(5) رياض العلماء ج 3 ص 143 و 145.

51

عبد الله الرازي (1) و عبيد الله (2) بن الحسن بن بابويه (3).

و في خاتمة المطاف ننبه على أمور:

1- انه كثيرا ما يشتبه الأستاذ بالتلميذ لأجل المشاركة في الاسم و اللقب، فتعد بعض تصانيف الأستاذ من تآليف التلميذ.

قال في «رياض العلماء»: و عندي أن بعض أحوال القاضي سعد الدين عبد العزيز ابن البراج هذا، قد اشتبه بأحوال القاضي عز الدين عبد العزيز بن أبى كامل الطرابلسي (4). و يظهر من الشهيد الأول في كتابه «الأربعين» في سند الحديث الثاني و الثلاثين، و سند الحديث الثالث و الثلاثين مغايرة الرجلين.

قال الشهيد الأول في سند الحديث الثاني و الثلاثين:. حدثنا الشيخ الامام قطب الدين أبو الحسين القطب الراوندي، عن الشيخ أبى جعفر محمد بن على بن المحسن الحلي (5) قال: حدثنا الشيخ الفقيه الامام سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير بن البراج الطرابلسي، قال: حدثنا السيد الشريف المرتضى علم الهدى أبو القاسم على بن الحسين الموسوي، الى آخره، و في سند الحديث الثالث و الثلاثين.

حدثنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن عمر الطرابلسي، عن القاضي عبد العزيز بن أبى كامل الطرابلسي، عن الشيخ الفقيه المحقق أبى الصلاح تقى بن نجم الدين الحلبي، عن السيد الامام المرتضى علم الهدى. الى آخره (6).

و لاحظ الذريعة ج 32 ص 492 فلا شك- كما ذكرنا- فإن القاضي عبد العزيز

____________

(1) لاحظ المصدر نفسه.

(2) لاحظ المصدر أيضا ص 15.

(3) الفوائد الرجالية ج 3 ص 23.

(4) رياض العلماء ج 3 ص 143 و 145.

(5) و قد عرفت أن الصحيح هو «الحلبي».

(6) الأربعون للشهيد، في شرح الحديث الثاني و الثلاثين و الثالث و الثلاثين ص 23- 24 فيظهر من السندين مغايرة الرجلين و تعاصرهما.

52

ابن أبى كامل تلميذ القاضي بن نحرير.

2- يظهر من غضون المعاجم أن بعض ما ألفه القاضي في مجالات الفقه كان مركزا للدراسة، و محورا للتدريس، حيث أن الشيخ سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي- الشهير بالقطب الراوندي- كتب بخطه اجازة لولده على كتاب «الجواهر في الفقه» لابن البراج عبد العزيز و هذه صورتها:

قرأه على ولدي نصير الدين أبو عبد الله الحسين- أبقاه الله و متعني به-، قراءة إتقان، و أجزت له أن يرويه عن الشيخ أبى جعفر محمد بن المحسن الحلبي عن المصنف (1).

و لم تكن الدراسة لتقتصر على كتاب «الجواهر»، بل كان كتابة الأخر و هو (الكامل) كتابا دراسيا أيضا.

و لذلك نرى أن الشيخ أبا محمد عبد الواحد الحبشي، من تلاميذ القاضي عبد العزيز بن أبى كامل الطرابلسي، قرأ الكامل عليه.

و الكامل من مؤلفات شيخنا المترجم له (2).

3- نقل صاحب الرياض أنه تولى القضاء في طرابلس، لدفع الضرر عن نفسه بل عن غيره أيضا، و التمكن من التصنيف، و قد عمل أكثر الخلق ببركته بطريق الشيعة، و قد نصبه على القضاء جلال الملك عام 438 ه (3).

4- و قال صاحب الروضات: ان من المستفاد من كتاب (الدرة المنظومة) لسيدنا العلامة الطباطبائي انه يعبر عن القاضي بالحافى، و لم نجد له مصدرا قبله.

قال في منظومته:

و سن رفع اليد بالتكبير * * * و المكث حتى الرفع للسرير

____________

(1) قد مضى أنه من تلاميذ القاضي.

(2) طبقات أعلام الشيعة في القرن السادس ص 168.

(3) رياض العلماء ج 3 ص 152 و تأسيس الشيعة ص 304

53

و الخلع للحذاء دون الاحتفاء * * * و سن في قضائه الحافي الحفاء

[1] 5- ان طرابلس بلد على ساحل البحر الأبيض المتوسط و هي جزء من لبنان الفعلي، يقع في شماله، و هي غير طرابلس عاصمة ليبيا، و الثانية أيضا تقع على البحر الأبيض.

تآليفه

خلف الترجم له ثروة علمية غنية في الفقه و الكلام، تنبئ عن سعة باعه في هذا المجال، و تضلعه في هذا الفن.

و إليك ما وقفنا عليه من أسمائها في المعاجم:

1- الجواهر: قال في رياض العلماء: رأيت نسخة منه في بلدة ساري، من بلاد مازندران، و هو كتاب لطيف، و قد رأيت نسخة اخرى منه بأصفهان عند الفاضل الهندي، و قد أورد- (قدس سره) فيه المسائل المستحسنة المستغربة و الأجوبة الموجزة المنتخبة (1) 2- شرح جمل العلم و العمل.

3- المهذب- و هو الكتاب الذي بين يديك.

4- روضة النفس.

5- المقرب في الفقه (الذريعة 22 ص 108).

6- المعالم في الفروع (الذريعة ج 21 ص 197).

7- المنهاج في الفروع (الذريعة ج 23 ص 155).

8- الكامل في الفقه، و ينقل عنه المجلسي في بحاره (الذريعة ج 17 ص 257).

9- المعتمد في الفقه (الذريعة ج 21 ص 214).

10- الموجز في الفقه، و ربما ينسب الى تلميذه ابن أبى كامل الطرابلسي (لاحظ الذريعة ج 23 ص 251).

____________

[1] روضات الجنات ج 4 ص 205- لكن من المحتمل ان يكون «الحافي» مصحف «القاضي» لقرابتهما في الكتابة فلاحظ.

____________

(1) رياض العلماء ج 3 ص 142.

54

11- عماد المحتاج في مناسك الحاج (لاحظ الذريعة ج 15 ص 331).

و يظهر من الشيخ ابن شهرآشوب في «معالم العلماء» أن كتبه تدور بين الأصول و الفروع كما أن له كتابا في علم الكلام.

و لكنه مع الأسف قد ضاعت تلك الثروة العلمية، و ذهبت إدراج الرياح و لم يبق الا الكتب الثلاثة: الجواهر، المهذب، شرح جمل العلم و العمل.

و يظهر من ابن شهرآشوب أنه كان معروفا في القرن السادس بابن البراج، و هذا يفيد بابن البراج كان شخصية من الشخصيات، حتى أنه نسب القاضي الى هذا البيت.

هذه هي كتبه و قد طبع منها «الجواهر» ضمن «الجوامع الفقهية» على وجه غير نقى عن الغلط، فينبغي لرواد العلم إخراجه و تحقيق متنه على نحو يلائم العصر.

كما أنه طبع من مؤلفاته «شرح جمل العلم و العمل» بتحقيق الأستاذ كاظم مدير شانهچى.

و ها هو «المهذب» نقدمه الى القراء الكرام، بتحقيق و تصحيح و تعليق ثلة من الفضلاء ستوافيك أسماؤهم.

و قد كان سيدنا الأستاذ آية الله العظمى البروجردي- قدس الله سره- يحث الطلاب على المراجعة إلى المتون الفقهية المؤلفة بيد الفقهاء القدامى و كان يعتبر الشهرة الفتوائية على وجه لا يقل عن الإجماع المحصل.

و كان من نواياه(قدس سره) طبع بعض الكتب الفقهية الاصيلة منها:

1- الكافي، للفقيه أبى الصلاح الحلبي.

2- الجامع للشرائع، ليحيى بن سعيد الحلي.

3- كشف الرموز، للفقيه عز الدين الحسن بن أبى طالب اليوسفي الابى، تلميذ المحقق و شارح كتاب «النافع» شرحا حسنا متوسطا و قد أسماه- كما عرفت- ب«كشف الرموز».

4- المهذب، للقاضي ابن البراج.