تذكرة الفقهاء - ج14

- العلامة الحلي المزيد...
493 /
5

[تتمة كتاب الديون و توابعها]

المقصد الثالث: في التفليس

و فيه فصول:

[الفصل] الأوّل: المفلس مَنْ ذهب خيار ماله و بقي دونه، و صار ماله فلوساً زيوفاً.

و الإفلاس مأخوذ من الفلوس. و قولهم: أفلس الرجل، كقولهم:

أخبث، أي: صار أصحابه خُبثاء؛ لأنّ ماله صار فلوساً و زيوفاً، و لم يبق له مال خطير، و كقولهم: أذلّ الرجل، أي: صار إلى حالة يذلّ فيها. و كذا أفلس، أي: صار إلى حالة يقال فيها: ليس معه فلس، أو يقال: لم يبق معه إلّا الفلوس، أو كقولهم: أسهل الرجل و أحزن: إذا وصل إلى السهل و الحزن؛ لأنّه انتهى أمره و ما صرفه إلى الفلوس.

و الأصل أنّ المفلس في العرف هو الذي لا مال له و لا ما يدفع به حاجته، و لهذا لمّا قال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «أ تدرون مَن المفلس؟» قالوا:

يا رسول اللّه المفلس فينا مَنْ لا درهم له و لا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس، و لكن المفلس مَنْ يأتي يوم القيامة حسناته أمثال الجبال و يأتي

6

و قد ظلم هذا و أخذ من عرض هذا فيأخذ هذا من حسناته و هذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من سيّئاتهم فيردّ عليه ثمّ صلّ في النار» (1).

هذا في عرف اللغة، و أمّا في الشرع فقيل: مَنْ عليه الديون بحيث لا يفي بها ماله (2). و شمل مَنْ لا مال له البتّة، و مَنْ له مالٌ قاصر.

و سُمّي مفلساً و إن كان ذا مال؛ لأنّ ماله يستحقّ الصرف في جهة دَيْنه، فكأنّه معدوم، و قد دلّ عليه تفسير النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): مفلس الآخرة، فإنّه أخبر أنّ له حسنات كالجبال لكنّها دون ما عليه، فقُسّمت بين الغرماء، فبقي لا حسنة له. و مِثْلُ هذا الرجل يجوز للحاكم الحَجْر عليه بشرائط تأتي.

و هذا التعريف شامل لمن قصر ماله و مَنْ لا مال له، فيحجر عليه في المتجدّد باحتطابٍ و شبهه.

و الفلس سبب في الحجر بشروط خمسة: المديونيّة، و ثبوت الديون عند الحاكم، و حلولها، و قصور ما في يده عنها، و التماس الغرماء أو بعضهم الحجر عليه.

مسألة 258: إذا حجر الحاكم عليه، ثبت حكمان:

[أحدهما] (3): تعلّق الدَّيْن بماله و إن تجدّدت الماليّة بعد الحجر حتى لا ينفذ تصرّفه فيه بما يضرّ الغرماء و لا تزاحمها الديون الحادثة.

و الثاني: أنّ مَنْ وجد عند المفلس عينَ ماله كان أحقَّ به من غيره.

و لو مات مفلساً قبل أن يحجر عليه، تعلّقت الديون بالتركة [و] 4 لا فرق بين المفلس و غيره.

____________

(1) أورده ابنا قدامة في المغني و الشرح الكبير 4: 492 بتفاوت يسير في بعض الألفاظ، و بمعناه في صحيح مسلم 4: 1997/ 2581، و سنن الترمذي 4: 613/ 2418.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 3، روضة الطالبين 3: 362.

(3) (3 و 4) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

7

و هل يختصّ الغريم بعين ماله؟ الأقرب: أنّ له الرجوعَ إن كان ما تركه المفلس يفي بالديون، و إن قصر فلا.

و قال أبو حنيفة: ليس للحاكم أن يحجر عليه، فإن أدّى اجتهاده إلى الحجر عليه و فَعَل و أمضاه حاكمٌ، ثبت الحجر، و ليس له التصرّف في ماله، إلّا أنّ المبيع الذي يكون في يده يكون أُسوةَ الغرماء، و ليس للبائع الرجوعُ فيه (1).

و هو خطأ؛ فإنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) حجر على معاذ.

قال عبد الرحمن بن كعب (2): كان معاذ بن جبل من أفضل شباب قومه [و] (3) لم يكن يمسك شيئاً، فلم يزل يُدان حتى أغرق ماله في الدَّيْن، فكلّم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) غرماءه، فلو تُرك أحد من أجل أحدٍ لتُرك معاذ من أجل النبي (صلى اللّه عليه و آله)، فباع لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مالَه حتى قام معاذ بغير شيء (4).

قيل: إنّما لم يترك [الغرماء] (5) لمعاذ حين [كلّمهم] (6) النبيّ (صلى اللّه عليه و آله)؛ لأنّهم كانوا يهوداً (7).

مسألة 259: إذا مات المفلس و وجد البائع عين ماله

، فقد نقلنا

____________

(1) الهداية- للمرغيناني- 3: 285 و 287، العزيز شرح الوجيز 5: 4، المغني 4: 494 و 529، الشرح الكبير 4: 500 و 593.

(2) في المصادر- ما عدا المغني-: «كعب بن مالك» لا «عبد الرحمن بن كعب».

(3) ما بين المعقوفين من المصدر.

(4) سنن البيهقي 6: 48، المستدرك- للحاكم- 3: 273، المصنّف- لعبد الرزّاق- 8: 268/ 15177، المغني 4: 493 و 530، الشرح الكبير 4: 495.

(5) ما بين المعقوفين من المصدر.

(6) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «كلّموا». و ما أثبتناه من المصدر، و هو الموافق لما في بقيّة المصادر المذكورة في الهامش (4).

(7) المغني 4: 493.

8

الخلافَ فيه، و قلنا: إنّه لا يختصّ به البائع إلّا مع الوفاء، و به قال مالك (1)، خلافاً للشافعي و أحمد (2).

و ذلك لأنّ الميّت قد انقطع تحصيله و لا ذمّة له، فلو خصّصنا البائع بسلعته مع عدم وفاء التركة بالديون، كان إضراراً بباقي الدُّيّان؛ لحصول اليأس من استيفاء الحقّ منه، فوجب اشتراك جميع الدُّيّان في جميع التركة؛ عملًا بالعَدْل.

و لأنّ الأصل عدم الرجوع؛ لانتقال العين إلى المفلس بالشراء، تُرك العمل به في صورة الحيّ؛ للإجماع و النصّ، فيبقى الباقي على حكم الأصل.

و لما رواه العامّة من قول النبيّ (صلى اللّه عليه و آله): «أيّما رجل باع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه و لم يقبض البائع من ثمنه شيئاً فوجده بعينه، فهو أحقّ به، و إن مات فهو أُسوة الغرماء» (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه أبو ولّاد- في الصحيح- عن الصادق (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل باع من رجل متاعاً إلى سنة فمات المشتري قبل أن يحلّ ماله و أصاب البائع متاعه بعينه، له أن يأخذه إذا تحقّق له؟ قال: فقال:

____________

(1) المدوّنة الكبرى 5: 237، بداية المجتهد 2: 288، المعونة 2: 1186، الكافي في فقه أهل المدينة: 418، المغني 4: 547- 548، الشرح الكبير 4: 508، الحاوي الكبير 6: 273، التهذيب- للبغوي- 4: 86، العزيز شرح الوجيز 5: 3.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 334، الحاوي الكبير 6: 273، الوسيط 4: 20، العزيز شرح الوجيز 5: 3، روضة الطالبين 3: 363، بداية المجتهد 2: 288، المغني 4: 548، الشرح الكبير 4: 508، و في الأخيرين قول أحمد على العكس، لا ما نُسب إليه في المتن، و أمّا المنسوب إليه فهو في «العزيز شرح الوجيز» فلاحظ.

(3) سنن أبي داوُد 3: 286- 287/ 3520 و 3522.

9

«إن كان عليه دَيْنٌ و ترك نحواً ممّا عليه فيأخذ إن تحقّق له، و لو لم يترك نحواً من دَيْنه فإنّ صاحب المتاع كواحدٍ ممّن له عليه شيء، يأخذ بحصّته، و لا سبيل له على المتاع» (1).

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ أكثر الشافعيّة ذهبوا إلى أنّه إذا مات و خلّف وفاءً، لم يكن لصاحب السلعة الرجوعُ فيها (2).

و قال بعضهم: إنّ له أن يرجع فيها إذا مات المشتري و خلّف وفاءً 3، كما ذهبنا إليه؛ لما قلناه من حديث (4) أبي هريرة، و ما رويناه من طريق الخاصّة عن الصادق (عليه السلام).

و لأنّ قبض ثمن السلعة من التركة لا يستقرّ؛ لأنّه ربما ظهر غريمٌ آخَر فيلزمه ردّ بعض ما أخذه أو كلّه.

و احتجّ الشافعي: بأنّ ماله يفي بقضاء ديونه، فلم يكن لصاحب السلعة الرجوعُ فيها، كما لو كان حيّاً (5).

و الفرق ظاهرٌ؛ فإنّ الحيّ يرجع إلى ذمّته لو خرج المقبوض مستحقّاً، بخلاف الميّت.

و اعلم أنّ الشافعي ردّ على مالك- حيث لم يجوّز له الرجوع بعين المال بعد موت المفلس-: قد جعلتم للورثة أكثر ممّا للموروث الذي عنه (6)

____________

(1) التهذيب 6: 193/ 421، الاستبصار 3: 8/ 20.

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 5، روضة الطالبين 3: 363، المغني 4: 548، الشرح الكبير 4: 508.

(4) تقدم تخريجه في ص 8، الهامش (3).

(5) المهذّب- للشيرازي- 1: 334، العزيز شرح الوجيز 5: 5، روضة الطالبين 3: 363.

(6) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة بدل «عنه»: «عليه». و الصحيح ما أثبتناه كما في المصدر.

10

ملكوا، و أكثر حال الوارث أن لا يكون له إلّا ما للميّت (1).

و قد اعترضه المزني بأنّه قال في الحبس: إذا هلك أهله رجع إلى أقرب الناس بالمحبس. فجَعَل لأقرب الناس بالمحبس [في حياته] ما لم يجعل للمحبس 2.

و أُجيب عن كلام المزني: بأنّ الواقف إذا وقف وقفاً منقطعاً هل يصحّ؟ قولان، فإن قلنا: يصحّ، فإنّه يرجع إذا انقرض الموقوف عليهم إلى الفقراء من أقارب الواقف، لا على سبيل الميراث عنه، و إنّما جعله صدقة، و سبيل الصدقة الفقراء و المساكين، فجعل أقارب الواقف أولى من غيرهم، فأمّا الواقف فلا ترجع إليه صدقته؛ لأنّه لا يكون متصدّقاً على نفسه، و في مسألتنا هذه جعل حقّ الورثة آكد من حقّ مورّثهم، فاختلفا (3).

مسألة 260: المنع من التصرّف يفتقر إلى حكم الحاكم بالحجر إجماعاً

، فلو لم يحجر عليه الحاكم، نفذت تصرّفات المفلس بأسرها، و ليس للغرماء منعه من شيء منها إلّا بعد حجر الحاكم عليه.

أمّا الرجوع إلى عين المبيع أو عين القرض أو غير ذلك من أمواله التي هي معوّضات الديون فهل يفتقر صاحبها إلى سبق الحجر كمنع التصرّف أم لا؟ فيه إشكال ينشأ: من قوله (عليه السلام): «أيّما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه إذا وجده بعينه» (4)- الذي رواه العامّة- أثبت الأحقّيّة بمجرّد الإفلاس، و من طريق الخاصّة: رواية الكاظم (عليه السلام) و قد سأله

____________

(1) (1 و 2) مختصر المزني: 102، و ما بين المعقوفين من المصدر.

(3) راجع: الحاوي الكبير 6: 274.

(4) المستدرك- للحاكم- 2: 51، سنن ابن ماجة 2: 790/ 2360، سنن الدار قطني 3: 29/ 107، العزيز شرح الوجيز 5: 5.

11

عمر بن يزيد عن الرجل يركبه الدَّيْن فيوجد متاع رجل عنده بعينه، قال:

«لا يحاصّه الغرماء» (1) و لم يشرط في ذلك الحجر، و من أنّه مالٌ انتقل إليه بعقدٍ شرعيّ، فلا يخرج عنه إلّا بوجهٍ شرعيّ، و لا وجه إلّا الحجر، فإنّه يمنعه من التصرّف فيه، فيتحقّق حينئذٍ أولويّة البائع و المقرض و غيرهما بعين أموالهم.

على أنّ الأحقّيّة في حديث العامّة لا تقتضي الأخذ بدون الحجر، فيجوز أن يكون «أحقّ» على معنى أنّ له التمكّن من الرجوع إلى عينه بسلوك الأسباب المفضية إليه، و من جملتها: طلب الحجر، و الإفلاس يفيد الأحقّيّة.

و كذا في حديث الكاظم (عليه السلام) في قوله: «لا يحاصّه الغرماء» فإنّه لا يقتضي جواز الأخذ من غير حجر.

____________

(1) التهذيب 6: 193/ 420، الاستبصار 3: 8/ 19.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الفصل الثاني: في شرائط الحجر عليه

قد ذكرنا (1) أنّ الشرائط خمسة: المديونيّة- و لا بُدَّ منه؛ فإنّ مَنْ لا دَيْن عليه لا يجوز الحجر عليه، غنيّاً كان أو فقيراً- مع بلوغه و رشده و عدم سفهه، فلو حجر عليه الحاكم، كان لغواً. و لو استدان بعد ذلك، لم يمنع من الاستدانة، و كذا لا يمنع من سائر التصرّفات، و لا يؤثّر الحجر في منعه من التصرّف فيما اكتسبه من الأموال. و لأنّ سؤال الغرماء شرط (2) في الحجر، فلا يتحقّق من دون الدَّيْن.

مسألة 261: من شرائط الحجر قصور أموال المديون عن الديون

، فلو ساوت الديون أو فضلت عنها، لم يجز الحجر عند علمائنا- و هو أحد قولي الشافعي- لأصالة عدم الحجر، و رفع اليد عن العاقل، ثبت خلافه فيما إذا قصرت أمواله عن ديونه حفظاً لأموال الغرماء، فبقي الباقي على الأصل. و لأنّ الغرماء يمكنهم المطالبة بحقوقهم و استيفاؤها في الحال.

و الثاني له: الحجر إذا ظهرت عليه أمارات الفلس (3).

و هو ممنوع؛ لأنّ في ماله وفاء ديونه، فلم يحجر عليه، كما لو لم تظهر أمارات الفلس.

____________

(1) في ص 6.

(2) هذا هو الشرط الخامس كما يأتي في ص 20، المسألة 267.

(3) التهذيب- للبغوي- 4: 85، العزيز شرح الوجيز 5: 7- 8، روضة الطالبين 3: 365.

14

و قال أبو حنيفة: لا يجوز الحجر مطلقاً، بل يُحبس الغريم أبداً إلى أن يقضيه (1).

فروع:

أ- لا فرق عندنا في المنع من الحجر مع وفاء ماله بديونه بين أن تظهر عليه أمارات الفلس

- مثل أن تكون نفقته من رأس ماله، أو يكون ما في يده بإزاء دَيْنه و لا وجه لنفقته إلّا ما في يده- أو لا تظهر بأن تكون نفقته في كسبه أو ربح رأس ماله، خلافاً للشافعي (2).

ب- إذا كان مالُه يفي بديونه، لم يُحجر عليه إجماعاً

، بل يُطالب بالديون، فإن قضاها، و إلّا تخيّر الحاكم مع طلب أربابها منه بين حبسه إلى أن يقضي المال، و بين أن يبيع متاعه عليه، و يقضى به الدَّيْن، و به قال الشافعي (3)، خلافاً لأبي حنيفة حيث أوجب الحبس، و مَنَع من البيع (4).

ج- إذا رفع الغرماء الغريمَ إلى الحاكم و سألوه الحجر عليه، لم يُجِبْهم إلى ذلك حتى تثبت عنده الديون و قصور أمواله

، فينظر في ماله هل يفي بديونه أم لا؟ فينظر مقدار ما عليه من الديون و يقوم ماله بذلك؟

____________

(1) المبسوط- للسرخسي- 24: 163، الهداية- للمرغيناني- 3: 285، المغني 4: 529- 530.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 328، الحاوي الكبير 6: 265، التهذيب- للبغوي- 4: 85، حلية العلماء 4: 488- 489، العزيز شرح الوجيز 5: 7- 8، روضة الطالبين 3: 365.

(3) حلية العلماء 4: 484، العزيز شرح الوجيز 5: 18، روضة الطالبين 3: 372.

(4) المبسوط- للسرخسي- 24: 164 و 165، الهداية- للمرغيناني- 3: 285، المغني 4: 529- 530، حلية العلماء 4: 485، العزيز شرح الوجيز 5: 18.

15

د- معوّضات الديون و الأعيان التي أثمانها عليه تقوَّم من جملة أمواله

- و هو أحد قولي الشافعيّة (1)- لأنّ أصحابها بالخيار بين أن يرجعوا و بين أن لا يرجعوا و يطالبوه بالثمن.

و في الثاني: لا تُقوَّم؛ لأنّ لأربابها الرجوع فيها، فلا تُحسب أثمانها عليه و لا يقوّمها مع ماله 2.

و ما قلناه أقوى.

هقد قلنا: إنّه إذا كان في أمواله وفاء لديونه، لم يُحجر عليه.

و للشافعي قولٌ آخَر: إنّه يُحجر عليه مع ظهور أمارات الفلس، فحينئذٍ- على قوله- هل يكون لمن وجد متاعه بعينه أن يرجع فيه؟ له وجهان:

أحدهما: له ذلك؛ لقوله (عليه السلام): «فصاحب المتاع أحقّ بمتاعه» (3) و لم يفصّل. و لأنّ الحجر موجود.

و الثاني: ليس له الرجوع فيها؛ لأنّه يصل إلى ثمنها من مال المشتري من غير تبرّع الغرماء، فلم يكن له الرجوع في العين، كما قبل الحجر (4).

و- لو لم يكن له مالٌ البتّة، ففي جواز الحجر عليه إشكال

ينشأ: من عدم فائدة الحجر، و هي التحفّظ بما في يده عن الإتلاف، و من الاكتفاء بمجرّد الدَّيْن لجواز الحجر منعاً له من التصرّف فيما عساه يتجدّد في ملكه باصطيادٍ و اتّهابٍ و ظفر بركاز و غيرها.

مسألة 262: من شرائط الحجر ثبوتُ الدَّيْن عند الحاكم

؛ لأنّ المتولّي

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 8، روضة الطالبين 3: 366.

(3) تقدّم تخريجه في ص 10، الهامش (4).

(4) الحاوي الكبير 6: 265- 266، حلية العلماء 4: 488- 489، العزيز شرح الوجيز 5: 7- 8، روضة الطالبين 3: 365- 366.

16

للحجر الحاكم، و ليس له الحجر مجّاناً بقول مَنْ كان، بل ما لم تثبت الديون- إمّا بالبيّنة أو بالإقرار- لم يجز له الحجر.

مسألة 263: و من الشرائط كوْنُ الديون حالّةً

، فلو كانت مؤجَّلةً، لم يجز الحجر بها، سواء كان مالُه يفي بها أو لا؛ لأنّه ليس لهم المطالبة في الحال، و ربما يجد الوفاء عند توجّه المطالبة، فلا تُعجَّل عقوبته بمنعه من التصرّف.

و لو كان البعض حالًّا و الباقي مؤجَّلًا، فإن وَفَتْ أمواله بالديون الحالّة، فلا حجر؛ لعدم اعتبار الديون المؤجَّلة. و إن قصرت عنها، وجب الحجر.

و إذا حُجر عليه بالديون الحالّة، لم تحلّ عليه الديون المؤجَّلة- و هو أصحّ قولي الشافعيّة، و اختاره المزني و أحمد في إحدى الروايتين (1)- لأنّ المقصود من التأجيل التخفيفُ ليكتسب في مدّة الأجل ما يقضي به الدَّيْن، و هذا المقصود غير ثابت، بخلاف الميّت؛ فإنّ توقّع الاكتساب منه قد بطل.

و لأنّه دَيْنٌ مؤجَّل على حيّ، فلا يحلّ قبل أجله، كغير المفلَّس، بخلاف الميّت؛ فإنّ ذمّته قد بطلت.

و الثاني للشافعي: أنّها تحلّ- و به قال مالك و أحمد في الرواية الأُخرى- لأنّ الإفلاس سبب في تعلّق الدَّيْن بالمال، فأسقط الأجل، كالموت (2)

____________

(1) التنبيه: 102، التهذيب- للبغوي- 4: 100، حلية العلماء 4: 494، الوجيز 1: 170، العزيز شرح الوجيز 5: 6، روضة الطالبين 3: 364، المغني 4: 525، الشرح الكبير 4: 543.

(2) التنبيه: 102، التهذيب- للبغوي- 4: 100، حلية العلماء 4: 494، العزيز شرح الوجيز 5: 6، روضة الطالبين 3: 364، المدوّنة الكبرى 5: 235، بداية المجتهد 2: 286، الذخيرة 8: 172، المغني 4: 525، الشرح الكبير 4: 543.

17

و قد مرّ الفرق.

و رتَّب بعضُ الشافعيّة هذين القولين على القولين في أنّ مَنْ عليه الدَّيْنُ المؤجَّل لو جُنّ هل يحلّ الأجل؟ و أنّ الحلول في صورة الجنون أولى؛ لأنّ المجنون لا استقلال له كالميّت، و وليُّه ينوب عنه كما ينوب الوارث عن الميّت (1).

و رأى الجويني الترتيبَ بالعكس أولى؛ لأنّ وليَّ المجنون له أن يبتاع له بثمنٍ مؤجَّل عند ظهور المصلحة، فإذا لم يمنع الجنونُ التأجيلَ ابتداءً فلأن لا يقطع الأجلَ دواماً كان أولى 2.

و عندنا أنّ الجنون لا يوجب الحلول.

مسألة 264: إنّما يقسّم الحاكمُ أموالَه على الديون الحالّة خاصّةً على ما اخترناه من عدم حلول المؤجَّلة

، فيبيع أمواله و يقسّمها على الحالّة بالنسبة، و لا يدّخر شيئاً لأصحاب الديون المؤجَّلة، و لا يدام الحجر بعد القسمة لأصحاب الديون المؤجَّلة، كما لا يُحجر بها ابتداءً، و هو أحد قولي الشافعي.

و في الآخَر: أنّها تحلّ الديون المؤجَّلة، فيقسّم المال بين أصحاب هذه الديون و الديون الحالّة ابتداءً، كما لو مات (3).

و إن كان في الديون المؤجَّلة ما كان ثمن مبيعٍ و هو قائم عند المفلس، فلصاحبه الرجوع إلى عين ماله- عنده (4)- كما لو كان حالًّا ابتداءً.

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 6.

(3) (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 5: 7، روضة الطالبين 3: 365.

18

و قال بعض الشافعيّة: فائدة الحلول أن لا يتعلّق بذلك المتاع حقُّ غير بائعه، و يكون محفوظاً إلى مضيّ المدّة، فإن وجد المفلس وفاءً فذلك، و إلّا فحينئذ يفسخ (1).

و قيل: لا يفسخ حينئذٍ أيضاً، بل لو باع بثمنٍ مؤجَّل و حَلَّ الأجل ثمّ أفلس المشتري و حُجر عليه، فليس للبائع الفسخُ و الرجوعُ إلى المبيع؛ لأنّ البيع بالثمن المؤجَّل يقطع حقّ البائع عن المبيع بالكلّيّة، و لهذا [لا] (2) يثبت فيه حقّ الحبس للبائع (3).

و الأصحّ عندهم: الأوّل (4).

و قال أحمد: يكون موقوفاً إلى أن يحلّ الدَّيْن، فيفسخ البائع إن شاء، أو يترك (5).

مسألة 265: لو اشترى بعد الحجر عليه أمتعةً بأثمان مؤجَّلة أو حالّة، دخلت في البيع في قضاء الديون

، كسائر أموال المفلس؛ لأنّه مَلَكها بالبيع، فكانت كغيرها، و ليس لبائعها تعلّقٌ بها؛ لأنّه لا مطالبة له في الحال إن كانت مؤجَّلةً على ما اخترناه من عدم حلول المؤجَّل بالحجر، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة على القول بعدم الحلول.

و الثاني: أنّها لا تُباع، فإنّها كالمرهونة بحقوق بائعها، بل تُوقف إلى انقضاء الأجل، فإن انقضى و الحجر باقٍ، يثبت حقّ الفسخ. و إن أطلق، فكذلك و لا حاجة إلى إعادة الحجر، بل عزلها و انتظار الأجل كإبقاء الحجر

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 7، روضة الطالبين 3: 365.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه من «العزيز شرح الوجيز».

(3) (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 5: 7، روضة الطالبين 3: 365.

(5) المغني 4: 523، الشرح الكبير 4: 533- 534.

19

بالإضافة إلى المبيع (1).

و على ما اخترناه من جواز بيعها لو لم يتّفق بيعها و قسمتها حتى حلّ الأجل، فالأقرب: جواز الفسخ الآن.

و للشافعيّة وجهان (2).

و لو اشتراها بثمنٍ حالّ، كان لصاحبها الاختصاصُ أو الضرب بالثمن مع الجهل، و مع العلم الصبرُ. و يُحتمل الضربُ. و كذا المقرض.

و نقل الجويني وجهاً آخَر فيما إذا كان الثمن مؤجَّلًا: أنّه لا بُدَّ من إعادة الحجر ليثبت حقّ الفسخ (3).

و لو لم يكن عليه إلّا ديون مؤجَّلة و طلب أصحابُها الحجْرَ، لم يُجابوا- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (4)- لأنّ طلب الحجر فرع طلب الدَّيْن و عسر تخليصه فلا يتقدّم عليه.

و الثاني: نعم؛ لأنّهم يتوسّلون به إلى الحلول أو (5) المطالبة (6).

مسألة 266: قد ذكرنا أنّه يشترط كون الديون زائدةً على قدر ماله

، فلو كانت مساويةً و الرجل كسوبٌ ينفق من كسبه، فلا حجر و إن ظهرت أمارات الإفلاس.

و قد تقدّم (7) أنّ للشافعي وجهين فيما إذا ظهرت أمارات الإفلاس.

و يجري الوجهان فيما إذا كانت الديون أقلَّ و كانت بحيث يغلب على

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 7، روضة الطالبين 3: 365.

(3) (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 5: 7.

(5) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «و» بدل «أو». و ما أثبتناه كما في المصدر.

(6) العزيز شرح الوجيز 5: 7.

(7) في ص 12، ضمن المسألة 261، و ص 14، الفرع «أ».

20

الظنّ انتهاؤها إلى حدّ المساواة، و منه إلى الزيادة؛ لكثرة النفقة. و هذه الصورة عندهم أولى بالمنع (1).

و إذا حجرنا في صورة المساواة، فهل لمن وجد عين ماله عند المفلس الرجوعُ؟ فيه وجهان:

أحدهما: نعم؛ لإطلاق الحديث (2).

و الثاني: لا؛ لتمكّنه من استيفاء الثمن بتمامه (3).

و هل تدخل هذه الأعيان في حساب أمواله و أثمانها في حساب ديونه؟ فيه- عندهم- وجهان (4).

و قال بعضهم: إنّ الوجهين مبنيّان على الوجهين في جواز الرجوع في الصورة السابقة إن لم نثبت الرجوع، أُدخلت (5) رجاءَ الوفاء. و إن أثبتناه فلا (6).

و هذا كلّه ساقط عندنا، و قد عرفت مذهبنا فيه، و أنّ الحجر إنّما يثبت مع القصور، لا مع المساواة.

مسألة 267: يشترط في الحجر التماسُ الغرماء من الحاكم ذلك

، و ليس للحاكم أن يتولّى ذلك من غير طلبهم؛ لأنّه حقٌّ لهم، و هو لمصلحة الغرماء و المفلس و هُمْ ناظرون لأنفسهم لا يحكم الحاكم عليهم.

نعم، لو كانت الديون لمن للحاكم عليه ولايةٌ، كان له الحجر؛ لأنّه

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 8، روضة الطالبين 3: 365- 366.

(2) تقدّم تخريجه في ص 10، الهامش (4).

(3) حلية العلماء 4: 489- 490، العزيز شرح الوجيز 5: 8، روضة الطالبين 3: 366.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 8، روضة الطالبين 3: 366.

(5) أي الأعيان في الأموال و الأثمان في الديون.

(6) العزيز شرح الوجيز 5: 8.

21

الغريم في الحقيقة، فله التماسُ ذلك من نفسه و فِعْلُه، كما لو كانت الديون لمجانين أو أطفال أو لمحجورٍ عليهم بالسفه و كان وليُّهم الحاكمَ، تولّاه القاضي لمصلحتهم من غير التماسٍ.

فروع:

أ- لو كان الدَّيْن للغُيّاب، لم يحجر عليه الحاكم

؛ لأنّ الحاكم لا يستوفي ما للغُيّاب في الذمم، بل يحفظ أعيان أموالهم.

ب- لو التمس بعضُ الغرماء الحجرَ دون بعضٍ، فإن كانت ديون الملتمسين قدراً يجوز الحجر بها، حُجر عليه لذلك القدر

، و أُجيبوا إلى ذلك، ثمّ لا يختصّ الحجر بهم، بل يعمّ أثره الجميع.

و إن لم تكن ديونهم زائدةً على أمواله، فالأقرب: جواز الحجر، و لا ينتظر التماس الباقين؛ لئلّا يضيع على الملتمس ماله [بتكاسل] (1) غيره.

و يُحتمل العدمُ، و هو أظهر الوجهين عند الشافعيّة (2).

ج- لو لم يلتمس أحد من الغرماء الحجرَ فالتمسه المفلس، فالأقرب عندي: جواز الحجر عليه

؛ لأنّ في الحجر مصلحةً للمفلس، كما فيه مصلحة للغرماء، و كما أجبنا الغرماء إلى تحصيل ملتمسهم حفظاً لحقوقهم، كذا يجب أن يجاب المفلس تحصيلًا لحقّه، و هو حفظ أموال الغرماء ليسلم من المطالبة و الإثم، و إذا تحقّق ثبوت غرضٍ للمفلس صحيحٍ في الحجر عليه، أُجيب إليه، و قد روي أنّ حَجْر النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) على معاذ كان بالتماسٍ

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «بتكامل». و ذاك تصحيف.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 6.

22

من معاذ دون طلب الغرماء (1)، و هو أحد وجهي الشافعي. و الثاني:

لا يُجاب المفلس إليه؛ لأنّ الحُرّيّة و الرشد ينافيان الحجر، و إنّما يصار إلى الحجر إذا حقّت طلبة الغرماء (2)

____________

(1) كما في العزيز شرح الوجيز 5: 6.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 6، روضة الطالبين 3: 364.

23

الفصل الثالث: في أحكام الحجر

إذا حجر الحاكم على المديون، ثبتت أحكام أربعة: منعه من التصرّف في ماله، و بيع ماله للقسمة على الديون، و اختصاص صاحب العين بها، و حبسه إلى ثبوت إعساره. فهنا مباحث أربعة:

البحث الأوّل: في منعه من التصرّف.

مسألة 268: يستحبّ للحاكم الإعلامُ بالحجر، و النداء على المفلس،

و يُشهد الحاكم عليه بأنّه قد حجر عليه و الإعلان بذلك بحيث لا يستضرّ معاملوه. فإذا حجر عليه، منعه من التصرّف المبتدأ في المال الموجود عند الحجر بعوضٍ أو غيره، سواء ساوى العوض أو قصر.

و التصرّف قسمان: إمّا أن يصادف المال أو لا، و الأوّل إمّا إنشاء أو إقرار.

و الأوّل ضربان: ما يصادف المال إمّا بتحصيل ما ليس بحاصل، كالاصطياد و الاحتطاب و قبول الوصيّة، و هذا لا يُمنع منه إجماعاً؛ لأنّ الغرض من الحجر منعه ممّا يتضرّر به الغرماء. و إمّا تفويت ما هو حاصل، فإن تعلّق بما بعد الموت- كالتدبير و الوصيّة- صحّ، فإن حصَّل زيادةً على الديون، نفذت الوصيّة، و إلّا بطلت. و إن كان غير متعلّقٍ بالموت، فإمّا أن يكون مورده عينَ مالٍ أو ما في الذمّة. و إمّا أن لا يكون تصرّفه مصادفاً للمال، فلا بُدَّ من البحث عن هذه الأقسام بعون اللّه تعالى.

24

مسألة 269: كلّ تصرّفٍ للمفلس غير مصادفٍ للمال فإنّه لا يُمنع منه؛

لكماليّته، و عدم المانع من التصرّف فيما تصرّف فيه حيث لم يكُ مالًا، و ذلك كالنكاح، و لا يُمنع منه. و أمّا مئونة النكاح فسيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و كذا الطلاق لا يُمنع منه؛ لأنّ تصرّفه هذا لم يصادف مالًا، بل هو إسقاط ما يجب عليه من المال، فكان أولى بالجواز، و إذا صحّ منه الطلاق مجّاناً، كان صحّة الخلع- الذي هو في الحقيقة طلاقٌ بعوضٍ- أولى بالجواز.

و كذا يصحّ منه استيفاء القصاص؛ لأنّه ليس تصرّفاً في المال، و لا يجب عليه قبول الدية و إن بذل الجاني؛ لأنّ القصاص شُرّع للتشفّي و دفع الفساد، و الدية إنّما تثبت صلحاً، و ليس واجباً عليه تحصيل المال بإسقاط حقّه.

و كذا له العفو عن القصاص مجّاناً بغير عوضٍ. أمّا لو وجبت له الدية بالأصالة- كما في جناية الخطأ- فإنّه ليس له إسقاطها؛ لأنّه بمنزلة الإبراء من الدَّيْن.

و كذا له استلحاق النسب؛ إذ ليس ذلك تصرّفاً في المال و إن وجبت المئونة ضمناً. و كذا له نفيه باللعان.

و كذا لا يُمنع من تحصيل المال بغير عوضٍ، كالاحتطاب و شبهه، و قد سلف (1).

مسألة 270: لو صادف تصرّفه عينَ مالٍ بالإتلاف إمّا بمعاوضةٍ كالبيع و الإجارة، أو بغير معاوضةٍ كالهبة و العتق و الكتابة

، أو بالمنع من الانتفاع

____________

(1) في ص 23، ضمن المسألة 268.

25

كالرهن، قال الشيخ (رحمه الله): يبطل تصرّفه (1). و هو أصحّ قولي الشافعي- و به قال مالك و المزني- لأنّه محجور عليه بحكم الحاكم، فوجب أن لا يصحّ تصرّفه، كما لو كان سفيهاً. و لأنّ أمواله قد تعلّق بها حقّ الغرماء، فأشبهت تعلّق [حقّ] (2) المرتهن. و لأنّ هذه التصرّفات غير نافذة في الحال إجماعاً، فلا تكون نافذةً فيما بَعْدُ؛ لعدم الموجب.

و القول الثاني للشافعي: إنّ هذه التصرّفات لا تقع باطلةً في نفسها، بل تكون موقوفةً، فإن فضل ما تصرّف به عن الدَّيْن إمّا لارتفاع سعر أو لإبراء بعض المستحقّين، نفذ، و إلّا بانَ أنّه كان لغواً؛ لأنّه محجور عليه بحقّ الغرماء، فلا يقع تصرّفه باطلًا في أصله، كالمريض (3).

و هذا القول لا بأس به عندي، و الأوّل أقوى.

و الفرق بينه و بين المريض ظاهر؛ فإنّ المريض غير محجور عليه، و لهذا لو صرف المال في ملاذّه و مأكله و مشروبه، لم يُمنع منه، بخلاف صورة النزاع.

مسألة 271: إن قلنا ببطلان التصرّفات، فلا بحث

. و إن قلنا: إنّها تقع موقوفةً، فإن فضل ما تصرّف فيه و انفكّ الحجر، ففي نفوذه للشافعي قولان (4).

و إذا لم يف بديونه، نقضنا الأخفّ فالأخفّ من التصرّفات، و نبدأ

____________

(1) الخلاف 3: 269، المسألة 11.

(2) ما بين المعقوفين أضفناه من «العزيز شرح الوجيز».

(3) التهذيب- للبغوي- 4: 100، حلية العلماء 4: 490- 491، العزيز شرح الوجيز 5: 9، روضة الطالبين 3: 366- 367، المغني 4: 530، الشرح الكبير 4: 501.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 9.

26

بالهبة فننقضها؛ لأنّها تمليك من غير بدلٍ، فإن لم يف، نقضنا البيع، بخلاف الوقف و العتق؛ لأنّ البيع يلحقه الفسخ، فإن لم يف، رددنا العتق و الوقف.

قال بعضهم: هذه التصرّفات على الترتيب، فالعتق أولى بالنفوذ؛ لقبوله الوقف و تعلّقه بالإقرار، و تليه الكتابة؛ لما فيها من المعاوضة، ثمّ البيع و الهبة؛ لأنّهما لا يقبلان التعليق (1).

و اختلفوا في محلّ القولين:

فقال بعضهم: إنّهما مقصوران على ما إذا اقتصر الحاكم على الحجر، و لم يجعل ماله لغرمائه حيث وجدوه، فإن فعل ذلك، لم ينفذ تصرّفه قولًا واحداً.

و قال آخَرون: إنّهما مطّردان في الحالين، و هو الأشهر عندهم.

فعلى هذا هل تجب الزكاة عليه؟ فعلى الأوّل لا تجب، و على الثاني تجب ما دام ملكه باقياً (2).

و قول الشافعي: «لا زكاة عليه» محمول عند هؤلاء على ما إذا باع المفلس ماله من الغرماء 3.

مسألة 272: إذا قلنا بأنّه تنفذ تصرّفاته بعد الحجر، وجب تأخير ما تصرّف فيه

، و قضي الدَّيْن من غيره فربما يفضل، فإن لم يفضل، نقضنا من تصرّفاته الأضعف فالأضعف على ما تقدّم، و يؤخّر العتق كما قلناه.

فإن لم يوجد راغب في أموال المفلس إلّا في العبد المعتق، و التمس الغرماء من الحاكم بيعه ليقبضوا حقّهم معجّلًا، فالأقرب: إجابتهم إلى ذلك،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 9.

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 9، روضة الطالبين 3: 367.

27

و إلّا لزم أحد الضررين: إمّا تضرّر الغرماء بالصبر، و ليس واجباً، و إمّا تضرّر المفلس و الغرماء معاً لو بِيعت أمواله بالرخص.

و قال بعض الشافعيّة: يحتمل أن ينقض من تصرّفاته الأخير فالأخير، كما في تبرّعات المريض إذا زادت على الثلث (1).

و هو حسن لا بأس به عندي.

فلو وقعت دفعةً، احتُمل القرعة.

و لو أجاز الغرماء بعض التصرّفات، نفذ قطعاً، سواء كان سابقاً أو لاحقاً، و سواء كان عتقاً أو غيره.

هذا إذا باع من غير الغرماء، و لو باع منهم، فسيأتي.

مسألة 273: تصرّفاته الواردة على ما في الذمّة صحيحة

، كما لو اشترى بثمن في الذمّة، أو باع طعاماً سلفاً، صحّ، و يثبت في ذمّته، و هو أظهر مذهبي الشافعي.

و الثاني: أنّه لا يصحّ شراؤه، كالسفيه (2).

و الأوّل أقوى؛ لوجود المقتضي، و هو صدور العقد من أهله في محلّه، سالماً عن معارضة منع حقّ الغرماء؛ لأنّه لم يرد إلّا على أعيان أمواله. و كذا لو اقترض.

و ليس للبائع فسخ البيع، سواء كان عالماً بالحجر أو جاهلًا به؛ لأنّ التفريط من جهته حيث أهمل الاحتياط في السؤال عن حالة مُعامله.

إذا ثبت هذا، فإنّ هذه المتجدّدات و شبهها من الاحتطاب و غيره تدخل تحت الحجر.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 9- 10، روضة الطالبين 3: 367.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 10، روضة الطالبين 3: 368.

28

مسألة 274: لو باعه عبداً بثمن في ذمّته بشرط الإعتاق

، فإن أبطلنا جميع التصرّفات- سواء وردت على عين المال أو في الذمّة- فالأقوى:

بطلان البيع؛ لأنّه تصرّف في المال و إن كان في الذمّة.

و إن قلنا بالصحّة فيما يكون مورده الذمّة على ما اخترناه، صحّ البيع و العتق معاً، و يكون العتق موقوفاً، فإن قصر المال، احتمل صرفه في الدَّيْن، لا رجوعه إلى البائع.

و الأقوى عندي صحّة عتقه في الحال.

و لو وهب بشرط الثواب ثمّ أفلس، لم يكن له إسقاط الثواب.

مسألة 275: لو أقرّ بدَيْنٍ، فإمّا أن يكون قد أقرّ بدَيْنٍ لزمه

و أضافه إلى ما قبل الحجر إمّا من معاملةٍ أو قرضٍ أو إتلاف، أو أقرّ بدَيْنٍ لاحقٍ بعد الحجر.

فالأوّل يلزمه ما أقرّ به؛ لأنّ الحجر ثبت عليه لحقّ غيره، فلا يمنع صحّة إقراره.

و هل يشارك المُقرّ له الغرماء بمجرّد إضافة إقراره إلى سببٍ سابق؟

الأقرب: ذلك؛ لأنّه عاقل، فينفذ إقراره؛ لعموم قوله (عليه السلام): «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (1) و عموم الخبر (2) في قسمة ماله بين غرمائه، و هو أصحّ قولي الشافعي، و به قال ابن المنذر (3).

قال الشافعي: و به أقول (4)

____________

(1) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة.

(2) تقدّم تخريجه في ص 7، الهامش (4).

(3) الحاوي الكبير 6: 321، التهذيب- للبغوي- 4: 103، العزيز شرح الوجيز 5: 10، روضة الطالبين 3: 368، المغني 4: 531، الشرح الكبير 4: 501.

(4) الأُم 3: 210، مختصر المزني: 104.

29

و قال: لو كان المفلس قصّاراً أو صائغاً و أفلس و حُجر عليه و عنده ثياب الناس و حُليّهم، أ يقال: لا يُقبل قوله في ردّ أموال الناس؟ (1).

و لأنّ هذا دَيْنٌ ثابت عليه مضاف- بقوله- إلى ما قبل الحجر، فوجب أن يشارك صاحبه الغرماء، كما لو ثبت بالبيّنة، و بالقياس على ما إذا أقرّ المريض بدَيْنٍ يزاحم المُقرّ له غرماء الصحّة.

و القول الثاني للشافعي: إنّه لا يُقبل في حقّ الغرماء- و به قال مالك و أحمد و محمّد بن الحسن- لأنّ حقّ الغرماء تعلّق بما لَه من المال، و في القبول إضرار بهم بمزاحمته إيّاهم. و لأنّه متّهم في هذا الإقرار، فلا يسقط به حقّ الغرماء المتعلّق بماله، كما لو أقرّ بما رهنه، فحينئذٍ لا يشارك المُقرّ له الغرماء، بل يأخذ ما فضل عنهم (2).

و تُمنع التهمة؛ لأنّ ضرر الإقرار في حقّه أكثر منه في حقّ الغرماء، فلا تهمة فيه، فإنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه لا يُقرّ بدَيْنٍ عليه و ليس عليه دَيْنٌ.

مسألة 276: لو أقرّ بدَيْنٍ لاحقٍ بعد الحجر و أسنده إلى ما بعد الحجر،

فإن كان قد لزمه باختيار صاحبه- كالبيع و القرض و غيرهما من المعاملات المتجدّدة بعد الحجر- فإنّه يكون في ذمّته، و لا يشارك المُقرّ له الغرماء؛ لأنّ صاحب المال رضي بذلك إن علم أنّه مفلس، و إن لم يعلم، فقد فرّط في ذلك.

و إن كان قد لزمه عن غير رضا صاحبه- كما لو أتلف عليه مالًا أو جنى عليه جناية- فالأقرب: أنّه يُقبل في حقّ الغرماء، كما لو أسند الدَّيْن

____________

(1) الأُم 3: 210.

(2) نفس المصادر في الهامش (3) من ص 28.

30

إلى [سببٍ] (1) سابقٍ على الحجر؛ لأنّ حقّه ثبت بغير اختياره، و هو أصحّ طريقي الشافعيّة (2).

لا يقال: لِمَ لا قُدّم حقّه على حقّ الغرماء كما قُدّم حقّ المجنيّ عليه على حقّ المرتهن؟

لأنّا نقول: الفرق أنّ الجناية لا محلّ لها سوى الرهن، و الدَّيْن متعلّق بالرهن و الذمّة، فقد اختصّ بالعين، و في مسألتنا الدَّيْنان متعلّقان بالذمّة فاستويا. و لأنّ الجناية قد حصلت من الرهن الذي علّقه به صاحبه، فقُدّمت الجناية كما تُقدَّم على حقّ صاحبه، و هنا الجناية كانت من المفلس دون المال، فافترقا.

و نظيره في حقّ المفلس أن يجني عبده، فيقدّم على حقّ الغرماء.

و الطريق الثاني: أنّه كما لو قال: عن معاملةٍ 3.

و لو أقرّ بدَيْن و لم يُسنده إلى ما قبل الحجر و لا إلى ما بعده، حُمل على الثاني، و جُعل بمنزلة ما لو أسنده إلى ما بعد الحجر؛ لأصالة التأخّر، و عدم التعلّق.

مسألة 277: لو أقرّ المفلس بعين من الأعيان- التي في يده- لرجلٍ

و قال: غصبته منه أو استعرته أو أخذته سَوْماً أو وديعةً، فالأقرب: النفوذ، و مضيّ الإقرار في حق الغرماء، كما لو أقرّ بدَيْنٍ سابقٍ.

و للشافعي قولان، كالقولين في الإقرار بالدَّيْن السابق على الحجر (4)

____________

(1) ما بين المعقوفين أضفناه لأجل السياق.

(2) (2 و 3) العزيز شرح الوجيز 5: 10، روضة الطالبين 3: 368.

(4) التهذيب- للبغوي- 4: 103، العزيز شرح الوجيز 5: 11، روضة الطالبين 3: 369.

31

لكنّ الإقرار بالدَّيْن السابق على الحجر أثره أن يزاحم المُقرّ له الغرماء، و هنا يُسلّم المُقرّ به على القول بالقبول، و على القول بعدمه إن فضل، سلّم العين إلى المُقرّ له، و إلّا غرم قيمتها بعد اليسار.

فإن كذّبه المُقرّ له، بطل إقراره، و قُسّمت العين بين الغرماء.

و كذا لو أقرّ بدَيْنٍ فكذّبه المُقرّ له، لم يُسمع إقراره. و مع عدم قبول إقراره بالعين إن فضلت، دُفعت العين إلى المُقرّ له قطعاً، بخلاف البيع؛ فإنّ فيه إشكالًا.

و كذا الإشكال لو ادّعى أجنبيّ شراء عين في يده من (1) قبل الحجر فصدّقه.

و اعلم أنّ الفرق بين الإنشاءات حيث رددناها في الحال قطعاً و قلنا:

الأصحّ أنّه لا يُحكم بنفوذها عند انفكاك الحجر أيضاً، و بين الأقارير حيث قبلناها في حقّ المفلس جزماً و في حقّ الغرماء على الأصحّ: أنّ مقصود الحجر منعُه من التصرّف، فيناسبه إلغاء ما ينشئه، و الإقرار إخبار عمّا مضى، و الحجر لا يسلب العبارة عنه.

مسألة 278: لو أقرّ بما يوجب القصاص عليه أو الحدّ، قُبِل

، و أُجري عليه حكم إقراره، سواء أدّى إلى التلف أو لا؛ لانتفاء التهمة. و لأنّه عاقل أقرّ بما يؤثّر في حقّه حكماً، و لا مانع له؛ إذ المانع التصرّف في الماليّة و ليس ثابتاً، فثبت موجَب إقراره.

و لو كان الإقرار بسرقةٍ توجب القطع، قُبِل في القطع، و أمّا في المسروق فكما لو أقرّ بمالٍ، و القبول هنا أولى؛ لبُعْد الإقرار عن التهمة.

____________

(1) في «ث»: «منه» بدل «من».

32

و لو أقرّ بما يوجب القصاص فعفا المستحقّ على مالٍ، فهو كإقرارٍ بدَيْن جناية.

و قال بعض الشافعيّة: يُقطع هنا بالقبول؛ لانتفاء التهمة (1).

مسألة 279: لو ادّعى رجل على المفلس مالًا لزمه قبل الحجر فأنكر المفلس

، فإن أقام المدّعي بيّنةً، ثبت حقّه، و ساوى الغرماء. و إن لم تكن له بيّنة، كان على المفلس اليمين، فإن حلف، برأ، و سقطت الدعوى. و إن نكل، رُدّت اليمين على المدّعي، فإذا حلف، ثبت الدَّيْن.

و هل يشارك المدّعي الغرماء؟ إن قلنا: إنّ النكول و ردّ اليمين كالبيّنة، زاحَم المدّعي الغرماء، كما لو ثبت دَيْنه بالبيّنة. و إن قلنا: إنّه كالإقرار، فكالقولين.

مسألة 280: لا خلاف في أنّ الحجر يتعلّق بالمال الموجود للمفلس حالة الحجر

، و أمّا المتجدّد بعده باصطيادٍ أو اتّهاب أو قبول وصيّة، الأقرب: أنّ الحجر يتعدّى إليه أيضاً؛ لأنّ مقصود الحجر إيصال حقوق المستحقّين إليهم، و هذا لا يختصّ بالموجود عند الحجر، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة.

و الثاني: أنّ الحجر لا يتعدّى إلى المتجدّد؛ لأنّ الحجر على المفلس لقصر يده عن التصرّف فيما عنده، فلا يتعدّى إلى غيره، كما أنّ حجر الراهن على نفسه في العين المرهونة لا يتعدّى إلى غيرها (2).

إذا ثبت هذا، فإذا اشترى شيئاً و قلنا بصحّة شرائه، ففيه مثل هذا

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 11، روضة الطالبين 3: 369.

(2) الوسيط 4: 10، الوجيز 1: 170، العزيز شرح الوجيز 5: 12، روضة الطالبين 3: 369.

33

الخلاف.

و هل للبائع الخيارُ و التعلّق بعين متاعه؟ الأقرب: العدم- و هو أحد وجوه الشافعي (1)- لأنّه إن (2) كان عالماً، كان بمنزلة مَن اشترى معيباً يعلم بعيبه. و إن كان جاهلًا، فقد قصّر بترك البحث مع سهولة الوقوف عليه؛ فإنّ الحاكم يشهر أمر المحجور عليه بالنداء و الإشهاد و الإعلان.

و الثاني: أنّ البائع إن كان عالماً، فلا خيار له. و إن كان جاهلًا، فله الخيار، و الرجوع إلى عين ماله.

و الثالث: أنّ للبائع الخيارَ في الرجوع إلى عين ماله و إن كان عالماً؛ لتعذّر الوصول إلى الثمن (3).

و كذا المُقرض.

و يقرب من هذا ما إذا باع من عبدٍ بغير إذن مولاه و قلنا بصحّة البيع، فإنّ الثمن يتعلّق بذمّته يتبع به بعد العتق، فإن كان عالماً، ففي ثبوت الخيار وجهان (4).

و إن كان جاهلًا، يثبت.

مسألة 281: إذا لم يثبت للبائع الرجوعُ في المبيع على المفلس المحجور، فهل يزاحم الغرماء بالثمن؟ الأقرب: المنع

؛ لأنّه دَيْنٌ حادث بعد الحجر برضا صاحبه، و كلّ ما هذا شأنه من الديون لا يزاحم مستحقّها الغرماء، بل إن فضل منهم شيء، أخذه، و إلّا صبر إلى أن يجد مالًا، و هو أصحّ قولي الشافعي.

____________

(1) (1 و 3) الوسيط 4: 10، العزيز شرح الوجيز 5: 12- 13، روضة الطالبين 3: 369.

(2) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «و إن». و الصحيح ما أثبتناه.

(4) الوجهان أيضاً للشافعيّة، راجع: العزيز شرح الوجيز 5: 13.

34

و الثاني: أنّه يزاحم؛ لأنّه و إن كان دَيْناً جديداً فإنّه في مقابلة ملكٍ جديد، فلمّا زاد المال جاز أن يزيد الدَّيْن، بخلاف الصداق الذي [لزمه] (1) بنكاح بعد الفلس و دَيْن ضمنه بعد الفلس، فإنّه لا مقابل له هناك (2).

مسألة 282: أقسام ديون المفلس، الثابتة بعد الحجر ثلاثة:

أ: ما لزم باختيار مستحقّه

، فإن كان في مقابلته شيء- كثمن المبيع- فقد ذكرنا الخلاف في أنّه هل له المطالبة به أم لا؟ و إن لم يكن في مقابلته شيء، فلا خلاف في أنّ مستحقّه لا يُضارِب الغرماء، بل يصبر إلى فكاك الحجر.

ب: ما لزم بغير اختيار المستحقّ

، كأرش الجناية و غرامة الإتلاف، و فيه وجهان:

[أحدهما:] أنّه لا يضارب به؛ لتعلّق حقوق الأوّلين بأعيان أمواله، فصار كما لو جنى الراهن و لا مال له غير المرهون، لا يزاحم المجنيّ عليه المرتهن.

و الثاني: أنّه يضارب؛ لأنّه لم يوجد منه تقصير، فيبعد تكليفه الانتظار (3).

ج: ما يتجدّد بسبب مئونات المال

، كأُجرة الوزّان و الناقد و الكيّال و الحمّال و المنادي و الدلّال و أُجرة البيت الذي يُحفظ فيه المتاع، فهذه المُؤن كلّها مقدَّمة على ديون الغرماء؛ لأنّها لمصلحة الحجر و إيصال أرباب

____________

(1) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 13.

(3) الوجهان أيضاً للشافعيّة، راجع: العزيز شرح الوجيز 5: 13، و روضة الطالبين 3: 369.

35

الحقوق حقوقهم، و لو لم تُقدَّم لم يرغب أحد في تلك الأعمال، و حصل الضرر بالمفلس و الغرماء.

و هذا كلّه إذا لم يوجد متطوّعٌ بذلك، و لا في بيت المال سعة له، فإن وُجد متطوّعٌ أو كان في بيت المال سعة، لم يُصرف مال المفلس إليها.

مسألة 283: شرطنا في التصرّف- الذي يُمنع المفلس منه- كونه مبتدأً

، كالابتداء بالبيع و الصدقة و الوقف و الكتابة و الهبة، أمّا ما ليس بمبتدإ فإنّه لا يُمنع منه، فلو اشترى قبل الحجر شيئاً ثمّ اطّلع على عيبه بعد الحجر، فله الردّ بالعيب إن كانت الغبطة في الردّ؛ لأنّه ليس ابتداء تصرّفٍ، بل هو من أحكام البيع السابق و لواحقه، و الحجر لا يمنع من الأحكام السابقة عليه، و ليس ذلك كما لو باع مع الغبطة؛ لأنّ ذلك تصرّف مبتدأ، و الفسخ ليس تصرّفاً مبتدأً، فافترقا.

فإن منع من الردّ بالعيب السابق تصرّفٌ أو عيبٌ حادث، لزم الأرش، و لم يملك المفلس إسقاطه؛ لأنّه تصرّف في مالٍ وجب له بالإتلاف إلى غير عوضٍ، و هو ممنوع من الإتلاف بالعوض فبغيره أولى.

و لو كانت الغبطة في ترك الردّ بأن كان قيمته مع العيب أكثر من ثمن المثل، لم يكن له الردُّ؛ لما فيه من تفويت المال بغير عوضٍ.

و كذا المريض لو اشترى حال صحّته شيئاً ثمّ وجد عيبه في مرضه فأمسكه و الغبطة في الردّ، كان المقدار الذي ينقصه العيب معتبراً من الثلث.

و كذا وليّ الطفل إذا وجد ما اشتراه للطفل معيباً و كانت الغبطة في إبقائه، لم يكن له الردّ.

و يثبت في هذه المواضع كلّها الأرش؛ لأنّا لا نشترط في وجوب الأرش امتناع الردّ.

36

و قال الشافعي: لا يثبت الأرش في هذه الصور؛ بناءً على أصله من أنّ الأرش لا يثبت مع إمكان الردّ، و الردّ هنا ممكن غير ممتنعٍ في نفسه، بل إنّما امتنع لأنّ المصلحة اقتضت الامتناع منه (1).

مسألة 284: لو تبايعا بخيار ففلّسا أو أحدهما، لم يبطل خيار المفلس

، و كان له إجازة البيع و ردّه، سواء رضي الغرماء أو سخطوا.

و لا يُعتبر هنا الغبطة؛ لأنّ ذلك ليس تصرّفاً مبتدأً، و إنّما مُنع المفلس من التصرّفات المستحدثة.

و فارق الفسخ و الإجازة بالخيار الردَّ بالعيب؛ لأنّ العقد في زمن الخيار متزلزل لا ثبات له، فلا يتعلّق حقّ الغرماء بالمال، و يضعف تعلّقه به، بخلاف ما إذا خرج معيباً، و إذا ضعف التعلّق جاز أن لا يُعتبر شرط الغبطة، و هو أظهر وجوه الشافعي.

و الثاني: أنّ تجويز الفسخ و الإجازة متقيّد بالغبطة، كالردّ بالعيب.

و هو مخرَّج من عقد المريض في صحّته بشرط الخيار ثمّ يفسخ أو يُجيز حالة المرض على خلاف الغبطة، فإنّه تصرّف من الثلث.

و الفرق: أنّ حجر المريض أقوى، فإنّ إمضاء الورثة تصرّفَ المريض قبل الموت لا يفيد شيئاً، و إمضاء الغرماء و إذنهم فيما يفعله المفلس يفيدهم الصحّة و الاعتبار.

و الثالث: أنّ كلّ واحدٍ من الفسخ و الإمضاء إن وقع على وفق الغبطة، فهو صحيح، و إلّا فالنظر إلى الخلاف في الملك في زمن الخيار و إلى أنّ الذي أفلس أيّهما هو؟

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 14، روضة الطالبين 3: 370.

37

فإن كان المشتري و قلنا: الملك للبائع، فللمشتري الإجازة و الفسخ.

أمّا الإجازة: فلأنّها جلب ملك. و أمّا الفسخ: فلا يمنع دخول شيء في ملكه، إلّا أنّه أزال ملكاً. و إن قلنا: الملك للمشتري، فله الإجازة؛ لأنّه يستديم الشيء في ملكه، فإن فسخ، لم يجز؛ لما فيه من إزالة الملك.

و إن أفلس البائع، فإن قلنا: الملك له، فله الفسخ؛ لأنّه يستديم الملك، و ليس له الإجازة؛ لأنّه يُزيله. و إن قلنا: الملك للمشتري، فللبائع الفسخ و الإجازة، كما قلنا في طرف المشتري (1).

و ما ذكرناه أولى.

و لو قيل في الردّ بالعيب: إنّه لا يتقيّد بالغبطة كما في الخيار، كان وجهاً.

مسألة 285: لو جُني على المفلس أو على مملوكه أو على مورّثه جناية، فإن كانت خطأً، وجب المال

، و تعلّق به حقوق الغرماء، و لا يصحّ منه العفو عنه. و إن كانت عمداً توجب القصاص، تخيّر بين القصاص و العفو.

و ليس للغرماء مطالبته بالعفو على مالٍ؛ لأنّه اكتساب للمال و تملّك، و هو غير لازمٍ، كما لا يلزمه الكسب و قبول الهبة.

فإن استوفى القصاص، فلا كلام. و إن عفا على مالٍ و رضي الجاني، ثبت المال، و تعلّق به حقوق الغرماء.

و إن عفا مطلقاً، سقط حقّه من القصاص، و لم يثبت له مالٌ- و هو أحد قولي الشافعي (2)- لأنّ موجَب جناية العمد القصاصُ خاصّةً.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 14- 15، روضة الطالبين 3: 370.

(2) الحاوي الكبير 6: 324.

38

و له قولٌ آخَر: إنّ موجَبها أحد الأمرين: إمّا القصاص، أو الدية (1).

فإن عفا عن القصاص، تثبت له الدية، و تعلّق بها حقوق الغرماء.

و إن عفا على غير مالٍ، فإن قلنا: الواجب القصاصُ خاصّةً، لم يثبت له شيء. و إن قلنا: الواجب أحد الأمرين، ثبتت الدية، و لم يصح إسقاطه لها؛ لحقّ الغرماء؛ لأنّ عفوه عن القصاص يوجب الدية، فلا يصحّ منه إسقاطها.

مسألة 286: للمفلس المحجور عليه الدعوى

؛ لأنّه ليس تصرّفاً في مالٍ، بل استيجاب مالٍ، و لا نعلم فيه خلافاً.

فإذا ادّعى على غيره بمالٍ، فإن اعترف المدّعى عليه، أو قامت له البيّنة، ثبت له المال، و تعلّق به حقّ الغرماء. و إن أنكر و لا بيّنة فإن حلف، برئ، و سقطت الدعوى.

و لو أقام المفلس شاهداً واحداً بدعواه، فإن حلف مع شاهده، جاز، و استحقّ المال، و تعلّق به حقّ الغرماء. و إن امتنع، لم نجبره على اليمين؛ لأنّا لا نعلم صدق الشاهد، و لو علمناه، يثبت الحقّ بشهادته من غير يمين، فلا نجبره على الحلف على ما لا نعلم صدقه. و لأنّه تكسّب، و ليس واجباً عليه.

و لم يحلف الغرماء مع الشاهد عندنا- و هو الجديد للشافعي، و به قال أحمد (2)- لأنّه لا يجوز للإنسان أن يحلف ليُثبت بيمينه ملكاً لغيره حتى يتعلّق حقّه به، كما لا يجوز للزوجة أن تحلف لإثبات مالٍ لزوجها و إن كان إذا ثبت، تعلّقت نفقتها به.

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 325.

(2) الحاوي الكبير 6: 328- 329، المغني 4: 524، الشرح الكبير 4: 551.

39

و قال في القديم: إنّ الغرماء يحلفون؛ لأنّ حقوقهم تتعلّق بما يثبت للمفلس كما يحلف الورثة مع شاهدهم بمالٍ (1) لمورّثهم و للوكيل في العقد إذا حالفه مَن العقد معه، تحالفا و إن ثبت العقد لغيره (2).

و الفرق ظاهر؛ فإنّ الورثة يُثبتون بأيمانهم الملكَ لأنفسهم، و الوكيل في العقدِ اليمينُ متعلّقةٌ به؛ لأنّه هو العاقد، فيُثبت بيمينه فعلَ نفسه، و لهذا لا يحلف موكّله على ذلك.

و كذا مَنْ مات و عليه دَيْنٌ فادّعى وارثه دَيْناً له على رجل و أقام عليه شاهداً و حلف معه، يثبت الحقّ، و جُعل المال في سائر تركاته. و إن امتنع من اليمين أو لم يكن له شاهد و نكل المدّعى عليه عن اليمين و لم يحلف الوارث اليمينَ المردودة، فهل يحلف الغرماء؟

أمّا عندنا فلا؛ لما تقدّم. و أمّا عند الشافعي فقولان له:

الجديد كقولنا؛ لأنّ حقّه فيما يثبت للميّت، أمّا إثباته للميّت فليس إليه، و لهذا لو وصّى لإنسانٍ بشيء فمات قبل القبول و لم يقبله وارثه، لم يكن للغريم القبولُ.

و قال في القديم: يحلف الغريم؛ لأنّه ذو حقّ في التركة، فأشبه الوارث (3).

إذا عرفت هذا، فالقولان أيضاً في اليمين الثابتة بالنكول، و هو ما إذا

____________

(1) كذا، و الظاهر: «على مال» بدل «بمال».

(2) نفس المصادر في الهامش (2) من ص 38.

(3) التهذيب- للبغوي- 4: 108، العزيز شرح الوجيز 5: 15- 16، روضة الطالبين 3: 371.

40

لم يكن للمفلس بيّنة و ردَّ المدّعى عليه اليمينَ فلم يحلف المفلس، ففي إحلاف الغرماء للشافعي قولان (1).

و عندنا ليس لهم الحلف.

و اعلم أنّ بعض الشافعيّة ذكر طريقين في إحلاف غرماء المفلس مع شاهده:

أحدهما: طرد القولين.

و الثاني: القطع بالمنع هنا، و الخلاف في الميّت.

و الفرق: أنّ الحقّ للمفلس، فامتناعه عن اليمين يورث ريبةً ظاهرة، و في الصورة الأُولى صاحب الحقّ غير باقٍ، و إنّما يحلف الوارث بناءً على معرفته بحال مُورّثه و هو [قد] (2) يخفى عنه و لا يخفى عن الغرماء، و لأنّ غرماء الميّت آيسون عن حلفه، فمُكّنوا من اليمين لئلّا يضيع الحقّ، و غرماء المفلس غير آيسين عن حلفه (3).

قال الجويني: الطريقة الثانية أصحّ. و حكى عن شيخه طرد الخلاف في ابتداء الدعوى من الغرماء (4).

و قطع أكثرهم بمنع الدعوى ابتداءً، و تخصيص الخلاف باليمين بعد دعوى الوارث و المفلس 5.

و لا فرق بين أن تكون الدعوى بعينٍ أو بدَيْنٍ.

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 329.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 16.

(4) (4 و 5) العزيز شرح الوجيز 5: 16، روضة الطالبين 3: 371.

41

فروع:

أ- لو حلف بعض الغرماء- عند القائلين به- دون بعضٍ، استحقّ الحالفون بالقسط

، كما لو حلف بعض الورثة لدَيْن الميّت.

ب- ليس لمن امتنع من اليمين من الغرماء- إن جوّزنا لهم الحلف- مشاركة الحالف

، كالوارث إذا حلف دون باقي الورثة، لم يكن للباقين مشاركته؛ لأنّ المقبوض باليمين ليس عينَ مال الميّت و لا عوضه بزعم الغريم.

ج- لو حلف الغرماء ثمّ أبرءوا عن ديونهم، فالمحلوف عليه يُحتمل أن يكون للمفلس

؛ لخروجه عن ملك المدّعى عليه بحلف الغرماء، و عن ملك الغرماء بإبرائهم عن الدَّيْن، فيبقى للمفلس. و أن يكون للغرماء؛ لأنّه يثبت بحلفهم، و يلغو الإبراء. و هو ضعيف. أو يبقى على المدّعى عليه، و لا يستوفى أصلًا.

و للشافعي ثلاثة أوجُه (1) كهذه.

مسألة 287: الدَّيْن إن كان حالًّا أو حلّ بعد الأجل و أراد المديون السفر، كان لصاحب الدَّيْن منعه من السفر حتى يقبض حقّه

، و ليس في الحقيقة هذا منعاً من السفر كما يمنع السيّدُ عبدَه و الزوجُ زوجتَه، بل يشغله عن السفر برفعه إلى الحاكم و مطالبته حتى يُوفي الحقّ، و حبسه إن ماطَل.

و إن كان الدَّيْن مؤجَّلًا، فإن لم يكن السفر مخوفاً، لم يُمنع منه؛ إذ ليس له مطالبته في الحال بالحقّ.

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 16، روضة الطالبين 3: 371.

42

و ليس له أيضاً أن يطالبه برهن و لا كفيل؛ لأنّه ليس له مطالبته بالحقّ فكيف يكون له المطالبة بالرهن أو الكفيل و هو المفرط في حظّ نفسه حيث رضي بالتأجيل من غير رهنٍ و لا كفيل!؟

و هل له أن يكلّفه الإشهاد؟ قال الشافعي: ليس له ذلك (1).

و الأقرب عندي أنّه يجب عليه الإشهاد؛ لما فيه من إبراء الذمّة.

و إن كان السفر مخوفاً- كالجهاد، و ركوب البحر- لم يكن له المنع منه أيضاً و لا المطالبة برهن و لا كفيل؛ إذ لا مطالبة له في الحال، و هو أصحّ وجوه الشافعي.

و الثاني: أنّه يمنعه إلى أن يؤدّي الحقّ أو يُعطي كفيلًا؛ لأنّه في هذا السفر يُعرّض نفسه للهلاك فيضيع حقّه.

و الثالث: إن لم يخلّف وفاءً، مَنَعه. و إن خلّف، لم يكن له منعه اعتماداً على حصول الحقّ منه 2.

مسألة 288: و لا فرق بين أن يكون الأجل قليلًا أو كثيراً

، و لا بين أن يكون السفر طويلًا أو قصيراً، فلو بقي للأجل نصف نهار ثمّ أراد إنشاء سفرٍ طويل في أوّله، لم يكن لصاحب الدَّيْن منعه منه، فإنه لا يجب عليه إقامة كفيل و لا دَفْع رهن، و ليس لصاحب الدَّيْن مطالبته بأحدهما، و به قال الشافعي (3).

و قال مالك: إذا علم حلول الأجل قبل رجوعه، فله أن يطالبه بكفيل

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 17، روضة الطالبين 3: 372.

(3) الحاوي الكبير 6: 337، التهذيب- للبغوي- 4: 117، العزيز شرح الوجيز 5: 17، روضة الطالبين 3: 372.

43

- و هو قول بعض الشافعيّة- لأنّ عليه ضرراً في تأخّر حقّه (1).

و الضرر لحقه بواسطة التأجيل، و هو من فعله، و رضي به من غير كفيل، فلم يكن له إزالته بعد ذلك، و كما أنّه ليس له مطالبته بالحقّ في الحال، كذا ليس له المطالبة بكفيلٍ، كما لو لم يسافر.

و لو أراد صاحب المال أن يسافر معه ليطالبه عند الحلول، فله ذلك بشرط أن لا يلازمه ملازمة الرقيب.

إذا ثبت هذا، فإنّه إذا حلّ الأجل و هو في السفر و تمكّن من الأداء، وجب عليه إمّا برجوعه أو بإنفاذ وكيله أو ببعث رسالته (2) أو بغيره من الوجوه.

مسألة 289: الهبة من الأدنى للأعلى لا تقتضي الثواب

؛ للأصل، و هو أحد قولي الشافعي (3).

فإن شرطه، صحّ عندنا؛ لقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (4).

و للشافعي قولان على تقدير عدم اقتضاء الثواب (5)

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 337، التهذيب- للبغوي- 4: 117، العزيز شرح الوجيز 5: 17.

(2) في النسخ الخطّيّة: «رسالة».

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 454، التنبيه: 139، الحاوي الكبير 7: 549، حلية العلماء 6: 57، التهذيب- للبغوي- 4: 530، العزيز شرح الوجيز 4: 243، و 6: 329، روضة الطالبين 4: 446، منهاج الطالبين: 172، المغني 6: 331.

(4) التهذيب 7: 371/ 1503، الاستبصار 3: 232/ 835، الجامع لأحكام القرآن 6: 33.

(5) المهذّب- للشيرازي- 1: 454، التنبيه: 139، الحاوي الكبير 7: 550، التهذيب- للبغوي- 4: 530، حلية العلماء 6: 58، العزيز شرح الوجيز 6: 329، روضة الطالبين 4: 446- 447، منهاج الطالبين: 172، المغني 6: 332.

44

فإن قلنا بالاقتضاء، أو شرطه مطلقاً، ففيه ثلاثة أقوال للشافعي:

أحدها: قدر قيمة الموهوب.

و الثاني: ما جرت العادة بأن يُثاب مثله في تلك الهبة.

و الثالث: ما يرضى به الواهب (1).

فإذا وهب المفلس هبة توجب الثواب ثمّ حُجر عليه، لم يكن له إسقاطه؛ لأنّه تصرّفٌ في المال بالإسقاط، فيُمنع منه.

فإن قلنا بوجوب القيمة أو ما جرت العادة بمثله، لم يكن له أن يرضى إلّا بذلك.

و إن قلنا: له ما يرضيه، كان له أن يرضى بما شاء و إن قلّ جدّاً، و لا يعترض عليه- و به قال الشافعي (2)- لأنّ المال لا يثبت إلّا برضاه، فلو عيّنّا عليه الرضا، لكان تعييناً للاكتساب.

مسألة 290: قد بيّنّا أنّه لو أقرّ بعين، دُفعت إلى المُقرّ له على إشكال.

و يُحتمل عدم الدفع، و يكون حقّ الغرماء متعلّقاً بها.

فعلى تقدير عدم القبول لو فضلت عن أموال الغرماء دُفعت إلى المُقرّ له قطعاً؛ عملًا بالإقرار.

أمّا البيع فلو باعها حالة الحجر و قلنا بعدم النفوذ ففضلت عن أموال الغرماء، ففي إنفاذ البيع فيها إشكال.

و كذا الإشكال لو ادّعى أجنبيّ شراء عينٍ منه في يده قبل الحجر

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 455، التنبيه: 139، الحاوي الكبير 7: 550- 551، حلية العلماء 6: 58- 59، التهذيب- للبغوي- 4: 530- 531، الوسيط 4: 276، العزيز شرح الوجيز 6: 330، روضة الطالبين 4: 446.

(2) التهذيب- للبغوي- 4: 102، العزيز شرح الوجيز 5: 23، روضة الطالبين 3: 382.

45

فصدّقه.

و لو قال: هذا المال مضاربة لغائبٍ، قيل: يُقرّ في يده؛ عملًا بمقتضى إقراره، كما لو أقرّ بدَيْنٍ أو بعينٍ.

و لو قال: لحاضرٍ، فإن صدّقه، دُفع إليه على إشكال. و إن كذّبه، قُسّم بين الغرماء.

و يضرب المجنيّ عليه بعد الحجر بالأرش و قيمة المتلف، و يُمنع من قبض بعض حقّه.

و لا يُمنع من وطئ مستولدته.

و الأقرب: منع غير المستولدة من إمائه، فإن فَعَل و أحبل، صارت أُمَّ ولدٍ، و لا يبطل حقّ الغرماء منها مع القصور دونها.

البحث الثاني: في بيع ماله و قسمته.

مسألة 291: كلّ مَن امتنع من قضاء دَيْنٍ عليه مع قدرته و تمكّنه منه و امتنع من بيع ماله فإنّ على الحاكم أن يُلزمه بأدائه

أو يبيع عليه متاعه، سواء كان مفلساً محجوراً عليه أو لا، و يقسّمه بين الغرماء- و به قال الشافعي و مالك و أبو يوسف و محمّد (1)- لما رواه العامّة: أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) حجر على معاذ، و باع ماله في دَيْنه (2).

و خطب عمر فقال في خطبته: ألا إنّ أُسيفع جُهَيْنة قد رضي من دينه

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 237، التنبيه: 101، حلية العلماء 4: 484، التهذيب- للبغوي- 4: 104 و 109، العزيز شرح الوجيز 5: 18، روضة الطالبين 3: 372، بداية المجتهد 2: 284، المبسوط- للسرخسي- 24: 164، المغني 4: 529 و 530، الشرح الكبير 4: 495.

(2) تقدّم تخريجه في ص 7، الهامش (4).

46

و أمانته أن يقال: سبق الحاجَّ، فادّان معترضاً (1) فأصبح و قد رين به، فمَنْ كان له عليه مالٌ فليحضر غداً فإنّا بائعو ماله و قاسموه بين غرمائه (2).

و هذا رجل من جُهَيْنة كان يشتري الرواحل و يُسرع السير فيسبق الحاجَّ فأفلس.

و «ادّان» يعني استقرض. و قوله: «معترضاً» أي اعترض الناس فاستدان ممّن أمكنه. و «رين به» أي وقع فيما لا يستطيع الخروج منه.

قال أبو عبيد: كلّ ما غلبك فقد ران بك و رانك (3).

و من طريق الخاصّة: ما رواه عمّار عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ثمّ يأمر فيقسّم ماله بينهم بالحصص، فإن أبى باعه فقسّمه بينهم، يعني ماله» (4).

و قال أبو حنيفة: لا يُباع ماله، بل يحبسه ليبيع بنفسه، إلّا أن يكون ماله أحدَ النقدين و عليه الآخَر، فيدفع الدراهم عن الدنانير، و الدنانير عن الدراهم؛ لأنّه رشيد لا ولاية لأحدٍ عليه، فلم يجز للحاكم أن يبيع ماله عليه، كما لو لم يكن عليه دَيْنٌ (5)

____________

(1) في المصادر: «معرضاً».

(2) الموطّأ 2: 770/ 8 (الباب 8 من كتاب الوصيّة) المهذّب- للشيرازي- 1: 327، الحاوي الكبير 6: 264، بداية المجتهد 2: 284، المبسوط- للسرخسي- 24: 164، العزيز شرح الوجيز 5: 18، المغني 4: 530، الشرح الكبير 4: 495.

(3) غريب الحديث- للهروي- 3: 270 «رين» و فيه: «... ران بك و ران عليك». و حكاه عنه- كما في المتن- الرافعي في العزيز شرح الوجيز 5: 18.

(4) الكافي 5: 102 (باب إذا التوى الذي عليه الدَّيْن على الغرماء) ح 1، التهذيب 6: 191/ 412، الاستبصار 3: 7/ 15.

(5) الهداية- للمرغيناني- 3: 285، المبسوط- للسرخسي- 24: 164 و 165، النتف 2: 752، بدائع الصنائع 7: 174، التهذيب- للبغوي- 4: 104، حلية العلماء 4: 485، العزيز شرح الوجيز 5: 18، المغني 4: 529- 530، الشرح الكبير 4: 495.

47

و قياسهم يُنتقض ببيع الدراهم بالدنانير و بالعكس، فإنّه عنده (1) جائز، فجاز في غير النقدين. و يُمنع عدم الولاية؛ لأنّه بمنعه ظالم، فجاز أن تثبت الولاية عليه، كما أنّ الحاكم يُخرج الزكاة من مال الممتنع من أدائها.

مسألة 292: إذا حجر الحاكم على المفلس، استحبّ له المبادرة إلى بيع ماله و قسمته

؛ لئلّا يتلف منه شيء، و لئلّا تطول مدّة الحجر، و لا يفرط في الاستعجال؛ لئلّا يطمع المشترون فيه بثمن بخس.

و يستحبّ إحضار المفلس أو وكيله؛ لأنّه يحصي ثمنه و يضبطه.

و لأنّه أخبرُ بمتاعه و أعرفُ من غيره بجيّده من رديئه و ثمنِه، فيتكلّم عليه و يُخبر بقدره، و يعرف المعيب من غيره. و لأنّه يكثر الرغبة فيه، فإنّ شراءه من صاحبه أحبّ إلى المشترين. و لأنّه أبعد من التهمة، و أطيب لنفس المفلس، و أسكن لقلبه، و ليطّلع على عيبٍ إن كان ليباع على وجهٍ لا يُردّ.

و كذا يفعل إذا باع المرهون، و ليس ذلك واجباً فيهما.

و يستحبّ أيضاً إحضار الغرماء؛ لأنّه يُباع لهم، و ربما رغبوا في شراء شيء منه فزادوا في ثمنه فانتفعوا هُم و المفلس. و لأنّه أطيب لقلوبهم و أبعد من التهمة.

مسألة 293: و ينبغي للحاكم أن يبدأ ببيع المرهون و صرف الثمن إلى المرتهن

؛ لاختصاص حقّ المرتهن بالعين. و لأنّه ربما زادت قيمة الرهن على الدَّيْن فيضمّ الباقي إلى مال المفلس، و ربما نقصت عن الدَّيْن فيضرب

____________

(1) تحفة الفقهاء 3: 35، الهداية- للمرغيناني- 3: 83، الاختيار لتعليل المختار 2: 61.

48

المرتهن بباقي دَيْنه مع الغرماء.

ثمّ إن كان له عبدٌ جانٍ، قدّم بيعه أيضاً؛ لما قلناه من تعلّق حقّ المجنيّ عليه برقبته و اختصاصه به، و ربما فضل من قيمته شيء فأُضيف إلى مال مولى الجاني. و لا يساوي الرهن، فإنّه إن نقص قيمته عن حقّ الجناية، لم يستحقّ الباقي. و لأنّ حقّه لا يتعلّق بالذمّة بل بالعين خاصّةً، و المرتهن يتعلّق حقّه بالعين و الذمّة معاً.

مسألة 294: و يقدّم بيع ما يخاف عليه الفساد كالفواكه و شبهها

؛ لئلّا يضيع على المفلس و على الغرماء، ثمّ الحيوان؛ لحاجته إلى النفقة و كونه عرضةً للهلاك، ثمّ سائر المنقولات؛ لأنّ التلف إليها أسرع من العقارات، ثمّ سائر العقارات؛ لأنّه لا يخشى عليها التلف و لا السرقة، إلّا (1) مسكنه فإنّه لا يباع.

و ينبغي أن يشهر حال بيعها بين الناس فيظهر الراغبون.

مسألة 295: ينبغي للحاكم أن يقول للمفلس و الغرماء: ارتضوا مَنْ ينادي على الأمتعة و الأموال

؛ لأنّ الحاكم لا يكلّف ذلك، بل يردّه إليهم، فإنّه أبعد من التهمة، فإن اتّفقوا على رجل و كان مرضيّاً، أمضاه الحاكم.

و إن لم يكن ثقةً، ردّه.

لا يقال: أ ليس إذا اتّفق الراهن و المرتهن على [أن يبيع] الرهنَ غيرُ ثقة (2)، لم يكن للحاكم الاعتراضُ عليهما؟

لأنّا نقول: الفرق أنّ الحاكم لا نظر له مع الراهن و المرتهن، و في

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «و لا» بدل «إلّا». و الظاهر ما أثبتناه.

(2) في «ج، ر»: «على بيع الراهن غير ثقة». و في «ث»: «على بيع الرهن لغير ثقة». و في الطبعة الحجريّة: «على بيع الرهن من غير ثقة». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

49

صورة المفلس له نظر و اجتهاد في مال المفلس. و لأنّه قد يظهر غريم فيتعلّق حقّه، فلهذا نظر فيه، بخلاف الرهن.

فإن اختار المفلس رجلًا و اختار الغرماء غيره، نظر الحاكم فإن كان أحدهما غير ثقة دون الآخَر، أقرّ الثقة منهما. و إن كانا ثقتين فإن كان أحدهما متطوّعاً دون الآخَر، أقرّ المتطوّع؛ لأنّه أوفر (1) عليهما. فإن كانا متطوّعين، ضمّ أحدهما إلى الآخَر؛ لأنّه أحوط. و إن كانا غير متطوّعين، اختار أوثقهما و أعرفهما و أقلّهما أُجرةً.

فإن كان المبيع رهناً أو جانياً، أمر بدفع الثمن إلى المرتهن أو وليّ المجنيّ عليه. و إن لم يتعلّق به إلّا حقّ الغرماء، أمرهم باختيار ثقة يكون المال عنده مجموعاً ليقسّم بينهم على قدر حقوقهم.

تذنيب: ينبغي أن يرزق المنادي من بيت المال

، و كذا مَنْ يلي حفظه؛ لأنّ بيت المال مُعدٌّ للمصالح، و هذا من جملتها. فإن لم يكن في بيت المال سعة أو كان يحتاج إليه لما هو أهمّ من ذلك، فإن وجد متطوّع ثقة، لم يدفع أُجرة. و إن لم يوجد، دفع الأُجرة من مال المفلس؛ لأنّ البيع حقٌّ عليه.

مسألة 296: ينبغي أن يُباع كلّ متاع في موضع سوقه

، فتباع الكتب في سوق الورّاقين، و البزّ في البزّازين، و الحديد في الحدّادين، و ما أشبه ذلك؛ لأنّ بيعه في سوقه أحوط له و أكثر لطُلّابه و معرفة قيمته.

فإن باع شيئاً منه في غير سوقه بثمن مثله، جاز، كما لو قال لوكيله:

بِعْ هذا المتاع في السوق الفلاني بكذا، فباعه بذلك الثمن في غير ذلك

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «وفر». و الصحيح ما أثبتناه.

50

السوق و كان غرض الموكّل تحصيل ذلك القدر من الثمن لا غير، فإنّه يصحّ، كذا هنا، بخلاف ما لو قال له: بِعْ من فلان بكذا، فباع من غيره بذلك الثمن، فإنّه يكون قد خالف؛ لأنّه قد يكون له غرض في بيعه من واحدٍ دون واحدٍ.

فإذا باع بثمن المثل ثمّ جاءته الزيادة، فإن كان في زمن الخيار، فسخ البيع احتياطاً للمفلس و الغرماء.

و هل يجب ذلك؟ إشكال أقربه: الوجوب، كما لو جاءت الزيادة على ثمن المثل قبل البيع.

و إن جاءت بعد لزوم البيع و انقطاع الخيار، سئل المشتري الإقالة، و يستحبّ له الإجابة إلى ذلك؛ لتعلّقه بمصلحة المفلس و الغرماء و قضاء دَيْن المحتاج. فإن لم يفعل، لم يُجبر عليه.

مسألة 297: و يجب أن يبيع المتاع بثمن مثله حالًّا من نقد البلد

، فإن كان بقُرْب بلدِ ملك المفلس بلدٌ فيه قوم يشترون العقار في بلد المفلس، أنفذ الحاكم إليهم و أعلمهم ليحضروا للشراء ليتوفّر الثمن على المفلس، فإذا بلغ ثمن مثله، باعه، و يبيع بنقد البلد و إن كان من غير جنس حقّ الغرماء؛ لأنّه أوفر.

ثمّ إن كان الثمن من جنس مال الغرماء، دفع إليهم. و إن كان من غير جنسه، فإن لم يرض المستحقّون إلّا بجنس حقّهم، صرفه إلى جنس حقّهم، و إلّا جاز صَرفه إليهم.

و لو كان سَلَماً و منعنا من المعاوضة عليه قبل قبضه، اشترى الحاكم لهم من جنس حقّهم، و دَفَعه إليهم.

و لو أراد الغريم الأخذ من المال المجموع، و قال المفلس: لا أُوفيك

51

إلّا من جنس مالك، قُدّم قول المفلس؛ لأنّه معاوضة، و لا يجوز إلّا بتراضيهما عليه.

مسألة 298: لا يدفع السلعة إلى المشتري حتى يقبض الثمن؛ حراسةً لمال المفلس عن التلف.

و قد سبق (1) للشافعيّة أقوال ثلاثة في البداءة بالبائع أو لا؟ فقولٌ: إنّه يبدأ بالبائع، فيسلّم المبيع ثمّ يقبض الثمن. و قولٌ: إنّهما يُجبران على التسليم إلى عَدْلٍ. و الثالث: أنّهما لا يُجبران.

و هذا الأخير لا يتأتّى هنا؛ لتعلّق حقّ الغرماء بالثمن و هو حالّ، فلا سبيل إلى تأخيره، بل إمّا يُجبر المشتري على التسليم أوّلًا، أو يُجبران معاً، و لا يجيء جبر البائع أوّلًا؛ لأنّ مَنْ يتصرّف للغير لا بُدَّ و أن يحتاط.

فإن خالف الواجب و سلّم المبيع قبل قبض الثمن، ضمن.

و ما يقبضه الحاكم من أثمان المبيع من أموال المفلس على التدريج إن كان الغريم واحداً، سلّم إليه من غير تأخير. و كذا إن أمكنت قسمته بسرعة، لم يؤخّر. و إن كان يعسر قسمته؛ لقلّته و كثرة الديون، فله أن يؤخّر ليجتمع. فإن امتنعوا من التأخير، قسّمه عليهم.

و قال بعض الشافعيّة: يُجبرهم الحاكم على التأخير (2).

و ليس بجيّد.

و إذا تأخّرت القسمة فإن وجد الحاكم مَنْ يقترضه من الأُمناء ذوي اليسار أقرضهم إيّاه، فإنّه أولى من الإيداع؛ لأنّ القرض مضمون على

____________

(1) في ج 10 ص 108- 109 (النظر الثاني في وجوب القبض).

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 19، روضة الطالبين 3: 377- 378، و فيهما: «فإن أبوا التأخير، ففي النهاية إطلاق القول بأنّه يجيبهم. و الظاهر خلافه».

52

المقترض، بخلاف الوديعة، فإنّها غير مضمونة على المستودع، و هي أمانة في يده لا يؤمن تلفها، فلا يرجع المفلس و الغرماء إلى شيء. فإن لم يجد مَنْ يُقرضه إيّاه، جَعَله وديعةً عند أمين. و لو أودع مع وجود المقترض الأمين المليّ، كان جائزاً، لكنّه يكون قد ترك الأولى.

إذا ثبت هذا، فإنّه يقرض المال من المليّ الثقة حالًّا غير مؤجَّل؛ لأنّ الديون حالّة.

و لو أجّله بأن شرط الأجل في بيعٍ و شبهه عندنا و مطلقاً عند مالك (1)، لم يجز.

قال الشافعي: مال الصبي يودع و لا يقرض (2).

و فرّق بعض أصحابه بأنّ مال الصبي يُعدّ لمصلحة تظهر له من شراء عقار، أو تجارة، و قرضه قد يتعذّر معه المبادرة إلى ذلك، و مال المفلس مُعدٌّ للغرماء خاصّةً، فافترقا (3).

مسألة 299: إذا لم يوجد المقترض، أودعه الحاكم عند الثقة، و لا يشترط فيه اليسار، بل إن حصل كان أولى.

و ينبغي أن يودع ممّن يرتضيه الغرماء، فإن اختلفوا أو عيّنوا مَنْ ليس بعَدْلٍ، لم يلتفت الحاكم، و عيّن هو مَنْ أراد من الثقات، و لا يودع مَنْ ليس بعَدْلٍ.

و لو تلف شيء من الثمن في يد العَدْل، فهو من ضمان المفلس، و به

____________

(1) انظر: الحاوي الكبير 6: 318.

(2) لم نعثر على نصّه، و انظر: المهذّب- للشيرازي- 3: 336، و حلية العلماء 4: 529، و العزيز شرح الوجيز 5: 83، و روضة الطالبين 3: 426.

(3) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر المتوفّرة.

53

قال الشافعي و أحمد (1).

و قال مالك: العروض من ماله، و الدراهم و الدنانير من مال الغرماء (2).

و قال المغيرة: الدنانير من مال أصحاب الدنانير، و الدراهم من مال أصحاب الدراهم (3).

و ليس بشيء؛ لأنّ المال للمفلس، و إنّما يملكه الغرماء بقبضه، لكن تعلُّق حقِّهم به يجري مجرى الرهن حيث تعلّق حقّ المرتهن به، و كما أنّ تلف الرهن من الراهن و إن كان في يد المرتهن، كذا هنا.

و اعلم أنّه لا فرق في ذلك بين أن يكون الضياع في حياة المفلس أو بعد موته، و به قال الشافعي (4).

و قال أبو حنيفة: ما يتلف بعد موته فهو من ضمان الغرماء (5).

مسألة 300: إذا ثبتت الديون عند الحاكم و طلب أربابها القسمةَ عليهم، لم يكلّفهم الحاكمُ إقامةَ البيّنة

على أنّه لا غريم سواهم، و يكتفي الحاكم في ذلك بالإعلان و الإشهاد بالحجر عليه؛ إذ لو كان هناك غريم لظهر و طالَب بحقّه.

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 317 و 330، التهذيب- للبغوي- 4: 105، العزيز شرح الوجيز 5: 19، روضة الطالبين 3: 378، المغني 4: 538- 539، الشرح الكبير 4: 539.

(2) الحاوي الكبير 6: 330، المغني و الشرح الكبير 4: 539.

(3) المغني 4: 539، الشرح الكبير 4: 540.

(4) الحاوي الكبير 6: 330، التهذيب- للبغوي- 4: 105، العزيز شرح الوجيز 5: 19، روضة الطالبين 3: 378.

(5) الحاوي الكبير 6: 141 و 330، التهذيب- للبغوي- 4: 105، العزيز شرح الوجيز 5: 20.

54

و لا فرق بين القسمة على الغرماء و القسمة على الورثة، إلّا أنّ الورثة يحتاجون إلى إقامة البيّنة على أنّه لا وارث غيرهم، بخلاف الغرماء.

و الفرق: أنّ الورثة أضبط من الغرماء، و هذه شهادة على النفي يعسر تحصيلها و مدركها، فلا يلزم من اعتبارها حيث كان الضبط أسهل اعتبارُها حيث كان أعسر (1).

مسألة 301: إذا قسّم الحاكمُ مالَ المفلس بين غرمائه ثمّ ظهر غريمٌ آخَر، احتُمل عدم نقض القسمة

، بل يشاركهم الغريم الظاهر بالحصّة؛ لأنّ المقصود يحصل به.

و قال الشافعي: تُنقض القسمة، فيستردّ المال من الغرماء، و تُستأنف القسمة، كالورثة إذا قسّموا التركة ثمّ ظهر دَيْنٌ، فإنّه تُنقض القسمة؛ لأنّ الغريم لو كان حاضراً قاسَمهم، فإذا ظهر بعد ذلك، كان حقّه باقياً. و لا يلزم من ذلك نقض حكم الحاكم بالقسمة؛ لأنّ ذلك ليس حكماً منه، كما لو زوّج الصغيرة، لم يصح نكاحه. و لو حكم بالتزويج حاكمٌ آخَر، نفذ عند الشافعي (2).

و أمّا عندنا فالجواب أن نقول: إنّه قسّم على أنّه لا غريم هناك، فإذا ظهر غريمٌ آخَر، كان ذلك خطأً، فلهذا نُقضت القسمة.

و عن مالك روايتان: إحداهما: تُنقض. و الثانية: لا تُنقض، و لا يخاصمهم الغريم الظاهر؛ لأنّه نقضٌ لحكم الحاكم (3)

____________

(1) أي: حيث كان الضبط أعسر.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 20، و 7: 533 و 542، روضة الطالبين 3: 378، و 5: 399 و 436.

(3) حلية العلماء 4: 522، المغني 4: 532، الشرح الكبير 4: 546.