تذكرة الفقهاء - ج11

- العلامة الحلي المزيد...
401 /
5

[تتمة القاعدة الثانية في العقود]

[تتمه كتاب البيع]

المقصد الثالث: في وثاقه عقد البيع و ضعفه.

مقدّمة:

الأصل في البيع اللزوم؛ لأنّ الشارع وضعه مفيداً لنقل الملك من البائع إلى المشتري، و الأصل الاستصحاب، و الغرض تمكّن كلٍّ من المتعاقدين من التصرّف فيما صار إليه، و إنّما يتمّ باللزوم ليأمن من نقض صاحبه عليه. و إنّما يخرج عن أصله بأمرين:

أحدهما: ثبوت الخيار إمّا لأحد المتعاقدين أو لهما من غير نقصٍ في أحد العوضين بل للتروّي خاصّة.

و الثاني: ظهور عيب في أحد العوضين، فهنا فصلان:

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الفصل الأوّل: في الخيار.

و فيه مطلبان:

المطلب الأوّل: في أقسامه

، و هي سبعة، و ينظمها مباحث:

الأوّل: خيار المجلس.

مسألة 225: ذهب علماؤنا إلى أنّ لكلٍّ من المتبايعين خيارَ الفسخ بعد العقد ما داما في المجلس

و لا يلزم العقد بمجرّده، إلّا أن يشترطا أو أحدهما سقوط الخيار و هو قول عليّ (عليه السلام) و ابن عمر و أبي هريرة و أبي بردة من الصحابة، و من التابعين: شريح و الشعبي و سعيد بن المسيّب و الحسن البصري و طاوُوس و عطاء و الزهري. و من الفقهاء: الأوزاعي و ابن أبي ذئب و أحمد و إسحاق و أبو ثور و أبو عبيد و الشافعي (1) لما رواه الجمهور عن النبيّ ((صلى اللّه عليه و آله)) قال: «المتبايعان كلّ واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرّقا إلّا بيع الخيار» (2).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «البيّعان بالخيار

____________

(1) المغني 4: 7، الشرح الكبير 4: 69، مختصر اختلاف العلماء 3: 47، 1125، الاستذكار 20: 229 230، 29957 29959، بداية المجتهد 2: 170، مختصر المزني: 75، الحاوي الكبير 5: 30، حلية العلماء 4: 15، العزيز شرح الوجيز 4: 169، المجموع 9: 184، روضة الطالبين 3: 100.

(2) الموطّأ 2: 671، 79، سنن أبي داوُد 3: 272 273، 3454، سنن النسائي 7: 248، سنن البيهقي 5: 268.

8

ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (1).

و لأنّه عقد يحصل فيه التغابن، و يحتاج إلى التروّي، فوجب أن يشرع لاستدراك أمره بثبوت الخيار ليخلص من الغبن المؤدّي إلى الضرر المنفي شرعاً. و لأنّه عقد يقصد به تمليك المال، فلا يلزم بمجرّد العقد، كالهبة.

و قال أبو حنيفة و مالك: يلزم العقد بالإيجاب و القبول، و لا يثبت خيار المجلس؛ لأنّ عمر قال: البيع صفقة أو خيار. معناه: صفقة لا خيار فيها، أو صفقة فيها خيار. و لأنّه عقد معاوضة، فلا يثبت فيه خيار، كالنكاح و الكتابة و الخلع (2).

و قول عمر ليس حجّةً خصوصاً مع معارضته لما ورد عن النبيّ و أهل بيته (عليهم السلام). و قد روى الشعبي عن عمر (3) أيضاً مثل قولنا، فسقط الاستدلال بهذه الرواية بالكلّيّة، أو تُحمل «أو» بمعنى الواو.

و لأنّا نقول بموجبه؛ فإنّ البيع إمّا صفقة لا خيار فيها بشرط إسقاط الخيار، أو خيار بأصل العقد.

و النكاح يخالف البيع؛ فإنّه لا يدخله خيار الشرط. و لأنّه لا يعقد في العادة إلا بعد التروّي و الفكر؛ لعدم تكثّره، بخلاف البيع.

____________

(1) الكافي 5: 170، 6، الخصال 127 128، 128، التهذيب 7: 20، 85، الاستبصار 3: 72، 240.

(2) مختصر اختلاف العلماء 3: 46، 1125، الاستذكار 20: 226 227، 29941 و 29942، الحاوي الكبير 5: 30، حلية العلماء 4: 15 16، التهذيب للبغوي- 3: 290، العزيز شرح الوجيز 4: 169، المجموع 9: 184، بداية المجتهد 2: 170، المغني 4: 7، الشرح الكبير 4: 69.

(3) الحاوي الكبير 5: 37.

9

إذا ثبت هذا، فقد اختلفوا في قوله (عليه السلام): «إلّا بيع الخيار».

فقال أبو حنيفة و مالك: بيع الخيار ما يثبت فيه الخيار بالشرط إمّا ثلاثة أيّام، كما هو مذهب أبي حنيفة، أو ما تدعو الحاجة إليه، كقول مالك (1).

و قال الشافعي: بيع الخيار ما قطع فيه الخيار و أسقط منه (2).

مسألة 226: و يثبت هذا خيار المجلس في جميع أقسام البيع

، كالسلف و النسيئة و المرئيّ و الموصوف و الصرف و التولية و المرابحة، و بالجملة جميع ما يندرج تحت لفظ البيع ممّا لم يشترط فيه سقوطه؛ لعموم قوله: «البيّعان بالخيار» (3) عند كلّ مَنْ أثبت الخيار إلّا في صُور وقع فيها الخلاف:

أ إذا باع مال نفسه من ولده الصغير أو بالعكس، فالأقرب ثبوت الخيار هنا- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (4) لأنّ الوليّ هنا قائم مقام الشخصين في صحّة العقد، فكذا في الخيار.

و الثاني: لا يثبت؛ لأنّ لفظ الخبر «البيّعان» و ليس هنا اثنان (5).

و الجواب: أنّه ورد على الغالب.

____________

(1) بداية المجتهد 2: 209، حلية العلماء 4: 19، الحاوي الكبير 5: 65، المغني 4: 98، الشرح الكبير 4: 74.

(2) المجموع 9: 190 191.

(3) صحيح البخاري 3: 84، سنن ابن ماجة 2: 736، 2182 و 2183، سنن أبي داوُد 3: 274، 3459، سنن الترمذي 3: 550، 1247، سنن النسائي 7: 249، سنن الدارمي 2: 250، سنن البيهقي 5: 269 271.

(4) الوسيط 3: 101، حلية العلماء 4: 18، العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 176.

(5) الوسيط 3: 101، حلية العلماء 4: 18، العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 176.

10

و على ما قلناه يثبت الخيار للوليّ و للطفل معاً، و الوليّ نائب عن الطفل، فإن التزم لنفسه و للطفل، لزم. و إن التزم لنفسه، بقي الخيار للطفل. و إن التزم للطفل، بقي لنفسه.

و لو فارق المجلس، لم يبطل الخيار؛ لأنّ مفارقة المجلس مع الاصطحاب لا تُعدّ مفارقةً مؤثّرة في زوال الخيار، و الشخص لا يفارق نفسه و إن فارق المجلس، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الثاني: أنّه بمفارقته المجلس يلزم العقد (1). و ليس بجيّد.

و حينئذٍ إنّما يلزم بإسقاط الخيار، أو اشتراط سقوطه في العقد، و إلّا يثبت دائماً.

و كذا لو باع مال أحد ولديه على الآخر و هُما صغيران، و البحث كما تقدّم.

ب لو اشترى مَنْ ينعتق عليه بالملك كالأب و الابن، لم يثبت خيار المجلس فيه أيضاً؛ لأنّه ليس عقد مغابنة من جهة المشتري؛ لأنّه وطّن نفسه على الغبن المالي، و المقصود من الخيار أن ينظر و يتروّى لدفع الغبن عن نفسه.

و أمّا من جهة البائع فهو و إن كان عقد معاوضة لكنّ النظر إلى جانب العتق أقوى، و هو أحد قولي الشافعيّة.

و في الآخر: يثبت؛ لقوله (عليه السلام): «لن يجزي (2) ولد والده إلّا بأن

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 176.

(2) في المصادر: «لا يجزي ..».

11

يجده مملوكاً فيشتريه (1) فيعتقه» (2) فإنّه يقتضي إنشاء إعتاقٍ بعد العقد (3). و هو ممنوع.

و أكثر الشافعيّة بنوا الخيارَ هنا على أقوال الملك في زمن الخيار، فإن كان للبائع، فلهما الخيار، و لا يحكم بالعتق إلّا بعد مضيّ الخيار. و إن كان موقوفاً، فلهما الخيار أيضاً، و إذا أمضيا العقد، ظهر أنّه عتق بالشراء. و إن كان للمشتري، فلا خيار له، و يثبت للبائع (4).

و متى يعتق؟ فيه وجهان عندهم:

أظهرهما: أنّه لا يحكم بالعتق حتى يمضي زمان الخيار ثمّ يحكم بعتقه يوم الشراء.

و الثاني: أنّه يعتق في الحال.

و حينئذٍ هل يبطل خيار البائع؟ وجهان، كما إذا أعتق المشتري العبدَ الأجنبيّ في زمن الخيار، فإنّ فيه الوجهين. و أقواهما: ثبوت الخيار للبائع و إن كان المشتري مالكاً في زمن الخيار، و أنّ العبد لا يعتق في الحال؛ لأنّه لم يوجد منه الرضا إلّا بأصل العقد (5).

ج إذا اشترى العبد نفسه من مولاه و قلنا بالصحّة، فلا خيار له.

و للشافعيّة في خيار المجلس هنا وجهان (6).

____________

(1) في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: «يشتريه». و ما أثبتناه من المصادر.

(2) صحيح مسلم 2: 1148، 1510، سنن ابن ماجة 2: 1207، 3659، سنن أبي داوُد 4: 335، 5137، سنن الترمذي 4: 315، 1906، مسند أحمد 2: 458، 7103، و 517، 7516، و 3: 72، 8676 و 193، 9452.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 171، المجموع 9: 176.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 171، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 176.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 171، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 176.

(6) العزيز شرح الوجيز 4: 171 172، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 176- 177.

12

د لو اشترى جمداً في شدّة الحرّ، ففي الخيار إشكال. و للشافعيّة وجهان؛ لتلفه بمضيّ الزمان (1).

هلو شرطا نفي خيار المجلس في عقد البيع، صحّ الشرط و سقط الخيار.

و للشافعيّة في صحّة البيع و الشرط قولان (2).

و لو اشترى الغائب بوصفٍ، يثبت عندنا خيار المجلس و الرؤية معاً فيه.

و للشافعي في صحّة البيع قولان، فإن قال بصحّته، لم يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية عنده (3). و ليس بجيّد.

مسألة 227: و لا يثبت خيار المجلس في شيء من العقود سوى البيع عند علمائنا؛ عملًا بأصالة اللزوم، و عروض الجواز، خرج عنه البيع؛ لقوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار» (4) فيبقى الباقي على اللزوم بمقتضى عموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5).

و أثبت الشافعي خيار المجلس فيما شابه البيع، كصلح المعاوضة (6).

و هو مبنيّ على القياس الباطل عندنا.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 101، المجموع 9: 177.

(2) التهذيب للبغوي 3: 291، روضة الطالبين 3: 103 104، المجموع 9: 178 179.

(3) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 172، و روضة الطالبين 3: 101 102، و المجموع 9: 177.

(4) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص 9، الهامش (3).

(5) المائدة: 1.

(6) العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 100، المجموع 9: 175.

13

إذا ثبت هذا، فاعلم أنّ العقد إمّا أن يكون جائزاً من الطرفين- كالشركة و الوكالة و القراض و الوديعة و العارية أو جائزاً من أحد الطرفين لازماً من الآخر، كالضمان و الكتابة. و لا خيار في هذين القسمين.

أمّا الجائز من الطرفين: فلأنّهما بالخيار أبداً، فلا معنى لخيار المجلس.

و أمّا الجائز من أحدهما: فلهذا المعنى من حيث هو جائز في حقّه، و الآخر دخل فيه موطّناً نفسه على الغبن، و مقصود الخيار التروّي لدفع الغبن عن نفسه.

و كذا الرهن لا يثبت فيه خيار المجلس، إلّا أن يكون مشروطاً في بيعٍ و أقبضه قبل التفرّق و أمكن فسخ الرهن بأن يفسخ البيع حتى ينفسخ الرهن تبعاً.

و قال بعض الشافعيّة: يثبت الخيار في الكتابة (1). و بعضهم أثبته في الضمان (2). و هُما غريبان.

أو يكون لازماً من الطرفين، و هو قسمان: إمّا أن يكون عقداً وارداً على العين، و إمّا وارداً على المنفعة.

فمن أنواع الأوّل: البيعُ، و يثبت خيار المجلس في جميع أنواعه إلّا ما استثني. و يثبت خيار الشرط في جميع أنواعه إلّا السلف و الصرف و به قال الشافعي (3) لافتقار العقد فيهما إلى التقابض في المجلس و التفرّق من غير علقة بينهما، و ثبوت الخيار بعد التفرّق يمنع لزوم القبض فيه، و يثبت

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 100، المجموع 9: 175.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 100، المجموع 9: 175.

(3) الوجيز 1: 141، العزيز شرح الوجيز 4: 170 و 193، التهذيب للبغوي 3: 292 و 293، روضة الطالبين 3: 111، المجموع 9: 192.

14

بينهما علقة بعد التفرّق.

و لا يثبت خيار المجلس في الصلح؛ لاختصاص الخبر (1) بالبيع.

و قسّم الشافعي الصلحَ إلى أقسام ثلاثة: صلح هو بيع، مثل أن يدّعي داراً فيقرّ المتشبّث له بها ثمّ يصالحه منها على عوض. و صلح هو إجارة بأن يدّعي داراً فيقرّ له بها ثمّ يصالحه على أن يخدمه هو أو عبده أو يسكنه داره سنةً. و صلح هو هبة و حطيطة بأن يدّعي عليه شيئاً فيقرّ له ثمّ يبرئه من بعضه إن كان دَيْناً و يأخذ الباقي، أو يهب له بعضه إن كان عيناً و يأخذ الباقي. فالأوّل يدخله الخياران معاً، و الباقيان لا يدخلهما شيء من الخيارين؛ لأنّه شرع فيهما على يقين بأنّه لا حظّ له فيهما (2).

و أمّا الإقالة: فإنّها فسخ عندنا، و هو أحد قولي الشافعي (3)، فلا يثبت فيها الخيار.

و في الثاني له: أنّها بيع، فيثبت فيها الخيار (4).

و الحوالة ليست بيعاً عندنا، فلا يثبت فيها خيار المجلس.

و عند الشافعي قولان:

أحدهما: أنّها ليست معاوضةً، فلا خيار فيها.

و الثاني: أنّها معاوضة فوجهان، أظهرهما: أنّه لا خيار أيضاً؛ لأنّها ليست على قواعد المعاوضات؛ إذ لو كانت معاوضةً، كانت باطلةً؛ لاشتمالها على بيع دَيْن بدَيْن. و لأنّهما بمنزلة الإبراء، و لهذا لا تصحّ بلفظ

____________

(1) أي خبر «البيّعان بالخيار» المتقدّم في ص 9.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 170 و 172 و 193، روضة الطالبين 3: 100 و 102 و 110، المجموع 9: 175 و 192.

(3) التهذيب للبغوي 3: 293، العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

(4) التهذيب للبغوي 3: 293، العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

15

البيع، و تجوز في النقود من غير قبض (1).

و الضمان ليس بيعاً، فلا يدخله الخيار و به قال الشافعي (2) لأنّ الضامن دخل فيه مقطوعاً به مع الرضا بالغبن.

و أمّا الشفعة: فليست بيعاً عندنا، فلا يثبت فيها خيار المجلس لأحدٍ، و لا خيار الشرط؛ لأنّها لا تقف على التراضي.

و قال الشافعي: لا يثبت فيها خيار الشرط. و أمّا خيار المجلس فلا يثبت للمشتري؛ لأنّه يؤخذ منه الشقص بغير اختياره.

و في ثبوته للشفيع وجهان:

الثبوت؛ لأنّ سبيل الأخذ بالشفعة سبيل المعاوضات، و لهذا يثبت فيه الردّ بالعيب و الرجوع بالعهدة.

و المنع؛ لأنّ المشتري لا خيار له، و يبعد اختصاص خيار المجلس بأحد المتعاقدين (3).

فاختلف أصحابه على تقدير الثبوت في معناه.

فقال بعضهم: إنّ الشفيع بالخيار بين الأخذ و الترك ما دام في المجلس مع القول بالفور (4).

و غلّط إمام الحرمين هذا القائلَ، و قال: إنّه على الفور، ثمّ له الخيار

____________

(1) التهذيب للبغوي 3: 293، حلية العلماء 5: 35، العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

(2) التهذيب للبغوي 3: 292، العزيز شرح الوجيز 4: 170، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 175.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 172 و 193، روضة الطالبين 3: 102 و 111، المجموع 9: 177 و 192.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

16

في أخذ الملك و ردّه (1).

و أمّا اختيار عين المال المبيع من المفلس: فليس ببيع عندنا، فلا يثبت فيه خيار، بل يلزمه أخذه، و لا خيار له، و هو قول أكثر الشافعيّة (2).

و قال بعضهم وجهاً: إنّه بالخيار ما دام في المجلس (3).

و أمّا الوقف: فلا خيار فيه عندنا و عند الشافعي (4)؛ لأنّه إزالة ملك على وجه القربة، و يزول أيضاً إلى غير ملك، فهو كالعتق.

و أمّا الهبة بنوعيها: فلا خيار فيها عندنا؛ لأنّها ليست بيعاً.

و أمّا الشافعي فقال: إنّها غير لازمة قبل القبض، فلا خيار فيها (5). و إذا قبض فإن لم يكن فيها ثواب، فلا خيار فيها؛ لأنّه قصد التبرّع، فلا معنى لإثبات الخيار فيها.

و إن وهب بشرط الثواب أو مطلقاً و قلنا: أنّه يقتضي الثواب، فيه وجهان:

أظهرهما: أنّه لا خيار فيها؛ لأنّها لا تسمّى بيعاً، و لفظ الهبة لفظ الإرفاق، فلا يثبت بمقتضاه الخيارُ.

و الثاني: أنّه يثبت فيها خيار المجلس و خيار الشرط (6).

و قال بعضهم: إنّه لا يثبت خيار الشرط، و في خيار المجلس

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 172، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

(5) المهذّب للشيرازي 1: 454، التهذيب للبغوي 4: 527، حلية العلماء 6: 48، العزيز شرح الوجيز 6: 318، روضة الطالبين 4: 437، المجموع 9: 177 178.

(6) التهذيب للبغوي 3: 293، العزيز شرح الوجيز 4: 172 173، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 177.

17

قولان (1).

و أمّا الوصيّة: فلا خيار فيها؛ لأنّه بالخيار إلى أن يموت، و إذا (2) مات فات.

و أمّا القسمة: فلا خيار فيها، سواء تضمّنت ردّاً أو لا؛ لأنّها ليست بيعاً.

و قال الشافعي: يثبت الخيار إن تضمّنت ردّاً. و إن لم تتضمّن، فإن جرت بالإجبار، فلا خيار فيها. و إن جرت بالتراضي، فإن قلنا: إنّها إفراز حقّ، لم يثبت خيار. و إن قلنا: إنّها بيع، فكذلك في أصحّ الوجهين (3).

و أمّا النوع الثاني و هو الوارد على المنفعة فمنه النكاح، و لا يثبت فيه خيار المجلس؛ للاستغناء عنه بسبق التأمّل غالباً. و لأنّه لا يقصد فيه العوض.

و أمّا الصداق: فلا يثبت فيه خيار المجلس عندنا؛ لأنّه ليس ببيع.

و للشافعيّة قولان:

أحدهما: ما قلناه؛ لأنّه أحد عوضي النكاح، و إذا لم يثبت في أحد العوضين لم يثبت في الآخر. و لأنّ المال تبع [في (4)] النكاح، و إذا لم يثبت الخيار في المتبوع لم يثبت في التابع.

و الثاني: يثبت؛ لأنّ الصداق عقد مستقلّ.

و منهم مَنْ قال: يثبت فيه خيار الشرط. فعلى هذا إن فسخ، وجب مهر المثل.

____________

(1) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 193.

(2) في «ق، ك»: «فإذا».

(3) التهذيب للبغوي 3: 293 294، العزيز شرح الوجيز 4: 173، روضة الطالبين 3: 102، المجموع 9: 178.

(4) أضفناها من المصدر. و في الطبعة الحجريّة: «يتبع النكاح».

18

و على هذين الوجهين ثبوت خيار المجلس في عوض الخلع، أحدهما: الثبوت؛ لأنّه معاوضة، و إذا فسخ، بقي الطلاق رجعيّاً. و عدمُه؛ لأنّ القصد منه الفرقة دون المال، فأشبه النكاح (1).

و أمّا الإجارة: فلا يثبت فيها خيار المجلس بنوعيها، أعني المعيّنة، و هي المتعلّقة بالزمان، و التي في الذمّة؛ لأنّها ليست بيعاً.

و قالت الشافعيّة: في ثبوت خيار المجلس فيها وجهان:

الثبوت؛ لأنّها معاوضة لازمة، كالبيع، بل هي ضرب منه في الحقيقة.

و قال بعضهم بعدمه؛ لأنّ عقد الإجارة مشتمل على غرر؛ لأنّه عقد على معدوم و الخيار غرر فلا يضمّ غرر إلى غرر (2).

و قال القفّال: إنّ الخلاف في إجارة العين، أمّا الإجارة على الذمّة فيثبت فيها خيار المجلس لا محالة؛ لأنّها ملحقة بالسَّلَم حتى يجب فيها قبض البدل في المجلس (3). و هو ممنوع.

و قال بعضهم: لا يثبت خيار الشرط، و يثبت خيار المجلس في إجارة الذمّة كالإجارة المعيّنة. و لأنّ الغرر يقلّ في خيار المجلس، بخلاف خيار الشرط (4).

____________

(1) المهذّب للشيرازي 2: 58، الوسيط 3: 103، الوجيز 2: 27، العزيز شرح الوجيز 4: 173 و 8: 255، المجموع 9: 178، روضة الطالبين 3: 102 103، و 5: 590.

(2) المهذّب للشيرازي 1: 407، المجموع 9: 178، التهذيب للبغوي 3: 294- 295، العزيز شرح الوجيز 4: 173، روضة الطالبين 3: 103.

(3) التهذيب للبغوي 3: 295، العزيز شرح الوجيز 4: 173، روضة الطالبين 3: 103، المجموع 9: 178.

(4) المهذّب للشيرازي 1: 407، حلية العلماء 5: 404 405، التهذيب للبغوي 3: 295.

19

و على تقدير ثبوت الخيار في إجارة العين فابتداء المدّة يحسب من وقت انقضاء الخيار بالتفرّق أو من وقت العقد؟ قولان:

أحدهما: من وقت انقضاء الخيار؛ لأنّ الاحتساب من وقت العقد يعطّل [المنافع (1)] على المكري أو المكتري، و على هذا لو أراد المكري أن يكريه من غيره في مدّة الخيار، لم يجز و إن كان محتملًا في القياس.

و الصحيح عندهم: أنّه يحسب من وقت العقد؛ إذ لو حسب من وقت انقضاء الخيار، لتأخّر ابتداء مدّة الإجارة عن العقد، فيكون بمنزلة إجارة الدار السنة القابلة، و هي باطلة عندهم.

و على هذا فعلى مَنْ تُحسب مدّة الخيار؟ إن كان قبل تسليم العين إلى المستأجر، فهي محسوبة على المكري. و إن كان بعد التسليم، فوجهان مبنيّان على أنّ المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمن الخيار من ضمان مَنْ يكون؟

أصحّهما: أنّه من ضمان المشتري، فعلى هذا فهي محسوبة على المستأجر، و عليه تمام الأُجرة.

و الثاني: أنّها من ضمان البائع، فعلى هذا تُحسب على المكري، و يحطّ من الاجرة بقدر ما يقابل تلك المدّة (2).

و أمّا المساقاة: فلا خيار فيها عندنا للمجلس؛ لتعلّقه بالبيع و ليست به.

و لا يثبت فيها خيار الشرط عند الشافعي (3)، كالإجارة المعيّنة المتعلّقة بالزمان؛ لأنّها عقد على منفعة تتلف بمضيّ الزمان، و المساقاة من

____________

(1) ما بين المعقوفين من «العزيز شرح الوجيز».

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 174، روضة الطالبين 3: 103، المجموع 9: 178.

(3) المهذّب للشيرازي 1: 399.

20

شرطها أن تكون مدّتها معلومةً عقيب العقد.

و هل يثبت في المساقاة خيار المجلس؟ للشافعي طريقان:

أظهرهما: أنّه على الخلاف المذكور في الإجارة.

و الثاني: القطع بالمنع؛ لأنّ الغرر فيه أعظم، فإنّ كلّ واحد من المتعاقدين لا يدري ما يحصل له، فلا يضمّ إليه غرر آخر (1).

و أمّا المسابقة و المراماة: فقولان عند الشافعي، فإن قلنا: إنّها لازمة، فهي كالإجارة. و إن قلنا: إنّها جائزة، فهي كالعقود الجائزة (2).

و عندنا لا خيار فيها مطلقاً.

و أمّا العتق: فإنّه إسقاط حقّ، و كذا التدبير؛ لأنّه عتق معلّق بشرط.

و الكتابة لا خيار للسيّد فيها؛ لأنّه دخل على وجه القربة، و تحقّق الغبن في معاوضته؛ لأنّه باع ماله بماله. و أمّا العبد فله الخيار أبداً؛ لأنّ العقد جائز من جهته على ما اختاره الشيخ (3)، و به قال الشافعي (4).

و الطلاق إسقاط حقّ، فلا يثبت فيه خيار.

مسألة 228: مسقطات خيار المجلس أربعة:

أ اشتراط سقوطه في متن العقد.

____________

(1) المهذّب للشيرازي 1: 399، المجموع 9: 178، حلية العلماء 5: 371، التهذيب للبغوي 3: 295، العزيز شرح الوجيز 4: 174، روضة الطالبين 3: 103.

(2) الوسيط 3: 102، العزيز شرح الوجيز 4: 174، حلية العلماء 5: 462 463، التهذيب للبغوي 3: 295، روضة الطالبين 3: 103، المجموع 9: 178.

(3) الخلاف 3: 18، المسألة 21.

(4) المهذّب للشيرازي 2: 12، الوسيط 7: 526، الوجيز 2: 289، العزيز شرح الوجيز 13: 513، الحاوي الكبير 18: 146 و 294، التهذيب للبغوي 8: 481، حلية العلماء 6: 201 202، روضة الطالبين 8: 505.

21

ب الافتراق.

ج التخاير.

د التصرّف

فإن كان من المشتري، سقط خياره في الردّ؛ لأنّه بتصرّفه التزم بالملك، و اختار إبقاء العقد. و إن كان البائع، كان فسخاً للعقد.

أمّا الأوّل: فإذا تعاقدا و شرطا في متن العقد سقوط خيار المجلس أو غيره، سقط؛ لأنّه شرط سائغ، لتعلّق الأغراض بلزوم العقد تارة و جوازه اخرى، فيصحّ؛ لقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (1) و صحّته تقتضي الوفاء به.

و لو شرط أحدهما سقوطه عنه خاصّة، سقط بالنسبة إليه دون صاحبه، فليس له اختيار الفسخ، و لصاحبه اختياره.

و أمّا الثاني: فإنّه مسقط للخيار إجماعاً؛ لقوله (عليه السلام): «ما لم يفترقا» (2) جعل مدّة الخيار لهما دوامهما مصطحبين، سواء أقاما كذلك في المجلس أو فارقاه، فيكون ما عداه خارجاً عن هذا الحكم تحقيقاً لمسمّى الغاية.

و يحصل بالتفرّق بالأبدان لا بالمجلس خاصّة؛ لانصراف الإطلاق إليه عرفاً، و حيث علّق الشارع الحكم عليه و لم يبيّنه دلّ على حوالته فيه على عرف الناس، كغيره من الألفاظ، كالقبض و الحرز و الإحياء.

____________

(1) التهذيب 7: 371، 1503، الاستبصار 3: 232، 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.

(2) سنن ابن ماجة 2: 736، 2181، سنن أبي داوُد 3: 272 273، 3454 و 3456 و 3457، سنن الترمذي 3: 550، 1247، سنن النسائي 7: 249 250، سنن الدارمي 2: 250، سنن البيهقي 5: 268، الموطّأ 2: 671، 79.

22

و لما روي عن الباقر (عليه السلام) قال: «إنّي ابتعت أرضاً فلمّا استوجبتها قمت فمشيت خُطاً ثمّ رجعت فأردت أن يجب البيع» (1).

و أمّا الثالث: فإنّه يقطع خيار المجلس إجماعاً.

و صورته: أن يقولا: تخايرنا أو اخترنا إمضاء العقد، أو أمضيناه، أو اخترناه، أو التزمنا به، و ما أشبه ذلك، فإنّه يدلّ على الرضا بلزوم البيع.

إذا ثبت هذا، فإن قالاه في نفس العقد بأن عقدا على أن لا يكون بينهما خيار المجلس، فهو القسم الأوّل، و قد ذكرنا مذهبنا فيه، و أنّه يقتضي سقوط خيار المجلس؛ عملًا بالشرط.

و اختلفت الشافعيّة في ذلك على طريقين:

أحدهما: أنّ هذا الشرط لا يصحّ قولًا واحداً؛ لأنّه خيار يثبت بعد تمام العقد، فلا يسقط بإسقاطه قبل تمام العقد، كخيار الشفعة.

و الثاني: أنّه يصحّ و يسقط الخيار؛ لقوله (عليه السلام): «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا إلّا بيع الخيار» (2) و الاستثناء من الإثبات نفيٌ، فيكون بيع الخيار لا خيار فيه، و يريد ببيع الخيار ما أُسقط فيه الخيار. و لأنّ الخيار حقٌّ للمتعاقدين و فيه غرر أيضاً، فإذا اتّفقا على إسقاطه، جاز، كالأجل، و كما لو أسقطاه بعد العقد.

و على القول ببطلان الشرط ففي بطلان البيع وجهان: البطلان؛ لأنّه شرط نافى مقتضاه فأفسده، كما لو شرط أن لا يبيعه أو لا يتصرّف فيه. و الصحّة؛ لأنّه شرط لا يؤدّي إلى جهالة العوض و لا المعوّض (3).

____________

(1) التهذيب 7: 20، 84، الاستبصار 3: 72، 239.

(2) صحيح مسلم 3: 1163، 1531، صحيح البخاري 3: 84، سنن النسائي 7: 248، سنن البيهقي 5: 268، الموطّأ 2: 671، 79 بتفاوت يسير في غير الأوّل.

(3) المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 178 179، حلية العلماء 4: 18- 19، التهذيب للبغوي 3: 291، روضة الطالبين 3: 103 104.

23

فروع التفرّق:

أ قد عرفت أنّ الحوالة في التفرّق على العادة، فلو تبايعا و أقاما سنةً في مجلسهما لم يتفرّقا بأبدانهما، بقي الخيار. و كذا لو قاما و تماشيا مصطحبين منازل كثيرة، لم ينقطع الخيار؛ لعدم تحقّق التفرّق، و به قال أكثر الشافعيّة (1).

و لباقيهم قولان غريبان:

أحدهما: أنّه لا يزيد الخيار على ثلاثة أيّام؛ لأنّها نهاية الخيار المشروط شرعاً (2). و هو ممنوع.

و الثاني: قال بعضهم: لو لم يتفرّقا لكن شرعا في أمرٍ آخر و أعرضا عمّا يتعلّق بالعقد و طال الفصل، انقطع الخيار (3). و ليس بشيء.

ب التفرّق حقيقة في غير المتماسّين، و هو يحصل بأن يكون كلّ واحد منهما في مكان ثمّ يتبايعا. لكن ذلك غير مراد من قوله (عليه السلام): «ما لم يتفرّقا» (4) أي ما لم يجدّدا افتراقاً بعد عقدهما، فيبقى المراد: ما لم يفارق أحدهما مكانه، فإنّه متى فارق تخلّلهما أجسام أكثر ممّا كان يتخلّلهما أوّلًا، فيثبت معنى الافتراق بأقلّ انتقالٍ و لو بخُطوة.

و فصّل الشافعي هنا، فقال: إن كانا في دارٍ صغيرة، لم يحصل التفرّق إلّا بأن يخرج أحدهما من الدار، أو يصعد أحدهما إلى العلوّ و الآخر في

____________

(1) الوسيط 3: 104، العزيز شرح الوجيز 4: 175، التهذيب للبغوي 3: 307، روضة الطالبين 3: 104، المجموع 9: 180.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 177 178، روضة الطالبين 3: 104 و 105، المجموع 9: 180.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 177 178، روضة الطالبين 3: 104 و 105، المجموع 9: 180.

(4) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص 22، الهامش (2).

24

السفل. و كذا المسجد الصغير و السفينة الصغيرة لا يحصل التفرّق إلّا بالخروج منهما.

و إن كانا في دارٍ كبيرة و كان أحدهما في البيت و الآخر في الصفّة، حصل الافتراق، أو يخرج أحدهما من البيت إلى الصحن أو يدخل من الصحن في بيت أو صُفّة. و كذا السفينة الكبيرة إذا صعد أحدهما إلى أعلاها و بقي الآخر في أسفلها.

و إن كانا في صحراء أو سوق، قال الشافعي: يحصل التفرّق بأن يولّيه ظهره.

قال أصحابه: لم يرد أنّه يجعل ذلك بتفسير التولية، و إنّما أراد إذا ولّاه ظهره و مشى قليلًا.

و قال الإصطخري: يشترط أن يبعد بحيث إذا كلّمه صاحبه على الاعتياد من غير رفع الصوت، لم يسمع (1).

و كلّ هذه تخمينات، الأولى الإعراض عنها، و الاعتماد على ما دلّ عليه اللفظة.

ج لا يحصل التفرّق ببقائهما في المجلس و ضَرْب ساترٍ بينهما كستْرٍ و شبهه، و يكون كما لو غمّضا أعينهما. و كذا لو شُقّ بينهما نهر لا يتخطّى. و كذا لو بُني بينهما جدار من طين أو جصّ.

و في الآخِر للشافعيّة وجهان، أصحّهما: عدم السقوط؛ لأنّهما في مجلس العقد (2).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 178، روضة الطالبين 3: 105، المجموع 9: 180.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 178، روضة الطالبين 3: 105، المجموع 9: 181.

25

و ألحقه الجويني بما إذا حُمل أحدهما و أُخرج (1).

و صحن الدار و البيت الواحد إذا تفاحش اتّساعهما كالصحراء.

د لو تباعدا كثيراً و تناديا و تبايعا، صحّ البيع إجماعاً، و يثبت الخيار ما داما في مجلس العقد و موضعهما، و به قال جماعة من الشافعيّة (2).

و قال الجويني: لا خيار هنا؛ لأنّ التفرّق الطارئ قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته (3). و ليس بشيء.

هلو فارق أحدهما موضعه و بقي الآخر، بطل خيار الأوّل قطعاً. و في الثاني للجويني احتمالان:

سقوط خياره و هو الأقوى عندي لتحقّق معنى الافتراق، فإنّه يحصل بقيام أحدهما عن مكانه.

و عدمُه، بل يدوم إلى أن يفارق مكانه (4). و ليس بشيء.

و كذا لو هرب أحدهما خاصّة، سواء فعل ذلك حيلة في لزوم العقد أو لا، و سواء كانا عالمين بالحكم أو بالتفريق أو جاهلين بهما أو بالتفريق؛ لتحقّق الافتراق في الجميع.

و لو مات أحد المتعاقدين في مجلس العقد، احتمل سقوط الخيار؛ لأنّه يسقط بمفارقة المكان فبمفارقة الدنيا أولى. و عدمُه؛ لانتفاء افتراق الأبدان، فيثبت للوارث ما دام الميّت و الآخر في المجلس، أو الآخر و الوارث على احتمال، كخيار الشرط و العيب.

و للشافعي قولان كالاحتمالين؛ لأنّه قال في «المختصر» في «البيع»: إنّ الخيار لوارثه. و قال في «المكاتب»: إذا باع و لم يتفرّقا حتى مات

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 178.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 178، روضة الطالبين 3: 105، المجموع 9: 181.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 178، روضة الطالبين 3: 105، المجموع 9: 181.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 178، روضة الطالبين 3: 105، المجموع 9: 181.

26

المكاتب، وجب البيع.

و اختلف أصحابه في القولين على ثلاثة طرق:

أظهرها: أنّه قولان: لزوم البيع، و عدم لزومه، بل يثبت الخيار للوارث و السيّد.

و الثاني: القطع بثبوت الخيار للوارث و السيّد.

و الثالث: ثبوته في الوارث دون السيّد.

و الفرق: أنّ الوارث خليفة المورّث، فيقوم مقامه في الخيار، و السيّد ليس خليفةً للمكاتب، بل يأخذ بحقّ الملك. و على هذا العبدُ المأذون إذا باع أو اشترى و مات في المجلس، يجيء فيه الخلاف (1). و قد عرفت ما عندنا فيه.

و لو مات الوكيل بالشراء في المجلس، انتقل الخيار إلى الموكّل.

هذا إذا فرّعنا على أنّ الاعتبار بمجلس الوكيل في الابتداء، و هو الوجه عند الشافعيّة (2).

و لهم آخر: أنّ الاعتبار بمجلس الموكّل (3).

ز إذا قلنا بلزوم البيع، انقطع خيار الميّت. و أمّا الحيّ: فإن جعلنا الموت تفريقاً و أسقطنا الخيار للمقيم بعد مفارقة صاحبه، سقط هنا أيضاً.

و للشافعيّة قول: إنّه لا يسقط حتى يفارق ذلك المجلس (4).

و قال الجويني تفريعاً على هذا القول-: إنّه يلزم العقد من الجانبين؛ لأنّ الخيار لا يتبعّض في السقوط، كما في الثبوت (5).

ح إن قلنا بثبوت الخيار للوارث، فإن كان حاضراً في المجلس،

____________

(1) الحاوي الكبير 5: 57، العزيز شرح الوجيز 4: 178، روضة الطالبين 3: 105، المجموع 9: 207.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 179، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 207.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 179، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 207.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 179، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 207.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 179، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 207.

27

امتدّ الخيار بينه و بين العاقد الآخر حتى يتفرّقا أو يتخايرا.

و يحتمل أن يمتدّ الخيار بينه و بين الآخر ما دام الميّت و الآخر في المجلس.

و إن كان غائباً، فله الخيار إذا وصل الخبر إليه.

ثمّ هو على الفور أو يمتدّ بامتداد مجلس بلوغ الخبر إليه؟ للشافعيّة وجهان: الفور؛ لأنّ المجلس قد انقضى و إنّما أثبتنا له الخيار؛ لئلّا يبطل حقّا كان للمورّث. و عدمُه؛ لأنّ الوارث خليفة المورّث، فيثبت له على ما يثبت للمورّث (1).

و الأوّل عندي أقرب.

و هذان الوجهان عند الشافعيّة كالوجهين في خيار الشرط إذا ورثه الوارث و كان بلوغ الخبر إليه بعد انقضاء مدّة الخيار. ففي وجهٍ: هو على الفور. و في آخر: يدوم و يمتدّ ما كان يدوم للمورّث لو لم يمت. هذا على قول الأكثر.

و قال بعضهم: في كيفيّة ثبوت الخيار للوارث وجهان نقلوهما في كيفيّة ثبوته للعاقد الباقي:

أحدهما: أنّ له الخيار ما دام في مجلس العقد، فإذا فارقه، بطل. فعلى هذا يكون خيار الوارث الواحد في المجلس الذي يشاهد فيه المبيع ليتأمّل و يختار ما فيه الحظّ.

و الثاني: أنّ خياره يتأخّر إلى أن يجتمع مع الوارث في مجلسٍ. فعلى هذا حينئذٍ يثبت الخيار للوارث (2).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 179، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 208.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 179 180، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 208.

28

ط لو تعدّد الوارث، فإن كانوا حضوراً في مجلس العقد، فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر، و لا ينقطع الخيار بمفارقة بعضهم- و هو أصحّ قولي الشافعيّة (1) لأنّه لم يحصل تمام الافتراق، لأنّهم ينوبون عن الميّت جميعهم.

و كذا إذا بلغهم و هُمْ في مجالسهم ففارقوا مجالسهم إلّا واحداً، لم يلزم العقد.

و إن كانوا غُيّباً عن المجلس، فإن قلنا: في الوارث الواحد يثبت له الخيار في مجلس مشاهدة المبيع، فلهُم الخيار إذا اجتمعوا في مجلسٍ واحد. و إن قلنا: له الخيار إذا اجتمع مع العاقد، فكذلك لهُم الخيار إذا اجتمعوا معه.

ي لو فسخ بعضهم و أجاز بعضهم، فالأقوى أنّه ينفسخ في الكلّ، كالمورّث لو فسخ في حياته في البعض و أجاز في البعض. و هو أصحّ وجهي الشافعيّة. و في آخر: أنّه لا ينفسخ في شيء (2).

لو أُكرها على التفرّق و ترك التخاير، لم يسقط خيار المجلس و كان الخيار باقياً إلّا أن يوجد منه ما يدلّ على الرضا باللزوم، و هو أظهر الطريقين عند الشافعيّة.

و الثاني: أنّ في انقطاعه وجهين، كالقولين في صورة الموت، و هذا أولى ببقاء الخيار؛ لأنّ إبطال حقّه قهراً مع بقائه بعيد (3).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 180، روضة الطالبين 3: 106 107، المجموع 9: 208.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 180، روضة الطالبين 3: 107، المجموع 9: 208.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 180 181، روضة الطالبين 3: 107، المجموع 9: 181- 182.

29

و كذا لو حُمل أحد المتعاقدين و أُخرج عن المجلس مُكرَهاً و مُنع من الفسخ بأن يُسدّ فوه مثلًا.

و لو لم يُمنع من الفسخ، فطريقان للشافعيّة:

أظهرهما: أنّ في انقطاع الخيار وجهين:

أحدهما: ينقطع و به قال أبو إسحاق لأنّ سكوته عن الفسخ مع القدرة رضا بالإمضاء.

و أصحّهما: أنّه لا ينقطع؛ لأنّه مُكرَه في المفارقة، فكأنّه لا مفارقة، و السكوت عن الفسخ لا يُبطل الخيار، كما في المجلس.

و الثاني: القطع بالانقطاع، فإن قلنا به، انقطع خيار الماكث أيضاً، و إلّا فله التصرّف بالفسخ و الإجازة إذا وجد التمكّن (1).

و هل هو على الفور؟ فيه ما سبق من الخلاف، فإن قلنا بعدم الفور و كان مستقرّاً حين زائلة للإكراه في مجلسٍ، امتدّ الخيار بامتداد ذلك المجلس. و إن كان مارّاً، فإذا فارق في مروره مكان التمكّن، انقطع خياره، و ليس عليه الانقلاب إلى مجلس العقد ليجتمع مع العاقد الآخر إن طال الزمان. و إن لم يطُلْ، ففيه احتمال عند الجويني (2).

و إذا لم يبطل خيار المُخْرَج، لم يبطل خيار الماكث أيضاً إن مُنع من الخروج معه. و إن لم يُمنع، بطل؛ لحصول التفرّق باختياره؛ إذ لا يشترط فيه مفارقة كلٍّ منهما المجلسَ، بل يكفي مفارقة أحدهما و بقاء الآخر فيه باختياره، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (3).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 180 181، روضة الطالبين 3: 107، المجموع 9: 181- 182.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 181، روضة الطالبين 3: 107.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 181، روضة الطالبين 3: 107، المجموع 9: 182.

30

يب لو ضُربا حتى تفرّقا بأنفسهما، فالأقرب: عدم انقطاع الخيار؛ لأنّه نوع إكراه. و للشافعي قولان (1).

و لو هرب أحدهما و لم يتبعه الآخر مع التمكّن، بطل خيارهما. و إن لم يتمكّن، بطل خيار الهارب خاصّة. و في بطلان خيار الآخر وجهان للشافعيّة (2).

و الأقرب عندي: البطلان إن كان الهرب اختياراً؛ لأنّه باختياره فارقه، و لا يقف افتراقهما على تراضيهما جميعاً؛ لأنّه لمّا سكت عن الفسخ و فارقه صاحبه، لزم.

يج لو جُنّ أحد المتعاقدين أو أُغمي عليه قبل التفرّق، لم ينقطع الخيار، لكن يقوم وليّه أو الحاكم مقامه، فيفعل ما فيه مصلحته من الفسخ أو الإجازة، و هو أظهر وجهي الشافعيّة (3).

و لهم آخر مخرَّج من الموت: أنّه ينقطع (4).

و لو فارق المجنون مجلس العقد، قال الجويني: يجوز أن يقال: لا ينقطع الخيار؛ لأنّ التصرّف انقلب إلى القيّم عليه (5).

و عُورض بأنّه لو كان كذلك، لكان الجنون كالموت (6).

و لو خرس أحدهما قبل التفرّق، فإن كان له إشارة مفهومة، قامت

____________

(1) التهذيب للبغوي 3: 307، العزيز شرح الوجيز 4: 181، روضة الطالبين 3: 107.

(2) التهذيب للبغوي 3: 307، العزيز شرح الوجيز 4: 181، روضة الطالبين 3: 107، المجموع 9: 182 183.

(3) الوسيط 3: 106، العزيز شرح الوجيز 4: 181، التهذيب للبغوي 3: 318، الحاوي الكبير 5: 58، روضة الطالبين 3: 108، المجموع 9: 209.

(4) الوسيط 3: 106، العزيز شرح الوجيز 4: 181، التهذيب للبغوي 3: 318، الحاوي الكبير 5: 58، روضة الطالبين 3: 108، المجموع 9: 209.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 181.

(6) العزيز شرح الوجيز 4: 181.

31

مقام لفظه. و إن لم يكن له إشارة مفهومة و لا خطّ، كان حكمه حكم المغمى عليه ينوب عنه الحاكم.

يد لو جاءا مصطحبين و تنازعا في التفرّق بعد البيع فادّعاه أحدهما و أنّ البيع قد لزم، و أنكر الآخر، قُدّم قول المنكر مع اليمين؛ لأصالة دوام الاجتماع، و هو أحد قولي الشافعيّة.

و في الآخر: يبنى على الظاهر، فإن قصرت المدّة، قُدّم قول المنكر مع اليمين. و إن طالت، قُدّم قول المدّعى؛ لندور الاجتماع المدّة الطويلة، فمدّعيه يدّعي خلاف الظاهر، فيُقدّم قول مدّعي الفسخ بالتفرّق بناءً على الظاهر (1).

و لو اتّفقا على التفرّق و قال أحدهما: فسخت قبله، و أنكر الآخر، قُدّم قوله مع اليمين؛ لأنّ الأصل عدم الفسخ، و هو أحد قولي الشافعيّة.

و في الآخر: يُقدّم قول مدّعي الفسخ؛ لأنّه أعرف بتصرّفه (2). و ليس شيئاً.

و لو اتّفقا على عدم التفرّق و ادّعى أحدهما الفسخَ، احتُمل أن تكون دعواه فسخاً.

يه لو اشترى الوكيل أو باع أو تعاقد الوكيلان، فالأقرب: تعلّق الخيار بهما و بالموكّلين جميعاً في المجلس، و إلّا فبالوكيلين. فلو مات الوكيل في المجلس و الموكّل غائب، انتقل الخيار إليه؛ لأنّ ملكه أقوى من

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 182، و في روضة الطالبين 3: 108، و المجموع 9: 183 القول الأوّل.

(2) الوجيز 1: 141، العزيز شرح الوجيز 4: 182، روضة الطالبين 3: 108، المجموع 9: 183.

32

ملك الوارث.

و للشافعيّة قولان، أحدهما: أنّ الخيار يتعلّق بالموكّل. و الثاني: أنّه يتعلّق بالوكيل (1).

فروع التخاير:

أ لو قال أحد المتعاقدين: اخترت إمضاء العقد، سقط خياره قطعاً؛ لرضاه بالتزام البيع، و لا يسقط خيار الآخر؛ عملًا بأصالة الاستصحاب السالم عن معارضة الإسقاط، و كما في خيار الشرط إذا أسقط أحدهما الخيار، يبقى خيار الآخر، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و في الآخر: أنّه يسقط أيضاً؛ لأنّ هذا الخيار لا يتبعّض في الثبوت فلا يتبعّض في السقوط (2).

و هو ممنوع؛ لأنّ (3) اشتراط الخيار لأحدهما دون الآخر سائغ، فجاز الافتراق في الإسقاط.

ب لو قال أحدهما للآخر: اختر، أو خيّرتك، فقال الآخر: اخترت إمضاء العقد، انقطع خيارهما معاً، و إن اختار الفسخ، انفسخ، و إن سكت و لم يختر إمضاء العقد و لا فسخه، فهو على خياره لم يسقط. و أمّا الذي خيّره فإنّه يسقط خياره؛ لأنّه جعل له ما ملكه من الخيار، فسقط خياره؛ لأنّه جَعَله لغيره، و هو أظهر قولي الشافعيّة.

و في الثاني: لا يسقط؛ لأنّه خيّره، فإذا لم يختر، لم يسقط بذلك

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 179، روضة الطالبين 3: 106، المجموع 9: 207.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 174، روضة الطالبين 3: 104، المجموع 9: 179.

(3) في «ق، ك»: «فإنّ» بدل «لأنّ».

33

حقّ المخيّر، كما أنّ الزوج إذا خيّر زوجته فسكتت و لم تختر، لم يسقط بذلك حقّه، كذا هنا (1).

و الفرق: أنّه ملّك الزوجة ما لا تملك، فإذا لم تقبل، سقط، و هنا كلّ واحد منهما يملك الخيار، فلم يكن قوله تمليكاً له، و إنّما كان إسقاطاً لحقّه من الخيار، فسقط.

و يدلّ عليه قوله (عليه السلام): «أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر» (2) فإنّه يقتضي أنّه إذا قال لصاحبه: اختر، لا يكون الخيار لكلّ واحد منهما، كما في قوله: «ما لم يتفرّقا» (3).

هذا إذا قصد بقوله: «اختر» تمليك الخيار لصاحبه، و يسقط (4) حقّه منه. و لو لم يقصد، لم يسقط خياره، سواء اختار الآخر أو سكت.

و الموت كالسكوت، فلو قال له: اختر، و قصد التمليك ثمّ مات القائل، سقط خياره. و لو مات المأمور، فكسكوته.

ج لو اختار أحدهما الإمضاءَ و الآخرُ الفسخَ، قُدّم الفسخ على الإجازة؛ إذ لا يمكن الجمع بينهما، و لا انتفاؤهما؛ لاشتماله الجمعَ بين النقيضين، فتعيّن تقديم أحدهما، لكنّ الذي اختار الإمضاء قد دخل في عقدٍ ينفسخ باختيار صاحبه الفسخَ و رضي به، فلا أثر لرضاه به لازماً بعد ذلك.

____________

(1) المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 179، العزيز شرح الوجيز 4: 175، روضة الطالبين 3: 104.

(2) صحيح البخاري 3: 84، سنن أبي داوُد 3: 273، 3455، سنن البيهقي 5: 269.

(3) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص 22، الهامش (2).

(4) في «ق، ك»: «سقط».

34

د لو تقابضا العوضين في المجلس ثمّ تبايعا العوضين معاً ثانياً، صحّ البيع الثاني؛ لأنّه صادف الملك، و هو رضا منهما بالأوّل، و هو المشهور عند الشافعيّة (1).

و عند بعضهم أنّه مبنيّ على أنّ الخيار هل يمنع انتقال الملك؟ إن قلنا: يمنع، لم يصح (2).

هلو تقابضا في عقد الصرف ثمّ أجازا في المجلس، لزم العقد. و إن أجازاه قبل التقابض، فكذلك، و عليهما التقابض. فإن تفرّقا قبله، انفسخ العقد.

ثمّ إن تفرّقا عن تراضٍ، لم يحكم بعصيانهما، فإن انفرد أحدهما بالمفارقة، عصى، و هو أحد وجهي الشافعيّة. و في الثاني: أنّ الإجازة قبل التقابض لاغية؛ لأنّ القبض متعلّق بالمجلس، و هو باقٍ، فيبقى حكمه في الخيار (3).

البحث الثاني: في خيار الحيوان.

مسألة 229: إذا كان المبيع حيواناً، يثبت (4) الخيار

فيه للمشتري خاصّة ثلاثة أيّام من حين العقد على رأي، فله الفسخ و الإمضاء مدّة ثلاثة أيّام عند علمائنا أجمع، خلافاً للجمهور كافّة.

لنا: الأخبار المتواترة عن أهل البيت (عليهم السلام) بذلك، و هُمْ أعرف بالأحكام حيث هُمْ مظانّها، و مهبط الوحي، و ملازمو الرسول ((صلى اللّه عليه و آله)).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 175، روضة الطالبين 3: 104، المجموع 9: 180.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 175، روضة الطالبين 3: 104، المجموع 9: 180.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 175، روضة الطالبين 3: 104.

(4) في «ق، ك»: «ثبت».

35

قال الصادق (عليه السلام): «الشرط في الحيوان كلّه ثلاثة أيّام للمشتري، و هو بالخيار اشترط أو لم يشترط» (1).

و لأنّ العيب في الحيوان قد يثبت خفياً غالباً، و في الثلاثة يختبر و يظهر أثره، فوجب أن يكون مشروعاً؛ دفعاً للضرر. و لأنّه يثبت في الشاة المصرّاة فكذا في غيرها؛ لأنّ المناط هو ظهور العيب الخفيّ. و لأنّ الحيوان يغتذي و يأكل في حالتَي صحّته و سقمه و يتحوّل طبعه قلّما ينفكّ (2) عن عيبٍ خفيّ أو ظاهر، فيحتاج إلى إثبات الخيار ليندفع عنه هذا المحذور.

مسألة 230: هذا الخيار و خيار المجلس يثبتان بأصل الشرع،

سواء شرطاه في العقد أو أطلقا. أمّا لو شرطا سقوطه، فإنّه يسقط إجماعاً؛ لعموم قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (3).

إذا ثبت هذا، فإنّما يثبت الخيار للمشتري لو لم يتصرّف في الحيوان في الثلاثة، فإن تصرّف فيه، سقط خياره إجماعاً؛ لأنّه دليل على الرضا به.

و لقول الصادق (عليه السلام): «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل ثلاثة أيّام فذلك رضا منه فلا شرط له» قيل: و ما الحدث؟ قال: «إن لامس أو قبّل أو نظر منها إلى ما يحرم عليه قبل الشراء» (4).

و لا فرق بين أن يكون التصرّف لازماً كالبيع، أو غير لازم كالهبة قبل القبض، و الوصيّة، فإنّه بأجمعه مُسقط للخيار.

____________

(1) الفقيه 3: 126، 549، التهذيب 7: 24، 101 بتفاوت.

(2) كذا في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة. و الظاهر: «و بتحوّل طبعه قلّما ينفكّ». أو: و «يتحوّل طبعه و قلّما ينفكّ».

(3) التهذيب 7: 371، 1503، الاستبصار 3: 232، 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.

(4) الكافي 5: 169، 2، التهذيب 7: 24، 102.

36

مسألة 231: و كما يسقط هذا الخيار بالتصرّف كيف كان فكذا يسقط باشتراط سقوطه في العقد.

و كذا بالتزامه و اختيار الإمضاء بعد العقد.

و لا يسقط بالرضا بالعيب الموجود في الحيوان، و لا بالتبرّي من عهدة العيب الحادث في الثلاثة. و كذا لا يسقط خيار العيب بإسقاط خيار الثلاثة.

نعم، لو أسقط خيار الثلاثة، سقط خيار العيب المتجدّد فيها، و كان من ضمان المشتري.

مسألة 232: و هذا الخيار يثبت للمشتري خاصّة

عند أكثر (1) علمائنا.

و قال السيّد المرتضى ((رحمه اللّه)): يثبت للبائع (2) أيضاً.

لنا: الأصل لزوم العقد، خرج عنه جانب المشتري، نظراً له لخفاء العيب، فإنّ عيوب الحيوانات أكثرها باطنة لا تظهر (3) إلّا بالاختبار و التراخي و التروّي المفتقر إلى طول الزمان، أمّا البائع فإنّه المالك، و قلّ أن يخفى عليه جودة حيوانه، و عيب الثمن ظاهر في الحال.

و لأنّ الصادق (عليه السلام) قال: «الشرط في الحيوان كلّه ثلاثة أيّام للمشتري» (4) و التخصيص بالوصف يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه.

احتجّ السيّد المرتضى ((رحمه اللّه)) بقول الصادق (عليه السلام): «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان و فيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا» (5).

____________

(1) منهم: الشيخ الطوسي في النهاية: 386، و سلّار في المراسم: 173، و القاضي ابن البرّاج في المهذّب 1: 353، و ابن إدريس في السرائر 2: 243 244، و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 2: 22.

(2) الانتصار: 207.

(3) في الطبعة الحجريّة: «لا تظهر له».

(4) تقدّمت الإشارة إلى مصدره في ص 35، الهامش (1).

(5) التهذيب 7: 23 24، 99.

37

و الجواب: ثبوته للمشتري يدلّ على ثبوته للمجموع، و لا يدلّ على ثبوته للآخر.

و أيضاً يُحمل على ما إذا كان الثمن حيواناً إمّا في ثمن حيوانٍ آخر أو في ثوبٍ أو غيرهما؛ جمعاً بين الأدلّة.

و لوجود المقتضي لثبوت الخيار للمشتري، و هو خفاء عيب الحيوان، فإذا كان الثمن حيواناً، كان المقتضي لثبوت الخيار فيه متحقّقاً، و لا يثبت إلّا للبائع.

و يؤيّده قول الباقر (عليه السلام)، قال: «قال رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)): المتبايعان بالخيار حتى يفترقا و صاحب الحيوان ثلاث» (1) و هو عامّ في البائع و المشتري. فعلى هذا لو باع حيواناً بحيوان، يثبت (2) الخيار لهما معاً، و على ما اخترناه يكون الخيار للمشتري خاصّة.

و لو كان الثمن حيواناً و المثمن ثوباً، فلا خيار. أمّا للمشتري: فلأنّه لم يشتر حيواناً. و أمّا البائع: فلأنّه ليس بمشترٍ، و الحديث إنّما يقتضي ثبوته للمشتري خاصّة.

البحث الثالث: في خيار الشرط.

مسألة 233: لا خلاف بين العلماء في جواز اشتراط الخيار في البيع؛

للأصل. و لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3) فإذا وقع على شرطٍ سائغ،

____________

(1) الكافي 5: 170، 4، و فيه: «البيّعان ..» التهذيب 7: 24، 100، و فيه «البائعان ..».

(2) في «ق، ك»: «ثبت».

(3) المائدة: 1.

38

وجب الوفاء. و قولِه (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و إنّما اختلفوا في أنّه مقدّر أم لا؟ فمن قدّره اختلفوا في مدّة تقديره، فالذي عليه علماؤنا أجمع أنّه لا يتقدّر في أصل الشرع بقدر معيّن، بل يجوز أن يشترط خياراً مهما أراد من الزمان، طال أو قصر بشرط ضبطه بما لا يحتمل الزيادة و النقصان، كاليوم و الشهر و السنة و السنين المعدودة المعيّنة المضبوطة ابتداءً و انتهاءً- و به قال أبو يوسف و محمّد و أحمد بن حنبل (2) للعمومات السابقة.

و قولِ الصادق (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم إلّا كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فلا يجوز» (3).

و سُئل الصادق (عليه السلام) عن رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه و تكون لك أحبّ إليَّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليَّ، فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه» قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟ قال: «الغلّة للمشتري، أ لا ترى أنّها لو احترقت لكانت من ماله» (4).

و لأنّه لا فرق بين المدّة القليلة و الكثيرة، فإذا جاز في القليلة، جاز في

____________

(1) التهذيب 7: 371، 1503، الاستبصار 3: 232، 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.

(2) النتف 1: 446، المبسوط للسرخسي 13: 41، مختصر اختلاف العلماء 3: 51، 1128، تحفة الفقهاء 2: 66، الهداية للمرغيناني 3: 27، الاختيار لتعليل المختار 2: 18، المغني 4: 97 98، الشرح الكبير 4: 73 74، الوسيط 3: 108، العزيز شرح الوجيز 4: 190، الحاوي الكبير 5: 65، الذخيرة 5: 24.

(3) الفقيه 3: 127، 553، التهذيب 7: 22، 93، و فيهما: «المسلمون ..».

(4) التهذيب 7: 23، 96.

39

الكثيرة، بل هي أولى؛ لأنّ الخيار جُعل إرفاقاً بالمتعاقدين، فإذا زادت المدّة، كان الإرفاق المطلوب حصوله في نظر الشرع أزيد. و لأنّها مدّة ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين.

و قال الشافعي: لا يجوز اشتراط مدّة في العقد تزيد على ثلاثة أيّام- و به قال أبو حنيفة لقول عمر: ما أجد (1) لكم أوسع ممّا جعل رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)) لحبّان (2) بن منقذ جعل له عهدة ثلاثة أيّام إن رضي أخذ، و إن سخط ترك (3).

و عن ابن عمر أنّ حبّان بن منقذ أصابته آمّة (4) في رأسه، فكان يُخدع في البيع، فقال ((صلى اللّه عليه و آله)): «إذا بايعت فقُلْ: لا خلابة» و جَعَل له الخيار ثلاثة أيّام (5).

و قوله: «لا خلابة» عبارة في الشرع عن اشتراط الخيار ثلاثاً إذا أطلقاها عالمين بمعناها كان كالتصريح بالاشتراط.

و لأنّ الخيار غرر ينافي مقتضى البيع (6)، و إنّما جوّز لموضع الحاجة، فجاز القليل منه الذي تدعو الحاجة إليه في الغالب، و آخر حدّ القلّة الثلاثة؛ لقوله تعالى فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (7) ثمّ قال تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ

____________

(1) في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: «ما أُحلّ». و الظاهر أنّها تصحيف ما أثبتناه من المصدر.

(2) في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: «لحنان». و كذا في الموارد الآتية، و ما أثبتناه من المصدر، و كما في تهذيب الأسماء و اللغات للنووي 1: 152، 111.

(3) سنن الدارقطني 3: 54، 216، سنن البيهقي 5: 274.

(4) الآمّة: هي الشجّة التي بلغت أُمّ الرأس، و هي الجلدة التي تجمع الدماغ. لسان العرب 12: 33 «أمم».

(5) سنن ابن ماجة 2: 789، 2355، سنن الدارقطني 3: 55 56، 220.

(6) في الطبعة الحجريّة: «العقد» بدل «البيع».

(7) هود: 64.

40

ثَلاثَةَ أَيّامٍ (1) و أجاز رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)) للمهاجر أن يقيم بمكّة بعد قضاء مناسكه ثلاثاً (2) (3).

و قال مالك: يجوز في ذلك قدر ما يحتاج إليه، فإن كان البيع من الفواكه التي لا تبقى أكثر من يوم، جاز الخيار فيها (4) يوماً واحداً. و إن كان ضيعةً لا يمكنه أن يصل إليها إلّا في أيّامٍ، جاز الخيار أكثر من ثلاث؛ لأنّ الخيار إنّما يثبت للحاجة إليه، فجاز حسب الحاجة (5).

و الجواب: لا عبرة بتحريم عمر، فإنّه ليس أهلًا لأن يُحلّل أو يُحرّم. و جَعل رسول اللّه ((صلى اللّه عليه و آله)) لحبّان بن منقذ عهدة ثلاثة أيّام لا يدلّ على المنع عن الزائد. و لو كان الخيار مشتملًا على غرر، لما ساغ التقدير بثلاثة أيّام، و إذا كان الضابط الحاجةَ، وجب أن يتقدّر بقدرها، كما قاله مالك، و الغالب

____________

(1) هود: 65.

(2) صحيح مسلم 2: 985، 442، و 986، 444، سنن النسائي 3: 122، سنن البيهقي 3: 147، مسند أحمد 6: 39، 20002، المعجم الكبير للطبراني 18: 96 و 97، 169 171.

(3) مختصر المزني: 76، الحاوي الكبير 5: 65، المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 190 و 225، الوجيز 1: 141، العزيز شرح الوجيز 4: 190، الوسيط 3: 108، حلية العلماء 4: 21، التهذيب للبغوي 3: 318، روضة الطالبين 3: 108، المبسوط للسرخسي 13: 41، الهداية للمرغيناني 3: 27، الاختيار لتعليل المختار 2: 18، مختصر اختلاف العلماء 3: 51، 1128، النتف 1: 446، تحفة الفقهاء 2: 65، بداية المجتهد 2: 209، الذخيرة 5: 24، المغني 4: 98، الشرح الكبير 4: 74.

(4) كلمة «فيها» لم ترد في «ق، ك».

(5) بداية المجتهد 2: 209، الحاوي الكبير 5: 65، الذخيرة 5: 23 24، حلية العلماء 4: 19 21، العزيز شرح الوجيز 4: 190، المغني 4: 98، الشرح الكبير 4: 74.

41

الحاجة إلى الزيادة على الثلاثة، و لمّا كانت الحاجة تختلف باختلاف الأشخاص و أحوالهم وجب الضبط بما يعرفه المتعاقدان من المدّة التي يحتاجان إليها.

مسألة 234: و إنّما يصحّ شرط الخيار إذا كان مضبوطاً محروساً

من الزيادة و النقصان، و أن يُذكر في متن العقد، فلو جعل الخيار إلى مقدم (1) الحاجّ أو إدراك الغلّات أو إيناع الثمار أو حصاد الزرع أو دخول القوافل أو زيادة الماء أو نقصانه أو نزول الغيث أو انقطاعه، بطل العقد؛ لأنّ للأجل قسطاً من الثمن، فيؤدّي جهالته إلى جهالة العوض، و يؤدّي إلى الغرر المنهيّ عنه.

و لو ذكرا مثل هذا الخيار ثمّ أسقطاه بعد العقد أو اختارا الإمضاء، لم ينقلب صحيحاً؛ لأنّه وقع فاسداً، فلا عبرة به، و الأصل بقاء الملك على بائعه و لم يوجد مزيل عنه فبقي على حاله.

و إذا ذكرا أجلًا مضبوطاً قبل العقد أو بعده، لم يعتدّ به؛ لأنّ العقد وقع منجّزاً فلا يؤثّر فيه السابق و اللاحق، و إنّما يعتدّ بالشرط لو وقع في متن العقد بين الإيجاب و القبول، فيقول مثلًا: بعتك كذا بكذا و لي الخيار مدّة كذا، فيقول: اشتريت.

مسألة 235: إذا اشترطا (2) مدّة معيّنة أكثر من ثلاثة أيّام في العقد، صحّ

على ما بيّنّاه.

و قال الشافعي بناءً على أصله: يبطل العقد. فإن أسقطا ما زاد على الثلاث في مدّة الخيار، لم يحكم بصحّة العقد و به قال زفر لأنّه عقد وقع

____________

(1) في هامش «ق»: «الأصل: قدوم».

(2) في «ق، ك»: «شرطا».

42

فاسداً، فلا يصحّ حتى يبتدأ، كما لو باع درهماً بدرهمين و أسقطا درهماً (1).

و قال أبو حنيفة: يصحّ العقد بإسقاط ذلك؛ لأنّ المفسد ما زاد على الثلاث، فإذا أسقطه، وجب أن يصحّ العقد. و الدليل على جواز إسقاطه أنّه خيار مشروط في العقد، فإذا أسقطاه في الثلاث، سقط، كاليوم الثالث (2).

و هو ممنوع؛ لأنّ العقد غير قائم بينهما، و الخيار لم يثبت فيسقط، بخلاف الثالث؛ لأنّه يثبت (3) فصحّ إسقاطه، بخلاف ما زاد عليه، فإنّه لم يثبت.

مسألة 236: إذا اشترى شيئاً بشرط الخيار و لم يُسمّ وقتاً و لا أجلًا، بل أطلقه، بطل البيع

و به قال الشافعي (4) للجهالة المتضمّنة لجهالة العوض.

و للشيخ ((رحمه اللّه)) قول: إنّه يصحّ البيع، و يكون له الخيار ثلاثة أيّام، و لا خيار له بعد ذلك (5).

و هو محمول على إرادة خيار الحيوان.

____________

(1) التهذيب للبغوي 3: 318 323، حلية العلماء 4: 22، الحاوي الكبير 5: 67، العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 108، المجموع 9: 190 و 194، المبسوط للسرخسي 13: 42، الاختيار لتعليل المختار 2: 19.

(2) المبسوط للسرخسي 13: 42، الاختيار لتعليل المختار 2: 19، الحاوي الكبير 5: 67، حلية العلماء 4: 22، التهذيب للبغوي 3: 323، المغني 4: 125، الشرح الكبير 4: 74.

(3) في «ق، ك»: «ثبت».

(4) الحاوي الكبير 5: 67، العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 109، المجموع 9: 191 و 194، بداية المجتهد 2: 209 210، المغني 4: 124 126، الشرح الكبير 4: 74 75.

(5) الخلاف 3: 20، المسألة 25.

43

و قال أبو حنيفة: البيع فاسد، فإن أجازه في الثلاثة، جاز عنده خاصّة.

و إن لم يجز حتى مضت الثلاثة، بطل البيع (1).

و قال أبو يوسف و محمّد: له أن يجيز بعد الثلاثة (2).

و قال مالك: إن لم يجعل للخيار وقتاً، جاز، و جعل له من الخيار مثل ما يكون في تلك السلعة (3).

و قال الحسن بن صالح بن حيّ: إذا لم يعيّن أجل الخيار، كان له الخيار أبداً (4).

مسألة 237: قد ذكرنا أنّه إذا قرن الخيار بمدّة مجهولة، بطل البيع

و به قال الشافعي و أبو حنيفة (5) لما تقدّم. و لأنّها مدّة ملحقة بالعقد، فلا يجوز مع الجهالة، كالأجل.

و قال ابن أبي ليلى: الشرط باطل و البيع صحيح؛ لأنّ عائشة اشترت

____________

(1) مختصر اختلاف العلماء 3: 55، 1132، الهداية للمرغيناني 3: 27، النتف 1: 446، الاختيار لتعليل المختار 2: 19، بداية المجتهد 2: 209، الاستذكار 20: 253، 30084، و حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 20، المسألة 25.

(2) الاستذكار 20: 253، 30085، و حكاه عنهما أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 20، المسألة 25.

(3) بداية المجتهد 2: 209، الاستذكار 20: 253، 30083، العزيز شرح الوجيز 4: 190، و حكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 20، المسألة 25.

(4) المحلّى 8: 373، بداية المجتهد 2: 209، الاستذكار 20: 254، 30088، مختصر اختلاف العلماء 3: 55، 1132، و حكاه عنه أيضاً الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 20، المسألة 25.

(5) الحاوي الكبير 5: 67، حلية العلماء 4: 30، العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 109، المجموع 9: 191، المغني 4: 124 126، الشرح الكبير 4: 74 75.

44

بريرة و شرط مواليها أن تجعل ولاءها لهم، فأجاز النبيّ ((صلى اللّه عليه و آله)) البيع و ردّ الشرط (1). و هذا يدلّ على أنّ الشرط الفاسد لا يفسد العقد (2).

و قال ابن شُبْرُمة: الشرط و البيع صحيحان و هو ظاهر ما روي عن أحمد (3) لما رواه جابر قال: إنّ النبيّ ((صلى اللّه عليه و آله)) ابتاع منّي بعيراً بمكة فلمّا نقدني الثمن شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة، فأجاز النبيّ ((صلى اللّه عليه و آله)) الشرط و البيع (4)، فكذلك سائر الشروط.

و قال مالك: البيع صحيح، و يضرب له من الأجل ما يختبر في مثله في العادة؛ لأنّ ذلك متقرّر (5) في العادة، فإذا (6) أطلقا، حُمل عليه (7).

و الجواب: أنّ حديث عائشة قضيّة في عين. و يحتمل أن يكون الشرط قد وقع قبل العقد أو بعده، فلا يكون معتبراً. و قد روي أنّه أمرها أن تشتري و تشترط الولاء (8)؛ ليبيّن فساده بياناً عامّاً.

و خبر جابر: نقول بموجبه؛ لأنّه شرط بعد العقد و نقد الثمن؛ لدلالة كلامه عليه، و ذلك غير مانع من صحّة العقد السابق.

____________

(1) صحيح البخاري 3: 251، صحيح مسلم 2: 1141، 1504.

(2) حلية العلماء 4: 30، المغني 4: 126، الشرح الكبير 4: 75.

(3) حلية العلماء 4: 30، المغني 4: 125، الشرح الكبير 4: 74.

(4) صحيح البخاري 3: 248، صحيح مسلم 3: 1223، 113، سنن البيهقي 5: 337.

(5) في الشرح الكبير: «مقرّر». و في المغني: «مقدّر». و الأخير مناسب لما يأتي عند الجواب عن قول مالك.

(6) في الطبعة الحجريّة: «فإن» بدل «فإذا».

(7) حلية العلماء 4: 31، العزيز شرح الوجيز 4: 190، المغني 4: 125، الشرح الكبير 4: 74.

(8) صحيح البخاري 3: 251، صحيح مسلم 2: 1142 1143، 8.

45

سلّمنا لكن شرط الحمل إلى المدينة معلوم، فجاز اشتراطه في العقد، و ليس محلَّ النزاع.

و العادة المقدّرة ممنوعة؛ إذ لا عادة مضبوطة هنا؛ لأنّه إنّما يُشرط نادراً.

مسألة 238: قال الشيخ ((رحمه اللّه)): إذا قال: بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، فإن نقدتني الثمن إلى ثلاث، و إلّا فلا بيع بيننا، صحّ البيع (1)

، و به قال أبو حنيفة. و يكون في ذلك إثبات الخيار للمشتري وحده (2).

قال أبو حنيفة: و لو قال البائع: بعتك على أنّي إن رددت الثمن بعد ثلاثة فلا بيع بيننا، صحّ. و يكون في ذلك إثبات الخيار للبائع وحده (3)؛ لقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (4).

و لأنّه نوع بيع، فجاز أن ينفسخ بتأخّر القبض، كالصرف.

و قال الشافعي: إنّ ذلك ليس بشرط خيار، بل شرط فاسد يُفسد العقد؛ لأنّه علّق العقد على خطر فلا يصحّ، كما لو علّقه بقدوم زيد. و لأنّ عقده لا يتعلّق فكذا فسخه (5).

لا يقال: ينتقض بالنكاح.

لأنّا نقول: فسخه لا يتعلّق بذلك، بل إنّما يتعلّق الطلاق و ليس

____________

(1) الخلاف 3: 40، المسألة 57.

(2) حلية العلماء 4: 28، المغني 4: 129، الشرح الكبير 4: 67.

(3) حلية العلماء 4: 28.

(4) التهذيب 7: 371، 1503، الاستبصار 3: 232، 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.

(5) حلية العلماء 4: 28، العزيز شرح الوجيز 4: 191، روضة الطالبين 3: 109، المجموع 9: 193 و 379، المغني 4: 129، الشرح الكبير 4: 67.

46

بفسخ.

و يفارق الصرف؛ لأنّ القبض واجب فيه بالشرع، و هنا بخلافه.

و نحن في ذلك من المتوقّفين.

مسألة 239: يجوز اشتراط أقلّ من الثلاثة

عندنا و عند الباقين (1) خلافاً لمالك- لأنّه يجوز عندنا أكثر من ثلاثة، و عند الباقين يجوز ثلاثة، فالناقص أولى.

أمّا مالك، فإنّه اعتبر الحاجة، فإنّها إن دعت إلى شهر أو أزيد، جاز شرطه. و إن كان المبيع ممّا يسارع إليه الفساد أو يُعرف حاله بالنظر إليه ساعة أو يوماً، لم تجز الزيادة (2).

و قالت الشافعيّة: فيما لو كان المبيع ممّا يسرع إليه الفساد عادة لو شرط الثلاث، هل يبطل البيع أو يصحّ و يباع عند الإشراف على الفساد و يقام ثمنه مقامه؟ وجهان (3).

مسألة 240: روى الجمهور أنّ حبّان بن منقذ أصابته آمّة في رأسه فكان يُخدع في البيع،

فقال له النبيّ ((صلى اللّه عليه و آله)): «إذا بايعت فقُلْ: لا خلابة»

____________

(1) المبسوط للسرخسي 13: 41، الهداية للمرغيناني 3: 27، الاختيار لتعليل المختار 2: 18، الحاوي الكبير 5: 68 69، المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 190، روضة الطالبين 3: 108، العزيز شرح الوجيز 4: 190.

(2) بداية المجتهد 2: 209، الذخيرة 5: 23 24، حلية العلماء 4: 19 21، الحاوي الكبير 5: 65، العزيز شرح الوجيز 4: 190، المغني 4: 98، الشرح الكبير 4: 74.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 108.

47

و جَعَل له الخيار ثلاثاً (1).

و في رواية «و جعل له بذلك خيار ثلاثة أيّام» (2).

و في رواية: «قُلْ: لا خلابة، و لك الخيار ثلاثاً» (3).

و هذه الروايات مسطورة في كتب فقههم دون مشهورات كتب أحاديثهم.

و هذه الكلمة في الشرع عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثاً إذا أطلقاها عالمَيْن بمعناها، كان بمنزلة التصريح باشتراط الثلاثة. و إن كانا جاهلَيْن، لم يثبت الخيار.

و إن علم البائع دون المشتري، للشافعيّة فيه وجهان:

أحدهما: لا يثبت؛ لعدم التراضي، و هو لا يعلمه فلا يلزمه.

و الثاني: يثبت؛ للخبر (4). و لا يعذر في جهله، كما إذا كان محجوراً عليه، لزمه حكم الحجر و إن كان جاهلًا.

و الأقرب أن نقول: إذا قال البائع: بعتك كذا بكذا و لا خلابة، و قصد إثبات الخيار ثلاثاً لنفسه و كان المشتري عالماً، يثبت (5) الخيار، و إلّا فلا.

مسألة 241: إذا اشترط الخيار مدّةً معيّنة و أطلقا مبدأها، قال الشيخ ((رحمه اللّه)): المبدأ انقضاء خيار المجلس

بالتفرّق لا من حين العقد (6). و هو أحد قولي الشافعيّة؛ لأنّه لو جعل المبدأ العقد، لزم اجتماع الخيارين، و هُما مِثْلان و المِثْلان يمتنع اجتماعهما. و لأنّ الشارط يبغي بالشرط إثبات ما لولا الشرط لما ثبت، و خيار المجلس ثابت و إن لم يوجد الشرط، فيكون المقصود ما بعده.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 183.

(2) العزيز شرح الوجيز 4: 183.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 183.

(4) العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 110، المجموع 9: 192 193.

(5) في «ق، ك»: «ثبت».

(6) الخلاف 3: 33، المسألة 44.

48

و أُجيب: بأنّ الخيار واحدٌ له جهتان: المجلس و الشرط، و لا بُعْد فيه، كما أنّه قد يجتمع خيار المجلس و العيب.

و لو نُزّل الشرط على ما بعد المجلس، لزم الجهل بالشرط؛ لأنّ وقت التفرّق مجهول.

و أُجيب بأنّ جهالة المجلس كجهالة (1) العقد؛ لأنّ لهما فيه الزيادة و النقصان، فكانت المدّة بعده، كالعقد (2).

و الأقرب: أنّ المبدأ من حين العقد؛ لأنّها مدّة ملحقة بالعقد، فكان ابتداؤها من حين العقد، كالأجل، لا من حين التفرّق و لا خروج الثلاثة في الحيوان.

فروع:

أ إذا شرطا مدّةً لتسليم الثمن، فابتداؤها من حين العقد.

و للشافعيّة وجهان:

أحدهما: إن جعلنا الخيار من وقت العقد، فالأجل أولى.

و الثاني: من حين التفرّق.

و الفرق: أنّ الأجل لا يثبت إلّا بالشرط، فالنظر فيه إلى وقت الشرط، و الخيار قد يثبت من غير شرط، فمقصود الشرط إثبات ما لولاه لما ثبت. و أيضاً فإنّ الأجل و إن شارك الخيار في منع المطالبة بالثمن لكن يخالفه من

____________

(1) في «ق، ك»: «كحالة». و في المغني و الشرح الكبير: «حالة المجلس كحالة ..».

(2) الوجيز 1: 141، العزيز شرح الوجيز 4: 192، المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 198، روضة الطالبين 3: 110، المغني 4: 112 116، الشرح الكبير 4: 76.

49

وجوه، و اجتماع المختلفين ممكن (1).

ب إن (2) قلنا: إنّ المبدأ هو العقد كما اخترناه فلو انقضت المدّة و هُما مصطحبان، انقطع خيار الشرط بانقضاء مدّته، و بقي خيار المجلس. و إن تفرّقا و المدّة باقية، فالحكم بالعكس. و إن قلنا: المبدأ التفرّق كما قاله الشيخ (3) فإذا تفرّقا، انقطع خيار المجلس، و استؤنف خيار الشرط.

ج إن قلنا: إنّ ابتداء المدّة من حين العقد فشرطا أن يكون ابتداؤها من حين التفرّق، لم يصح؛ لأنّه يجعله مجهولًا، و يقتضي زيادةً على الثلاثة، و هو ممنوع عند الشافعيّة (4).

و إن قلنا: ابتداؤها من حين التفرّق فشرطا أن يكون ابتداؤه (5) من حين العقد، صحّ عندنا و هو أحد قولي الشافعيّة (6) لأنّ ابتداء المدّة معلومة و لم يزد به على الثلاثة بل نقص فجاز، كما لو شرط يومين.

و الثاني: لا يصحّ؛ لأنّهما شرطا الخيار في المجلس، و الخيار فيه ثابت بالشرع، فلم يصح اشتراطه (7).

و هو ممنوع؛ فإنّه يصحّ اشتراط القبض و غيره من مقتضيات العقد.

د لو قلنا بأنّ مبدأ المدّة العقدُ و أسقطا الخيار مطلقاً قبل التفرّق،

____________

(1) حلية العلماء 4: 26، العزيز شرح الوجيز 4: 192، روضة الطالبين 3: 110، المجموع 9: 199.

(2) في الطبعة الحجريّة: «إذا» بدل «إن».

(3) الخلاف 3: 33، المسألة 44.

(4) انظر المصادر في الهامش (4) من ص 40.

(5) أي: ابتداء الخيار.

(6) المهذّب للشيرازي 1: 266، المجموع 9: 199، روضة الطالبين 3: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 192.

(7) المهذّب للشيرازي 1: 266، المجموع 9: 199، روضة الطالبين 3: 110، العزيز شرح الوجيز 4: 192.

50

سقط الخياران: خيار المجلس و الشرط. و إن قلنا بالتفرّق، سقط خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأنّه غير ثابت بَعْدُ، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (1).

مسألة 242: الأقرب عندي أنّه لا يشترط اتّصال مدّة شرط الخيار (2) بالعقد،

فلو شرط خيار ثلاثة أو أزيد من آخر الشهر، صحّ العقد و الشرط؛ عملًا بالأصل، و بقوله (عليه السلام): «المسلمون عند شروطهم» (3) و لأنّه عقد تضمّن شرطاً لا يخالف الكتاب و السنّة، فيجب الوفاء به؛ لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (4).

و قال الشافعي: لا يجوز؛ لأنّه إذا تراخت المدّة عن العقد، لزم، و إذا لزم لم يَعُدْ جائزاً (5).

و هو ممنوع؛ فإنّ خيار الرؤية لم يثبت قبلها، و كذا الخيار بعد الثلاثة؛ لعدم التسليم.

فروع:

أ لو قال: بعتك و لي الخيار عشرة أيّام، مثلًا و أطلق، اقتضى اتّصال

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 192، روضة الطالبين 3: 110، المجموع 9: 199.

(2) في «ق، ك»: «اتّصال مدّة خيار شرط الخيار».

(3) صحيح البخاري 3: 120، سنن الدارقطني 3: 27، 98 و 99، سنن البيهقي 7: 249، معرفة السنن و الآثار 10: 237، 14349، و 238، 14351، المستدرك- للحاكم 2: 49 و 50، المصنّف لابن أبي شيبة 6: 568، 2064، المعجم الكبير للطبراني 4: 275،

4404.

(4) المائدة: 1.

(5) العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 109، المجموع 9: 191.

51

المدّة بالعقد؛ للعرف.

ب لو قال: عشرة أيّام متى شئت، بطل؛ للجهالة.

ج لو شرط خيار الغد دون اليوم، صحّ عندنا على ما تقدّم، خلافاً للشافعي (1).

د لو شرط خيار ثلاثة أيّام ثمّ أسقطا اليوم الأوّل، سقط خاصّة، و بقي الخيار في الآخَرَيْن.

و قال الشافعي: يسقط الكلّ (2).

مسألة 243: إذا تبايعا و شرطا الخيار إلى الليل،

لم يدخل الليل في الشرط، و كذا لو تبايعا و شرطا الخيار إلى النهار، لم يدخل النهار- و به قال الشافعي (3) لأنّ الغاية جُعلت فاصلةً بين ما قبلها و ما بعدها تحقيقاً للغاية، فلو دخل ما بعدها في حكم ما قبلها، لم يكن غاية. و لأنّها مدّة ملحقة بالعقد، فلا يدخل حدّها في محدودها، كالأجل.

و قال أبو حنيفة: يدخل الليل و النهار معاً إذا كانا غايتين؛ لأنّ «إلى» قد تستعمل للغاية، و بمعنى «مع» ك إِلَى الْمَرافِقِ (4) فإذا شرط الخيار، لم ينتقل الملك فلا ينتقل (5) بالشكّ (6).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 109، المجموع 9: 191.

(2) التهذيب للبغوي 3: 330، العزيز شرح الوجيز 4: 190، روضة الطالبين 3: 110، المجموع 9: 192.

(3) الحاوي الكبير 5: 69، حلية العلماء 4: 26، العزيز شرح الوجيز 4: 191، المجموع 9: 191، روضة الطالبين 3: 109، المغني 4: 117.

(4) المائدة: 6.

(5) في «ق، ك»: «فلا ننقله».

(6) المبسوط للسرخسي 13: 52، بدائع الصنائع 5: 267 268، الحاوي الكبير 5: 69، حلية العلماء 4: 26، العزيز شرح الوجيز 4: 191، المجموع 9: 191، المغني 4: 117.

52

و نمنع استعمالها بمعنى «مع» حقيقةً؛ لأنّها للحدّ حقيقةً، فلا تكون حقيقةً في غيرها؛ دفعاً للاشتراك. و الاستعمال لا يدلّ عليه، و المجاز أولى من الاشتراك، على أنّ البيع يوجب الملك و إنّما الشرط منع، فما تحقّق منع، و ما لم يتحقّق منه وجب إنفاذ حكم العقد.

و قال أبو حنيفة: و لو شرط الخيار إلى الزوال أو إلى وقت العصر، اتّصل إلى الليل (1). و ليس بجيّد.

تذنيب: لو شرطا الخيار إلى وقت طلوع الشمس من الغد، صحّ؛ لأنّه وقت معلوم محروس من الزيادة و النقصان.

و لو شرطا إلى طلوعها من الغد، قال الزبيري (2): لا يصحّ؛ لأنّ طلوع الشمس مجهول؛ لأنّ السماء قد تتغيّم فلا تطلع الشمس (3).

و هو خطأ؛ فإنّ التغيّم إنّما يمنع من الإشراق و اتّصال الشعاع لأمن الطلوع.

و لو شرطاه إلى الغروب أو إلى وقته، جاز قولًا واحداً؛ لأنّ الغروب سقوط القرص، و لا مانع لها من ذلك، كما يمنع الغيم من طلوعها.

و التحقيق عدم الفرق؛ لأنّ الطلوع ثابت في الأوّل لكنّه قد يخفى، و كذا الغروب قد يخفى.

مسألة 244: يجوز جَعْل خيار الشرط لكلّ واحد من المتعاقدين

و لأحدهما دون الآخر و أن يشرط لأحدهما الأكثر و للآخر الأقلّ؛ لأنّه شُرّع

____________

(1) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الخلاف 3: 34، المسألة 46.

(2) في «ق، ك» و الطبعة الحجريّة: «الزهري» بدل «الزبيري». و ما أثبتناه من المصادر.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 190 191، روضة الطالبين 3: 109، المجموع 9: 191.

53

للإرفاق بهما، فكيفما تراضيا به جاز.

و لدلالة حديث حبّان بن منقذ على أنّه (عليه السلام) جعل للمشتري الخيار (1)، و لم يفرق أحد بينه و بين البائع.

و هل يجوز جَعْل الخيار للأجنبيّ؟ ذهب علماؤنا أجمع إلى جوازه، و أنّه يصحّ البيع و الشرط و به قال أبو حنيفة و مالك و أحمد و الشافعي في أصحّ القولين (2) لأنّه خيار يثبت بالشرط للحاجة و قد تدعو الحاجة إلى شرطه للأجنبيّ؛ لكونه أعرف بحال المعقود عليه. و لأنّ الخيار إلى شرطهما؛ لأنّه يصحّ أن يشترطاه لأحدهما دون الآخر فكذلك صحّ أن يشترطاه للأجنبيّ.

و للشافعي قول: إنّه لا يصحّ، و يبطل البيع و الشرط معاً؛ لأنّه خيار يثبت في العقد فلا يجوز شرطه لغير المتعاقدين، كخيار الردّ بالعيب (3).

و الفرق: أنّ خيار العيب يثبت لا من جهة الشرط، بخلاف المتنازع.

فروع:

أ إذا شرط الخيار للأجنبيّ، صحّ سواء جَعَله وكيلًا في الخيار أو لا.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 183.

(2) مختصر اختلاف العلماء 3: 55، 1134، المبسوط للسرخسي 13: 47، الهداية للمرغيناني 3: 30، الاختيار لتعليل المختار 2: 21، بداية المجتهد 2: 212، المغني 4: 108، الشرح الكبير 4: 76، المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 196، روضة الطالبين 3: 111، العزيز شرح الوجيز 4: 194.

(3) المهذّب للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 196، روضة الطالبين 3: 111، العزيز شرح الوجيز 4: 194، المغني 4: 106، الشرح الكبير 4: 76. بداية المجتهد 2: 212.

54

و قال أبو حنيفة: إذا شرطه لأجنبيّ، صحّ، و كان الأجنبيّ وكيلًا للّذي شرطه (1).

و للشافعي قول ثالث: إنّه إن جعل فلاناً وكيلًا له في الخيار، صحّ. و إن لم يجعله وكيلًا، لم يصح (2). و ما تقدّم يُبطله.

ب لو جعل المتعاقدان خيار الشرط للموكّل الذي وقع العقد له، صحّ قولًا واحداً؛ لأنّه المشتري أو البائع في الحقيقة و الوكيل نائب عنه.

ج لا فرق في التسويغ بين أن يشترطا أو أحدهما الخيار لشخصٍ واحد و بين أن يشترط هذا الخيارَ لواحدٍ و هذا الخيارَ لآخرَ.

و كذا عند الشافعي لا فرق بينهما على القولين (3).

و كذا يجوز أن يجعلا شرط الخيار لهما و لأجنبيّ أو اثنين أو جماعة، و لأحدهما مع الأجنبيّ.

د لو شرطه لفلان، لم يكن للشارط خيار، بل كان لمن جَعَله خاصّة، و هو أحدقو لي الشافعي تفريعاً على الجواز. و في الآخر: أنّه يكون له و للآخر، و يكون الآخر وكيلا له و به قال أبو حنيفة و أحمد لأنّه نائب عنه في الاختيار، فإذا ثبت للنائب فثبوته للمنوب أولى (4).

____________

(1) انظر: النتف 1: 447 448، و الهداية للمرغيناني 3: 30، و الاختيار لتعليل المختار 2: 21، و المغني 4: 106، و الشرح الكبير 4: 76، و العزيز شرح الوجيز 4: 194.

(2) انظر: العزيز شرح الوجيز 4: 194، و روضة الطالبين 3: 111، و المغني 4: 106، و الشرح الكبير 4: 76.

(3) العزيز شرح الوجيز 4: 194، روضة الطالبين 3: 111، المجموع 9: 196.

(4) النتف 1: 447 448، المغني 4: 106، الشرح الكبير 4: 76، المهذّب- للشيرازي 1: 265، المجموع 9: 197، روضة الطالبين 3: 111، العزيز شرح الوجيز 4: 194.