المبسوط في فقه الإمامية - ج2

- الشيخ الطوسي المزيد...
404 /
1

-

2

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الجهاد و سيرة الإمام

(فصل: في فرض الجهاد و من يجب عليه)

الجهاد فرض من فرائض الإسلام إجماعا، و لقوله تعالى «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ» (1) و قوله تعالى «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» (2) و هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين و عليه إجماع [و] أيضا قال الله تعالى «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً» (3) ففاضل (4) بين المجاهدين و القاعدين و لو كان فرضا على الأعيان لكان من تركه عاصيا و لم يصح المفاضلة. ثم قال «وَ كُلًّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنى» (5).

و القدر الذي يسقط به فرض الجهاد عن الباقين أن يكون على كل طرف من أطراف بلاد الإسلام قوم يكونون أكفاء لمن يليهم من الكفار، و على الإمام أن يغزو بنفسه أو بسراياه في كل سنة دفعة حتى لا يتعطل الجهاد اللهم إلا أن يعلموا (6) خوفا فيكثر

____________

(1) البقرة 216.

(2) التوبة 5.

(3) النساء 95.

(4) في بعض النسخ [تفاضل].

(5) النساء 95.

(6) في بعض النسخ [أن يعلم].

3

من ذلك، و كان الفرض في عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في زمان دون زمان و مكان دون مكان.

أما الزمان فإنه كان جائزا في السنة كلها إلا في الأشهر الحرم (1) و هي أربعة:

رجب و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم لقوله تعالى «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» (2) و لقوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (3).

و أما المكان فإنه كان مطلقا في سائر الأماكن إلا في الحرم فإنه كان لا يجوز القتال فيه إلا أن يبدءوا بالقتال لقوله تعالى «وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ» (4) ثم نسخ ذلك و أجاز القتال في سائر الأوقات و جميع الأماكن لقوله تعالى «وَ قاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ» (5) و قاتل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هوازن في شوال، و بعث خالد بن الوليد إلى الطائف في ذي القعدة ثبت بذلك أنه منسوخ، و قد روى أصحابنا أن حكم ذلك ثابت فيمن [لمن خ ل] يرى لهذه الأشهر حرمة فأما من لا يرى ذلك فإنه يبدء فيه بالقتال (6) و لما نزل قوله تعالى «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» (7) فأوجب الهجرة.

و كان الناس على ثلاثة أضرب: منهم من يستحب له و لا يجب عليه، و منهم من لا يستحب له و لا يجب عليه. و منهم من يجب عليه. فالذي (8) يستحب لهم و لا يجب

____________

(1) في بعض النسخ [في أشهر الحرم].

(2) التوبة 5.

(3) البقرة 217.

(4) البقرة 191.

(5) الأنفال 39.

(6) انظر التهذيب باب كيفية قتال المشركين و من خالف الإسلام ج 6 ص 142 الرقم 243.

(7) النساء 97.

(8) في بعض النسخ [فالذين].

4

عليهم من أسلم بين ظهراني المشركين و له قوة بأهله و عشيرته (1) و يقدر على إظهار دينه و يكون آمنا علي نفسه مثل العباس بن عبد المطلب و عثمان كان يستحب له أن يهاجر (2) لئلا يكثر سواد المشركين، و لا يلزمه لأنه قادر على إظهار دينه.

و أما الذي لا يجب و لا يستحب له فهو أن يكون ضعيفا لا يقدر على الهجرة فإنه يقيم إلى أن يتمكن و يقدر.

و أما الذي تلزمه الهجرة و تجب عليه من كان قادرا على الهجرة و لا يأمن على نفسه من المقام بين الكفار، و لا يتمكن من إظهار دينه بينهم فيلزمه أن يهاجر لقوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها» (3) فدل هذا على وجوب الهجرة على المستضعف الذي لا يقدر على إظهار دينه، و دليله أن من لم يكن مستضعفا لا يلزمه ثم استثنى من لم يقدر فقال «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» (4) و الهجرة باقية أبدا ما دام الشرك قائما، و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، و لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها، و ما روى من قوله (صلى الله عليه و آله) لا هجرة بعد الفتح (5) معناه لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، و قيل:

المراد لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار الإسلام.

و لا يجب الجهاد إلا على كل حر ذكر بالغ عاقل. فأما المملوك فلا جهاد عليه لقوله تعالى «وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ» (6).

____________

(1) في بعض النسخ [بعترته].

(2) [لهم أن يهاجروا خ ل].

(3) النساء 97.

(4) النساء 98- 99.

(5) انظر الفقيه ج 2 ص 116.

(6) التوبة 91.

5

و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه كان إذا أسلم الرجل عنده قال: أو حر أو مملوك فإن كان حرا بايعه على الإسلام و الجهاد، و إن كان مملوكا بايعه على الإسلام.

و أما النساء فلا جهاد عليهن، و سئل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هل على النساء جهاد؟ قال:

نعم جهاد لا قتال فيه الحج و العمرة، و الصبي لا جهاد عليه روى عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم احد و أنا ابن أربع عشرة سنة فردني و لم يرني بلغت و عرضت عليه يوم الخندق و أنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازنى في المقاتلة.

و المجنون لا جهاد عليه لأنه غير مكلف. فإن أراد الامام أن يغزو بهم و يخرجهم للحاجة إليهم جاز ذلك إلا المجانين فإنه لا نفع فيهم، و كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يحمل معه النساء في الغزوات.

و الأعذار التي يسقط معها فرض الجهاد:

العمى و العرج و المرض و الإعسار. فأما الأعور فيلزمه فرضه لأنه كالصحيح في تمكنه.

و الأعرج ضربان: أحدهما مقعد لا يطيق معه المشي و الركوب فالجهاد يسقط عنه و إن كان عرجا خفيفا يطيق معه الركوب و العدو فإنه يلزمه الجهاد.

و أما المرض فضربان: ثقيل و خفيف. فالثقيل كالبرسام و الحمى المطبقة فلا جهاد عليه لقوله تعالى «وَ لا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ» (1) و إن كان خفيفا كالصداع و وجع الرأس (2) و الحمى الخفيفة فالجهاد لا يسقط معه لأنه كالصحيح.

و أما الإعسار فإنه ينظر فإن كان الجهاد قريبا من البلد و حوله لزم كل أحد و لا يعتبر فيه وجود المال، و إن كان على بعد نظر فإن كان مسافة لا تقصر فيها الصلاة فمن شرطه الزاد و نفقة الطريق و نفقة من تجب عليه نفقته إلى حين العود، و ثمن السلاح فإن لم يجد فلا يلزمه شيء لقوله «وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَ رَسُولِهِ» (3) و إن كانت المسافة أكثر من ذلك فمن شرطه أن يكون واجدا لما ذكرناه

____________

(1) الفتح 17.

(2) في بعض النسخ [الضرس].

(3) التوبة 91.

6

في المسافة القريبة و زيادة راحلة (1) لقوله «وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» (2).

و من أراد الجهاد و عليه الدين. فالدين ضربان: حال و مؤجل فإن كان حالا لم يكن له أن يجاهد إلا بإذن صاحبه، و إن كان الدين مؤجلا فالظاهر أنه يلزمه و ليس لصاحبه منعه لأنه بمنزلة من لا دين عليه، و قيل: إن له منعه لأنه معون (3) بدينه لأنه يطلب الشهادة.

و أما الأبوان فإن كانا مسلمين لم يكن له أن يجاهد إلا بأمرهما و لهما منعه روى أنه جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: يا رسول الله أجاهد فقال: لك أبوان؟ قال:

نعم قال: فعنهما [ففيهما خ ل] فجاهد (4).

و أما طلب العلم فالأولى ألا يخرج إلا بإذنهما فإن منعاه لم يحرم عليه مخالفتهما هذا كله إذا لم يتعين الجهاد فإن تعين الجهاد و أحاط العدو بالبلد فعلى كل أحد أن يغزو، و ليس لأحد منعه لا الأبوان و لا أهل الدين، و إن كان الأبوان مشركين أو أحدهما فله مخالفتهما على كل حال، و إذا خرج إلى الجهاد، و لا منع هناك و لا عذر. ثم حدث (5) عذر فإن كان ذلك قبل أن يلتقي الزحفان و كان ذلك العذر من قبل الغير مثل أن يكون صاحب الدين أذن له. ثم رجع أو كان أبواه كافرين فأسلما و منعاه فعليه الرجوع مثل الأول، و إن كان العذر من قبل نفسه كالعرج و المرض فهو بالخيار إن شاء فعل و إن شاء رجع، و إن كان بعد التقاء الزحفين و حصول القتال فإن كان لمرض في نفسه كان له الانصراف لأنه لا يمكنه القتال و إن كان المدين و الأبوين فليس لهما ذلك لأنه لا دليل عليه و لقوله تعالى

____________

(1) في بعض النسخ [و زاد و راحلة].

(2) التوبة 92.

(3) في بعض النسخ [معزور].

(4) انظر المستدرك ج 2 ص 245 باب- 2- الرقم- 2.

(5) في بعض النسخ [أحدث].

7

«وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ» (1) و ذلك عام، و إذا كان له أب كافر يستحب له أن يتوفى قتله فإن ظهر منه ما لا يجوز الصبر عليه كسب الله و رسوله و الأئمة جاز له قتله، و روى أن أبا عبيدة قتل أباه حين سمعه يسبب رسول الله فلما قال له النبي (صلى الله عليه و آله):

له قتلته؟ قال: سمعته يسبك فسكت عنه.

من وجب عليه الجهاد لا يجوز أن يغزو عن غيره

بجعل يأخذه عليه فإن كان ممن لا يجب عليه لإعساره جاز له أن يأخذ الجعل من غيره و يجاهد عنه، و تكون الإجارة صحيحة، و لا يلزمه رد الأجرة، و يكون ثواب الجهاد له، و للمستنيب أجر النفقة.

و أما ما يأخذه أهل الديوان من الأرزاق فليس بأجرة بل هم [يأخذون لأنفسهم] يجاهدون لأنفسهم، و إنما يأخذون حقا جعله الله لهم فإن كانوا أرصدوا أنفسهم للقتال و أقاموا في الثغور فهم أهل الفيء لهم سهم من الفيء يدفع إليهم، و إن كانوا مقيمين في بلادهم يغزون إذا خيفوا فهؤلاء أهل الصدقات يدفع إليهم سهم منها.

و أما معاونة المجاهدين

ففيها فضل من السلطان و العوام و كل أحد، و يستحقون به الثواب روى أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من جهز غازيا أو حاجا أو معتمرا أو خلفه في أهله فله مثل أجره، و إذا عرف الإمام من رجل التجديل (2) و الارجاف أو معاونة المشركين فينبغي أن يمنعه من الغزو معه. و التحديل مثل أن يقول للمسلمين: الصواب أن نرجع فإنا لا نطيق العدو و لا نثبت لهم أو تغزوا طائفة من المسلمين بذلك و تضعف نياتهم، و الأرجاف أن يقول: بلغني أن للقوم كمينا أو لهم مددا يلحقهم و نحو ذلك، و الإعانة أن يؤدى عينا من المشركين أو يكاتبهم بأخبارهم و يطلعهم على عورات المسلمين فإن خالف واحد من هؤلاء و خرج مع الناس و غزا لم يسهم له لأنه ليس من المجاهدين بل هو عاص و ليس كذلك من عليه الدين أو له أبوان إذا خرج بل يسهم لهم، و لا يرضخ له أيضا لما قلناه.

____________

(1) الأنفال 16.

(2) في بعض النسخ [التحديل] بالحاء المهملة: أي مال عليه بالظلم.

8

و يجوز للإمام أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين بوجود شرطين: أحدهما:

أن يكون بالمسلمين قلة و في المشركين كثرة، و الثاني: أن يكون المستعان به حسن الرأي في المسلمين كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مع صفوان بن أمية و استعان النبي بيهود فيقان (1) فرضخ لهم فإذا حضروا و غنموا لا يسهم لهم بل يرضخ لهم كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و يجوز أن يعطوا من سهم المؤلفة من الصدقات.

و يجوز أن يستأجر المشركين إجارة على الجهاد لأنهم ليسوا من أهل الجهاد، و من يرضخ له من النساء أو الصبيان و العبيد و الكفار يدفع إليهم من المصالح، و يجوز للإمام أن يعطيهم من أصل الغنيمة أو من أربعة أخماسها، و إذا اجتمعت الشروط التي ذكرناها فيمن يجب عليه الجهاد فلا يجب عليه أن يجاهد إلا بأن يكون هناك إمام عادل أو من نصبه الإمام للجهاد، ثم يدعوهم إلى الجهاد فيجب حينئذ على من ذكرناه الجهاد و متى لم يكن الإمام و لا من نصبه الإمام سقط الوجوب بل لا يحسن فعله أصلا اللهم إلا أن يدهم المسلمين أمر يخاف معه على بيضة الإسلام و يخشى بواره أو يخاف على قوم منهم فإنه يجب حينئذ دفاعهم و يقصد به الدفع عن النفس و الإسلام و المؤمنين و لا يقصد الجهاد ليدخلوا في الإسلام و هكذا حكم من كان في دار الحرب و دهمهم عدو يخاف منهم على نفسه جاز أن يجاهد مع الكفار دفعا عن نفسه و ماله دون الجهاد الذي وجب عليه في الشرع، و الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام أصلا خطاء قبيح يستحق فاعله به الذم و العقاب إن أصيب لم يوجر و إن أصاب كان مأثوما، و متى جاهدوا مع عدم الامام و عدم من نصبه فظفروا و غنموا كانت الغنيمة كلها للإمام خاصة و لا يستحقون هم منها شيئا أصلا، و المرابطة فيها فضل كثير و ثواب جزيل إذا كان هناك إمام عادل و حدها ثلاثة أيام إلى أربعين يوما فإن زاد على ذلك كان جهادا، و متى نذر المرابطة في حال استتار الإمام وجب عليه الوفاء به غير أنه لا يجاهد العدو إلا على ما قلناه من الدفاع عن الإسلام و النفس.

و إن نذر أن يصرف شيئا من ماله إلى المرابطين في حال ظهور الإمام وجب

____________

(1) في بعض النسخ [قينقاع] بفتح القاف و تثليث النون شعب من اليهود كانوا بالمدينة.

9

عليه الوفاء به، و إن كان ذلك في حال استتاره صرفه في وجوه البر إلا أن يخاف من الشناعة فيصرفه إليهم تقية، و من آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة فإن كان حال انقباض يد الامام فلا يلزمه الوفاء به، و يرد عليه ما أخذه منه فإن لم يجده فعلى ورثته فإن لم يكن له ورثة لزمه الوفاء به، و إن كان في حال تمكن الإمام لزمه الوفاء به على كل حال، و من لا يمكنه بنفسه المرابطة فرابط دابة أو أعان المرابطين بشيء كان له فيه ثواب.

(فصل: أصناف الكفار و كيفية قتالهم)

الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب، و هم اليهود و النصارى فهؤلاء يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية: و من له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب يقرون على دينهم ببذل الجزية، و من لا كتاب له و لا شبهه كتاب و هم من عدا هؤلاء الثلاثة أصناف من عباد الأصنام و الأوثان و الكواكب و غيرهم فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية.

و متى امتنع أهل الكتاب من بذل الجزية قوتلوا و سبيت ذراريهم و نساؤهم و أموالهم تكون فيئا.

و ينبغي للإمام أن يبدأ بقتال من يليه من الكفار الأقرب فالأقرب، و الأولى أن يستحق كل طرف من أطراف بلاد الإسلام بقوم يكونون أكفاء لمن يليهم من الكفار فيبني الحصون و يحفر الخنادق إن أمكنه، و يولى عليهم عاملا عاقلا دينا خيرا شجاعا يقدم في موضع الاقدام و يتأنى في موضع التأني فإذا فعل الإمام ذلك فإنه يغزو بالمسلمين أهل الديوان أو غيرهم فيمن يبسط (1) و إنما قلنا: الأولى قتال من يليه لقوله تعالى «قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ» (2) إلا أن يكون الأبعد أشد خوفا من الأقرب فيبدء بهم ثم يعود إلى الأقرب لأنه موضع ضرورة.

____________

(1) في بعض النسخ [من ينشط].

(2) التوبة 123.

10

و إذا كان في المسلمين قلة و ضعف و في المشركين كثرة و قوة فالأولى أن يؤخر الجهاد و يتأنى حتى يحصل للمسلمين قوة فإذا اشتدت شوكة المسلمين و علم شوكتهم [و قوتهم] لا يجوز أن يؤخر القتال، و أقل ما عليه أن يغزو في كل عام غزوة، و كلما أكثروا الجهاد كان أكثر فضل لأنه من فرائض الكفايات فكلما كان أكثر كان أفضل، و كان في بدو الإسلام أن يصاف واحد لعشرة، ثم نسخ بوقوف الواحد لاثنين بدليل الآية، و ليس المراد بذلك أن يقف الواحد بإزاء العشرة أو اثنين و إنما يراد الجملة، و إن جيش المسلمين إذا كان نصف جيش المشركين بلا زيادة وجب الثبات، و إن كان أكثر من ذلك لم يلزم، و جاز الانصراف، و معنى لزوم الثبات أنه لا يجوز الانصراف إلا في موضعين: أحدهما:

أن ينحرف لقتال و تدبير بأن ينحرف عن مضيق إلى اتساع لتجول الخيل أو من معاطش إلى مياه أو كانت الشمس أو الريح في وجوههم فاستدبروها، و ما أشبه ذلك، و الثاني: أن يتحيزوا إلى فئة و جماع لقوله تعالى «إِلّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ» (1) و لا فرق بين أن تكون الفئة قريبة أو بعيدة قليلة أو كثيرة لعموم الآية فإن انصرف على غير هذين الوجهين كان فارا و فسق بذلك و ارتكب كبيرة و باء بغضب من الله، و إذا غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل و هلك فالأولى أن نقول: ليس له ذلك لقوله تعالى «إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا» (2).

و قيل: إنه يجوز له الانصراف لقوله تعالى «وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (3) و أما إذا كان المشركون أكثر من ضعف المسلمين فلا يلزم الثبات و هل يستحب ذلك أم لا؟ فإن غلب على ظنه أنه لا يغلب فالمستحب أن يثبت و لا ينصرف لئلا يكسر المسلمين، و إن غلب على ظنه أنه يغلب و يهلك فالأولى له الانصراف.

و قيل: إنه يجب عليه الانصراف، و كذا القول فيمن قصده رجل فغلب على ظنه أنه إن ثبت له قتله فعليه الهرب.

____________

(1) الأنفال 16.

(2) الأنفال 45.

(3) البقرة 195.

11

و إذا نزل الامام على بلد فله محاصرته و منع أن يدخل إليه أحد أو يخرج منه لقوله تعالى «وَ احْصُرُوهُمْ» (1) و حاصر (2) رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أهل الطائف: و له أن ينصب عليهم منجنيقا و عرادة و يهدم عليهم السور و المنازل، و يقتل قتالا عاما كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بأهل الطائف فإذا ثبت ذلك فإن لم يكن في القوم مسلمين (3) رماهم بكل حال و إن كان فيهم نساء و صبيان كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله) بأهل الطائف و كان فيهم نساء و صبيان.

و إن كان فيهم أسارى مسلمون فإن كان مضطرا (4) إلى ذلك بأن يخاف إن لم يرمهم نزلوا و ظفروا به جاز الرمي، و إن لم يكن ضرورة نظر في المسلمين فإن كانوا نفرا يسيرا جاز الرمي لأن الظاهر أنه يصيب غيرهم إلا أنه يكره ذلك لئلا يصيب مسلما، و إن كان المسلمون أكثر لم يجز الرمي لأن الظاهر أنه يصيب المسلمين، و لا يجوز قتل المسلمين لغير ضرورة، و له أن يفتح عليهم الماء فيغرقهم و يرميهم بالنار و الحطب و الحيات و العقارب و كل ما فيه ضرر عليهم، و كره أصحابنا إلقاء السم في بلادهم، و له أن يغير عليهم و هم غازون فيضع السيف فيهم فإن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أغار على بني المصطلق، و روى كراهية التبييت له حتى يصبح، و الوجه فيه إذا كان مستظهرا و فيه قوة و لا حاجة به إلى الإغارة لئلا امتنع و إذا كان بالعكس من ذلك جاز الإغارة ليلا، و روى ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: قلت: يا رسول الله نبئت المشركين و فيهم النساء و الصبيان فقال: إنهم منهم.

و أما تخريب المنازل و الحصون و قطع الشجر المثمرة فإنه جائز إذا غلب في ظنه أنه لا يملك إلا بذلك فإن غلب في ظنه أنه يملكه فالأفضل ألا يفعل فإن فعل جاز كما فعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالطائف و بني النضير و خيبر، و أحرق على بني النضير و خرب ديارهم و إذا تترس المشركون بأطفالهم فإن كان ذلك حال التحام القتال جاز رميهم و لا

____________

(1) التوبة 5.

(2) في بعض النسخ [حصر].

(3) في بعض النسخ [مسلمون].

(4) في بعض النسخ [مصعا] و المصع: بكسر الصاد المقاتل بالسيف.

12

يقصد الطفل بل يقصد من خلفه فإن أصابه و قتله لم يكن عليه شيء لأنا لو لم نفعل ذلك لأدى إلى بطلان الجهاد.

و أما إذا لم يكن الحرب قائمة فإنه يجوز أن يرموا و الأولى تجنبه، و إذا تترس المشركون بأسارى المسلمين فإن لم يكن الحرب قائمة لم يجز الرمي فإن خالف كان الحكم فيه كالحكم في غير هذا المكان إن كان القتل عمدا فالقود و الكفارة و إن كان خطأ فالدية و الكفارة لأنه فعل ذلك من غير حاجة، و إن كانت الحرب ملتحمة فإن الرمي جائز و يقصد المشركين و يتوقى المسلمين لأن في المنع منه بطلان الجهاد فإذا ثبت جوازه فإذا رمى فأصاب مسلما فقتله فلا قود عليه و عليه الكفارة دون الدية لقوله تعالى «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (1) و لم يذكر الدية و إذا وقع في الأسر شيخ من أهل الحرب ففيه أربع مسائل:

إحداها: أن يكون له رأى و قتال فحكمه حكم الشاب و الإمام مخير بين القتل و الاسترقاق و المن و الفداء.

الثانية: أن يكون فيه قتال و لا رأى له فيجوز قتله أيضا.

الثالثة: له رأى و لا قتال فيه يجوز قتله بلا خلاف لأن دريد بن الصمة قتل يوم خيبر و هو ابن مائة و خمسين سنة أو خمس و خمسين فلم ينكر النبي (صلى الله عليه و آله).

الرابعة: أن لا يكون له رأى و لا فيه قتال و هو الشيخ الفاني فهذا لا يجوز قتله عندنا و فيه خلاف، و هكذا القول في أهل الصوامع و الرهبان فإنهم يقتلون كلهم إلا من كان شيخا فانيا هرما عادم الرأي لعموم الآيات و الأخبار، و قد روى أن هؤلاء لا يقتلون.

و أما الأسارى فعندنا على ضربين:

أحدهما: أخذ قبل أن تضع الحرب أو زارها و تنقضي الحرب فإنه لا يجوز للإمام استبقاؤه بل يقتله بأن يضرب رقبته أو يقطع يديه و رجليه و يتركه حتى ينزف و يموت إلا أن يسلم فيسقط عنه القتل.

____________

(1) النساء 92.

13

و الضرب الآخر فهو كل أسير يؤخذ بعد أن تضع الحرب أو زارها فإنه يكون مخيرا فيه بين أن يمن عليه فيطلقه، و بين أن يسترقه و بين أن يفاديه، و ليس له قتله على ما رواه أصحابنا، و من أخذ أسيرا فعجز عن المشي و لم يكن معه ما يحمله عليه إلى الامام فيطلقه لأنه لا يدرى ما حكم الامام، و من كان في يده أسير وجب عليه أن يطعمه و يسقيه و إن أريد قتله في الحال.

و لا يجوز قتال أحد من الكفار الذين لم تبلغهم الدعوة إلا بعد دعائهم إلى الإسلام و إظهار الشهادتين و الإقرار بالتوحيد و العدل، و التزام جميع شرائع الإسلام فمتى دعوا إلى ذلك و لم يجيبوا حل قتالهم إلا أن يقبلوا الجزية و كانوا من أهلها، و متى لم يدعوا لم يجز قتالهم، و ينبغي أن يكون الداعي الإمام أو من يأمره الإمام بذلك فإن بدر انسان فقتل منهم قبل الدعاء فلا قود عليه و لا دية لأنه لا دليل عليه، و إن كان الكفار قد بلغتهم دعوة النبي (صلى الله عليه و آله) و علموا أنه يدعوا إلى الإيمان و الإقرار به و إن لم يقبل قاتله و من قبل منه آمنه فهؤلاء حرب للمسلمين و ذلك مثل الروم و الترك و الزنج و الخور و غيرهم فللإمام أن يبعث الجند إلى هؤلاء من غير أن يراسلهم و يدعوهم لأن ما بلغهم قد أجزء و له أن يسبيهم و يقتلهم غارين كما أغار النبي (صلى الله عليه و آله) على بني المصطلق و قتلهم غارين و قوله عز و جل «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» (1) أراد بالحج و الأدلة.

و قيل: أراد ذلك عند قيام المهدي (عليه السلام).

و قيل: إنه أراد على أديان العرب كلها و قد كان ذلك.

و لا يجوز قتل النساء فإن عاون أزواجهن و رجالهن أمسك عنهن و إن اضطر إلى قتلهن لم يكن بقتلهن بأس، و من تقبل منه الجزية إنما تقبل منه إذا التزم شرائط الذمة و هي الامتناع عن مجاهرة المسلمين بأكل لحم الخنزير و شرب الخمر و أكل الربا و النكاح المحرمات في شرع الإسلام فمتى لم يقبلوا ذلك أو شيئا منه لا تقبل منهم الجزية و إن قبلوا ذلك ثم فعلوا شيئا من ذلك فقد خرجوا من الذمة و جرى عليهم أحكام الكفار.

____________

(1) التوبة 33 الفتح 28 الصف 9.

14

(فصل: في ذكر عقد الأمان للمشركين)

عقد الأمان جائز للمشركين لقوله تعالى «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» (1) و عقد النبي (صلى الله عليه و آله) الأمان للمشركين عام الحديبية فإذا ثبت جوازه نظر فإن كان العاقد الإمام جاز أن يعقده لأهل الشرك كلهم في جميع البقاع و الأماكن لأن إليه النظر في مصالح المسلمين و هذا من ذلك، و إن كان العاقد خليفة الإمام على إقليم فإنه يجوز له أن يعقد لمن يليه من الكفار دون جميعهم لأن إليه النظر في ذلك دون غيرها، و إن كان العاقد آحاد المسلمين جاز أن يعقد لآحادهم و الواحد و العشرة و لا يجوز لأهل بلد عام و لا لأهل إقليم لأنه ليس له النظر في مصالح المسلمين فإذا ثبت جوازه لآحاد المسلمين فإن كان العاقد حرا مكلفا جاز بلا خلاف و إن كان عقدا صح سواء كان مأذونا له في القتال أو غير مأذون و فيه خلاف لقوله (صلى الله عليه و آله) يسعى بذمتهم أدناهم، و أدناهم عبيدهم.

و أما المرأة فيصح أمانها بلا خلاف لأن أم هاني بنت أبي طالب أجارت رجلا من المشركين يوم فتح مكة فأجاز النبي (صلى الله عليه و آله): أمانها و قال: آجرنا من أجرت و آمنا من أمنت، و الصبي و المجنون لا يصح أمانهما لأنهما غير مكلفين فإن أغر مشرك بمراهق فأمنه و دخل بأمانة فالأمان فاسد و لكن لا يجوز التعرض له قبل أن يرد إلى مأمنه.

ثم يصير حربا لأنه دخل بشبهة فلا يجوز عذره و الظفر به، و على هذا روى أصحابنا أن المشركين إذا استذموا من المسلمين فقالوا: لا نذمكم فظنوا أنهم آمنوهم فإنه لا يتعرض لهم بل ينبغي أن يردوا إلى المأمن ثم يصيرون حربا لأنهم دخلوا بشبهة فأما ألفاظ الأمان فهو أن يقول: آمنتك آجرتك و أذممتك ذمة الإسلام فأما إذا قال: لا تذهل لا تخف لا بأس عليك أو قال ما معناه بلغة أخرى فإن علم من قصده أنه أراد الأمان كان أمانا لأن المراعي القصد دون اللفظ، و إن لم يقصد بذلك الأمان لا يكون أمانا غير أنهم إذا سكنوا إلى ذلك و دخلوا لا يتعرض لهم لأنه شبهة و يردوا

____________

(1) التوبة 6.

15

إلى مأمنهم يصيرون حربا، و كذلك الحكم إذا أومئ مسلم إلى مشرك بما يوهمه أنه أمان فركن إلى ذلك و دخل دار الإسلام كان حكمه ما قلناه، و إن قال: لم أو منهم فالقول قوله فإن مات قبل أن يبين شيئا لم يكونوا آمنين غير أنهم ينبغي أن يردوا إلى مأمنهم، ثم يصيروا حربا بالمكان الشبهة.

فأما وقت الأمان فإنه قبل الأسر ما دام على الامتناع و إن حصل في مضيق أو في حصر و لحقهم المسلمون فإنه يصح الأمان لأنه بعد على الامتناع، و إن أقر مسلم بأنه أمن مشركا قبل منه، و أما بعد الأسر فلا يصح الأمان من آحاد المسلمين و الحكم فيه إلى الإمام على ما مضى فإن أقر مسلم أنه كان آمن هذا الأسير قبل الأسر لم يقبل منه لأنه لا يملك عقد الأمان في هذه الحال فلا يملك الإقرار به فإن أقام بينة على ذلك قبلت، و كذلك إن اجتمعت جماعة من المسلمين فأقروا أنهم عقدوا الأمان له قبل الأسر لم يقبل لأنهم يشهدون على فعلهم.

و إذا تجسس مسلم لأهل الحرب، و كتب إليهم فأطلعهم على أخبار المسلمين لم يحصل بذلك قتله لأن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة كتابا يخبرهم بخبر المسلمين فلم يستحل النبي قتله و للإمام أن يعفو عنه، و له أن يعزره لأن النبي (صلى الله عليه و آله) عفى عن حاطب، و من أذم مشركا أو غير مشرك. ثم حصره و نقض ذمامه كان غادرا آثما.

إذا دخل الحربي دار الإسلام فعقد لنفسه الأمان فإنه يعقد لنفسه و لماله على طريق التبع فإن خرج إلى دار الحرب نظر فإن خرج بإذن الإمام في رسالة أو تجارة أو حاجة فهو على الأمان مثل الذمي إذا خرج إلى دار الحرب لتجارة فإن لحق بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه في نفسه و لا ينتقض في ماله فما دام حيا فالأمان قائم لماله فإن مات انتقل ميراثه إلى ورثته من أهل الحرب إن لم يكن له وارث مسلم و ينتقض الأمان في المال لأنه مال الكافر لا أمان بيننا و بينه في نفسه و لا ماله كسائر أهل الحرب و يصير فيئا للإمام خاصة لأنه لم يؤخذ بالسيف فهو بمنزلة ميراث من لا وارث له.

و إن عقد أمانا (1) لنفسه فمات عندنا و له مال و له ورثة في دار الحرب كانت مثل

____________

(1) في بعض النسخ [الأمان].

16

المسئلة الأولى سواء، و في الناس من قال: إنه يرد إلى ورثته لأنه مات على الأمان و الأول أقوى.

فإن عقد الأمان لنفسه و ماله و لحق بدار الحرب للاستيطان انتقض أمانه في نفسه دون ماله على ما قلناه. ثم إن ظفر به و وقع في الأسر فملكه لا يزول عن ماله لأنه لا دليل عليه فإن فودى به أو من عليه رد إليه المال، و إن قتل زال ملكه عن ماله إلى وارثه، و كان الحكم على ما قدمناه، و إن استرق زال ملكه لأن المملوك لا يملك شيئا و صار ماله فيئا فإن عتق بعد ذلك لم يرد إليه و كذلك إن مات ما لم يرد إلى ورثته سواء كانوا مسلمين أو كفارا لأنه لم يترك شيئا.

إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان فسرق منهم شيئا أو استقرض من حربي مالا و عاد إلينا فدخل صاحب المال بأمان كان عليه رده لأن الأمان يقتضي الكف عن أموالهم.

و إذا اقترض حربي من حربي مالا ثم دخل إلينا بأمان على المقترض رده على المقرض لأنه لا دليل على براءة ذمته بذلك، و الأصل وجوب الرد، و كذلك لو تزوج امرأة و أمهرها مهرا و أسلما و ترافعا إلينا ألزمنا الزوج المهر إن كان مما يملك، و إلا فقيمته إن كان لا يملكه مسلم.

و إن تزوج حربي بحربية و دخل بها و مات ثم أسلم زوجها و دخل إلينا و جاءوا وراثها يطلبون المهر لم يلزمه دفع ذلك إليهم لأن الورثة أهل حرب و لا أمان لهم على هذا المهر، و إن كان لها ورثة مسلمون كان لهم مطالبة الزوج بالمهر.

إذا دخل حربي إلينا بأمان فقال له: إن رجعت إلى دار الحرب و إلا حكمت عليك حكم أهل الذمة فأقام سنة جاز أن يأخذ منه الجزية، و إن قال له: أخرج إلى دار الحرب فإن أقمت عندنا صيرت نفسك ذميا فأقام سنة ثم قال: أقمت لحاجة قبل قوله و لم يجز أخذ الجزية منه بل يرد إلى مأمنه لأن الأصل براءة ذمته، و إن قلنا: إنه يصير ذميا كان قويا لأنه خالف الإمام.

و إذا دخل المسلم أو الذمي دار الحرب مستأمنا فخرج بمال من مالهم ليشتري

17

لهم به شيئا فإنه لا يتعرض له سواء كان مع المسلم أو الذمي لأن ذلك أمانة معهم و للحربي أمان.

و لو دفع الحربي إلى الذمي في دار الإسلام [شيئا] وديعة كان في أمان بلا خلاف.

إذا حاصر الإمام بلدا و عقد عليهم على أن ينزلوا على حكمه فيحكم فيهم بما يرى هو أو بعض أصحابه جاز ذلك كما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ فحكم عليهم بقتل رجالهم و سبي ذراريهم فقال النبي (صلى الله عليه و آله): لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة: يعني سبع سماوات.

فإذا ثبت جوازه فالكلام بعد ذلك في فصلين: في صفة الحاكم و فيما يحكم به.

أما الحاكم فلا بد من أن يكون حرا مسلما بالغا ثقة من أهل العلم فإن كان صبيا أو مجنونا أو امرأة أو عبدا أو فاسقا أو كافرا لم يجز، و يجوز أن يكون أعمى لأنه لا يحتاج في ذلك إلى رؤية، و كذلك إن كان محدودا في قذف و تاب جاز. فإن نزلوا على حكم رجل منهم نظر فإن كان على حكم من يختاره الإمام جاز لأنه لا يختار إلا من يصلح، و إن كان على حكم من يختارونه لم يجز حتى يوصف. فإن نزلوا على حكم كافر أو أن يحكم بهم كافر و مسلم لم يجز لأن الكافر لا يكون حكما، و إن نزلوا على حكم مسلم أسير معهم حسن الرأي فيهم أو رجل أسلم عندهم و هو حسن الرأي فيهم أو مسلم عندنا حسن الرأي فيهم كره ذلك و كان جائزا إذا كان بالصفة التي ذكرناها، و إن نزلوا على حكم من لا يجوز أن يكون حكما كان فاسدا غير أنهم يكونون في أمان لأنهم نزلوا على هذا الشرط فيردون إلى مواضعهم حتى يرضوا بحكم من يجوز أن يكون حكما فإن نزلوا على حكم من يجوز أن يكون حكما فلم يحكم بشيء حتى مات لم يحكم فيهم غيره و يردون إلى مواضعهم حتى ينصب غيره و يرضوا به فينزلون على حكمه.

فأما ما يحكم به فإنه لا يجوز أن يحكم إلا بما [ي] رآه حظا للمسلمين عائدا بمصالحهم ثم ينظر فإن حكم بقتل الرجال و سبى النساء و الولدان و غنيمة المال نفذ ذلك كما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، و إن حكم باسترقاق الرجال و سبى

18

النساء و الولدان و أخذ الأموال جاز أيضا، و إن حكم بالمن و ترك السبي بكل حال جاز أيضا إذا أراه حظا، و إن حكم بأن يعقدوا عقد الذمة على أن يؤدوا الجزية لزمهم أيضا لأنهم نزلوا على حكمه فإن حكم على من أسلم منهم بحقن دمه جاز لأن هذا يجوز من غير تحكيم، و إن حكم على من أسلم منهم أن يسترق من أقام على الكفر قيل: جاز فإن أراد أن يسترق بعد ذلك من أقام على الكفر لم يكن له لأنه لم يدخل به على هذا الشرط، و إن أراد أن يمن عليه جاز لأنه ليس فيه إبطال شيء شرطه بل فيه إسقاط ما كان شرط من القتل فإن حكم بقتل الرجال و سبي النساء و الذرية و رأى الإمام أن يمن على الرجال أو على بعضهم جاز ذلك لأن سعدا حكم على بني قريظة بقتل رجالهم ثم إن ثابت الأنصاري (1) سئل النبي (صلى الله عليه و آله) أن يهب الزبير بن رباطا (2) اليهودي له ففعل فإن نزلوا علي حكم الحكم فقبل أن يحكم فيهم بشيء أسلموا عصموا دماؤهم و أموالهم و لم يحل سبى ذراريهم، و إن أسلموا بعد أن حكم بقتل الرجال و سبي النساء و الولدان و أخذ الأموال سقط القتل لا غير و سبي النساء و الولدان و أخذ الأموال، و إن أراد الإمام هيهنا أن يسترق الرجال بعد أن أسلموا (3) لم يجز لأنهم ما نزلوا على هذا الحكم فإن حكم فيهم بقتل الرجال و سبى النساء و الذرية و أخذ المال كان المال غنيمة و يخمس لأنه أخذ قهرا بالسيف. فإن نزلوا على أن يحكم فيهم بكتاب الله أو القرآن كره ذلك لأن هذا الحكم ليس بمنصوص في كتاب الله أو القرآن فيحصل فيه اختلاف فإن نصبوا حكمين جاز لأنه لما جاز الواحد جاز الاثنان فإن اتفقا على الحكم جاز، و إن مات أحدهما لم يحكم الآخر حتى يتفقوا عليه. فإن لم يمت و اختلفا لم يحكم حتى يجتمعا فإن اجتمعا و اختلفت الفئتان فقالت إحداهما: نحكم بهذا، و قالت الأخرى: لا نحكم بهذا لم يجز أن يحكما حتى يتفقوا عليها.

____________

(1) هو ثابت بن القيس الأنصاري.

(2) في بعض النسخ [باطا] كما في البحار ج 20 ص 222 الطبعة الحديثة، و أضاف المحشي نسخة [ناطا].

(3) في بعض النسخ [ما أسلموا].

19

(فصل: في حكم المبارزة)

المبارزة على ضربين: مستحبة و مباحة. فالمستحب أن يدعوا المشرك إلى البراز فيستحب للمسلم أن يبارزه كما فعل حمزة و على و عبيدة (عليهم السلام) يوم بدر، و المبارزة المباحة أن يخرج المسلم إلى المشرك ابتداء فيدعوه إلى البراز فهذه مباحة، و ينبغي ألا يخرج أحد إلى طلب المبارزة إلا بإذن الإمام أنه (1) أعرف بفرسان المسلمين و فرسان المشركين، و من يصلح للبراز و من لا يصلح. فإن بارز مشرك مسلما نظر فإن بارز مطلقا جاز لكل أحد رميه و قتله لأنه حربي لا أمان له إلا أن تكون العادة قد جرت ألا يقاتل عند البراز إلا المبارز وحده فيستحب الكف عنه. فإن برز بشرط بأن يقول:

على أن لا يقاتلني غير صاحبي و في له بشرطه، و لم يجز لغيره رميه لأنه قد عقد لنفسه أمانا. فإن ولى عنه المسلم مختارا أو متحيزا فطلبه المشرك ليقتله كان للمسلمين دفعه لأن الشرط قد زال. فإن شرط الأمان ما دام في القتال و قد زال. فإن زاد في الشرط فقال أكون في أمان حتى أرجع إلى موضعي من الصف و في له بذلك اللهم إلا أن يولى عنه المسلم مختارا أو متحيزا فيطلبه المشرك ليقتله أو يخشى عليه فحينئذ للمسلمين منعه باستنقاذه منه فإن قاتلهم في هذه الحالة قاتلوه لأنه نقض الشرط فإن خرج و شرط أن لا يقاتله غير مبارزه ثم استنجد أصحابه فأعانوه أو ابتدؤوا بمعاونته فلم يمنعهم فقد نقض أمانه و يقتل معهم. فإن منعهم فلم يمتنعوا فأمانه باق و لا يجوز قتاله و لكن يقاتل أصحابه.

و إذا اشتبه قتلي المسلمين بقتلى المشركين دفن منهم من كان صغير الذكر، و يستحب أن لا يؤخذ في القتال إلا بعد الزوال فإن اقتضت المصلحة تقديمه جاز ذلك، و لا يجوز التمثيل بالكفار و لا الغدر بهم و لا الغلول فيهم.

(فصل: في حكم الأسارى)

الآدميون على ثلاثة أضرب: نساء و ذرية و مشكل و بالغ غير مشكل. فأما النساء

____________

(1) في بعض النسخ [لانه].

20

و الذرية فإنهم يصيرون مماليك بنفس السبي، و أما من أشكل بلوغه فإن كان أنبت الشعر الخشن حول الذكر حكم ببلوغه، و إن لم ينبت ذلك جعل في جملة الذرية لأن سعدا حكم في بني قريظة بهذا فأجازه النبي (صلى الله عليه و آله) و أما من لم يشكل أمر بلوغه فإن كان أسر قبل تقضى القتال فالإمام فيه بالخيار بين القتل و قطع الأيدي و الأرجل و يتركهم حتى ينزفوا إلا أن يسلموا فيسقط ذلك عنهم، و إن كان الأسر بعد انقضاء الحرب كان الإمام مخيرا بين الفداء و المن و الاسترقاق، و ليس له قتلهم أى هذه الثلاثة رأى صلاحا و حظا للمسلمين فعله، و إن أسلموا لم يسقط عنهم هذه الأحكام الثلاثة و إنما يسقط عنهم القتل لا غير، و قد قيل: إنه إن أسلم سقط عنه الاسترقاق لأن عقيلا أسلم بعد الأسر (1) ففاداه النبي (صلى الله عليه و آله) و لم يسترقه.

فإن أسر و له زوجة فإنهما على الزوجية ما لم يخير الإمام الاسترقاق فإن من عليه أوفادا به عاد إلى زوجته، و إن اختار استرقاقه انفسخ النكاح، و إن كان الأسير صبيا أو امرأة مزوجة فإن النكاح ينفسخ بنفس الأسر لأنهما صارا رقيقين، و إن أسر رجل بالغ فإن كان من أهل الكتاب أو ممن له شبهة كتاب فالإمام مخير فيه على ما مضى بين الثلاثة أشياء، و إن كان من عبدة الأوثان فإن الإمام مخير فيه بين المفاداة و المن، و سقط الاسترقاق لأنه لا يقر على دينه بالجزية كالمرتد. فإن فادى رجلا و أخذ المال كان ذلك غنيمة و لا يكون مخيرا في الفداء كما يكون مخيرا في الاسترقاق لأن ذلك ربما كان مصلحة و ليس في ترك المال مصلحة. فإن أسر رجل من المشركين فقتله مسلم قبل أن يختار الإمام شيئا مما ذكرناه كان هدرا و لا يجب عليه الدية، و متى أسلموا قبل الإسار فهم أحرار عصموا دماءهم و أموالهم إلا لحقها و سواء احيط بهم في مضيق أو حصن الباب واحد.

و قد بينا أنه متى حدث الرق في الزوجين أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما و ذلك يكون عند حيازة الغنيمة و جمعها. فالنساء ترقون بنفس الاحتياز، و الرجال يرقون

____________

(1) في بعض النسخ [بعد انقضاء الحرب].

21

باختيار الإمام استرقاقهم. فإذا حدث الرق انفسخ النكاح. فعلى هذا إذا سبي الزوجان انفسخ النكاح في الحال لأن الزوجة صارت مملوكة بنفس عقد الحيازة، و إن كان المسبي الرجل لا ينفسخ النكاح إلا إذا استرقه الإمام، و إن كان المسبي المرأة انفسخ أيضا في الحال لما قلناه.

فأما إذا كان الزوجان معا مملوكين فإنه لا ينفسخ نكاحهما لأنه ما حدث رق ههنا لأنهما كانا رقيقين قبل ذلك.

إذا وقعت المرأة و ولدها في السبي فلا يجوز (1) للإمام أن يفرق بينهما فيعطى الأم لواحد و الولد لآخر لكن ينظر فإن كان في الغانمين من يبلغ سهمه الأم و الولد أعطاهما إياه، و إن لم يكن أعطاهما إياه و أخذ فضل القيمة أو يجعلهما في الخمس فإن لم يفعل باعهما و رد ثمنهما في المغنم.

و هكذا إذا كان لرجل أمة و ولدها. فلا يجوز أن يفرق بينهما ببيع و لا هبة و لا غيرهما من أسباب الملك روى أبو أيوب الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: من فرق بين والدة و ولدها فرق الله بينه و بين أحبته يوم القيامة.

و في أصحابنا من قال: إن ذلك مكروه و لا يفسد البيع به فإن بلغ الصبي سبعا أو أثمان سنين فهو السن الذي يخير فيه بين الأبوين فيجوز أن يفرق بينهما، و في الناس من قال: لا يجوز ما لم يبلغ، و كذلك لا يفرق بينه و بين الجدة أم الأم لأنها بمنزلة الأم في الحضانة، و أما التفرقة بينه و بين الوالد فإنه جائز لأن الأصل جوازه. فإن خالف و باع جاز البيع على الظاهر من المذهب، و في الناس من قال:

البيع فاسد لما رواه علي (عليه السلام) أنه فرق بين جارية و ولدها فنهاه رسول الله عن ذلك، و رده البيع.

و من خرج عن عمود الوالدين من فوق و أسفل مثل الإخوة و أولادهم و الأعمام و أولادهم لا يمنع من التفرقة.

____________

(1) في بعض النسخ [فلا ينبغي].

22

إذا جنت جارية و تعلق أرش الجناية برقبتها و لها ولد صغير لم يتعلق الأرش به فإن فداها السيد فلا كلام، و إن امتنع لم يجز بيعها دون ولدها لأن فيه تفريقا بينهما لكنهما يباعان و يعطى المجني عليه ما يقابل قيمة جارية ذات ولد و الباقي للسيد بيان ذلك أن يقال: كم قيمة الجارية و لها ولد دون ولدها فيقال: مائة فقال: كم قيمة ولدها فيقال:

خمسون فيخصها ثلثا الثمن و الولد الثلث فإن. كان ثلثا الثمن يفي بالأرش فقد استوفى و إن كان أقل فلا شيء له غيره و إن كان أكثر رد الفضل على السيد. فإن كانت بحالها و كانت الجارية حاملا فإن فداها السيد فلا كلام، و إن امتنع لم يجز بيعها إن كانت حاملا بحر و تصبر حتى تضع و يكون الحكم كما لو كان منفصلا، و إن كانت بمملوك جاز بيعها معا على ما مضى إذا كان الولد منفصلا.

إذا باع جارية حاملا إلى أجل ففلس المبتاع و قد وضعت ولدا مملوكا من زنا أو زوج فهل له الرجوع فيها دون ولدها؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له لأنه يفرق (1) بينهما و بين ولدها، و يكون بالخيار بين أن يعطى قيمة ولدها و يأخذهما، و بين أن يدع و يضرب مع الغرماء بالثمن، و الوجه الثاني له الرجوع فيها لأن ذلك ليس فيه تفرقة فإنهما يباعان معا و ينفرد هو بحصتها.

فإن ابتاع جارية فأتت بولد مملوك في يد المشتري و علم بعيبها لم يكن له ردها بالعيب لأنه تفريق بينها و بين ولدها، و لا يلزمه رد الولد لأنه ملكه و يسقط الرد و يكون له الأرش فإن علم بالعيب و هي حامل كان مخيرا بين ردها و بين الأرش.

الطفل إذا سبي لم يخل إما أن يسبى مع أبويه أو أحدهما أو يسبى منفردا عنهما فإن سبي مع أبويه أو مع أحدهما كان دينه على دينهما فإذا ثبت ذلك فلا يجوز التفريق بينه و بين أمه في البيع لعموم الخبر فإن باعهما معا جاز البيع من المشركين و المسلمين لأنه محكوم بكفرهما فإن مات أبواه فإنه لا يتغير عن حكم دينه كالذمي إذا مات و له ولد لا يتغير دين ولد فإن بيع هذا الولد من مسلم جاز و إن بيع من كافر كان

____________

(1) في جميع النسخ [تفريق].

23

مكروها و يصح البيع، و في الناس من حرمه.

فأما إذا سبي الصبي منفردا عن أبويه، فإنه يبيع السابي له في الإسلام، و لا يجوز أن يباع إلا من مسلم فإن بيع من كافر بطل البيع، و روى أصحابنا أن الحميل هو الذي يجلب من بلد الشرك فإن جلب منهم قوم تعارفوا بينهم نسبا يوجب التوارث قبل قولهم بذلك و سواء كان ذلك قبل العتق أو بعده و يورثون على ذلك لأنه لا يمكن إقامة البينة من المسلمين على صحة أنسابهم و سواء كان النسب [] نسب الوالدين و الولد أو من يتقرب بهما إلا أنه لا يتعدى ذلك منهم إلى غيرهم و لا يقبل إقرارهم به.

إذا أسر المشركون مسلما فأكرهوه على عقد الأمان لمشرك ففعل كان الأمان باطلا فإن أطلقوه فعقد الأمان مطلقا انعقد الأمان لأنه عقده باختياره فإن كان محبوسا فعقد الأمان بغير إكراه الأولى أنه لا ينعقد لأن ظاهر الحبس الإكراه، و قد قيل: إنه ينعقد كما يقبل إقراره.

فإن دخل رجل من أهل الحرب إلينا بأمان على أن عليه العشر أو الخمس فكسد متاعه فرده إلى دار الحرب نظر فيه فإن كان شرط أخذ العشر من المال أخذ منه العشر، و إن كان شرط أخذ العشر من ثمن المال فلا شيء عليه لأنه ما وجد الثمن، و إن أطلق اقتضى ذلك أخذ العشر لكل حال.

و إن سبي المسلمون زوجة مشرك فاسترقت فدخل زوجها فطلبها و ذكر أن عندهم في الأسر فلانا و فلانا فأطلقوها لي حتى أحضرهما فقال له الإمام: أحضرهما فإذا فعل أطلقهما الإمام و لم يطلقها له لأنهما حران لا يجوز أن يكونا ثمن مملوكة، و يقال له:

إن اخترت أن تشتريها فآتنا بثمنها مالا اللهم إلا أن يكون قد أخذها مسلم و صارت أم ولد فلا ترد بحال. فإن دخل إلينا حربي بأمان فقبل و أخذ المال و سرق و هرب إلى دار الحرب. ثم عقد الأمان لنفسه و دخل إلينا قبل [ب] القتل و غرم على المال و قطع بالسرقة.

إذا كان القوم على القتال فأهدى حربي من الصف إلى مسلم شيئا كان غنيمة لأنه إنما فعله خوفا من أهل الصف، و هكذا إن أهدى إلى الإمام في هذه الحال فإن أهدى

24

حربي من دار الحرب إلى مسلم في دار الإسلام أو إلى الإمام في غير زمان القتال فإنه لا يكون غنيمة بل ينفرد به المهدي إليه لأنه لم يفعل ذلك لأجل الحرب.

فإن أسر المشركون مسلما. ثم أطلقوه على أن يكونوا منه في أمان و يقيم عندهم و لا يخرج إلى دار الإسلام كانوا منه في أمان، و عليه أن يخرج إلينا متى قدر، و لا لا يلزمه الإقامة بالشرط لأنه حرام، و إن كانوا استرقوه ثم أطلقوه على أنه عبد لهم كان له أن ينهب و يسرق و يهرب كيف ما أمكنه لأن استرقاقه لا يصح. فإن غصب مسلم فرسا و غزا عليه و غنم فأسهم له ثلاثة أسهم كان له ذلك كله دون صاحب الفرس فإن دخل دار الحرب بفرس بنفسه فغزا ثم غصبه غاصب من أهل الصف فرسه فغنموا عليها فأسهم الذي في يده الفرس ثلاثة أسهم كان له من ذلك سهم و سهمان لصاحب الفرس، و الفرق بينهما أن في المسئلة الأولى الغاصب هو الحاضر للقتال دون صاحب الفرس و قد أثر في القتال بحضوره فارسا و كان السهم له دون صاحب الفرس، و المسئلة الثانية صاحب الفرس حضر القتال فارسا و أثر في القتال و الغصب حصل بعد ذلك و كان السهم له دون الغاصب.

إذا أسر المسلم فأطلقه المشركون على ألا يخرج من ديارهم كان له أن يخرج.

و الحربي إذا أسلم في دار الحرب فإن لم يكن مستضعفا بل كان له عشيرة ينصرونه و يحمون عنه و يقدر أن يظهر دينه فالأولى أن يخرج من دار الحرب و يجوز له أن يقيم، و إن كان مستضعفا لا رهط له و لا عشيرة و لا يمكنه إظهار دين الإسلام فإن قدر على الهجرة و وجد نفقة أو طريقا حرم عليه المقام و وجبت عليه الهجرة، و إن لم يكن له طريق و لا يقدر على الهجرة لم يحرم عليه المقام لأنه مضطر و عليه أن يحتال في الخروج متى أمكنه فأما من أسر من المسلمين و حصل في دار الحرب فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مستضعفا لكنه قادر على الهجرة، و الآخر مستضعف غير قادر، و حكمهما على ما ذكرناه، و جملته أن الإقامة في دار الحرب إما مكروه أو محرمة على من يقدر على الخروج، و إن كان عاجزا غير قادر فهو مضطر، و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: أنا بريء من كل مسلم مع مشرك قيل: يا رسول الله لم؟ قال:

25

لا تتراءى نارهما [لا ترى آبارهما خ ل] يعنى يكثر سوادهم (1).

فإذا ثبت هذا فالأسير إذا خلى لم يخل إما أن يشرط عليه المقام في دار الحرب أولا يشرط فإن لم يشرط نظر فإن أطلقوه على أنهم في أمان صاروا منه في أمان، و ليس له أن يغتالهم في مال و لا نفس و الحكم في مقامه على ما مضى فإن خرج لهرب فأدركوه فله أن يدفع عن نفسه فإن قتل الذي أدركه لا شيء عليه لأن من طلبه نقض عهده و زال أمانه، و إن أطلق من غير أمان فله أن يغتالهم في أموالهم و يأخذ ما يقدر عليه من ولدانهم و نسائهم لأنهم ليسوا منه في أمان، و إن شرطوا عليه المقام عندهم نظر فإن كان من غير يمين حرم عليه المقام و لا يلزمه الوفاء بالشرط فإن حلفوه على ذلك، و إن أكرهوه على اليمين لم ينعقد يمينه لأنه مكره، و الحكم في خروجه على ما ذكرناه فإن لم يكرهوه على اليمين لم ينعقد يمينه لأنه مكروه، و الحكم في خروجه على ذكرناه فإن لم يكرهوه على اليمين و حلف مختارا كان له الخروج أيضا و لا كفارة عليه لأن الخروج أفضل بل هو الواجب، و إن أطلقوه على مال يحمله إليهم من دار الإسلام فإن لم يفعل و إلا عاد فلا يلزمه الوفاء بذلك لا بحمل المال و لا بالعود، و أما الفداء فإنهم إن كانوا أكرهوه على الضمان لم يلزمه الوفاء به لأنه أمر مكروه محرم، و إن تتطوع ببذل الفداء فقد عقد عقدا فاسدا لا يلزمه الوفاء به، و هكذا للإمام إذا شرط أن يفادي قوما من المسلمين بمال فالعقد فاسد و لا يملك المشركون ما يأخذونه منه و متى ظفر المسلمون به لم يغنم و كان مردودا إلى بيت المال.

(فصل: في حكم الحربي إذا أسلم في دار الحرب و المسلم إذا أخذ ماله المشركون)

الحربي إذا أسلم في دار الحرب فإنه يعصم بإسلامه دمه و جميع أمواله التي يمكن نقلها إلى بلد الإسلام و صغار ولده، و كذلك حكمه إن أسلم في بلد الإسلام فأما أولاده الكبار فلهم حكم نفوسهم و أملاكه التي لا يمكن نقلها إلى بلد الإسلام مثل الأرضين

____________

(1) المروية في مستدرك الوسائل ج 2 ص 260 عن الجعفريات مع اختلاف يسير.

26

و العقارات فهي غنيمة و متى أسلم و له حمل صار الحمل مسلما بإسلامه فإن غنمت زوجته و استرقت مع ولده لم يصح استرقاق الولد لأنه محكوم بإسلامه، و لو تزوج مسلم حربية فأحبلها بمسلم، ثم سبيت حاملا و استرقت لم يسترق ولدها فأما زوجته فإنه يجري عليها أحكام أهل الحرب و تسترق فإذا استرقت انفسخ النكاح بينهما.

فإن كان لمسلم دار استأجرها في دار الحرب. ثم غنمها المسلمون فإنهم يملكون رقبتها و يكون عقد الإجارة باقيا بحاله له استيفاؤها إلى انقضاء المدة.

و متى أعتق مسلم عبدا مشركا و ثبت له عليه و لا يلحق بدار الحرب. ثم وقع في الأسر لم يسترق لأنه قد ثبت عليه ولاء المسلم فلا يجوز إبطاله، و لو قلنا: إنه يصح و يبطل ولاء المسلم كان قويا.

و إن كان الولاء للذمي. ثم لحق المعتق بدار الحرب فسبى استرق و لأن سيده لو لحق بدار الحرب استرق.

إذا ظهر (1) المشركون على المسلمين و حازوا أموالهم فإنهم لا يملكونها سواء حازوها إلى دار الحرب أو لم يحوزوها، و يكون آخذها غاصبا إن ظهر عليه و غنم و عرفه صاحبه فإن له أخذه قبل القسمة و يجب دفعه إليه إن قامت له بينة و إن كان بعد القسمة فهو له أيضا لكن يعطي الإمام من حصل في سهمه قيمته من بيت المال لئلا تنقص القسمة، و إن أسلم من هو في يده أخذ منه بلا قيمة، و قد روى أنه إذا قسمت كان صاحبها أولى بها بالقيمة، و إن دخل مسلم دار الحرب فسرقه أو نهبه أو اشتراه، ثم أخرجه إلى دار الإسلام فصاحبه أحق به و لا يلزمه قيمته فإن أعتقه من هو في يده أو تصرف فيه ببيع أو هبة أو غير ذلك فسد جميع تصرفه.

و إذا أحرز المشركون جارية رجل مسلم فوطئها المحرز لها فولدت. ثم ظهر المسلمون عليها كانت هي و أولادها لمالكها فإن أسلم عليها لم يزل ملك صاحب الجارية عن أولاده اللهم إلا أن تسلم، ثم يطأها بعد الإسلام ظنا منه أنه ملكها فحبلت بعد

____________

(1) في بعض النسخ [ظفر].

27

الإسلام فإن ولده منها يكون أيضا لسيد الجارية لكن تقوم على الأب و يؤخذ منه قيمته و يلزم الواطي عقرها لمولاها.

و إذا أسلم عبد لحربي في دار الحرب. ثم خرج إلى دار الإسلام فإنه يصير حرا لا سبيل لمولاه عليه بحال، و إن لم يخرج إلى دار الإسلام فهو على أصل الرق فإن غنم كان غنيمة للمسلمين، و الفرق بينهما أنه إذا خرج إلى دار الإسلام فقد قهر سيده على نفسه فصار حرا، و إذا أقام في دار الحرب فلم يغلب مولاه على نفسه يبقى على أصل الرق، و إن قلنا: إنه يصير حرا على كل حال كان قويا.

و إن دخل حربي إلينا بأمان فاشترى عبدا مسلما و لحق بدار الحرب فغنمه المسلمون فإنه باق على ملك المسلم لأن الشراء فاسد لأن الكافر عندنا لا يملك مسلما و يرد عليه المال الذي أخذه المسلم ثمنا له في أمان فإن تلف العبد كان لسيده قيمته و عليه رد ثمنه فيترادان الفضل،

(فصل: في هل للإمام و خليفته أن يجعل الجعائل لمن دله على مصلحة أم لا؟)

يحوز للإمام و خليفته إذا دخل دار الحرب أن يجعل الجعائل على ما فيه مصلحة المسلمين فيقول: من دلنا على قلعة كذا فله كذا و كذلك على طريق غامض فله كذا و ما أشبه ذلك، ثم لا يخلو إما أن يجعله من ماله أو من مال أهل الحرب فإن جعله من ماله لم يصح حتى يكون معلوما موصوفا في الذمة أو مشاهدا معينا لأنه عقد في ملكه فلا يصح أن يكون مجهولا و إن كان من مال المشركين جاز مجهولا و معلوما فيقول: من دلنا على القلعة الفلانية فله جارية منها أو جارية فلان، و روى أن النبي (صلى الله عليه و آله) جعل للبدأة الربع و للرجعة الثلث، و ذلك القدر مجهول و غير مملوك و أجازه، و روى أن أبا موسى صالح دهقانا على أن يفتح حصنا بالأهواز علي أن له أن يختار من أهله أربعين نفسا فجعل يحتال فقال أبو موسى: اللهم أنسه نفسه فنسي نفسه فأخذه أبو موسى و ضرب عنقه فإذا ثبت ذلك و دل على قلعة و شوهدت لم يستحق شيئا قبل فتحها لأن تحت قوله

28

جارية منها يتضمن أنها تفتح و يتمكن من تسليم الجارية إليه و لا يرضخ له بشيء فإن فتحت القلعة لم يخل أن تفتح صلحا أو عنوة فإن فتحت صلحا و شرط أن لصاحب القلعة أهله و كانت الجارية من أهله فإنه يقال للدليل: قد جعلنا لك هذه الجارية و قد صولح صاحب القلعة فرضي أن يأخذ قيمتها ليتم الصلح فإن فعل ذلك جاز و إن قلنا لصاحب القلعة: أ ترضى أن تأخذ قيمتها و تسلمها إلى الدليل فإن رضي جاز و إن أبى كل واحد منهما قيل لصاحب القلعة: ارجع إلى قلعتك بأهلك و يزول الصلح لأنه قد اجتمع أمران متنافيان لا يمكن الجمع بينهما و حق الدليل سابق وجب تقديمه.

فأما إذا فتحت عنوة نظر في الجارية فإن كانت على الشرك سلمت إلى الدليل و إن كانت أسلمت فإنها إن كانت أسلمت قبل الظفر بها فهي حرة لا تدفع إلى الدليل لكن تدفع إليه قيمتها لأن النبي (صلى الله عليه و آله) صالح أهل مكة على أن يرد عليهم من جاء إليه من المسلمات فنهى الله- عز و جل- عن ذلك و نسخ ما كان عقده و أمره برد مهورهن على أزواجهن، و إن أسلمت بعد الظفر بها نظر إلى الدليل فإن كان مسلما سلمت إليه لأنها مملوكة، و إن مشركا لم تسلم إليه لأن الكافر لا يملك مسلما لكن يدفع إليه قيمتها، و إن ماتت الجارية إما قبل الظفر بها أو بعده فلا شيء له من قيمتها لأن أصل العقد وقع بشرط أن يكون له مع وجودها ألا ترى أنها لو لم تفتح لم يستحق شيئا و ههنا ما وجدت القدرة عليها.

(فصل: في حكم ما يغنم و ما لا يغنم

إذا فتح بلد من بلاد الحرب فلا يخلو من أن يفتح عنوة أو صلحا. فإن فتح عنوة كانت الأرض المحياة و غيرها من أموالهم ما حواه العسكر و ما لم يحوه العسكر غنيمة فيخمس الجميع فيكون الخمس لأهله الذين قدمنا ذكرهم في كتاب قسمة الصدقات.

ثم ينظر في الباقي فكل ما حواه العسكر و ما لم يحوه العسكر مما يمكن نقله إلى دار الإسلام فهو للغانمين خاصة يقسم فيهم على ما نبينه.

29

و أما الأرضون المحياة فهي للمسلمين قاطبة و للإمام النظر فيها بالتقبيل و الضمان على ما نراه و ارتفاعها يعود على المسلمين بأجمعهم و ينصرف إلى مصالحهم الغانمين و غير الغانمين فيه سواء. فأما الموات فإنها لا تغنم و هي للإمام خاصة فإن أحياها أحد من المسلمين كان أولى بالتصرف فيها و يكون للإمام طسقها و إن فتحها صلحا فإن صالحهم على أن يكون الدار لنا يسكنونها ببذل الجزية فهي دار الإسلام الموات منها للإمام على ما قلناه، و الباقي للمسلمين، و إن كانت الصلح على أن الدار لهم بالموات فالموات منها لهم ليس للمسلمين أن يحيوها. للمسلمين أن يأكلوا و يعلفوا في دار الحرب دوابهم و إن أصابوا طعاما فلهم أكله قدر الكفاية مع الإعسار و اليسار سواء كان معهم طعام أو لم يكن و لا ضمان عليهم و روي أن قوما غنموا طعاما و عسلا فلم يأخذ النبي (صلى الله عليه و آله) منهم الخمس و إن أخذوا و طعاما أخرجوه إلى دار الإسلام أو شيئا منه وجب أن يردوه إلى الغنيمة لأن الحاجة قد زالت سواء كان قليلا أو كثيرا.

البهائم المأكولة إذا احتاج الغانمون إلى ذبحها و أكل لحمها جاز لهم ذلك كالطعام سواء، و ليس عليهم قيمتها فأما جلودها فإن اتخذ منها سقاء أو سيرا أو شيئا أو زكاة فعليه رده في المغنم كالثياب فإن قامت يده مدة لزمه أجرة مثلها و عليه ضمان ما نقص منها فإن زاد بصنعة أحدثها فيها فلا حق له فيها لأنه تعدى فيها. فأما لبس الثياب فليس له لبسها لقوله (عليه السلام): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه، و لا يستعمل شيئا من أدوية الغنيمة، و لا يدهن بشيء من دهنه لا لنفسه و لا دوابه إلا بشرط الضمان لأنه ليس بقوت، و كذلك إذا كان معه بزاة أو صقورة أو غير ذلك من الجوارح لم يكن له أن يطعمها من الغنيمة لأنه ليس إلى ذلك ضرورة فإن اقترض بعض الغانمين لغيره شيئا من الغنيمة أو علف الدابة جاز و لا يكون قرضا لأنه ما ملكه حتى يقرضه لكن يده عليه فإذا سلمه إلى غيره فصار يد الغير عليه فيكون يد الثاني عليه و هو أحق به و ليس عليه رده على الأول فإن رده كان المردود عليه أحق به لثبوت اليد. فإن خرج المقرض من دار الحرب و الطعام في يده وجب عليه رده في المغنم و لا يرده على المقرض.

30

و لا يجوز أن يبيع بعض الغانمين طعاما من غيره فإن خالف لم يكن ذلك بيعا، و إنما يكون انتقالا من يد إلى يد فما حصل في يد كل واحد منهما يكون أحق بالتصرف فيه، و على هذا لو باع أحدهما صاعين من طعام بصاع منه كان جائزا لأنه ليس ببيع في الحقيقة فإن اقترض واحد من الغانمين من هذا الطعام رجلا من غير الغانمين أو باعه منه لم يصح و كان على القابض رده لأنه أخذ ملك غيره، و كذلك لو جاء رجل من غير الغانمين ابتداء و أخذ من طعام الغنيمة لم تقر يده عليه لأنه ليس في الأصل أخذه، و كذلك لو باعه من غير الغانم بطل البيع و كان عليه رده في المغنم إذا وجد في المغنم كتب نظر فيها فإن كانت مباحة يجوز إقرار اليد عليها مثل كتب الطب و الشعر و اللغة و المكاتبات فجميع ذلك غنيمة، و كذلك المصاحف و علوم الشريعة كالفقه و الحديث و نحوه لأن هذا مال يباع و يشترى كالثياب، و إن كانت كتبا لا تحل إمساكها كالكفر و الزندقة و ما أشبه ذلك كل ذلك لا يجوز بيعه، و ينظر فيه فإن كان مما لا ينتفع بأوعيته إذا غسل كالجلود و نحوها فإنها غنيمة، و إن كان مما لا ينتفع بأوعيته كالكاغذ فإنه يمزق و لا يحرق لأنه ما من كاغذ إلا و له قيمة و كلم (1) التورية و الإنجيل هكذا كالكاغذ فإنه يمزق لأنه كتاب مغير مبدل.

و ما لم يكن عليه أثر ملك فهو لمن أخذه كالشجر و الحجر و الصيد، و لا يكون غنيمة لأنه إنما يكون غنيمة ما كان ملكا للكفار، و إن كان عليه أثر ملك كالصيد المقموط و الحجر المنحوت [و الخشب المنجور] فكل ذلك غنيمة لأن عليه أثر ملك.

فإن وجد ما يمكن أن يكون للكفار و المسلمين كالوتد و الخيمة و الخرج و لم يعلم عرف سنة كاللقطة، و إن لم يظهر صاحبه الحق بالغنيمة. فإن كان في المغنم بهيمة و أرادوا ذبحها و أخذ جلودها لسيور الركاب و البغال لم يجز ذلك لأن النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن ذبح الحيوان لغير مالكه فإن وجد لهم الجوارح كالبزاة و الصقور و الفهودة كل ذلك غنيمة لأنها تباع و تشترى و كذلك السنانير لأنها تملك.

____________

(1) في بعض النسخ [و حكم].

31

فإن كان فيما غنموا كلاب فما كان منها كلاب الصيد و الماشية فهو غنيمة و ما عداه لا يكون غنيمة لأنها لا تملك و تخلى فأما الخنازير فإنها ينبغي أن يقتلها فإن أعجله السير فلم يتمكن لم يكن عليه شيء، و أما الخمور فإنها تراق و ظروفها فإن كان المسلمون استوطنوا بلادهم و صالحوهم عليها فلا يكسرونها لأنها غنيمة، و إن كانوا على الانصراف كسروها.

و إذا غنم المسلمون خيلا من المشركين و مواشيهم ثم أدركهم المشركون و خافوا أن يأخذوها من أيديهم فلا يجوز لهم قتلها و لا عقرها، و إن كانوا رجالة أو على خيل قد كلت و وقفت و خيف أن يستردوا الخيل فيركبوها فيظفرون بهم فإنه يجوز لموضع الضرورة قتلها فإن كانت خيلهم لم تقف فلا يجوز لهم عقرها و لا قتلها فإذا قاتلوا على الخيل جاز عقرها و قتلها، و إذا سرق واحد من الغانمين من الغنية شيئا و إن كان بمقدار ما يصيبه من الغنيمة فلا قطع عليه، و كذلك إن كان الزيادة أقل من نصاب يجب فيه القطع، و إن زاد على نصيبه بنصاب يجب فيه القطع وجب قطعه، و إن عزل الخمس منها فسرق واحد من الغانمين الذين ليس له من الخمس شيء نصابا وجب عليه القطع على كل حال، و إن سرق من أربعة أخماس الغنيمة كان الحكم ما قدمناه.

و متى كان السارق من غير الغانمين فإنه ينظر فإن كان ممن له سهم في الخمس كان حكمه ما قدمناه من أنه إن سرق أكثر من سهمه مقدار النصاب وجب قطعه، و إن كان أقل من ذلك فلا قطع عليه و إن لم يكن من أهل الخمس على كل حال، و إن سرق بعد عزل الخمس من الأربعة أخماس قطع على كل حال إذا سرق نصابا اللهم إلا أن يكون في الغانمين من لو سرق منه لم يقطع مثل الابن لأنه لو سرق الأب من مال ابنه لم يجب قطعه فإن كان كذلك كان حكمه حكم الابن الغانم لو سرق على ما فصلناه إذا انقضت الحرب و حزت الغنائم فقد ملك كل واحد من الغنيمة ما يصيبه مشاعا، و إن كان في المغنم جارية فبادر فوطئها قبل القسمة درء عنه الحد بمقدار ما يصيبه منها، و يقام عليه الحد بما يصيب الباقين سواء كان الغانمون قليلين أو كثيرين

32

هذا إذا كان عالما بتحريم الوطي فإن لم يكن عالما بل ظن أنه يحل له ذلك درء عنه الحد لمكان الشبهة، و أما المهر فلا يلزمه للباقين لأنه لا دليل عليه، و الأصل براءة الذمة.

فإن أحبلها كان حكم ولدها حكمها يكون له منه بمقدار ما يصيبه و يلزمه بقية سهم الغانمين، و يلحق به لحوقا صحيحا لأنه شبهة و تكون الجارية أم ولده لأن السياق (1) يقتضي ذلك و يقوم الجارية عليه و يلزم سهم الغانمين، و ينظر فإن كانت الغنيمة قدر حقه فقد استوفى حقه، و إن كان أقل أعطي تمام حقه و إن كان أكثر رد الفضل.

فإذا وضعت نظر فإن كانت قومت عليه قبل الوضع فلا يقوم عليه الولد لأن الولد إنما يقوم إذا وضعت و في هذه الحال وضعته في ملكه، و إن كان ما قومت عليه بعد ما قومت هي و الولد معا بعد الوضع فأسقط منه نصيبه و غرم الباقي للغانمين هذا إذا وطئ الجارية قبل القسمة.

فإن وطئها بعد القسمة مثل أن يكون قد عزل العشرة من الغانمين جارية بقدر سهمهم فبادر واحد منهم فواقع عليها فلا يخلو أن يكون قد رضوا بتلك القسمة أو لم يرضوا بها فإن كان رضوا بها فقد صارت ملكا لهم دون غيرهم و يكون حكمه حكم من وطئ جارية مشتركة بينه و بين عشرة يدرأ عنه عشر الحد و يقام عليه الباقي و يقوم عليه مع الولد و يسقط عشره عنه و يلزم الباقي، و إن كان قبل الرضا كان الحكم مثل ذلك إلا أنه يكون لواحد من جملة الغانمين فسقط سهمه بحسب عددهم من الجارية و الولد و الحد هذا إذا كان موسرا فإن كان معسرا قومت عليه مع ولدها و استسعى في نصيب الباقين فإن لم يسع في ذلك كان له من الجارية مقدار نصيبه و الباقي للغانمين و يكون الولد حرا بمقدار نصيبه و الباقي للغانمين و يكون مملوكا لهم، و الجارية تكون أم ولد، و إن ملكها فيما بعد إذا كان في السبي من يعتق على بعض الغانمين من الآباء و الأولاد و إن علوا أو نزلوا فالذي يقتضيه المذهب أن يقول: أنه يعتق

____________

(1) في بعض النسخ [الاشتقاق].

33

منه نصيبه منه و يكون الباقي للغانمين و لا يلزمه قيمة ما يبقى للغانمين لأنه لا دليل عليه و قد قيل: إنه لا ينعتق عليه أصلا إن لم يقسمه الإمام في حصته أو حصة جماعة هو أحدهم لأن للإمام أن يعطيه حصته من غيره فنصيبه غير متميز من الغنيمة، و إن قومه عليه أو على جماعة هو أحدهم و رضى به انعتق نصيبه لأنه ملكه و يلزمه حصة شركائه و يقوم عليه كما لو أعتق نصيبا (1) له من مملوك إذا كان موسرا، فإن كان معسرا لا يلزمه ذلك و يكون قدر حصته حرا و ما سواه مملوكا، و الأول أقوى عندي.

متى حدث الرق في الزوجين أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما، و ذلك يكون عند حيازة الغنيمة و جمعها. فالنساء يرقن بنفس اختيار الملك، و الرحال يرقون باختيار الإمام استرقاقهم. فإذا حدث الرق انفسخ النكاح.

يكره نقل رؤوس المشركين من بلد إلى بلد لأنه ما حمل بين يدي النبي (صلى الله عليه و آله) رأس مشرك إلا رأس أبي جهل يوم بدر في نفس المعركة، و حمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رؤوس كثير من المشركين فأنكر و قال (عليه السلام): ما فعل هذا في عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لا بعده.

فصل: في ذكر مكة هل فتحت عنوة أو صلحا؟ و حكم السواد و باقي الأرضين

ظاهر المذهب أن النبي (صلى الله عليه و آله) فتح مكة عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك، و إنما لم يقسم الأرضين و الدور لأنها لجميع المسلمين كما نقوله في كل ما يفتح عنوة إذا لم يمكن نقله إلى بلد الإسلام فإنه يكون للمسلمين قاطبة، و من النبي (صلى الله عليه و آله) على رجال من المشركين فأطلقهم، و عندنا أن للإمام أن يفعل ذلك و كذلك أموالهم من عليهم بها لما رآه من المصلحة.

و أما أرض السواد فهي الأرض المغنومة من الفرس التي فتحها عمر، و هي سواد العراق فلما فتحت بعث عمر عمار بن ياسر أميرا و ابن مسعود قاضيا و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف ماسحا. فمسح عثمان الأرض، و اختلفوا في مبلغها فقال البياجي (2)

____________

(1) في بعض النسخ [شقصا].

(2) في بعض النسخ [الساجي].

34

اثنان و ثلاثون ألف ألف جريب، و قال أبو عبيدة: ستة و ثلاثون ألف ألف جريب، و هي ما بين عبادان و الموصل طولا و بين القادسية و حلوان عرضا. ثم ضرب على كل جريب نخل ثمانية دراهم و الرطبة ستة و الشجر كذلك، و الحنطة أربعة، و الشعير درهمين، و كتب إلى عمر فأمضاه، و روى أن ارتفاعها كان في عهد عمر مائة و ستين ألف ألف درهم فلما كان في زمن الحجاج رجع إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم فلما ولى عمر بن عبد العزيز رجع إلى ثلاثين ألف ألف درهم في أول سنة و في الثانية بلغ ستين ألف ألف فقال: لو عشت سنة أخرى لرددتها إلى ما كان في أيام عمر فمات تلك السنة، و كذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) لما أفضى الأمر إليه أمضى ذلك لأنه لم يمكنه أن يخالف و يحكم بما يجب عنده فيه، و الذي يقتضيه المذهب أن هذه الأراضي و غيرها من البلاد التي فتحت عنوة أن يكون خمسها لأهل الخمس فأربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة للغانمين و غير الغانمين في ذلك سواء و يكون للإمام النظر فيها و تقبيلها و تضمينها بما شاء، و يأخذ ارتفاعها و يصرفه في مصالح المسلمين و ما ينوبهم من سد الثغور و معونة (1) المجاهدين و بناء القناطر و غير ذلك من المصالح، و ليس للغانمين في هذه الأرضين خصوصا شيء بل هم و المسلمون فيه سواء، و لا يصح بيع شيء من هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تمليكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه، و لا يصح أن يبنى دورا و منازل و مساجد و سقايات، و لا غير ذلك من أنواع التصرف الذي يتبع الملك، و متى فعل شيء من ذلك كان التصرف باطلا و هو باق على الأصل، و على الرواية التي رواها أصحابنا أن كل عسكر أو فرقة غزت بغير أمر الإمام فغنمت يكون الغنيمة للإمام خاصة هذه الأرضون و غيرها مما فتحت بعد الرسول إلا ما فتح في أيام أمير المؤمنين إن صح شيء من ذلك يكون للإمام خاصة، و يكون من جملة الأنفال التي له خاصة لا يشركه فيها غيره.

و إذا نزل على بلد و أراد فتحه صلحا فلا يحوز ذلك إلا بشرط أن يضرب عليهم الجزية، و أن يجرى بأحكامنا عليهم، و أن لا يجتمعوا مع المشركين على قتال المسلمين،

____________

(1) في نسخة [تقوية].

35

و هو بالخيار بين أن يضع الجزية على رؤوسهم أو على أرضهم، و لا يجمع عليهم فإن وضعها على أرضهم ثم أسلم بعضهم فإن الجزية تسقط عنه، و تكون الأرض عشرية تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من أراضي المسلمين التي هي أملاكهم، و تكون مصروفة إلى المجاهدين القائمين مقام المهاجرين و الأنصار في عهد النبي (صلى الله عليه و آله).

و إذا صالح المشركين على أن تكون الأرض لهم بجزية التزموها و ضربوها على أرضهم فيجوز للمسلم أن يستأجر منهم بعض تلك الأرضين لأنها أملاكهم فإن اشتراها منهم مسلم صح الشراء و تكون أرضا عشرية.

فصل: في قسمة الغنيمة في دار الحرب و اقامة الحدود فيها

يستحب أن تقسم الغنيمة في دار الحرب، و يكره تأخيرها إلا لعذر من ذلك أن يخاف كثرة المشركين أو الكمين في الطريق أو قلة علف أو انقطاع ميرة، و روى أن النبي (صلى الله عليه و آله) قسم غنائم بدر بشعب من شعاب الصفراء قريب من بدر، و كان ذلك دار حرب، و من ارتكب كبيرة يجب عليه فيها الحد لم يحد في دار الحرب و أخر حتى يعود إلى دار الإسلام و لم يقسط بذلك الحد عنه سواء كان [هناك] إمام أو لم يكن فإن رأى من المصلحة تقديم الحد جاز ذلك، و سواء كان الفاعل أسيرا أو أسلم فيهم و لم يخرج إلينا أو خرج من عندنا للتجارة أو غيرها، و إذا قتل في دار الحرب فحكمه حكم القتل في دار الإسلام إن قتل مسلما عمدا فالقصاص أو الدية و الكفارة و إن كان خطأ فالدية و الكفارة، و على الرواية الأولى لا يؤخر القصاص منه لأنه إنما كره إقامة الحد بذلك لئلا تحمله الحمية على اللحاق بهم، و ذلك مفقود في القود فالأولى تقديم القصاص.

36

كتاب الجزايا و أحكامها

فصل: فيمن تؤخذ منه الجزية و من لا تؤخذ من أصناف الكفار

قال الله تعالى «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» إلى قوله «حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ (1)» و بعث النبي (صلى الله عليه و آله) معاذا إلى اليمن و أمره أن يأخذ من كل حاكم دينارا أو عدله معافرى (2) و أخذ رسول الله (صلى الله عليه و آله) الجزية من مجوس هجر، و على جواز أخذ الجزية إجماع الأمة.

و الكفار على ضربين: ضرب يجوز أن تؤخذ منهم الجزية، و الآخر لا يجوز ذلك، فالأول هم الثلاثة الأصناف: اليهود و النصارى و المجوس. فأما من عدا هؤلاء من سائر الأديان من عباد الأوثان و عباد الكواكب من الصابئة و غيرهم فلا تؤخذ منهم الجزية عربيا كان أو أعجميا، و من هو من الأصناف الثلاثة أخذت منه و الاعتبار في أخذها بالدين دون النسب. فإن كان من هؤلاء الثلاثة أخذت منه عربيا كان أو أعجميا و جملة ذلك أنه من كان من أهل هذين الكتابين المشهورين: اليهود أهل التورية، و النصارى أهل الإنجيل فإنها تقبل منهم، و كذلك من كان من نسلهم فإنه يقر على دينه ببذل الجزية سواء كان من المبذلين أو من غيرهم، و سواء كان من أولاد المبذلين أو لم يكن لعموم الآية.

و أما من كان من عبدة الأوثان فدخل في دينهم فلا يخلو أن يدخل في دينهم قبل نسخ شرعهم أو بعده فإن كان قبل نسخ شرعهم أقروا عليه، و إن كان بعد نسخ شرعهم لم يقروا عليه لقوله (عليه السلام): من بدل دينه فاقتلوه، و هذا عام إلا من خصه الدليل، و من أخذنا منه الجزية لا يجوز لنا أكل ذبائحهم و مناكحتهم على الظاهر من المذهب عندنا

____________

(1) التوبة 29.

(2) المعافري برد باليمن منسوب الى معافر قبيلة باليمن، و الميم زائدة، كذا في هامش المطبوع.

37

و من لا تؤخذ منه الجزية لم يحل ذلك بلا خلاف.

فأما المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب، و روى أصحابنا أنه كان لهم كتاب فأحرقوه، و روى ذلك عن علي (عليه السلام).

و إذا أحاط المسلمون بقوم من المشركين فذكروا أنهم أهل كتاب و بذلوا الجزية فإنه تقبل منهم لأنه لا يتوصل إلى معرفة دينهم إلى من جهتهم فيعقد لهم الجزية بشرط أنهم إن كانوا على ما قالوا ثبت العهد، و إن كانوا بخلافه نبذ إليهم، و يعرف ذلك بأحد أمرين: إما أن يقروا كلهم أو يسلم اثنان منهم و يعدلان و يشهدان أنهم ليسوا بأهل كتاب. فإن قال بعضهم: إنا أهل كتاب و قال بعضهم: لسنا أهل كتاب حكم لكل قوم منهم بحسب قوله، و لا يقبل قول بعضهم على بعض لأن شهادة الكفار بعضهم على بعض لا تقبل. فإن دخل عابد وثن في دين أهل الكتاب قبل النسخ و له ابنان صغير و كبير فأقاما على عبادة الأوثان ثم جاء الإسلام و نسخ كتابهم فإن الصغير إذا بلغ و قال: إننى على دين أبى و أبذل الجزية أقر عليه لأنه تبع أباه في الدين، و أما الكبير فإن أراد أن يقيم على دين أبيه و يبذل الجزية لم يقبل منه لأن له حكم نفسه و دخوله في الدين بعد النسخ لا يصح. فإن كانت المسئلة بحالها و دخل أبوهما في دين أهل الكتاب ثم مات ثم جاء الإسلام و بلغ الصبي و اختار دين أبيه ببذل الجزية أقر عليه لأنه تبعه في دينه فلا تسقط بموته، و الكبير فلا يقر بحال لأن له حكم نفسه.

فصل: في كيفية عقد الجزية و الأمان و مقدار الجزية و من تجب عليه

الأمان على ضربين: هدنة و عقد جزية. فلهدنة عقد أمان إلى مدة إما على عوض أو على غير عوض، و سنبين حكمه فيما بعد، و أما عقد الجزية فهو الذمة و لا يصح إلا بشرطين: التزام الجزية و أن يجرى عليهم أحكام المسلمين مطلقا من غير استثناء. فالتزام الجزية و ضمانها لا بد منه لقوله تعالى «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» إلى قوله «حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ» (1) و حقيقة الإعطاء هو الدفع غير أن

____________

(1) التوبة 29.

38

المراد هيهنا الضمان و إن لم يحصل الدفع.

و أما التزام أحكامنا و جريانها عليهم فلا بد منه أيضا و هو الصغار المذكور في الآية، و في الناس من قال: [إن] الصغار هو وجوب جرى أحكامنا عليهم، و منهم من قال:

الصغار أن تؤخذ منهم الجزية قائما و المسلم جالس.

و ليس للجزية حد محدود و لا قدر مقدور بل يضعها الإمام على أراضيهم أو على رؤوسهم على قدر أحوالهم من الضعف و القوة بمقدار ما يكونون صاغرين به، و قد روى أصحابنا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) وضعها على الموسر ثمانية و أربعين درهما، و على المتوسط أربعة و عشرين درهما، و على المتجمل اثنى عشر درهما، و المذهب الأول، فإنما فعل (عليه السلام) ذلك اتباعا لمن تقدمه أو لما رآه في الحال من المصلحة و الفقير الذي لا شيء معه تجب عليه الجزية لأنه لا دليل على إسقاطها عنه، و عموم الآية يقتضيه. ثم ينظر فإن لم يقدر على الأداء كانت في ذمته فإذا استغنى أخذت منه الجزية من يوم ضمنها و عقد العقد له بعد أن يحول عليه الحول.

و أما النساء و الصبيان و البله و المجانين فلا جزية عليهم بحال.

إذا عقد الصلح على بلد من بلاد أهل الحرب على أن تكون الأرض لنا أو لهم و عقد لهم الذمة بجزية اتفقوا عليها فيجوز أن يشرط عليهم ضيافة من مر بهم من المسلمين مجاهدين و غير مجاهدين لأن النبي (صلى الله عليه و آله) ضرب على نصارى ايلة ثلاث مائة دينار و أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين ثلاثا و لا يغشوا فإذا ثبت ذلك احتاج إلى شرطين:

أحدهما: أن يكون ذلك زائدا على أقل ما يجب عليهم من الجزية، و أن يكون معلوم المقدار، و إنما قلنا ذلك لأن الضيافة ربما لم يتفق فيحصل الجزية أقل ما يجب عليهم و لا يضرب الضيافة عليهم إلا برضاهم لأن أصل الجزية لا تتم إلى بالتراضي. فإذا التزموها و رضوا بها لم يكن لهم بعد ذلك الامتناع منها، و إن امتنعوا نقضوا العقد (1) بذلك و ينبذ إليهم، فإن طلبوا بعد ذلك أن يعقد العقد على أقل ما يكون

____________

(1) في بعض النسخ [العهد].

39

من الجزية أجيبوا إليه، و إن التزموا زيادة على ما يكون أقل الجزية لزمهم ذلك فإن امتنعوا بعد ذلك قوتلوا عليه فإن مانعوا نقضوا العهد فإن طلبوا بعد ذلك العقد على أقل ما يراه الإمام أن تكون جزية لهم لزمه إجابتهم إليه و لا يتعين ذلك بدينار أو أقل أو أكثر على ما بيناه.

و الشرط الثاني: أن يكون معلوما لأنه لا يصح العقد على مجهول و يصير معلوما بأن يكون عدد أيام الضيافة من الحول معلومة فيقال لهم: يضيفون من السنة خمسين يوما أو أقل أو أكثر، و يكون عدد من يضاف معلوما، و لكل رجل كذا و كذا رطلا من الخبز، و كذا من الأدم من لحم و جبن و سمن و زيت و شيرج، و يكون مبلغ الأدم معلوما، و يكون علف الدواب معلوما القت و الشعير و التبن و غير ذلك لكل دابة شيء معلوم فإن نزلوا بهم و لم يوفوا مبلغ العلف فأقروا أن الصلح وقع على علف الدواب لم يجب عليهم الحب بل يلزمهم أقل ما يقع عليه اسم العلف من تبن وقت ثم ينظر في حالهم فإن كانوا متساويين في قدر الجزية لم يفضل بعضهم على بعض في الضيافة بل ينزل على كل واحد مثل ما ينزل على الآخر، و إن كانوا متفاضلين في الجزية كانت الضيافة أيضا مثل ذلك، و مبلغ الضيافة ثلاثة أيام لما تضمنه الخبر، و ما زاد عليه فهو مكروه.

فأما موضع النزول فينبغي أن يكون في فصول منازلهم و بيعهم و كنائسهم و يؤمرون بأن يوسعوا أبواب البيع و الكنائس لمن يجتاز بهم من المسلمين، و أن يعلوا أبوابها ليدخلها المسلمون ركبانا فإن لم تسعهم بيوت الأغنياء نزلوا في بيوت الفقراء و لا ضيافة عليهم، و إن لم يسعهم لم يكن لهم إخراج أرباب المنازل منها فإن كثروا و قل من يضيفهم فمن سبق إلى النزول كان أحق به و أولى و إن قلنا: يستعملون القرعة كان أحوط، و كذلك إن جاءوا معا أقرع بينهم فإن نزلوا بعد ذلك بقوم آخرين من أهل الذمة قروا الذين لم يقروا، و ينزل الذين قروا فإن مات الإمام قام غيره مقامه و تثبت عنده مبلغ الجزية و ما صولحوا عليه من الضيافة أقرهم على ما كانوا عليه،

40

و لم يغير عليهم إلا بعد انقضاء المدة. ثم له الخيار بعد ذلك، و يثبت عنده ذلك بأن يوصى إليه الإمام المتقدم أو يشهد به مسلمان عدلان فإن لم يوجد ذلك رجع إلى قولهم فما يخبرون به يعمل فإن كان له فيما بعد خلاف ما قالوا طالبهم بما مضى، و قد بينا أن الجزية لا تؤخذ من المرأة و لا مجنون حتى يفيق و لا مملوك حتى يعتق فإذا ثبت أن المرأة لا جزية عليها فإن بقت من دار الحرب تطلب أن يعقد لها الذمة لتصير إلى دار الإسلام عقد لها الذمة بشرط أن يجرى عليها أحكامها (1)، و لا يشرط عليها الجزية، و لا فضل بين أن تجيء وحدها أو معها غيرها فإن بذلت الجزية و سألت عقد الذمة لها بالجزية عرفها الإمام أنه لا جزية عليها فإن قالت: عرفت هذا غير أنى اختار أن أؤدي قبل ذلك منها و يكون هبة لا جزية يلزم بالقبض، و إن امتنعت قبل الإقباض لم تجبر عليه [عليها خ ل].

و لو أن أهل الدار من أهل الكتاب معهم النساء و الصبيان فامتنع الرجال من الصلح على الجزية و بذلوا أن يصالحوا على أن الجزية على النساء و الولدان لم يجز لأن النساء و الصبيان مال و المال لا تؤخذ منه الجزية. فإن صالحهم على ذلك بطل الصلح و لا يلزم النساء بشيء فإن طلب النساء ذلك و دعوا إلى أن تؤخذ منهن الجزية و يكون الرجال في أمان لم تصح منهن الجزية. فإن قتل الرجال و سألت النساء أن يعقد عليهن ليكن ذميات في دار الإسلام عقد لهن بشرط أن تجرى أحكامنا عليهن، و ليس له سبيهن، و لا أن يأخذ منهن شيئا فإن أخذ شيئا رده، و قد قيل إنه يحتال عليهن حتى يفتحوا و يسبين، و لا يعقد لهن الأمان. فأما المملوك فلا جزية عليه لقوله (عليه السلام): لا جزية على العبيد، و لا يكون الإمام فيه بالخيار إذا وقع في الأسر بل يملك فإن أعتق قيل له: لا تقر في دار الإسلام حولا بلا جزية فإما أن يسلم أو يعقد الذمة.

____________

(1) في بعض النسخ [أحكامنا].

41

و أما المجنون فلا جزية عليه لأنه غير مكلف ثم ينظر في جنونه فإن كان مطبقا فلا شيء عليه، و إن كان يجن في بعض الحول و يفيق في البعض حكم للأغلب و سقط الأقل، و قد قيل: إنه يلفق أيام الإفاقة فإذا بلغت سنة أخذت منه الجزية فأما إن أفاق نصف الحول و جن نصفه. فإن كانت الإفاقة في الأول و جن فيما بعد و أطبق فلا جزية عليه لأنه مأتم الحول، و إن كان جنونه في الأول و إفاقته في باقيه و استمرت الإفاقة فإنه إذا حال الحول من وقت الإفاقة أخذت منه الجزية.

فأما الصبي فلا جزية عليه فإذا بلغ بالسن أو بالاحتلام أو النبات نظر فإن كان من أولاد عباد الأوثان قيل له: إما أن تسلم أو تنبذ إليك و تصير حربا (1) و إن كان من أولاد أهل الكتاب قيل له: إما أن تسلم أو تبذل الجزية أو تنبذ إليك و تصير حربا. فإن اختار الجزية عقد معه على حسب ما يراه الإمام، و لا اعتبار بجزية أبيه فإذا حال الحول عليه من وقت العقد أخذ منه ما وقف عليه.

و إذا صالح الإمام قوما على أن يؤدوا الجزية عن أبنائهم سواء ما يؤدون عن أنفسهم فإن كانوا يؤدونه من أموالهم جاز ذلك و يكون ذلك زيادة في جزيتهم، و إن كان ذلك من أموال أولادهم لا يجوز ذلك لأنه تضييع لأموالهم فيما ليس بواجب عليهم.

و إذا اتجرت امرأة بمالها في غير الحجاز لم يكن عليها أن تؤدى شيئا إلا أن تشاء هي لأن لها أن تختار في ذلك المكان (2) و تقيم فيه بغير إذنه. فإن قالت: أدخل الحجاز على شيء يؤخذ منى و ألزمته نفسها جاز ذلك لأنه ليس لها دخول الحجاز و الإقامة فيه فإذا بذلت عن ذلك عوضا جاز ذلك هذا عند من قال: ليس للمشرك دخول الحجاز، و سأذكر ما عندي فيه.

إذا بلغ المولود سفيها من أهل الذمة مفسدا لماله و دينه أو أحدهما لم يقر في دار الإسلام بلا جزية لعموم الآية فإن اتفق مع وليه على جزية عقداها جاز، و إن اختلف

____________

(1) في بعض النسخ [حربيا].

(2) في بعض النسخ [المقام].

42

هو و الولي قدمنا قوله على وليه لأنه يتعلق بحقن دمه فإن لم يعقد لنفسه ذمة نبذناه إلى دار الحرب و يكون حربا لنا.

و الشيخ الفاني و الزمن و أهل الصوامع و الرهبان الذين لا قتال فيهم و لا رأى لهم تؤخذ منهم الجزية لعموم الآية، و كذلك إذا وقعوا في الأسر جاز للإمام قتلهم، و قد روى أنه لا جزية عليهم.

المولود إذا بلغ في دار الإسلام و أبواه كافران نظر فإن كانا من أهل الذمة أو أحدهما يخالف الآخر في دينه فإنه يستأنف عقد الجزية و الأمان و لا يحمل على جزية أبيه فيقال له: أنت بالخيار بين أن يعقد أمانا على جزية ينفق عليها أو ينصرف إلى دار الحرب فإن انصرف إلى دار الحرب فلا كلام، و إن رضى بعقد الجزية عقد معه على ما يراه في الحال و لا اعتبار بجزية أبيه لأن له حكم نفسه إلا أنه في أمان لا يتعرض له و لماله إلى أن ينصرف أو يعقد الجزية، و إذا تقرر عقد الجزية بينهما فإن كان أول الحول فإذا جاء الحول استوفاه، و إن كان في أثناء الحول عقد له الذمة فإذا جاء حول أصحابه و جاء الساعي فإن أعطى بقدر ما مضى من حوله أخذ منه، و إن امتنع حتى يحول عليه الحول لم يلزمه ذلك، و أما إن كان أحد الأبوين يقر على دينه ببذل الجزية و الآخر لا يقر مثل أن يكون من وثني و كتابي أو مجوسي الحق بأبيه، و إن كان وثنيا لم تقبل منه الجزية و إن كان كتابيا أو مجوسيا أخذ من الابن الجزية، و إذا أسلم الذمي بعد الحول سقطت عنه الجزية، و إن مات لم تسقط عنه و تؤخذ من تركته. فإن لم يترك شيئا فلا شيء على ورثته، و إن أسلم و قد مضى بعض الحول فلا يلزمه شيء مثل ذلك، و إن مات قبل الحول لا يجب أخذها من تركته لأنها إنما تجب بحؤول الحول و ما حال.

فإما المستأمن و المعاهد. فهما عبارتان عن معنى واحد و هو من دخل إلينا بأمان لا للبقاء و التأبيد فلا يجوز للإمام أن يقره في بلد الإسلام سنة بلا جزية و لكن يقره أقل من سنة على ما يراه بعوض أو غير عوض. فإن خاف الإمام منه الخيانة نقض

43

أمانه و رده إلى مأمنه لقوله تعالى «وَ إِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» (1).

فصل: فيما يشرط على أهل الذمة

المشروط في عقد الذمة ضربان: أحدهما يجب عليهم فعله، و الأخر يجب عليهم الكف عنه. فما يجب عليهم فعله على ضربين: أحدهما بدل الجزية، و الآخر التزام أحكام المسلمين، و لا بد من ذكر هذين الشرطين في عقد الجزية لفظا و نطقا فإن أغفل ذكرهما أو ذكر أحدهما لم ينعقد لقوله تعالى «حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ» (2) و الصغار التزام أحكام المسلمين و إجراؤها عليهم.

و أما ما يجب الكف عنه فعلى ثلاثة أضرب: ضرب فيه منافاة الأمان، و ضرب فيه ضرر على المسلمين، و ضرب فيه إظهار منكر في دار الإسلام. فذكر هذه الأشياء كلها تأكيد و ليس بشرط في صحة العقد.

فأما ما فيه منافاة الأمان فهو أن يجتمعوا على قتال المسلمين فمتى فعلوا ذلك نقضوا العهد و سواء شرط ذلك في عقد الذمة أو لم يشرط (3) لأن شرط الذمة يقتضي أن يكونوا في أمان من المسلمين، و المسلمون في أمان منهم، و أما ما فيه ضرر على المسلمين يذكر فيه ستة أشياء: ألا يزني بمسلمة و لا يصيبها باسم نكاح، و لا يفتن مسلما عن دينه، و لا يقطع عليه الطريق و لا يؤدى (4) للمشركين عيبا، و لا يعين على المسلمين بدلالة أو بكتبة كتاب إلى أهل الحرب بأخبار المسلمين و يطلعهم على عوراتهم فإن خالفوا شرطا من هذه الشرائط نظر فإن لم يكن مشروطا في عقد الذمة لم ينقض العهد لكن إن كان ما فعله يوجب حدا أقيم عليه الحد فإن لم يوجبه عزر، و إن كان مشروطا عليه في عقد الذمة كان نقضا للعهد لأنه فعل ما ينافي الأمان. فأما إذا

____________

(1) الأنفال 58.

(2) التوبة 29.

(3) في بعض النسخ [لم يشترط].

(4) في بعض النسخ [لا يرى].

44

ذكر الله تعالى أو نبيه بالسب فإنه يجب قتله و يكون ناقضا للعهد، و إن ذكرهما بما دون السب و ذكر دينه و كتابه بما لا ينبغي فإن كان شرط عليهم الكف عن ذلك كان نقضا للعهد، و إن لم يكن شرط عليهم لم يكن نقضا للعهد و عزروا عليه.

و أما ما فيه إظهار منكر في دار الإسلام و لا ضرر على المسلمين فيه فهو إحداث البيع و الكنائس و إطالة البنيان و ضرب النواقيس و إدخال الخنازير و إظهار الخمر في دار الإسلام فكل هذا عليه الكف عنه سواء كان مشروطا أو غير مشروط فإن عقد الذمة يقتضيه، و إن خالفوا ذلك لم ينتقض ذمته سواء كان مشروطا عليه أو لم يكن لكن يعزر فاعله أو يحد إن كان مما يوجب الحد، و قد روى أصحابنا أنهم متى تظاهروا [ب] شرب الخمر أو لحم الخنزير أو نكاح المحرمات في شرع الإسلام نقضوا بذلك العهد و كل موضع قلنا ينتقض عهدهم فأول ما يعمل به أن يستوفى منه بموجب الجرم (1) ثم بعد ذلك يكون الإمام بالخيار بين القتل و الاسترقاق و المن و الفداء و يجوز له أن يردهم إلى مأمنهم من دار الحرب و يكون حربا لنا فيفعل فيهم ما يراه صلاحا للمسلمين، و إن أسلم قبل أن يختار الإمام شيئا سقط عنه إلا ما يوجب القود و الحد فإن أصحابنا رووا أن إسلامه لا يسقط عنه الحد، و إن أسلم بعد أن استرقه الإمام لم ينفعه إسلامه، و ينبغي للإمام أن يشرط على أهل الذمة أنهم يفرقون بين لباسهم و لباس المسلمين بفرق ظاهر يعرفون به يكون مخالفا للبسهم على حسب ما يراه من المصلحة في الحال فإن ألزمهم أن يلبسوا الملون جاز و يأخذهم بشد الزنانير في أوساطهم فإن كان عليه رداء شده فوق جميع الثياب و فوق الرداء لكيلا يخفى الزنار، و يجوز أن يلبسوا العمامة و الطيلسان لأنه لا مانع من ذلك فإن لبسوا قلانس شدوا في رأسها علما ليخالف قلانس القضاة و إن رأى أن يختم في رقابتهم نحاسا أو رصاصا أو جرسا جاز، و كذلك أن يأمر نساء هم بلبس شيء يفرق بينهن و بين المسلمات من شد الزنار و تجنب الإزار و تغير

____________

(1) في بعض النسخ [الحد].

45

أحد الخفين بأن يكون أحدهما أحمر و الآخر أبيض، و تجعل في رقبتها خاتما لتعرف به إذا دخلت الحمام، و جملته أن ذلك من رأى الإمام و اجتهاده، و لا نص لنا في شيء من ذلك بل يفعل من ذلك ما يراه، و روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنه قال في أهل الذمة: لا تبدؤهم بالسلام و اضطروهم إلى أضيق الطرق، و إذا عقد الإمام الذمة و عرف مبلغها كتب أسمائهم و أنسابهم و أديانهم و يكتب حلاهم لئلا يشكل الأمر عليه فيدلسوا، فإذا فعل ذلك فإن أراد أن يعرف على كل عدد عريفا على ما يريه من عشرة و عشرين يرعى أمورهم (1) و يضبط من يدخل في الجزية و من يخرج عنها فعل، و إن تولاها بنفسه جاز، و متى مات الإمام و قام بعده غيره. فإن كان الأول أقر أهل الذمة على أمر معلوم مدة معلومة أمضاه، و لم يكن له نقضه، و إن لم يكن ذلك أو لم يثبت عنده ابتدءهم بعقد الذمة، و إن كان عقد الأول و ثبت فإذا انقضت المدة كان له أن يستأنف عقدا آخر بزيادة أو نقصان على ما يراه من المصلحة، و إن كان الإمام الأول عقد لهم الذمة على التأييد انعقد و لم يكن للثاني تغيير شيء منه.

فصل: في حكم البيع و الكنائس، و حكم البلاد و المساجد

البلاد التي ينفذ فيها حكم الإسلام على ثلاثة أضرب: ضرب أنشأه المسلمون و أحدثوه، و ضرب فتحوه عنوة، و ضرب فتحوه صلحا، فأما البلاد التي أنشأها المسلمون مثل البصرة و الكوفة فلا يجوز للإمام أن يقر أهل الذمة على إنشاء بيعة أو كنيسة و لا صومعة راهب، و لا مجتمع لصلاتهم فإن صالحهم على شيء من ذلك بطل الصلح بلا خلاف، و البلاد التي فيها البيع و الكنائس كانت في الأصل قبل بنائها.

و أما البلاد التي فتحت عنوة فإن لم تكن فيها بيع و لا كنائس أو كانت لكن هدموها وقت الفتح فحكمها حكم بلاد الإسلام لا يجوز صلحهم على إحداث ذلك فيها

____________

(1) في بعض النسخ [ثغورهم].

46

و إن كانت فيها بيع و كنائس فصالح الإمام أهل الذمة على المقام فيها بإقرار بيعة و كنائس على ما هي عليه لم يصح لأنهم قد ملكوها بالفتح فلا يصح إقرارهم على البيع و الكنائس فيها مثل الأول.

فأما ما فتح صلحا فهو على ضربين: أحدهما أن يصالحهم على أن تكون البلاد ملكا لهم، و يكونوا فيها مواد عين على مال بذلوه و جزية عقدوها على أنفسهم فهيهنا يجوز إقرارهم على بيعهم و كنائسهم و إحداثها و إنشائها و إظهار الخمور و الخنازير و ضرب النواقيس فيها كيف شاؤوا لأن الملك لهم يصنعون به ما أحبوا بل يمنعون من إظهار الستة الأشياء التي تقدم ذكرها، و إن كان الصلح على أن يكون ملك البلد لنا و السكنى لهم على جزية التزموها فإن شرط لهم أن يقرهم على البيع و الكنائس على ما كانت عليه جاز، و كذلك إن صالحهم على إحداث البيع و الكنائس جاز، و إن لم يشرط ذلك لهم لم يكن لهم ذلك لأنها صارت للمسلمين، و الموضع الذي قلنا: إن له إقرارهم على ما هي عليه إن انهدم منها شيء لم يجز لهم إعادتها لأنه لا دليل على ذلك و بناؤها محرم ممنوع منه، و إن قلنا: إن لهم ذلك كان قويا لأنا أقررناهم على التبقية فلو منعنا هم من العمارة لخربت.

و أما دور أهل الذمة فعلى ثلاثة أضرب: دار محدثة و دار مبتاعة و دار مجددة.

فأما المحدثة فهو أن يشترى عرصة يستأنف فيها بناء فليس له أن يعلوا على بناء المسلمين لقوله (عليه السلام): الإسلام يعلوا و لا يعلى عليه. فإن ساوى بناء المسلمين و لم يعل عليه فعليه أن يقصره عنه، و قيل: إنه يجوز ذلك، و الأول أقوى.

و أما الدور المبتاعة فإنها تقر على ما كانت عليه لأنها هكذا ملكها.

و أما البناء الذي يعاد بعد انهدامه فالحكم فيه كالحكم في المحدث ابتداء لا يجوز أن يعلوا به على بناء المسلمين و المساواة على ما قلناه، و لا يلزم أن يكون أقصر من بناء المسلمين [من] أهل البلد كلهم، و إنما يلزمه أن يقصر عن بناء محلته.

و المساجد على ثلاثة أضرب:

مسجد الحرام و مسجد الحجاز و مسجد سائر البلاد.

47

فأما مسجد الحرام فهو عبارة عن الحرم عند الفقهاء فلا يدخلن مشرك الحرم بحال لقوله تعالى «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» (1).

و أما مسجد الحجاز فليس لهم دخوله إلا على ما سنبينه فيما بعد.

فأما سائر المساجد فإن أرادوا دخولها للأكل و النوم و ما أشبه ذلك منعوا منه، و إن أرادوا دخولها لسماع قرآن و علم و حديث منعوا منها لأنهم أنجاس و النجاسة تمنع المساجد، و قد قيل: إنهم يدخلونها لذلك لكن بأذن، و المذهب أنه ليس لهم ذلك و لا لأحد أن يأذن لهم في ذلك.

[حكم دخول الكفار بلاد المسلمين]

فإن قدم وفد من المشركين على الإمام أنزلهم في فضول منازل المسلمين، و إن لم يكن لهم فضول منازل جاز أن ينزلهم في دار ضيافة إن كانت، و إن لم يكن جاز للإمام أن ينزلهم في المساجد لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أنزل سبي بني قريظة و النضير في مسجد المدينة حتى أمر ببيعهم، و الأحوط ألا ينزلهم فيها، و هذا الفعل من النبي كان في صدر الإسلام قبل نزول الآية التي تلوناها كل مشرك ممنوع من الاستيطان في حرم الحجاز من جزيرة العرب فإن صولح على أن يقيم بها و يسكنها كان الصلح باطلا لما روى ابن عباس قال: أوصى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بثلاثة أشياء فقال: اخرجوا المشركين من جزيرة العرب و أجيزوا الوفد بما كنت أجيزهم، و سكت عن الثالث و قال: أنسيتها و هي مسئلة إجماع، و المراد بجزيرة العرب الحجاز لا جزيرة العرب كلها لأنه لا خلاف أنهم لا يخرجون من اليمن و هي من جزيرة العرب قال الأصمعي: حد جزيرة العرب من عدن إلى ريف عبادان طولا، و من تهامة و ما والاها إلى أطراف الشام عرضا، و كذلك قال أبو عبيدة و غيره، و قال بعضهم (2): الحجاز مكة و المدينة و اليمن و مخاليفها.

فأما دخولهم الحجاز لحاجة أو عابر سبيل فالحرم يمنعون من الاجتياز به بكل

____________

(1) التوبة 28.

(2) في بعض النسخ [بعض].

48

حال، و قيل: إن لهم دخوله الاجتياز (1) و الامتياز إليه بعد أن [لا] يقيموا فيها، و الأول أقوى للآية.

فإن وافى و معه ميرة بعث بها مع مسلم و إن كان معه رسالة ورد بها خرج إليه مسلم فسمعها منه، و إن كان لا بد أن يشافه الإمام خرج إليه الإمام فسمعها فإن خالف و دخل الحرم أخرج فإن عاد عزر، و إن مرض أخرج منه و إن مات اخرج و دفن في الحل فإن دفن فيه قيل: إنه ينبش ما لم يتقطع، و الأولي تركه لأن النبش ممنوع منعا عاما فإن أذن له الإمام في الدخول على عوض وافقه عليه جاز له ذلك و وجب عليه دفعه عليه [إليه خ] و إن كان خليفة الإمام و وافقته على عوض فاسد بطل المسمى و لزمه أجرة المثل.

فأما غير الحرم من الحجاز فليس لأحد منهم دخوله بغير إذن الإمام و لا يحرم الاجتياز فيه لأنه لا دليل عليه فإن اجتاز فيها لم يمكن من المقام أكثر من ثلاثة أيام فإن انتقل من بلد إلى بلد في الحجاز و أقام في كل بلد ثلاثة أيام لم يمنع منه، و ركوب بحر الحجار لا يمنعون منه، و إن كان في بحر الحجاز جزائر و جبال منعوا من سكناها و كذلك حكم سواحل الحجاز لأنها في حكم البلاد.

لا يجوز للحربي أن يدخل إلى دار الإسلام إلا بإذن الإمام، و يجوز أن يدخلها بغير إذنه لمصلحة من أداء رسالة أو عقد هدنة و ما أشبه ذلك.

و إن دخل بعضهم فلا يخلو من أن يدخل بإذن أو بغير إذن فإن كان بغير إذن فإن لم يدع أنه دخل في رسالة أو أمان كان للإمام قتله و استرقاقه و سبي ماله لأنه حربي لا أمان له و لا عهد، و إن ادعى أنه دخل في رسالة أو أمان مسلم قبل قوله في الرسالة لأنها لا يمكن أن يعلم إلا من جهته فإن ادعى أنه دخلها بأمان من مسلم لا يقبل قوله لأنه يمكنه أن يقيم عليه بينة، و قيل: إنه يقبل قوله لأن الظاهر أن الحربي لا يدخل بلد الإسلام إلا بأمان، و الأول أقوى.

____________

(1) في بعض النسخ [للاجتياز].

49

فأما إن استأذن في الدخول فإن كان في رسالة بعقد هدنة أو أمان إلى مدة ترك (1) بغير عوض، و إن كان لنقل ميرة إلى المسلمين بهم غنى عنها أو لتجارة لم يجز تركه إلى بعوض يشرط عليه حسب ما يراه الإمام من المصلحة سواء كان عشرا أو أقل أو أكثر.

فإذا دخلوا بلد الإسلام فلا يجوز أن يظهروا منكر كالخمر و الخنازير و ما أشبه ذلك.

و أما أهل الذمة إذا اتجروا في سائر بلاد الإسلام ما عدا الحجاز لم يمنعوا من ذلك لأنه مطلق لهم، و يجوز لهم الإقامة فيها ما شاؤوا و أما الحجاز فلا يدخلون الحرم منه على حال و ما عداه على ما قدمناه في دخول أهل الحرب بلاد الإسلام في أكثر الأحكام فلا يجوز أن يدخلوها إلا بإذن فإن دخلوه بغير إذن عزروا و لا يقتلون و لا يسترقون كأهل الحرب لأن لهم ذمة و إن دخلوها بإذن نظر فإن كان لمصلحة المسلمين مثل رسالة لعقد ذمة أو هدنة أو نقل ميرة بالمسلمين حاجة إليها دخلوها بغير عوض، و إن كان بالمسلمين غنى فالحكم فيها و في دخوله للتجارة واحد ليس له تمكينهم بغير عوض.

فإذا دخل فلا يقيم الذمي في بلد من بلاد الحجاز أكثر من ثلاثة أيام، و الحربي يقيم ببلاد الإسلام ما شاء.

إذا دخل أهل الذمة الحجاز أو أهل الحرب دخلوا بلد الإسلام من غير شرط فإن للإمام أن يأخذ منهم مثل ما لو دخلوها بإذن، و قيل ليس له أن يأخذ منهم شيئا و هو قوي لأن الأصل براءة الذمة، و قيل: إنهم يعاملون بما يعامل المسلمون إذا دخلوا بلاد الحرب سواء.

إذا اتجر أهل الذمة في الحجاز فإنه يؤخذ منهم ما يجب عليهم في السنة مرة واحدة بلا خلاف، و أما أهل الحرب إذا اتجروا في بلاد الإسلام فالأحوط أن يؤخذ منهم في كل دفعة يدخلونها لأنهم ربما لا يعودون، و قيل: إنه لا يؤخذ منهم إلا في السنة دفعة واحدة، و يكتب لهم برأيه إلى مثله من الحول لتبرء ذمتهم من المطالبة

____________

(1) في بعض النسخ [نزل].

50

يكون وثيقة مدة ليعلم بذلك من يأتي بعده و يقوم مقامه.

و أما نصارى تغلب و هم تنوخ و نهد و تغلب و هم من العرب انتقلوا إلى دين النصارى و أمرهم مشكل، و الظاهر يقتضي أنه تجرى عليهم أحكام أهل الكتاب لأنهم نصارى غير أن مناكحتهم و ذبائحهم لا تحل بلا خلاف، و ينبغي أن تؤخذ منهم الجزية، و لا تؤخذ منهم الزكاة لأن الزكاة لا تؤخذ إلا من مسلم، و مصرف الجزية مصرف الغنيمة سواء للمجاهدين، و كذلك ما يؤخذ منهم على وجه المعاوضة لدخول بلاد الإسلام، لأنه مأخوذ من أهل الشرك.

فصل في ذكر المهادنة و أحكامها

الهدنة و المعاهدة واحدة، و هو وضع القتال و ترك الحرب إلى مدة من غير عوض، و ذلك جائز لقوله تعالى «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها» (1) و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) صالح قريشا عام الحديبية على ترك القتال عشر سنين. فإذا ثبت جوازه فالكلام في فصلين:

أحدهما: في بيان الموضع الذي يجوز ذلك فيه، و الذي لا يجوز.

و الثاني: بيان المدة، و ليس يخلو الإمام من أن يكون مستظهرا أو غير مستظهر فإن كان مستظهرا و كان في الهدنة مصلحة للمسلمين و نظر لهم بأن يرجو منهم الدخول في الإسلام أو بذل الجزية فعل ذلك، و إن لم يكن فيه نظر للمسلمين بل كانت المصلحة في تركه بأن يكون العدو قليلا ضعيفا و إذا ترك قتالهم اشتدت شوكتهم و قروا (2) فلا تجوز الهدنة لأن فيها ضررا على المسلمين.

فإذا هادنهم في الموضع الذي يجوز فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر بنص القرآن العزيز و هو قوله تعالى «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» (3) و لا يجوز إلى سنة و زيادة

____________

(1) الأنفال 61.

(2) في بعض النسخ [قووا].

(3) التوبة 2.