تذكرة الفقهاء - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
458 /
5

[تتمة القاعدة الأولى في العبادات]

[تتمة كتاب الصلاة]

المقصد الثالث: في باقي الصلوات

و فيه فصول:

الأول: في الجمعة

و فيه مطالب

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الأول: الشرائط

[مقدمة]

مسألة 372: الجمعة واجبة بالنص و الإجماع.

قال اللّه تعالى فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ (1) و الأمر للوجوب، و النهي للتحريم، و إنما يجب السعي و يحرم البيع لأجل الواجب، و توبيخهم بتركه قائما إنما يكون لو وجب، و ليس المراد من السعي الإسراع بل الذهاب إليها.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في خطبته: (اعلموا أن اللّه قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، من عامي هذا، فمن تركها في حياتي، أو بعد موتي و له إمام عادل استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع اللّه له شمله، و لا بارك له في أمره، ألا و لا صلاة له، ألا و لا زكاة له، ألا و لا حج له، ألا و لا صوم له، ألا و لا برّ له حتى يتوب، فإن تاب تاب اللّه عليه) (2).

____________

(1) الجمعة: 9.

(2) سنن ابن ماجة 1: 343- 1081، سنن البيهقي 3: 171، الترغيب و الترهيب 1: 510- 511- 9، مجمع الزوائد 2: 169، مسند أبي يعلى 3: 381- 382- 1856، و انظر رسالة صلاة الجمعة للشهيد الثاني: 61.

8

و من طريق الخاصة قول الباقر (عليه السلام): «فرض اللّه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عز و جل في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة» (1) الحديث.

و أجمع المسلمون كافة على وجوب الجمعة.

مسألة 373: و وجوبها على الأعيان بالإجماع

، إلّا ما حكي عن الشافعي أنها فرض كفاية (2) و نسبت الحكاية إلى الغلط، لأن الأمر عام، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): (الجمعة حق واجب على كل مسلم، إلّا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبيّ، أو مريض) (3).

إذا عرفت هذا فيشترط للجمعة أمور ستة زائدة على الشرائط اليومية:

أ: الوقت. ب: السلطان. ج: العدد. د: الخطبتان. ه:

الجماعة. و: الوحدة.

فهنا مباحث:

الأول: الوقت

مسألة 374: أول وقت الجمعة زوال الشمس يوم الجمعة

عند علمائنا- إلّا المرتضى فإنه قال: يجوز أن يصلّي الفرض عند قيام الشمس يوم الجمعة خاصة (4)- و بما اخترناه قال الشافعي، و مالك، و أصحاب الرأي (5)، لأن أنس

____________

(1) الكافي 3: 419- 6، التهذيب 3: 21- 77، الفقيه 1: 266- 1217، أمالي الصدوق:

319- 17، الخصال: 533- 11.

(2) المجموع 4: 483، فتح العزيز 4: 484، الميزان 1: 185

(3) سنن أبي داود 1: 280- 1067، سنن البيهقي 3: 172، الجامع الصغير للسيوطي 1:

561- 3630.

(4) حكاه الشيخ في الخلاف 1: 620، المسألة 390، و قال ابن إدريس في السرائر: 64: لم أجد للسيد المرتضى تصنيفا و لا مسطورا بما حكاه شيخنا عنه، بل بخلافه .. و لعلّ شيخنا أبا جعفر سمعه من المرتضى في الدرس و عرفه منه مشافهة دون المسطور.

(5) المجموع 4: 511، بداية المجتهد 1: 157.

9

ابن مالك قال: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يصلي الجمعة إذا زالت الشمس (1).

و من طريق الخاصة قول الصادق (عليه السلام): «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك و يخطب في الظل الأول» (2) الحديث.

و لأنها بدل عن عبادة، فلا تجب قبل وقتها كالتيمم. و لأن آخر وقتهما واحد فكذا الأول.

و قال أحمد بن حنبل: يجوز فعل الجمعة قبل زوال الشمس (3). فمن أصحابه من قال: أول وقتها وقت صلاة العيد. و منهم من قال: تجوز في الساعة السادسة (4).

لأنّ [وكيعا روى عن عبد اللّه السلمي] (5) قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته و خطبته قبل نصف النهار (6).

و لا حجة فيه، مع مخالفته لفعل الرسول (صلى اللّه عليه و آله).

مسألة 375: آخر وقت الجمعة هو آخر وقت الظهر

عند الأكثر، إلّا أن عندنا آخر وقت الظهر للإجزاء الغروب، و آخر وقت الفضيلة إذا صار ظلّ

____________

(1) صحيح البخاري 2: 8، سنن الترمذي 2: 377- 503، سنن أبي داود 1: 284- 1084، مسند أحمد 3: 150، سنن البيهقي 3: 190

(2) التهذيب 3: 12- 42

(3) المغني 2: 209، الشرح الكبير 2: 163، المجموع 4: 511، فتح العزيز 4: 486، بداية المجتهد 1: 157

(4) المغني 2: 209، الشرح الكبير 2: 163، المجموع 4: 511

(5) ورد في نسختي «م» و «ش»: وكيع الأسلمي. و صحّح الى ما تراه، و ما بين المعقوفتين أثبتناه من مصادر الحديث و التراجم في الهامش التالي.

(6) سنن الدار قطني 2: 17- 1، و انظر أيضا: تهذيب التهذيب 11: 109 رقم 211، و أسد الغابة 3: 182، و الإصابة 2: 323 رقم 4739.

10

كل شيء مثله، و المراد هنا هذا الأخير فلا تجوز الجمعة بعده. و كذا يقول الشافعي (1).

و أبو حنيفة جعل آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شيء مثليه (2)، فتجوز الجمعة عنده إلى ذلك.

و الوجه الأول، لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله)، كان يصلّي دائما بعد الزوال بلا فصل، فلو جاز التأخير عمّا حدّدناه، لأخّرها في بعض الأوقات.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ أبا الصلاح منّا قال: إذا مضى مقدار الأذان و الخطبة و ركعتي الجمعة فقد فاتت، و لزم أداؤها ظهرا (3).

و يدفعه قول الباقر (عليه السلام): «وقت الجمعة إذا زالت الشمس و بعده بساعة» (4).

و احتجاجه: بقول الباقر (عليه السلام): «إنّ من الأمور أمورا مضيّقة، و أمورا موسّعة، و إنّ صلاة الجمعة من الأمر المضيّق، إنّما لها وقت واحد حين تزول الشمس، و وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيام» (5) متأول بالمبالغة في استحباب التقديم.

مسألة 376: بقاء الوقت ليس شرطا

، فلو انعقدت الجمعة و تلبّس بالصلاة- و لو بالتكبير- فخرج الوقت قبل إكمالها أتمها جمعة، إماما كان أو مأموما- و به قال أحمد و مالك (6)- لأنه دخل فيها في وقتها فوجب إتمامها كسائر الصلوات. و لأن الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فلا يسقط مع التلبس

____________

(1) المجموع 3: 21، فتح العزيز 3: 7- 8.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 142، المجموع 3: 21.

(3) الكافي في الفقه: 153.

(4) الفقيه 1: 267- 1223 نقلا بالمعنى.

(5) التهذيب 3: 13- 46.

(6) المغني 2: 163، المجموع 4: 513، فتح العزيز 4: 488.

11

بفوات البعض كالجماعة.

و قال الشافعي: تفوت الجمعة، حتى لو وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة، لكنه يتمها ظهرا، لأن ما كان شرطا في ابتداء الجمعة كان شرطا في جميعها كسائر الشرائط (1). و ينتقض بالجماعة.

و قال أبو حنيفة: لا يبنى عليها، و يستأنف الظهر، لأنهما صلاتان مختلفتان فلا تبنى إحداهما على الأخرى (2). و يرد على الشافعي لا علينا.

و قال بعض الجمهور: إن أدرك ركعة في الوقت أدرك الجمعة، و إلّا فلا (3). و لا بأس به.

فروع:

أ: لو شك في خروج الوقت أتمها جمعة

إجماعا، لأن الأصل بقاء الوقت.

ب: لو أدرك المسبوق ركعة مع الإمام صحت له الجمعة

إن كانت المدركة في الوقت ثم يقوم لتدارك الثانية، فلو خرج الوقت قبل إكمالها صحت عندنا، لما تقدم (4).

و للشافعية وجهان: الفوات كغيره، و الإدراك، لأن جمعتهم صحيحة فيتبعهم فيها كما يتبعهم في الوقت و القدوة (5).

ج: لو تشاغلوا عن الصلاة حتى ضاق الوقت

فإن علم الإمام أن الوقت يتسع لخطبتين خفيفتين و ركعتين كذلك وجبت الجمعة، و إلّا جاز أن يصلّوها

____________

(1) المجموع 4: 510 و 513، الوجيز 1: 61، المغني 2: 164.

(2) المجموع 4: 513، المغني 2: 164

(3) المغني 2: 163.

(4) تقدّم في أول المسألة.

(5) المجموع 4: 510، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 490.

12

ظهرا قبل خروج وقت الجمعة، و به قال الشافعي (1). و لا تكفي الركعة الواحدة هنا، خلافا لأحمد (2).

د: يستحب تعجيل الجمعة

كغيرها من الصلوات.

مسألة 377: الفرض في الوقت هو الجمعة

، و هي صلاة قائمة بنفسها ليست ظهرا مقصورة- و هو أحد قولي الشافعي (3)- فليس له إسقاط الجمعة بالظهر، لأنه مأمور بالجمعة، فيكون منهيا عن الظهر، فلا يكون المنهي عنه فرضا.

و قال (عليه السلام): (كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة) (4) و هو يدل على الوجوب على التعيين.

و قال أبو حنيفة: فرض الوقت الظهر، و يسقط بالجمعة، و هي ظهر مقصورة (5)، لقوله (عليه السلام): (أول وقت الظهر حين تزول الشمس) (6) و هو عام فيتناول يوم الجمعة كغيره.

و نحن نقول بموجبه، و لا دلالة فيه على أن الفرض الظهر.

و قال محمد بن الحسن الشيباني: الفرض الجمعة، و له إسقاطه بالظهر.

و هو قول للشافعي (7).

إذا عرفت هذا فإذا فاتت الجمعة صلّى أربعا ظهرا بنية الأداء إن كان وقت الظهر باقيا، و إن خرج الوقت صلّى أربعا بنية قضاء الظهر لا الجمعة، لأن مع

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 509- 510، فتح العزيز 4: 487- 488.

(2) المغني 2: 164، الشرح الكبير 2: 169.

(3) المجموع 4: 531، المهذب للشيرازي 1: 117.

(4) أورده في المعتبر: 201

(5) بدائع الصنائع 1: 256، الاختيار 1: 109، تحفة الفقهاء 1: 159، حلية العلماء 2:

227.

(6) سنن الدار قطني 1: 262- 22.

(7) الاختيار 1: 109، تحفة الفقهاء 1: 159، المجموع 4: 531.

13

الفوات تسقط الجمعة و تجب الظهر أداء لسعة وقت الظهر، و إمكان فوات الجمعة مع بقائه، فيكون الفائت بعد فوات الجمعة هو الظهر، لانتقال الوجوب إليه.

و لو فاتته الجمعة بعد انعقادها بأن زوحم و خرج الوقت قبل إدراك ركعة مع الإمام، استأنف الظهر، لتغاير الفرضين.

و من جعلها ظهرا مقصورة جوّز نقل النية إلى الظهر كالمسافر إذا نوى الإقامة في الأثناء فإنه يتم أربعا.

مسألة 378: لو صلّى المكلّف بها الظهر قبل أن يصلّي الإمام الجمعة، لم تصح صلاته

، و يلزمه السعي إلى الجمعة، فإن صلّاها سقط عنه الفرض، و إن لم يصلّها حتى فاتت وجب عليه إعادة الظهر، لما تقدّم (1) من أنهما فرضان متغايران، فلا يجزي أحدهما عن الآخر عند علمائنا أجمع، و به قال مالك و أحمد و الثوري في الجديد، و إسحاق (2).

و قال أبو حنيفة: تصح ظهره قبل فوات الجمعة، و يلزمه السعي إلى الجمعة، فإذا سعى بطلت، و إن لم يسع أجزأته (3).

و قال أبو يوسف، و محمد: تصح (4).

و قال الشافعي في القديم: تصح الظهر، و يجب عليه السعي، فإن صلّى الجمعة احتسب اللّه تعالى له بأيتهما شاء أو آجر كلتيهما، و إن فاتته

____________

(1) تقدّم في المسألة 377.

(2) المغني 2: 197، الشرح الكبير 2: 156، المجموع 4: 496- 497، فتح العزيز 4: 612 و 613، القوانين الفقهية: 79.

(3) المبسوط للسرخسي 2: 33، اللباب 1: 112، المجموع 4: 497، المغني 2: 197، الشرح الكبير 2: 156 و 157.

(4) المبسوط للسرخسي 2: 33، بدائع الصنائع 1: 257، المجموع 4: 497.

14

الجمعة أجزأته الظهر التي صلّاها (1).

و ليس بجيّد، لأن الظهر الواقعة إن كانت صحيحة أسقطت الفرض، إذ لا تجبان عليه في وقت واحد إجماعا، و إلّا أعادها.

و لأنه يأثم بترك الجمعة و إن صلّى الظهر، و لا يأثم بفعل الجمعة و ترك الظهر إجماعا، و الواجب هو الذي يأثم بتركه دون ما لا يأثم به.

فروع:

أ: فوات الجمعة برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.

و سيأتي في الجماعة.

ب: لو صلّى الظهر ثم شك هل صلّى قبل صلاة الإمام أو بعدها، لزمه الإعادة

، لأن الأصل البقاء

ج: لو صلّى الظهر مع صلاة الإمام الجمعة لم تصح

- إن كان يمكنه إدراكها- ظهره لأنه يمكنه الجمعة، أمّا لو صلّاها قبل فراغ الإمام من الجمعة- إذا فاته إدراكها- فإنه يجوز- و به قال بعض الشافعيّة (2)- لأن الجمعة فاتت فتجب الظهر، إذ لا يمكن سقوط الصلاتين.

و ظاهر كلام الشافعي أنه لا يجوز أن يصلّيها إلّا بعد فراغ الإمام (3).

مسألة 379: من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر و العبد، له أن يصلّي الظهر قبل صلاة الإمام

و معه و بعده- و إن جاز أن يصلّي جمعة- في قول أكثر العلماء (4)، لأنه لم يخاطب بالجمعة، فتصح منه الظهر، كالبعيد من موضع الجمعة.

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 496 و 497، الوجيز 1: 65، فتح العزيز 4:

612 و 613.

(2) حلية العلماء 2: 228.

(3) حلية العلماء 2: 228.

(4) المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159

15

و قال بعض الجمهور: لا تصح صلاته قبل الإمام، لأنه لا يتيقن بقاء العذر، فلم تصح صلاته، كغير المعذور (1).

و الظاهر البقاء و الاستمرار كالمريض يصلّي جالسا.

فروع:

أ: لا يستحب للمعذور تأخير الظهر حتى يفرغ الإمام

، لأن فرضه الظهر فيستحب تقديمها.

ب: أصحاب الأعذار المكلّفون إذا حضروا الجامع، وجبت عليهم الجمعة،

و سقط عنهم فرض الوقت، لأنها سقطت عنهم لعذر تخفيفا عنهم، و وجبت على أهل الكمال، لانتفاء المشقة في حقهم، فإذا حضروا الجامع سقطت المشقة المبيحة للترك.

ج: لو صلّوا الظهر في منازلهم ثم سعوا إلى الجمعة، لم تبطل ظهرهم

سواء زال عذرهم أوّلا- و به قال أحمد و الشافعي (2)- لأنها صلاة صحيحة أسقطت الفرض فلا تبطل بعده.

و قال أبو حنيفة: تبطل ظهرهم بالسعي إلى الجمعة كغير المعذور (3) و الفرق ظاهر.

و قال أبو يوسف و محمد: تبطل إذا أحرموا بالجمعة (4).

د: لا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهلها أن يصلّي الظهر

____________

(1) المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159، الإنصاف 2: 372.

(2) المغني 2: 198، الشرح الكبير 2: 159، كشاف القناع 2: 25، المجموع 4: 495، حلية العلماء 2: 227.

(3) المبسوط للسرخسي 2: 32 و 33، اللباب 1: 112، بدائع الصنائع 1: 257، المغني 2:

198، الشرح الكبير 2: 159، حلية العلماء 2: 227.

(4) المبسوط للسرخسي 2: 33، اللباب 1: 112.

16

جماعة- و به قال أحمد و الأعمش و الشافعي و إسحاق (1)- لعموم قوله (عليه السلام): (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس و عشرين درجة) (2).

و صلّى ابن مسعود بعلقمة و الأسود لمّا فاتته الجمعة (3).

و قال أبو حنيفة و مالك: يكره- و هو قول الحسن و أبي قلابة- لأنه لم ينقل في زمن النبي (عليه السلام) من صلّى جماعة من المعذورين (4).

و هو ممنوع، لما تقدّم.

إذا ثبت هذا فالأقرب استحباب إعادتها جماعة في مسجد النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و غيره من المساجد، لعموم استحباب طلب الجماعة.

و لا تكره أيضا في المسجد الذي أقيمت الجمعة فيه.

و كره أحمد ذلك كله (5)، و ليس بجيّد.

نعم لو نسب إلى الرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو خيف فتنة، و لحوق ضرر به و بغيره كره ذلك.

ه: الأقرب لمن صلّى الظهر من أصحاب الأعذار السعي إلى الجمعة

استحبابا، طلبا لفضيلة الجماعة، لأنها تنوب مناب الظهر فأشبهت المنوب، و الأول هو الفرض.

و قال أبو إسحاق: قال الشافعي في القديم: يحتسب اللّه تعالى له بأيتهما شاء (6)، لأنه كان في الابتداء مخيرا بين الظهر و الجمعة، فإذا فعلها

____________

(1) المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 160، الإنصاف 2: 373، كشاف القناع 2: 25، المجموع 4: 493- 494.

(2) صحيح البخاري 1: 166، سنن الترمذي 1: 420- 421- 215، سنن البيهقي 3: 60.

(3) المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 161.

(4) المبسوط للسرخسي 2: 35- 36، اللباب 1: 112، بدائع الصنائع 1: 270، بلغة السالك 1: 182، المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 160، المجموع 4: 494.

(5) المغني 2: 199، الشرح الكبير 2: 161.

(6) المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 495، حلية العلماء 2: 227.

17

لم يتعين واحد منهما.

و هو غلط، لسقوط فرضه مما فعله أولا، فإذا فعل الجمعة كان متطوعا بها، و ما ذكره إنّما يتحقق قبل الفعل.

مسألة 380: لا يجوز إنشاء السفر لمن وجبت عليه الجمعة،

و استكمال الشرائط (1)، بعد الزوال قبل أن يصلّيها عند علمائنا أجمع- و به قال الشافعي، و مالك، و أحمد (2)- لقول النبي (صلى اللّه عليه و آله): (من سافر من دار إقامة (3) يوم الجمعة دعت عليه الملائكة، لا يصحب في سفره، و لا يعان على حاجته) (4)، و الوعيد لا يلحق المباح.

و لأن ذمته مشتغلة فلا يجوز له الاشتغال بما يمنع عنها كاللهو و التجارة.

و قال أبو حنيفة و الأوزاعي: يجوز (5)، لقول عمر: الجمعة لا تحبس عن سفر (6)، و لأنّ الصلاة تجب بآخر الوقت، و لأنّ كلّ صلاة يجوز السفر بعدها يجوز قبلها كسائر الصلوات.

و الفرق أنّ السفر يسقط الجمعة دون غيرها، و قول عمر ليس حجة خصوصا مع مخالفته (7) القرآن، و قد بيّنا وجوب الصلاة بأول الوقت.

فروع:

أ: لا يجوز السفر بعد الزوال لأجل الجهاد

إلّا مع الضرورة.

____________

(1) كذا، و المناسب للعبارة: و استكملت الشرائط فيه.

(2) المجموع 4: 499، الوجيز 1: 65، مغني المحتاج 1: 278، الميزان 1: 187، بلغة السالك 1: 183، المنتقى للباجي 1: 199، المغني 2: 217، الشرح الكبير 2: 161.

(3) في «م»: إقامته.

(4) كنز العمال 6: 715- 17540.

(5) المجموع 4: 499، المغني 2: 217، الشرح الكبير 2: 161

(6) سنن البيهقي 3: 187، و انظر: الام 1: 189، و المغني 2: 217، و الشرح الكبير 2:

161.

(7) في «م» و الطبعة الحجرية: مخالفة.

18

و نقل عن أحمد الجواز (1)، لأنّه (عليه السلام) لمّا وجّه زيد بن حارثة، و جعفر بن أبي طالب، و عبد اللّه بن رواحة في جيش مؤتة فتخلّف عبد اللّه، فرآه النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: (ما خلّفك؟) فقال: الجمعة، فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): (لروحة في سبيل اللّه أو غدوة خير من الدنيا و ما فيها) فراح منطلقا (2).

و الذي نقله أصحابه إنّ ذلك كان قبل الزوال (3).

ب: يجوز السفر بعد الزوال لأصحاب الأعذار المتجددة

بعد الوجوب، كمريد الصحبة إذا خاف فوتها مع ضرورته إليها، لأنها تسقط الوجوب، و بالجملة كلّ ما يخاف معه على نفسه أو ماله فهو عذر، و كذا لو ضلّ له ولد أو رقيق أو حيوان.

ج: يجوز السفر قبل الزوال بعد الفجر

، لكنّه مكروه عند علمائنا- و به قال مالك و أحمد- و الحسن و ابن سيرين- في رواية، و الشافعي في القديم، و أصحاب الرأي (4)- لحديث عبد اللّه بن رواحة (5). و لأنّ ذمته خالية من وجوب فلا يمنعه إمكان وجوبها.

و قال الشافعي في الجديد: لا يجوز- و به قال ابن عمر و أحمد- إلّا في الجهاد، لأنّه وقت الرواح إلى الجمعة، و قد يجب فيه السعي على من بعد طريقه، فلا يجوز له ترك الجمعة بالسفر فيه كما بعد الزوال (6).

____________

(1) الشرح الكبير 2: 162.

(2) مسند أحمد 1: 256، سنن البيهقي 3: 187، و انظر: المغني 2: 218.

(3) المغني 2: 218.

(4) المغني 2: 218، الشرح الكبير 2: 162، المجموع 4: 499، حلية العلماء 2: 228، الوجيز 1: 65، المهذب للشيرازي 1: 117، الميزان 1: 187، مغني المحتاج 1: 278، المنتقى للباجي 1: 199.

(5) مسند أحمد 1: 256، سنن البيهقي 3: 187.

(6) المجموع 4: 499، الوجيز 1: 65، المهذب للشيرازي 1: 117، الميزان 1: 187، المغني 2: 218، الشرح الكبير 2: 162، حلية العلماء 2: 228، مغني المحتاج 1: 278.

19

و الفرق شغل الذمة في الأول دون الثاني، و السعي يجب فيه على من تجب عليه و هو بسفره خرج عن ذلك.

و استثناء الشافعي الجهاد، لحديث ابن رواحة.

د: لا يكره السفر ليلة الجمعة

إجماعا.

البحث الثاني: السلطان

مسألة 381: يشترط في وجوب الجمعة السلطان أو نائبه

عند علمائنا أجمع- و به قال أبو حنيفة (1)- للإجماع على أن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يعيّن لإمامة الجماعة- و كذا الخلفاء بعده- كما يعيّن للقضاء.

و كما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام كذا إمامة الجمعة.

و لرواية محمد بن مسلم قال: «لا تجب الجمعة على أقل من سبعة:

الإمام، و قاضيه، و مدّع حقا، و مدّعى عليه، و شاهدان، و من يضرب الحدود بين يدي الإمام» (2).

و لأنّه إجماع أهل الأعصار، فإنه لا يقيم الجمعة في كلّ عصر إلّا الأئمة.

و قال الشافعي و مالك و أحمد: ليس السلطان شرطا و لا إذنه (3)، لأنّ عليا

____________

(1) المبسوط للسرخسي 2: 23 و 25، بدائع الصنائع 1: 259، 261، اللباب 1: 110، المجموع 4: 583، المغني 2: 173- 174، الشرح الكبير 2: 188، بداية المجتهد 1:

159، الميزان 1: 188.

(2) الفقيه 1: 267- 1222، التهذيب 3: 20- 75، الإستبصار 1: 418- 1608.

(3) الام 1: 192، المجموع 4: 509 و 583، مختصر المزني: 28، الوجيز 1: 62، المهذب للشيرازي 1: 124، بداية المجتهد 1: 160، المغني 2: 173، الشرح الكبير 2: 188.

20

(عليه السلام) صلّى بالناس الجمعة و عثمان محصور (1)، و لم ينكر أحد.

و لأنها عبادة بدنية فلا تفتقر إقامتها إلى السلطان كالحج.

و فعل علي (عليه السلام) حجة لنا، لأنّه (عليه السلام) الإمام عندنا، و لأنّ عثمان بمنع المسلمين له عن التصرف خرج عن الإمامة، إذ الإمامة عندهم تثبت بالاختيار من أهل الحلّ و العقد فتزول لزوال سببها.

و الفرق في الحج عدم احتياجه إلى رئيس يتقدّم عليهم فيها، بخلاف الجمعة المفتقرة إلى إمام يتقدّمهم.

مسألة 382: أجمع علماؤنا كافة على اشتراط عدالة السلطان

و هو الإمام المعصوم، أو من يأمره بذلك- خلافا للجمهور كافة (2) لأن الاجتماع مظنة التنازع، و الحكمة تقتضي انتفاء ذلك، و لا يحصل إلّا بالسلطان، و مع فسقه لا يزول، لأنّه تابع في أفعاله لقوته الشهوية لا مقتضى الشرع و مواقع المصلحة، و ليس محلا للأمانة فلا يكون أهلا للاستنابة.

احتجّوا بقوله (عليه السلام): (فمن تركها في حياتي أو بعد موتي و له إمام عادل، أو جائر فلا جمع اللّه شمله) (3).

و لأن السلطان يسوّي بين الناس في إيقاعها فلا يفوت بعضا.

و نمنع الحديث أوّلا، و دلالته على المطلوب، لأنه وعيد على من تركها مستخفا بها، و لا شك في أنه مستحق للوعيد سواء كان الإمام عادلا أو جائرا، بل يستحب الاجتماع فيها و عقدها و إن كان السلطان جائرا.

____________

(1) انظر سنن البيهقي 3: 124، و المغني 2: 174.

(2) المجموع 4: 253، المغني 2: 149، المبسوط للسرخسي 2: 25، بدائع الصنائع، 261.

(3) سنن ابن ماجة 1: 343- 1081، سنن البيهقي 3: 171، مجمع الزوائد 2: 169 نقلا عن الطبراني في الأوسط، مسند أبي يعلى 3: 381- 382- 1856، الترغيب و الترهيب 1:

510- 511- 9.

21

و نمنع من تسوية السلطان الفاسق لجواز أن يغلبه هواه على تقديم أو تأخير.

مسألة 383: يشترط إمّا السلطان المعصوم، أو استنابته لمن يرتضيه

، و يشترط في النائب أمور:

الأول: البلوغ. فلا تصح إمامة الصبي- و به قال أبو حنيفة و مالك و أحمد (1)- لعدم التكليف في حقه، فإن لم يكن مميزا لم يعتد بفعله، و إلا عرف ترك المؤاخذة على فعله، فلا يؤمن ترك واجب أو فعل محرّم في صلاته.

و لأن العدالة شرط و هي منوطة بالتكليف.

و هو أحد قولي الشافعي، و الثاني: تصح كغيرها من الفرائض (2).

و نمنع الأصل، و نفرق باختصاص الجمعة بشرائط زائدة الثاني: العقل. فإن المجنون لا اعتبار بفعله، و من يعتوره لا يكون إماما، و لا في وقت إفاقته، لجواز عروضه له حينئذ. و لأنه لا يؤمن احتلامه في نوبته و هو لا يعلم. و لنقصه عن المراتب الجليلة.

الثالث: الذكورة. فإن المرأة لا تؤم الرجال و لا الخناثى، و كذا الخنثى.

الرابع: الحرية. و في اشتراطها للشيخ قولان:

أحدهما: ذلك (3)- و به قال أحمد و مالك (4)- لأن الجمعة لا تجب

____________

(1) بدائع الصنائع 1: 262، بلغة السالك 1: 157، الشرح الصغير 1: 157، المنتقى للباجي 1: 197، بداية المجتهد 1: 144، المغني 2: 55، الإنصاف 2: 266، كشاف القناع 1:

479.

(2) الام: 1: 192، المجموع 4: 249، فتح العزيز 4: 327، المهذب للشيرازي 1: 104، كفاية الأخيار 1: 83.

(3) النهاية: 105.

(4) المغني 2: 196، المحرّر في الفقه 1: 142، بلغة السالك 1: 157، الشرح الصغير 1:

157، المنتقى للباجي 1: 197.

22

عليه، فلا يكون إماما فيها، كالصبي و المرأة.

و الثاني: العدم (1)- و به قال الشافعي و أبو حنيفة (2)- لقوله (صلى اللّه عليه و آله): (اسمعوا و أطيعوا و لو أمّر عليكم عبد حبشي أجدع ما أقام فيكم الصلاة) (3).

و من طريق الخاصة: قول أحدهما (عليهما السلام)- و قد سئل عن العبد يؤمّ القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قراءة-: «لا بأس به» (4).

و لأنه ذكر يؤدّي فرض الجمعة، فجاز أن يكون إماما فيها كالحرّ. و هو عندي أقوى.

مسألة 384: العدالة شرط عند علمائنا كافة

، فلو أمّ الفاسق لم تنعقد و أعيدت ظهرا- خلافا للجمهور (5) كافّة- لأنّ الائتمام ركون إلى الفاسق و هو ظالم، فيكون منهيا عنه، لقوله تعالى وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (6).

و قول جابر: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يقول: (لا تؤمّنّ امرأة رجلا، و لا فاجر مؤمنا إلّا أن يقهره سلطان، أو يخاف سيفه، أو سوطه) (7).

و من طريق الخاصة: ما رواه سعد بن إسماعيل، عن أبيه قال: قلت للرضا (عليه السلام): رجل يقارف (8) الذنوب و هو عارف بهذا الأمر أصلّي

____________

(1) الخلاف 1: 627، المسألة 398.

(2) الام 1: 192، المجموع 4: 250، فتح العزيز 4: 327، المبسوط للسرخسي 2: 36، بدائع الصنائع 1: 261 و 266، شرح فتح القدير 2: 26، اللباب 1: 112.

(3) سنن البيهقي 3: 88، الخراج للقاضي أبي يوسف: 9 بتفاوت و اختصار، و أورده نصّا في فتح العزيز 4: 328، و تلخيص الحبير 4: 327.

(4) التهذيب 3: 29- 99، الاستبصار 1: 423- 1628.

(5) المجموع 4: 253، فتح العزيز 4: 330 و 331، المهذب للشيرازي 1: 104، المغني 2:

149، اللباب 1: 79، بدائع الصنائع 1: 156.

(6) هود: 113.

(7) سنن ابن ماجة 1: 343- 1081.

(8) قارف الذنب: داناه و لاصقه. لسان العرب 9: 280 «قرف».

23

خلفه؟ قال: «لا» (1).

و قال أبو عبد اللّه البرقي: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام): أ تجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك و جدّك (صلوات اللّه عليهما)؟ فأجاب:

«لا تصلّ وراءه» (2).

و لانتفاء الزاجر له عن ترك شرط أو فعل مناف فلا تصح، كالصبي و الكافر.

احتجّوا: بعموم قوله تعالى فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّهِ (3).

و بقوله (عليه السلام): (صلّوا خلف من قال: لا إله إلّا اللّه) (4).

و بأن الحسن و الحسين (عليهما السلام) صلّيا مع مروان (5).

و الآية تدلّ على السعي لا على حال الإمام. و العام قد يخصّص، و أحاديثنا أخصّ فتقدّم.

و فعل الإمامين (عليهما السلام) لقهرهما، كما تضمّنه حديث جابر (6).

و لأنه حكاية حال فيمكن أنّ صلاتهما بعد فعلها في منازلهما، كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأبي ذر: (كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخّرون الصلاة عن وقتها؟) قلت: فما تأمرني؟ قال: (صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ فإنها لك نافلة) (7).

____________

(1) الفقيه 1: 249- 1116، التهذيب 3: 31- 110 و 277- 808.

(2) الفقيه 1: 248- 1113، التهذيب 3: 28- 98.

(3) الجمعة: 9.

(4) سنن الدار قطني 2: 56- 3، بلوغ المرام: 85- 450.

(5) الجعفريات: 52، نوادر الراوندي: 30 و انظر سنن البيهقي 3: 122.

(6) سنن ابن ماجة 1: 343- 1081.

(7) صحيح مسلم 1: 448- 648، سنن أبي داود 1: 117- 431، سنن الترمذي 1: 332- 333- 176، سنن البيهقي 3: 124، مسند احمد 5: 159، سنن النسائي 2: 75، المعجم الصغير للطبراني 1: 218.

24

فروع:

أ: عن أحمد رواية أنه يصلّي خلف الفاسق جمعة ثم يعيدها (1).

و هو غلط، لأنّها إن كانت مأمورا بها خرج عن العهدة بفعلها فلا إعادة، و إلّا فلا تصح الصلاة خلفه.

ب: لو كان السلطان جائرا ثم نصب عدلا استحب الاجتماع و انعقدت جمعة على الأقوى

- و سيأتي- و لا تجب، لفوات الشرط و هو الإمام أو من نصبه.

و أطبق الجمهور على الوجوب.

ج: لو خفي فسقه ثم ظهر بعد الصلاة أجزأ

، لأنّه مأمور بها فتقع مجزئة.

د: لا تصح الصلاة خلف الكافر بالإجماع

، فلو ظهر كفره صحّت الصلاة، للامتثال، سواء كان الكفر ممّا لا يخفى كالتهوّد و التنصّر، أو يخفى كالزندقة، و به قال المزني (2).

و عند الشافعي تجب الإعادة في الأوّل، لتفريطه (3).

ه: لو شك في إسلامه لم تنعقد الجمعة

، لأنّ ظهور العدالة شرط، و هو منتف مع الشك.

و قال بعض الجمهور: تصحّ، عملا بالظاهر من أنه لا يتقدّم للإمامة إلّا مسلم (4).

و: الاختلاف في فروع الفقه- مع اعتقاد الحق- لا يمنع الإمامة

، للإجماع على تعديل بعضهم بعضا و إن اختلفوا في المسائل الاجتهادية.

____________

(1) المغني 2: 149، الشرح الكبير 2: 206.

(2) المغني 2: 34، المجموع 4: 251، فتح العزيز 4: 327.

(3) المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 251، فتح العزيز 4: 326.

(4) المغني 2: 28 و 35، الشرح الكبير 2: 34.

25

ز: إذا اعتقد المجتهد شيئا من الفروع و فعل ضدّه- مع بقاء اعتقاده- قدح في عدالته،

و كذا المقلّد إذا أفتاه العالم، أمّا لو عدل من عالم إلى أعلم أو مساو، لم يقدح في العدالة.

مسألة 385: الإيمان شرط في الإمام في الجمعة و غيرها

إجماعا عندنا، لأنّ غيره فاسق، و قد بيّنا اشتراط العدالة.

و قال أحمد: تجب سواء كان من يقيمها سنّيا، أو مبتدعا، أو عدلا، أو فاسقا. و سئل عن الصلاة خلف المعتزلة يوم الجمعة، فقال: أما الجمعة فينبغي شهودها، و إن كان الذي يصلّي منهم أعاد و إلّا فلا (1).

و قال الشافعي: إذا صلّى خلف مبتدع- و هو كلّ من زاد في الدين ما ليس منه، سواء كان قربة أو معصية- فإن كانت بدعته بزيادة طاعة تخالف (2) المشروع- كما لو صلّى العيد في غير وقته- صحّت خلفه، و إن كانت معصية- كالطعن في الصحابة، أو خلل في معتقده- فإن أوجبت تكفيرا، لم تصحّ خلفه، و إلّا صحّت (3).

و عندنا أنه لا تجوز خلف المبتدع سواء أوجبت كفرا، أو لا، لأنّها توجب فسقا، لقوله (عليه السلام): (كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة في النار) (4).

مسألة 386: يشترط في الإمام طهارة المولد

عند علمائنا، فلا تصحّ إمامة ولد الزنا، لأنّها من المناصب الجليلة، فلا تليق بحاله، لنقصه. و لعدم انقياد القلوب إلى متابعته. و لأنّها رئاسة دينية فلا ينالها مثله، لتكوّنه من المعصية الكبيرة.

____________

(1) المغني 2: 149، الشرح الكبير 2: 205.

(2) في نسخة «م»: بخلاف.

(3) انظر: المجموع 4: 253، و فتح العزيز 4: 331.

(4) سنن النسائي 3: 189.

26

و بعض علمائنا حكم بكفره (1). و ليس بمعتمد.

و لأنّ رجلا لا يعرف أبوه أمّ قوما بالعقيق فنهاه عمر بن عبد العزيز (2)، و لم ينكر عليه أحد.

و قال الشافعي: تكره إمامته (3)، لحديث عمر بن عبد العزيز.

و قال أحمد: لا تكره (4).

مسألة 387: اشترط أكثر علمائنا كون الإمام سليما من الجذام و البرص و العمى {fn~{fn(5)

، لقول الصادق (عليه السلام): «خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال: المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزنا و الأعرابي» (6).

و الأعمى لا يتمكن من الاحتراز عن النجاسات غالبا. و لأنه ناقص فلا يصلح لهذا المنصب الجليل.

و قال بعض أصحابنا المتأخرين: يجوز (7).

و اختلفت الشافعية في أنّ البصير أولى، أو يتساويان على قولين (8).

مسألة 388: إذا حضر إمام الأصل لم يؤمّ غيره إلّا مع العذر

إجماعا، لأنّ الإمامة متوقّفة على إذنه، فليس لغيره التقدّم عليه، و كذا نائب الإمام، لأنّ الرسول (صلى اللّه عليه و آله) لم يحضر موضعا إلّا أمّ بالناس، و كذا خلفاؤه،

____________

(1) هو ابن إدريس في السرائر: 183 و 241 و 287.

(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 216- 217.

(3) الام 1: 166، المجموع 4: 288، المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59، عمدة القارئ 5: 226.

(4) المغني 2: 60، الشرح الكبير 2: 59، الإنصاف 2: 274، كشاف القناع 1: 484.

(5) منهم: الشيخ في المبسوط 1: 155، و ابن البراج في المهذب 1: 80، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 143، و ابن حمزة في الوسيلة: 104.

(6) الكافي 3: 375- 1، التهذيب 3: 26- 92، الاستبصار 1: 422- 1626.

(7) كما ذكره المحقق في شرائع الإسلام 1: 97.

(8) المجموع 4: 286- 287، المهذب للشيرازي 1: 106، فتح العزيز 4: 328- 329.

27

و السرايا الذين بعثهم كان يصلّي بهم الأمير عليهم.

و لقول الباقر (عليه السلام): «قال علي (عليه السلام): إذا قدم الخليفة مصرا من الأمصار جمّع بالناس ليس ذلك لأحد غيره» (1).

و مع العذر يجوز أن يصلّي غيره، و يشترط إذنه، لما تقدّم.

مسألة 389: و هل للفقهاء المؤمنين حال الغيبة و التمكن من الاجتماع و الخطبتين صلاة الجمعة؟

أطبق علماؤنا على عدم الوجوب، لانتفاء الشرط، و هو ظهور الإذن من الإمام (عليه السلام).

و اختلفوا في استحباب إقامة الجمعة، فالمشهور ذلك، لقول زرارة:

حثّنا الصادق (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: «لا، إنّما عنيت عندكم» (2).

و قال الباقر (عليه السلام) لعبد الملك: «مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه» قلت: كيف اصنع؟ قال: «صلّوا جماعة» يعني صلاة الجمعة (3).

و قال الفضل بن عبد الملك: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: «إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب جمّعوا إذا كانوا خمسة نفر، و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (4).

و قال سلّار و ابن إدريس: لا تجوز، لأصالة الأربع، فلا تسقط إلّا بدليل (5).

____________

(1) التهذيب 3: 23- 81.

(2) التهذيب 3: 239- 635، الاستبصار 1: 420- 1615.

(3) التهذيب 3: 239- 638، الاستبصار 1: 420- 1616.

(4) التهذيب 3: 238- 239- 634، الاستبصار 1: 420- 1614.

(5) المراسم: 261، السرائر: 66.

28

و الأخبار السابقة متأولة، لأنّ قول الصادق (عليه السلام) لزرارة، و قول الباقر (عليه السلام) لعبد الملك إذن لهما فيها، فيكون الشرط قد حصل.

و قول الصادق (عليه السلام): «فإن كان لهم من يخطب» محمول على الإمام أو نائبه.

و لأنّ شرط الوجوب الإمام أو نائبه إجماعا، فكذا هو شرط في الجواز.

مسألة 390: يجوز أن يكون الإمام مسافرا

- و به قال أبو حنيفة و مالك و الشافعي (1)- لأنّه رجل تصح منه الجمعة، فجاز أن يكون إماما كالحاضر.

و قال أحمد بن حنبل: لا يجوز، لأنّه ليس من أهل فرض الجمعة، فلا يجوز أن يكون إماما كالمرأة (2).

و الفرق ظاهر، فإنّ المرأة لا تصح أن تكون إماما للرجل في حال من الأحوال، و المسافر لو نوى الإقامة صحّ أن يكون إماما إجماعا.

مسألة 391: لو أحدث الإمام في صلاة الجمعة أو غيرها، أو خرج بسبب آخر، جاز أن يستخلف غيره

ليتمّ بهم الصلاة، عند علمائنا أجمع- و به قال مالك و الثوري و الشافعي في الجديد، و أحمد و إسحاق و أبو ثور (3)- لأن أبا بكر كان يصلّي بالناس في مرض النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فسأل النبي (صلى اللّه عليه و آله): (من يصلّي بالناس؟) فقيل:

____________

(1) المبسوط للسرخسي 2: 25، اللباب 1: 112، الهداية للمرغيناني 1: 84، المدونة الكبرى 1: 158، المنتقى للباجي 1: 196، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155، المحلّى 5:

51، المجموع 4: 248 و 250، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 540، السراج الوهاج:

86، مغني المحتاج 1: 284.

(2) المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155، المجموع 4: 250، فتح العزيز 4:

541، الإنصاف 2: 368.

(3) بلغة السالك 1: 167، الشرح الصغير 1: 166، الام 1: 207، المجموع 4: 242 و 245 و 578، فتح العزيز 4: 554- 555 و 557، حلية العلماء 2: 248، المغني 1:

779.

29

أبو بكر، فخرج يتهادى بين اثنين، فدخل المسجد و أبو بكر يصلّي بالناس، فمنعه من إتمام الإمامة بهم، و تقدّم فصلّى بهم و تأخّر أبو بكر (1). فصارت الصلاة بإمامين على التعاقب.

و من طريق الخاصة: قول علي (عليه السلام): «من وجد أذى فليأخذ بيد رجل فليقدّمه» (2) يعني إذا كان إماما.

و لأن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة الإمام، فإذا قدّم من يصلح للإمامة كان كما لو أتمّها، و لا ينفك المأموم من الجماعة و العمل بالفضيلة فيها.

و قال الشافعي في القديم: لا يجوز الاستخلاف (3)، لما رووا عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أنه صلّى بأصحابه، فلمّا أحرم بالصلاة ذكر أنه جنب، فقال لأصحابه: (كما أنتم) و مضى و رجع و رأسه يقطر ماء، و لم يستخلف (4). فلو كان سائغا لفعله.

و هذا عندنا ممتنع، لما بيّنا غير مرة من استحالة السهو على النبي (صلى اللّه عليه و آله).

و للشافعي قول آخر: جوازه في غير الجمعة لا فيها (5).

فروع:

أ: لا فرق في جواز الاستخلاف بين ما إذا أحدث الإمام بعد الخطبتين قبل التحريم و بعدها

، فإذا استخلف صلّى بهم من غير خطبة، لخروج العهدة عنها بفعلها أوّلا.

____________

(1) مسند أحمد 1: 209، سنن أبي داود 1: 247- 940 بتفاوت.

(2) الكافي 3: 366- 11، التهذيب 2: 325- 1331، الاستبصار 1: 404- 1940.

(3) المهذب للشيرازي 1: 124، المجموع 4: 578، فتح العزيز 4: 554، حلية العلماء 2:

248، السراج الوهاج: 90.

(4) صحيح البخاري 1: 77، سنن أبي داود 1: 60- 61- 233- 235- سنن ابن ماجة 1:

385- 1220، مسند أحمد 1: 88 و 99، ترتيب مسند الشافعي 1: 114- 341.

(5) انظر: فتح العزيز 4: 555.

30

و قال الشافعي: على تقدير جوازه يجوز، و على تقدير عدمه لا يجوز أن يصلّي غيره بهم الجمعة، لأنّ الخطبتين تقوم مقام ركعتين فيخطب بهم غيره و يصلّي، فإن لم يتّسع الوقت، صلّى بهم الظهر أربعا (1).

ب: لو أحدث بعد التحريم استخلف عندنا

، و أتمّوها جمعة قطعا، و به قال الشافعي على تقدير الجواز، و على تقدير العدم لا يجوز، فيصلّي المأمومون فرادى ركعتين.

و عنه آخر: إن كان بعد أن صلّى ركعة أتموها جمعة ركعتين، و إن كان أقل من ركعة صلّوا ظهرا أربعا (2).

ج: يجب أن يستخلف من هو بشرائط الإمامة،

فلو استخلف امرأة لإمامة الرجال فهو لغو، فلا تبطل صلاتهم إذا لم يقتدوا بها، و به قال الشافعي (3).

و قال أبو حنيفة: تبطل الصلاة بالاستخلاف صلاتهم و صلاتها (4).

د: لا يشترط في المستخلف كونه قد سمع الخطبة، أو أحرم مع الإمام

، سواء أحدث الإمام في الركعة الأولى أو الثانية قبل الركوع، للأصل.

و لقول معاوية بن عمّار: سألت الصادق (عليه السلام)، عن رجل يأتي المسجد و هم في الصلاة و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر، فينفتل الإمام فيأخذ بيده و يكون أدنى القوم إليه فيقدّمه، فقال: «يتمّ القوم الصلاة، ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهّد أومأ بيده إليهم عن اليمين و الشمال، و كان الذي أومأ إليهم بيده التسليم و انقضاء صلاتهم، و أتمّ هو ما كان فاته إن بقي عليه» (5).

____________

(1) فتح العزيز 4: 561- 562.

(2) المجموع 4: 578، المهذب للشيرازي 1: 124.

(3) المجموع 4: 243، فتح العزيز 4: 555.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 180، فتح العزيز 4: 555.

(5) الكافي 3: 382- 7، التهذيب 3: 41- 144، الاستبصار 1: 433- 1672، الفقيه 1: 258- 1171.

31

و قال الشافعي: إن استخلف بعد الخطبة قبل أن يحرم بالصلاة، جاز أن يستخلف من حضرها و سمعها، لأنّه ثبت له حكمها بسماعه إيّاها، و لهذا لو بدر أربعون ممّن سمع الخطبة فعقدوها، صحّت، و لو صلّى أربعون ممّن لم يسمعها، لم تنعقد بهم، و لا يجوز أن يستخلف من لم يسمعها.

و إن أحدث بعد التحريم، فإن كان في الركعة الأولى جاز أن يستخلف من أحرم معه قبل حدثه، سواء كان دخل معه قبل الركوع أو بعده- و إن لم يكن سمع الخطبة- لأنّه بدخوله معه في الصلاة ثبت له حكمها.

و لا يجوز أن يستخلف من لم يدخل معه، لأنه يكون مبتدئا للجمعة، و لا يجوز عقد جمعة بعد جمعة، بخلاف المسبوق، لأنه متبع لا مبتدئ.

و إن أحدث في الثانية، جاز أن يستخلف من دخل معه قبل الركوع أو فيه، و يتمّون معه الجمعة.

و هل يتمّ هو الجمعة أو الظهر؟ قال أكثر أصحابه: بالأول. و هو جيّد عندنا، لأنه أدرك الجمعة بإدراكه راكعا.

و إن استخلف من دخل معه بعد الركوع، قال أكثر أصحابه: لا يجوز، لأنّ فرضه الظهر، فلا يجوز أن يكون إماما في الجمعة.

و قال بعضهم: يجوز، كالمسبوق و المسافر يأتمّ بالمقيم (1).

و عندي في ذلك تردّد، و كذا التردّد لو استناب من يبتدئ بالظهر.

ه: لو أحدث في الأولى فاستخلف من قد أحرم معه صحّ،

ثم صلّى المستخلف لهم الثانية، فلمّا قام أحدث و استخلف من أدرك الركعة الثانية صلّى المستخلف الثاني ركعة، و أشار إليهم أن يسلّم بهم أحدهم، و قام هو فأتمّها جمعة، لأنه أدرك ركعة من جمعة صحيحة.

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 124، المجموع 4: 579- 582، حلية العلماء 2: 249.

32

و قال الشافعي: يتمّها ظهرا، لأنّ للمأمومين اتّباعه، فلا يمكن بناء حكمه على حكمهم، و لا يمكن أن يبني حكمه على حكم الإمام الأول، لأنّه ما تمّت له الجمعة، فلا وجه لإتيان حكم الجمعة في حقّه. و هو ممنوع.

ثم قال: لو جاء مسبوق آخر و اقتدى بهذا المسبوق، و قلنا: إنّ المحسوب له ركعة من الظهر، فيحسب للمقتدي به ركعة من الجمعة، لأنّه في حق المأمومين يتنزّل منزلة إمامه (1).

و: لو لم يستنب الإمام أو مات أو أغمي عليه،

فإن كان بعد ركعة استناب المأمومون و قدّموا من يتمّ بهم الصلاة، و للواحد منهم أن يتقدّم، بل هو أولى، لأنّ الإمام قد خرج و المأمومون في الصلاة. و به قال الشافعي (2).

و فيه إشكال ينشأ من اشتراط الإمام أو إذنه عندنا، و من كونها جمعة انعقدت صحيحة، فيجب إكمالها.

و الإذن شرط في الابتداء لا في الإكمال. فإن قلنا بالأول احتمل أن يتمّوها جمعة فرادى كما لو ماتوا إلّا واحدا، و أن يتمّوها ظهرا، لعدم الشرط و هو الجماعة مع التعدّد.

و إن كان في الأولى قبل الركوع، احتمل إتمامها ظهرا، إذ لم يدرك أحد منهم ركعة، فلم يدركوا الصلاة، و جمعة، لانعقادها صحيحة، فتكمل كما لو بقي الإمام. و كلا الوجهين للشافعي (3).

ز: لا فرق في جواز الاستخلاف بين أن يحدث الإمام عمدا أو سهوا

- و به قال الشافعي (4)- لما بيّنّا من أنّ بطلان صلاة الإمام لا يقتضي بطلان صلاة المأموم.

____________

(1) انظر المجموع 4: 581- 582، و فتح العزيز 4: 559 و 560.

(2) المجموع 4: 583، فتح العزيز 4: 561.

(3) المجموع 4: 578، المهذب للشيرازي 1: 124.

(4) المجموع 4: 578، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 557.

33

و قال أبو حنيفة: إن تعمّد بطلت صلاتهم كلّهم (1).

ح: الأقرب وجوب اتّحاد الإمام و الخطيب إلّا لعذر

، كالحدث و شبهه، لأنّ العادة قاضية بأنّ المتولّي لهما واحد من زمن النبي (صلى اللّه عليه و آله) إلى الآن.

و يحتمل عدمه، لجواز تعدّد الأئمة في صلب الصلاة في المحدث فجاز في غيره.

ط: لو استناب لم يجب على المأمومين استئناف نية القدوة،

لأنّه خليفة الأول، و الغرض من الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الأول و إدامة الجماعة.

و هو أحد وجهي الشافعية (2).

و فيه إشكال ينشأ من وجوب تعين الإمام فيجب استئناف نية القدوة.

و في الآخر: يشترط، لأنّهم انفردوا بخروج الإمام من الصلاة (3).

و كذا لو لم يستنب الإمام و قدّم المأمومون إماما.

ي: لو مات الإمام فاستناب المأمومون، لم تبطل صلاة المتلبّس

و أتمّ جمعة، أمّا غيره فيصلّي الظهر، و يحتمل الدخول معهم، لأنّها جمعة مشروعة.

البحث الثالث: العدد

مسألة 392: العدد شرط بإجماع العلماء كافة

، لأنّ تسميتها جمعة من الاجتماع المستلزم للتكثير، و لأنّ الإمام شرط و لا يتحقّق مسمّاه إلّا بالمأموم.

____________

(1) بدائع الصنائع 1: 226، فتح العزيز 4: 557.

(2) المجموع 4: 582، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 560.

(3) المجموع 4: 582، فتح العزيز 4: 560.

34

و اختلفوا في أقلّ عدد تجب معه الجمعة، فقال بعض علمائنا: أقلّه خمسة نفر الإمام أحدهم، لأنّ الخطاب متوجّه بصيغة الجمع، و أقلّ عدد يحتمله حقيقة الثلاثة، و إنّما أوجب عند النداء الحاصل من الغير فيثبت رابع، و إنّما يجب السعي عند النداء مع حصول الشرائط التي من جملتها الإمام فيجب الخامس (1).

و لأنّها إنّما تجب على المقيمين، و الاستيطان مع الاجتماع مظنّة التنازع، فلا بدّ من حاكم يفصل بين المتنازعين فوجب الثالث.

ثم لمّا كانت الحوادث و العوائق تعتور الإنسان وجب أن يكون للحاكم نائب يقوم مقامه لو عرض له حادث يمنعه عن فصل المتنازعين فوجب الرابع.

ثم لمّا كان الاجتماع مظنة التنازع المفضي إلى الافتراء احتيج إلى من يستوفي الحدود بإذن الحاكم مباشرة فوجب الخامس.

فثبت أنّ الأمور الضرورية لا بدّ فيها من حصول خمسة نفر.

و لقول الباقر (عليه السلام): «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» (2).

و قال الصادق (عليه السلام): «يجمّع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا، فإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة» (3).

و قال الشيخ: سبعة نفر، أحدهم: الإمام (4)، لافتقار الاستيطان إلى متنازعين و شاهدين، و حاكم، و نائبه، و مستوفي الحدود.

و لقول الباقر (عليه السلام): «تجب الجمعة على سبعة و لا تجب على

____________

(1) هو المحقق في المعتبر: 202.

(2) الكافي 3: 419- 4، التهذيب 3: 240- 640، الاستبصار 1: 419- 1612.

(3) التهذيب 3: 239- 636، الاستبصار 1: 419- 1610.

(4) الخلاف 1: 598 المسألة 359، النهاية: 103، المبسوط للطوسي 1: 143.

35

أقلّ منهم» (1).

و حمل ما تقدّم من الروايتين على استحبابها للخمسة (2).

و لا ضرورة إلى الشاهدين، و الرواية ليست ناصّة على المطلوب، لأنّ أقلّ من السبعة قد يكون أقلّ من الخمسة، فيحمل عليه جمعا بين الأدلّة، و لأنّ روايتنا أكثر رواة و أقرب إلى مطابقة القرآن، و لأنّ الخيار مع الخمسة يستلزم الوجوب، لقوله تعالى فَاسْعَوْا (3).

و قال الشافعي: لا تنعقد بأقلّ من أربعين رجلا على الشرائط الآتية، و هل الإمام أحدهم؟ وجهان- و به قال عمر بن عبد العزيز و مالك و أحمد- لقول جابر بن عبد اللّه: مضت السنّة أنّ في كلّ أربعين فما فوقها جمعة (4). و قول الصحابي: مضت السنّة، كقوله: قال النبي (صلى اللّه عليه و آله) (5).

و تعليق الحكم على العدد لا يقتضي نفيه عمّا هو أقلّ أو أكثر.

و نمنع مساواة (مضت السنّة) لقوله: قال النبي (صلى اللّه عليه و آله).

و قال أحمد في رواية: لا تنعقد إلّا بخمسين، لقوله (عليه السلام):

(تجب الجمعة على خمسين رجلا) (6).

و دلالة المفهوم ضعيفة.

____________

(1) الفقيه 1: 267- 1222، التهذيب 3: 20- 75، الإستبصار 1: 418- 1608.

(2) الاستبصار 1: 419 ذيل الحديث 1609.

(3) الجمعة: 9.

(4) سنن الدار قطني 2: 3- 4- 1، سنن البيهقي 3: 177.

(5) المغني 2: 172 و 173، الشرح الكبير 2: 174 و 175، المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 502 و 503، فتح العزيز 4: 510، حلية العلماء 2: 230.

(6) المغني 2: 172، الشرح الكبير 2: 174، و راجع سنن الدار قطني 2: 4- 2 و 3.

36

و قال أبو حنيفة و الثوري و محمد: تنعقد بأربعة، أحدهم: الإمام، لأنّ الأربعة عدد يزيد على أقلّ الجمع المطلق، فجاز عقد الجمعة به كالأربعين (1).

و نمنع العلّية.

و قال الأوزاعي و أبو يوسف: تنعقد بثلاثة، لعموم الأمر (2).

و قد بيّنّا خصوصه.

و قال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا، لأنّ النّبي (صلى اللّه عليه و آله) كتب إلى مصعب بن عمير قبل الهجرة، و كان مصعب بالمدينة، فأمره أن يصلّي الجمعة بعد الزوال ركعتين، و أن يخطب قبلها، فجمّع مصعب في بيت سعد ابن خيثمة باثني عشر رجلا (3).

و هو حجّة على الشافعي لا علينا.

و قال الحسن بن صالح بن حيّ: تنعقد باثنين، لأنّ كلّ عدد انعقدت به الجماعة انعقدت به الجمعة كالأربعين (4).

و هو غلط، لأنّ الأمر بصيغة الجمع فلا يتناول الاثنين.

مسألة 393: يشترط في العدد أمور:

الأول: أن يكونوا ذكورا إجماعا، فلا تنعقد بالنساء، و لا بالرجال إذا تكمّل العدد بامرأة، و لا خنثى مشكل، و تنعقد بالخنثى الملحق بالرجال.

الثاني: يشترط: أن يكونوا مكلّفين، فلا تنعقد بالصبي و إن كان مميزا،

____________

(1) المبسوط للسرخسي 2: 24، الهداية للمرغيناني 1: 83، المجموع 4: 504، فتح العزيز 4: 510، المغني 2: 172، الشرح الكبير 2: 175، حلية العلماء 2: 230.

(2) المبسوط للسرخسي 2: 24، الهداية للمرغيناني 1: 83، المجموع 4: 504، حلية العلماء 2: 230، المغني 2: 172.

(3) المجموع 4: 504، حلية العلماء 2: 230، المغني 2: 172، الشرح الكبير 2: 175.

(4) المجموع 4: 504، حلية العلماء 2: 230.

37

و لا بالمجنون و إن كان يعتوره، إلّا أن يكون حال الإقامة مفيقا.

الثالث: هل يشترط الحرية؟ للشيخ قولان:

الاشتراط، فلا تنعقد بالعبد قنّا كان أو مدبّرا أو مكاتبا أو أمّ ولد- و هو قول الشافعي و أحمد (1) لأن الجمعة إنّما تصح منه تبعا لغيره، فلو انعقدت به صار التبع متبوعا، و لأنه لو انعقدت به، لانعقدت بجماعتهم منفردين كالأحرار (2).

و الثاني: عدمه- و به قال أبو حنيفة (3)- لأنّه رجل تصح منه الجمعة فانعقدت به كالحر (4).

الرابع: و هل يشترط الحضر؟ قولان للشيخ: الاشتراط (5)- و به قال الشافعي (6)- فلا تنعقد بالمسافر، لما تقدّم في العبد. و عدمه (7)- و به قال أبو حنيفة (8)- لما تقدّم.

الخامس: لا يشترط الصحة، و لا زوال الموانع من المطر و الخوف، فلو حضر المريض أو المحبوس بعذر المطر أو الخوف وجبت عليهم، و انعقدت

____________

(1) الام 1: 191، مختصر المزني: 26، المجموع 4: 505، فتح العزيز 4: 512، المهذب للشيرازي 1: 117، مغني المحتاج 1: 282، السراج الوهاج: 86، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155.

(2) المبسوط للطوسي 1: 143.

(3) المبسوط للسرخسي 2: 25، شرح العناية 2: 31، اللباب 1: 112، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155.

(4) الخلاف 1: 610 مسألة 375.

(5) المبسوط للطوسي 1: 143.

(6) الام 1: 191، مختصر المزني: 26، المجموع 4: 502، فتح العزيز 4: 512، مغني المحتاج 1: 282، المهذب للشيرازي 1: 117، السراج الوهاج: 86، المبسوط للسرخسي 2: 25.

(7) الخلاف 1: 610 مسألة 375.

(8) المبسوط للسرخسي 2: 25، اللباب 1: 112، المغني 2: 196، الشرح الكبير 2: 155.

38

به إجماعا- إلّا في قول بعيد للشافعي: إنّها لا تنعقد بالمريض كالمسافر (1)- لأنّ سقوطها عنهم لمشقّة السعي، فإذا تكلّفوه، زالت المشقة، فزال مانع الوجوب و الانعقاد به، فيثبتان.

السادس: لا يشترط مغايرة الإمام للعدد، و قد تقدّم (2). و للشافعي قولان (3).

السابع: يشترط الإسلام، لعدم انعقادها بالكافر إجماعا، و لا تشترط العدالة، فتنعقد بالفاسق إجماعا.

الثامن: يشترط عدم العلم بحدث أحدهم، فلو أحدث أحدهم مع العلم به و العدد يتمّ به، لم تنعقد به ما لم يتطهّر، و لو لم يعلم صحّت الجمعة للمتطهّرين.

و كذا لو ظهر حدث أحدهم و كان جاهلا به، كما لو وجد بعد الجمعة جنابة على ثوبه المختص به، فإنّ الجمعة قد صحّت لغيره، و يقضي هو الظهر.

مسألة 394: قال الشيخ: أقسام الناس في الجمعة خمسة:

من تجب عليه و تنعقد به و هو: الذكر، الحرّ، البالغ، العاقل، الصحيح، السليم من العمى و العرج و الشيخوخة التي لا حراك معها، الحاضر أو من هو بحكمه.

و من لا تجب عليه و لا تنعقد به و هو: الصبي و المجنون و العبد و المسافر و المرأة. لكن يجوز لهم فعلها، إلّا المجنون.

____________

(1) المجموع 4: 503، فتح العزيز 4: 515- 516، مغني المحتاج 1: 283، السراج الوهاج: 86.

(2) تقدم في أول البحث الثالث.

(3) المجموع 4: 502- 503، الوجيز 1: 61، فتح العزيز 4: 516، مغني المحتاج 1:

283، السراج الوهاج: 86.

39

و من تنعقد به و لا تجب عليه و هو: المريض و الأعمى و الأعرج و من كان على رأس أكثر من فرسخين.

و من تجب عليه و لا تنعقد به و هو: الكافر، لأنّه مخاطب بالفروع عندنا.

و مختلف فيه و هو: من كان مقيما في بلد من طلّاب العلم و التجّار و لمّا يستوطنه، بل متى قضى وطره خرج، فإنّها تجب عليه و تنعقد به عندنا، و عندهم خلاف (1).

مسألة 395: لا يشترط بقاء العدد مدة الصلاة

، فلو انعقدت بهم ثم انفضّوا أو ماتوا- إلّا الإمام بعد الإحرام- لم تبطل الجمعة، بل يتمّها جمعة ركعتين.

و حكى المزني عن الشافعي خمسة أقوال:

أحدها: هذا- و به قال أبو يوسف و محمّد (2)- لأنّها انعقدت فوجب الإتمام، لتحقّق شرط الوجوب. و اشتراط الاستدامة منفي (3) بالأصل، و لا يلزم من اشتراط الابتداء بشيء اشتراط استدامته به، كعدم الماء في حق المتيمم.

الثاني- و هو الأصح عندهم-: أنّ العدد شرط في الاستدامة، كما في الابتداء، فلو نقص واحد قبل التسليم بطلت جمعة و يتمّها ظهرا- و به قال أحمد (4)- لأنه شرط في الجمعة يختص بها، يعتبر في ابتدائها فيعتبر في استدامتها كالوقت.

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 143- 144.

(2) الهداية للمرغيناني 1: 83، بدائع الصنائع 1: 267، حلية العلماء 2: 231.

(3) في «ش» و الطبعة الحجرية: ينتفى.

(4) المغني 2: 179، الشرح الكبير 2: 176، فتح العزيز 4: 528، حلية العلماء 2: 231.

40

و الأصل ممنوع على ما تقدّم.

الثالث: إن بقي معه اثنان أتمّها جمعة، لأنّه بقي عدد تنعقد به الجماعة و اختلف في انعقاد الجمعة به، فلم يبطلها بعد انعقادها.

الرابع: إن بقي معه واحد أتمّها جمعة، لذلك أيضا.

الخامس: إن انفضّوا بعد ما صلّوا ركعة بسجدتيها أتمّها جمعة. و اختاره المزني- و هو قول مالك (1)- لقوله (عليه السلام): (من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى) (2).

و لا بأس بهذا القول عندي.

و قال أبو حنيفة: إن انفضّوا بعد ما صلّى ركعة بسجدة واحدة أتمّها جمعة و إلّا فلا، لأنّه أدرك معظم الركعة من الجمعة فاحتسبت له الجمعة، كالمسبوق يدرك الركوع (3).

و ينتقض بمن أدرك القيام و القراءة و الركوع، فإنّه يدرك معظمها و لا يتمّ جمعة.

فروع:

أ: لا اعتبار بانفضاض الزائد على العدد

مع بقاء العدد إجماعا.

ب: لو انعقدت بالعدد فحضر مساويه

و أدركوا ركوع الثانية ثم انفضّ الأولون صحّت الجمعة و إن فاتهم أول الصلاة، لأنّ العقد و العدد موجود فكان له الإتمام.

____________

(1) حلية العلماء 2: 231، فتح العزيز 4: 532.

(2) سنن الدار قطني 2: 10- 1، سنن ابن ماجة 1: 356- 1121، المستدرك للحاكم 1:

291، و راجع: المهذب للشيرازي 1: 117، المجموع 4: 506- 507، فتح العزيز 4: 528 و 531- 534، حلية العلماء 2: 231.

(3) بدائع الصنائع 1: 266، الهداية للمرغيناني 1: 83، الجامع الصغير للشيباني: 112، شرح العناية 2: 31، فتح العزيز 4: 532، المغني 2: 179، الشرح الكبير 2: 176.

41

ج: الأقرب أنّ الإمام

كغيره.

د: لو انفضّوا قبل الإتيان بأركان الخطبة و سكت ثم عادوا، أتمّ الخطبة

سواء طال الفصل أو لا، لحصول مسمّى الخطبة، و ليس لها حرمة الصلاة.

و لأنّه لا يؤمن الانفضاض بعد إعادتها، و هو قول أبي إسحاق (1).

و نمنع اشتراط الموالاة.

و قال الشافعي: أن طال استأنف الخطبة، و إلّا فلا.

و عنه: أنّه مع طول الفصل يصلّي أربعا إن لم يعد الخطبة، لبطلانها، و لا يأمن الانفضاض في الإعادة و الصلاة فيصلّي ظهرا (2).

ه: لو انفضّوا بعد الخطبة و هناك غيرهم، فالوجه إعادة الخطبة،

و يصلّي جمعة- و هو أحد قولي الشافعي (3)- لأنّه متمكّن من الجمعة بشرائطها.

و له قول: إنه يصلّي ظهرا (4).

و: لو اشترطنا الركعة فانفضّوا قبل إكمالها، احتمل العدول إلى الظهر

، لأنّها صلاة انعقدت صحيحة، فيجوز العدول، كذاكر الفائتة، و الذي قد زوحم، و الاستئناف، لبطلان ما عقدها له.

ز: لو انفضّ العدد قبل التلبّس و لو بعد الخطبتين، سقطت

إن لم يعودوا في الوقت، و لو انفضّوا في أثناء الخطبة، أعادها بعد عودهم إن لم يسمعوا الواجب منها أوّلا، و إن سمعوا الواجب أجزأ.

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 118، المجموع 4: 507.

(2) مختصر المزني: 26، المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 518 و 521- 522، حلية العلماء 2: 237.

(3) المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 521- 522.

(4) المجموع 4: 507، فتح العزيز 4: 521- 522.

42

البحث الرابع: الجماعة

مسألة 396: الجماعة شرط في الجمعة،

فلا تصح فرادى، و عليه إجماع العلماء كافة، لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله) صلّاها كذلك، و قال:

(صلّوا كما رأيتموني أصلّي) (1).

و لأن تسميتها جمعة من الاجتماع، فلا تتحقّق من دونه.

و لما رواه زرارة قال: «فرض اللّه من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، واحدة فرضها اللّه في جماعة و هي الجمعة» (2).

و هي شرط في الابتداء لا في الاستدامة، فلو ابتدأ منفردا ثم ائتمّ به في الأثناء لم تنعقد.

و لو ابتدأ إماما ثم انفضّ العدد بعد التحريم، لم تبطل على ما تقدّم.

مسألة 397: إذا انعقدت الجمعة و دخل المسبوق لحق الركعة

إن كان الإمام راكعا، و يدرك الجمعة لو أدركه راكعا في الثانية، ثم يتم بعد فراغ الإمام- و به قال الشافعي و الثوري و أحمد و إسحاق و أبو ثور و زفر و محمد، و هو مروي عن ابن مسعود و ابن عمر و أنس، و من التابعين: سعيد بن المسيب و الحسن و الشعبي و النخعي و الزهري (3)- لقوله (عليه السلام): (من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، و من أدرك دونها صلّاها أربعا) (4).

____________

(1) صحيح البخاري 1: 162، سنن البيهقي 2: 345، سنن الدار قطني 1: 272- 273- 1.

(2) الكافي 3: 419- 6، الفقيه 1: 266- 1217، التهذيب 3: 21- 77، أمالي الصدوق:

319- 17، الخصال: 422- 21 و 533- 11.

(3) الام 1: 206، المجموع 4: 556 و 558، فتح العزيز 4: 552، المغني 2: 158، الشرح الكبير 2: 177، بدائع الصنائع 1: 267، شرح العناية 2: 35.

(4) سنن الدار قطني 2: 10- 11- 1- 6، سنن ابن ماجة 1: 356- 1121، المستدرك للحاكم 1: 291، مصنف ابن أبي شيبة 2: 129.

43

و من طريق الخاصة: رواية المفضّل بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة و إن فاتته فليصلّ أربعا» (1).

و قال أبو حنيفة و أبو يوسف و الحكم و حمّاد: أيّ قدر أدرك من صلاة الإمام أدرك به الجمعة و لو سجود السهو بعد التسليم، لأنّ سجود السهو يعيده إلى حكم الصلاة (2)، لقوله (عليه السلام): (ما أدركتم فصلّوا و ما فاتكم فاقضوا) (3).

و لأنّ من لزمه أن يبني على صلاة الإمام إذا أدرك منها ركعة لزمه و إن أدرك دون ذلك، كالمسافر إذا أدرك المقيم.

و الرواية نقول بموجبها، و نمنع الإدراك بعد فوات الركوع، و الفرق مع المسافر ظاهر، فإنّ إدراكه إدراك إيجاب و التزام لتمام العدد، و هنا إدراكه يسقط به فرض العدد فاختلفا.

فروع:

أ: لا يشترط إدراك الخطبة،

لأنّ إدراك الاولى ليس بشرط، فالخطبة أولى.

و لقول الصادق (عليه السلام) فيمن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة، فقال:

«يصلّي ركعتين، فإن فاتته الصلاة فلم يدركها فليصلّ أربعا» (4).

و هو قول جمهور العلماء.

____________

(1) الفقيه 1: 270- 1232، التهذيب 3: 243- 657، الاستبصار 1: 422- 1623.

(2) المبسوط للسرخسي 2: 35، اللباب 1: 113، الهداية للمرغيناني 1: 84، المجموع 4:

558، فتح العزيز 4: 552، حلية العلماء 2: 233.

(3) مسند أحمد 2: 238 و 270 و 318 و 489 و 533، سنن النسائي 2: 114- 115.

(4) الكافي 3: 427- 1، التهذيب 3: 160- 343 و 243- 656، الاستبصار 1:

421- 1622.

44

و قال عطاء و طاوس و مجاهد و مكحول: يدرك الجمعة بإدراك الخطبتين، فمن فاتته الخطبتان فاتته الجمعة و إن أدرك الصلاة (1).

ب- المشهور أنه يدرك الركعة بإدراك الإمام راكعا

و إن لم يدرك تكبيرة الركوع بل يدرك الركعة لو اجتمع مع الإمام في جزء منه- و به قال الشافعي (2)- لقول الصادق (عليه السلام): «إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع رأسه فقد أدركت الركعة، و إن رفع الإمام رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك» (3).

و قال الشيخ: إن أدرك تكبيرة الركوع أدرك الركعة و إلّا فلا (4)، لقول الباقر (عليه السلام) لمحمد بن مسلم: «إن لم تدرك القوم قبل أن يكبّر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة» (5).

و هو محمول على ما إذا خاف فوت الركوع، إذ الغالب أنّ من لم يدرك تكبيرة الركوع إذا دخل المسجد فاتته الركعة، لافتقاره إلى قطع المسافة بينه و بين القوم، و النية، و تكبيرة الإحرام.

و تكبير الركوع ليس واجبا فلا يفوت الاقتداء بفواته.

و قول الشيخ ليس بعيدا من الصواب، لفوات واجب الركوع فيكون الباقي مستحبا، فلا تحصل الركعة بالمتابعة فيه، لفوات الركوع الواجب.

ج: لو ذكر ترك سجدة ناسيا و لم يعلم أ هي من التي أدركها مع الإمام، أو الثانية؟ فإنّه يقضي السجدة،

و يسجد سجدتي السهو إن كان بعد التسليم،

____________

(1) المجموع 4: 558، المغني 2: 158، الشرح الكبير 2: 177.

(2) المهذب للشيرازي 1: 122، المجموع 4: 556 و 558، فتح العزيز 4: 552.

(3) الكافي 3: 382- 5، الفقيه 1: 254- 1149، التهذيب 3: 43- 153، الاستبصار 1:

435- 1680.

(4) المبسوط للطوسي 1: 158.

(5) التهذيب 3: 43- 149، الاستبصار 1: 434- 1676.

45

و إن كان قبله، فالأقرب فعلها قبل التسليم و إعادة التشهد، لأنّه شاك في الأولى بعد فواتها فلا يلتفت.

و لأنّه مأموم فلا عبرة بشكّه فتتعيّن الأخرى.

و تحتمل المساواة للأولى، فيسلّم ثم يقضي السجدة، و يسجد سجدتي السهو. و على كلا التقديرين يدرك الجمعة.

و قال الشافعي: يأخذ بأسوإ الحالين، و هو: نسيانها من الاولى، فيتمّ الثانية، و يحصل له من الركعتين ركعة، و لا يدرك الجمعة، لاحتمال أن تكون من الاولى فلم يدرك مع الإمام ركعة كاملة، فيتمّها ظهرا (1). و قد سبق البحث فيه.

د: لو كبّر للإحرام و الإمام راكع، ثم رفع الإمام قبل ركوعه أو بعده قبل الذكر، فقد فاتته تلك الركعة.

و لو شك هل كان الإمام راكعا أو رافعا؟ رجّحنا الاحتياط على الاستصحاب.

ه: لو أدرك مع الإمام ركعة فلمّا جلس مع الإمام ذكر أنه ترك فيها سجدة فإنه يسجد

و قد أدرك الركعة عندنا- و هو أصح وجهي الشافعي (2)- لأنه أتى بالركعة مع الإمام إلّا أنه أتى بالسجدة في حكم متابعته، فلم يمنع ذلك من إدراكها، و كذا لو ذكرها بعد تسليم الإمام عندنا.

و قال الشافعي: يتمها ظهرا (3).

و الأصل في ذلك: أنّ فوات السجدة مع الإمام هل يقتضي فوات الركعة معه أم لا؟.

و: لو قام الإمام إلى الثالثة سهوا فأدركه في الثالثة فصلّاها معه،

لم يكن

____________

(1) المجموع 4: 556.

(2) في «ش»: الشافعية. و راجع: المجموع 4: 556، و فتح العزيز 4: 553.

(3) الام 1: 206، و انظر: المجموع 4: 556، فتح العزيز 4: 553.

46

مدركا للجمعة إجماعا، لأنّها ليست من صلاة الجمعة بل خطأ.

(و لو ذكر الإمام ترك سجدة) (1) لا يعلم موضعها فكذلك عندنا.

و قال الشافعي: تمّت صلاته، لأنّها إن كانت من الأولى فقد تمّت بالثانية، و كانت الثالثة ثانيته، و إن تركها من الثانية تمّت بالثالثة. و لا تتم جمعة المأموم، لجواز أن تكون من الثانية فتتم بالثالثة فلم تكن الثالثة من أصل الجمعة، لأنّ المحسوب منها للإمام سجدة واحدة (2).

و يجيء قول الشافعي على من يختار من علمائنا التلفيق لو كان الترك لسجدتين من ركعة.

و لو ذكر الإمام أنّها من الأوّلة، أدرك المأموم الجمعة، لأن الأولى تمّت بالثانية فكانت الثالثة ثانيته و قد أدركها المأموم.

ز: لو ترك الإمام سجدة من الأولى سهوا و قام إلى الثانية فاقتدى به و صلّى معه ركعة، فإن جلس الإمام للتشهّد و سلّم، صحّت صلاته و صلاة المأموم،

و يسجد الإمام المنسيّة، و يسجد لها سجدتي السهو.

و قال الشافعي: تبطل صلاة الإمام، لتركه ركعة، فإنّه لا يحتسب له من الركعة إلّا سجدة، و يحتسب للمسبوق ركعة من الظهر و لا يجعل بها مدركا للجمعة، لأنّ المحسوب للإمام منها سجدة.

فإن قام الإمام إلى الثالثة سهوا قبل جلوسه فهي ثانيته، لأنّ المحسوب له من الركعتين ركعة فقد أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة و قد صلّى قبل ذلك ركعة صحيحة فيتمّ له بهما صلاة الجمعة.

و هذه المسألة عكس مسائل الجمعة، لأنّه رتّب الجمعة على ركعة

____________

(1) و رد بدل ما بين القوسين في «ش»: و الإمام إذا ترك سجدة.

(2) المجموع 4: 557.

47

وقعت محسوبة من الظهر، و جعلها من الجمعة، و الظهر أبدا تبنى على الجمعة إذا عرض ما يمنع تمامها (1). و قد بيّنا مذهبنا فيما تقدّم.

مسألة 398: لو كان الإمام متنفّلا- بأن يكون مسافرا قد صلّى الظهر أوّلا- فالوجه أنه لا جمعة

إن تمّ العدد به، إذ ليس من أهل التكليف بالجمعة، فلا يتعلّق وجوب غيره به، و إن تمّ بغيره ففي جواز الاقتداء به وجهان: لنقص صلاته، و جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل. و كلاهما للشافعي (2).

و لو بان محدثا أو جنبا، صحّت جمعة المأمومين، سواء تمّ العدد به أو لا.

و قال الشافعي: إن تمّ به فلا جمعة، و إن تمّ دونه فقولان: أصحّهما عنده: ما قلناه كسائر الصلوات. و الثاني: أنه لا جمعة، لأنّ الجماعة شرط فيها، و الجماعة تقوم بالإمام (3).

مسألة 399: إذا ركع المأموم مع الإمام في الأولى ثم زوحم عن السجود لم يجز له السجود

على ظهر غيره أو رأسه أو رجله عند علمائنا أجمع- و به قال مالك و عطاء و الزهري (4)- بل ينتظر حتى يقدر على السجود على الأرض، لقوله (عليه السلام): (و مكّن جبهتك من الأرض) (5).

و قال مجاهد و أبو حنيفة و الشافعي و الثوري و أحمد و إسحاق و أبو ثور:

يسجد على ظهر غيره أو رأسه أو رجله، و يجزئه ذلك إن تمكّن، و إلّا صبر، لأنّ عمر بن الخطاب قال: إذا اشتدّ الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه.

____________

(1) انظر: حلية العلماء 2: 232 و 233.

(2) المهذب للشيرازي 1: 105، المجموع 4: 273، حلية العلماء 2: 176.

(3) الام 1: 191، المهذب للشيرازي 1: 104، المجموع 4: 259.

(4) المدونة الكبرى 1: 146 و 147، المجموع 4: 575، فتح العزيز 4: 563، المغني 2:

160، الشرح الكبير 2: 179.

(5) الفردوس 1: 281- 1103.

48

و لأنّ أكثر ما فيه أنه يسجد على نشز (1) من الأرض (2).

و فعل عمر ليس حجّة، و السجود إنّما يصح على الأرض أو ما أنبتته، و لما فيه من ترك حرمة المسلم.

و قال الحسن البصري: هو مخيّر بين أن يسجد و بين أن ينتظر زوال الزحمة، فبسجوده يخلّ بكمال السجود و يتابع الإمام، و بتأخيره يأتي بكمال السجود و يخلّ بالمتابعة، فاستوت الحالان (3).

و ينتقض: بصلاة المريض حيث لا يؤمر بالتأخير للتكميل.

مسألة 400: إذا رفع الإمام رأسه من السجود و زال الزحام قبل أن يركع الإمام في الثانية فإنّ المأموم يشتغل بقضاء السجدتين

و إن كان الإمام قائما، للحاجة و الضرورة.

و لأنّ مثله وقع في صلاة عسفان، حيث صلّى النبي (عليه السلام) و كان العدوّ تجاه القبلة، فسجد و بقي صف لم يسجد معه، فلمّا قام إلى الثانية سجدوا (4). و المشترك الحاجة.

و ليس له أن يركع مع الإمام قبل قضاء السجدتين، لئلّا يزيد ركنا.

إذا عرفت هذا، فإنه يستحب للإمام تطويل القراءة ليلحق به، فإن فرغ و الإمام قائم ركع معه، و إن كان الإمام راكعا انتصب ثم لحقه في الركوع، و لا يجوز له المتابعة في الركوع قبل الانتصاب، لما فيه من الإخلال بواجب.

و لا يشتغل بالقراءة عندنا، لسقوطها عن المأموم.

____________

(1) النشز: المكان المرتفع. الصحاح 3: 899، القاموس المحيط 2: 194 «نشز».

(2) الام 1: 206، المجموع 4: 563 و 575، فتح العزيز 4: 563، المغني 2: 160، الشرح الكبير 2: 179، و انظر: مصنف ابن أبي شيبة 1: 264، سنن البيهقي 3: 182- 183، مسند الطيالسي 13- 70، علل الحديث للرازي 1: 108- 294.

(3) المجموع 4: 575، حلية العلماء 2: 243 و 244.

(4) سنن الدار قطني 2: 59- 60- 8، سنن البيهقي 3: 257.

49

و للشافعي وجهان: هذا أصحّهما، لأنّ القراءة سقطت عنه حيث لم يدركها مع الإمام، لأنّ فرضه الاشتغال بقضاء السجود و لم يتابعه في محلّها فهو كالمسبوق. و الآخر: يقضي القراءة، لأنّه أدرك محلّها مع الإمام، بخلاف المسبوق (1).

و الأولى ممنوعة.

و على الأول يلحق الجمعة، و على الثاني يقرأ ما لم يخف فوت الركوع، فإن خاف فهل يتمّ أو يركع؟ قولان.

و إن زال الزحام و الإمام قد رفع رأسه من الركوع الثانية- و لا فرق حينئذ بين أن يكون الإمام قائما أو ساجدا- فإنه يتبعه و يسجد السجدتين، و ينوي بهما الاولى، فتحصل له ركعة ملفّقة، و لا يشتغل بقضاء ما عليه، و يدرك بها الجمعة- و به قال الشافعي في أصحّ الوجهين (2)- لقول الصادق (عليه السلام) و قد سأله حفص بن غياث عن رجل أدرك الجمعة و قد ازدحم الناس فدخل مع الإمام و ركع و لم يقدر على السجود، ثم قام و ركع الإمام و لم يقدر على الركوع في الثانية، و قدر على السجود كيف يصنع؟ قال الصادق (عليه السلام): «أمّا الركعة الأولى فهي إلى الركوع تامة، فلمّا سجد في الثانية فإن نوى الركعة الأولى فقد تمّت الأولى، فإذا سلّم الإمام قام فصلّى ركعة يسجد فيها ثم يتشهّد و يسلّم، و إن لم ينو تلك السجدة للركعة الأولى لم تجزئ عنه الاولى، و عليه أن يسجد سجدتين، و ينوي أنّهما للركعة الاولى، و عليه بعد ذلك ركعة تامة» (3).

____________

(1) المجموع 4: 564 و 565، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 564، السراج الوهاج: 91، حلية العلماء 2: 244.

(2) المجموع 4: 565، الوجيز 1: 62، فتح العزيز 4: 565، السراج الوهاج: 91، حلية العلماء 2: 244- 245.

(3) التهذيب 3: 21- 22- 78، الفقيه 1: 270- 1235، الكافي 3: 429- 430- 9 و فيه الى قوله: لم تجزئ عنه الاولى.

50

و قال أبو حنيفة: لا يتبعه، و يشتغل بقضاء ما عليه بناء على أنّ المأموم لا يخالف الإمام في صفة الفعل، فما كان أول صلاة الإمام كان أول صلاة المأموم، و ما كان آخر صلاة الإمام كان آخر صلاة المأموم (1). و سيأتي.

إذا عرفت هذا، فقد بيّنّا أنه يلحق الجمعة، لأنه أدرك ركعة منها.

و للشافعي وجهان: أصحّهما: هذا، لقوله (عليه السلام): (من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى) (2).

و الثاني: لا يلحقها، لأنّ إدراكها بركعة تامة و هذه ملفّقة (3).

و ليس بجيّد، فإنّ المسبوق يدرك الثانية للإمام و هي أولى له، فاحتساب بعض الثانية عن الأولى أولى.

إذا عرفت هذا، فإنّه لا بدّ و أن ينوي بهاتين السجدتين أنّهما للأولى، و لا يكفيه استصحاب النية- كما هو ظاهر قول ابن إدريس (4)- لأنّ صلاته تابعة لصلاة الإمام و قد نوى الإمام بهاتين أنّهما للثانية، فلا بدّ و أن ينفرد بنية أخرى أنّهما للأولى، لئلّا يلحقه حكم الإمام.

و لو نوى بهما الثانية، بطلت صلاته، قاله الشيخ في النهاية (5)، لأنّ الأولى لم تكمل و قد شرع في الثانية بسجدتين قبل قراءة و ركوع، و الزيادة و النقصان للأركان مبطلان.

و قال في المبسوط: يحذفهما و يأتي بسجدتين أخريين ينوي بهما

____________

(1) المبسوط للسرخسي 2: 118، فتح العزيز 4: 567، حلية العلماء 2: 245.

(2) مصنف ابن أبي شيبة 2: 129، سنن ابن ماجة 1: 356- 1121، سنن الدار قطني 2:

10- 1، المستدرك للحاكم 1: 291.

(3) المجموع 4: 566، فتح العزيز 4: 568، حلية العلماء 2: 245.

(4) السرائر: 65.

(5) النهاية: 107.

51

الاولى، و يكمل له ركعة، و يتمّها بأخرى (1)، لحديث حفص بن غياث (2).

و هو ضعيف.

و إن زال الزحام و الإمام راكع في الثانية، فإنّ المأموم يشتغل بالقضاء، ثم إن لحقه في الركوع انتصب و ركع معه، و إن لم يلحقه إلّا بعد رفعه منه، فقد فاتته تلك الركعة، فيأتي بأخرى بعد فراغ الإمام، و لا يتابعه في السجدتين لئلّا يزيد ركنا.

و للشافعي قولان في الاشتغال بالقضاء لو أدركه راكعا.

أحدهما: القضاء و لا يتابعه- و به قال أبو حنيفة (3)- لأنه قد شارك الإمام في الركوع الأول فيشتغل بعده بالسجود كما لو زال الزحام و الإمام قائم.

و الثاني: المتابعة- و به قال مالك (4)- لقوله (عليه السلام): (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا) (5) و هذا إمامه راكع (6).

و ليس بجيّد، لما فيه من الزيادة المبطلة، و تمام الحديث: (فإذا سجد فاسجدوا) و كما أمر بالركوع أمر بالسجود و الإمام قد يسجد قبل الركوع للأولى، فيتابعه المأموم في ذلك.

و للشافعي قولان على تقدير وجوب المتابعة في الركوع لو تابعه:

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 145.

(2) الفقيه 1: 270- 1235، التهذيب 3: 21- 22- 78.

(3) المبسوط للسرخسي 2: 118، حلية العلماء 2: 245، المغني 2: 160- 161، فتح العزيز 4:

567.

(4) المنتقى للباجي 1: 192، حلية العلماء 2: 245، المغني 2: 160- 161، فتح العزيز 4: 566.

(5) صحيح البخاري 1: 187، صحيح مسلم 1: 308- 411، سنن النسائي 2: 83، سنن الترمذي 2: 194- 361، سنن الدارمي 1: 300، مسند أحمد 2: 314.

(6) المهذب للشيرازي 1: 123، المجموع 4: 565- 566، فتح العزيز 4: 566- 567، حلية العلماء 2: 245، المغني 2: 161.

52

احتساب الركوع الثاني، لأنّه أدرك إمامه فيه، فهو كالمسبوق، فيدرك الجمعة، لإدراك ركعة تامة.

و الأول، لصحته، و لا يبطل بترك ما بعده، كما لو نسي سجدة من الأولى، فإنّها تتمّ بالثانية عنده، ففي إدراك الجمعة من حيث إنّها ملفّقة وجهان (1).

و لو لم يتابعه و اشتغل بالسجود- على تقدير وجوب المتابعة- فإن اعتقد أنّ فرضه السجود، لم تبطل صلاته بالسجود، لأنه بمنزلة الناسي، و لم يعتدّ به، لأنّه أتى به في غير موضعه.

ثم إن فرغ و الإمام راكع، تبعه، كما لو اتّبعه في الركوع ابتداء، و إن فرغ و الإمام رافع أو ساجد، فإنه يتبعه، و يعتدّ بما فعله من السجود، و يحصل له ركعة ملفّقة، و في إدراك الجمعة حينئذ وجهان.

و إن فرغ من سجوده و الإمام جالس في التشهّد، تبعه، فإذا سلّم قضى السجود، و لا يكون مدركا لركعة مع الإمام، و إنّما أدرك القيام و القراءة و الركوع، و هل يبني الظهر على ذلك أو يبتدئها؟ قولان (2).

و إن اعتقد أنّ فرضه الاتّباع، فخالف عامدا، فإن لم ينو مفارقة الإمام، بطلت صلاته، لأنّه زاد عمدا عملا كثيرا.

ثم إن كان الإمام في الركوع، أحرم بالصلاة و تبعه و يدرك الركعة و يدرك بها الجمعة، و إن وجده رافعا من الركوع، أحرم و اتّبعه، و بنى على ذلك الظهر وجها واحدا، لأنّه أحرم بعد فوات الجمعة.

و إن نوى مفارقة الإمام، فإن قلنا المفارقة لغير عذر مبطلة، فكما تقدّم، و إن لم تبطل فما أدرك ركعة بل بعضها، و هل يستأنف؟ إن قلنا في غير

____________

(1) المجموع 4: 566- 567، فتح العزيز 4: 567- 568، المهذب للشيرازي 1: 123، حلية العلماء 2: 245.

(2) الوجيز 1: 63، فتح العزيز 4: 568- 574، حلية العلماء 2: 246.

53

المعذور ببطلان صلاته لو صلّى الظهر قبل فوات الجمعة استأنف، و إلّا أتم ظهرا.

و على تقدير وجوب الاشتغال بالقضاء فإن اشتغل تمّت له الاولى مع الإمام.

ثم إن كان الإمام راكعا تبعه و حصلت له الجمعة كاملة، و إن أدركه ساجدا أو جالسا فهل يتبعه أو يشتغل بقضاء ما فاته من القراءة و الركوع؟ من أصحابه من قال: يشتغل بالقضاء، لأنّ بهذا القول ألزمناه الاشتغال بالقضاء.

و منهم من قال: يتبع الإمام لأنّ هذه الركعة لم يدرك منها شيئا بخلاف الأولى فإنّه أدرك أكثرها (1).

و الأخير عندهم أصح فقد أدرك ركعة بعضها فعله مع الإمام و بعضها فعله في حكم إمامته و هو السجود، ففي إدراك الجمعة بذلك وجهان (2).

و على تقدير عدم الإدراك ففي البناء للظهر على ذلك أو الاستئناف قولان.

فإن فرغ من السجود بعد تسليم الإمام لم يدرك ركعة مع الإمام، لأنّ المفعول بعد التسليم لا يكون في حكم صلاته فلا يكون مدركا للجمعة وجها واحدا، و هل يبني عليها الظهر أو يستأنف؟ قولان.

و إن خالف و اتّبع الإمام في الركوع على تقدير وجوب الاشتغال بالقضاء فإن اعتقد أنّ فرضه المتابعة لم تبطل صلاته، لأنه كالناسي، و لم يعتد بالركوع لأنّه أتى به في غير موضعه، فإذا سجد تمّت الأولى و كانت ملفّقة.

و إن اعتقد انّ فرضه القضاء، بطلت صلاته، فيبتدئ الإحرام مع الإمام إن كان راكعا، و يدرك ركعة تامة يدرك بها الجمعة، و إن أدركه رافعا من

____________

(1) المجموع 4: 567- 569، فتح العزيز 4: 571- 572، المهذب للشيرازي 1: 123، حلية العلماء 2: 246- 247.

(2) المجموع 4: 568، المهذب للشيرازي 1: 123.

54

الركوع، أحرم معه و كانت ظهرا (1). و قد بيّنا مذهبنا في ذلك.

فروع:

أ: لو زوحم عن سجود الاولى

فقضاه قبل ركوع الإمام في الثانية ثم ركع مع الإمام فزوحم عن السجود فقضاه بعد جلوس الإمام للتشهّد، تبع الإمام في التشهّد، و تمّت جمعته- خلافا لبعض الشافعية (2)- لأنّه أدرك جميع الصلاة، بعضها فعلا و بعضها حكا، فثبت له حكم الجماعة.

ب: لو أدرك الإمام راكعا في الثانية فأحرم و ركع معه ثم زوحم عن السجدتين

ثم قضاه حال تشهّد الإمام، فالأقرب إدراك الجمعة- و للشافعية وجهان (3)- فيتابع الإمام في التشهّد، و يسلّم. و لو لم يزل الزحام حتى سلّم الإمام، فاتت الجمعة.

ج: لو أحرم مع الإمام فزوحم عن الركوع فزال الزحام و الإمام راكع في الثانية، فإنّه يركع معه

، و تحصل له ركعة، و يكون مدركا للجمعة، لأنّه لو أدرك الركوع في الثانية، كان مدركا للجمعة، فما زاد على ذلك من الركعة الأوّلة لا يمنعه من إدراك الجمعة، و هو قول بعض الشافعية.

و قال آخرون: يحتمل أن تكون ملفّقة، ففي الإدراك وجهان (4).

د: لو زوحم عن الركوع و السجود في الأولى، صبر حتى يتمكّن منهما ثم يلتحق،

و هي رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الصادق (عليه السلام) (5).

فإن لحق الإمام راكعا في الثانية، تابعه و أدرك الجمعة.

و لو لحقه رافعا من ركوع الثانية، ففي إدراك الجمعة إشكال ينشأ: من أنّه لم يلحق ركوعا مع الإمام، و من إدراك ركعة تامة في صلاة الإمام حكما.

____________

(1) المجموع 4: 567- 568.

(2) المجموع 4: 572- 573، حلية العلماء 2: 247.

(3) المجموع 4: 572، فتح العزيز 4: 573، حلية العلماء 2: 247- 248.

(4) المجموع 4: 572، فتح العزيز 4: 573، حلية العلماء 2: 247- 248.

(5) الكافي 3: 381- 1، التهذيب 3: 46- 159، الاستبصار 1: 437- 1684.