تذكرة الفقهاء - ج6

- العلامة الحلي المزيد...
321 /
5

[تتمة القاعدة الأولى في العبادات]

كتاب الصوم

و فيه مقدمة و فصول:

[المقدمة]

الصوم لغة: الإمساك (1)، و شرعا: الإمساك عن أشياء مخصوصة من أول طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.

و ينقسم الى واجب و مندوب و مكروه و محظور.

أمّا الواجب فستة: صوم شهر رمضان، و الكفّارات، و دم المتعة، و النذر و ما في معناه، و الاعتكاف على وجه، و قضاء الواجب.

و أمّا المندوب (2): فجميع أيام السنة إلّا العيدين و أيّام التشريق لمن كان بمنى.

و يتأكّد أربعة عشر: صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر: أول خميس من كلّ شهر، و آخر خميس منه، و أول أربعاء في العشر الثاني، و ثلاثة أيام البيض، و الغدير، و مولد النبي (عليه السلام)، و مبعثه، و دحو الأرض، و عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء، و عاشوراء على جهة الحزن، و يوم المباهلة، و كلّ خميس، و كلّ جمعة، و أول ذي الحجة، و شهر رجب و شعبان.

و أمّا المكروه: فصوم عرفة لمن يضعف عن الدعاء، أو يشك في الهلال،

____________

(1) انظر: الصحاح 5: 1970.

(2) في النسخ الخطية: الندب. و ما أثبتناه من الطبعة الحجرية.

6

و النافلة سفرا عدا ثلاثة أيّام بالمدينة للحاجة، و الضيف ندبا بدون إذن مضيفه، أو الولد بدون إذن الوالد، و الصوم ندبا للمدعوّ إلى طعام.

و أمّا المحظور فتسعة: صوم العيدين، و أيام التشريق لمن كان بمنى، و يوم الشك بنية الفرض، و صوم نذر المعصية، و صوم الصمت، و صوم الوصال، و صوم المرأة و العبد ندبا بدون إذن الزوج و المالك، و صوم الواجب سفرا عدا ما استثني.

قيل: أول ما فرض صوم عاشوراء.

و قيل: كان تطوعا لا فرضا.

و قيل: لمّا قدم النبي (عليه السلام) [المدينة] (1) أمر بصيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، و هو قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ (2) ثم نسخ بقوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ (3) (4).

و قيل: المراد بالأيام المعدودات شهر رمضان، فلا نسخ.

و قيل: أول ما فرض صوم رمضان لا عينا، بل مخيّرا بينه و بين الفدية، و كان الصوم أفضل؛ لقوله وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ (5) الآية، ثم نسخ بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (6).

قيل: و كان الصوم في بدء الإسلام أن يمسك بعد صلاة العشاء الآخرة، أو ينام إلى أن تغيب الشمس، فإذا غربت حلّ الأكل و الشرب إلى أن يصلّي العشاء أو ينام.

و صوم شهر رمضان واجب بالنص و الإجماع.

____________

(1) الزيادة أثبتناها من المصدر.

(2) البقرة: 183.

(3) البقرة: 185.

(4) أنظر: سنن البيهقي 4: 200 و 201.

(5) البقرة: 184.

(6) البقرة: 185.

7

الفصل الأول في النيّة

مسألة 1: شرط صحة الصوم: النيّة

، واجبا كان أو ندبا، رمضان كان أو غيره، بإجماع علمائنا- و به قال أكثر الفقهاء (1)- لقوله تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ (2).

و قوله (عليه السلام): (إنّما الأعمال بالنّيات) (3).

و قوله (عليه السلام): (من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (4).

و من طريق الخاصة: قول الرضا (عليه السلام): «لا عمل إلّا بنيّة» (5).

و لافتقار قضائه إلى النيّة، فكذا أداؤه كالصلاة.

و حكي عن زفر بن الهذيل و مجاهد و عطاء: أنّ صوم رمضان إذا تعيّن، بأن كان مقيما صحيحا، لا يفتقر إلى النيّة؛ لأنّه فرض مستحق لعينه، فأشبه

____________

(1) انظر: المجموع 6: 300، و المغني 3: 18.

(2) البيّنة: 5.

(3) صحيح البخاري 1: 2، سنن ابن ماجة 2: 1413- 4227، سنن أبي داود 2:

262- 2201، سنن البيهقي 7: 341.

(4) سنن الدار قطني 2: 171- 1، سنن البيهقي 4: 202 و 213.

(5) أمالي الطوسي 2: 202- 203، و المعتبر: 36.

8

ردّ الوديعة (1).

و الفرق: أنّ الوديعة حقّ الآدمي.

مسألة 2: الصوم إن كان معيّنا بأصل الشرع كرمضان، كفى فيه نيّة القربة

، و هو: أن ينوي الصوم لوجوبه متقربا إلى اللّه تعالى، لا غير، و لا يفتقر إلى التعيين، و هو: أن ينوي رمضان عند علمائنا- و به قال الشافعي في أحد قوليه (2)- لأنّ القصد من نيّة التعيين تمييز أحد الفعلين أو أحد وجهي الفعل الواحد عن الآخر، و لا يتحقّق التعدّد هنا؛ فإنّه لا يقع في رمضان غيره، فأشبه ردّ الوديعة.

و في الثاني للشافعي: أنّه يفتقر- و به قال مالك- لأنّه صوم واجب فيشترط فيه التعيين كالقضاء (3).

و ليس بجيّد؛ لعدم تعيّن زمان القضاء.

و قال أبو حنيفة بالاكتفاء إن كان مقيما (4).

و إن كان معيّنا لا بأصل الشرع، بل بالنذر و شبهه، قال السيد المرتضى (رحمه اللّه): تكفي فيه نية القربة كرمضان (5)- و به قال أبو حنيفة (6)- لأنّه زمان

____________

(1) المجموع 6: 300، حلية العلماء 3: 185، بدائع الصنائع 2: 83، الهداية للمرغيناني 1: 129، المبسوط للسرخسي 3: 59.

(2) المجموع 6: 294، فتح العزيز 6: 299.

(3) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 294 و 302، فتح العزيز 6: 292 و 293، حلية العلماء 3: 186، بداية المجتهد 1: 292، المغني 3: 26- 27، الشرح الكبير 3: 29.

(4) المبسوط للسرخسي 3: 60، بدائع الصنائع 2: 84، بداية المجتهد 1: 292، حلية العلماء 3: 187، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 292، المغني 3: 27- 28، الشرح الكبير 3: 30.

(5) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 53.

(6) بدائع الصنائع 2: 84، حلية العلماء 3: 187، فتح العزيز 6: 292، المجموع 6:

302.

9

تعيّن للصوم بالنذر، فأشبه رمضان.

و قال الشيخ: لا تكفي، بل لا بدّ فيه من نيّة التعيين (1)- و به قال الشافعي و مالك و أحمد (2)- لأنّه لم يتعيّن بأصل الشرع، فأشبه النذر المطلق. و هو ممنوع.

و إن لم يكن معيّنا كالنذور المطلقة و قضاء رمضان و صوم الكفّارات و صوم النافلة، فلا بدّ فيه من نيّة التعيين عند العلماء كافة؛ لأنّه زمان لا يتعيّن الصوم فيه، و لا يتحقّق وجهه، فاحتاج الى المخصّص.

فروع:

أ- لا بدّ من نية الفرض و إن كان الصوم معيّنا كرمضان

، و للشافعي قولان (3).

ب- ليس للمسافر أن يصوم رمضان بنيّة أنّه منه أو من غيره

؛ لأنّ الصوم في سفر القصر حرام، و لا يقع في رمضان غيره، للنهي عن الصوم، المقتضي للفساد، و به قال الشافعي و أكثر الفقهاء (4).

و قال أبو حنيفة: يقع عمّا نواه إذا كان واجبا (5).

و قال أبو يوسف و محمد: يقع عن رمضان (6).

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 278، الخلاف 2: 164، المسألة 4.

(2) المجموع 6: 302، حلية العلماء 3: 186، بداية المجتهد 1: 292، المغني 3:

26- 27، الشرح الكبير 3: 29.

(3) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 294- 295 و 302، فتح العزيز 6: 293، حلية العلماء 3: 187.

(4) الوجيز 1: 104، فتح العزيز 6: 441، المهذب للشيرازي 1: 196، المجموع 6:

263.

(5) بدائع الصنائع 2: 84، المبسوط للسرخسي 3: 61، الهداية للمرغيناني 1: 119، المجموع 6: 263، فتح العزيز 6: 441، حلية العلماء 3: 187.

(6) بدائع الصنائع 2: 84، المبسوط للسرخسي 3: 61، الهداية للمرغيناني 1: 119.

10

ج- لو نوى الحاضر في رمضان صوما مطلقا، وقع عن رمضان إجماعا.

و لو نوى غيره مع الجهل فكذلك؛ للاكتفاء بنية القربة في رمضان و قد حصلت، فلا تضرّ الضميمة، و مع العلم كذلك؛ لهذا الدليل، و يحتمل البطلان؛ لعدم قصد رمضان و المطلق فلا يقعان؛ لقوله (عليه السلام): (و إنّما لكلّ امرئ ما نوى) (1) و المقصود منهي في رمضان.

د- شرط النية الجزم،

فلو قال: أنا صائم غدا إن شاء اللّه؛ فإن قصد التبرّك أجزأ، و إلّا فلا.

و لو نوى قضاء رمضان أو تطوّعا، لم يصح؛ لعدم التعيين، فلا جزم في كلّ منهما.

و قال أبو يوسف: يقع عن القضاء؛ لعدم افتقار التطوّع إلى التعيين، فكأنّه نوى القضاء و صوما مطلقا (2).

و قال محمد: يقع تطوّعا- و به قال الشافعي (3)- لأنّ زمان القضاء يصلح للتطوّع، فإذا سقطت نيّة الفرض بالتشريك، بقيت نيّة الصوم، فوقع تطوّعا (4).

و كلاهما ضعيف.

مسألة 3: وقت النيّة في المعيّن كرمضان و النذر المعيّن: من أول الليل إلى أن يطلع الفجر

، و لا يجوز تأخيرها عن الطلوع مع العلم، فيفسد صومه إذا أخّر عامدا؛ لمضيّ جزء من النهار بغير نيّة، و الصوم لا يتبعّض، و يجب عليه الإمساك.

و لو تركها ناسيا أو لعذر، جاز تجديدها الى الزوال؛ لأنّ أعرابيّا جاء الى

____________

(1) صحيح البخاري 1: 2، سنن أبي داود 2: 262- 2201، و سنن البيهقي 7: 341.

(2) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 188.

(3) المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 188.

(4) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 188.

11

النبي (عليه السلام)، و قد أصبح الناس يوم الشك، فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي (عليه السلام) مناديا ينادي: من لم يأكل فليصم، و من أكل فليمسك (1)، و إذا جاز مع العذر- و هو الجهل- جاز مع النسيان.

و قال الشافعي: لا يجزئ الصيام إلّا بنيّة من الليل في الواجب كلّه، المعيّن و غيره؛ و به قال مالك و أحمد (2)- و في جواز مقارنة النيّة لطلوع الفجر عنده وجهان (3)- لقوله (عليه السلام): (لا صيام لمن لم يبيّت الصيام قبل الفجر) (4).

و نقول بموجبه في العمد.

و قال أبو حنيفة: يصحّ صوم رمضان بنيّة قبل الزوال، و كذا كلّ صوم معيّن بالقياس على التطوّع (5).

و الفرق: المسامحة في التطوّع تكثيرا له حيث قد يبدو له الصوم في النهار، و لو شرطت النيّة ليلا لمنع منه.

فروع:

أ- لو نوى أيّ وقت كان من الليل أجزأ؛

لقوله (عليه السلام): (لا صيام

____________

(1) أورده المحقق في المعتبر: 299، و السرخسي في المبسوط 3: 62.

(2) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 289- 290 و 301، حلية العلماء 3: 186، فتح العزيز 6: 302، الكافي في فقه أهل المدينة: 120، بداية المجتهد 1: 293، المغني 3: 18، الشرح الكبير 3: 26.

(3) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 290، فتح العزيز 6: 304، حلية العلماء 3: 186.

(4) سنن الدار قطني 2: 172- 1، سنن الدارمي 2: 7، سنن النسائي 4: 196، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.

(5) بدائع الصنائع 2: 85، المبسوط للسرخسي 3: 62، المجموع 6: 301، فتح العزيز 6: 302- 303، حلية العلماء 3: 186، بداية المجتهد 1: 293، المغني 3: 18، الشرح الكبير 3: 26.

12

لمن لم يبيّت الصيام من الليل) (1) و هو عام.

و قال بعض الشافعية: إنّما تصح النية في النصف الثاني منه دون الأول؛ لاختصاصه بأذان الصبح و الدفع من مزدلفة (2).

و الفرق: جوازهما بعد الصبح، فلا يفضي منعهما في الأول إلى فواتهما، بخلاف النيّة؛ فإنّ أكثر الناس قد لا ينتبه في النصف الثاني، و لا يذكر الصوم.

ب- تجوز مقارنة النيّة لطلوع الفجر؛ لأنّ محلّ الصوم النهار،

و النيّة مقارنة.

و قال بعض الشافعية: يجب تقديمها على الفجر (3)؛ لقوله (عليه السلام): (من لم يجمع قبل الفجر فلا صيام له) (4).

و لا حجّة فيه؛ لأنّ المقارنة متعذّرة غالبا، و التأخير ممنوع منه، فتعيّن السبق؛ لإزالة مشقّة ضبط المقارنة، و مع فرض وقوعها يجب الإجزاء.

ج- يجوز أن يفعل بعد النيّة ما ينافي الصوم إلى قبل الفجر،

و أن ينام بعد النيّة؛ لقوله تعالى وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ (5) خلافا لأبي إسحاق من الشافعية (6).

د- لو نوى الصوم في رمضان، ثم نوى الخروج منه بعد انعقاده،

لم

____________

(1) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.

(2) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 290 و 291، فتح العزيز 6: 305.

(3) المهذب للشيرازي 1: 187، المجموع 6: 290، فتح العزيز 6: 304- 305.

(4) سنن أبي داود 2: 329- 2454، سنن البيهقي 4: 202، سنن الترمذي 3:

108- 730، سنن الدار قطني 2: 172- 3.

(5) البقرة: 187.

(6) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 291، فتح العزيز 6: 307- 308، حلية العلماء 3: 186.

13

يبطل عند الشيخ (1) و الشافعي في أحد قوليه؛ لانعقاده أوّلا، فلا يبطل بغير المفطر.

و في الآخر: يبطل؛ لمضي جزء من النهار بغير نيّة فعلا و قوّة، و لا عمل إلّا بنيّة (2).

هلو شك هل يخرج أم لا، لم يخرج؛ لأنّه لا يخرج مع الجزم، فمع الشك أولى،

و للشافعية وجهان (3).

و- لو نوى أنّه يصوم غدا من رمضان لسنة تسعين، و كانت إحدى و تسعين، صحّ- خلافا لبعض الشافعية (4)- لوجود الشرط، فلا يؤثّر الغلط، كما لو نوى الثلاثاء فبان الأربعاء.

و لو كان عليه قضاء اليوم الأول، فنوى قضاء الثاني، أو كان عليه يوم من سنة خمس، فنواه من سنة ست، لم يصح؛ لأنّه صوم لا يتعيّن بزمان، فلا بدّ فيه من النيّة، و الذي عليه لم ينوه.

مسألة 4: الواجب غير المعيّن كالقضاء و النذر المطلق، يستمر وقت النيّة فيه إلى الزوال

إذا لم يفعل المنافي نهارا؛ لعدم تعيّن زمانه، فجاز تجديد النيّة إلى الزوال، كالنافلة.

و لأنّ هشام بن سالم قال للصادق (عليه السلام): الرجل يصبح لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار، حدث له رأي في الصوم، فقال: «إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس، حسب له يوم، و إن نواه بعد الزوال، حسب له من الوقت الذي نوى» (5).

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 278.

(2) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 187.

(3) المجموع 6: 297.

(4) و هو القاضي أبو الطيب كما في حلية العلماء 3: 189.

(5) التهذيب 4: 188- 528.

14

و سأل صالح بن عبد اللّه، الكاظم (عليه السلام)، عن رجل جعل اللّه عليه صيام شهر فيصبح و هو ينوي الصوم، ثم يبدو له فيفطر، و يصبح و هو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم، فقال: «هذا كلّه جائز» (1).

و سأل عبد الرحمن بن الحجاج، الكاظم (عليه السلام)، عن الرجل يصبح لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صوما، و كان عليه يوم من شهر رمضان، إله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار؟ فقال: «نعم، له أن يصوم و يعتدّ له من شهر رمضان» (2).

و قال أبو حنيفة: لا يجزئ إلّا من الليل، و به قال الفقهاء (3)؛ لقوله (عليه السلام): (من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له) (4).

و المقصود منه المعيّن؛ لأنّه مخصوص بالنافلة، فكذا غير المعيّن.

مسألة 5: وقت النيّة لصوم النافلة من الليل، و يمتدّ الى الزوال

. (و بجواز التجديد بالنهار قال) (5) ابن مسعود و حذيفة و سعيد بن المسيّب و سعيد بن جبير و النخعي و الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي (6).

و وافقنا على امتداده الى الزوال خاصة، أبو حنيفة و الشافعي في أحد قوليه، و أحمد في إحدى الروايتين (7)؛ لأنّ النبي (عليه السلام)، دخل على

____________

(1) التهذيب 4: 187- 523.

(2) التهذيب 4: 187- 526.

(3) بدائع الصنائع 2: 85 و 86، الكتاب- للقدوري- بشرح الميداني 1: 163، المجموع 6: 301، المغني 3: 18، الشرح الكبير 3: 26.

(4) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202.

(5) بدل ما بين القوسين في «ط» و الطبعة الحجرية هكذا: و يجوز التجديد بالنهار، قاله.

(6) المغني 3: 29، الشرح الكبير 3: 33، المجموع 6: 302، حلية العلماء 3: 190، بدائع الصنائع 2: 85.

(7) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 310- 312، حلية العلماء 3: 190، المغني 3: 31، الشرح الكبير 3: 35.

15

عائشة يوما، فقال: (هل عندكم شيء؟) قلنا: لا، قال: (فإنّي إذن صائم) (1).

و نحوه من طريق الخاصة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2).

و قال مالك: تجب النيّة من الليل، بمعنى أنّه لا يصح الصوم إلّا بنيّة من الليل- و به قال داود و المزني، و هو مروي عن عبد اللّه بن عمر (3)- لقوله (عليه السلام): (لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل) (4).

و لتساوي نيّة فرض الصلاة و نفلها في الوقت، فكذا الصوم.

و الحديث مخصوص بالناسي و المعذور، و حديثنا أخصّ.

و الفرق: أنّ النيّة مع أول الصلاة في النفل لا يؤدّي الى تقليلها، بخلاف الصوم.

و قال السيد المرتضى (5) و أكثر علمائنا (6) و الشافعي في قول (7): إنّ النيّة في النفل تمتدّ بامتداد النهار؛ لتناول الأحاديث السابقة له.

و سأل هشام بن سالم، الصادق (عليه السلام): الرجل يصبح لا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار، حدث له رأي في الصوم، فقال: «إن هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس، حسب له يومه، و إن نواه بعد الزوال، حسب

____________

(1) صحيح مسلم 2: 809- 170، سنن أبي داود 2: 329- 2455، سنن الترمذي 3:

111- 733، سنن النسائي 4: 193، سنن البيهقي 4: 203.

(2) التهذيب 4: 188- 531.

(3) بداية المجتهد 1: 293، الكافي في فقه أهل المدينة: 120 و 121، المغني 3: 29، الشرح الكبير 3: 33، فتح العزيز 6: 310- 311، المجموع 6: 302، حلية العلماء 3: 191، معالم السنن- للخطّابي- بهامش مختصر سنن أبي داود 3: 334.

(4) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.

(5) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 53- 54.

(6) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 278.

(7) الوجيز 1: 101، فتح العزيز 6: 311، حلية العلماء 3: 191.

16

له من الوقت الذي نوى» (1) و لو صحّ الصوم من أول النهار لحسب له.

مسألة 6: جوّز الشيخ تقديم نيّة رمضان خاصة بيوم أو أيّام

، إن عرض له ليلة الصيام سهو أو نوم أو إغماء، أجزأته النيّة السابقة، و إلّا فلا بدّ له من تجديدها (2)؛ لأنّ اقتران النيّة بالفعل غير شرط إجماعا، و لهذا جاز تجديد الناقض بعدها قبل الفجر، فجاز تقدّمها قبل الهلال بيوم أو أيّام؛ لتقارب الزمان.

و الوجه: عدم الجواز؛ لقوله (عليه السلام): (لا صيام لمن لم يبيّت الصيام من الليل) (3) و أجزأ من أوله؛ لعسر ضبط آخره.

مسألة 7: جوّز أصحابنا في رمضان صومه بنيّة واحدة في أوله لصومه أجمع

، و لا يحتاج إلى تجديد النيّة كلّ ليلة، بخلاف غيره- و به قال مالك و أحمد في إحدى الروايتين، و إسحاق و زفر (4)- لأنّه نوى في زمان يصلح جنسه لنيّة الصوم، لا يتخلّل بينه و بين فعله زمان يصلح جنسه لصوم سواه، فأجزأه، كما لو نوى اليوم الأول من ليلته.

و قال أبو حنيفة و الشافعي و أحمد في رواية: إنّه لا بدّ من تجديد النيّة كلّ يوم كغير رمضان (5).

و هو الوجه؛ لأنّها عبادات متعدّدة لا يبطل بعضها بفساد البعض، بخلاف الصلاة الواحدة و اليوم الواحد.

____________

(1) التهذيب 4: 188- 528.

(2) المبسوط للطوسي 1: 276.

(3) سنن النسائي 4: 197، سنن البيهقي 4: 202 بتفاوت.

(4) الكافي في فقه أهل المدينة: المغني 3: 23، الشرح الكبير 3: 28، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 291، حلية العلماء 3: 185 و 186.

(5) بدائع الصنائع 2: 85، المجموع 6: 302، فتح العزيز 6: 291، حلية العلماء 3:

185، المغني 3: 23، الشرح الكبير 3: 28.

17

و ادّعى الشيخ و السيد المرتضى الإجماع (1) (2).

مسألة 8: يستحب صوم (3) يوم الشك من شعبان إذا لم ير الهلال

، و لا يكره صومه، سواء كان هناك مانع من الرؤية كالغيم و شبهه، أو لم يكن- و به قال أبو حنيفة و مالك (4)- لأنّ عليّا (عليه السلام) قال: «لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من رمضان» (5).

و من طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): «صمه فإن يك من شعبان كان تطوّعا، و إن يك من شهر رمضان فيوم وفّقت له» (6).

و لأنّ الاحتياط يقتضي صومه، فلا وجه للكراهية.

و قال شيخنا المفيد (رحمه اللّه): إنّما يستحب مع الشك في الهلال لا مع الصحو و ارتفاع الموانع، و يكره مع الصحو و ارتفاع الموانع، إلّا لمن كان صائما قبله (7)- و به قال الشافعي و الأوزاعي (8)- لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله)، نهى عن صيام ستة أيام: اليوم الذي يشك فيه من رمضان (9).

و يحمل على النهي عن صومه من رمضان.

و قال أحمد: إن كانت السماء مصحية، كره صومه، و إن كانت مغيمة، وجب صومه، و يحكم بأنّه من رمضان- و هو مروي عن ابن عمر- لأنّ النبي

____________

(1) أي: الإجماع على إجزاء نيّة واحدة لصوم جميع شهر رمضان.

(2) الخلاف 2: 163- 164، المسألة 3، الانتصار: 61- 62.

(3) في «ط، ن»: صيام.

(4) الهداية للمرغيناني 1: 119، المجموع 6: 404 و 421، حلية العلماء 3: 213.

(5) الفقيه 2: 79- 348، سنن البيهقي 4: 211.

(6) الكافي 4: 82- 5، الفقيه 2: 79- 350، التهذيب 4: 181- 504، الاستبصار 2: 78- 236.

(7) حكاه عنه المحقّق في المعتبر: 300.

(8) المجموع 6: 400 و 404، حلية العلماء 3: 213.

(9) سنن الدار قطني 2: 157- 6.

18

(عليه السلام) قال: (إنّما الشهر تسعة و عشرون يوما، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، و لا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فاقدروا له) (1).

و معنى الإقدار: التضييق، بأن يجعل شعبان تسعة و عشرين (2).

و قد سبق أنّ النهي عن الصوم من رمضان، و معارض بقوله (عليه السلام):

(صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته، فإنّ غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (3).

و قال الحسن و ابن سيرين: و إن صام الإمام صاموا، و إن أفطر أفطروا و هو مروي عن أحمد (4)؛ لقوله (عليه السلام): (الصوم يوم تصومون، و الفطر يوم تفطرون، و الأضحى يوم تضحّون) (5).

فروع:

أ- لو نوى أنّه يصومه من رمضان، كان حراما،

و لم يجزئه لو خرج منه؛ لدلالة النهي على الفساد.

قال مولانا زين العابدين (عليه السلام) عن يوم الشك: «أمرنا بصيامه، و نهينا عنه، أمرنا أن يصومه الإنسان على أنّه من شعبان، و نهينا عن أن يصومه على أنّه من شهر رمضان» (6).

____________

(1) صحيح مسلم 2: 759- 6، سنن الدارمي 2: 4، سنن البيهقي 4: 204، مسند أحمد 2: 5

(2) المغني 3: 13- 16، الشرح الكبير 3: 5- 6، فتح العزيز 6: 412، المجموع 6:

403.

(3) صحيح البخاري 3: 35.

(4) المغني 3: 13، الشرح الكبير 3: 6، المجموع 6: 403، حلية العلماء 3: 179.

(5) سنن الترمذي 3: 80- 697.

(6) المعتبر: 300، و بتفاوت يسير في الكافي 4: 85- 1، و الفقيه 2: 47- 208، و التهذيب 4: 296- 895.

19

و لو نواه ندبا على أنّه من شعبان، أجزأ عنه و إن خرج من رمضان؛ لأنّه أتى بالمأمور به على وجهه، فكان مجزئا عن الواجب؛ لأنّ رمضان لا يقع فيه غيره، و نيّة الوجوب ساقطة، للعذر.

و لو نوى أنّه واجب أو ندب و لم يعيّن، لم يصحّ صومه، و لم يجزئه لو خرج من رمضان، إلّا أن يجدّد النيّة قبل الزوال.

و لو نوى أنّه من رمضان، فثبت الهلال قبل الزوال، جدّد النيّة، و أجزأه، لبقاء محلّ النيّة.

و لو نوى أنّه إن كان من رمضان فهو واجب، و إن كان من شعبان فندب، لم يصحّ- و هو أحد قولي الشيخ (1) (رحمه اللّه)، و به قال الشافعي (2)- لأنّ شرط النيّة الجزم و لم يحصل.

و للشيخ قول آخر: الإجزاء لو بان من رمضان؛ لأنّه نوى الواقع على التقديرين على وجههما، و لأنّه نوى القربة و هي كافية (3).

ب- لو نوى الإفطار لاعتقاد أنّه من شعبان، فبان من رمضان قبل الزوال و لم يتناول، نوى الصوم الواجب،

و أجزأه؛ لبقاء محلّ النيّة، و الجهل عذر، فأشبه النسيان.

و لو بان بعد الزوال، أمسك بقية نهاره، و وجب عليه القضاء، و به قال أبو حنيفة (4).

و الشافعي أوجب القضاء في الموضعين (5).

____________

(1) انظر: النهاية: 151.

(2) المجموع 6: 295- 296، فتح العزيز 6: 323- 324.

(3) الخلاف 2: 179، المسألة 22، المبسوط للطوسي 1: 277.

(4) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 179، المسألة 20.

(5) المجموع 6: 271، فتح العزيز 6: 436، حلية العلماء 3: 179.

20

و قال عطاء: يأكل بقية يومه؛ و هو رواية عن أحمد (1)، و لم يقل به غيرهما.

و لو أصبح بنيّة صوم شعبان، فبان أنّه من رمضان، نقل النيّة اليه و لو قبل الغروب، و أجزأه.

ج- لو أخبره عدل واحد برؤية الهلال، و أوجبنا الشاهدين، فنوى أنّه من رمضان، لم يجزئه لو بان منه.

و لو كان عارفا بحساب التسيير، أو أخبره العارف بالهلال، لم يصح بنيّة رمضان؛ لأنّ ذلك ليس طريقا الى ثبوت الأهلّة في نظر الشرع و إن أفاد الظنّ.

د- لو نوى ليلة الثلاثين من رمضان أنّه إن كان غدا من رمضان فإنّه صائم،

و إن كان من شوّال فهو مفطر، قال بعض الشافعية: يصحّ؛ لأصالة بقاء الشهر (2).

و يبطل؛ لعدم الجزم.

و لو نوى أنّه يصومه عن رمضان أو نافلة، لم يصحّ إجماعا.

هلو نوى يوم الشك عن فرض عليه، أجزأه من غير كراهة،

خلافا لبعض الشافعية (3).

و- صوم الصبي شرعي، و ينعقد بنيّته (4)،

فإن بلغ قبل الزوال بغير المبطل، وجب عليه تجديد نيّة الفرض، و إلّا فلا

.

____________

(1) المغني 3: 74، الشرح الكبير 3: 15.

(2) المجموع 6: 296، فتح العزيز 6: 326- 327.

(3) المهذب للشيرازي 1: 195، المجموع 6: 399، فتح العزيز 6: 414، حلية العلماء 3: 213.

(4) في النسخ الخطية: و تنعقد نيّته. و ما أثبتناه من الطبعة الحجرية.

21

الفصل الثاني فيما يمسك عنه الصائم

و هو أمور:

الأول: يجب الإمساك عن الأكل و الشرب نهارا من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس

بالنصّ و الإجماع.

قال اللّه تعالى وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (1).

و لا فرق بين المعتاد و غيره عند علمائنا، سواء يغذّى به أو لا- و هو قول عامة أهل العلم (2)- للعموم، و لأنّ حقيقة الصوم الإمساك، و هو غير متحقّق مع تناول غير المعتاد.

و قال الحسن بن صالح بن حي: لا يفطر بما ليس بطعام و لا بشراب (3).

و كان أبو طلحة الأنصاري يأكل البرد في الصوم، و يقول: ليس بطعام و لا شراب (4).

____________

(1) البقرة: 187.

(2) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38.

(3) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38، حلية العلماء 3: 195، المجموع 6: 317.

(4) المغني 3: 37، الشرح الكبير 3: 38، المجموع 6: 317، و مسند أحمد 3: 279.

22

و قال أبو حنيفة: لو ابتلع حصاة أو فستقة بقشرها، لم تجب الكفّارة (1)؛ فاعتبر في إيجاب الكفّارة ما يتغذّى به أو يتداوى به، و هو مذهب السيد المرتضى (2).

و الكلّ باطل بما تقدّم.

فروع:

أ- بقايا الغذاء المتخلّفة بين أسنانه إن ابتلعها عامدا نهارا، فسد صومه،

سواء أخرجها من فمه أو لا؛ لأنّه ابتلع طعاما عامدا فأفطر، كما لو أكل.

و قال احمد: إن كان يسيرا لا يمكنه التحرّز منه فابتلعه، لم يفطر، و إن كان كثيرا أفطر (3).

و قال الشافعي: إن كان ممّا يجري به الريق، و لا يتميّز عنه، فبلعه مع ريقه، لم يفطره، و إن كان بين أسنانه شيء من لحم أو خبز حصل في فيه، متميّزا عن الريق، فابتلعه مع ذكره للصوم، فسد صومه (4).

و قال أبو حنيفة: لا يفطر به؛ لأنّه لا يمكنه التحرّز منه، فأشبه ما يجري به الريق (5).

و هو خلاف الفرض، فإنّه مع عدم إمكان التحرّز عنه عفو.

ب- الريق إذا جرى على حلقه على ما جرت العادة به، لا يفطر؛

لعدم إمكان التحرّز منه.

و كذا لو جمعه في فيه ثم ابتلعه، و هو أحد قولي الشافعي، و في الآخر:

____________

(1) المبسوط للسرخسي 3: 100 و 138، المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 198.

(2) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.

(3) المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49- 50.

(4) المجموع 6: 317، فتح العزيز 6: 394- 395، حلية العلماء 3: 194.

(5) المبسوط للسرخسي 3: 93، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 50، المجموع 6:

317.

23

يفطر (1).

أمّا لو خرج من فيه بين أصابعه أو ثوبه، ثم ابتلعه، فإنّه يفطر.

و لو أخرج حصاة و شبهها من فيه و عليها بلّة من الريق، ثم أعاده و عليه الريق، و ابتلع الريق، أفطر، خلافا لبعض الجمهور (2).

و لو ابتلع ريق غيره، أفطر.

و لو أبرز لسانه و عليه ريق، ثم ابتلعه، لم يفطر؛ لعدم انفصاله عن محلّه.

ج- لو ابتلع النخامة المجتلبة من صدره أو رأسه، لم يفطر؛

لأنّه معتاد في الفم، غير واصل من خارج، فأشبه الريق، و لعموم البلوى به.

و قول الصادق (عليه السلام): «لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته» (3).

و قال الشافعي: يفطر- و عن أحمد روايتان (4)- لأنّه يمكن الاحتراز منه، فأشبه القيء (5).

و نمنع الصغرى.

د- حكم الازدراد حكم الأكل،

فلو ابتلع المعتاد و غيره، أبطل صومه.

الثاني: الجماع،

و قد أجمع العلماء كافة على إفساد الصوم بالجماع الموجب للغسل في قبل المرأة؛ للآية (6)، سواء أنزل أو لم ينزل.

و لو وطأ في الدّبر فأنزل، فسد صومه إجماعا، و لو لم ينزل، فالمعتمد

____________

(1) المجموع 6: 318، فتح العزيز 6: 391، حلية العلماء 3: 194.

(2) المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74.

(3) الكافي 4: 115 (باب في الصائم يزدرد نخامته ..) الحديث 1، التهذيب 4:

323- 995.

(4) المغني 3: 41، الشرح الكبير 3: 74- 75.

(5) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 315، حلية العلماء 3: 194، المغني 1:

41، الشرح الكبير 1: 74- 75.

(6) البقرة: 187.

24

عليه الإفساد؛ لأنّه جماع في محلّ الشهوة، فأشبه القبل.

و لو جامعها في غير الفرجين، أفسد مع الإنزال، و إلّا فلا.

و لا فرق بين وطء الحيّة و الميتة، و لا بين الغلام و المرأة، و الموطوء كالواطئ.

و لو وطأ الدابة فأنزل، أفسد، و إلّا فلا.

الثالث: الإنزال نهارا عمدا مفسد،

سواء كان باستمناء أو ملامسة أو ملاعبة أو قبلة إجماعا؛ لأنّ الصادق (عليه السلام)، سئل عن الرجل يضع يده على شيء من جسد امرأة فأدفق، فقال: «كفّارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة» (1).

و لو نظر إلى ما لا يحلّ النظر اليه عامدا بشهوة فأمنى، قال الشيخ:

عليه القضاء (2).

و لو كان نظره الى ما يحلّ له النظر إليه فأمنى، لم يكن عليه شيء.

و لو أصغى أو تسمّع الى حديث فأمنى، لم يكن عليه شيء؛ عملا بأصالة البراءة.

و قال الشافعي و أبو حنيفة و الثوري: لا يفسد الصوم بالإنزال عقيب النظر مطلقا؛ لأنّه إنزال من غير مباشرة، فأشبه الإنزال بالفكر (3).

و قال أحمد و مالك و الحسن البصري و عطاء: يفسد به الصوم مطلقا؛ لأنّه إنزال بفعل يتلذّذ به، و يمكن التحرّز عنه، فأشبه الإنزال باللمس (4).

و لو أنزل من غير شهوة- كالمريض- عمدا، أفسد صومه.

____________

(1) التهذيب 4: 320- 981.

(2) المبسوط للطوسي 1: 272.

(3) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 322، حلية العلماء 3: 196، المغني 3:

49، الشرح الكبير 3: 43، المبسوط للسرخسي 3: 70.

(4) المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 43، حلية العلماء 3: 196، المدونة الكبرى 1:

199.

25

و لو قلنا بالإفساد بالنظر، فلا فرق بين التكرار و عدمه، و به قال مالك (1).

و قال أحمد: لا يفسد إلّا بالتكرار (2).

و لو فكّر فأمنى لم يفطر، و به قال الشافعي (3).

و قال أصحاب مالك: يفطر (4).

و تكره القبلة للشاب الذي تحرّك القبلة شهوته، و لا تكره لمن يملك إربه (5)؛ لأنّ النبي (عليه السلام)، كان يقبّل و هو صائم، و كان أملك الناس لإربه (6).

و لو أمذى بالتقبيل، لم يفطر عند علمائنا، و به قال أبو حنيفة و الشافعي، و هو مروي عن الحسن و الشعبي و الأوزاعي (7).

و قال مالك و أحمد: يفطر (8).

الرابع: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق اختيارا،

كغبار الدقيق و النفض، مفسد للصوم- خلافا للجمهور (9)- لأنّه أوصل إلى الجوف ما ينافي الصوم.

____________

(1) المدونة الكبرى 1: 199، المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 44، المجموع 6: 322، فتح العزيز 6: 396، حلية العلماء 3: 204.

(2) المغني 3: 49، الشرح الكبير 3: 43 و 44.

(3) المجموع 6: 322، فتح العزيز 6: 396.

(4) التفريع 1: 305، فتح العزيز 6: 396، و فيه: و عن أصحابه (مالك) في الفكر اختلاف.

(5) الإرب و الإربة: الحاجة. لسان العرب 1: 208، الصحاح 1: 87.

(6) صحيح البخاري 3: 39، صحيح مسلم 2: 777- 66، سنن أبي داود 2:

311- 2382، سنن البيهقي 4: 233.

(7) المجموع 6: 323، حلية العلماء 3: 196، المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 34.

(8) المدونة الكبرى 1: 196، المجموع 6: 323، المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 34، حلية العلماء 3: 196.

(9) المغني 3: 40، الشرح الكبير 3: 48- 49، المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 327، المبسوط للسرخسي 3: 98.

26

و لأنّ سليمان بن جعفر (1) سمعه يقول: «إذا شمّ رائحة غليظة، أو كنس بيتا، فدخل في أنفه و حلقه غبار؛ فإنّ ذلك له فطر، مثل الأكل و الشرب و النكاح» (2).

و لو كان مضطرّا أو لم يشعر به، لم يفطر إجماعا.

الخامس: من أجنب ليلا و تعمّد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر من غير ضرورة و لا عذر،

فسد صومه عند علمائنا، و به قال أبو هريرة و سالم ابن عبد اللّه و الحسن البصري و طاوس و عروة، و به قال الحسن بن صالح بن حي و النخعي في الفرض خاصّة (3)؛ لقوله (عليه السلام): (من أصبح جنبا فلا صوم له) (4).

و من طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام)، في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمّدا حتى أصبح، قال: «يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا» (5).

و قال الجمهور: لا يفسد الصوم (6)؛ للآية (7).

و لقول عائشة: أشهد على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، أن كان

____________

(1) في المصدر: سليمان بن حفص المروزي.

(2) التهذيب: 4: 214- 621، الاستبصار 2: 94- 305 بتفاوت يسير في الأخير.

(3) المغني 3: 78- 79، الشرح الكبير 3: 54، المجموع 6: 307- 308، حلية العلماء 3: 192- 193.

(4) أورده الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 174، المسألة 13، و الرافعي في فتح العزيز 6:

424، و في مسند احمد 2: 248 بتفاوت يسير.

(5) التهذيب 4: 212- 616، الإستبصار 2: 87- 272.

(6) المغني 3: 78، الشرح الكبير 3: 54، المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6:

307، حلية العلماء 3: 192، المدونة الكبرى 1: 206، بدائع الصنائع 2: 92.

(7) و هي قوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ البقرة: 187.

27

ليصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصومه (1).

و لا دلالة في الآية؛ لعود الغاية إلى الجملة القريبة.

و الحديث ممنوع، و محمول على القرب من الصباح؛ لمواظبته (عليه السلام)، على أداء الفرائض في أول وقتها.

فروع:

أ- لو طلع عليه الفجر و هو مجامع، نزع من غير تلوّم،

و وجب القضاء إن لم يراع الفجر، و لو نزعه بنيّة الجماع فكالمجامع.

و لو راعى الفجر، و لم يظنّ قربه، ثم نزع مع أول طلوعه، لم يفسد صومه؛ لأنّ النزع ترك الجماع، و به قال الشافعي و أبو حنيفة (2).

و قال مالك و أحمد و المزني و زفر: يبطل صومه (3).

و أوجب أحمد الكفّارة (4).

ب- لو طلع الفجر و في فمه طعام، لفظه،

فإن ابتلعه، فسد صومه.

ج- قال ابن أبي عقيل: إنّ الحائض و النفساء لو طهرتا ليلا،

و تركتا الغسل حتى يطلع الفجر عمدا، وجب القضاء خاصة.

السادس: لو أجنب ليلا، ثم نام ناويا للغسل حتّى أصبح، صحّ صومه.

و لو لم ينو، فسد صومه، و عليه القضاء- خلافا للجمهور (5)- لما تقدّم من اشتراط الطهارة في ابتدائه، و بنومه قد فرّط في تحصيل الشرط.

و لو أجنب فنام على عزم ترك الغسل حتى طلع الفجر، فهو كالتارك

____________

(1) صحيح البخاري 3: 40، و سنن البيهقي 4: 214.

(2) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 309 و 311، فتح العزيز 6: 403، حلية العلماء 3: 193، المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67.

(3) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6:

309 و 311، فتح العزيز 6: 403- 404، حلية العلماء 3: 193.

(4) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المجموع 6: 311.

(5) المغني 3: 78، الشرح الكبير 3: 54، المجموع 6: 307.

28

للغسل عمدا.

و لو أجنب ثم نام ناويا للغسل حتى طلع الفجر، فلا شيء عليه، فإن استيقظ ثم نام حتى يطلع الفجر، وجب القضاء خاصة؛ لأنّ معاوية بن عمّار سأل الصادق (عليه السلام): الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان، قال: «ليس عليه شيء» قلت: فإنّه استيقظ ثم نام حتى أصبح، قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة» (1).

و لو احتلم نهارا في رمضان من غير قصد، لم يفطر، و جاز له تأخير الغسل إجماعا.

السابع: القيء عمدا مبطل للصوم

عند أكثر علمائنا (2)، و هو قول عامة العلماء (3)؛ لقوله (عليه السلام): (من ذرعه القيء و هو صائم فليس عليه قضاء، و من استقاء فليقض) (4).

و من طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): «إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر، و إن ذرعه من غير أن يتقيّأ فليتم صومه» (5).

و قال السيد المرتضى و ابن إدريس: لا يفسد صومه (6)- و به قال عبد اللّه ابن عباس و ابن مسعود (7)- لقوله (عليه السلام): (لا يفطر من قاء) (8).

____________

(1) التهذيب 4: 212- 615، الاستبصار 2: 87- 271.

(2) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 154- 155، و المبسوط 1: 271- 272، و أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 183، و القاضي ابن البراج في المهذب 1: 192، و المحقق في المعتبر: 303، و شرائع الإسلام 1: 192.

(3) المغني 3: 54، الشرح الكبير 3: 41، المجموع 6: 319- 320.

(4) سنن أبي داود 2: 310- 2380، سنن البيهقي 4: 219.

(5) الكافي 4: 108- 2، التهذيب 4: 264- 791.

(6) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54، السرائر: 88.

(7) المغني 3: 54، الشرح الكبير 3: 41، المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 195.

(8) سنن أبي داود 2: 310- 2376، سنن البيهقي 4: 220.

29

و نقول بموجبه فيما إذا ذرعه.

أمّا لو ذرعه القيء فإنّه لا يفطر بإجماع العلماء.

و حكي عن الحسن البصري في إحدى الروايتين عنه: أنّه يفطر (1). و هو غلط.

الثامن: اختلف علماؤنا في الاحتقان بالمائعات هل هو مفسد أم لا؟

للشيخ قولان:

أحدهما: الإفساد (2)- و به قال الشافعي و أبو حنيفة و أحمد (3)- لقول الرضا (عليه السلام): «الصائم لا يجوز له أن يحتقن» (4).

و لأنّه أوصل إلى جوفه ما يصلح بدنه و هو ذاكر للصوم، فأشبه الأكل.

و الثاني: لا يفسد (5)- و به قال الحسن بن صالح بن حي و داود (6)- لأنّ الحقنة لا تصل إلى المعدة، و لا الى موضع الاغتذاء، فلا يؤثّر فسادا، كالاكتحال، و لا يجري في مجرى الاغتذاء، فلا يفسد الصوم، كالاكتحال.

و قال مالك: يفطر بالكثير منها دون القليل (7).

____________

(1) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 196.

(2) الخلاف 2: 213، المسألة 73، الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 213، المبسوط للطوسي 1: 271- 272.

(3) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 313 و 320، فتح العزيز 6: 363، حلية العلماء 3: 194، بدائع الصنائع 2: 93، المبسوط للسرخسي 3: 67، المغني و الشرح الكبير 3: 39.

(4) الفقيه 2: 69- 292، التهذيب 4: 204- 589، الاستبصار 2: 83- 256، و الكافي 4: 110- 3 و فيه مضمرا.

(5) انظر: النهاية: 156، و الاستبصار 2: 83- 84.

(6) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 194.

(7) حكاه الشيخ الطوسي في الخلاف 2: 213، المسألة 73، و المحقّق في المعتبر:

302- 303، و انظر: الكافي في فقه أهل المدينة: 126، و فتح العزيز 6: 363، و حلية العلماء 3: 195.

30

أمّا الاحتقان بالجامد: فإنّه مكروه لا يفسد به الصوم، خلافا للجمهور؛ فإنّهم لم يفرّقوا بين المائع و الجامد (1)، و به قال أبو الصلاح و ابن البراج (2).

فروع:

أ- لو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه، أفسد صومه عند الشيخ (3)،

و به قال الشافعي و أبو حنيفة و أحمد (4).

و قال مالك: لا يفطر (5)، و به قال أبو يوسف و محمد (6)، و هو الوجه.

ب- لو جرح نفسه برمح فوصل إلى جوفه، أو أمر غيره بذلك،

قال الشيخ: يفسد صومه (7)، و به قال الشافعي (8).

و الوجه: أنّه لا يفسد، و به قال أبو يوسف و محمد (9).

ج- لو قطّر في اذنه دهنا أو غيره، لم يفطر؛

للأصل.

و لأنّ ابن أبي يعفور سأل الصادق (عليه السلام)، عن الصائم يصب الدواء

____________

(1) انظر المصادر في الهامش (3) من الصفحة 29.

(2) الكافي في الفقه: 183، المهذّب- للقاضي ابن البراج- 1: 192.

(3) حكاه عن مبسوط الشيخ، المحقق في المعتبر: 303 و لم نجده فيه.

(4) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 362، حلية العلماء 3: 195، المبسوط للسرخسي 3: 68، بدائع الصنائع 2: 93، المغني و الشرح الكبير 3: 39.

(5) حكاه عنه النووي في المجموع 6: 320، و القفّال الشاشي في حلية العلماء 3: 195، و انظر: المدوّنة الكبرى 1: 198.

(6) المبسوط للسرخسي 3: 68، بدائع الصنائع 2: 93، المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 195.

(7) المبسوط للطوسي 1: 273.

(8) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 380، حلية العلماء 3: 195.

(9) المجموع 6: 320، حلية العلماء 3: 195.

31

في أذنه، قال: «نعم» (1).

و قال بعض علمائنا: يفطر (2)؛ و به قال الشافعي و أبو حنيفة و مالك و أحمد إذا وصل إلى الدماغ؛ لأنّه جوف فالواصل اليه يغذّيه، فيفطر به، كجوف البدن (3).

و هو منقوض: بالاكتحال.

د- لو قطّر في إحليله دواء أو غيره، لم يفطر،

سواء وصل الى المثانة أو لا- و به قال أبو حنيفة و أحمد (4)- لأنّ المثانة ليست محلا للاغتذاء، فلا يفطر بما يصل إليها؛ و لأنّه ليس بين باطن الذكر و الجوف منفذ، و إنّما يخرج البول رشحا.

و قال الشافعي: يفطر؛ و به قال أبو يوسف- و اضطرب قول محمد فيه (5)- لأنّ المثانة كالدماغ في أنّها من باطن البدن (6).

و نمنع المساواة.

التاسع: قال الشيخان: الكذب على اللّه تعالى، و على رسوله و الأئمّة

____________

(1) التهذيب 4: 311- 941، الإستبصار 2: 95- 307.

(2) أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 183.

(3) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 314 و 320، حلية العلماء 3: 194، فتح العزيز 6: 367، المبسوط للسرخسي 3: 67، بدائع الصنائع 2: 93، الهداية للمرغيناني 1: 125، المغني و الشرح الكبير 3: 39، المدونة الكبرى 1: 198.

(4) بدائع الصنائع 2: 93، المبسوط للسرخسي 3: 67، الاختيار لتعليل المختار 1: 175، الهداية للمرغيناني 1: 125، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 370- 371، حلية العلماء 3: 194، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49.

(5) الهداية للمرغيناني 1: 125، المبسوط للسرخسي 3: 67- 60.

(6) المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 370، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3: 49، الهداية للمرغيناني 1: 125، المبسوط للسرخسي 3: 67، بدائع الصنائع 2: 93، الاختيار لتعليل المختار 1: 175.

32

(عليهم السلام)، مفسد للصوم (1)- و به قال الأوزاعي (2)- لقول الصادق (عليه السلام): «الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم» قال أبو بصير: هلكنا، فقال (عليه السلام): «ليس حيث تذهب، إنّما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله (صلى اللّه عليه و آله)، و على الأئمّة (عليهم السلام)» (3).

و هو محمول على المبالغة.

و قال السيد المرتضى: لا يفسده (4)؛ و هو قول الجمهور (5)، و هو المعتمد؛ لأصالة البراءة، و لا خلاف في أنّ الكذب على غير اللّه تعالى و غير رسوله و الأئمّة (عليهم السلام)، غير مفسد.

و أمّا المشاتمة و التلفّظ بالقبيح فكذلك، إلّا الأوزاعي، فإنّه أوجب بهما الإفطار (6)؛ لقوله (عليه السلام): (من لم يدع قول الزور و العمل به فليس للّه حاجة أن يدع طعامه و شرابه) (7).

و لا دلالة فيه، و الإجماع على خلاف قوله.

العاشر: الارتماس في الماء،

قال الشيخان: إنّه يفسد الصوم (8)؛ لقول الباقر (عليه السلام): «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال:

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 270، المقنعة: 54.

(2) حكاه عنه السيد المرتضى في الانتصار: 63، و المحقّق في المعتبر: 302.

(3) الكافي 4: 89- 10، التهذيب 4: 203- 585.

(4) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54، و حكاه عنه المحقّق في المعتبر: 302.

(5) كما في المعتبر: 302.

(6) انظر: حلية العلماء 3: 207.

(7) صحيح البخاري 3: 33، سنن أبي داود 2: 307- 2362، سنن الترمذي 3:

87- 707، سنن ابن ماجة 1: 539- 1689، سنن البيهقي 4: 270، مسند أحمد 2: 452- 453.

(8) النهاية: 148، المبسوط للطوسي 1: 270، المقنعة: 54.

33

الأكل و الشرب و النساء و الارتماس في الماء» (1).

و لا حجّة فيه؛ لجواز التضرّر بالتحريم دون الإفساد، كما هو القول الآخر للشيخ (2)؛ لأنّ إسحاق بن عمار قال للصادق (عليه السلام): رجل صائم ارتمس في الماء متعمّدا أ عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال: «ليس عليه قضاء و لا يعودنّ» (3).

قال الشيخ: لست أعرف حديثا في إيجاب القضاء و الكفّارة، أو إيجاب أحدهما على من ارتمس في الماء (4).

و قال السيد المرتضى: لا يفسد الصوم، و هو مكروه (5)؛ و به قال مالك و أحمد (6) و الحسن و الشعبي (7).

و قال باقي الجمهور: إنّه غير مكروه أيضا (8).

و لا بأس بصبّ الماء على الرأس للتبرّد و الاغتسال من غير كراهة.

و لو ارتمس (9) فدخل الماء إلى حلقه، أفسد صومه، سواء كان دخول الماء اختيارا أو اضطرارا، إذا كان الارتماس اختيارا.

____________

(1) التهذيب 4: 189- 535، و 202- 584 و 318- 319- 971، و الاستبصار 2:

80- 244 و فيه و في الموضعين الأوّلين من التهذيب: ثلاث خصال.

(2) الاستبصار 2: 85 ذيل الحديث 263.

(3) التهذيب 4: 209- 210- 607 و 324- 1000، الاستبصار 2: 84- 85- 263.

(4) الاستبصار 2: 85 ذيل الحديث 263.

(5) حكاه عنه المحقّق في المعتبر: 302، و انظر: جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.

(6) حكاه عنهما، المحقق في المعتبر: 302، و انظر: المغني 3: 44، و الشرح الكبير 3:

52.

(7) المغني 3: 44، الشرح الكبير 3: 52.

(8) حكاه المحقق في المعتبر: 302، و انظر: المهذب للشيرازي 1: 193، و المجموع 6:

348.

(9) في «ف» زيادة: في الماء.

34

و لو صبّ الماء على رأسه، فدخل حلقه متعمّدا، أفسد صومه. و كذا لو كان الصبّ يؤدّي إليه قطعا مع الاختيار لا الاضطرار، و لو لم يؤدّ، لم يفسد.

الحادي عشر: قال المفيد و أبو الصلاح: السعوط (1) الذي يصل إلى الدماغ

من الأنف مفسد للصوم مطلقا (2)- و به قال الشافعي و أبو حنيفة و أحمد (3)- لأنّ النبي (عليه السلام)، قال للقيط بن صبرة: (و بالغ في الاستنشاق إلّا أن تكون صائما) (4).

و لأنّ الدماغ جوف، فالواصل اليه يغذّيه، فيفطر به، كجوف البدن.

و المنع إنّما كان للخوف من النزول الى الحلق؛ لعروضه في الاستنشاق غالبا، و التغذية لا تحصل من ذلك. و اشتراك الدماغ و المعدة في اسم الجوف لا يقتضي اشتراكهما في الحكم.

و قال الشيخ: إنّه مكروه لا يفسد الصوم، سواء بلغ الى الدماغ أو لا، إلّا ما نزل إلى الحلق؛ فإنّه يفطر، و يوجب القضاء (5)؛ و به قال مالك و الأوزاعي و داود (6)، و هو المعتمد؛ عملا بالأصل.

مسألة 9: يكره مضغ العلك، و ليس محرّما

- و به قال الشعبي و النخعي

____________

(1) السعوط: الدواء يصبّ في الأنف. الصحاح 3: 1131.

(2) المقنعة: 54، الكافي في الفقه 183.

(3) المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 313، فتح العزيز 6: 364، المبسوط للسرخسي 3: 67، الهداية للمرغيناني 1: 125، المغني و الشرح الكبير 3: 39.

(4) سنن أبي داود 1: 35- 36- 142 و 2: 308- 2366، سنن الترمذي 3: 155- 788، سنن النسائي 1: 66، سنن ابن ماجة 1: 142- 407، المستدرك- للحاكم- 1:

148.

(5) المبسوط للطوسي 1: 272.

(6) المغني و الشرح الكبير 3: 39، حلية العلماء 3: 195، المجموع 6: 320، فتح العزيز 6: 364، المدونة الكبرى 1: 197.

35

و قتادة و الشافعي و أحمد و إسحاق و أصحاب الرأي (1)- للأصل.

و لأنّ أبا بصير سأل الصادق (عليه السلام)، عن الصائم يمضغ العلك، فقال: «نعم» (2).

و لا فرق بين ذي الطعم و غيره، و لا بين القوي الذي لا يتحلّل أجزاؤه و الضعيف الذي يتحلّل إذا تحفّظ من ابتلاع المتحلّل من أجزائه و إن وجد طعمه في حلقه.

مسألة 10: لا بأس بما يدخله الصائم في فمه إذا لم يتعدّ الحلق

، كمصّ الخاتم و مضغ الطعام و زقّ (3) الطائر و ذوق المرق؛ لقوله (عليه السلام):

(أ رأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته (4)) (5).

و سئل الصادق (عليه السلام)، عن صبّ الدواء في اذن الصائم، فقال:

«نعم و يذوق المرق و يزقّ الفرخ» (6).

فإن أدخل شيئا في فمه و ابتلعه سهوا، فإن كان لغرض صحيح، فلا قضاء عليه، و إلّا لزمه.

و لو تمضمض فابتلع الماء سهوا، فإن كان للتبرّد، فعليه القضاء، و إن كان للصلاة، فلا شيء عليه.

و كذا لو ابتلع ما لا يقصده كالذباب و قطر المطر، فإن فعله عمدا أفطر.

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6: 353، المغني 3: 44، الشرح الكبير 3:

76- 77، الهداية للمرغيناني 1: 125- 126، الجامع الصغير للشيباني: 141.

(2) التهذيب 4: 324- 1002.

(3) زقّ الطائر فرخه: أطعمه بفيه. الصحاح 4: 1491.

(4) مجّ الرجل الشراب من فيه: إذا رمى به. الصحاح 1: 40.

(5) سنن أبي داود 2: 311- 2385، سنن الدارمي 2: 13، سنن البيهقي 4: 261، المصنّف- لابن أبي شيبة- 3: 61، المستدرك- للحاكم- 1: 431، و ليس فيها (ثم مججته).

(6) التهذيب 4: 311- 941، الإستبصار 2: 95- 307.

36

مسألة 11: و لا بأس بالسواك للصائم

، سواء الرطب و اليابس، في أول النهار أو آخره عند علمائنا- و به قال مالك و أبو حنيفة (1)- لأنّ عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي (صلى اللّه عليه و آله)، ما لا احصي يتسوّك و هو صائم (2).

و من طريق الخاصة: قول الحلبي: سألت الصادق (عليه السلام):

أ يستاك الصائم بالماء و العود الرطب يجد طعمه؟ فقال: «لا بأس به» (3).

و قال أحمد: يكره بالرطب مطلقا، و يكره باليابس بعد الزوال- و به قال ابن عمر و عطاء و مجاهد و الأوزاعي و إسحاق و قتادة و الشعبي و الحكم (4)- لقوله (عليه السلام): (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، و لا تستاكوا بالعشي فإنّه ليس من صائم تيبس شفتاه إلّا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة) (5).

و يحمل على التسوّك لاستجلاب الريق؛ لدلالة آخر الحديث عليه.

تذنيب: يجوز أن يتسوّك بالماء و بالمبلول به

، و يتحفّظ من ابتلاع الرطوبة.

مسألة 12: إنّما يبطل الصوم بالمفطرات لو وقع عمدا

، أمّا لو وقع نسيانا فلا، على ما يأتي الخلاف فيه.

و كذا ما يحصل من غير قصد، كالغبار الداخل من غير قصد، و ماء المضمضة، و كما لو صبّ في حلقه شيء كرها، فإنّه لا يفسد صومه إجماعا.

أمّا لو اكره على الإفطار بأن توعّده و خوّفه حتى أكل، قال الشيخ: إنّه

____________

(1) المدونة الكبرى 1: 200- 201، التفريع 1: 308، المغني 3: 46، الشرح الكبير 3:

76، المبسوط للسرخسي 3: 99.

(2) سنن أبي داود 2: 307- 2364، سنن الترمذي 3: 104- 725، سنن الدارقطني 2:

202- 3.

(3) التهذيب 4: 262- 782، الإستبصار 2: 91- 291.

(4) المغني 3: 45- 46، الشرح الكبير 3: 76، معالم السنن- للخطّابي- 3: 240- 241.

(5) المعجم الكبير- للطبراني- 4: 78- 3696، سنن الدار قطني 2: 204- 7 و 8.

37

يفطر (1)؛ و به قال أبو حنيفة و مالك (2)- و للشافعي قولان (3)- لأنّ الصوم الإمساك، و لم يتحقّق.

و لأنّه فعل ضدّ الصوم ذاكرا له، غايته أنّه فعله لدفع الضرر عن نفسه، لكنه لا أثر له في دفع الفطر، كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش.

و يحتمل: عدم الإفطار- و به قال أحمد و الشافعي في الثاني من قوليه (4)- لقوله (عليه السلام): (رفع عن أمّتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه) (5).

و لأنّه غير متمكّن، فلا يصحّ تكليفه.

و لو فعل المفطر جاهلا بالتحريم، أفسد صومه؛ لأنّ له طريقا الى العلم، فالتفريط من جهته، فلا يسقط الحكم عنه.

و يحتمل: العدم كالناسي.

و لأنّ زرارة و أبا بصير سألا الباقر (عليه السلام)، عن رجل أتى أهله في شهر رمضان، و أتى أهله و هو محرم، و هو لا يرى إلّا أنّ ذلك حلال له، قال:

«ليس عليه شيء» (6).

و يمكن حمله على الكفّارة و الإثم.

و لو أكل ناسيا، فظنّ إفساد صومه، فتعمّد الأكل، قال الشيخ: يفطر،

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 273.

(2) المبسوط للسرخسي 3: 98، بدائع الصنائع 2: 91، حلية العلماء 3: 197، المجموع 6: 326، فتح العزيز 6: 398.

(3) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 325، حلية العلماء 3: 197، فتح العزيز 6: 398.

(4) المغني 3: 51، الشرح الكبير 3: 48، المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 325 و 326، حلية العلماء 3: 197، فتح العزيز 6: 398.

(5) كنز العمّال 4: 233- 10307 نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير.

(6) التهذيب 4: 208- 603.

38

و عليه القضاء و الكفّارة. قال: و قد ذهب بعض أصحابنا إلى أنّه يقضي و لا يكفّر (1).

و المعتمد: ما اختاره الشيخ.

مسألة 13: قد سبق (2) أنّه لو نوى الإفطار بعد انعقاد الصوم، لم يفطر

؛ لانعقاده شرعا، فلا يبطل إلّا بوجه شرعي.

هذا إذا عاد إلى نيّة الصوم، و لو لم يعد، فالوجه القضاء- و به قال أصحاب الرأي و الشافعية في أحد الوجهين (3)- لأنّه لم يصم لفوات شرطه، و هو: النية المستمرة فعلا أو حكما، فلا يعتدّ بإمساكه.

و قال أحمد و أبو ثور و الشافعية في الوجه الثاني: يفطر مطلقا (4).

و على كلّ تقدير، فلا كفّارة؛ لأصالة البراءة، السالم عن الهتك.

و لو نوى القطع في النفل، لم يصح صومه. و إن عاد فنواه، صحّ، كما لو أصبح غير ناو للصوم.

و لو نوى أنّه سيفطر بعد ساعة أخرى، لم يفطر؛ لأنّه لو نوى الإفطار في الحال، لم يفطره، فالأولى في المستقبل عدمه.

و لو نوى أنّه إن وجد طعاما أفطر، و إن لم يجد لم يفطر، لم يبطل صومه؛ لأنّ نيّة الجزم بالإفطار غير مؤثّرة فيه، فمع التردّد أولى.

و قد نازع بعض المشترطين لاستمرار حكم النيّة في الموضعين.

و قال الشيخ: لو نوى الإفطار في يوم يعلمه من رمضان، ثم جدّد نيّة الصوم قبل الزوال، لم ينعقد (5).

و هو جيّد و إن كان فيه كلام.

____________

(1) المبسوط للطوسي 1: 273.

(2) سبق في الفرع «د» من المسألة 3.

(3) المغني 3: 56، الشرح الكبير 3: 31، المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 187.

(4) المغني 3: 56، الشرح الكبير 3: 31، المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 297، حلية العلماء 3: 187.

(5) المبسوط للطوسي 1: 277.

39

الفصل الثالث فيما يوجب القضاء و الكفّارة أو القضاء خاصة

مسألة 14: الجماع عمدا في فرج المرأة يوجب القضاء و الكفّارة

عند علمائنا أجمع- و هو قول عامة العلماء (1)- لأنّ رجلا جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فقال: هلكت، فقال: (و ما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله): (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، قال: فهل تستطيع إطعام ستين مسكينا؟) قال: لا أجد، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و آله): (اجلس) فجلس، فبينا هو جالس كذلك، أتي بعرق (2) فيه تمر، فقال له النبي (عليه السلام): (اذهب فتصدّق به) فقال: يا رسول اللّه، و الذي بعثك بالحق، ما بين لابتيها (3) أهل بيت أحوج منّا، فضحك

____________

(1) المغني 3: 58، الشرح الكبير 3: 57.

(2) العرق: السفيفة المنسوجة من الخوص أو غيره قبل أن يجعل منه الزبيل. و منه قيل للزبيل:

عرق. الصحاح 4: 1522. و جاء في هامش «ن»: و بخط المصنّف: العرق: المكتل.

(3) أي: لابتا المدينة المنورة. و اللّابة: الحرّة. و هي: الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها. و المدينة تقع ما بين حرّتين عظيمتين. النهاية لابن الأثير 4: 274 «لوب».

40

النبي (عليه السلام)، حتى بدت أنيابه، ثم قال: (اذهب و أطعم عيالك) (1).

و نحوه من طريق الخاصة (2).

و قال النخعي و الشعبي و سعيد بن جبير و قتادة: لا كفّارة عليه (3).

و هو خرق الإجماع، فلا يلتفت إليه.

إذا عرفت هذا، فقد أجمع العلماء على وجوب القضاء مع الكفّارة، إلّا الأوزاعي؛ فإنّه حكي عنه أنّه إن كفّر بالعتق أو الإطعام، قضى، و إن كفّر بالصيام، لم يقض؛ لأنّه صام شهرين (4).

و الإجماع يبطله، و لا منافاة.

و للشافعي قول: إنّه إذا وجبت الكفّارة، سقط القضاء؛ لأنّ النبي (عليه السلام)، لم يأمر الأعرابي بالقضاء (5).

و هو خطأ؛ لأنّه (عليه السلام)، قال: (و صم يوما مكانه) (6).

و لا فرق بين وطء الميتة و الحيّة و النائمة و المكرهة و المجنونة و الصغيرة و المزني بها.

مسألة 15: و يفسد [الجماع] صوم المرأة إجماعا، و عليها الكفّارة مع المطاوعة

عند علمائنا أجمع- و به قال مالك و أبو حنيفة و أبو ثور و ابن المنذر و الشافعي في

____________

(1) صحيح البخاري 3: 41- 42، صحيح مسلم 2: 781- 1111، سنن ابن ماجة 1:

534- 1671، سنن الترمذي 3: 102- 724، سنن الدارقطني 2: 190- 49، سنن أبي داود 2: 313- 2390، سنن البيهقي 4: 221 بتفاوت يسير.

(2) الكافي 4: 102- 2، الفقيه 2: 72- 309، التهذيب 4: 206- 595، الإستبصار 2: 80- 81- 245.

(3) المغني 3: 58، الشرح الكبير 3: 57، حلية العلماء 3: 200.

(4) حلية العلماء 3: 200، المغني 3: 58، بدائع الصنائع 2: 98.

(5) المجموع 6: 331، فتح العزيز 6: 452- 453، حلية العلماء 3: 200، المغني 3:

58، الشرح الكبير 3: 56.

(6) سنن ابن ماجة 1: 534 ذيل الحديث 1671، سنن أبي داود 2: 314- 2393، سنن الدار قطني 2: 190- 51، سنن البيهقي 4: 226 و 227.

41

أحد القولين (1)- لأنّها شاركت الرجل في السبب و حكم الإفطار، فتشاركه في الحكم الآخر، و هو وجوب الكفّارة.

و لعموم الروايات؛ لقول الرضا (عليه السلام): «من أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا فعليه عتق رقبة مؤمنة، و يصوم يوما بدل يوم» (2).

و في الآخر للشافعي: لا كفّارة عليها- و عن أحمد روايتان (3)- لأنّ النبي (عليه السلام) أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، و لم يأمر في المرأة بشيء (4).

و لا دلالة فيه؛ فإنّ التخصيص بالذكر لا يوجبه في الحكم، و لجواز أن تكون مكرهة.

فروع:

أ- لو أكره زوجته على الجماع، وجب عليه كفّارتان، و لا شيء عليها؛

لأنّه هتك يصدر من اثنين، و قد استقلّ بإيجاده، فعليه ما يوجبه من العقوبة، و هي الكفّارتان.

و خالف الجمهور، فقالوا: تسقط عنها و عنه؛ لصحة صومها (5).

و هو لا ينافي وجوب الكفّارة، و للرواية (6).

____________

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 125، بداية المجتهد 1: 304، بدائع الصنائع 2: 98، الهداية للمرغيناني 1: 124، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59، المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 331 و 334، فتح العزيز 6: 443، حلية العلماء 3: 200.

(2) التهذيب 4: 207- 600، الإستبصار 2: 96- 311.

(3) المغني 3: 61- 62، الشرح الكبير 3: 59، فتح العزيز 6: 443، حلية العلماء 3:

200.

(4) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 331 و 334، فتح العزيز 6: 443- 444، حلية العلماء 3: 200، المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 59.

(5) انظر: المغني 3: 62، و الشرح الكبير 3: 60.

(6) الكافي 4: 103- 104- 9، الفقيه 2: 73- 313، التهذيب 4: 215- 625.

42

و لا قضاء عليها عندنا.

و قال أصحاب الرأي: يجب عليها القضاء. و هو قول الثوري و الأوزاعي (1).

و قال مالك: يجب على المكرهة القضاء و الكفّارة (2).

و قال الشافعي و أبو ثور و ابن المنذر: إن كان الإكراه بوعيد حتى فعلت، وجب القضاء و الكفّارة، و إن كان إلجاء، لم تفطر، و النائمة كالملجأة (3).

ب- لو وطأ المجنون،

فإن طاوعته، فعليها كفّارة واحدة عنها، و إن أكرهها، فلا كفّارة على أحدهما.

ج- لو زنى بامرأة، فإن طاوعته، فكفّارتان عليهما معا، و إن أكرهها، فعليه كفّارة.

قال الشيخ: و لا يجب عنها شيء؛ لأنّ حمله على الزوجة قياس (4).

و هو مشكل؛ لأنّ الفاحشة هنا أشدّ.

د- لو أكرهته على الجماع،

فعليها كفّارة عن نفسها، و لا شيء عليه و لا عليها عنه؛ لأنّ القابل أقلّ في التأثير من الفاعل.

مسألة 16: لو وطأ امرأته أو أجنبية في دبرها فأنزل، وجب عليه القضاء و الكفّارة إجماعا

، و إن لم ينزل فكذلك- و به قال الشافعي و أحمد و أبو حنيفة في رواية (5)- لأنّه أفسد صوم رمضان بجماع في فرج، فوجب عليه الكفّارة، كالقبل.

____________

(1) المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 60.

(2) المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 60.

(3) المجموع 6: 336، المغني 3: 62، الشرح الكبير 3: 60.

(4) المبسوط للطوسي 1: 275.

(5) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 341 و 342، فتح العزيز 6: 447،

حلية العلماء 3: 203، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59، المبسوط للسرخسي 3:

79، بدائع الصنائع 2: 98

43

و لأنّه (عليه السلام) أمر من قال: واقعت أهلي، بالقضاء و الكفّارة (1)، و لم يستفصله مع الاحتمال، فيكون عاما.

و في رواية عن أبي حنيفة: لا كفّارة؛ لعدم تعلّق الحدّ به (2).

و هو ممنوع، و أيضا لا ملازمة، كالأكل.

فروع:

أ- لو وطأ غلاما فأنزل، لزمته الكفّارة،

و كذا إذا لم ينزل- و به قال الشافعي (3)- لأنّه وطأ عمدا وطء يصير به جنبا، فوجبت الكفّارة.

و قال أبو حنيفة: لا كفّارة (4).

ب- لو وطأ في فرج بهيمة فأنزل، وجب القضاء و الكفّارة،

و إن لم ينزل قال الشيخ: لا نص فيه، و يجب القول بالقضاء؛ لأنّه مجمع عليه دون الكفّارة (5).

و منع ابن إدريس القضاء (6) أيضا.

و قال بعض العامة: تجب به الكفّارة؛ لأنّه وطء في فرج موجب للغسل، مفسد للصوم، فأشبه وطء الآدمية (7).

ج- إن أوجبنا الكفّارة على الواطئ دبرا، وجب على المفعول؛

لاشتراكهما في السبب، و هو: الهتك.

____________

(1) تقدمت الإشارة إلى مصادره في صفحة 40 الهامش (6).

(2) المبسوط للسرخسي 3: 79، بدائع الصنائع 2: 98، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 203، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59.

(3) المهذب للشيرازي 1: 192، المجموع 6: 341، فتح العزيز 6: 447، حلية العلماء 3: 203، المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 59.

(4) المغني: 3: 61، الشرح الكبير 3: 59، حلية العلماء 3: 203.

(5) الخلاف 2: 191، المسألة 42.

(6) السرائر: 86.

(7) المغني 3: 61، الشرح الكبير 3: 63.

44

مسألة 17: لو أنزل عند الملاعبة أو الملامسة أو التقبيل، أو استمنى بيده، لزمه القضاء و الكفّارة

، و كذا لو وطأ فيما دون الفرجين فأنزل- و به قال مالك و أبو ثور (1)- لأنّه أجنب مختارا متعمّدا، فكان كالمجامع.

و لأنّ النبي (صلى اللّه عليه و آله)، أمر المفطر بالكفّارة (2).

و لأنّ الصادق (عليه السلام)، سئل عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني، قال: «عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع» (3).

و عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق، قال: «كفّارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة» (4).

و عن الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في (5) رمضان فيسبقه الماء فينزل، قال: «عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع (6)» (7).

و قال الشافعي و أبو حنيفة: عليه القضاء دون الكفّارة (8).

و قال أحمد: تجب الكفّارة في الوطء فيما دون الفرج مع الإنزال (9).

و عنه في القبلة و اللمس روايتان (10).

____________

(1) الكافي في فقه أهل المدينة: 124، المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 204.

(2) انظر: المصادر في الهامش (1) من الصفحة 40.

(3) الكافي 4: 102- 103- 4، التهذيب 4: 206- 597، الاستبصار 2: 81- 247.

(4) التهذيب 4: 320- 981.

(5) في المصدر زيادة: قضاء شهر.

(6) في المصدر زيادة: في رمضان.

(7) الكافي 4: 103- 7، التهذيب 4: 321- 983.

(8) المجموع 6: 341 و 342، فتح العزيز 6: 446، حلية العلماء 3: 204، المغني 3:

59، الشرح الكبير 3: 62، بدائع الصنائع 2: 100، المبسوط للسرخسي 3: 65.

(9) المغني 3: 59، الشرح الكبير 3: 62، المجموع 6: 342، حلية العلماء 3: 204.

(10) الشرح الكبير 3: 63، حلية العلماء 3: 204، المجموع 6: 342.

45

فروع:

أ- لو نظر أو تسمّع لكلام أو حادث فأمنى،

لم يفسد صومه- و به قال الشافعي و أبو حنيفة (1)- لعدم تمكّنه من الاحتراز عن النظرة الاولى.

أمّا لو كرّر النظر حتى أنزل، فالوجه: الإفساد.

و قال الشيخ: إن نظر إلى محلّلة، لم يلزمه شيء بالإمناء، و إن نظر إلى محرّمة، لزمه القضاء (2).

و قال مالك: إن أنزل من النظرة الأولى، أفطر و لا كفّارة، و إن استدام النظر حتى أنزل، وجبت عليه الكفّارة (3). و هو جيّد.

ب- قال أبو الصلاح: لو أصغى فأمنى،

قضاه (4).

ج- لو قبّل أو لمس فأمذى، لم يفطر-

و به قال الشافعي (5)- لأنّه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول.

و قال أحمد: يفطر، لأنّه خارج تخلّله الشهوة، فإذا انضمّ إلى المباشرة أفطر به، كالمني (6).

و الفرق: أنّ المني يلتذّ بخروجه و يوجب الغسل، بخلافه.

د- لو تساحقت امرأتان، فإن لم تنزلا، فلا شيء سوى الإثم،

و إن أنزلتا، فسد صومهما.

و الوجه القضاء و الكفّارة، لأنّه إنزال عن فعل يوجب الحدّ، فأشبه الزنا.

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 322، حلية العلماء 3: 196، الوجيز 1:

102، فتح العزيز 6: 396.

(2) المبسوط للطوسي 1: 272- 273.

(3) حلية العلماء 3: 204، المجموع 6: 322.

(4) الكافي في الفقه: 183.

(5) المجموع 6: 323، حلية العلماء 3: 196، المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 43.

(6) المغني 3: 47، الشرح الكبير 3: 43، المجموع 6: 323، حلية العلماء 3: 196.

46

و عن أحمد روايتان (1).

و لو ساحق المجبوب فأنزل، فكالمجامع في غير الفرج.

هلو طلع الفجر و هو مجامع فاستدامه، وجب القضاء و الكفّارة

- و به قال مالك و الشافعي و أحمد (2)- لصدق المجامع عليه.

و قال أبو حنيفة: يجب القضاء خاصة، لأنّ وطأه لم يصادف صوما صحيحا، فلم يوجب الكفّارة، كما لو ترك النيّة و جامع (3).

و نمنع حكم الأصل.

و- لو نزع في الحال مع أول طلوع الفجر من غير تلوّم، لم يتعلّق به حكم، إلّا أن يفرّط بترك المراعاة- و به قال أبو حنيفة و الشافعي (4)- لأنّه ترك للجماع، فلا يتعلّق به حكم الجماع.

و قال بعض الجمهور: تجب الكفّارة، لأنّ النزع جماع يلتذّ به، فيتعلّق به ما يتعلّق بالاستدامة (5).

و ليس بحثنا فيه، بل مع عدم التلذّذ.

و قال مالك: يبطل صومه و لا كفّارة، لأنّه لا يقدر على أكثر ممّا فعله في ترك الجماع، فأشبه المكره (6).

و نمنع وجوب القضاء.

مسألة 18: و يجب بالأكل و الشرب عامدا مختارا في نهار رمضان

على

____________

(1) المغني 3: 62- 63، الشرح الكبير 3: 62.

(2) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 66، المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6:

338، حلية العلماء 3: 202.

(3) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 66، حلية العلماء 3: 202.

(4) المبسوط للسرخسي 3: 66، المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المهذب للشيرازي 1: 189، المجموع 6: 309 و 311، فتح العزيز 6: 403، حلية العلماء 3: 193.

(5) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67.

(6) المغني 3: 65، الشرح الكبير 3: 67، المجموع 6: 311، حلية العلماء 3: 193.

47

من يجب عليه الصوم: القضاء و الكفّارة عند علمائنا أجمع- و به قال عطاء و الحسن البصري و الزهري و الثوري و الأوزاعي و إسحاق و أبو حنيفة و مالك (1)- لأنّه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه، فوجب عليه الكفّارة، كالجماع، لما رواه الجمهور: أنّ رجلا أفطر، فأمره النبي (صلى اللّه عليه و آله)، أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا (2).

و من طريق الخاصة: ما رواه عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام)، في رجل أفطر في شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر، قال: «يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستّين مسكينا، فإن لم يقدر تصدّق بما يطيق» (3).

و قال الشافعي: لا تجب الكفّارة، بل القضاء خاصة- و به قال سعيد ابن جبير و النخعي و محمد بن سيرين و حمّاد بن أبي سليمان و أحمد و داود- لأصالة البراءة (4).

و الأصل قد يخالف، للدليل، و قد بيّناه.

و لا فرق بين الرجل و المرأة و العبد و الخنثى في ذلك، و لا بين أكل المحلّل و المحرّم، و لا المعتاد و غيره، خلافا للسيد المرتضى في الأخير (5)،

____________

(1) الهداية للمرغيناني 1: 124، المبسوط للسرخسي 3: 73، الجامع الصغير للشيباني:

140، المجموع 6: 330، المغني 3: 52، الشرح الكبير 3: 69، حلية العلماء 3:

199، اختلاف العلماء: 73، فتح العزيز 6: 447.

(2) صحيح مسلم 2: 783- 784- 84، سنن أبي داود 2: 313- 2392، سنن البيهقي 4: 225، سنن الدارقطني 2: 191- 53.

(3) الكافي 4: 101- 102- 1، الفقيه 2: 72- 308، التهذيب 4: 321- 984، الاستبصار 2: 95- 96- 310.

(4) المهذب للشيرازي 1: 190، المجموع 6: 328 و 329- 330، فتح العزيز 6: 446، حلية العلماء 3: 198، اختلاف العلماء: 72- 73، المغني 3: 51، الشرح الكبير 3:

69، بداية المجتهد 1: 302، المبسوط للسرخسي 3: 73.

(5) جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.

48

و لأبي حنيفة و الشافعي (1).

مسألة 19: و يجب بإيصال الغبار الغليظ و الرقيق إلى الحلق عمدا: القضاء و الكفّارة عند علمائنا

، لأنّه مفسد و أصل إلى الجوف، فأشبه الأكل.

و ما رواه سليمان بن جعفر المروزي، قال: سمعته يقول: «إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمّدا أو شمّ رائحة غليظة أو كنس بيتا، فدخل في أنفه و حلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك له فطر، مثل الأكل و الشرب» (2).

مسألة 20: لو أجنب ليلا، و تعمّد البقاء على الجنابة حتى طلع الفجر، وجب عليه القضاء و الكفّارة

، لقوله (عليه السلام): (من أصبح جنبا في شهر رمضان فلا يصومنّ يومه) (3).

و من طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام) في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل، ثم ترك الغسل متعمّدا حتى أصبح، قال: «يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا» (4).

و قال ابن أبي عقيل منّا: عليه القضاء خاصة. و هو ظاهر كلام السيد المرتضى (5) (رحمه اللّه)، و به قال أبو هريرة و الحسن البصري و سالم بن عبد اللّه و النخعي و عروة و طاوس (6).

____________

(1) الهداية للمرغيناني 1: 124، بدائع الصنائع 2: 99، المجموع 6: 328 و 329- 330، حلية العلماء 3: 198، المغني 3: 52، الشرح الكبير 3: 69.

(2) التهذيب 4: 214- 621، الاستبصار 2: 94- 305، و فيهما: سليمان بن حفص المروزي.

(3) أورده السيد المرتضى في الانتصار: 63، و المحقق في المعتبر: 306.

(4) التهذيب 4: 212- 616، الاستبصار 2: 87- 272.

(5) انظر: جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 55.

(6) المغني 3: 78- 79، الشرح الكبير 3: 54، المجموع 6: 307- 308، حلية العلماء 3: 192.

49

و قال الجمهور: لا قضاء و لا كفّارة، و صومه صحيح (1)، لقوله تعالى:

حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ (2).

و ما رووه عن النبي (عليه السلام)، أنّه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصومه (3).

و الجواب: لا يجب اشتراك المعطوف و المعطوف عليه في الغاية.

و الرواية ممنوعة، على أنّها محمولة على أنّه كان يقارب بالاغتسال طلوع الفجر، لا أنّه يفعله بعده، و إلّا لكان مداوما لترك الأفضل و هو الصلاة في أول وقتها، فإنّ قولنا: كان يفعل، يدلّ على المداومة.

تذنيب: لو أجنب ثم نام غير ناو للغسل حتى طلع الفجر، وجب عليه القضاء و الكفّارة

، لأنّه مع ترك العزم على الغسل يسقط اعتبار النوم، و يصير كالمتعمّد للبقاء على الجنابة.

و لو نام على عزم الاغتسال ثم نام ثم انتبه ثانيا ثم نام ثالثا على عزم الاغتسال، و استمرّ نومه في الثالث حتى أصبح، وجب عليه القضاء و الكفّارة أيضا، لرواية سليمان بن جعفر المروزي عن الكاظم (عليه السلام)، قال:

«إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم، و لا يدرك فضل يومه» (4) و هو يتناول صورة النزاع.

مسألة 21: أوجب الشيخان بالارتماس القضاء و الكفّارة (5)

.

____________

(1) المهذب للشيرازي 1: 188، المجموع 6: 307، المغني 3: 78، الشرح الكبير 3:

54، حلية العلماء 3: 192، المدونة الكبرى 1: 206، المبسوط للسرخسي 3: 56، بدائع الصنائع 2: 92.

(2) البقرة: 187.

(3) صحيح البخاري 3: 40، سنن البيهقي 4: 214.

(4) التهذيب 4: 212- 617، الاستبصار 2: 87- 273، و في الأول: سليمان بن حفص المروزي.

(5) المقنعة: 54، المبسوط للطوسي 1: 270.

50

و اختار السيد المرتضى(رحمه اللّه)الكراهية، و لا قضاء و لا كفّارة فيه (1)، و به قال مالك و أحمد (2).

و للشيخ قول في الاستبصار: إنّه محرّم لا يوجب قضاء و لا كفّارة (3).

و هو الأقوى، لدلالة الأحاديث (4) على المنع، و أصالة البراءة (5) على سقوط القضاء و الكفّارة.

و قال ابن أبي عقيل: أنّه سائغ مطلقا. و به قال الجمهور (6)، إلّا من تقدّم.

مسألة 22: أوجب الشيخان القضاء و الكفّارة بتعمّد الكذب على اللّه تعالى

، أو على رسوله، أو على الأئمّة (عليهم السلام) (7).

و خالف فيه السيد المرتضى (8) (رحمه اللّه)، و ابن أبي عقيل، و الجمهور (9) كافّة، و هو المعتمد، لأصالة البراءة.

احتجّ الشيخان: برواية أبي بصير، قال: سمعت الصادق (عليه السلام)، يقول: «الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم» قال: قلت: هلكنا، قال:

____________

(1) حكاه عنه، المحقّق في المعتبر: 302، و انظر: جمل العلم و العمل (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54.

(2) حكاه عنهما، المحقّق في المعتبر: 302.

(3) الاستبصار 2: 85.

(4) انظر: الكافي 4: 106- 1- 3، و التهذيب 4: 203- 587 و 588، و الاستبصار 2:

84- 258- 260.

(5) أي: و لدلالة أصالة البراءة ..

(6) المغني 3: 44، الشرح الكبير 3: 52، المهذب للشيرازي 1: 193، المجموع 6:

348.

(7) المقنعة: 54، المبسوط للطوسي 1: 270.

(8) جمل العلم و العلم (ضمن رسائل الشريف المرتضى) 3: 54، و حكاه عنه المحقق في المعتبر: 302.

(9) كما في المعتبر: 302.

51

«ليس حيث تذهب، إنّما ذلك الكذب على اللّه و على رسوله (صلى اللّه عليه و آله)، و على الأئمّة (عليهم السلام)» (1).

و الإفطار يستلزم الكفّارة، لقول الصادق (عليه السلام)، في رجل أفطر في شهر رمضان متعمّدا يوما واحدا من غير عذر، قال: «يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر، تصدّق بما يطيق» (2).

و هي محمولة على المفطرات الخاصة، و الحديث الأول اشتمل على ما هو ممنوع عندهم، و هو: نقض الوضوء، فيحمل على المبالغة.

مسألة 23: و القضاء الواجب هو يوم مكان يوم خاصة عند عامة العلماء (3)

. و حكي عن ربيعة أنّه قال: يجب مكان كلّ يوم اثنا عشر يوما (4).

و قال سعيد بن المسيب: إنّه يصوم عن كلّ يوم شهرا (5).

و قال إبراهيم النخعي و وكيع: يصوم عن كلّ يوم ثلاثة آلاف يوم (6).

و الكلّ باطل، لقوله (عليه السلام) للمجامع: (و صم يوما مكانه) (7).

و من طريق الخاصة: قول الكاظم (عليه السلام): «و يصوم يوما بدل يوم» (8).

____________

(1) الكافي 4: 254- 9، معاني الأخبار: 165، باب معنى قول الصادق (عليه السلام):

الكذبة تفطر الصائم، الحديث 1، التهذيب 4: 203- 585.

(2) الكافي 4: 101- 102 باب من أفطر متعمّدا من غير عذر .. الحديث 1، الفقيه 2:

72- 308، التهذيب 4: 321- 984، الإستبصار 2: 95- 96- 310.

(3) المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 199،

(4) كما في المغني 3: 52، و حلية العلماء 3: 199، و المبسوط للسرخسي 3: 72.

(5) المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 199.

(6) المغني 3: 52، حلية العلماء 3: 199.

(7) سنن ابن ماجة 1: 534 ذيل الحديث 1671، سنن أبي داود 2: 314- 2393، سنن الدارقطني 2: 190- 51، سنن البيهقي 4: 226 و 227.

(8) التهذيب 4: 207- 600، الإستبصار 2: 96- 311.

52

مسألة 24: و الكفّارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا على التخيير عند أكثر علمائنا

(1)، و به قال مالك (2)، لما رواه أبو هريرة: أنّ رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا (3).

و من طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): «يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا» (4) و «أو» للتخيير.

و قال ابن أبي عقيل: إنّها على الترتيب- و به قال أبو حنيفة و الثوري و الشافعي و الأوزاعي (5)- لقوله (عليه السلام) للواقع على أهله: (هل تجد رقبة تعتقها؟) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا، قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟) (6).

و من طريق الخاصة: قول الكاظم (عليه السلام): «من أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا فعليه عتق رقبة، مؤمنة، و يصوم يوما بدل يوم» (7).

____________

(1) كالشيخ الطوسي في النهاية: 154، و المبسوط 1: 271، و الجمل و العقود (ضمن الرسائل العشر): 212، و سلّار في المراسم: 187، و ابن إدريس في السرائر: 86.

(2) الكافي في فقه أهل المدينة: 124، بداية المجتهد 1: 305، المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 69، المجموع 6: 345، حلية العلماء 3: 201، المبسوط للسرخسي 3:

71، فتح العزيز 6: 452.

(3) صحيح مسلم 2: 782 و 783- 83 و 84، سنن البيهقي 4: 225.

(4) الفقيه 2: 72- 308، التهذيب 4: 321- 984، الإستبصار 2: 95- 96- 310.

(5) بدائع الصنائع 5: 96، المبسوط للسرخسي 3: 71، المغني 3: 66، الشرح الكبير 3:

69، المجموع 6: 333 و 345، حلية العلماء 3: 201، فتح العزيز 6: 452، بداية المجتهد 1: 305.

(6) صحيح البخاري 3: 41، صحيح مسلم 2: 781- 1111، سنن ابن ماجة 1:

534- 1671، سنن الترمذي 3: 102- 724، سنن الدار قطني 2: 190- 49، سنن أبي داود 2: 313- 2390، سنن البيهقي 4: 221.

(7) التهذيب 4: 207- 600، الاستبصار 2: 96- 311.

53

و لا دلالة، لأنّ إيجاب الرقبة لا ينافي التخيير بينها و بين غيرها، و إيجاب العتق لا ينافي إيجاب غيره.

و قال الحسن البصري: إنّه مخيّر بين عتق رقبة و نحر بدنة (1)، لما رواه العامة عن جابر بن عبد اللّه عن النبي (عليه السلام)، أنّه قال: «من أفطر يوما في شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعا» (2).

و رواية ضعيف فلا يعوّل عليه.

و للسيد المرتضى(رحمه اللّه)قولان: أحدهما: أنّها على الترتيب، و الثاني: أنّها على التخيير (3).

و عن أحمد روايتان (4).

و التخيير عندنا أولى، لموافقة براءة الذمّة.

تذنيب: الأولى الترتيب

، لما فيه من الخلاص عن الخلاف، و لاشتماله على العتق الذي هو أفضل الخصال.

مسألة 25: صوم الشهرين متتابع عند علمائنا أجمع

- و هو قول عامة أهل العلم (5)- لما رواه العامة عن أبي هريرة أنّ النبي (عليه السلام)، قال لمن واقع أهله: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) (6).

____________

(1) المجموع 6: 345، حلية العلماء 3: 201.

(2) سنن الدار قطني 2: 191- 54.

(3) حكاه عنه المحقق في المعتبر: 306، و في الانتصار: 69 القول بالتخيير.

(4) المغني 3: 66، الشرح الكبير 3: 69، المجموع 6: 345، فتح العزيز 6: 452، حلية العلماء 3: 201.

(5) المجموع 6: 345، المغني 3: 68، الشرح الكبير 3: 70، المبسوط للسرخسي 3:

72.

(6) أوعزنا إلى مصادرها في الهامش (1) من صفحة 40.

54

و من طريق الخاصة: قول الصادق (عليه السلام): «أو يصوم شهرين متتابعين» (1).

و لأنّها كفّارة فيها صوم شهرين، فكان متتابعا، كالظهار و القتل (2).

و قال ابن أبي ليلى: لا يجب التتابع (3)، لما روى أبو هريرة أنّ رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينا (4). و لم يذكر التتابع، و الأصل عدمه.

و حديثنا أولى، لأنّه لفظ النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و حديثكم لفظ الراوي، و لأنّ الأخذ بالزيادة أولى.

مسألة 26: الواجب في الإطعام مدّ لكلّ مسكين

، قدره رطلان و ربع بالعراقي، و الواجب خمسة عشر صاعا- و به قال الشافعي و عطاء و الأوزاعي (5)- لما رواه العامة في حديث المجامع، أنّه أتي النبي (صلى اللّه عليه و آله)، بمكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، فقال: (خذها و أطعم عيالك) (6).

و من طريق الخاصة: ما رواه عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمّدا، قال: «عليه خمسة عشر صاعا، لكلّ مسكين مدّ بمدّ النبي (صلى اللّه عليه و آله)» (7).

____________

(1) التهذيب 4: 205- 206- 594، الاستبصار 2: 95- 96- 310، و الفقيه 2:

72- 308.

(2) أي: كفّارة الظهار و القتل.

(3) المجموع 6: 345، المبسوط للسرخسي 3: 72.

(4) صحيح مسلم 2: 783- 784- 84، سنن أبي داود 2: 313- 2392، سنن الدارقطني 2: 191- 53، و سنن البيهقي 4: 225.

(5) المغني 3: 69، الشرح الكبير 3: 71، المجموع 6: 345، بداية المجتهد 1: 305، المبسوط للسرخسي 3: 89.

(6) سنن أبي داود 2: 313- 2390، سنن الدارقطني 2: 190- 49، سنن البيهقي 4: 222 بتفاوت يسير.

(7) التهذيب 4: 207- 599، و الاستبصار 2: 96- 312 بتفاوت يسير في الأخير.