تذكرة الفقهاء - ج15

- العلامة الحلي المزيد...
485 /
5

[تتمة كتاب الديون]

المقصد السادس: في الوكالة

و فيه فصول:

[الفصل] الأوّل: في حقيقتها و مشروعيّتها

الوكالة: عقد شُرِّع للاستنابة في التصرّف، و هي جائزة بالكتاب و السنّة و الإجماع.

أمّا الكتاب: فقوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها» (1) فجوّز العمل [عليها] (2) و ذلك بحكم النيابة عن المستحقّين.

و قوله تعالى: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» (3) و هذه وكالة.

و قوله تعالى: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً» (4) و هذه وكالة.

____________

(1) التوبة: 60.

(2) إضافة يقتضيها السياق.

(3) الكهف: 19.

(4) يوسف: 93.

6

و أمّا السنّة: فما روى العامّة عن جابر بن عبد اللّه قال: أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي (صلى اللّه عليه و آله) و قلت له: إنّي أردتُ الخروج إلى خيبر، فقال:

«إذا لقيتَ وكيلي فخُذْ منه خمسة عشر وسقاً، فإن ابتغى منك آيةً فضَعْ يدك على ترقوته» (1).

و روي أنّه (صلى اللّه عليه و آله) وكّل عمرو بن أُميّة الضمري في قبول نكاح أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان (2)، و وكّل أبا رافع في نكاح ميمونة (3).

و روى عروة بن الجعد البارقي قال: عُرض للنبيّ (صلى اللّه عليه و آله) جَلَبٌ (4) فأعطاني ديناراً، فقال: «يا عروة ائت الجَلَب فاشتر لنا شاةً» قال: فأتيتُ الجَلَبَ فساوَمْتُ صاحبَه فاشتريتُ شاتين بدينار فجئتُ أسوقهما، أو:

أقودهما، فلقيني رجل بالطريق فساومني، فبعتُ منه شاةً بدينار و أتيت النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بالدينار و الشاة، فقلت: يا رسول اللّه هذا ديناركم و هذه شاتكم، قال: «و صنعتَ كيف؟» قال: فحدّثته الحديث، فقال: «اللَّهمّ بارك في صفقة يمينه» (5).

____________

(1) سنن أبي داوُد 3: 314/ 3632، سنن البيهقي 6: 80.

(2) المحبّر: 76 و 88، تاريخ مدينة دمشق 45: 421، و 69: 138 و 145، الطبقات الكبرى 1: 258- 259، و 8: 99، المستدرك- للحاكم- 4: 22، دلائل النبوّة- للبيهقي- 3: 461، سنن البيهقي 7: 139، المغني و الشرح الكبير 5: 201.

(3) السيرة النبويّة- لابن هشام- 4: 14، تاريخ الطبري 3: 25، المحبّر: 91- 92، الطبقات الكبرى 2: 122، و 8: 132- 134، الثقات- لابن حبّان- 2: 26، العلل- للدارقطني- 7: 14، سنن الترمذي 3: 200/ 841، المغني و الشرح الكبير 5: 201، التمهيد 3: 152.

(4) الجَلَب: ما جُلب من خيلٍ و إبلٍ و متاعٍ. لسان العرب 1: 268 «جلب».

(5) تاريخ مدينة دمشق 50: 299، سنن الدارقطني 3: 10/ 30، مسند أحمد 5: 507/ 18873، و 508/ 18877، المغني و الشرح الكبير 5: 201.

7

و روي أنّه وكّل حكيم بن حزام في شراء شاة (1).

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «مَنْ وكّل رجلًا على إمضاء أمر من الأُمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يُعْلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» (2) و غير ذلك من الأحاديث.

و قد أجمعت الأُمّة في جميع الأعصار و الأمصار على جواز الوكالة في الجملة.

و لأنّ اشتداد الحاجة الداعية إلى التوكيل ظاهرٌ، فإنّه لا يمكن كلّ أحدٍ مباشرة جميع ما يحتاج إليه من الأفعال، فدعت الضرورة إلى الاستنابة، فكانت مشروعةً.

و لا بدّ في الوكالة من عقدٍ مشتملٍ على إيجابٍ و قبولٍ، و من موكّلٍ يصدر عنه الإيجاب، و من وكيلٍ يصدر عنه القبول، و من أمرٍ تقع الوكالة فيه. فأركان الوكالة أربعة نحن نذكرها في فصلٍ ثمّ نعقّب بأحكام الوكالة في فصلٍ آخَر إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) سنن أبي داوُد 3: 256/ 3386، سنن الترمذي 3: 558/ 1257.

(2) الفقيه 3: 47/ 166، التهذيب 6: 213/ 502.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الفصل الثاني: في أركان الوكالة

و فيه أربعة مباحث:

[البحث] الأوّل: في الصيغة.

الوكالة عقد يتعلّق به حقّ كلّ واحدٍ من المتعاقدين، فافتقر إلى الإيجاب و القبول، كالبيع.

و الأصل فيه عصمةُ مال المسلم، و منعُ غيره من التصرّف فيه إلّا بإذنه، فلا بدّ من جهة الموكّل من لفظٍ دالٍّ على الرضا بتصرّف الغير له، و هو كلّ لفظٍ دالٍّ على الإذن، مثل أن يقول: وكّلتك في كذا، أو فوّضته إليك، و أنَبْتُك فيه، و ما أشبهه.

و لو قال: وكِّلني في كذا، فقال: نعم، أو أشار بما يدلّ على التصديق، كفى في الإيجاب.

و لو قال: بِعْ و أعتق، و نحوهما، حصل الإذن، و هذا لا يكاد يُسمّى إيجاباً، بل هو أمر و إذْنٌ، و إنّما الإيجاب قوله: وكّلتك، أو: استنبتك، أو:

فوّضت إليك، و ما أشبهه.

و قوله: «أذنتُ لك في فعله» ليس صريحاً في الإيجاب، بل إذْنٌ في الفعل.

و قد وكّل النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) عروة بن الجعد البارقي في شراء شاة بلفظ الشراء (1).

____________

(1) راجع الهامش (5) من ص 6.

10

و قال تعالى مُخبراً عن أهل الكهف: «فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» (1).

و لأنّه لفظ دلّ على الإذن، فجرى مجرى قوله: وكّلتك.

مسألة 645: لا بدّ من القبول إمّا لفظاً- و هو كلّ ما يدلّ على الرضا بالفعل- أو فعلًا.

و يجوز القبول بقوله: «قبلت» و ما أشبهه من الألفاظ الدالّة عليه، و بكلّ فعلٍ دلّ على القبول، نحو أن يأمره بالبيع فيبيع، أو بالشراء فيشتري؛ لأنّ الذين وكّلهم النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لم ينقل عنهم سوى امتثال أمره، و لأنّه إذنٌ في التصرّف، فجاز القبول فيه بالفعل، كأكل الطعام.

و القبول يُطلق على معنيين:

أحدهما: الرضا و الرغبة فيما فوّضه إليه. و نقيضه الردّ.

و الثاني: اللفظ الدالّ عليه على النحو المعتبر في البيع و سائر المعاملات.

و يعتبر في الوكالة القبولُ بالمعنى الأوّل حتى لو ردّ و قال: لا أقبل، أو: لا أفعل، بطلت الوكالة. و لو ندم و أراد أن يفعل أو يرجع [لا ينفع] (2) بل لا بُدَّ من استئناف إذنٍ جديد مع علم الموكّل؛ لأنّ الوكالة جائزة من الطرفين ترتفع في الالتزام بالفسخ، فلأن تُرتدّ في الابتداء بالردّ كان أولى.

و أمّا بالمعنى الثاني- و هو القبول اللفظي- فالوجه عندنا: أنّه لا يشترط؛ لأنّه إباحة و رفع حجر، فأشبه إباحة الطعام لا يفتقر إلى القبول اللفظي، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

____________

(1) الكهف: 19.

(2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

11

و الثاني: الاشتراط؛ لأنّه إثبات حقّ التسليط و التصرّف للوكيل، فليقبل لفظاً، كما في سائر المملّكات (1).

و لهم طريقٌ آخَر: إنّ الوجهين فيما إذا أتى بصيغة عقدٍ بأن قال:

وكّلتك، أو: استنبتك، أو: فوّضت إليك، و أمّا في صِيَغ الأمر- نحو: بِعْ، أو: اشتر- فلا يشترط القبول لفظاً جزماً، بل يكفي الامتثال على المعتاد، كما في إباحة الطعام (2).

و قال بعض الشافعيّة: إنّ قوله: «أذنت لك في كذا» بمثابة قوله: «بِعْ و اعتق» لا بمثابة قوله: «وكّلتك» و إن كان «أذنت» على صِيَغ العقود (3).

إذا ثبت هذا، فإنّ الوكيل إن شاء قَبِل بلفظه، و إن شاء تصرّف، و كان ذلك قبولًا منه؛ لأنّ الوكالة أمر له، فيصير بالتصرّف محصّلًا للأمر، بخلاف سائر العقود من البيع و الإجارة و الهبة و الوصيّة، فإنّها تتضمّن التمليك، فافتقرت إلى القبول بالقول، و التوكيل جارٍ مجرى الوديعة و العارية لا يفتقر إلى القبول بالقول؛ لأنّ ذلك أمر و إباحة.

مسألة 646: و يجوز عندنا القبول على الفور و التراخي

، نحو أن يبلغه أنّ رجلًا وكّله في بيع شيء منذ سنة فيبيعه، أو يقول: قبلت، أو يأمره بفعل شيء فيفعله بعد مدّة طويلة؛ لأنّ قبول وكلاء النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) لوكالته كان بفعلهم، و كان متراخياً عن توكيله إيّاهم، و لأنّه أذن في التصرّف، و الإذن قائم ما لم يرجع عنه، فأشبه الإباحة، و لأنّ الوكالة عقد يحتمل فيه

____________

(1) بحر المذهب 8: 156، الوسيط 3: 283، العزيز شرح الوجيز 5: 219، روضة الطالبين 3: 534، منهاج الطالبين: 135.

(2) الوسيط 3: 283، الوجيز 1: 189، العزيز شرح الوجيز 5: 220، روضة الطالبين 3: 534، منهاج الطالبين: 135.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 220.

12

ضروب من الجهالة، و يصحّ في الموجود و المفقود، فيحتمل فيه تأخير القبول، كالوصيّة، و هو الظاهر من مذهب الشافعي (1).

و قال القاضي أبو حامد من أصحابه: إنّه يجب أن يكون على الفور، كالبيع (2).

و قال بعضهم: يكتفى بوقوعه في المجلس (3).

هذا في القبول اللفظي، فأمّا بالمعنى الأوّل الفعلي فلا يجب التعجيل- عندنا و عنده (4)- بحال.

و إن [لم نشرط] (5) القبول فلو وكّله و الوكيل لا يشعر به، ففي ثبوت وكالته إشكال.

و للشافعيّة وجهان يقربان من القولين في أنّ العزل هل ينفذ قبل بلوغ خبره إلى الوكيل؟ و الوكالة أولى أن لا تثبت؛ لأنّها تسليط على التصرّف (6).

فإن لم نثبتها، فهل نحكم بنفوذها حالة بلوغ الخبر كالعزل، أم لا؟

للشافعيّة وجهان (7).

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 499، المهذّب- للشيرازي- 1: 357، التنبيه: 108، بحر المذهب 8: 156، حلية العلماء 5: 116، البيان 6: 362، العزيز شرح الوجيز 5: 220، روضة الطالبين 3: 534، المغني 5: 209، الشرح الكبير 5: 202.

(2) الحاوي الكبير 6: 499، المهذّب- للشيرازي- 1: 357، بحر المذهب 8: 156، حلية العلماء 5: 116، البيان 6: 362، العزيز شرح الوجيز 5: 220.

(3) البيان 6: 363، العزيز شرح الوجيز 5: 220.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 220، روضة الطالبين 3: 534.

(5) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «شرط». و الصحيح ما أثبتناه.

(6) (6 و 7) العزيز شرح الوجيز 5: 220، روضة الطالبين 3: 534.

13

قال بعضهم: إن لم نحكم به، فقد شرطنا اقتران علمه بالوكالة (1).

و الأظهر: ثبوت الوكالة و إن لم يعلم.

فعلى هذا لو تصرّف الوكيل و هو غير عالمٍ بالتوكيل ثمّ ظهر الحال، خرج على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على ظنّ أنّه حيّ و كان ميّتاً.

مسألة 647: إذا شرطنا القبول، لم يكتف بالكتابة و الرسالة، كما لو كتب بالبيع.

و إن لم نشترط القبول، كفت الكتابة و الرسالة، و كان مأذوناً في التصرّف. و هو الأقرب عندي.

و إذا شرطنا القبول، لم يكف الاستدعاء بأن يقول: وكِّلني، فيقول:

وكّلتك، بل يشترط القبول، فيقول بعد ذلك: قبلت.

و للشافعيّة قولان، كما في البيع، بل الوكالة أحوج إلى الاشتراط؛ لأنّها ضعيفة (2).

و قيل: يجوز؛ لأنّ الوكالة يحتمل فيها ما لا يحتمل في البيع، فكانت أولى بعدم الاشتراط (3). و لا بأس به.

مسألة 648: لا يصحّ عقد الوكالة معلّقاً بشرطٍ أو وصفٍ

، فإن عُلّقت عليهما، بطلت- مثل أن يقول: إن قدم زيد، أو: إذا جاء رأس الشهر فقد وكّلتك- عند علمائنا- و هو أظهر مذهب الشافعي (4)- لأنّه عقد يملك به

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 220.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 220- 221، روضة الطالبين 3: 534- 535.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 221، روضة الطالبين 3: 535.

(4) المهذّب- للشيرازي- 1: 357، بحر المذهب 8: 186، حلية العلماء 5: 118، التهذيب- للبغوي- 4: 212، البيان 6: 366، العزيز شرح الوجيز 5: 221، روضة الطالبين 3: 535، المغني 5: 210، الشرح الكبير 5: 203.

14

التصرّف حال الحياة لم يبن على التغليب و السراية، فلم يجز تعليقه بشرطٍ، كالبيع. و لأنّ الشركة و المضاربة و سائر العقود لا تقبل التعليق، فكذا الوكالة.

و قال بعض الشافعيّة و أبو حنيفة و أحمد: يصحّ تعليقها على الشرط؛ لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) قال في جيش مُؤتة: «أميركم جعفر، فإن قُتل فزيد بن حارثة، فإن قُتل فعبد اللّه بن رواحة» (1)، و التأمير في معنى التوكيل.

و لأنّه لو قال: أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج، أو: وكّلتك في شراء كذا في وقت كذا، صحّ إجماعاً، و محلّ النزاع في معناه (2).

و الفرق ظاهرٌ بين تنجيز العقد و تعليق التصرّف، و بين تعليق العقد.

إذا ثبت هذا، فلا خلاف في جواز تنجيز الوكالة و تعليق العقد، مثل أن يقول: وكّلتُك في بيع العبد و لا تبعه إلّا بعد شهر، فهذا صحيح، و ليس للوكيل أن يخالف.

و اعلم أنّ بعض الشافعيّة خرّج الخلاف بينهم في وجوب التنجيز و صحّة التعليق على أنّ الوكالة هل تفتقر إلى القبول؟ إن قلنا: لا تفتقر جاز التعليق، و إلّا لم يجز؛ لأنّ فرض القبول في الحال، و الوكالة لم تثبت بَعْدُ، و تأخيرها إلى أن يحصل الشرط مع الفصل الطويل خارج عن قاعدة

____________

(1) صحيح البخاري 5: 182، سنن البيهقي 8: 154، مسند أحمد 1: 424/ 2314، تاريخ اليعقوبي 2: 65، تاريخ الطبري 3: 36، تاريخ الإسلام- للذهبي- (المغازي): 480، السيرة النبويّة- لابن هشام- 4: 15، السيرة النبويّة- لابن كثير- 2: 455، المغازي- للواقدي- 2: 576، المنتظم 3: 318، و فيها بتقديم «زيد ابن حارثة» على «جعفر».

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 357، بحر المذهب 8: 186، حلية العلماء 5: 118- 119، البيان 6: 366، العزيز شرح الوجيز 5: 221، روضة الطالبين 3: 535، فتاوى قاضيخان- بهامش الفتاوى الهنديّة- 3: 8، روضة القُضاة 2: 643/ 3623، المغني 5: 210، الشرح الكبير 5: 202- 203.

15

التخاطب (1).

{m~{تذنيب:

يصحّ توقيت الوكالة، فيقول: وكّلتك إلى شهرٍ، مثلًا، فليس للوكيل بعد مضيّ الشهر التصرّف.

مسألة 649: قد بيّنّا بطلان الوكالة المعلّقة على الشرط، و هو أظهر قولَي الشافعيّة

(2). فلو تصرّف الوكيل بعد حصول الشرط، فالأقرب: صحّة التصرّف؛ لأنّ الإذن حاصل لم يزل بفساد العقد، و صار كما لو شرط في الوكالة عوضاً مجهولًا، فقال: بِعْ كذا على أنّ لك العُشْر من ثمنه، تفسد الوكالة، و لكن إن باع يصحّ، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الثاني: لا يصحّ؛ لفساد العقد، و لا اعتبار بالإذن الضمني في عقدٍ فاسد، أ لا ترى أنّه لو باع بيعاً فاسداً و سلّم إليه المبيع، لا يجوز للمشتري التصرّف فيه و إن تضمّن البيعُ و التسليمُ الإذنَ في التصرّف و التسليط عليه (3).

و ليس بجيّد؛ لأنّ الإذن في تصرّف المشتري باعتبار انتقال الثمن إليه و الملك إلى المشتري، و شيءٌ منهما ليس بحاصل، و إنّما أذن له في التصرّف لنفسه ليسلم له الثمن، و هنا إنّما أذن له في التصرّف عن الآذن لا لنفسه.

قال بعض الشافعيّة: أصل المسألة ما إذا كان عنده رهن بدَيْنٍ مؤجَّل، فأذن المرتهن في بيعه على أن يعجّل حقّه من الثمن، و فيه

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 221.

(2) راجع الهامش (4) من ص 13.

(3) البيان 6: 367، العزيز شرح الوجيز 5: 221، روضة الطالبين 3: 535.

16

اختلاف سبق.

و هذا البناء يقتضي ترجيح الوجه الثاني؛ لأنّ ظاهر المذهب للشافعيّة هناك فساد الإذن و التصرّف.

فإن قلنا بالصحّة- و هي الذي اخترناه نحن- [فأثر] (1) بطلان الوكالة أنّه يسقط الجُعْل المسمّى إن كان قد سمّى له جُعْلًا، و يرجع إلى أُجرة المثل، و هذا كما أنّ الشرط الفاسد في النكاح يفسد الصداق، و يوجب مهر المثل و إن لم يؤثّر في النكاح (2).

مسألة 650: لو قال: وكّلتك بكذا و مهما عزلتك فأنت وكيلي، صحّت الوكالة المنجّزة

، و بطل التعليق، فله عزله، فإذا عزله لم يصر وكيلًا بذلك العقد، بل بتجدّد عقدٍ آخَر.

و للشافعيّة في صحّة الوكالة المنجّزة وجهان:

أصحّهما: صحّة الوكالة في الحال.

و الثاني: البطلان؛ لاشتمالها على الشرط الفاسد، و هو إلزام العقد الجائز (3).

فعلى قولنا و على الأصحّ من قولَي الشافعيّة أو كان قوله: «مهما عزلتك» مفصولًا عن الوكالة، فإذا عزله نُظر إن لم يشعر به الوكيل و اعتبرنا شعوره في نفوذ العزل، فهو على وكالته. و إن لم نعتبره أو كان شاعراً به، لم يَعُدْ وكيلًا بعد العزل عندنا.

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة: «تأثير». و في الطبعة الحجريّة صُحّح ب«فتأثير». و المثبت كما في المصدر.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 221- 222.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 222، روضة الطالبين 3: 535.

17

و للشافعيّة وجهان مبنيّان على أنّ الوكالة هل تقبل التعليق؛ لأنّه علّق التوكيل ثانياً بالعزل؟

أظهرهما: المنع.

و الثاني- و به قال أبو حنيفة- أنّه يعود وكيلًا.

فعلى هذا يُنظر في اللفظة الموصولة بالعزل، فإن قال: «إذا عزلتك» أو «مهما» أو «متى» لم يقتض ذلك عود الوكالة إلّا مرّة واحدة.

و إن قال: «كلّما عزلتك» اقتضى التكرار و العود مرّة بعد أُخرى؛ لأنّ «كلّما» تقتضي التكرار، دون غيرها.

فلو أراد أن لا يعود وكيلًا، فسبيله أن يوكّل غيره بعزله، فينعزل؛ لأنّ المعلّق عليه عزل نفسه.

فإن كان قد قال: «إن عزلتك» أو: «عزلك أحدٌ من قِبَلي» فالطريق أن يقول: «كلّما عُدْتَ وكيلي فأنت معزول» فإذا عزله ينعزل (1)؛ لتقاوم التوكيل و العزل، و اعتضاد العزل بالأصل، و هو الحجر في حقّ الغير، و عصمة مال المسلم عن تصرّف الغير (2).

قال الجويني: و فيه نظر على بُعْدٍ متلقّى من استصحاب الوكالة (3).

و هذا كلّه عندنا باطل؛ لأنّ الوكالة عندنا لا تقبل التعليق.

مسألة 651: كما أنّ الوكالة لا تقبل التعليق، فالعزل هل يقبل التعليق؟ الأقرب ذلك

؛ لأنّه لا يشترط فيه القبول، و اشتراطه في الوكالة مختلف فيه.

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «لم ينعزل». و الصحيح ما أثبتناه كما في المصدر.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 222- 223، روضة الطالبين 3: 536.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 223.

18

و الخلاف للشافعيّة في أنّ الوكالة هل تقبل التعليق أم لا؟ جارٍ في العزل هل يقبل التعليق أم لا؟ و لكن بالترتيب، و العزل (1) أولى بقبوله؛ لما تقدّم من عدم اشتراط القبول فيه. و تصحيح إرادة الوكالة و العزل جميعاً مبنيّ على قبولهما التعليق (2).

قال الجويني: إذا أنفذنا العزل و قلنا: تعود الوكالة، فلا شكّ أنّ العزل ينفذ في وقتٍ و إن لطف، ثمّ تترتّب عليه الوكالة (3).

فلو صادف تصرّف الوكيل ذلك الوقت اللطيف هل ينفذ؟ فيه وجهان للشافعيّة (4).

و إنّما كان يتّضح هذا الفرض و التصوير أن لو وقع بينهما ترتّب [زمانيّ] (5) حتى يتصوّر (6) وقوع التصرّف بينهما، لكنّ الترتّب في مثل هذا لا يكون إلّا عقليّاً.

مسألة 652: تجوز الوكالة بجُعْلٍ و غير جُعْلٍ

؛ لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) وكَّل أُنَيْساً (7) في إقامة الحدود (8)، و عروةَ في شراء شاة (9) من غير جُعْلٍ، و كان يبعث عُمّاله ليقبضوا الصدقات، و يجعل لهم عمالةً، و لهذا قال له [ابنا

____________

(1) في النسخ الخطّيّة و الحجرية: «فالعزل» بدل «و العزل» و الظاهر ما أثبتناه كما في المصدر.

(2) (2- 4) العزيز شرح الوجيز 5: 223، روضة الطالبين 3: 536.

(5) إضافة يقتضيها السياق.

(6) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «تصوّر». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

(7) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أنساً». و الصحيح ما أثبتناه من المصادر.

(8) صحيح البخاري 3: 134 و 241 و 250، و 8: 208، صحيح مسلم 3: 1324- 1325/ 1697 و 1698، سنن البيهقي 8: 213 و 219 و 222.

(9) تقدّم تخريجه في ص 6، الهامش (5).

19

عمّه] (1): لو بعثتنا على هذه الصدقات فنؤدّي إليك ما يؤدّي الناس، و نصيب ما يصيبه الناس (2).

البحث الثاني: في الموكّل.

مسألة 653: يشترط في الموكّل أن يملك مباشرة ذلك التصرّف،

و يتمكّن من المباشرة لما يُوكّل فيه إمّا بحقّ الملك لنفسه أو بحقّ الولاية عن غيره، فلا يصحّ للصبي و لا المجنون و لا النائم و لا المغمى عليه و لا الساهي و لا الغافل أن يوكّلوا، سواء كان الصبي مميّزاً أو لا، و سواء كانت الوكالة في المعروف أو لا.

و على الرواية (3) المقتضية لجواز تصرّف المميّز أو مَنْ بلغ خمسة أشبار في المعروف و وصيّته بالمعروف ينبغي القول بجواز توكيله.

و كذا لو وكّل مَنْ يعتوره الجنون حالَ جنونه.

و لو وكّل حالَ إفاقته، صحّت الوكالة، لكن إذا (4) طرأ الجنون بطلت الوكالة.

مسألة 654: كلّ مَنْ صحّ تصرّفه في شيء تدخله النيابة صحّ أن يوكّل فيه

، سواء كان رجلًا أو امرأةً، حُرّاً أو عبداً، مسلماً أو كافراً، فإنّ

____________

(1) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أتباعه». و الصحيح ما أثبتناه حسب ما يقتضيه سياق النصوص في المصادر.

(2) صحيح مسلم 2: 752- 753/ 1072، سنن البيهقي 7: 31، التمهيد- لابن عبد البرّ- 24: 359.

(3) الكافي 7: 28 (باب وصيّة الغلام و الجارية ...) ح 1، الفقيه 4: 145/ 502، التهذيب 8: 248/ 898، و 10: 233/ 922، الاستبصار 4: 287/ 1085.

(4) في «ج، ر»: «لو» بدل «إذا».

20

المكاتَب يتصرّف في بيعه و شرائه بنفسه، فصحّ أن يوكّل فيه.

و أمّا المرأة فعندنا يصحّ أن توكّل في النكاح، خلافاً للشافعيّة (1).

و كذا يصحّ عندنا توكيل الفاسق في تزويج ابنته- خلافاً للشافعيّة في أحد القولين (2)- لأنّ الفاسق عندنا له ولاية النكاح.

و لا يصحّ توكيل السكران كسائر تصرّفاته، عندنا.

مسألة 655: شرطنا في الموكّل أن يكون متمكّناً من المباشرة

إمّا بحقّ الملك أو الولاية ليدخل فيه توكيل الأب أو الجدّ له في النكاح و المال. و يخرج عنه توكيل الوكيل، فإنّه ليس بمالكٍ و لا وليّ، و إنّما يتصرّف بالإذن.

نعم، لو مكّنه الموكّل من التوكيل لفظاً أو دلّت عليه قرينة، نفذ.

و العبد المأذون ليس له أن يوكّل فيما أذن له مولاه فيه؛ لأنّه إنّما يتصرّف بالإذن.

و كذا العامل في المضاربة إنّما يتصرّف عن الإذن لا بحقّ الملك و لا الولاية.

و في توكيل الأخ و العمّ و مَنْ لا يجبر في النكاح للشافعيّة وجهان يعودان في النكاح؛ لأنّه من حيث إنّه لا يعزل كالوليّ، و من حيث إنّه لا يستقلّ كالوكيل (3).

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 508، المهذّب- للشيرازي- 1: 356، الوسيط 3: 281، الوجيز 1: 189، التهذيب- للبغوي- 4: 211، العزيز شرح الوجيز 5: 215، روضة الطالبين 3: 532، منهاج الطالبين: 134، المغني 7: 337.

(2) الحاوي الكبير 6: 506، المهذّب- للشيرازي- 1: 356، و 2: 37، بحر المذهب 8: 152، الوسيط 3: 281، حلية العلماء 5: 116، التهذيب- للبغوي- 4: 211، البيان 6: 360، العزيز شرح الوجيز 5: 215، روضة الطالبين 3: 532.

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 356، البيان 6: 360، الوسيط 3: 281، حلية العلماء 6: 344، العزيز شرح الوجيز 5: 215، روضة الطالبين 3: 530.

21

و عندنا لا ولاية له، و لا مدخل له في النكاح البتّة، فلا يصحّ له أن يوكّل فيه.

و للمحجور عليه بالفلس أو السفه أو الرقّ أن يوكّلوا فيما لهم الاستقلال [به] (1) من التصرّفات، فيصحّ من العبد أن يوكّل فيما يملكه دون إذن سيّده، كالطلاق و الخُلْع.

و كذا المحجور عليه لسفهٍ لا يوكّل إلّا فيما لَه فعله، كالطلاق و الخُلْع و طلب القصاص.

و المفلس له التوكيل في الطلاق و الخُلْع و طلب القصاص و التصرّف في نفسه، فإنّه يملك ذلك، و أمّا ماله فلا يملك التصرّف فيه.

و أمّا ما لا يستقلّ أحدهم بالتصرّف فيه فيجوز مع إذن الوليّ و المولى.

و مَنْ جوّز التوكيل بطلاق (2) امرأة سينكحها و بيع (3) عبد سيملكه فقياسه تجويز توكيل المحجور عليه بما سيأذن له فيه الوليّ (4).

و كلّ هذا عندنا باطل.

و مَنْ مَنَع من بيع الأعمى و شرائه من العامّة جوّز له أن يوكّل فيه؛ للضرورة.

و إذا نفذ توكيل الوكيل، فمنصوبه وكيل الموكّل أم وكيل الوكيل؟ فيه خلاف سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

فإذا جعلناه وكيلًا للوكيل، لم يكن من شرط التوكيل كون الموكّل

____________

(1) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(2) في «ج، ر»: «في طلاق».

(3) الظاهر: «أو بيع».

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 215، روضة الطالبين 3: 530- 531.

22

مالكاً للتصرّف بحقّ الملك أو الولاية.

مسألة 656: الوكالة جائزة في كلّ ما يصحّ دخول النيابة فيه

من البيع و الشراء و المحاكمة و مطالبة الحقوق ممّن هي عليه و إثباتها، عند علمائنا كافّة مع حضور الموكّل و غيبته و صحّته و مرضه- و به قال ابن أبي ليلى و مالك و أحمد و الشافعي و أبو يوسف و محمّد (1)- لأنّ الخصومة تصحّ فيها النيابة، فكان له الاستنابة فيها من غير رضا خصمه لدفع المال الذي عليه إذا كان غائباً أو مريضاً. و لأنّ الخصومة حقّ تجوز النيابة فيه، فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضا خصمه، كحالة غيبته أو مرضه.

و لأنّ الصحابة أجمعوا عليه، فإنّ العامّة رووا أنّ عليّاً (عليه السلام) وكّل عقيلًا و قال: «ما قضي له فلي، و ما قضي عليه فعلَيَّ» (2)، و وكّل [عبد اللّه] (3) بن جعفر أيضاً و قال: «إنّ للخصومة قحماً، و إنّ الشيطان ليحضرها، و إنّي أكره أن أحضرها» (4). و القحم: المهالك. و اشتهر ذلك بين الصحابة، و لم ينكره أحد، فكان إجماعاً.

____________

(1) الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2: 607/ 1031، بداية المجتهد 2: 301، التلقين 2: 445- 446، الذخيرة 8: 6 و 8، الكافي في فقه أهل المدينة: 394، المعونة 2: 1237، المغني 5: 204، الشرح الكبير 5: 206- 207، التنبيه: 108، المهذّب- للشيرازي- 1: 355، بحر المذهب 8: 149 و 153، الوسيط 3: 278، الوجيز 1: 188، البيان 6: 355، العزيز شرح الوجيز 5: 209، التهذيب- للبغوي- 4: 210، روضة الطالبين 3: 526، الاختيار لتعليل المختار 2: 253، تحفة الفقهاء 3: 228، بدائع الصنائع 6: 22، فتاوى قاضيخان- بهامش الفتاوى الهنديّة- 3: 7، الهداية- للمرغيناني- 3: 136، مختصر اختلاف العلماء 4: 67/ 1741.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 355، المغني 5: 205، الشرح الكبير 5: 207، سنن البيهقي 6: 81.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «عبد الرحمن». و الصحيح ما أثبتناه كما في المصادر.

(4) نفس المصادر في الهامش (2).

23

و من طريق الخاصّة: قول الصادق (عليه السلام): «مَنْ وكّل رجلًا على إمضاء أمر من الأُمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها» (1) و هو من ألفاظ العموم.

و قال أبو حنيفة: للخصم أن يمتنع من مخاصمة الوكيل و محاكمته إذا كان الموكّل حاضراً؛ لأنّ حضوره مجلسَ الحكم و مخاصمته حقٌّ لخصمه عليه، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه، كالدَّيْن يكون عليه (2).

و الفرق: إنّ الحوالة إسقاط الحقّ عن ذمّته، فلا يملكه، و هنا الوكالة نيابة عنه، فهو بمنزلة توكيله في تسليم الحقّ الذي عليه. و لأنّ الحاجة قد تدعو إلى التوكيل، فإنّه قد لا يُحسن الخصومة، أو [يترفّع] (3) عنها، فإنّه يكره للإنسان أن يباشر الخصومة بنفسه، بل ينبغي لذوي المروءات و أهل المناصب الجليلة التوكيل في محاكماتهم إذا احتاجوا إليها.

مسألة 657: و لا فرق في ذلك بين الطلاق و غيره عند أكثر علمائنا

(4). و للشيخ (رحمه الله) قولٌ: إنّه إذا وكّل الإنسان غيره في أن يطلّق عنه امرأته و كان غائباً، جاز طلاق الوكيل، و إن كان شاهداً لم يجز طلاق الوكيل (5).

____________

(1) تقدّم تخريجه في ص 7، الهامش (2).

(2) تحفة الفقهاء 3: 228، بدائع الصنائع 6: 22، الاختيار لتعليل المختار 2: 253، الهداية- للمرغيناني- 3: 136- 137، فتاوى قاضيخان- بهامش الفتاوى الهنديّة- 3: 7، مختصر اختلاف العلماء 4: 67/ 1741، بحر المذهب 8: 153، الوسيط 3: 278، البيان 6: 355، الذخيرة 8: 8، المعونة 2: 1237، الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2: 607/ 1031، المغني 5: 204، الشرح الكبير 5: 207.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «يرتفع». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

(4) منهم: ابن إدريس في السرائر 2: 83، و المحقّق الحلّي في شرائع الإسلام 2: 197، و يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع: 319.

(5) النهاية: 319.

24

و لا وجه له، و المعتمد: جواز طلاق الوكيل في حضرة الموكّل و غيبته.

و للفاسق أن يوكّل غيره في إيجاب العقد على ابنته و في قبول النكاح عن ابنه.

و للشافعيّة فيهما وجهان (1).

و بعض العامّة فرّق بين القبول عن ابنه و الإيجاب عن ابنه و الإيجاب عن ابنته، فجوّز الأوّل، و مَنَع الثاني (2).

و ليس للكافر ولاية التزويج لابنته المسلمة، فليس له أن يوكّل فيه؛ لقوله تعالى: «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (3).

و كذا ليس للمُحْرم أن يوكّل في شراء الصيد و لا في عقد النكاح إيجاباً و قبولًا.

مسألة 658: التوكيل على أقسام ثلاثة:

الأوّل: أن يأذن الموكّل لوكيله في التوكيل، فيجوز له أن يوكّل إجماعاً؛ لأنّه عقد أذن له فيه، فكان له فعله، كالتصرّف المأذون فيه.

الثاني: أن ينهاه عن التوكيل، فليس له أن يوكّل إجماعاً؛ لأنّ ما نهاه عنه غير داخل في إذنه، فلم يجز له فعله، كما لو لم يوكّله.

الثالث: أطلق (4) الوكالة. و أقسامه ثلاثة:

أحدها: أن يكون العمل ممّا يترفّع (5) الوكيل عن مثله، كالأعمال الدنيئة في حقّ أشراف الناس المترفّعين 6 عن فعل مثلها في العادة، كما

____________

(1) بحر المذهب 8: 152، البيان 6: 360 و 361.

(2) لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر.

(3) النساء: 141.

(4) في «ج»: «إطلاق».

(5) (5 و 6) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «يرتفع ... المرتفعين». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

25

لو وكّله في البيع و الشراء، و الوكيل ممّن لا يبتذل بالتصرّف في الأسواق، أو يعجز عن عمله؛ لكونه لا يُحسنه، فله التوكيل فيه؛ لأنّ تفويض مثل هذا التصرّف إلى مثل هذا الشخص لا يقصد منه إلّا الاستنابة، و هو قول علمائنا أجمع و أكثر الشافعيّة (1).

و لهم وجهٌ آخَر: إنّه لا يوكّل؛ لقصور اللفظ 2.

و ليس بجيّد؛ لأنّ [العمل] إذا كان ممّا لا يعمله [الوكيل] عادةً (3) انصرف الإذن إلى ما جرت العادة من الاستنابة فيه.

الثاني: أن يكون العمل ممّا لا يترفّع (4) الوكيل عن مثله، بل له عادة بمباشرته إلّا أنّه عملٌ كثير منتشر لا يقدر الوكيل على فعل جميعه فيباشره بنفسه، و لا يمكنه الإتيان بالكلّ؛ لكثرتها، فعندنا يجوز له التوكيل، و لا نعلم فيه مخالفاً.

و له أن يوكّل فيما يزيد على قدر الإمكان قطعاً، و في قدر الإمكان إشكال أقربه ذلك أيضاً؛ لأنّ الوكالة اقتضت جواز التوكيل فيه، فجازت في جميعه، كما لو أذن له في التوكيل فيه بلفظٍ.

و للشافعيّة ثلاثة طرق:

أصحّها عندهم: إنّه يوكّل فيما يزيد على قدر الإمكان.

و في قدر الإمكان وجهان:

أحدهما: يوكّل فيه أيضاً؛ لأنّه ملك التوكيل في البعض، فيوكّل في الكلّ، كما لو أذن صريحاً.

____________

(1) (1 و 2) المهذّب- للشيرازي- 1: 358، حلية العلماء 5: 119- 120، البيان 6: 368، العزيز شرح الوجيز 5: 236، روضة الطالبين 3: 544، منهاج الطالبين: 135.

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «لأنّ الوكيل إذا كان ممّا لا يعمله عادةً». و الصحيح ما أثبتناه.

(4) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «لا يرتفع». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

26

و أصحّهما عندهم: أنّه لا يوكّل في القدر المقدور عليه؛ لأنّه لا ضرورة إليه، بل يوكّل في الزائد خاصّةً؛ لأنّ التوكيل إنّما جاز لأجل الحاجة، فاختصّ بما دعت إليه الحاجة، بخلاف وجود إذنه فيه؛ لأنّه مطلق.

و الثاني: إنّه لا يوكّل في قدر الإمكان، و فيما يزيد عليه وجهان.

و الثالث: إطلاق الوجهين في الكلّ (1).

قال الجويني: و الخلاف على اختلاف الطرق نظراً إلى اللفظ أو (2) القرينة، و في القرينة تردّد في التعميم و التخصيص (3).

الثالث: ما عدا هذين القسمين، و هو ما أمكنه فعله بنفسه و لا يترفّع عنه، فقد قلنا: إنّه لا يجوز له أن يوكّل فيه إلّا بإذن الموكّل؛ لأنّه لم يأذن له في التوكيل و لا تضمّنه إذنه، فلم يجز، كما لو نهاه. و لأنّ التوكيل استئمان، فإذا استأمنه (4) فيما يمكنه النهوض به، لم يكن له أن يولّيه مَنْ لم يأتمنه عليه، كالوديعة، و بهذا قال أبو حنيفة و أبو يوسف و الشافعي و أحمد في إحدى الروايتين.

و قال في الأُخرى: يجوز له أن يوكّل- و به قال ابن أبي ليلى إذا مرض أو غاب- لأنّ الوكيل له أن يتصرّف بنفسه، فملكه نيابةً للموكّل (5).

[و] الأوّل أولى. و لا يشبه الوكيل المالك، فإنّ المالك يتصرّف في

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 358، حلية العلماء 5: 120، العزيز شرح الوجيز 5: 236، روضة الطالبين 3: 544.

(2) في «ث، خ»: «و» بدل «أو».

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 236.

(4) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «استئمار ... استأمره». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.

(5) الفقه النافع 3: 1240/ 995، بحر المذهب 8: 166، البيان 6: 368، المغني 5: 216، الشرح الكبير 5: 210.

27

ملكه كيف شاء، بخلاف الوكيل.

لا يقال: للوصي أن يوكّل و إن كان الموصي لم يأذن له في التوكيل.

لأنّا نقول: إنّ الوصي يتصرّف بولايةٍ؛ لأنّه يتصرّف فيما لم ينص له على التصرّف فيه، و الوكيل لا يتصرّف إلّا فيما نصّ له عليه، كذلك التوكيل. و لأنّ الوصي لا يملك أن يوصي إلى غيره، كذا أيضاً الوكيل ينبغي أن لا يملك أن يوكّل غيره، أمّا إذا أذن له الموكّل في التوكيل، فإنّه يجوز له أن يوكّل؛ لأنّ التوكيل عقد أُذن له فيه، فكان كما لو أُذن له في البيع.

مسألة 659: إذا وكّله بتصرّفٍ و قال له: افعل ما شئت، لم يقتض ذلك الإذنَ في التوكيل

؛ لأنّ التوكيل يقتضي تصرّفاً يتولّاه بنفسه، و قوله:

«اصنع ما شئت» لا يقتضي التوكيل، بل يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرّفه بنفسه، و هذا أصحّ قولَي الشافعيّة.

و في الثاني: إنّه له التوكيل- و به قال أحمد، و اختاره الشيخ (رحمه الله) في الخلاف (1)- لأنّه أطلق الإذن بلفظٍ يقتضي العموم في جميع ما شاء، فيدخل في عمومه التوكيل (2).

و هو ممنوع.

مسألة 660: كلّ وكيلٍ جاز له التوكيل فليس له أن يوكّل إلّا أميناً

؛ لأنّه لا نظر للموكّل في توكيل مَنْ ليس بأمين، فيفيد جواز التوكيل فيما فيه الحظّ و النظر، كما أنّ الإذن في البيع يفيد البيع بثمن المثل، إلّا أن يعيّن له الموكّل مَنْ يوكّله، فيجوز، سواء كان أميناً أو لم يكن؛ اقتصاراً على مَنْ نصّ عليه

____________

(1) الخلاف 3: 343، المسألة 8.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 358، حلية العلماء 5: 119- 120، البيان 6: 368، العزيز شرح الوجيز 5: 237، المغني 5: 215، الشرح الكبير 5: 209.

28

المالك، و لأنّ المالك قطع نظره بتعيينه.

و لو وكّل أميناً فصار خائناً، فعليه عزله؛ لأنّ تركه يتصرّف في المال مع خيانته تضييعٌ و تفريطٌ على المالك، و الوكالة تقتضي استئمان أمين، و هذا ليس بأمين، فوجب عزله.

و للشافعيّة وجهان في أنّه هل له عزله؟ (1).

مسألة 661: إذا أذن له أن يوكّل، فأقسامه ثلاثة:

الأوّل: أن يقول له: وكِّل عن نفسك، فَفَعَل، كان الثاني وكيلًا للوكيل ينعزل بعزل الأوّل إيّاه

؛ لأنّه نائبه، و هو أحد قولَي الشافعيّة.

و الثاني: لا ينعزل؛ لأنّ التوكيل فيما يتعلّق بحقّ الموكّل حقٌّ للموكّل، و إنّما حصّله بالإذن، فلا يرفعه إلّا بالإذن (2).

و يجري هذا الخلاف في انعزاله بموت الأوّل و جنونه 3.

و الأصحّ: الانعزال.

و لو عزل الموكّل الأوّلَ، انعزل. و في انعزال الثاني بانعزاله هذا الخلاف بين الشافعيّة (4).

و لو عزل الأوّل الثاني، فالأقرب الانعزال؛ لأنّه وكيله- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة- كما ينعزل بموته و جنونه.

و الثاني: لا ينعزل؛ لأنّه ليس بوكيلٍ من جهته (5).

____________

(1) الحاوي الكبير 6: 518- 519، المهذّب- للشيرازي- 1: 358، بحر المذهب 8: 168، الوسيط 3: 292، حلية العلماء 5: 119، التهذيب- للبغوي- 4: 215، البيان 6: 367- 368، العزيز شرح الوجيز 5: 237، روضة الطالبين 3: 545.

(2) (2 و 3) بحر المذهب 8: 167، العزيز شرح الوجيز 5: 236، روضة الطالبين 3: 545.

(4) العزيز شرح الوجيز 5: 236، روضة الطالبين 3: 545.

(5) بحر المذهب 8: 167، العزيز شرح الوجيز 5: 236، روضة الطالبين 3: 545.

29

و الأصل في ذلك أنّ الثاني وكيل الوكيل كما [لو] (1) صرّح [به] 2 في التوكيل، أو وكيل الموكّل، و معنى كلامه: أقم غيرك مقام نفسك؟

و الأصحّ أنّه وكيل الوكيل، لكن إذا كان وكيل الوكيل، كان فرعُ الفرع فرعَ أصل الأصل، فينعزل بعزله.

الثاني: لو قال: وكِّل عنّي، فوكَّل عن الموكّل، فالثاني وكيلٌ للموكّل

، كما أنّ الأوّل وكيل الموكّل، و ليس لأحدهما عزل الآخَر، و لا ينعزل أحدهما بموت الآخَر و لا جنونه، و إنّما ينعزل أحدهما بعزل الموكّل، فأيّهما عزل انعزل.

الثالث: لو قال: وكّلتُك بكذا و أذنتُ لك في توكيل مَنْ شئتَ، أو: في أن توكّل وكيلًا

، أو: في أن توكّل فلاناً، و لم يقل: عنّي، و لا عن نفسك، بل أطلق، فللشافعيّة وجهان:

أحدهما: إنّه كالصورة الأُولى- و هو أن يكون وكيلًا عن الوكيل- لأنّ المقصود من الإذن في التوكيل تسهيل الأمر على الوكيل.

و أصحّهما عندهم: إنّه كالصورة الثانية يكون وكيلًا عن الموكّل؛ لأنّ التوكيل تصرّف يتولّاه بإذن الموكّل، فيقع عنه (3).

و إذا جوّزنا للوكيل أن يوكّل في صورة سكوت الموكّل عنه، فينبغي أن يوكّل عن موكّله.

و لو وكّله عن نفسه، فللشافعيّة وجهان؛ لأنّ القرينة المجوّزة للتوكيل

كالإذن في مطلق التوكيل (4).

مسألة 662: يجوز للوصي أن يوكّل و إن لم يفوّض الموصي إليه

____________

(1) (1 و 2) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(3) (3 و 4) العزيز شرح الوجيز 5: 237، روضة الطالبين 3: 545.

30

ذلك بالنصوصيّة؛ لأنّه يتصرّف بالولاية، كالأب و الجدّ، لكن لو منعه الموصي من التوكيل، وجب أن يتولّى بنفسه، و ليس له أن يوكّل حينئذٍ؛ لقوله تعالى: «فَمَنْ بَدَّلَهُ» (1) الآية.

و يجوز للحاكم أن يوكّل عن السفهاء و المجانين و الصبيان مَنْ يتولّى الحكومة عنهم، و يستوفي حقوقهم، و يبيع عنهم و يشتري لهم، و لا نعلم فيه خلافاً.

البحث الثالث: في الوكيل.

مسألة 663: كما يشترط في الموكّل التمكّن من مباشرة التصرّف للموكّل فيه بنفسه، يشترط في الوكيل التمكّن من مباشرته بنفسه

، و ذلك بأن يكون صحيحَ العبارة فيه، فلا يصحّ للصبي و لا للمجنون أن يكونا وكيلين في التصرّفات، سواء كان الصبي مميّزاً، أو لا، و سواء بلغ عشر سنين أو خمسة أشبار، أو لا، و سواء كان في المعروف، أو لا.

و على الرواية (2) المسوّغة تصرّفاتِ الصبي إذا بلغ عشر سنين في المعروف و الوصيّة يحتمل جواز وكالته فيما يملكه من ذلك.

لكنّ المعتمد الأوّل.

و لو جُنّ الوكيل أو الموكّل أو أُغمي على أحدهما، بطلت الوكالة؛ لخروجه حينئذٍ عن التكليف، و سقوط اعتبار تصرّفه و عبارته في شيء البتّة. و قد استثني في الصبي الإذن في الدخول إلى دار الغير و الملك في إيصال الهديّة.

و في اعتبار عبارته في هاتين الصورتين للشافعيّة وجهان، فإن جاز

____________

(1) البقرة: 181.

(2) تقدّم تخريجها في ص 19، الهامش (3).

31

فهو وكيل من جهة الآذن و المُهْدي (1).

و إذا (2) قلنا: إنّ تجويزهما على سبيل التوكيل، فلو أنّه وكّل غيره فيه، فقياس الشافعيّة أنّه على الخلاف في أنّ الوكيل هل يوكّل؟ فإن جاز، لزم أن يكون الصبي أهلًا للتوكيل أيضاً (3).

و قال أبو حنيفة و أحمد: يجوز أن يكون الصبيّ وكيلًا في البيع و الشراء و غير ذلك من أنواع التصرّفات إذا كان يعقل ما يقول، و لا يحتاج إلى إذن وليّه؛ لأنّه يعقل ما يقول، فجاز توكيله، كالبالغ (4).

و هو غلط؛ لأنّه غير مكلّف، فلا يصحّ تصرّفه، كالمجنون.

و الفرق بينه و بين البالغ ظاهرٌ؛ فإنّ البالغ مكلّف، بخلافه.

إذا عرفت هذا، فيستحبّ أن يكون الوكيل تامَّ البصيرة فيما وكّل فيه، عارفاً باللغة التي يحاور بها.

مسألة 664: يجوز للمرأة أن تتوكّل في عقد النكاح إيجاباً و قبولًا عندنا

؛ لأنّ عبارتها في النكاح معتبرة، بخلاف المُحْرم، فإنّه لا يجوز أن يتوكّل فيه إيجاباً و لا قبولًا، و به قال أبو حنيفة (5).

و قال الشافعي: لا يجوز للمرأة أن تكون وكيلةً في النكاح إيجاباً و لا قبولًا، كالمُحْرم؛ لأنّهما مسلوبا العبارة في النكاح، فلا يتوكّلان فيه كما لا يوكّلان (6).

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 217، روضة الطالبين 3: 532.

(2) في «ث»: «فإن». و في «خ» و الطبعة الحجريّة: «فإذا» بدل «و إذا».

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 217، روضة الطالبين 3: 532.

(4) مختصر اختلاف العلماء 4: 70/ 1744، بدائع الصنائع 6: 20، حلية العلماء 5: 129- 130، العزيز شرح الوجيز 5: 217، المغني 5: 203، الشرح الكبير 5: 204.

(5) الوجيز 1: 189، العزيز شرح الوجيز 5: 217.

(6) المهذّب- للشيرازي- 1: 356، بحر المذهب 8: 152، الوجيز 1: 189، حلية العلماء 6: 323، البيان 6: 360، العزيز شرح الوجيز 5: 217، روضة الطالبين 3: 532، منهاج الطالبين: 206.

32

و نحن نمنع ذلك في النكاح على ما يأتي.

و يجوز توكيل المطلّقة الرجعيّة في رجعة نفسها و توكيل امرأةٍ أُخرى، خلافاً للشافعيّة؛ لأنّ الفرج- عندهم- لا يستباح بقول النساء، و منعوا من توكيل المرأة في الاختيار للنكاح إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة (1).

و كلّ هذا عندنا جائز.

و كذا يجوز توكيل المرأة في الاختيار للفراق لما زاد على أربع.

و للشافعيّة وجهان، أحدهما: المنع؛ لأنّه يتضمّن اختيار الأربع للنكاح 2.

مسألة 665: يجوز تعدّد الوكيل في الشيء الواحد، و وحدته

، و لا نعلم فيه خلافاً، فإذا وكّل اثنين في تصرّفٍ بأن جَعَل لكلّ واحدٍ منهما الانفراد بالتصرّف، فله ذلك؛ لأنّه مأذون له فيه. و إن منعه من الانفراد، لم يكن له التفرّد. و إن أطلق، فكذلك لا ينفرد أحدهما؛ لأنّه لم يأذن له في ذلك، و إنّما يتصرّف فيما أذن له فيه موكّلُه، و به قال الشافعي و أحمد و أصحاب الرأي (3).

مسألة 666: يجوز أن يتوكّل العبد في الشراء لنفسه أو لغيره.

و للشافعيّة وجهان (4).

____________

(1) (1 و 2) العزيز شرح الوجيز 5: 218، روضة الطالبين 3: 533.

(3) المهذّب- للشيرازي- 1: 358، التهذيب- للبغوي- 4: 215، البيان 6: 369، العزيز شرح الوجيز 5: 245، روضة الطالبين 3: 551، المغني 5: 214، الشرح الكبير 5: 220، تحفة الفقهاء 3: 231، بدائع الصنائع 6: 32، الهداية- للمرغيناني- 3: 148، الاختيار لتعليل المختار 2: 263.

(4) الوسيط 3: 287، حلية العلماء 5: 129، البيان 6: 376، العزيز شرح الوجيز 4: 374، و 5: 217، روضة الطالبين 3: 230 و 532، المغني 5: 240، الشرح الكبير 5: 211- 212.

33

و في توكّله في قبول النكاح بغير إذن السيّد وجهان:

أحدهما: المنع، كما لا يقبل لنفسه بغير إذن السيّد.

و أصحّهما عندهم: الجواز (1).

و الحقّ ذلك إن لم يمنع شيئاً من حقوق السيّد، و إنّما لم يجز قبوله لنفسه؛ لما يتعلّق به من المهر و مُؤن النكاح.

و كذا يصحّ أن يتوكّل في طرف الإيجاب لصحّة عبارته، و هو أحد وجهي الشافعيّة.

و الثاني: المنع؛ لأنّه لا يزوّج ابنته فأولى أن لا يزوّج بنت غيره (2).

و الفرق: إنّه إنّما لم يَلِ أمر ابنته؛ لأنّه لا يتفرّغ للبحث و النظر، و هنا قد تمّ البحث و النظر من جهة الموكّل.

و يوكّل المحجور عليه بالسفه في [طرفي] (3) النكاح، كتوكيل العبد، و توكيل الفاسق في إيجاب النكاح إذا سلبنا الولاية بالفسق، و نحن لا نسلبه الولاية.

و لا خلاف في جواز قبوله بالوكالة.

و المحجور عليه بالفلس يتوكّل فيما لا يلزم ذمّته عُهْدة، و كذا فيما

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 356، بحر المذهب 8: 152، الوسيط 3: 282، حلية العلماء 5: 115، التهذيب- للبغوي- 4: 211، البيان 6: 361، العزيز شرح الوجيز 5: 217، روضة الطالبين 3: 532.

(2) بحر المذهب 8: 152، العزيز شرح الوجيز 5: 217- 218، روضة الطالبين 3: 532.

(3) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «طريق». و الصحيح ما أثبتناه.

34

يلزم على أصحّ وجهي الشافعيّة، كما يصحّ شراؤه على الصحيح (1).

و يجوز توكّل المرأة في طلاق زوجة الغير- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (2)- كما يجوز أن يفوّض الزوج طلاق زوجته إليها، و يوكّلها في طلاق نفسها.

مسألة 667: كلّ مَنْ لا يملك التصرّف في شيء لنفسه لا يصحّ أن يتوكّل فيه

، كالكافر في تزويج مسلمةٍ، و المُحْرم في شراء صيدٍ، و الطفل و المجنون في الحقوق كلّها.

و للمكاتَب أن يتوكّل بجُعْلٍ؛ لأنّه من اكتسابه للمال و إن لم يأذن له مولاه؛ لأنّه ليس له منعه من الاكتساب بأنواع وجوهه.

و أمّا بغير جُعْلٍ فإن لم يمنع شيئاً من حقوق السيّد، فالأقرب:

الجواز، كما قلناه في العبد، و إلّا افتقر إلى إذن السيّد؛ لأنّ منافعه كأعيان ماله، و ليس له بذل عين ماله بغير عوضٍ، فكذا منافعه.

و ليس للعبد المأذون له في التجارة التوكّل في شيء يمنع بعض حقوق سيّده بغير إذنه؛ لأنّ الإذن في التجارة لا يتناول التوكّل.

مسألة 668: مدار الوكالة بالنسبة إلى الإسلام و الكفر على ثمان مسائل

تبطل فيها وكالة الذمّيّ على المسلم، و هي صورتان: أن يتوكّل الذمّيّ للمسلم على المسلم، أو للكافر على المسلم، عند علمائنا أجمع؛ لقوله تعالى: «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (3).

____________

(1) البيان 6: 361، العزيز شرح الوجيز 5: 218، روضة الطالبين 3: 533.

(2) بحر المذهب 8: 152، البيان 6: 362، العزيز شرح الوجيز 5: 218، روضة الطالبين 3: 533.

(3) النساء: 141.

35

و يكره أن يتوكّل المسلم للذمّي، عند علمائنا أجمع. و لم يذكر ذلك أحد من العامّة، بل أطلقوا القول بأنّ المسلم إذا وكّل ذمّيّاً أو مستأمناً أو مرتدّاً أو حربيّاً، صحّ التوكيل فيما يصحّ تصرّف الكافر فيه؛ لأنّ العدالة غير مشروطة فيه، فكذلك الدين، كالبيع (1).

و لأنّ كلّ ما صحّ أن يتصرّف فيه لنفسه و دخلته النيابة و لم يشترط فيه العدالة، لم يعتبر فيه الدين، كما لو كان الوكيل فاسقاً، فإنّه يجوز.

فإن وكّل الكافر مسلماً، جاز، و كان أولى.

و إن وكّل المسلم مرتدّاً، جاز؛ لأنّ ردّته لا تؤثّر في تصرّفه، و إنّما تؤثّر في ماله.

مسألة 669: لو وكّل المسلم مسلماً ثمّ ارتدّ الوكيل، لم تبطل وكالته،

سواء لحق بدار الحرب أو لا؛ لأنّه يصحّ تصرّفه لنفسه، فلم تبطل وكالته، كما لو لم يلحق بدار الحرب. و لأنّ الردّة لا تمنع ابتداء وكالته، فلم تمنع استدامتها، كسائر الكفر.

و قال أبو حنيفة: إن لحق بدار الحرب، بطلت وكالته؛ لأنّه صار منهم (2).

و لا دلالة فيه؛ لجواز أن يكون الوكيل حربيّاً.

و لو ارتدّ الموكّل، لم تبطل الوكالة فيما له التصرّف فيه، و تبطل فيما ليس للمرتدّ التصرّف فيه.

و للشافعي أقوال ثلاثة، إن قلنا: يزول ملكه أو قلنا: لا يزول و لكن

____________

(1) المغني 2: 245، الشرح الكبير 2: 215.

(2) تحفة الفقهاء 3: 236، بدائع الصنائع 6: 38، الهداية- للمرغيناني- 3: 154، الاختيار لتعليل المختار 2: 264، فتاوى قاضيخان- بهامش الفتاوى الهنديّة- 3: 11، الفقه النافع 3: 1241/ 996.

36

لا يصحّ تصرّفه، لم تصح وكالته فيه. و إن قلنا ببقاء ملكه و تصرّفه فيه نافذ، صحّ أن يوكّل فيه، و إن قلنا: إنّه موقوف، فالوكالة موقوفة (1).

و لو وكّل المرتدّ مسلماً في التصرّفات الماليّة، يبنى على انقطاع ملكه و بقائه، إن قطعناه لم تصح، و إن أبقيناه صحّ. و إن قلنا: إنّه موقوف فكذلك التوكيل.

فلو وكّله مرتدّاً أو ارتدّ الوكيل، لم يقدح في الوكالة؛ لأنّ التردّد في تصرّفه لنفسه، لا لغيره.

و قال بعض الشافعيّة: إنّه يبنى على أنّه [هل] (2) يصير محجوراً عليه؟

إن قلنا: نعم، انعزل عن الوكالة، و إلّا فلا (3).

البحث الرابع: فيما فيه التوكيل.

و النظر في شرائطه، و هي ثلاثة:

الأوّل: أن يكون مملوكاً للموكِّل.

الثاني: أن يكون قابلًا للنيابة.

الثالث: أن يكون ما به التوكيل معلوماً و لو إجمالًا.

النظر الأوّل: أن يكون مملوكاً للموكّل.

يشترط فيما تتعلّق الوكالة به أن يكون مملوكاً للموكِّل، فلو وكَّل غيره بطلاق زوجةٍ سينكحها [أو بيع عبد] (4) سيملكه، أو إعتاق رقيق سيشتريه،

____________

(1) البيان 6: 409- 410، العزيز شرح الوجيز 5: 218، روضة الطالبين 3: 533.

(2) إضافة من «العزيز شرح الوجيز».

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 218، روضة الطالبين 3: 533.

(4) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «أو عبداً». و الصحيح ما أثبتناه.

37

أو قضاء دَيْنٍ يستدينه، أو تزويج امرأة إذا انقضت عدّتها أو طلّقها زوجها، و ما أشبه ذلك، لم يصح؛ لأنّ الموكّل لا يتمكّن من مباشرة ذلك بنفسه، فلا تنتظم إنابة غيره فيه، و هو أصحّ وجهي الشافعيّة.

و الثاني: إنّه صحيح، و يكتفى بحصول الملك عند التصرّف، فإنّه المقصود من التوكيل (1).

و قال بعض الشافعيّة: الخلاف عائد إلى أنّ الاعتبار بحال التوكيل أم بحال التصرّف؟ (2).

و لو وكّله في شراء عبدٍ و عتْقِه، أو في تزويج امرأة و طلاقها، أو في استدانة دَيْنٍ و قضائه، صحّ ذلك كلّه؛ لأنّ ذلك مملوك للموكِّل.

النظر الثاني: في قبول متعلّق الوكالة النيابة.

مسألة 670: الضابط فيما تصحّ فيه النيابة و ما لا تصحّ أن نقول: كلّ ما تعلّق غرض الشارع بإيقاعه من المكلّف مباشرةً، لم تصح فيه الوكالة

، و أمّا ما لا يتعلّق غرض الشارع بحصوله من مكلّفٍ معيّن، بل غرضه حصوله مطلقاً، فإنّه تصحّ فيه الوكالة.

و ذلك؛ لأنّ التوكيل تفويض و إنابة، فلا يصحّ فيما لا تدخله النيابة، كالطهارة مع القدرة لا يصحّ التوكيل فيها؛ لأنّ غرض الشارع تعلَّق بإيقاعها من المكلّف بها مباشرةً، و هي عبادة محضة لا تتعلّق بالمال. و لأنّ محلّها متعيّن، فلا ينوب غيره منابه.

نعم، عند الضرورة تجوز الاستنابة في غَسْل الأعضاء، و الاستنابة في

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 205، روضة الطالبين 3: 522.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 205.

38

صبّ الماء على أعضائه؛ لأنّ إيصال الماء إلى أعضائه واجب عليه، فيجوز أن يستنيب فيه.

و تجوز الاستنابة في إزالة النجاسة عن بدنه و ثوبه مع القدرة، لا في النيّة، حتى لو غسله ساهياً أو مجنوناً مع نيّة العاجز، صحّ. و لو غسله ناوياً مع غفلة العاجز، بطل.

و كذا الصلاة الواجبة لا تصحّ فيها النيابة ما دام حيّاً، فإذا مات، جازت الاستنابة فيها، كالحجّ، عند علمائنا.

و كذا الاستنابة في ركعتي الطواف إجماعاً، و في فعل الصلاة المنذورة عند أحمد في إحدى الروايتين (1).

و مَنَع الجمهور من الاستنابة في الصلاة إلّا صلاة ركعتي الطواف (2).

و أمّا الصوم فلا يصحّ دخول النيابة فيه ما دام حيّاً، فإذا مات صحّ أن يصوم عنه غيره بعوضٍ و مجّاناً.

و للشافعي قولان فيما لو مات فصام عنه وليُّه (3).

و الاعتكاف لا تدخله النيابة بحال، و به قال الشافعي (4). و عن أحمد

____________

(1) المغني 5: 207، الشرح الكبير 5: 208.

(2) الحاوي الكبير 6: 497، بحر المذهب 8: 150، التهذيب- للبغوي- 3: 182، البيان 6: 353، العزيز شرح الوجيز 5: 206، روضة الطالبين 3: 523.

(3) الحاوي الكبير 6: 497، التنبيه: 67، المهذّب- للشيرازي- 1: 194، بحر المذهب 8: 150، حلية العلماء 3: 208، التهذيب- للبغوي- 3: 180- 181، و 4: 210، الوسيط 2: 551، الوجيز 1: 105، البيان 6: 353، العزيز شرح الوجيز 3: 237، و 5: 206، روضة الطالبين 2: 246، و 3: 523، منهاج الطالبين: 77، المجموع 6: 368.

(4) بحر المذهب 8: 150، التهذيب- للبغوي- 3: 181، البيان 6: 353، العزيز شرح الوجيز 3: 237، روضة الطالبين 2: 246، المجموع 6: 372.

39

روايتان (1).

و أمّا الزكاة فتجوز النيابة في أدائها، فيؤدّيها عنه غيره.

و كذا كلّ ما يتعلّق (2) بالمال من الصدقات الواجبة و المندوبة و الخُمْس، فإنّه يجوز التوكيل في قبض ذلك كلّه و تفريقه.

و يجوز للمُخرج التوكيل في إخراجها و تفريقها و دفعها إلى مستحقّها، و يستنيب الفقراء و الإمام أيضاً في تسلّمها (3) من أربابها؛ لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بعث عُمّاله لقبض الصدقات و تفريقها، و قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:

«أعلمهم أنّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتُردّ في فقرائهم فإن هُمْ أطاعوك بذلك فإيّاك و كرائم أموالهم، و اتّق دعوة المظلوم، فإنّه ليس بينها و بين اللّه حجاب» (4).

و أمّا الحجّ فتجوز النيابة فيه إذا يئس المحجوج عنه من الحجّ بنفسه بزمانةٍ، عند الشيخ (5) (رحمه الله) و عند الشافعي و أكثر العامّة (6)، أو بموتٍ إجماعاً.

و كذا العمرة و كثير من أفعال الحجّ، كطواف النساء و الرمي.

و كذا تجوز النيابة في ذبح الضحايا و الهدايا؛ لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أناب فيه.

____________

(1) المغني 5: 207.

(2) في النسخ الخطّيّة: «تعلّق».

(3) في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «تسليمها». و المثبت هو الصحيح.

(4) صحيح البخاري 2: 158- 159، سنن ابن ماجة 1: 568/ 1782، سنن أبي داوُد 2: 105/ 1584، سنن الترمذي 3: 21/ 625، المغني 5: 206- 207.

(5) الخلاف 2: 248، المسألة 6.

(6) الحاوي الكبير 4: 8، و 6: 497، بحر المذهب 8: 150، الوسيط 2: 590، حلية العلماء 3: 244- 245، التهذيب- للبغوي- 3: 249، البيان 6: 353، العزيز شرح الوجيز 3: 300، روضة الطالبين 2: 287- 288، المجموع 7: 94 و 100، المغني 3: 181، الشرح الكبير 3: 183.

40

و نحر عن عليّ (عليه السلام)- و هو غائب- و عنه (صلى اللّه عليه و آله) مائة ناقة ثلثيها (1) عنه (صلى اللّه عليه و آله) و ثلثها عن عليّ (عليه السلام) (2).

و تجوز النيابة في الجهاد؛ لأنّ الغرض حراسة المسلمين، و حفظ عمود الدين، و ليس الغرض متعلّقاً بمباشرة معيّن، إلّا أن يعيّنه الإمام للخروج بنفسه إمّا لشدّة بلائه في الحرب، أو لجودة شوره و وفور عقله و ربط جأشه (3) و قوّة بأسه، أو لغير ذلك من الحِكَم و المصالح، فحينئذٍ لا تجوز الاستنابة فيه.

مسألة 671: يصحّ التوكيل في البيع إيجاباً و قبولًا، و في جميع أنواعه

- كالسَّلَم و الصرف و التولية و غيرها- و في جميع أحكامه و توابعه من الفسخ بالخيار و الأخذ بالشفعة و إسقاطهما، فإنّه قد يترفّع عن التردّد في الأسواق، و قد لا يُحْسن التجارة، و قد لا يتفرّغ لها، و قد يكون مأموراً بالتخدير، كالمرأة، فأجاز الشارع التوكيل فيه؛ دفعاً للحاجة، و تحصيلًا لمصلحة الآدمي المخلوق لعبادة اللّه تعالى، كما قال عزّ من قائل: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ» (4).

و يجوز التوكيل في الحوالة و الضمان و الكفالة و عقد الرهن و الشركة و الوكالة و الصلح؛ لأنّه إمّا بيع عند الشافعي (5)، أو عقد مستقلّ برأسه.

____________

(1) في «ث، ج، خ» و الطبعة الحجريّة: «ثلثاها».

(2) الفقيه 2: 153/ 665، الكامل في التاريخ 2: 302، صحيح مسلم 3: 886- 892/ 1218، سنن البيهقي 5: 134، الاستذكار 13: 95- 96/ 18188، التمهيد 2: 111.

(3) جأش القلب هو رُواعه إذا اضطرب عند الفزع، يقال: فلان رابط الجأش، أي يربط نفسَه عن الفرار، لشجاعته. الصحاح 3: 997 «جأش».

(4) الذاريات: 56.

(5) الحاوي الكبير 6: 367، التنبيه: 103، المهذّب- للشيرازي- 1: 340، الوسيط 4: 49، الوجيز 1: 177، التهذيب- للبغوي- 4: 141- 143، العزيز شرح الوجيز 5: 85، روضة الطالبين 3: 428، منهاج الطالبين: 125.

41

و التفليس لا يتصوّر فيه الوكالة.

و أمّا الحجر فيصحّ أن يوكّل الحاكم مَنْ ينوب عنه فيه، و يوكّل الغرماء مَنْ يطلبه من الحاكم. و أمّا المحجور عليه فلا يتصوّر فيه أن يستنيب مَنْ يحكم عليه بالحجر عليه.

و كذا تصحّ الوكالة في القراض في عقده و فعله بأن يستنيب العامل إن أذن له المالك، و إلّا فلا.

و في الإقرار خلاف يأتي (1).

و يصحّ التوكيل في الهبة و العارية- لأنّها هبة المنافع- في عقدها و فعلها، إلّا في مثل إعارة الثوبِ ليلبسه، و الدابّةِ ليركبها بنفسه، و شبه ذلك.

و الغصب لا يتصوّر فيه التوكيل، فإذا وكّل رجل رجلًا في غصبٍ، كان الغاصبُ الوكيلَ، دون الموكّل؛ لأنّ فعل ذلك حرام، فلا تصحّ النيابة فيه.

و تصحّ النيابة في المطالبة بالشفعة و أخذها.

و كذا تصحّ في المساقاة و المزارعة و الإجارة و الوديعة و الجعالة و الفعل المتعلّق بالجعالة، و الحوالة و القرض عقداً و تسليماً و أخذاً، و الوقف و الحبس و العمرى و الرقبى، و الوصيّة إيجاباً و قبولًا، و فعل متعلّقها.

و لبعض الشافعيّة قولٌ في منعها؛ لأنّها قربة (2).

و القربة لا تنافي النيابة، كالحجّ و صلاة الطواف.

____________

(1) في ص 49، المسألة 678.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 207، روضة الطالبين 3: 524.

42

و تصحّ النيابة في الصدقة- كالزكاة و شبهها- و الإبراء و قبض الأموال، مضمونةً كانت أو غير مضمونة، و في قبض الديون و إقباضها؛ لأنّ ذلك كلّه في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها، فيثبت فيها حكمه.

و لا نعلم في شيء من ذلك خلافاً، إلّا ما قلناه.

و كذا تصحّ النيابة في العطايا و قسمة الفيء و الغنيمة و الصدقة.

مسألة 672: يصحّ التوكيل في عقد النكاح إيجاباً و قبولًا

؛ لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) وكّل عمرو بن أُميّة الضمري و أبا رافع في النكاح له (1).

و لأنّ الحاجة قد تدعو إلى ذلك، فإنّه ربما احتاج إلى التزويج من مكانٍ بعيد لا يمكنه السفر إليه، فإنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) تزوّج أُمّ حبيبة و هي يومئذٍ بأرض الحبشة (2).

و يجوز التوكيل في الطلاق، حاضراً كان الموكّل أو غائباً على ما قدّمناه، و في الخلع، و في الرجعة- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة (3)- كابتداء النكاح، فإنّ كلّ واحدٍ منهما استباحة فرجٍ محرَّم.

و الثاني: المنع، كما لو أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة و وكّل بالاختيار، و كذا لو طلّق إحدى امرأتيه، أو أعتق أحد عبديه، و وكّل بالتعيين (4).

____________

(1) راجع المصادر في الهامش (2 و 3) من ص 6.

(2) الكامل في التاريخ 2: 308، تاريخ الطبري 3: 165، تاريخ مدينة دمشق 69: 135، دلائل النبوّة- للبيهقي- 3: 460، سنن النسائي 6: 119، المعجم الكبير- للطبراني- 23: 219/ 402، مسند أحمد 7: 579/ 26862.

(3) بحر المذهب 8: 151، البيان 6: 354- 355، العزيز شرح الوجيز 5: 207، روضة الطالبين 3: 524.

(4) بحر المذهب 8: 151، البيان 6: 354، العزيز شرح الوجيز 5: 207، روضة الطالبين 3: 524.

43

و نمنع الملازمة و ثبوت الحكم في الأصل.

و كذا يصحّ التوكيل في تعيين المهر و قبضه، و لا تصحّ الوكالة في القَسْم؛ لأنّه يتعلّق ببدن الزوج و يتضمّن استمتاعاً.

مسألة 673: كما يصحّ التوكيل في العقود، كذا يصحّ في فسخها

و التوكيل في الإقالة منها و سائر الفسوخ.

و ما هو على الفور قد يكون التأخير بالتوكيل تقصيراً.

و يصحّ التوكيل في خيار الرؤية.

و للشافعيّة خلاف فيه (1).

و يجوز التوكيل في الإعتاقِ و التدبيرِ.

و للشافعيّة فيه وجهان يبنى على أنّه وصيّة أو تعليق عتقٍ بصفةٍ؟ فإن قلنا بالثاني منعناه (2).

و الكتابةِ.

و لا يتصوّر في الاستيلاد؛ لأنّه متعلّق بالوطي، و الوطء مختصّ بالفاعل.

و لا تصحّ الوكالة في الإيلاء؛ لأنّه يمين. و كذا اللعان لا يصحّ التوكيل فيه أيضاً؛ لأنّه يمين كالإيلاء، أو شهادة على خلافٍ، و كلاهما لا تدخلهما النيابة، و كذا القسامة.

و لا تصحّ في الظهار؛ لأنّه منكر و زور و بهتان، فلا تدخله النيابة.

و للشافعيّة وجهان مبنيّان على أنّ المغلَّب فيه معنى اليمين أو

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 4: 52، و 5: 207، روضة الطالبين 3: 43، و 524.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 207، روضة الطالبين 3: 523.

44

الطلاق؟ و معظمهم مَنَع من التوكيل فيه (1).

و أمّا العدّة فلا تدخلها النيابة؛ لأنّها تجب لاستبراء رحمها.

و الرضاع لا تدخله النيابة؛ لأنّه متعلّق بالمُرضع و المرتضع؛ لأنّه يختصّ بإنبات لحم المرتضع و انتشار عظمه بلبن المُرضع.

و النفقة يصحّ التوكيل في دفعها و قبضها.

و لا تصحّ النيابة في الأيمان؛ لأنّها عبادة. و لأنّ الحكم في الأيمان يتعلّق بتعظيم اسم اللّه، فامتنعت النيابة فيها، كالعبادات.

و كذا النذور و العهود لا تدخلها النيابة.

و أمّا الشهادات فلا يصحّ التوكيل فيها؛ لأنّا علّقنا الحكم بخصوص لفظ الشهادة حتى لم يقم غيرها مقامها، فكيف يحتمل السكوت عنها بالتوكيل!؟ و لأنّ الشهادة تتعلّق بعين الشاهد؛ لكونها خبراً عمّا سمعه أو رآه، و لا يتحقّق هذا المعنى في نائبه.

فإن استناب فيها، كان النائب شاهداً على شهادته؛ لكونه يؤدّي ما سمعه من شاهد الأصل، و ليس ذلك بتوكيل، فحينئذٍ تصحّ الاستنابة في الشهادة على وجه الشهادة.

و كذا تصحّ النيابة في القضاء و الحكم.

مسألة 674: في صحّة التوكيل في المباحات- كالاصطياد و الاحتطاب و الاحتشاش و إحياء الموات و إجارة الماء و شبهه- إشكال

ينشأ: من أنّه أحد أسباب الملك، فكان كالشراء. و لأنّه عمل مقصود يصحّ أخذ الأُجرة عليه، فجاز فيه النيابة كغيره من الأعمال، فحينئذٍ يحصل الملك للموكّل إذا قصده

____________

(1) بحر المذهب 8: 150 و 151، البيان 6: 354، العزيز شرح الوجيز 5: 206، روضة الطالبين 3: 523.

45

الوكيل- و هو أصحّ وجهي الشافعيّة، و به قال أحمد (1)- لأنّه تملّك مالٍ بسببٍ لا يتعيّن عليه، فجاز التوكيل فيه، كالشراء و الاتّهاب.

و الثاني للشافعيّة: لا يصحّ كالاغتنام؛ لأنّ الملك يحصل فيها بالحيازة و قد وُجدت من الوكيل، فيكون الملك له (2).

فعلى هذا إن جوّزنا التوكيل فيه، جوّزنا الإجارة عليه، فإذا استأجره ليحتطب أو يستقي المال أو يحيي الأرض، جاز، و كان ذلك للمستأجر.

و إن قلنا بالمنع هناك، منعناه هنا، فيقع الفعل للأجير.

و الجويني رأى جواز الاستئجار عليه مجزوماً به، فقاس عليه وجه تجويز التوكيل (3).

مسألة 675: يجوز التوكيل في قبض الجزية و إقباضها و المطالبة بها، و في عقد الذمّة.

و في تجويز توكيل الذمّي المسلمَ [فيه] (4) خلافٌ بين الشافعيّة (5).

و أمّا العقوبات- كالقتل و الجنايات و الزنا و القذف و السرقة و الغصب و أشباه ذلك- فلا مدخل للتوكيل فيها، بل أحكامها تثبت في حقّ متعاطيها و مرتكبها؛ لأنّ كلّ شخصٍ بعينه مقصود بالامتناع منها، فإذا لم يفعل (6)

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 355، بحر المذهب 8: 150، التهذيب- للبغوي- 4: 210، البيان 6: 355، العزيز شرح الوجيز 5: 208، روضة الطالبين 3: 524، المغني 5: 204، الشرح الكبير 5: 205.

(2) المهذّب- للشيرازي- 1: 355، بحر المذهب 8: 150، التهذيب- للبغوي- 4: 210، البيان 6: 355، العزيز شرح الوجيز 5: 208، روضة الطالبين 3: 524.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 208، روضة الطالبين 3: 525.

(4) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «منه». و الظاهر ما أثبتناه، أي: توكيله في القبض.

(5) العزيز شرح الوجيز 5: 207، و 11: 527، روضة الطالبين 3: 524، و 7: 504.

(6) أي: لم يمتنع.

46

أُجري حكمها عليه.

و أمّا حدود اللّه تعالى- كحدّ الزنا و السرقة- فيجوز التوكيل فيها لاستيفائها؛ لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) أمر برجم ماعِز، فرُجم (1).

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «اغْدُ يا أُنَيْس إلى امرأة هذا فإذا اعترفَتْ فارْجُمْها» فغدا أُنَيْس عليها فاعترفت فأمر بها فرُجمت (2).

و وكّل أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد اللّه بن جعفر في إقامة حدّ الشرب على الوليد بن عقبة، فأقامه (3).

و لأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك، فإنّ الإمام لا يمكنه تولّي ذلك بنفسه، فيجوز التوكيل في استيفائها للإمام.

و للسيّد أن يوكّل في استيفاء الحدّ من مملوكه.

و يجوز التوكيل في إثبات حدود اللّه تعالى- و به قال بعض العامّة (4)- لأنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) وكّل أُنَيْساً في إثبات الحدّ و استيفائه جميعاً، فإنّه قال: «فإذا اعترفَتْ فارْجُمْها» (5) و هذا يدلّ على أنّه لم يكن قد ثبت و قد وكّله في إثباته.

و لأنّ الحاكم إذا استناب نائباً في عملٍ، فإنّه يدخل في تلك النيابة

____________

(1) صحيح مسلم 3: 1323/ 23، سنن ابن ماجة 2: 854/ 2554، سنن الترمذي 4: 36/ 1428، سنن الدارقطني 3: 91- 92/ 39، و 121- 122/ 132 و 133، سنن البيهقي 8: 214، سنن الدارمي 2: 178.

(2) صحيح البخاري 3: 134، صحيح مسلم 3: 1324- 1325/ 1697، سنن ابن ماجة 2: 852/ 2549، سنن أبي داوُد 4: 153/ 4445، سنن الترمذي 4: 39- 40/ 1433، سنن النسائي 8: 241- 242، سنن البيهقي 8: 213، سنن الدارمي 2: 177، مسند أحمد 5: 91/ 16590، و 92/ 16594.

(3) صحيح مسلم 3: 1320/ 1693، الكامل في التأريخ 3: 106- 107، المغني 5: 206.

(4) المغني 5: 206، الشرح الكبير 5: 207- 208.

(5) تقدّم تخريجه في الهامش (2).

47

الحدودُ و إثباتُها، فإذا دخلت في التوكيل بالعموم فبالتخصيص أولى.

و قال الشافعي: لا يجوز التوكيل في إثباتها؛ لأنّها تُدرأ بالشبهات، و قد أُمر بإدرائها بالشبهة، و التوكيل توصّلٌ إلى إثباتها (1).

و هو غير منافٍ لقولنا؛ فإنّ للوكيل أن يدرأها بالشبهات.

و أمّا عقوبات الآدميّين فيجوز التوكيل في استيفائها في حضور المستحقّ إجماعاً.

و أمّا في غيبته فإنّه يجوز ذلك أيضاً عندنا؛ للأصل.

و للشافعي فيه ثلاثة طُرق أشهرها: أنّه على قولين:

أحدهما: المنع؛ لأنّه لا نتيقّن بقاء الاستحقاق عند الغيبة؛ لاحتمال العفو، و لأنّه ربما يرقّ قلبه حالة حضوره فيعفو، فليشترط الحضور.

و أصحّهما: الجواز- كما قلناه- لأنّه حقّ يستوفى بالنيابة في الحضور، فكذا في الغيبة، كسائر الحقوق. و احتمال العفو كاحتمال رجوع الشهود فيما إذا ثبت بالبيّنة، فإنّه لا يمنع الاستيفاء في [غيبته] (2).

الثاني: القطع بالجواز، و حمل المنع على الاحتياط.

الثالث: القطع بالمنع؛ لعظم خطر الدم (3). و بهذا الأخير قال أبو حنيفة (4).

____________

(1) التنبيه: 108، المهذّب- للشيرازي- 1: 356، الوسيط 3: 278، التهذيب- للبغوي- 4: 210، العزيز شرح الوجيز 5: 209، روضة الطالبين 3: 526، المغني 5: 206، الشرح الكبير 5: 207- 208.

(2) بدل ما بين المعقوفين في النسخ الخطّيّة و الحجريّة: «غيبتهم». و الظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه كما في «العزيز شرح الوجيز».

(3) بحر المذهب 8: 165، حلية العلماء 5: 113- 114، البيان 6: 357- 358، العزيز شرح الوجيز 5: 209- 210، روضة الطالبين 3: 526.

(4) تحفة الفقهاء 3: 228، بدائع الصنائع 6: 21، الهداية- للمرغيناني- 3: 136، الاختيار لتعليل المختار 2: 252، حلية العلماء 5: 114، المغني 5: 207- 208، الشرح الكبير 5: 208، بحر المذهب 8: 165، البيان 6: 357.

48

مسألة 676: و يجوز التوكيل في إثبات حدّ القذف و القصاص عند الحاكم و إقامة البيّنة عليه

، عند عامّة الفقهاء؛ لأنّه حقٌّ لآدميّ، فجاز التوكيل في إثباته، كسائر الحقوق.

و قال أبو يوسف: لا يصحّ التوكيل فيه؛ لأنّه يثبت الحدّ بما قام مقام العفو، و الحدّ لا يثبت بذلك، كما لا يثبت بالشهادة على الشهادة، و لا بكتاب القاضي إلى القاضي و لا برجل و امرأتين، كذا هنا (1).

و نمنعه في الشهادة على الشهادة و كتاب القاضي إلى القاضي، على أنّ الحدّ لا يثبت بالتوكيل، و إنّما يثبت بالبيّنة، فلم يصح ما قاله.

مسألة 677: يجوز لكلّ واحدٍ من المدّعي و المدّعى عليه التوكيل بالخصومة

، رضي صاحبه أو لم يرض، و ليس لصاحبه الامتناع من خصومة الوكيل.

و قال أبو حنيفة: له الامتناع، إلّا أن يريد الموكّل سفراً أو يكون مريضاً أو تكون مخدّرةً (2).

و قال مالك: له ذلك، إلّا أن يكون سفيهاً خبيثَ اللسان، فيعذر

____________

(1) تحفة الفقهاء 3: 228، بدائع الصنائع 6: 21، الهداية- للمرغيناني- 3: 136، الاختيار لتعليل المختار 2: 253، فتاوى قاضيخان- بهامش الفتاوى الهنديّة- 3: 11، الحاوي الكبير 6: 516، بحر المذهب 8: 165، حلية العلماء 5: 113، البيان 6: 356.

(2) تحفة الفقهاء 3: 228، بدائع الصنائع 6: 22، الهداية- للمرغيناني- 3: 136، الاختيار لتعليل المختار 2: 253 و 254، مختصر اختلاف العلماء 4: 67/ 1741، فتاوى قاضيخان- بهامش الفتاوى الهنديّة- 3: 7، الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2: 607/ 1030، عيون المجالس 4: 1684/ 1186، بحر المذهب 8: 153، التهذيب- للبغوي- 4: 212، البيان 6: 355- 356، العزيز شرح الوجيز 5: 209.

49

الموكّل في التوكيل (1).

و الحقّ ما قلناه؛ لأنّه توكيلٌ في خالص حقّه، فيُمكّن منه، كالتوكيل باستيفاء الدَّيْن من غير رضا مَنْ عليه.

و لا فرق في التوكيل في الخصومة بين أن يكون المطلوب مالًا أو عقوبةً للآدميّين، كالقصاص و حدّ القذف.

و كذا حدود اللّه تعالى عندنا، خلافاً للشافعي (2).

مسألة 678: في التوكيل بالإقرار إشكال.

و صورته أن يقول: وكّلتُك لتقرَّ عنّي لفلان.

قال الشيخ (رحمه الله): إنّه جائز (3). و هو أحد قولَي الشافعيّة؛ لأنّه قول يلزم به الحقّ، فأشبه الشراء و سائر التصرّفات (4)، و به قال أبو حنيفة (5) أيضاً.

و معظم الشافعيّة على المنع؛ لأنّ الإقرار إخبار عن حقٍّ عليه، و لا يلزم الغير إلّا على وجه الشهادة، و هذا كما لو قال: رضيت بما يشهد به عَلَيَّ فلان، فإنّه لا يلزمه، كذلك هنا. و لأنّه إخبار، فلا يقبل التوكيل كالشهادة، و إنّما يليق التوكيل بالإنشاءات (6).

____________

(1) بحر المذهب 8: 153، العزيز شرح الوجيز 5: 209، مختصر اختلاف العلماء 4: 67/ 1741.

(2) بحر المذهب 8: 165، البيان 6: 356، العزيز شرح الوجيز 5: 209، روضة الطالبين 3: 526.

(3) الخلاف 3: 344، المسألة 5 من كتاب الوكالة.

(4) بحر المذهب 8: 150 و 162، الوجيز 1: 188، الوسيط 3: 277، حلية العلماء 5: 114، التهذيب- للبغوي- 4: 209، البيان 6: 358، العزيز شرح الوجيز 5: 208، روضة الطالبين 3: 525، المغني 5: 205، الشرح الكبير 5: 207.

(5) تحفة الفقهاء 3: 229، بدائع الصنائع 6: 22، الهداية- للمرغيناني- 3: 150، مختصر اختلاف العلماء 4: 69/ 1742، الاختيار لتعليل المختار 2: 267، الإشراف على نكت مسائل الخلاف 2: 608/ 1033، العزيز شرح الوجيز 5: 208.

(6) المهذّب- للشيرازي- 1: 356، بحر المذهب 8: 150 و 162، الوسيط 3: 277، حلية العلماء 5: 114، التهذيب- للبغوي- 4: 209، البيان 6: 358، العزيز شرح الوجيز 5: 208، روضة الطالبين 3: 525، المغني 5: 205، الشرح الكبير 5: 207.

50

فعلى هذا هل يُجعل مُقرّاً بنفس التوكيل؟ فيه للشافعيّة وجهان:

أحدهما: نعم، تخريجاً، و اختاره الجويني؛ لأنّ توكيله دليل ثبوت الحقّ عليه؛ لأنّ قوله: «أقرّ عنّي بكذا» يتضمّن وجوبه عليه.

و أظهرهما: أنّه لا يُجعل مُقرّاً، كما أنّ التوكيل بالإبراء لا يجعل إبراءً، و كالتوكيل في البيع، فإنّه لا يكون بيعاً، و رضاه بالشهادة عليه لا يكون إقراراً بالحقّ (1).

و عندي في ذلك تردّد، فإن قلنا بصحّة التوكيل في الإقرار، ينبغي أن يبيّن للوكيل جنس المُقرّ به و قدره، فلو قال: أقرّ عنّي بشيء لفلان، طُولب الموكّل بالتفسير.

و لو اقتصر على قوله: أقرّ عنّي لفلان، فللشافعيّة وجهان:

أحدهما: أنّه كما لو قال: أقرّ عنّي له بشيء.

و أصحّهما: أنّه لا يلزمه شيء بحال؛ لجواز أن يريد الإقرار بعلمٍ أو شجاعة، لا بالمال (2).

مسألة 679: لا يصحّ التوكيل بالالتقاط

، فإذا أمره بالالتقاط فالتقط، كان الملتقط أحقَّ به من الآمر.

و الميراث لا تصحّ النيابة فيه، إلّا في قبض الموروث و قسمته.

____________

(1) المهذّب- للشيرازي- 1: 356، الوسيط 3: 277، التهذيب- للبغوي- 4: 209، البيان 6: 358، العزيز شرح الوجيز 5: 208، روضة الطالبين 3: 525.

(2) بحر المذهب 8: 162، التهذيب- للبغوي- 4: 209- 210، البيان 6: 359، العزيز شرح الوجيز 5: 209، روضة الطالبين 3: 526.

51

و تصحّ النيابة في دفع الديات إلى مستحقّها.

و الجنايات لا تصحّ النيابة فيها؛ لأنّها ظلم، فتتعلّق بفاعلها.

و أمّا قتال أهل البغي فيجوز أن يستنيب فيه.

و الأشربة لا تصحّ النيابة فيها، و يجب الحدّ على الشارب؛ لأنّه فَعَل المحرَّم.

و أمّا الجهاد فقد مَنَع الشافعي من دخول النيابة فيه بحال، بل كلّ مَنْ حضر الصفّ توجّه الفرض عليه (1).

و هو بهذا المعنى صحيح، و كذا ما قلناه أوّلًا من صحّة النيابة في الجهاد على معنى أنّ للرجل أن يُخرج غيره بأُجرة أو غيرها في الجهاد.

و أمّا الذبح فيصحّ التوكيل فيه.

و كذا يصحّ في السبق و الرمي؛ لأنّه إمّا إجارة أو جعالة، و كلاهما تدخله النيابة.

و يصحّ التوكيل في الدعوى؛ لأنّ ذلك مطالبة بحقّ غيره، فهو كاستيفاء المال.

و يجوز التوكيل في مطالبة الحقوق و إثباتها و المحاكمة فيها، حاضراً كان الموكّل أو غائباً، صحيحاً أو مريضاً.

النظر الثالث: في العلم

. مسألة 680: لا يشترط في متعلّق الوكالة- و هو ما وُكّل فيه- أن يكون معلوماً من كلّ وجهٍ

، فإنّ الوكالة إنّما جُوّزت لعموم الحاجة، و ذلك

____________

(1) بحر المذهب 8: 151، التهذيب- للبغوي- 4: 210، العزيز شرح الوجيز 5: 206، روضة الطالبين 3: 523.

52

يقتضي المسامحة فيها، و لذلك جوّز بعضهم تعليقها بالإغرار (1).

و لم يشترط القبول اللفظي فيها، و لا الفوريّة في القبول، لكن يجب أن يكون معلوماً مبيَّناً من بعض الوجوه حتى لا يعظم الغرر.

و لا فرق في ذلك بين الوكالة العامّة و الخاصّة.

فأمّا الوكالة العامّة: فبأن يقول: وكّلتُك في كلّ قليل و كثير.

فإن لم يُضف إلى نفسه، فالأقوى: البطلان؛ لأنّه لفظ مبهم في الغاية.

و لو ذكر الإضافة إلى نفسه فقال: وكّلتُك في كلّ أمر هو إلَيَّ، أو: في كلّ أُموري، أو: في كلّ ما يتعلّق بي، أو: في جميع حقوقي، أو: بكلّ قليل و كثير من أُموري، أو: فوّضت إليك جميع الأشياء التي تتعلّق بي، أو: أنت وكيلي مطلقاً فتصرَّف في مالي كيف شئت، أو فصَّل الأُمور المتعلّقة به التي تجري فيها النيابة، فقال: وكّلتُك ببيع أملاكي و تطليق زوجاتي و إعتاق عبيدي، أو لم يفصّل على ما تقدّم، أو قال: وكّلتُك بكلّ أمر هو إلَيَّ ممّا يناب فيه، و لم يفصّل أجناس التصرّفات، أو قال: أقمتك مقام نفسي في كلّ شيء، أو: وكّلتُك في كلّ تصرّفٍ يجوز لي، أو: في كلّ ما لي التصرّف فيه، فالوجه عندي: الصحّة في الجميع- و به قال ابن أبي ليلى (2)- و يملك كلّ ما تناوله لفظه؛ لأنّه لفظ عامّ فيصحّ فيما تناوله، كما لو قال: بِعْ مالي كلّه.

و لأنّه لو فصّل و ذكر جميع الجزئيّات المندرجة تحت اللفظ العامّ،

____________

(1) العزيز شرح الوجيز 5: 211.

(2) بحر المذهب 8: 192، البيان 6: 363، المغني 5: 211، الشرح الكبير 5: 241، حلية العلماء 5: 116، المبسوط- للسرخسي- 19: 70.

53

صحّ التوكيل، سواء ضمّها بعضها إلى بعضٍ، أو لا، فيكون الإجمال صحيحاً.

و قال الشيخ (رحمه الله): لا تصحّ الوكالة العامّة (1). و هو قول جميع العامّة- إلّا ابن أبي ليلى- لما فيه من الغرر العظيم و الخطر الكبير؛ لأنّه تدخل فيه هبة ماله و تطليق نسائه و إعتاق رقيقه، و أن يزوّجه نساء كثيرة، و يلزمه المهور الكثيرة و الأثمان العظيمة، فيعظم الضرر (2).

و الجواب: إنّا نضبط جواز تصرّف الوكيل بالمصلحة، فكلّ ما لا مصلحة للموكّل فيه لم ينفذ تصرّف الوكيل [فيه] (3) كما لو وكّله في بيع شيء و أطلق، فإنّه لا يبيع إلّا نقداً بثمن المثل من نقد البلد، كذا في الوكالة العامّة.

و كذا يصحّ لو قال له: اشتر لي ما شئت- خلافاً لبعض العامّة (4)، و عن أحمد رواية أنّه يجوز (5)- عملًا بالأصل، و لأنّ الشريك و المضارب وكيلان في شراء ما شاء. و حينئذٍ ليس له أن يشتري إلّا بثمن المثل و أدون، و لا يشتري ما يعجز الموكّل عن ثمنه، و لا ما لا مصلحة للموكّل فيه.

و لو قال: بِعْ مالي كلّه و اقبض ديوني كلّها، صحّ التوكيل؛ لأنّه قد يعرف ماله و ديونه.

و لو قال: بِعْ ما شئت من مالي و اقبض ما شئت من ديوني، صحّ التوكيل؛ لأنّه إذا جاز التوكيل في الجميع، ففي البعض أولى.

____________

(1) الخلاف 3: 350، المسألة 14 من كتاب الوكالة.

(2) راجع المصادر في الهامش (2) من ص 52.

(3) ما بين المعقوفين يقتضيه السياق.

(4) (4 و 5) المغني 5: 212، الشرح الكبير 5: 242.

54

و وافقتنا العامّة في جواز: وكّلتُك في بيع أموالي و استيفاء ديوني، أو:

استرداد ودائعي، أو: إعتاق عبيدي (1).

و التفاوت ليس بطائلٍ.

و أمّا الوكالة الخاصّة: فهي المقصورة على نوعٍ من الأنواع، كبيع عبدٍ أو شراء جاريةٍ أو محاكمة خصمٍ أو استيفاء دَيْنٍ منه، و ما أشبه ذلك، و لا خلاف في جوازها.

مسألة 681: إذا وكّله في بيع أمواله، صحّ

، و لا يشترط كون أمواله معلومةً حينئذٍ، بل يبيعها الوكيل و يبيع ما يعلم انتسابها إليه.

و للشافعيّة فيه وجهان، هذا أصحّهما (2).

و لو قال: وكّلتُك في قبض جميع ديوني على الناس، جاز مجملًا و إن لم يعرف مَنْ عليه الدَّيْن، و أنّه واحد أو أشخاص كثيرة، و أيّ جنسٍ ذلك الدَّيْن.

أمّا لو قال: وكّلتُك في بيع شيء من مالي، أو: في بيع طائفةٍ منه أو قطعة منه، أو في قبض شيء من ديوني، و لم يعيّن، فالأقوى: البطلان؛ لجهالته من الجملة، و لا بدّ من أن يكون الموكّل فيه ممّا يسهل استعلامه.

أمّا لو قال: بِعْ ما شئت من أموالي، أو: اقبض ما شئت من ديوني، فإنّه يجوز.

و كذا لو قال: بِعْ مَنْ رأيت من عبيدي.

و قال بعض الشافعيّة: لا يجوز حتى يعيّن (3). و ليس شيئاً.

____________

(1) بحر المذهب 8: 193، البيان 6: 363، العزيز شرح الوجيز 5: 211، روضة الطالبين 3: 527.

(2) العزيز شرح الوجيز 5: 212، روضة الطالبين 3: 527.

(3) العزيز شرح الوجيز 5: 213، روضة الطالبين 3: 528.