المبسوط في فقه الإمامية - ج8

- الشيخ الطوسي المزيد...
311 /
1

-

2

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الحدود

[فصل في حد الزنا]

[حد الزنا في صدر الإسلام للثيب و البكر ثم نسخه]

شرع في صدر الإسلام: إذا زنا الثيب أن تحبس حتى تموت، و البكر أن تؤذى و توبخ حتى تتوب، قال الله تعالى «وَ اللّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ» إلى قوله «فَأَعْرِضُوا عَنْهُما» (1) ثم نسخ هذا الحكم فأوجب على الثيب الرجم و على البكر جلد مائة و تغريب عام.

روى عبادة بن الصامت أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة و تغريب عام، و الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم.

و قد قيل: إن المراد بالآية الأولى الثيب و بالثانية البكر، بدلالة أنه أضاف النساء إلينا في الأولى فقال «وَ اللّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ» فكانت إضافة زوجية لأنه لو أراد غير الزوجات لقال من النساء و لا فائدة للزوجية في هذا المكان إلا أنها ثيب.

الثيب يجب عليه الرجم بلا خلاف إلا الخوارج

، فإنهم قالوا: لا رجم في الشرع.

و الكلام في حد الزاني في فصلين: حد الثيب، و حد البكر

، فأما حد البكر فسيأتي بيانه، و أما حد الثيب و هو المحصن. من أصحابنا من قال: يجب عليه الجلد ثم الرجم و منهم من قال: إنما يجب ذلك إذا كانا شيخين، فان كانا شابين فعليهما الرجم لا غير، و عند المخالف يجب الرجم بلا تفصيل و قال بعضهم: يجمع بينهما بلا تفصيل.

و البكر هو الذي ليس بمحصن، فإنه إذا زنا وجب عليه جلد مائة و نفي سنة إلى بلد آخر إذا كان رجلا، و لا نفي عندنا على المرأة، و فيهم من قال: يجب عليها

____________

(1) النساء: 15.

3

النفي أيضا و النفي واجب عندنا و ليس بمستحب و قال بعضهم: هو مستحب موكول إلى اختيار الامام إن رأى نفى و إن رأى حبس.

و حد التغريب أن يخرجه من بلده أو قريته إلى بلد آخر، و ليس ذلك بمحدود بل على حسب ما يراه الامام، و قال قوم: ينفيه إلى موضع يقصر فيه الصلاة حتى يكون في حكم المسافر عن البلد، فان كان الزاني غريبا نفاه إلى بلد آخر غير البلد الذي زنا فيه.

و البكر من لم يحصن، و الثيب من أحصن، و حد الإحصان عندنا هو كل حر بالغ كامل العقل كان له فرج يغدو إليه و يروح على جهة الدوام، متمكنا من وطئه سواء كان ذلك بعقد الزوجية، أو بملك اليمين و يكون قد وطئ.

و قال بعضهم: شروط الإحصان أربعة الحرية و البلوغ و العقل و الوطي في نكاح صحيح بعد وجود هذه الشرائط، و فيهم من قال: شرط الإحصان واحد، و هو الوطي في نكاح صحيح، سواء كان من عبد أو صبي أو مجنون، فأما البلوغ و العقل و الحرية فإنها من شرائط وجوب الرجم.

و فائدة هذا الخلاف هو إذا وطئ في نكاح صحيح و هو صغير ثم بلغ أو أعتق و هو عاقل ثم زنى فلا رجم عليه على القول الأول، و على القول الثاني يجب عليه الرجم و على مذهبنا لا يحتاج إليه لأنا لا نراعي الشروط حين الزنا، و الاعتبار بما قبل ذلك و أصحابنا يراعون كمال العقل لأنهم رووا أن المجنون إذ زنا وجب عليه الرجم أو الجلد.

فمن قال بمذهب المخالف قال: إذا وجد الوطي في نكاح صحيح فان كانا كاملين بأن يكونا حرين عاقلين فقد أحصنا، و إن كانا ناقصين بأن يفقد فيهما أحد الشرائط التي ذكرناها لم يحصنا، و إن كان أحدهما كاملا و الآخر ناقصا فان كان النقص بالرق فالكامل قد أحصن دون الناقص، و إن كان النقص بالصغر قال قوم:

الكامل منهما محصن، و قال آخرون: لا يثبت الإحصان لأحدهما في الموضعين، و قال بعضهم: إن كان النقص رقا لم يثبت الإحصان لأحدهما، و إن كان صغيرا أحصن الكامل

4

و على ما عقدناه لا يحتاج إلى هذا الشرط و التفصيل.

إذا زنى عاقل بمجنونة فعليه الحد دونها

، و إن كان الرجل مجنونا و هي عاقلة فمكنته عن نفسها، فعليها الحد عند قوم دونه، و قال قوم: لا حد على واحد منهما و عندنا يجب عليهما الحد على ما مضى شرحه.

إذا رجم غسل و صلي عليه

، و حكمه بعد الرجم حكم المسلم إذا مات، و حكم من يقتل قصاصا يغسل و يصلى عليه و يدفن في مقابر المسلمين بلا خلاف.

و روى أصحابنا أنه يؤمر بالاغتسال قبل الرجم و التحنيط و كذلك من وجب عليه القصاص، فإذا قتل صلى عليه و دفن.

يجوز للإمام أن يحضر عند من وجب عليه الحد

و ليس من شرط استيفائه حضور شاهد الامام، و لا الإمام، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) رجم ماعزا و اليهوديين و لم يحضرهم.

هذا إذا ثبت باعترافه، و أما إذا ثبت بالبينة فليس من شرطه حضور الشهود و روى أصحابنا أنه يبدء الشهود بالرجم إن ثبت بالبينة ثم الامام ثم الناس، و إن ثبت باعترافه بدء برجمه الامام ثم الناس، و هذا يدل على أن من شرطه حضور الامام و الشهود، و به قال جماعة.

لا يثبت حد الزنا إلا بالإقرار أربع مرات

من الزاني في أربع مجالس متفرقة و به قال جماعة. و قال قوم: يثبت بإقراره دفعة واحدة كسائر الإقرارات، و اعتبر قوم أربع مرات، سواء كان في مجلس واحد أو مجالس متفرقة.

إذا اعترف الرجل بالزنا فلزمه الحد ثم رجع بعد ذلك

و قال: ما كنت زنيت فإنه يسقط الحد عنه، و كذلك كل حق لله خالص، كحد الخمر و القتل بالردة و القطع في السرقة، و الذي رواه أصحابنا في الاعتراف الذي يوجب الرجم إذا رجع عنه فإنه يسقط فأما فيما عدا ذلك أو الزنا الذي يوجب الحد فلا يسقط بالرجوع.

فأما ما كان حقا لآدمي كحد القذف و غيره فلا يسقط بالرجوع و قال جماعة إنه يسقط، و مذهبنا الأول.

5

و من وجب عليه الحد لا يخلو من أن يكون بكرا أو محصنا

، فان كان بكرا و كان سليما لا مرض به و لا ضعف خلقة، فان كان الهواء معتدلا لا حر شديد و لا برد شديد جلد، رجلا كان أو امرأة و أما إن كان الهواء غير معتدل إما لشدة حر أو برد أخر الجلد إلى اعتدال الهواء، فإذا أقيم الحد في شدة الحر أو البرد، ربما أدى إلى تلفه.

و أما إذا كان عليلا لم يخل أن يكون العلة مما يرجى زوالها أو لا يرجى، فان كان يرجى ذلك كالمرض الخفيف و الصداع لم يقم عليه الحد حتى يبرء من مرضه و كذلك إن كان عليه حد ان لا يوالي بينهما بل يقام أحدهما و يترك الآخر حتى يبرأ.

ثم يقام عليه.

فأما إذا كان مرضه مما لا يرجى زواله كالسل و الزمانة و كان نضو الخلقة فإنه يضرب بأطراف الثياب و إن كال النخل و قال بعضهم يضرب بالسياط و يجلد، و روى أصحابنا انه يضرب بضغث فيه مائة شمراخ.

فان وجب على امرأة حامل الحد فإنه لا يقام عليها حتى تضع

لأنها ربما أسقطت فإذا رضعت فان لم يكن بها ضعف أقيم عليها الحد في نفاسها و إن كانت ضعيفة لم تقم عليها حتى تبرأ كالمريض و كل موضع قلنا لا يقام عليها الحد لعذر من شدة حر أو برد فهلك فلا ضمان و قال قوم يضمن، و ان كان حملا فعليه ضمان الحمل.

و إن كان أغلف فختنه الإمام في شدة حر أو برد فتلف! قال قوم هو ضامن، و قال آخرون لا ضمان عليه و الأقوى عندي أنه لا ضمان عليه في الموضعين، لأنه لا دلالة عليه و الأصل براءة الذمة.

فأما المحصن إذا وجب عليه الرجم

، فان كان امرأة حائلا أو رجلا صحيحا و الزمان معتدل فإنه يرجم في الحال و ان كان هناك مرض أو كان الزمان غير معتدل فان كان الرجم ثبت بالبينة أقيم في الحال و لم يؤخر لأن القصد قتله، و إن كان ثبت بالاعتراف أخر إلى اعتدال الزمان لأنه ربما مسته الحجارة فيرجع، فيعين الزمان على قتله، و فيهم من قال يقام عليه الحد لأن القصد القتل و روى أصحابنا

6

أن الرجم يقام عليه و لم يفصلوا فأما إن كانت امرأة حاملا فإنها لا ترجم حتى تضع لئلا يتلف الولد.

إذا وجب على الزاني الرجم فلما أخذ و رجم هرب

، فان كان ثبت باعترافه ترك و إن كان ثبت عليه بالبينة رد و أقيم عليه، هذا عندنا و قال المخالف: يترك و لم يفصلوا لما روي أن ماعزا لما مسه حر الحجارة أخذ يشتد فلقيه عبد الله بن أنس و قد عجز أصحابه فرماه بطرف بعير فقتله، فذكروا ذلك لرسول الله فقال هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه و هذا عندنا لأنه كان اعترف به.

فإذا ثبت أنه لا يتبع فان هرب ثم قدر عليه من بعد، فان كان مقيما على الاعتراف رجم و إن رجع عنه ترك.

فاما الحفر فإنه إن ثبت الحد بالاعتراف لم يحفر له لأن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يحفر لماعز، و إن ثبت بالبينة، فإن كان رجلا لم يحفر له لأنه ليس بعورة، و إن كانت امرأة حفر لها لأن النبي (صلى الله عليه و آله) حفر للعامرية الى الصدر، و روى أصحابنا أنه يحفر لمن يجب عليه الرجم و لم يفصلوا.

حكى عن بعضهم أنه قال إذا شهد أربعة من الشهود على رجل بالزنا فان كذبهم أقيم عليه الحد، و ان صدقهم لم يقم عليه لأنه إذا صدقهم سقط حكم الشهادة و صار الحد ثابتا باعترافه، و باعترافه مرة لا يثبت الحد على قوله.

و نحن و إن وافقناه في أن الزنا باعترافه مرة لا يثبت، لا نقول إن حكم البينة يسقط ههنا لأنه لا دليل عليه.

إذا وجد على فراشه امرأة فوطئها يعتقدها زوجته أو أمته فبانت أجنبية

فلا حد عليه، و قال قوم عليه الحد و روى أصحابنا أنه يقام عليه الحد سرا و عليها جهرا إن تعمدت ذلك، فأما الموطوءة فإن كانت معتقدة أنه زوجها فلا حد عليها و إن علمت أنه أجنبي فسكتت فعليها الحد.

الأخرس إذا كان له إشارة مفهومة أو كناية معلومة فأقر بالزنا لزمه الحد

، و قال قوم لا حد عليه و الأول يقتضيه مذهبنا.

7

الزنا و اللواط و إتيان البهائم يثبت بأقل من أربعة شهود

ذكور و قد حكينا أن أصحابنا رووا أنه يثبت بثلثة رجال و امرأتين.

المتلوط بالذكران أو بالمرأة الأجنبية، إن أوقبه يجب عليه القتل عندنا

و الامام مخير بين أن يضرب رقبته أو يرمي به من حائط عال أو يرمي عليه جدارا أو يرجمه أو يحرقه و إن كان الفجور بالذكور و كان دون الإيقاب فإن كان محصنا رجم و إن كان بكرا جلد الحد و قال بعض المخالفين متى وطئ في الدبر ذكرا أو أجنبية رجم كان محصنا أو بكرا و قال بعضهم هو كالزنا يرجم إن كان ثيبا و يجلد إن كان بكرا و قال بعضهم لا حد عليه، لكن يعزر و يحبس حتى يتوب.

من أتى بهيمة كان عليه التعزير عندنا

بما دون الحد و قال بعضهم هو كاللواط و فيه قولان أحدهما يقتل، و الآخر هو كالزنا، و قال بعضهم يعزر و هو مثل ما قلناه.

فاما البهيمة فإن كانت مأكولة اللحم وجب ذبحها عندنا و عند جماعة لئلا يغتر بها أصحابها و قال بعضهم لئلا يأتي بخلقة مشوهة، و هذا غير بين لأنه ما جرت العادة بهذا، و ينبغي أن يقول هذا عادة، فإذا ذبحت فلا يحل أكلها عندنا بل يحرق بالنار، و قال بعضهم لا يؤكل و لم يذكر الإحراق، و قال غيره يؤكل. و إن كانت غير مأكولة فلا يذبح عندنا بل يخرج من ذلك البلد إلى بلد آخر، و قال بعضهم يذبح و إن كانت البهيمة لغيره غرم ثمنها عندنا.

فأما الشهادة عليه فلا يقبل إلا أربعة رجال و كذلك اللواط و الزنا، و قال بعضهم مثل ذلك، و من قال يوجب التعزير: منهم من قال مثل ما قلناه و منهم من قال يثبت بشهادة رجلين و كذلك اللواط.

إذا وجد رجل مع امرأة في فراش واحد يقبلها أو يعانقها فلا حد عليه

و عليه التعزير و روي في بعض أخبارنا أنه يجلد كل واحد منهما مائة جلدة، و كذلك روى المخالف ذلك عن على (عليه السلام)، و قال بعضهم خمسين و قال الباقون يعزر.

إذا وجدت امرأة حامل و لا زوج لها فإنها تسئل عن ذلك

فان قالت من زنا فعليها

8

الحد و إن قالت من غير زنا فلا حد عليها، و قال بعضهم: عليها الحد و الأول أقوى لأن الأصل براءة الذمة لأنه يحتمل أن يكون من زنا أو من وطى بشبهة أو مكرهة و الحد يدرأ بالشبهة.

إذا وجب الحد على الزاني يستحب أن يحضر اقامته طائفة

لقوله تعالى:

«وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» و قال ابن عباس الطائفة يكون واحدا و قال عكرمة اثنان، و قال الزهري ثلثة، و قال بعضهم عشرة.

إذا أقيم الحد على الزاني فرق الضرب على بدنه و يتقى الوجه و الفرج

و قال بعضهم إلا الوجه و الفرج و الرأس.

إذا شهد اثنان أنه أكرهها و قال آخرون أنها طاوعته فلا حد عليها

، لأن الشهادة لم تكمل و الرجل لا حد عليه أيضا، و قال بعضهم: إن عليه الحد، و هو الأقوى عندي لأن الشهادة قد كملت في حقه على الزنا لأنه زان في الحالين، و من قال، لأول قال لأن الشهادة لم تكمل على فعل واحد فإن الإكراه غير المطاوعة.

إذا ابتاع رجل ذات محرم له

كالأخت و الخالة و العمة من نسب أو رضاع أو الأم و البنت من الرضاع فإنه يحرم عليه وطيها، فان خالف و وطئ مع العلم بالتحريم وجب عليه القتل عندنا و كذلك إذا وطى ذات محرم له و إن لم يشترها، سواء كان محصنا أو غير محصن، و قال قوم عليه الحد.

و قال آخرون: لا حد عليه لأنه وطى صادف مملوكته فلم يجب عليه الحد كما لو كانت زوجته أو أمته حائضا.

و يلحقه النسب عندهم لأن الحد إذا سقط صار شبهة يلحق به النسب، و عندنا لا يلحقه النسب، على أنه عندنا إذ اشترى واحدة منهن فإنهن ينعتقن عليه فلا يصادف الوطي الملك بحال.

إذا استأجر امرأة للخدمة فوطئها فعليه الحد بلا خلاف

، و إن استأجرها للزنا فزنا بها فعليه أيضا الحد و قال بعضهم لا حد عليه لشبهة العقد.

9

إذا عقد على ذات محرم

كأمه و بنته و عمته أو امرأة أبيه أو ابنه أو تزوج بامرأة لها زوج أو وطئ امرأة بعد أن بانت باللعان أو بالطلاق الثلاث مع العلم بالتحريم فعليه الحد عندنا، و قال قوم لا حد عليه في شيء من هذا.

إذا تكامل شهود الزنا أربعة ثم شهدوا به ثم ماتوا أو غابوا

جاز للحاكم أن يحكم بشهادتهم و يقيم الحد على المشهود عليه و قال قوم لا يجوز و هذا هو الذي يقتضيه مذهبنا لأنا قد بينا أن البينة تبدء برجمه، و إن كان ما يوجب الحد فالأول أقوى.

إذا كمل شهود الزنا أربعة ثبت الحد بشهادتهم

سواء شهدوا في مجلس واحد أو في مجالس و تفريقهم أحوط عندنا، و قال بعضهم: إن شهدوا في مجلس واحد ثبت الحد و إن كانوا في مجالس فهم قذفة يحدون.

إذا حضر أربعة ليشهدوا بالزنا فشهد واحد أو ثلثة الباب واحد لم يثبت الزنا

على المشهود عليه لأن الشهادة ما تكاملت، اما من لم يشهد فلا شيء عليه، و أما الذين شهدوا فهل عليهم الحد أم لا؟ قال قوم: عليهم الحد، و قال بعضهم لا حد عليهم، و الأول أظهر عندهم، و الثاني أقيس، و الذي يقتضيه مذهبنا أن عليهم الحد، و على ما يحكون أصحابنا في قضية المغيرة لا حد عليهم.

فأما إن شهد الأربعة لكن ردت شهادة واحد منهم لم يخل من أحد أمرين إما أن يرد بأمر ظاهر أو خفي فإن ردت بأمر ظاهر مثل أن كان مملوكا أو امرأة أو كافرا أو ظاهر الفسق فان حكم المردود شهادته قال قوم يجب عليه الحد، و قال آخرون لا يجب و كذلك اختلفوا في الثلاثة إذ لا فصل بين أن لا يشهد الرابع و بين أن ترد شهادته بأمر ظاهر لا يخفى على الثلاثة، و الأقوى عندي أن عليهم الحد و إن كان الرد بأمر خفي قبل أن بحث الحاكم عن حاله، فوقف على باطن يرد به الشهادة فالمردود الشهادة قال قوم لا حد عليه و هو الأقوى، و الثلاثة قال قوم لا حد عليهم أيضا و هو الأقوى عندي و منهم من قال عليهم الحد لأن نقصان العدالة كنقصان العدد و الأول أقوى، لأنهم غير مفرطين في إقامتها فإن أحدا لا يقف على بواطن الناس، فكان عذرا في إقامتها فلهذا لا حد.

و يفارق هذا إذا كان الرد بأمر ظاهر لأن التفريط كان منهم فلهذا حدوا عند

10

من قال بذلك على ما اخترناه، فبان الفصل بينهما.

إذا شهد الأربعة أجمع على رجل بالزنا ثم رجع واحد منهم

فلا حد على المشهود عليه، و على الراجع الحد لأنه إما أن يقول عمدت أو أخطأت، و أيهما كان فهو قاذف و أما الثلاثة فإنه لا حد عليهم عندنا، و قال بعضهم عليهم الحد.

إذا رجم المشهود عليه بشهادتهم ثم رجعوا

فان قالوا أخطأنا في ذلك فعليهم الحد بالرجوع و الدية مخففة، و إن قالوا عمدنا غير أنا ما علمنا أن شهادتنا تقبل أو قالوا علمنا أن شهادتنا تقبل و ما علمنا أنه يقتل بذلك، فهذا القتل عمد الخطاء فعليهم الدية أرباعا على كل واحد ربع الدية.

و إن قالوا عمدنا و قصدنا قتله فعليهم الحد و القود عندنا، لما روى أن شاهدين شهدا عند على (عليه السلام) على رجل سرق فقطعه فأتياه بآخر و قالا هذا الذي سرق و أخطأنا على الأول فقال على (عليه السلام): لو علمت إنكما تعمدتما لقطعتكما، و روايات أصحابنا في ذلك مصرحة و قال قوم لا قود عليهم.

و إذا رجع واحد منهم و قال عمدت و عمد أصحابي

فعليه الحد و القصاص معا و إن قال عمدت و أخطأ أصحابي فلا قود عليه و عليه ربع الدية مغلظة، و إن قال أخطأت و أخطأ أصحابي أو أخطأت و عمد أصحابي فلا قود عليه و عليه الحد و ربع الدية مخففة.

إذا شهد عليها أربعة بالزنا و شهد أربع نسوة عدول أنها عذراء فلا حد عليها لأن الظاهر أنها ما زنت لبقاء العذرة و وجود البكارة، و إن احتمل أن يكون العذرة عادت بعد زوالها عند الفقهاء فلا يوجب الحد عليها بالشك، و أما الشهود فلا حد عليهم لأن الظاهر أن شهادتهم صحيحة و يحتمل أن يكون العذرة عادت بعد زوالها فلا يوجب الحد عليهم بالشك كما لا يوجب عليها بالشك.

إذا استكره امرأة على الزنا فلا حد عليها

لأنها ليست بزانية و عليه الحد لأنه زان فأما المهر فلها مهر مثلها عند قوم، و قال آخرون لا مهر لها و هو مذهبنا لأن الأصل براءة الذمة.

11

و الأحكام التي تتعلق بالوطي على ثلثة أضرب

أحدها معتبر بهما و هو الغسل، فالغسل يجب على كل واحد منهما، و الحد بكل واحد منهما فان كانا زانيين فعلى كل واحد و إن كان أحدهما زانيا فعليه الحد دون الآخر، و أما المهر فمعتبر بها فمتى حدت فلا مهر و إذا سقط الحد وجب لها المهر، و أما النسب فمعتبر به فمتى سقط عنه، الحد لحقه النسب، و العدة تتبع النسب متى لحق النسب تثبت العدة.

و ليس ههنا نسب مع حد إلا في مسئلة و هي إذا وطئ أخته من رضاع أو نسب في ملك يمين، قال قوم يجب الحد و يلحق النسب، و عندنا لا يلحق النسب ههنا و يجب الحد.

إذا زنا العبد بالأمة فعلى كل واحد منهما نصف الحد

خمسين جلدة أحصنا أو لم يحصنا و نريد بذلك التزويج و فيه خلاف و أما التغريب قال قوم يغربان، و قال قوم لا تغريب عليهما و هو مذهبنا.

فمن قال لا تغريب فلا كلام، و من قال عليهما التغريب منهم من قال سنة و منهم من قال نصف سنة.

من أقيم عليه حد الزنا ثلث مرات

قتل في الرابعة إن كان حرا و إن كان مملوكا قتل في الثامنة و لم يقبل بذلك أحد منهم.

للسيد أن يقيم الحد على ما ملكت يمينه بغير إذن الامام

عبدا كان أو أمة مزوجة كانت الأمة أو غير مزوجة عندنا و عند جماعة، و قال قوم ليس له ذلك و من قال له ذلك فمنهم من قال له التغريب أيضا و هو الأصح، و منهم من قال ليس له ذلك.

و اما الحد لشرب الخمر فله أيضا إقامته عليهم عندنا لما رواه على (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم و هذا عام و أما القطع بالسرقة فالأولى أن نقول له ذلك لعموم الاخبار، و قال بعضهم: ليس له ذلك فأما القتل بالردة فله أيضا ذلك لما قدمناه، و منهم من قال ليس له ذلك، و القول الأول أصح عندنا.

12

و من قال للسيد اقامته عليهم أجراه مجرى الحاكم و الإمام، و كل شيء للإمام أو الحاكم إقامة الحد به من إقرار و بينة و علم فللسيد مثله، و منهم من قال ليس له أن يسمع البينة لأن ذلك يتعلق به الجرح و التعديل، و ذلك من فروض الأئمة و الأول أصح عندنا.

فإذا ثبت أنه يسمع البينة و إليه الجرح و التعديل كالإمام فمتى ثبت عنده ذلك عمل به، و من قال ليس له ذلك قال الإمام يسمع البينة و يبحث عنها فإذا صحت عنده حكم بها و كان الإقامة إلى السيد و كان للإمام ما إليه و للسيد ما إليه.

و أما اقامته بعلمه فقد ثبت عندنا أن للحاكم أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود و في أصحابنا من قال: و كذلك في الحدود، و في الناس من قال مثل ذلك على قولين.

فاما الكلام في صفة السيد الذي له اقامة الحدود

فجملته أنه لا بد أن يكون ثقة من أهل العلم بقدر الحدود باطشا في نفسه، فإذا كان كذلك فله اقامته بنفسه، و ان كان ضعيفا في نفسه و كل من يقيمه عليه، و إن كان فاسقا أو مكاتبا قال بعضهم ليس له ذلك لأنها ولاية و الفسق و الرق ينافيان الولاية و قال آخرون له ذلك لأنه يستحق ذلك بحق الملك فلا يؤثر الفسق كالتزويج فان للسيد أن يزوج أمته و إن كان فاسقا و هذا هو الأقوى عندي لعموم الأخبار التي وردت لنا في ذلك.

فان كان السيد امرأة قال قوم لها ذلك و هو الأصح عندي و قال آخرون ليس لها ذلك كالفاسق و المكاتب فمن قال لها ذلك أقامته بنفسها، و من قال ليس لها ذلك منهم من قال يقيمه الامام، و قال بعضهم يقيمه وليها الذي يزوجها كما أن إليه تزويج رقيقها.

إذا وجد الرجل قتيلا في دار رجل و ادعى أنه قتله لأنه وجده يزني بامرأته

فإن كان مع القاتل بينة بذلك فلا قود عليه و إن لم يكن معه بينة فالقول قول و لي المقتول و يقتل القاتل سواء كان المقتول معروفا بالتخطي إلى منازل الناس لهذا الشأن أو غير معروف به.

13

و إن قال صاحب الدار قتلته دفعا عن نفسي و مالي فإنه دخل لصا يسرق المتاع فان كان معه بينة و إلا فالقول قول ولى المقتول أيضا، سواء كان المقتول معروفا باللصوصية أو غير معروف بها و قال بعضهم إن كان معروفا باللصوصية فالقول قول القاتل لأن الظاهر معه.

إذا شهد اثنان أنه زنا بها بالبصرة، و الآخران أنه زنا بها بالكوفة

، فلا حد على المشهود عليه لأن الشهادة لم يكمل على فعل واحد، و أما الشهود قال قوم يحدون و هو مذهبنا و قال آخرون لا يحدون.

إذا شهد أربعة على رجل بالزنا بها في هذا البيت

، و أضاف كل واحد منهم شهادته إلى زاوية منه مخالف للزاوية الأخرى، فلا حد على المشهود عليه، لأن الشهادة لم تكمل و قال بعضهم يحد الشهود و قال بعضهم لا يحدون و الأول أقوى.

إذا شهد اثنان أنه زنا في هذه الزاوية و آخران في زاوية اخرى

، كان مثل الأول سواء، و قال قوم القياس أنه لا حد على المشهود عليه، لكن أجلده إن كان بكرا و أرجمه إن كان ثيبا استحسانا و الأول مذهبنا لأن الأصل براءة الذمة.

إذا شهد أربعة بالزنا قبلت شهادتهم

، سواء تقادم الزنا أو لم يتقادم و فيه خلاف و روي في بعض أخبارنا أنهم إن شهدوا بعد ستة أشهر لم يسمع، و إن كان لأقل قبلت.

إذا تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين

، قال قوم هو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع، و هو الظاهر في رواياتنا و لقوله تعالى «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» (1) و قال آخرون عليه أن يحكم بينهم لقوله تعالى «وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ (2)»

قد بينا شرائط الإحصان عندنا، و أنها أربعة أشياء

أن يكون بالغا عاقلا حرا له فرج يغدو إليه و يروح، و يكون قد دخل بها، و عندهم أن يطأ و هو حر بالغ في نكاح صحيح، و لا يعتبر الإسلام عندنا و عندهم، فإذا وجدت هذه الشرائط من مشرك فقد

____________

(1) المائدة: 42.

(2) المائدة: 49.

14

أحصن إحصان رجم، و هكذا إذا وطئ المسلم امرأته الكافرة فقد أحصنها.

و قال بعضهم إن كانا كافرين لم يحصن واحد منهما صاحبه و إن كان مسلما و هي كافرة فقد أحصنا معا، لأن عنده أن أنكحة المشركين فاسدة، و عندنا أن أنكحتهم صحيحة و به قال الأكثر، و الوطي في النكاح الفاسد لا يحصن، فأما وطى المسلم زوجته المشركة فهو إحصان لهما، و قال بعضهم من شرط الإحصان و الرجم الإسلام.

15

فصل في حد القذف

[تحريم القذف بالكتاب و السنة و أنه يوجب الجلد]

قال الله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (1) و روى حذيفة أن النبي عليه و آله السلام قال: قذف محصنة يحبط عمل مائة سنة، و روى أن النبي (صلى الله عليه و آله) قال من أقام الصلوات الخمس و اجتنب الكبائر السبع نودي يوم القيامة: يدخل الجنة من أي باب شاء، فقال رجل للراوي: الكبائر سمعتهن من النبي (صلى الله عليه و آله)؟ قال: نعم، الشرك بالله، و عقوق الوالدين و قذف المحصنات، و القتل، و الفرار من الزحف، و أكل مال اليتيم، و الربا و لا خلاف بين الأمة أن القذف محرم.

فان قذف وجب عليه الجلد لقوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً (2)» و روي أن النبي (صلى الله عليه و آله) لما نزل براءة ساحة عائشة صعد المنبر و تلا الآيات ثم نزل فأمر بجلد الرجلين و المرأة فالرجلان حسان ابن ثابت و مسطح بن أثاثة و المرأة حمنة بنت جحش، و روي عن علي (عليه السلام) أنه قال لا اوتى برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلا جلدته مائة و ستين، فان جلد الناس ثمانون و جلد الأنبياء مائة و ستون.

فإذا ثبت أن موجب القذف الجلد فإنما يجب لقذف محصنة أو محصن

لقوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ» و شرائط الإحصان خمسة: أن يكون المقذوف حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا عن الزنا فإذا وجدت هذه الخصال فهو المحصن الذي

____________

(1) النور: 24.

(2) النور: 24.

16

يجلد قاذفه و هذه الشروط معتبرة بالمقذوف لا بالقاذف لقوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ» فوصف المقذوف بالإحصان فمتى وجدت هذه الشرائط وجب له الجلد على قاذفه فمتى اختلت أو واحدة منها فلا حد على قاذفه و اختلالها بالزنا أو بالوطي الحرام على ما يأتي شرحه.

و أما القاذف فلا يعتبر فيه الحصانة و إنما الاعتبار بأن يكون حرا بالغا عاقلا فإذا كان بهذه الصفة فعليه بالقذف جلد كامل، فان كان عبدا فنصف الجلد و فيه خلاف و قد روى أصحابنا أن عليه الجلد كاملا هيهنا و في شر بالخمر.

إذا قذف جماعة نظرت

، فان قذف واحدا بعد واحد بكلمة مفردة، فعليه لكل واحدة منهم حد و إن قذفهم بكلمة واحدة فقال زنيتم أنتم زناة قال قوم عليه حد واحد لجماعتهم، و قال آخرون عليه لكل واحد منهم حد كامل و قال بعضهم عليه لجماعتهم حد واحد، سواء قذفهم بلفظ واحد أو أفرد كل واحد منهم بلفظ القذف، و روى أصحابنا أنهم إن جاؤا متفرقين كان لكل واحد منهم حد و إن جاؤا مجتمعين كان عليه حد واحد.

إذا قال زنيت بفلانة أو قال لها زنا بك فلان، كان عليه حدان

حد له و حد لها و قال بعضهم عليه حد واحد، و الفرق بين هذا و بين أن يقول لهما زنيتما أن هذا خبر واحد متى صدق في أحدهما صدق في الآخر، و إن كذب في أحدهما كذب في الآخر، و ليس إذا قال زنيتما كذلك لأنه أضاف إليهما فعلين يجوز أن يكون صادقا فيهما، أو كاذبا فيهما أو صادقا في أحدهما كاذبا في الآخر.

إذا قال لرجل يا ابن الزانيين

، فقد قذف أباه و امه لأنه ابنهما فإذا ثبت أنه قذفهما نظرت، فان لم يكونا محصنين فلا حد عليه و عليه التعزير، و إن كانا محصنين فعليه حدان إن أتيا به متفرقين، و إن أتيا به مجتمعين فعليه حد واحد، هذا إذا كان بلفظ واحد و إن كان بلفظين فعليه حدان.

ثم ينظر فان كانا حيين استوفيا لأنفسهما و إن كان ميتين وجب لوارثهما و إن كانا حيين فماتا قبل الاستيفاء فإنه يورث عنهما، و قال بعضهم حد القذف لا يورث، فإذا ثبت أنه يورث فمن الذي يرثه؟ قيل فيه ثلثة أوجه أحدها و هو الصحيح

17

أنه يرثه من يرث المال الرجال و النساء من ذوي الأنساب، فاما ذوو الأسباب فلا يرثون، و قال قوم يرث أيضا ذوو الأسباب من الزوج و الزوجة و الثالث يرثه عصبات القرابة و مذهبنا الأول.

فإذا ثبت ذلك فإنهم يستوجبونه و يستحقونه و كل واحد منهم حتى لو عفا الكل أو ماتوا إلا واحدا كان لذلك الواحد أن يستوفيه فهو بمنزلة الولاية في النكاح عنهم فهو لكل الأولياء و لكل واحد منهم.

إذا قذف رجلا ثم اختلفا

فقال القاذف أنت عبد فلا حد علي و قال المقذوف أنا حر فعليك الحد، فلم يخل المقذوف من ثلثة أحوال إما أن يعلم أنه حر أو عبد أو يشك فيه، فان عرف أنه حر مثل أن عرف أن أحد أبويه حر عندنا أو يعلم أن امه حرة عندهم، أو كان عبدا فأعتق فعلى القاذف الحد و إن عرف أنه مملوك فلا حد على القاذف و عليه التعزير، و أن أشكل الأمر كالرجل الغريب لا يعرف و لا يخبر و كاللقيط قال قوم القول القاذف.

و كذلك إذا جنى عليه ثم اختلفا فقال الجاني أنت عبد فعلى القيمة، و قال المجني عليه: أنا حر فعليك القصاص لأن الأصل براءة ذمتها و قال آخرون القول قول المقذوف و المجني عليه لأن الأصل الحرية فيهما حتى يعلم غيرهما و جميعا قويان.

و قال قوم القول قول القاذف في القذف و القول قول المجني عليه في الجناية و فصل بينهما بأن القصد من الجلد الزجر و الردع، فإذا لم نجلده عزرناه فكان فيه زجر و ردع، و ليس كذلك القصاص، لانه و إن كان يراد الزجر فإذا عدلنا عنه إلى المال زال معناه، فان الزجر لا يعفى لغرامة المال، و لأنا إذا جعلنا القول قول القاذف عدلنا عن ظاهر الحد إلى اليقين و هو التعزير، و إقامته بيقين إما أن يكون تعزيرا أو بعض الحد و أيهما كان فقد أقيم على يقين، و ليس كذلك القصاص، لأن الظاهر وجوبه، فإذا عدلنا عنه إلى المال تركنا الظاهر إلى مشكوك فيه و هو تلك القيمة

18

التي لا يدرى هل هي الواجبة أم لا، فبان الفصل بينهما.

إذا قال لعربي يا نبطي لم يجب عليه الحد

بهذا الإطلاق لأنه يحتمل النفي فيكون قذفا، و يحتمل أن يريد نبطي الدار و اللسان، فلا يكون قذفا، لكن يرجع إليه فإن قال ما نفيته عن العرب، و إنما أردت نبطي اللسان لأنه يتكلم بلغة النبط أو قال نبطي الدار لأنه ولد في بلاد النبط، فالقول قوله مع يمينه، و لا حد عليه، لأنه ما قذفه، و عليه التعزير، لانه آذاه بالكلام.

و إن قال أردت به أن جدته أم أبيه زنت بنبطي و أنت ولد ذلك النبطي من الزنا، فقد قذف جدته لأنه أضاف الزنا إليها، فإن كانت جاهلية فلا حد عليه، لأنها كافرة و عليه التعزير، و إن قال أردت أنك نبطي فان أمك زنت بنبطى و أنت ولد ذلك الزاني فقد قذف امه، فان كانت امه محصنة فعليه لها الحد.

إذا قذف امرأة وطئت وطئا حراما

و قد قسمناه على أربعة أضرب في اللعان.

من لم تكمل فيه الحرية حكمه حكم العبد القن فلا حد على قاذفه، و عليه التعزير كالقن سواء، و عندنا يحد قاذفه بحساب ما تحرر منه حد الحر و يعزر فيما عداه.

التعريض بالقذف ليس بقذف

، مثل أن يقول: لست بزان و لا أمي زانية و كقوله يا حلال بن الحلال و نحو هذا كله، ليس بقذف، سواء كان هذا في حال الرضا أو في حال الغضب، و حكي عن بعضهم أنه قال ذلك قذف حال الغضب و ليس بقذف حال الرضا

19

كتاب السرقة

[فصل في أحكام السرقة]

[يجب قطع يد السارق بالكتاب و السنة]

قال الله تعالى «وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» (1) و روي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ «فاقطعوا إيمانهما» و روى الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان أن صفوان بن أمية قيل له إنه من لم يهاجر هلك، فقدم صفوان المدينة فنام في المسجد و توسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه من تحت رأسه فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأمر به أن يقطع يده فقال صفوان لم أرد هذا، هو عليه صدقة فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فهلا قبل أن تأتيني به، و مع هذا فلا خلاف فيه.

القدر الذي يقطع به السارق عندنا ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار

، من أى جنس كان، فان كان من هذا المضروب المنقوش قطعناه به، و إن كان تبرا من ذهب المعادن الذي يحتاج إلى علاج و سبك فلا قطع عندنا و عند قوم، و إن كان ذهبا خالصا غير مضروب فالأقوى عندي أنه يقطع به للخبر، و قال بعضهم لا يقطع، لأن إطلاق الدينار لا ينصرف إليه حتى يكون مضروبا أ لا ترى أن التقويم لا يقع إلا به.

فإذا ثبت أن النصاب ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار، فالكلام بعد هذا في الأشياء التي يقطع بها و لا يقطع، و جملته متى سرق ما قيمته ربع دينار فعليه القطع سواء سرق ما هو محرز بنفسه كالثياب و الاثمار و الحبوب اليابسة و نحوها أو غير محرز بنفسه و هو ما إذا ترك فسد كالفواكه الرطبة كلها من الثمار و الخضراوات كالقثاء و البطيخ و البقل و الباذنجان و نحو ذلك أو كان من الطبيخ كالهريسة و سائر الطبائخ أو كان لحما طريا أو مشويا الباب واحد.

هذا عندنا و عند جماعة و قال قوم إنما يجب القطع فيما كان محرزا بنفسه فأما ما لم يكن محرزا بنفسه و هو الأشياء الرطبة و الطبيخ فلا قطع به بحال.

____________

(1) المائدة: 38.

20

و أما الكلام فيما كان أصله الإباحة أو غير الإباحة فجملته

أن كل جنس يتمول في العادة ففيه القطع، سواء كان أصله الإباحة أو غير الإباحة، فما لم يكن على الإباحة كالثياب و الأثاث و الحبوب ففي كل هذا القطع.

و أما ما أصله الإباحة فكذلك أيضا عندنا، فمن ذلك الصيود كلها الظباء و حمر الوحش و بقر الوحش، و كذلك الجوارح المعلمة، كالبازي و الصقر و الباشق و العقاب و الشاهين، و كذلك الخشب كله و الحطب و غير الحطب و الساج و غيره و كذلك الطين و منه جميع ما يعمل من الخزوف و الفخار و القدور و الغضار و جميع الأواني و كذلك الزجاج و جميع ما يعمل منه، و كذلك الحجر و جميع ما يعمل منه من القدور و البرام و كذلك كل ما يستخرج من المعادن كالقير و النفط و الموميائى و الملح و جميع الجواهر من اليواقيت و غيرها و كذلك الذهب و الفضة كل هذا فيه القطع عندنا و عند جماعة.

و قال بعضهم ما لم يكن أصله الإباحة كالثياب و الأثاث و الحبوب مثل قولنا، و ما كان أصله الإباحة في دار الإسلام فلا قطع فيه بحال، فقال: لا قطع في الصيود كلها و جوارح الطير المعلمة و غير المعلمة و كذلك الخشب إلا أن يعمل منه آنية كالجفان و القصاع و الأبواب، فيكون في معموله القطع إلا الساج، فان في معموله و غير معموله القطع، لانه ليس من دار الإسلام و في الرماح روايتان أحدهما لا قطع كالخشب و القصب و الثاني فيها القطع كالساج، و هكذا كل ما كان من المعادن كالملح و الكحل و الزرنيخ و كذلك القير و النفط و الموميائى كله فلا قطع فيه الا الذهب و الفضة و الياقوت و الفيروزج فان فيه القطع قال لأن جميع هذه الأشياء على الإباحة في دار الإسلام فلا قطع فيه كالماء.

قد ذكرنا أن النصاب الذي يتعلق به القطع ربع دينار، و المراد بالدينار

هو المثقال الذي في أيدي الناس، و هو الذي كل سبعة منها عشرة دراهم من دراهم الإسلام، لأن كل موضع أطلق الدينار في الشرع فالمراد به المثقال بدلالة ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال إذا بلغ الذهب عشرين دينارا ففيه نصف دينار، و أراد

21

عشرين مثقالا، و قد روي في بعضها عشرون مثقالا ففيه نصف مثقال، فإذا ثبت هذا فان المثقال لم يزل على ما هو عليه على آباد الدهر قبل الإسلام و بعده، و إنما الدراهم كانت مختلفة، و كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ضربين الدرهم الأسود البغلي و هو الكبير الذي كان فيه درهم و دانقان، و الآخر درهم صغير طبرى من طبرية الشام كان فيه أربعة دوانيق فكانت الزكاة تؤخذ من كل مأتين منهما، فلما كانت أيام بنى أمية أطرحوا الصغير على الكبير و قسموا ذلك نصفين فكان كل نصف ستة دوانيق و هو الذي في أيدي الناس.

فإذا ثبت هذا فمتى سرق ربع دينار و هو خمسة قراريط أو ما قيمته هذا القدر فهو الذي قال (عليه السلام) القطع في ربع دينار.

لا قطع إلا على مكلف

، و هو البالغ العاقل، فأما غير المكلف و هو الصبي أو المجنون فلا قطع على واحد منهما لقوله تعالى «فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللّهِ» و إنما يعاقب من كان عاقلا.

و روي عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ و عن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى ينتبه، و هو إجماع فإن كان السارق مجنونا فلا قطع، و إن كان غير بالغ فلا قطع.

و بما ذا يكون بالغا

قد ذكرناه في الصلاة و الحجر، و جملته متى بلغ الغلام أو الجارية خمس عشرة سنة فقد بلغ سواء أنزل أو لم ينزل و أيهما أنزل الماء الدافق بجماع أو احتلام أو بغير ذلك و ظهر منهما المنى فقد بلغا و أما الإنبات فهو أن ينبت الغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج، فان كان مشركا حكمنا أنه بالغ و عندنا أنه بلوغ و قال قوم دلالة على البلوغ.

فمن قال بلوغ في المشركين، قال هو بلوغ في المسلمين لان البلوغ لا يختلف كالسن و من قال دلالة على البلوغ فهل يكون دلالة على البلوغ في المسلمين أم لا؟ قال بعضهم يكون دلالة، و قال غيره لا يكون دلالة.

22

هذا ما يشترك فيه الجارية و الغلام، و أما ما يختص به الجارية، فالحيض فمتى حاضت فقد بلغت، و إن حملت لم يكن الحمل بلوغا لكنه دلالة على البلوغ فان الحمل لا يكون إلا عن إنزال الماء الدافق، و هو بلوغ.

و لا قطع إلا على من سرق من حرز

فالسرقة أخذ الشيء على سبيل الاستخفاء فأما المنتهب و المختلس و الخائن في عارية أو وديعة فلا قطع عليه.

و أما الحرز فأن يأخذه من حرز مثله، فان من سرق من غير حرز أو انتهب من حرز فلا قطع عليه فلا بد من شرطين: سرقة و من حرز و فيه خلاف.

فإذا ثبت أنه لا قطع إلا على من سرق من حرز احتجنا إلى تبيين الحرز و معرفته مأخوذة من العرف، فما كان حرزا لمثله في العرف ففيه القطع، و ما لم يكن حرزا لمثله في العرف فلا قطع، لانه ليس بحرز.

فحرز البقل و الخضراوات في دكاكين من وراء شريجة (1) يغلق أو يقفل عليها

، و حرز الذهب و الفضة و الجوهر و الثياب في الأماكن الحريزة في الدور الحريزة و تحت الأغلاق الوثيقة، و كذلك الدكاكين و الخانات الحريز، فمن جعل الجوهر في دكاكين البقل تحت شريجة قصب فقد ضيع ماله، و الحرز يختلف باختلاف المحرز فيه.

و قال قوم إذا كان الموضع حرزا لشيء فهو حرز لسائر الأشياء، و لا يكون المكان حرزا لشيء دون شيء و هو الذي يقوى في نفسي، لأن أصحابنا قالوا إن الحرز هو كل موضع ليس لغير المالك أو المتصرف فيه دخوله إلا بإذنه.

فإذا ثبت هذا فالمتاع ضربان خفيف و ثقيل فالخفيف كالأثمان و الثياب و الصفر و النحاس و الرصاص و نحو هذا فحرز هذا في الحرائز الوثيقة و الأغلاق الوثيقة و الأبواب الجيدة في الدور و الدكاكين و الخانات، و أما الثقيل كالخشب و الحطب و الطعام فان حرز الحطب أن يعبأ بعضه على بعض و يشد من فوقه بحبل حتى إذا أراد أن يأخذ منها خشبة يعسر ذلك عليه، و فيهم من قال هذا حرزها نهارا فأما

____________

(1) باب من القصب يعمل للدكاكين، و جديلة من القصب تتخذ للحمام، و جوالق كالخرج ينسج من سعف النخل يحمل فيه البطيخ.

23

ليلا فلا بد من باب تغلق دونها و ليس بجيد عندهم.

و أما الطعام فحرزها أن يجعل في غرائز و يخيط و يجمع و يشد بعضها إلى بعض

فإذا كان كذلك فهو حرز له، و قال بعضهم لا بد أن يكون من وراء باب تغلق و يقفل عليه، و هو الأقوى عندي.

و الإبل على ثلثة أضرب راعية و باركة و مقطرة

، فإن كانت راعية فحرزها أن ينظر الراعي إليها مراعيا لها فان كان ينظر إلى جميعها مثل أن كان على نشز أو مستوي من الأرض فهي في حرز، لأن الناس هكذا يحرزون أموالهم عند الراعي، و إن كان لا ينظر إليها مثل أن كان خلف جبل أو نشز من الأرض، أو كانت في وهدة من الأرض لا ينظر إليها، أو كان ينظر إليها فنام عنها فليست في حرز، و إن كان ينظر إلى بعضها دون بعض فالتي ينظر إليها في حرز و التي لا ينظر إليها في غير حرز.

و أما إن كانت باركة، فإن كان ينظر إليها فهي في حرز و إن كان لا ينظر إليها فإنما تكون في حرز بشرطين أحدهما أن تكون معقولة، و الثاني أن يكون معها نائما أو غير نائم، لأن الإبل الباركة هكذا حرزها، فان اختل الشرطان أو أحدهما مثل أن لم تكن معقولة، أو كانت معقولة و لم يكن معها، أو نام عندها و لم يكن معقولة، فكل هذا ليس بحرز.

و أما إن كانت مقطرة فإن كان سائقا ينظر إليها فهي في حرز، و إن كان قائدا فإنما يكون في حرز بشرطين أحدهما أن يكون بحيث إذا التفت إليها شاهدها كلها و الثاني أن يكثر الالتفات إليها مراعيا لها فكلها في حرز فان كان عليها متاع فهي و المتاع في حرز.

فإذا ثبت ذلك فكل موضع قلنا هي في حرز: فان سرق سارق حملا منها مع المتاع قطع. و إن كان صاحبها قائما عليها فلا قطع عليه، لأنه لم يخرج المتاع عن يد صاحبه، و ما كانت يد صاحبه عليه.

و أما الكلام في البغال و الحمير و الخيل و الغنم و البقر

، فإذا كانت راعية فالحكم

24

فيها كالإبل سواء، و قد فصلناه، و أما باركة فلا يكون، و إن كان يسوقها أو يقودها فالحكم على ما مضى، فإذا أوت إلى حظيرة كالمراح و المربد و الإصطبل، فإن كان هذا في البر دون البلد، فما لم يكن صاحبها معها في المكان ليس بحرز، و إن كان صاحبها معها فيه فهو حرز إلا أنه إن كان الباب مفتوحا لم يكن حرزا حتى يكون الذي معها مراعيا لها غير نائم، و إن كان الباب مغلقا فهو حرز نائما كان أو غير نائم فإن كانت الحظيرة في جوف البلد فالحرز أن يغلق الباب سواء كان صاحبها معها أو لم يكن معها.

و إن كان معه ثوب ففرشه و نام عليه، أو اتكأ عليه أو نام و توسده فهو في حرز

في أي موضع كان في البلد أو البادية لأن النبي (صلى الله عليه و آله) قطع سارق رداء صفوان و كان سرقه من تحت رأسه في المسجد لأنه كان متوسدا له فان تدحرج عن الثوب زال الحرز.

فان كان بين يديه متاع كالميزان بين يدي الخبازين، و الثياب بين يدي البزازين، فحرز ذلك نظره إليه، فإن سرق من بين يديه و هو ينظر إليه ففيه القطع و إن سها أو نام عنه زال الحرز و سقط القطع.

إذا ضرب فسطاطا أو خيمة و شد الاطناب و نصبها و جعل متاعه فيها، نظرت

فان لم يكن معها فليست في حرز، و إن كان معها نائما أو غير نائم فهو و ما فيها في حرز فان سرق سارق قطعة منها فبلغ نصابا أو من جوفها ففيه القطع، لأن الخيمة حرز لما فيها، و كل ما كان حرزا لما فيه فهو حرز في نفسه.

لا يخلو البيوت من أحد أمرين إما أن يكون في البلد أو في البر

فان كانت في برية أو كانت في البساتين أو الرباطات في الطرق فليست بحرز ما لم يكن صاحبها فيها سواء أغلقت أبوابها أو لم يغلق، لأن من جعل متاعه في مثل هذه المواضع و غاب عنه فكل أحد يقول هو الذي ضيع متاعه، و إن كان صاحبها فيها و أغلق الباب فهي حرز نام فيها أو كان منتبها.

و إن كانت في جوف البلد فالحكم في البلدان و القرى واحد متى جعل متاعه فيها

25

و أغلق الباب كهذه الدكاكين التي في الأسواق و الخانات و المنازل فهو حرز لما فيها سواء كان صاحبها فيها أو لم يكن، لأن عادة إحراز الناس هكذا، فإن أحدا لا يقول إنى أنام في الدكان و لا إذا غاب عن داره رتب فيها حافظا لها، فلهذا كانت حرزا.

فأما الدور و المنازل التي للناس

، فان كان باب الدار مغلقا فكل ما فيها و في خزائنها في حرز، و إن كان باب الدار مفتوحا و أبواب الخزائن مفتوحة، فليس شيء منها في حرز، فان كان باب الدار مفتوحا و أبواب الخزائن مغلقة، فما في الخزائن في حرز و ما في جوف الدار في غير حرز.

هذا كله إذا لم يكن صاحبها فيها و إن كان صاحبها فيها و الأبواب مفتحة فليس شيء في حرز إلا ما يراعيه ببصره، فيكون الحكم فيه كما قلنا في الحكم فيما بين يديه، فما ينظر إليه في حرز و ما لا ينظر إليه فليس في حرز.

فاما حائط الدار فالآجر الذي فيه في حرز

، لأن كل ما كان حرزا لغيره فهو في نفسه حرز، فان هدم هادم من آجر الحائط ما قيمته نصاب فعليه القطع، و أما باب الدار فمتى نصب و كان في مكانه فهو في حرز سواء كانت مغلقا أو مفتوحا، هذا الحكم في باب الدار.

فأما أبواب الخزائن التي فيها فهي كالمتاع في الدار

، فان كانت هذه الأبواب مغلقة فهي في حرز، و إن كانت غير مغلقة فإن كان باب الدار مفتوحا فهي في غير حرز و إن كان باب الدار مغلقا فهي في حرز فأما حلقة باب الدار فهي في حرز لأن الحلقة هكذا تحرز: بأن تسمر في الباب على ما جرت به العادة، فإن قلعها قالع و بلغت نصابا ففيه القطع.

إذا أخرج السارق المتاع من البيت إلى صحن الدار لم تخل الدار من أحد أمرين

إما أن يكون من هذه الخانات أو من دار ينفرد بها ساكنها، فان كانت من هذه الخانات التي لكل واحد من الجماعة بيت مقفل فيها و الصحن مشترك يدخله كل أحد فكل بيت فيها حرز لما فيه فان نقب أو نفش القفل فأخرج منه نصابا إلى جوف

26

الصحن فعليه القطع لأنه أخرجه من حرزه إلى غير حرزه و ذلك أن هذه الخانات تجرى مجرى الدرب الذي فيه حجر، فان الحجر منه حرز لما فيها فمتى أخرج من الحجر شيئا إلى الدرب فقد أخرجه من حرزه إلى غير حرزه، فكان عليه القطع كذلك ههنا، و سواء كان باب الخان مغلقا أو مفتوحا، لأن هذا الصحن مشترك بين الناس فلا فرق بين أن يكون باب الخان مغلقا أو مفتوحا.

و إن كانت الدار دارا ينفرد بها ساكنها مثل هذه الدور التي ليست بخانات فإذا أخرج السارق من بيت فيها شيئا إلى صحنها فهل عليه القطع أم لا؟ فيها أربع مسائل: إما أن يكون باب البيت مفتوحا و باب الدار مفتوحا، أو باب الدار مغلقا و باب البيت مفتوحا، أو باب البيت مغلقا و باب الدار مفتوحا أو مغلقين.

فان كانا مفتوحين فلا قطع على السارق لأن الأبواب إذا كانت مفتحة فليست الدار و لا بيت منها حرزا و إن كان باب الدار مفتوحا و باب البيت مغلقا فالبيت حرز لما فيه، فإذا أخرجه إلى صحن الدار فعليه القطع، لأنه أخرجه من حرز الى غير حرز، فان الصحن ليس بحرز إذا كان باب الدار مفتوحا.

و إن كان باب الدار مغلقا و باب البيت مفتوحا فإذا أخرجه إلى الصحن فلا قطع لأن البيت إذا كان مفتوحا لم يكن حرزا فإذا أخرجه إلى الصحن فقد أخرجه من غير حرز إلى ما هو حرز فلهذا لا قطع عليه.

فاما إذا كانا مغلقين فإذا أخرجه من البيت إلى الصحن قال قوم عليه القطع لأنه أخرجه من حرزه فان البيت إذا كان مغلقا كان حرزا لما فيه، فإذا أخرجه من حرزه فعليه القطع، كما لو أخرجه إلى خارج الدار، و قال آخرون ليس عليه القطع و هو الصحيح عندي، لأنه أخرجه من حرز إلى ما هو حرز، فان البيت حرز في حرز فلا قطع عليه كما لو كان في البيت صندوق مقفل فأخرجه من الصندوق إلى البيت فإنه لا قطع كذلك البيت مثله و ما قالوه باطل تمثله الصندوق.

و إذا نقبا معا و دخل أحدهما فوضع السرقة في بعض النقب

فأخذها الخارج

27

قال قوم لا قطع على واحد منهما، و قال آخرون عليهما القطع، لأنهما اشتركا في النقب و الإخراج معا، فكانا كالواحد المنفرد بذلك، بدليل أنهما لو نقبا معا و دخلا فأخرجا معا كان عليهما الحد كالواحد، و لأنا لو قلنا لا قطع كان ذريعة إلى سقوط القطع بالسرقة، لأنه لا يشاء شيئا إلا شارك غيره فسرقا هكذا فلا قطع، و الأول أصح لأن كل واحد منهما لم يخرجه من كمال الحرز، فهو كما لو وضعه الداخل في بعض النقب، و اجتاز مجتاز فأخذه من النقب فإنه لا قطع على واحد منهما.

فأما إن نقب أحدهما و دخل الآخر فأخرج نصابا، منهم من قال لا قطع عليهما و هو الأصح، و قال قوم عليهما القطع.

إذا نقب واحد وحده فدخل الحرز فأخذ المتاع فرمى به من جوف الحرز إلى خارج الحرز أو رمى به من فوق الحرز أو شده بحبل ثم خرج عن الحرز فجره و أخرجه أو أدخل خشبة معوجة من خارج الحرز فأخرج المتاع فعليه القطع في كل هذا لأنه أخرجه من الحرز و إن كان بآلة.

فإن كان في الحرز ماء يجرى فجعله في الماء فخرج مع الماء، فعليه القطع لأنه قد أخرجه بآلة فهو كما لو رمى به، و إن كان معه دابة فوضع المتاع عليها و ساقها أو قادها فأخرجها فعليه القطع لأنه أخرجه بآلة، فإن وضعه على الدابة فسارت بنفسها من غير أن يسوقها و لا يقودها قال قوم لا قطع و قال آخرون عليه القطع و هو الأقوى، لأنها خرجت بفعله و هو نقل المتاع عليها، و من قال لا قطع قال لأن للدابة قصدا و إرادة و اختيارا فإذا خرجت كان خروجها بغير فعله فلا قطع، و هذا كما يقول إذا فتح قفصا عن طائر فإن هيجه حتى طار فعليه الضمان، و ان طار بنفسه عقيب الفتح من غير تهييج فعلى قولين كذلك هيهنا.

و إن كان في الحرز ماء راكد فجعل المتاع فيه فانفجر و خرج الماء فخرج المتاع معه، قال قوم عليه القطع لأنه بسبب كان منه، و قال آخرون لا قطع لانه خرج بغير قصده، فهو كالدابة سواء، و هو الأقوى في نفسي.

فأما إن أخذه فرمى به إلى خارج الحرز فطيرته الريح و إعانته حتى خرج

28

و لو لا الريح ما كان يخرج فعليه القطع، لأن الاعتبار بابتداء فعله و لا اعتبار بمعاونة الريح على فعله كما قلنا إذا رمى سهما في الغرض فأطارته الريح فأصاب الغرض كانت له إصابة اعتبارا بابتداء فعله و لا اعتبار بمعاونة الريح.

فاما إن دخل فأخذ جوهرة فابتلعها ثم خرج و هي في جوفه

، فان لم تخرج منه فعليه ضمانها و لا قطع عليه لأنه أتلفها في جوف الحرز بدليل أن عليه ضمانها كما لو كان شيئا فأكله و خرج فإنه لا قطع، كذلك هيهنا، و إن خرجت الجوهرة قال قوم عليه القطع لأنه أخرجها في وعاء فهو كما لو جعلها في جراب أو جيب.

و قال آخرون لا قطع عليه لأنه قد ضمنها بقيمتها بابتلاعها، فهو كما لو أتلف شيئا في جوف الحرز ثم خرج و لأنه أخرجها معه مكرها بدليل أنه ما كان يمكنه تركها و الخروج دونها، فهو كما لو نقب و اكره على إخراج المتاع، فإنه لا قطع عليه كذلك ههنا، و الأول أقوى و إن كان الثاني قويا أيضا.

فإن كان في الحرز شاة قيمتها ربع دينار فذبحها فنقصت قيمتها

ثم أخرجها فلا قطع عليه لأن القطع على من يخرج من الحرز نصابا كاملا و هذا ما أخرج النصاب فلهذا لم نقطعه.

إذا كانوا ثلثة نفر فنقبوا معا و دخلوا الحرز ففيه ثلاث مسائل

إحداها إذا أخرجوا كلهم مشتركين الثانية إذا انفرد كل واحد بإخراج شيء منه، الثالثة إذا كوروا و انفرد واحد بإخراجه دون الباقيين.

فأما الأولى إذا اشتركوا في إخراجه مثل أن حملوه معا فأخرجوه نظرت فان بلغت حصة كل واحد نصابا قطعناهم، و إن كانت أقل من نصاب فلا قطع، سواء كانت السرقة من الأشياء الثقيلة كالخشب و الحديد أو الخفيفة كالحبل و التكة و الثوب.

و قال بعضهم إن كانت السرقة من الأشياء الثقيلة فبلغت قيمته نصابا قطعوا و إن كان نصيب كل واحد منهم أقل من نصاب، و إن كان من الأشياء الخفيفة

29

فعن هذا القائل روايتان إحداهما مثل قول من تقدم و الثانية كقوله في الثقيل و قال قوم من أصحابنا: إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا كلهم.

الثانية إذا انفرد كل واحد منهم بإخراج شيء اعتبر ما انفرد بإخراجه، فإن كان نصابا قطع، و إن كان أقل من نصاب لم يقطع، و قال قوم أجمع ما أخرجوه و أفضه على الجماعة فإن خص كل واحد نصابا قطعناه، و إن نقص لم نقطع.

الثالثة إذ نقبوا بأجمعهم و دخلوا و كوروا و أخرج واحد منهم دون الباقين، فالقطع على من أخرجه دون من لم يخرجه إذا بلغ نصابا و قال بعضهم اقومه و أفضه على الجميع فان بلغت حصة كل واحد نصابا قطعت الكل، و إن نقص لم أقطع واحدا منهم، و هكذا قوله في قطاع الطريق يوجب العقوبة على من باشر القتل و أخذ المال، و على من كان ردءا و معاونا بالسوية.

فإن نقبا معا فدخل أحدهما فأخذ نصابا فأخرجه بيده إلى رفيقه و أخذه رفيقه و لم يخرج هو من الحرز، كان القطع على الداخل دون الخارج، و هكذا إذا رمى به من داخل فأخذه رفيقه من خارج، و هكذا لو أخرج يده إلى خارج الحرز و السرقة فيها ثم رده إلى الحرز فالقطع في هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج، و قال قوم لا قطع على واحد منهما: و الأول أصح.

إذا نقبا معا و دخل أحدهما فقرب المتاع إلى باب النقب من داخل، فأدخل الخارج يده فأخذه من جوف الحرز

، فعليه القطع دون الداخل عندنا، و قال قوم لا قطع على واحد منهما، فان نقب واحد و انصرف و هتك و اجتاز رجل فأصاب الحرز مهتوكا فدخل و أخذ، فلا قطع على واحد منهما، لأن الأول نقب و لم يأخذ، و الثاني أخذ من حرز مهتوك.

فان نقب وحده و دخل فأخرج ثمن دينار و انصرف ثم عاد من ليلته فأخرج ثمن دينار فتكاملت نصابا قال بعضهم: لا قطع عليه لأنه لم يخرج في المرة الأولى نصابا و أخذ الثاني من حرز مهتوك، و قال بعضهم عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرز هتكه و هو الأقوى.

30

فإن كانت بحالها فأخذ أولا ثمن دينار ثم عاد في الليلة الثانية فأخذ ثمن دينار فتكامل نصابا قال قوم لا قطع لأنه لو عاد من ليلته لا قطع عليه، و قال قوم عليه القطع كما لو عاد من ليلته، و هو الأقوى عندي، و قال قوم فان عاد قبل أن يشتهر في الناس هتك الحرز فعليه القطع، و إن عاد بعد اشتهاره في الناس هتكه فلا قطع عليه لأنه إنما يهتك بأن يشتهر هتكه ثم يترك على حالته.

إذا نقب و دخل الحرز فذبح شاة فعليه ما بين قيمتها حية و مذبوحة

فإن أخرجها بعد الذبح فان كانت نصابا قيمتها فعليه القطع، و إن كان أقل من نصاب فلا قطع، و قال قوم لا قطع عليه بناء على أصله في الأشياء الرطبة أنه لا قطع فيها، و الأول مذهبنا.

فان كانت بحالها فأخذ ثوبا فشققه فعليه ما نقص بالخرق فإذا أخرجه فإن بلغت قيمته نصابا فعليه القطع و إلا فلا قطع، و قال قوم لا قطع عليه، و الأول مذهبنا.

إذا سرق ما قيمته نصاب فلم يقطع حتى نقصت قيمته لنقصان السوق

فصارت السوق أقل من النصاب قطع، و قال أبو حنيفة لا يقطع إذا نقص لنقصان السوق.

إذا سرق عينا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملك السرقة بهبة أو شراء لم يسقط القطع عنه

، سواء ملكها قبل الرفع إلى الحاكم أو بعده إلا أنه إن ملكها قبل الترافع لم يقطع، لا لأن القطع يسقط لكن لأنه لا مطالب له بها و لا قطع بغير مطالبة بالسرقة و فيه خلاف.

إذا كان العبد صغيرا لا يعقل

و معنا لا يعقل أنه لا يقبل إلا من سيده، و لسنا نريد به المجنون، فإذا كان كذلك فسرقه سارق قطعناه، و قال بعضهم لا يقطع لأنه لما لم يقطع بسرقته إذا كان كبيرا فكذلك إذا كان صغيرا كالحر و الأول مذهبنا و أما الكبير فينظر فيه فان كان مجنونا أو نائما أو أعجميا لا يعقل الأشياء و أنه يقبل من كل حد فمثل الصغير، فمن سرقه فعليه القطع، و ان كان مميزا عاقلا فلا قطع.

و الفصل بينهما أن الصغير يسرق و الكبير يخدع و الخداع ليس بسرقة فلا يجب به القطع فان نقب و معه صبي صغير لا تمييز له فأمره أن يدخل الحرز و يخرج المتاع فقبل فالقطع على الآمر لأنه كالآلة فهو كما لو أدخل خشبة أو شيئا فأخذ به المتاع

31

فان عليه القطع و لهذا المعنى قلنا لو أمره بقتل رجل فقتله كان القود على الآمر لأنه كالآلة كذلك ههنا.

إن سرق حرا صغيرا

روى أصحابنا أن عليه القطع و به قال قوم، و قال أكثرهم لا يقطع و نصرة الأول قوله «وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» و لم يفرق فان سرق حرا صغيرا و عليه ثياب و حلي ثقيل، و الكل للصبي فلا قطع على من سرقة لأن يد الصبي على ملكه، و لهذا المعنى قلنا في اللقيط إذا وجد و معه مال كان المال له لأن يده عليه فإذا كانت يده على ملكه فلا قطع لأنه لم يخرج عن ملكه.

هذا عند من قال إذا سرقه لا يقطع، فأما على ما قلناه فعليه القطع.

و إن كان نائما على متاع فسرق هو و المتاع معا فلا قطع

لأن يد مالكه عليه و قد ذكرنا أنه إذا كان نائما على جمل فسرق الجمل و هو عليه أنه لا قطع لهذا المعنى فان كان النائم على المتاع عبدا فسرق هو و المتاع معا فعليه القطع لأن العبد مال، و هو لو سرق العبد وحده قطعناه فبأن نقطعه هيهنا أولى.

فإن كان لرجل عند رجل مال وديعة أو قراض أو عارية فجعلها من هي في يده في حرز

فجاء أجنبي فهتك الحرز و سرق هذا المتاع فعليه القطع لأن صاحبه قد رضى بهذا المكان لماله حرزا، و هكذا لو كان لرجل في يد وكيله مال فنقب و سرقه من الوكيل كان عليه القطع.

فان كان له قبل رجل دين فنقب صاحب الدين و سرق من مال من عليه الدين قدر دينه، فان كان من عليه مانعا له من ذلك فلا قطع عليه، و ان كان باذلا له غير مانع فعليه القطع.

فان قامت البينة على رجل أنه قد سرق من حرز رجل نصابا فقال السارق المال لي و ملكي

فيكون القول قول رب الحرز إن المال له لأنه قد ثبت أنه أخذه منه و إذا حلف فلا قطع على السارق لأنه صار خصما و صار شبهة لوقوع التنازع في المال، و الحد لا يجب مع الشبهة، و هكذا لو وجد مع امرأة فادعى أنه زوجها

32

فأنكرت و حلفت لا حد عليه لأنه صار منازعا فيه فكان شبهة في سقوط الحد فلهذا لم يقطع.

فان غصب من رجل مالا فجعله في حرز فنقب المغصوب عنه الحرز

و أخذ مالا فان لم يأخذ غير ماله فلا شيء عليه لأنه أخذ مال نفسه فإذا أخذ معه غيره من مال الغاصب، فان لم يكن متميزا كالطعام و الشراب و الادهان فلا قطع أيضا بوجه لأنه مال مشترك فهو كالمال بين شريكين و لا قطع في مال الشركة.

و إن كان مال الغاصب متميزا عن الغصب فان كان مال الغاصب أقل من نصاب فلا قطع على السارق لأنه ما سرق نصابا و إن كان مال الغاصب نصابا قال قوم لا قطع عليه لأنه إنما هتك الحرز لأخذ ماله لا لسرقة مال الغاصب فإذا سرق بعد هتك الحرز فقد سرق من حرز هتكه لغير السرقة، فلا قطع، و قال آخرون عليه القطع لأنه لما سرق مال الغاصب مع مال نفسه كان الظاهر أنه نقب للسرقة، فلهذا قطعناه. و هذا الذي يقتضيه رواياتنا.

فإن سرق رجل نصابا من حرز لرجل ثم أحرزه في حرز آخر فنقب سارق آخر الحرز فسرق تلك السرقة

، فعلى السارق الأول القطع لأنه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه، و أما السارق الثاني فقال قوم لا قطع عليه لأن صاحب المال لم يرض بأن يكون هذا الحرز حرزا لماله، فكأنه سرقة من غير حرز، و قال آخرون عليه القطع لأنه سرق من حرز مثله.

فأما إن غصب من رجل مالا و أحرزه ثم سرق سارق تلك العين المغصوبة

، قال قوم عليه القطع، و قال آخرون لا قطع مثل المسئلة الاولى سواء و الخصم في المسئلتين معا مالك الشيء دون غاصبه و سارقه، و قال قوم في السرقة مثل قولنا و في الغاصب إن الخصم فيه الغاصب.

قد ذكرنا أن القطع يجب بكل ما يتمول في العادة

، فمن ذلك الدفاتر بأسرها و المصاحف و كتب الفقه و الأدب و الأشعار و الأسمار و نحو ذلك، كل هذا يجب فيه القطع عندنا و قال قوم: لا قطع في شيء من هذه الدفاتر.

33

إذا سرق ما يجب فيه القطع مع ما لا يجب فيه القطع

وجب قطعه عندنا إذا كان نصابا مثل أن يسرق إبريقا من ذهب فيه ماء أو قدرا ثمينة فيها طبيخ و ما أشبه ذلك، و قال قوم لا قطع عليه و الأول الصحيح للآية و الخبر.

من سرق من ستارة الكعبة ما قيمته ربع دينار كان عليه القطع عندنا

إذا كانت مخيطة على الكعبة، و قال قوم لا قطع في ستارة الكعبة.

و روى أصحابنا أن القائم (عليه السلام) إذا قام قطع بني شيبة، و قال هؤلاء سراق الله فدل ذلك على أن فيه القطع.

إذا استعار بيتا و جعل متاعه فيه، ثم إن المعير نقب البيت و سرق المتاع

قطعناه و قال قوم لا قطع عليه و الأول أصح.

إذا اكترى دارا و جعل متاعه فيها فنقب المكري و سرق

فعليه القطع عندنا و عند الأكثر و قال قوم لا قطع فان غصب بيتا من رجل و جعل متاعه فيه فنقبه أجنبي و سرق منه نصابا لا قطع عليه لأنه في يده بغير حق فلا يكون حرزا كالطريق فان نقب المراح و دخل فحلب من الغنم ما فيه نصاب و أخرجه قطعناه، و قال قوم: لا قطع بناء على أصله في الأشياء الرطبة.

فإن نزل برجل ضيف فسرق الضيف شيئا من مال صاحب المنزل

فان كان من البيت الذي نزل فيه فلا قطع و إن كان من بيت غيره من دون غلق و قفل و نحو ذلك فعليه القطع و قال قوم: لا قطع على هذا الضيف.

و روى أصحابنا أنه لا قطع على الضيف و لم يفصلوا و ينبغي أن يفصل مثل هذا فإن أضاف هذا الضيف ضيفا آخر بغير إذن صاحب الدار، فسرق الثاني كان عليه القطع على كل حال و لم يذكر هذه أحد من الفقهاء.

إذا سرق العبد فعليه القطع كالحر

سواء كان آبقا أو غير آبق عندنا، و قال قوم إن كان آبقا لا قطع عليه.

إن سرق في عام مجاعة و قحط فان كان الطعام موجودا و القوت مقدور

34

عليه لكن بالأثمان الغالية فعليه القطع، و إن كان القوت متعذرا لا يقدر عليه فسرق سارق فأخذ الطعام فلا قطع عليه و روى عن على (عليه السلام) أنه قال: لا قطع في عام المجاعة و روى لا قطع في عام السنة.

النباش يقطع عندنا إذا أخرج الكفن عن جميع القبر الى وجه الأرض

فأما إن أخرجه من اللحد إلى بعض القبر فلا قطع كما لو أخذ المتاع من جوف الحرز فنقله من مكان إلى مكان فالقبر كالبيت إن أخرجه من جميع البيت قطع و إلا لم يقطع قال و قال قوم لا قطع على النباش و الأول مذهبنا.

و من المطالب بهذا القطع؟ مبني على أمر المالك للكفن و قيل فيه ثلثة أقوال أحدها للوارث و الثاني في حكم ملك الميت، و الثالث لا مالك له كستارة الكعبة فمن قال للورثة أو في حكم الملك للميت، قال المطالب بالقطع الوارث، و هو الذي يقتضيه مذهبنا و من قال لا مالك له: قال المطالب بالقطع الحاكم و إن كان الميت عبدا كان الكفن عند الأولين للسيد و عند الباقين لا مالك له و القطع على ما مضى و لا يجيء أنه على حكم ملك العبد لأنه لا يملك به.

فان كان الميت لم يخلف شيئا و كفنه الامام من بيت المال، يقطع بلا خلاف لأن لكل أحد في بيت المال حقا مشتركا فإذا حضر الامام كان أحق به من غيره و زوال الاشتراك فيه فلو سرق سارق منه في حياته قطع كذلك الكفن مثله.

فإذا ثبت أنه يقطع النباش فإنما يقطع بالكفن الذي هو السنة و هو خمسة أثواب فإن زاد عليها شيئا أو دفن في تابوت فالقبر حرز للكفن دون ما عداه.

35

فصل في قطع اليد و الرجل في السرقة

إذا سرق السارق وجب قطعه بالسرقة

لقوله تعالى «فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» و يجب قطع اليمنى، و في قراءة ابن مسعود «فاقطعوا إيمانهما» و لا خلاف في ذلك أيضا فإذا سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى إجماعا إلا عطا فإنه قال: يقطع يده اليسرى و إن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى عند قوم، و عندنا يخلد الحبس و إن سرق رابعا قتل عندنا و عندهم قطعت رجله اليمنى و فيه خلاف.

فإذا تقرر وجوب القطع فان القطع عندنا من أصول الأصابع

في اليد و في الرجل من عند معقد الشراك من عند الناتئ على ظهر القدم و يترك له ما يمشى عليه، و عندهم من الكوع و هو المفصل الذي بين الكف و الذراع و المفصل الذي بين الساق و القدم و قالت الخوارج يقطع من المنكب.

إذا سرق رابعا و قد بينا أنه يقتل فلا يتقدر الخامسة و من قال لا يقتل قال يعزر و قال قوم يقتل في الخامسة.

فإذا قدم السارق للقطع اجلس و لا يقطع قائما

لأنه أمكن له و ضبط حتى لا يتحرك فيجني على نفسه، و تشد يده بحبل و تمد حتى يتبين المفصل و توضع على شيء لوح أو نحوه فإنه أسهل و أعجل لقطعه ثم يوضع على المفصل سكين حادة و يدق من فوقه دقة واحدة حتى تنقطع اليد بأعجل ما يمكن، و عندنا يفعل مثل ذلك بأصول الأصابع إن أمكن أو يوضع على الموضع شيء حاد و يمد عليه مدة واحدة و لا يكرر القطع فيعذبه لأن الغرض إقامة الحد من غير تعذيب، فان علم قطع أعجل من هذا قطع به.

فإذا قطعت اليد حسمت

و الحسم أن يغلي الزيت حتى إذا قطعت اليد جعل موضع القطع في الزيت المغلي حتى ينسد أفواه العروق و ينحسم خروج الدم منها لما روى أن

36

النبي عليه و آله السلام اتي برجل قد سرق فقال اذهبوا فاقطعوه ثم احسموه و كان على إذا قطع سارقا حسمه بالزيت و أجرة القاطع من بيت المال و إن لم يفعل الامام ذلك لم يكن عليه شيء لأن الذي عليه اقامة الحد لا مداواة المحدود، فان لم يفعل فالمستحب للمقطوع أن يفعل فان لم يفعل فلا شيء عليه كالمريض إن داوى فذاك و إلا فلا شيء عليه فإذا حسمت يده فالسنة أن تعلق التي قطعت في عنقه ساعة، لما روى أن النبي (صلى الله عليه و آله) اتي بسارق فقطعه ثم أمر بها فعلقت في عنقه، و لأن هذا أردع و أزجر.

فصل فيمن لا يقام عليه الحد

منهم الحامل

فلا يقام عليها حد قذف و لا حد زنا و لا حد سرقة لأنه لا سبيل على ما في بطنها فإذا وضعت فلا يقام عليها و هي نفساء حتى يخرج من النفاس و لا يقام في شدة برد لأنه يؤدى إلى التلف و لا على مريض بين المرض لأن المرض الظاهر أشد من الحر و البرد، و لا يقام أيضا على من به سبب من أسباب التلف كقطع اليد في قصاص أو سرقة لأنه لا يؤمن التلف.

إذا دخل الرجل الحمام و نزع ثيابه فسرقت

فان سلمها إلى الحمامي أو استحفظه إياها فقال احفظ ثيابي فالحمامى مودع فينظر فيه، فان راعاها حق مراعاتها و هو أنه لا يزال ينظر إليها محتاطا في حفظها فسرقت بحيث لا يعلم فلا شيء عليه و على السارق القطع و الغرم، و إن توانا في بابها فان نام عن حفظها أو أعرض عنها متشاغلا بحديث أو غيره أو جعل الثياب خلفه فسرقت فعلى الحمامي الضمان لأنه فرط في حفظها و على السارق الغرم دون القطع لأنه ما سرقها من حرزها و هكذا حكم أصحاب الباعة على الطريق: حرز ما بين أيديهم المراعاة و النظر إليها فإن سرق منهم شيء مع وجود المراعاة فعلى من سرق القطع، و إن توانا عنها و تغافل أو نام عنها أو سها لم يكن ما بين

37

يديه في حرز فإن سرقه سارق فعليه الضمان دون القطع.

فأما إن دخل الحمام فنزع ثيابه على حصير أو وتد على ما جرت به العادة و لم يسلمها إلى الحمامي و لا استحفظه إياها فالحمامى غير مودع، و ثياب هذا في غير حرز، فان سرقت فلا قطع على سارقها، لأنه تناولها من غير حرز، فان المكان مأذون في استطراقه و الدخول إليه، فما وضع فيه هكذا فليس في حرز.

المقيم في دار الإسلام على ثلثة أضرب: مسلم و ذمي و مستأمن

فأما المسلم فعلى الامام نصرته و الذب عنه كل من يقصده بغير حق مسلما كان أو مشركا، و متى وجب له حق استوفاه له منه سواء كان من حقوق الله أو حقوق الآدميين.

و إن كان من أهل الذمة كان حكمه في هذا كله حكم المسلم في نصرته و الذب عنه غير أنه إن شرب الخمر فلا حد عليه، و إن كان مجوسيا فنكح امه فلا حد عليه عندهم على كل حال و عندنا ما لم يتظاهر، لأنه بذل الجزية على مقامه في دينه و اعتقاده، فإذا كان هذا من دينه فلا اعتراض عليه فيه.

فأما المستأمن فعلى الامام أن يذب عنه من للإمام به علقة و هم المسلمون و أهل الذمة فاما إن قصدهم أهل الحرب أو اقتتلوا بعضهم في بعض لم يتعرض الامام لهم و لا عليهم بمعونة.

و أما استيفاء الحقوق منهم فالحقوق على ثلثة أضرب: حق لله محض، و حق لادمى و حق لله و يتعلق بحق الآدميين.

فاما حقوق الله كحد الخمر و الزنا و هو إذا زنا بمشركة فلا يستوفى منه عندهم لأنه دخل على هذا فلا يعترض عليه و عندنا ما لم يتظاهر به كذلك، فان تظاهر به استوفي منه الحد فأما إن زنا بمسلمة فله حكم آخر نذكره، و عندنا عليه القتل على كل حال.

و أما حق الآدميين كالأموال و حد القذف فهذه تستوفى منه لأنه على الكف عن أموالنا و أنفسنا و أعراضنا فإذا لم نكن منه في أمان كان عليه الضمان.

و أما حق الله الذي يتعلق بحق الآدمي، فهو القطع في السرقة فمن فعل هذا

38

فعليه الغرم، و أما القطع فإنه يجب عليه عندنا و قال قوم لا يجب.

إذا وقف الإنسان شيئا ينقل و يحول كالثياب و السلاح و الحيوان، فسرقه سارق

و كان نصابا من حرزه، فمن قال الوقف ينتقل إلى الله لا إلى مالك سواه، قال لا قطع عليه، و منهم من قال عليه القطع، و من قال ينتقل إلى الموقوف عليه فمنهم من قال لا قطع عليه، و منهم من قال عليه القطع و هو أصح عندي.

فأما أم الولد إذا كانت نائمة فسرقها إنسان فعليه القطع عندنا و قال قوم لا قطع عليه.

هذا الكلام في رقبة الوقف فأما الكلام في النماء كالثمرة و الزرع و نحو ذلك فإذا سرق منه سارق فان كان من أهل الوقف فلا قطع، لأن له فيه حقا كما لو سرق من بيت المال، و إن كان السارق أجنبيا فعليه القطع لأنه لا شبهة فيه.

إذا تكررت منه السرقة فسرق مرارا من واحد و من جماعة و لما قطع، فالقطع مرة واحدة

لأنه حد من حدود الله فإذا ترادفت تداخلت كحد الزنا و شرب الخمر، فإذا ثبت أن القطع واحد نظرت، فان اجتمع المسروق منهم و طالبوه بأجمعهم قطعناه و غرم لهم، و إن سبق واحد منهم فطالب بما سرق منه و كان نصابا غرم و قطع، ثم كل من جاء بعده من القوم فطالب بما سرق منه غرمناه و لم نقطعه لأنا قد قطعناه بالسرقة فلا يقطع مثل أن يسرق مرة أخرى.

إذا سرق و له يمين كاملة أو ناقصة و قد ذهبت أصابعها إلا واحدة

قطعنا يمينه الكاملة أو الناقصة للآية و الخبر و إن لم يكن فيها إصبع، و إنما بقي منها الكف و حدها أو بعض الكف: قال قوم يقطع و قال آخرون لا يقطع، و تكون كالمعدومة فيحول القطع إلى رجله اليسرى لأنه لا منفعة فيما بقي منها و لا جمال، و من قال يقطع قال للآية و الخبر، و عندنا لا يقطع لأن عندنا القطع لا يتعلق إلا بالأصابع، فمن ليس له أصابع لم يجب قطع غيرها إلا بدليل.

فأما إن كانت شلاء فان قال أهل العلم بالطب إن الشلاء متى قطعت بقيت أفواه العروق مفتحة كانت كالمعدومة و ان قالوا يندمل قطعت الشلاء، فان سرق و يمينه

39

كاملة تامة فذهبت يمينه قبل أن يقطع بالسرقة بمرض أو آكلة أو آفة أو سبب سقط القطع عنه، لأن القطع تعلق بها و اختص بها، فإذا ذهبت سقط القطع كالعبد إذا جنى فتعلقت الجناية برقبته فهلك سقط أرشها.

و إن سرق و ليس له يمين قطعت يساره عندهم، و عندنا ينقل القطع إلى الرجل و إن كان الأول قد روى أيضا.

إذا سرق و يساره مفقودة أو ناقصة قطعت يمينه

، و قال قوم إن كانت اليسار مفقودة أو ناقصة نقصانا ذهب به معظم المنفعة كنقصان إبهام أو إصبعين لم يقطع، و إن كانت ناقصة إصبع واحدة قطعنا يمينه، و هكذا قوله إذا كانت رجله اليمنى لا يطيق المشي عليها لم يقطع رجله اليسرى.

إذا وجب قطع يمين السارق فأخرج إلى القاطع يساره فقطعها

قال قوم إن قطعها القاطع مع العلم بأنها يساره و أنه لا يجوز قطعها مكان يمينه، فان القطع عن يمينه لا يسقط بقطعها و على القاطع القود، و يقطع يمين السارق لأن يساره قد ذهبت في غير القطع بالسرقة.

فإن قال القاطع دهشت و ما علمت أنها يساره أو علمتها يساره لكني ظننت أن قطعها يقوم مقام اليمين، فلا قود على القاطع، و عليه الدية، و يقطع يمين السارق، و قال قوم لا يقطع، و الأول أقوى لأن يساره ذهبت بعد وجوب القطع في يمينه كما لو ذهبت قصاصا و من قال يسقط القطع عن يمينه قال: لأن اعتقاد القاطع أنه يقطعها بالسرقة مكان يمينه شبهة يسقط القطع عن يمينه.

فأما إن ذهبت يساره بغير القطع في السرقة كالآكلة و نحو ذلك، قال قوم يسقط القطع عن يمينه، و قال آخرون لا يسقط و هو الأقوى، لأن الآكلة و العلة ما قطعت يساره بالشبهة عن السرقة.

كل عين قطع السارق بها مرة فإذا سرقها مرة أخرى قطعناه

حتى لو تكررت منه أربع مرات قطعناه أربع مرات، سواء سرقها من الأول أو من الثاني و قال قوم إذا قطع بالعين مرة لم يقطع بسرقتها مرة أخرى إلا في الغزل إذا سرقه فقطع به ثم

40

نسجه ثوبا فسرق فإنه يقطع ثانيا و عندنا يقطع ثانيا به، و ثالثا يحبس و رابعا يقتل على ما بيناه لأن عموم الآية و الأخبار يقتضيه.

إذا ادعى على رجل أنه سرق منه نصابا من حرز مثله

، و ذكر النصاب لم يخل من أحد أمرين إما أن يعترف أو ينكر فان اعترف المدعى عليه بذلك مرتين عندنا ثبت إقراره و قطع. و عند قوم لو أقر مرة ثبت و قطع، و متى رجع من اعترافه سقط برجوعه عندهم إلا ابن أبي ليلى فإنه قال لا يسقط برجوعه و هو الذي يقتضيه مذهبنا و حمله على الزنا قياس لا نقول به.

فمن قال سقط برجوعه فان لم يرجع حتى قطع لم ينفعه رجوعه و إن رجع قبل الأخذ في القطع لم يقطع، و إن كان بعد أن حصل هناك قطع، فان لم يفصل اليد عن الزند ترك حتى يداوي نفسه و إن كان بعد أن فصل بين الكف و الزند و بقي هناك جليد فقد رجع بعد وقوع القطع.

فان قال المقطوع للقاطع: ابنها! لم يجب عليه أن يفعل لأن الرجوع قد حصل و قطع ما بقي مداواة و القاطع بالخيار بين المداواة و تركها، فان قطعها فلا كلام و إن لم يقطع كان ذلك إلى المقطوع إن شاء داواه، و إن شاء تركه.

و إن كان المقر اثنين فأقام أحدهما على الإقرار و رجع الآخر عنه، أقمنا الحد على من لم يرجع و لم نقمة على من قد رجع.

فإذا ثبت هذا فمتى أتى ما يوجب حد الله كالقطع في السرقة و الحد بالزنا و شرب الخمر، فان كان من وجب عليه الحد غير معروف به و لا معلوم منه، لكنه يسره و يخفيه فالمستحب له أن يتوب عنه و لا يقر به، و عليه رد السرقة لقوله عليه و آله السلام «من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستره بستر الله فان من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه حد الله».

و إن كان قد اشتهر بذلك و شاع و ذاع عنه، فالمستحب له أن يحضر عند الحاكم فيعترف به لأنه إذا كان مشهورا بذلك و اعترف به أقمنا عليه الحد و كان كفارة

41

له لأن الحدود كفارات لأهلها، و يقوى في نفسي أن يتوب سرا و لا يعترف أصلا لعموم الخبر.

فأما إن جحد و أنكر فأقام المدعي بينة لم يقبل منه إلا شاهدين ذكرين لأنه كالقصاص و كيفية إقامتها هو أن يقول الشاهدان بمحضر من السارق و المسروق منه: هذا سرق من هذا نصابا و لا بد من صفة الحرز، و ذكر جنس النصاب و قدره، لأن النصاب مختلف فيه، فلم يكن بد من ذكر النصاب بعينه كيلا يقطع بما يعتقد مذهبا له ثم يبين غيره، و كذلك الحرز لأنه مختلف فيه فإذا قامت البينة هكذا قطع.

و إن كان المسروق منه غائبا و له وكيل حاضر يطالب له بماله لم يقبل الشهادة حتى يقول هذا سرق من حرز فلان بن فلان، و يرفع في نسبه الى حيث لا يشاركه غيره فيه، و إن هذا وكيل الغائب، فإذا قامت هكذا و طالب الوكيل بالسرقة قطع و أغرم.

فأما إن قامت البينة ابتداء عليه و ليس للغائب وكيل بذلك، و قامت على ما فصلناه بالسرقة أو بأنه زنا بأخته، قال قوم لا يقطع و لا يحد معا، و قال آخرون يحد و يقطع، و قال قوم: يحد الزاني و لا يقطع السارق، و الأقوى عندي أنه لا يحد في الزنا و لا يقطع في السرقة إن كان المسروق منه غائبا أو صاحب الأمة لأن السلعة تستباح بالإباحة فيمكن أن يكون أباحها، و كذلك الجارية عندنا يجوز أن يكون أحلها له.

هذا إذا كان ثبوته بالبينة فأما إن كان ثبوته بالاعتراف، فأقر بسرقة نصاب من الغائب من الحرز، أو زنا بجاريته، ففيه الثلاث أقاويل بأعيانها، و الأقوى عندي ههنا أن يقام عليه الحد فيهما للآية و الخبر.

فمن قال يقطع فلا كلام، و من قال لا يقطع: منهم من قال يحبس حتى يحضر الغائب بكل حال، سواء كانت العين التي سرقها موجودة أو مفقودة، فإن كانت مفقودة ففي ذمته حق قد ثبت لغائب، فيحبس حتى يحضر، و ان كانت العين قائمة أخذت منه و حبس في القطع.

42

و منهم من قال إن كانت العين تالفة حبس لأجل ما في ذمته، و ان كانت قائمة أخذت منه و نظرت في مسافة الغائب، فإن كانت قريبة حبس، و ان كانت بعيدة أطلق لئلا يطول حبسه فيعظم الإضرار به.

إذا ادعى على رجل أنه سرق من حرزه نصابا ربع دينار فصاعدا

و أقام بذلك شاهدين عدلين، فان قال المشهود عليه: ما سرقت لم يلتفت الى قوله لأنه يكذب الشهود، و إذا كذبهم سقط تكذيبه، و استوفى الحق منه.

فان قال فاحلفوا لي المدعي أني سرقت منه لم يلتفت إليه، لأن الشهود قد شهدوا للمدعي بأنه سرق، و قوله احلفوا لي مع شهوده قدح في الشهود، و طعن فيهم فلا يلتفت إليه.

فإن قال: قد صدق الشهود في السرقة، و قد أخذت هذا من حرزه على سبيل الاستخفاء غير أني أخذته بحق لي، فإن هذه العين غصبنيها أو باعنيها و سلمت ثمنها فمنعني، أو وهبها مني و أذن لي في قبضها فسرقتها منه، قلنا هذه دعوى مستأنفة على المسروق منه، فيكون القول قول المسروق منه مع يمينه، لأن السارق قد اعترف له باليد و أنه أخذ المال من حرزه، فإذا اعترف له باليد فالظاهر أنه ملكه فيكون القول قول صاحب اليد، و إنما لزمه اليمين لأن السارق ما كذب الشهود و لا قدح في شهادتهم.

فإذا ثبت أن القول قول المسروق منه، لم يخل من أحد أمرين إما أن يحلف أو ينكل، فان حلف فعلى السارق الضمان، إن كانت العين قائمة ردها، و إن كانت تالفة فعليه بدلها مثلها إن كان لها مثل، أو قيمتها إن لم يكن لها مثل.

و أما القطع فلا يجب عليه لأنه صار خصما، و قال بعضهم: يقطع لأنا حكمنا بتكذيبه و أغرمناه فوجب أن نقطعه و لأنا لو قلنا لا نقطعه أفضى إلى سقوط القطع في السرقة أصلا، فإنه ما من لص إلا و يدعى هذه الدعوى، فيسقط القطع عنه، و ما أفضى إلى سقوط حد من حدود الله يسقط في نفسه.

و الأول أقوى عندي، لأنه إذا ادعى العين لنفسه، أوقع شبهة ملك له فيها

43

بدليل أنا نستحلف له المسروق منه، فإذا أوقع فيها شبهة ملك سقط الحد بالشبهة لقوله عليه و آله السلام: ادرؤا الحدود بالشبهات.

هذا إذا حلف المسروق منه، فان لم يحلف رددنا اليمين على السارق، فإذا حلف سقط الضمان عنه، فان كانت العين قائمة حكمنا له بها، و إن كانت تالفة حكمنا بسقوط الغرم عنه، لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه يحل محل الإقرار من المدعى عليه أو قيام البينة عليه، و أيهما كان قضينا به للسارق.

قالوا هذا يصح فيه إذا ادعى المدعي على المسروق منه أن العين له غصبه عليها أو باعها إياه، فاما إذا قال وهبنيها و أذن لي في قبضها لا يصح لأنه إذا قال العين لي فقد رجع في إذنه بقبضها قلنا هذا الاختلاف وقع بعد حصول القبض من السارق، و العين إذا كانت في يده لم يصح الرجوع منه في المنع من قبضها فسقط.

هذا إذا ادعى أنه سرق من حرز له نصابا و أقام بذلك [شاهدين و أما إذا أقام بذلك] ظ شاهدا و امرأتين أو شاهدا واحدا و حلف معه، حكمنا له بذلك و قضينا على السارق بالضمان، فان كانت العين قائمة ردها و ان كانت تالفة رد بدلها و لم يقطع لأن هذه البينة ثبت بها الغرم دون الحد فاستوفينا بها ما يثبت بها.

إذا سرق عينا يقطع في مثلها و قطع

، فان كانت العين قائمة ردها بلا خلاف و ان كانت تالفة غرمها عندنا و قال قوم لا غرم عليه إذا قطع.

44

فصل فيما لا قطع فيه

لا قطع على من سرق من غير حرز

، خلافا لداود، و من أخذ شيئا على وجه الخلسة أو النهبة أو خان في وديعة أو أمانة فلا قطع.

روي عن جابر عن النبي عليه و آله السلام أنه قال لا قطع على المختلس، و لا على المنتهب، و لا على الخائن.

و إذا سرق العبد من متاع مولاه فلا قطع عليه بلا خلاف

، إلا حكاية عن داود روى أن النبي عليه و آله السلام قال إذا سرق المملوك فبعه، و لو بنش و النش نصف أوقية: عشرون درهما و هو إجماع.

إذا سرق أحد الزوجين من صاحبه

، فإن سرقة من غير حرز فلا قطع عليه بلا خلاف، و ان سرقة من حرز فعليه القطع عندنا و قال قوم لا قطع عليه، و هكذا الخلاف فيه إذا سرق عبد كل واحد من الزوجين من مال مولى الآخر، فكل عبد منهما بمنزلة سيده، و الخلاف فيهما واحد، و عندنا عليه القطع.

إذا سرق من مال أبيه أو مال جده و أجداده و إن علوا

، أو من مال امه و جدته و جداتها و إن علون، فلا قطع عليه عند الفقهاء، و عندنا عليه القطع إذا كان نصابا من حرز.

و إن سرق من مال ابنه أو ابنته أو أولادهما

و إن نزلوا لم يكن عليه القطع بلا خلاف إلا داود، فإنه قال عليه القطع.

فأما من خرج عن العمودين من العمومة و العمات و الخؤولة و الخالات، فهم كالأجانب

سواء عندنا و عند جماعة، و قال قوم كل شخصين بينهما رحم محرم بالنسب فالقطع ساقط بينهم كما يسقط بين الوالد و الولد، مثل الاخوة و الأخوات و الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات.

و إذا سرق من بيت المال أو الغنيمة فلا قطع عليه

عند الفقهاء و عندنا ان كان

45

ما سرقه يزيد على ماله فيه من العطاء و الاستحقاق بنصاب وجب عليه القطع، و كذلك نقول في المال المشترك.

الكلب و الخنزير لا قطع في شيء منهما، لأنهما حرام و حرام ثمنهما.

و إذا سرق شيئا من هذه الملاهي كالمزامير و الأوتار و الطنبور و العود و غير ذلك

فان كان عليه حلية قيمتها ربع دينار فصاعدا قطع، و قال بعضهم لا قطع عليه بناء على أصله إذا سرق ما فيه القطع مع ما لا قطع فيه يسقط القطع، و الأول مذهبنا.

و أما ان كان بغير حلية فإن كان إذا فصل تفصيلا لا يصلح للضرب يساوي ربع دينار قطعناه، و إن كان أقل من ذلك لم يقطع، و قال قوم لست افصل شيئا منه عليه و لا قطع فيه بحال لأنه ممنوع من إمساكه و لا يقر عليه فهو كالعين المغصوبة، و الأول أقوى عندنا، لانه سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه.

جيب الإنسان إن كان باطنا فهو حرز لما فيه

، و كذلك الكم عندنا و ان كان ظاهرا فليس بحرز، و قال قوم الجيب حرز لما يوضع فيه في العادة، و لم يفصلوا، فإذا أدخل الطرار يده في جيبه فأخذه أو بط الجيب أو بط الجيب و الصرة معا فأخذه فعليه في كل هذا القطع، و الكم مثله على ما قلناه إن أدخل يده فيه فأخذه، أو خرق الكم أو بطة فأخذه أو بط الكم و الخرقة فأخذه فعليه القطع.

و أما إن شده في كمه كالصرة ففيه القطع عند قوم، سواء جعله في جوف كمه و شده كالصرة من خارج الكم، أو جعله من خارج الكم و شده من داخل حتى صارت الصرة في جوف كمه.

و قال قوم إن جعلها في جوف الكم و شدها من خارج فعليه القطع و إن جعلها من خارج و شدها من داخل فلا قطع، و هو الذي يقتضيه مذهبنا.

و إن كان يسوق قطارا من الإبل أو يقودها و يكثر الالتفات إليها فكلها في حرز

و قال قوم إن الذي زمامه في يده في حرز دون الذي بعده، و الأول أصح عندنا.

فأما إن ترك الجمال و الأحمال في مكان و انصرف لحاجة كانت و كل ما معها من متاع و غيره في غير حرز فلا قطع فيها، و لا في شيء منها، و قال قوم إن أخذ اللص

46

الزاملة بما فيها فلا قطع عليه لأنه أخذ الحرز، و إن شق الزاملة و أخذ المتاع من جوفها فعليه القطع، لأنه إذا أخذها بما فيها فما سرقه من حرز، و إنما سرق الحرز و الأول أقوى عندي، و الثاني أيضا قوي للآية.

من سرق باب دار رجل

قلعه و أخذه أو هدم من حائط آجرا قيمته نصاب و أخذ فعليه القطع، و قال قوم لا قطع لانه ما سرق و إنما هدم من الحائط و الأول أقوى.

إذا شهد رجلان على رجلين أنهما سرقا دينارا من حرز قطعناهما

، فان كان أحدهما غائبا قطعنا الحاضر و انتظرنا الغائب، و إن كانا حاضرين و ادعى أحدهما أنه إنما أخذ مال نفسه فحكمه ما تقدم لم يقطع و قطع الآخر و إن كان أحدهما أبا المسروق منه قطعنا الأجنبي دون الأب، و عندهم لو كان بدله الابن كان مثل ذلك.

و إن أقرا بالسرقة قطعناهما، فان رجع أحدهما و أقام الآخر على إقراره قطعنا الاثنين، و عندهم يقطع الذي لم يرجع دون الراجع، لان كل واحد منهما يعتبر بنفسه دون غيره.

و إن قصده رجل فدفعه عن نفسه فقتله فلا ضمان عليه

، سواء قتله بالسيف أو بالمثقل ليلا كان أو نهارا، و قال قوم إن كان القتل بالسيف كما قلنا، و إن كان بالمثقل فان كان ليلا فكما قلنا، و إن كان نهارا فعليه الضمان، و الأول مذهبنا.

47

كتاب قطاع الطريق

[عقوبة المحاربين و اختلاف الناس في المراد بهم]

قال الله تعالى «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ» (1) و اختلف الناس في المراد بهذه الآية، فقال قوم المراد بها أهل الذمة إذا نقضوا العهد و لحقوا بدار الحرب و حاربوا المسلمين، فهؤلاء المحاربون الذين ذكرهم الله في هذه الآية، و حكمهم فيما ارتكبوه من المعصية هذه العقوبة التي ذكرها الله.

و قال قوم المراد بها المرتدون عن الإسلام إذا ظفر بهم الإمام عاقبهم بهذه العقوبة، لأن الآية نزلت في العرينيين، لأنهم دخلوا المدينة فاستوخموها فانتفخت أجوافهم و اصفرت ألوانهم، فأمرهم النبي عليه و آله السلام أن يخرجوا إلى لقاح إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها و أبوالها، ففعلوا ذلك فصحوا فقتلوا الراعي و ارتدوا و استاقوا الإبل فبعث النبي عليه و آله السلام في طلبهم فأخذهم و قطع أيديهم و أرجلهم و سمل أعينهم و طرحهم في الحرة حتى ماتوا فالآية نزلت فيهم.

و قال جميع الفقهاء إن المراد بها قطاع الطريق و هو من شهر السلاح و أخاف السبيل لقطع الطريق، و الذي رواه أصحابنا أن المراد بها كل من شهر السلاح و أخاف الناس في بر كانوا أو في بحر، و في البنيان أو في الصحراء، و رووا أن اللص أيضا محارب، و في بعض رواياتنا أن المراد بها قطاع الطريق كما قال الفقهاء.

فمن قال المراد بها قطاع الطريق اختلفوا في أحكامهم و كيفية عقوبتهم، فقال قوم إذا شهر السلاح و أخاف السبيل لقطع الطريق، كان حكمه متى ظفر به الامام التغرير، و هو أن ينفي عن بلده و يحبس في غيره، و فيهم من قال يحبس في غيره

____________

(1) المائدة (5): 33

48

و هذا مذهبنا غير أن أصحابنا رووا أنه لا يقر في بلده، و ينفى عن بلاد الإسلام كلها فان قصد بلاد الشرك قيل لهم لا تمكنوه، فان مكنوه قوتلوا عليه حتى يستوحش فيتوب.

و إن قتلوا و لم يأخذوا المال قتلوا

، و القتل ينحتم عليهم، و لا يجوز العفو عنهم و إنما يكون منحتما إذا كان قصده من القتل أخذ المال و أما إن قتل رجلا لغير هذا فالقود واجب غير منحتم، و إن قتل و أخذ المال قتل و صلب، و إن أخذ المال و لم يقتل قطعت يده و رجله من خلاف فمتى ارتكبوا شيئا من هذا نفوا من الأرض، و نفيهم أن يتبعهم أينما حلوا كان في طلبهم، فإذا قدر عليهم أقام عليهم الحدود التي ذكرناها.

و قال قوم الامام مخير فيه بين أربعة أشياء بين أن يقطع يده و رجله من خلاف، و يقتل أو يقطع من خلاف و يصلب، و إن شاء قتل و لم يقطع، و إن شاء صلب و لم يقطع، و الأول مذهبنا، و نشرحه فضل شرح:

و جملته أن من شهر السلاح و أخاف السبيل لقطع الطريق، فإنه يعزر لذلك على ما قلناه، و إذا قتل غسل و كفن و صلي عليه كسائر الأموات فاما الصلب فإنه يضرب رقبته أولا ثم يصلب ثلاثا لا أكثر منه، و ينزل و يغسل و يكفن و يصلى عليه، و قال بعض الصحابة لا ينزل و يترك حتى يسيل صديدا و قال بعضهم يصلب حيا و يترك حتى يموت، و منهم من قال يصلب حيا و يبعج بطنه برمح، و هذا أغلظ في الزجر.

و أما قطع يديه و رجليه من خلاف يقطع يده اليمنى أولا و يحسم بالنار، ثم يقطع الرجل بعدها، و يوالي بين القطعين، و لا يؤخر ذلك، لأنه حد واحد، فلا يفرق في وقتين كحد الزنا.

و أما قوله «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ» معناه إذا وقع منهم في المحاربة ما يوجب شيئا من هذه العقوبات يتبعهم الامام أبدا حتى يجده، و لا يدعه يقر في مكان، هذا هو النفي من الأرض عندنا، و عند قوم المنفي من قدر عليه بعد أن يشهر السلاح و قبل أن يعمل شيئا، و النفي عنده الحبس، و الأول مذهبنا.

49

قد ذكرنا أن من قتل في المحاربة و لم يأخذ المال انحتم قتله، فإذا ثبت هذا فإنما يتحتم قتله إذا كان المقتول مكافئا لدم القاتل، فإن لم يكن مكافئا مثل أن يكون حرا قتل عبدا أو مسلما قتل ذميا أو والدا قتل ولدا، قال قوم يقتل به، و لا يعتبر التكافؤ، و قال آخرون لا يقتل، و الأول يقتضيه عموم الاخبار في ذلك، و عموم الآية، و من منع فلقوله عليه و آله السلام: لا يقتل والد بولده، و لا يقتل مؤمن بكافر.

و أما إذا أخذوا المال و لم يقتلوا

، فقد قلنا يقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و هو أنا نقطع يده اليمنى و رجله اليسرى للآية، و ذكرنا أنه يقطع الرجل عقيب اليد، و يوالي بينهما بعد أن يحسم الأول و قال قوم لا يقطع حتى يأخذ نصابا يقطع به السارق، و قال بعضهم يقطع في القليل و الكثير، و هو الأقوى عندي، و قال بعضهم يعتبر فيه الحرز و لا يقطع حتى يأخذ المال من الحرز، و حرزه يد صاحبه و محافظة صاحبه.

و أما إن ساق قطارا و أصحابه ركابه، أو ساق قطارا ليس صاحبه معه فلا قطع

عليه عندهم، كالسارق سواء، و يقوى في نفسي أنه لا يعتبر ذلك، و يعتبر في المحاربة أخذ المال على وجه لا يتمكن المالك من الاحتراز منه، مجاهرة بالسيف على وجه لا يلحقه الغوث كالسرقة، و يعتبر فيها الأخذ على سبيل الاستخفاء، و يقوى في نفسي أنه لا يعتبر ذلك لأنه لا دليل عليه.

فإذا تقرر اعتبار النصاب فإذا أخذه نظرت، فإن كانت الأطراف كاملة قطعنا يده اليمنى و رجله اليسرى، و إن كان هذان الطرفان معدومين قطعنا يده اليسرى و رجله اليمنى، و إن كان أحدهما معدوما و الآخر موجودا مثل أن كانت يده اليمنى موجودة و رجله اليسرى مفقودة، أو رجله اليسرى موجودة و يده اليمنى مفقودة قطعنا الموجودة منهما وحدها، و لم ينتقل إلى غيرها لأن العضوين كالواحد بدليل أنهما يقطعان معا بأخذ المال.

حكم قطاع الطريق في البلد و البادية سواء

، و قد قلنا إذا كانوا في البادية فقهروا قافلة و أخذوا مالها، و كان أهل القافلة على صفة لا يلحقهم الغوث فهم قطاع

50

الطريق، فمتى وجد هذا منهم في الحضر كان الحكم فيهم واحدا مثل أن حاصروا قرية و فتحوها و غلبوا أهلها و سبوهم، أو فعلوا هذا في بلد صغير أو في طرف من أطراف البلد كقطيعة الدقيق من بغداد، و كانوا على صفة لا يلحقهم الغوث، أو كان بهم كثرة فأحاطوا ببلد كبير فاستولوا عليه هكذا، فالحكم واحد و هكذا لو فعل هذا دعار البلد استولوا على أهله و غلبوهم و أخذوا أموالهم على صفة لا غوث لهم الباب واحد.

فأما إن كبسوا دارا في جوف البلد، و قهروا أهلها، و منعهم الصياح و لو صاحوا لحقهم الغوث، فليسوا قطاع الطريق و لا يتعلق بهم حكم قطاع الطريق و قال قوم:

قطاع الطريق من كان من البلد على مسافة ثلاثة أميال.

و قال آخرون إذا كانوا في البلد أو بالقرب منه، مثل أن كانوا ما بين الحيرة و الكوفة، أو بين قريتين لم يكونوا قطاع الطريق، و إنما يكونون قطاع الطريق إذا كانوا في موضع لا يلحقهم الغوث.

و قد بينا أن عموم أخبارنا أن من أشهر السلاح و أخاف الناس في بلد كانوا أو في بر و على أي وجه كانوا فهم محاربون، حتى رووا أن اللص محارب فلا اعتبار بما قالوه.

من أتى من المحاربين ما يوجب حدا حددناه بحسب جرمه

، فمن قتل قتل، و من أخذ المال و قتل صلب، و من أخذ المال و لم يقتل يقطع من خلاف، و من شهر السلاح لقطع الطريق و خوف و هيب و لم يفعل غير هذا عزر به.

فإذا ثبت أنا نقيم على كل واحد منهم الحد الذي وجد سببه، فإنما يقام ذلك على من باشر الفعل فقتل، أو قتل و أخذ المال أو أخذ المال و لم يقتل، و أما من لم يباشر شيئا من هذا، مثل أن كثر أو هيب أو كان ردءا أو معاونا فإنما يعزر و يحبس، و لا يقام عليه الحدود، و قال قوم الحكم يتعلق بالمباشرة و بغيره، فمن كان عونا أو ردءا أو طليعة على حد واحد، فلو أخذ واحد المال قطعوا كلهم، و لو قتل واحد قتلوا كلهم، و الأول يقتضيه مذهبنا.

قد ذكرنا أن من قتل في المحاربة قتل قصاصا

، و كان القتل منحتما، و قال