تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية - ج1

- العلامة الحلي المزيد...
643 /
5

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

ِ الحمد للّه على سوابغ النعم و ضوافي الآلاء، حمد معترف بالقصور عن إدراك أقلّ مراتب الثناء، و صلّى اللّه على محمد عبده و رسوله، أفضل الأنبياء و أكرم الأصفياء و على آله السادة النجباء.

أمّا بعد:

فإنّ الإمام الهمام علّامة العلماء، و أستاذ الفقهاء، جمال الدين أبا منصور الحسن بن يوسف بن المطهّر غني عن التعريف و الإطراء، فقد سارت بذكره الركبان في حياته، فعطّروا كتبهم بذكره الجميل، و سطّرت أقلامهم له أنصع الصفحات.

و بما انّي بصدد التقديم لواحد من كتبه الفقهية، ممّا جاد به يراعه نقتصر في ترجمته على ذكر لمحة خاطفة عن حياته و سيرته، ثم نعطف عنان القلم إلى

6

الإشادة بما هو المقصود بالذات من هذا التقديم، فنقول:

ولد (قدّس سرّه) في شهر رمضان سنة 648 هفي بيت عريق في العلم و التقوى، أخذ عن والده الفقيه المتكلم سديد الدين يوسف بن المطهّر، و عن خاله شيخ الإمامية المحقّق الحلّي (602- 676 ه) الّذي كان له بمنزلة الأب الشفيق، فحظا باهتمامه و رعايته، و أخذ عنه الفقه و الأصول و سائر علوم الشريعة، و لازم الفيلسوف نصير الدين الطوسي (597- 673 ه) و اشتغل عليه في العلوم العقلية و مهر فيها، و قد برع و تقدّم في العلوم الإسلامية في مقتبل عمره على العلماء الفحول، و فرغ من تصنيفاته الحكمية و الكلامية قبل أن يكمل له 26 سنة.

يعرّفه معاصره ابن داود الحلّي، و يقول: شيخ الطائفة، و علّامة وقته، و صاحب التحقيق و التدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الإمامية إليه في المعقول و المنقول (1).

و عرّفه ابن حجر في لسان الميزان بقوله: عالم الشيعة و إمامهم و مصنّفهم، و كان آية في الذكاء و كان مشتهر الذكر، حسن الأخلاق (2).

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء في حقه التي لا مجال لذكر معشارها، و لنعطف عنان القلم إلى ما نحن بصدد بيانه:

قد قدّمت منذ زمن ليس ببعيد مقدّمة لأحد كتبه الكلامية ألا و هو كتاب «نهاية المرام في علم الكلام». و حينما سرحت النظر فيه ازداد إعجابي به، فأدركت انّي أمام بحر لجيٍّ بعيد الأغوار، لا يدرك ساحله، كيف، و هو في الكلام فارس

____________

(1). رجال ابن داود: 119 برقم 461.

(2). لسان الميزان: 2/ 17 برقم 1295.

7

حلبته، و خبير خباياه و عويصات مسائله، و حلّال عقده و غوامضه، فقد أورد في كل مسألة آراء الأوائل و الملّيين و الإسلاميين من الأشاعرة و المعتزلة و الإمامية و سائر الفرق و قارن بين المناهج الكلامية و حسم الموقف برأيه الصائب و عقله الثاقب، و قد تبلورت في هذا الكتاب شخصيته الكلامية و عقليته الفلسفية، فالكتاب عديم النظير بين سائر الموسوعات الكلامية في تبويب المواضيع و مقارنة الآراء، و القضاء الحاسم بينها، و عدم الحياد عن جادة الحق، و انصاف الخصم من نفسه و قد طبع و انتشر (1) في ثلاثة أجزاء ضخام.

و أمّا في الفقه و استنباط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية فواسطة عقده و مرتكز لوائه، و هو- بحق- ممّن لا يقف على ساحله أو يكتفي بظاهره، بل خاض غماره و اقتحم لجته فسبر أغواره و وقف على حقيقته.

و ها نحن الآن بصدد التقديم لكتاب فقهي له (قدّس سرّه) و هو كتاب «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» الّذي يصفه المؤلف في خلاصته بأنّه حسن جيد استخرجنا فيه فروعا لم نسبق إليها مع اختصاره. و قد حقّق الكتاب بتحقيق رائع يجاوب روح العصر، و هو على عتبة النشر.

و الكتاب واحد من مؤلفاته الكثيرة في الفقه، إذ له وراء ذلك موسوعات فقهية و كتب جامعة لعامة أبواب الفقه، منها:

1. تبصرة المتعلمين في أحكام الدين.

2. إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان.

3. قواعد الأحكام في مسائل الحلال و الحرام.

____________

(1). نشرته مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) في قم المشرّفة.

8

4. مختلف الشيعة في أحكام الشريعة.

5. تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء، و ذكر قواعد الفقهاء.

6. منتهى المطلب في تحقيق المذهب.

7. نهاية الأحكام في معرفة الاحكام.

إلى غير ذلك من الكتب أو الرسائل الفقهية التي خلّفها مضافا إلى ما ألّفه في مجال أصول الفقه بين مقتضب كتهذيب الأصول، إلى مسهب كنهاية الوصول إلى علم الأصول.

و من تمعّن في هذه الكتب يجد أمامه دورات فقهية و موسوعات ضخمة قلّما يتفق لأحد أن يقوم ببعضها.

و ثمة سؤال يطرح نفسه، و هو لما ذا قام العلّامة بهذا العبء الثقيل و ألّف كتبا فقهية مختلفة المنحى و المنهج أسفر عن اختلاف فتاواه و آرائه في كتاب بعد كتاب، فما هو السر وراء ذلك؟

و الإجابة على هذا رهن الوقوف على الغايات التي كانت وراء تأليف تلك الكتب.

فقد تكرر منه تأليف تلو تأليف في علم واحد لأجل غايات مختلفة

، و إليك دراسة هذه الكتب على وجه الإيجاز، لتعلم الغايات المتوخاة منها، و ربما يعرب أسماؤها عن الغرض المطلوب.

الأوّل: تبصرة المتعلمين:

هذا الكتاب دورة فقهية كاملة موجزة بدون شرح و استدلال طرح فيها

9

العلّامة آراءه الفقهية و فتاواه في جميع الأبواب.

يقول في مقدمته: وضعناها لإرشاد المبتدءين و إفادة الطالبين مستمدين من اللّه المعونة و التوفيق، فانّه أكرم المعطين، و أجود المسئولين، و نبدأ بالأهم فالأهم.

و الكتاب لو جازته و سلاسة ألفاظه صار موضع اهتمام الفقهاء منذ عصر مؤلفه إلى يومنا هذا و تولّوه بالشرح و التعليق، و قد كان في سالف الزمان كتابا دراسيا، و ذكر شيخنا المجيز في الذريعة ما يقارب 35 شرحا و تعليقا عليه، و من أحسن الشروح إيضاحا شرح استاذنا الكبير الشيخ محمد علي التبريزي المعروف بالمدرس، و قد طبع الجزء الأوّل منه و الجزء الثاني لم ير النور، عسى اللّه أن يشحذ الهمم بغية نشر الباقي.

الثاني: إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان:

و هي دورة فقهية كاملة غير استدلالية للفقه الإمامي من الطهارة إلى الديات، و يعد من الكتب الفقهية المعتمد عليها.

يعرفه مؤلفه في خلاصته بأنّه حسن الترتيب (1).

و قال شيخنا الطهراني: هو من أجل كتب الفقه و أعظمها عند الشيعة، و لذلك تلقّاها علماؤهم بالشرح و التعليق عبر القرون من عصر مؤلفه إلى يومنا هذا، و قد أحصى مجموع مسائله في خمس عشرة ألف مسألة، فرغ منه سنة 676 هأو 696. (2)

و الكتاب بالنسبة إلى ما سبقه أشبه بالمفصل إلى المجمل، فقد بسط القول

____________

(1). كما في أمل الأمل: 2/ 84، و لم ترد هذه الكلمة في الخلاصة المطبوعة.

(2). الذريعة: 13/ 73 و 1/ 510.

10

فيه أكثر مما ورد في الأوّل، ألّف الأوّل للمتعلمين المبتدءين ثم ألّف هذا لمن ارتقى مرتبة من العلم.

و قد ذكر شيخنا الطهراني في موسوعته أسماء 36 شرحا و تعليقة على الكتاب (1)، و أنهاها محقّق كتاب إرشاد الأذهان في تقديمه إلى 51 شرحا و تعليقة (2).

الثالث: قواعد الأحكام في مسائل الحلال و الحرام:

و هو من الكتب المتداولة المشهورة، و قد ذكر فيه من القواعد ما يناهز 660 قاعدة في الفقه، لخص فيه فتاواه و بيّن قواعد الأحكام، ألّفه بالتماس ولده فخر المحققين، و فرغ منه عام 693 هأو 692 ه (3).

و ذكره في خلاصته باسمه و لم يصفه بشيء. لكن وصفه في أوّله بقوله: هذا قواعد الأحكام في معرفة الحلال و الحرام لخصت فيه لب الفتاوى خاصة، و بيّنت فيه قواعد أحكام خاصة، إجابة لالتماس أحب الناس إليّ و أعزّهم عليّ، و هو الولد العزيز محمد الّذي أرجو من اللّه طول عمره بعدي و أن يوسدني في لحدي (4).

و في آخر الكتاب وصية قيّمة للعلّامة يوصي بها ولده بقوله:

اعلم يا بني أعانك اللّه تعالى على طاعته ... قد لخّصت لك في هذا الكتاب لب فتاوى الأحكام، و بيّنت لك قواعد شرائع الإسلام بألفاظ مختصرة و عبارات محرّرة، و أوضحت لك فيه نهج الرشاد و طريق السداد، و ذلك بعد ان بلغت من

____________

(1). الذريعة: 1/ 510 برقم 2509.

(2). إرشاد الأذهان: 185- 193، قسم المقدمة.

(3). الذريعة: 17/ 176 برقم 930.

(4). قواعد الأحكام: 2.

11

العمر، الخمسين و دخلت في عشرة الستين، و قد حكم سيد البرايا بأنّها مبدأ اعتراك المنايا ... (1).

و بما انّ العلّامة من مواليد عام 648 ه، فقد بلغ الخمسين عام 698 ه، و تجاوز عنه عام 699 أو 700 ه، و بذلك يعلم ان ما ذكره شيخنا المجيز من انّه ألّف القواعد عام 693 أو 692 هليس بتام.

و مما يجدر ذكره هو ان براعة العلّامة و نبوغه لم يتلخّص في الفقه و الأصول و الكلام، بل تعدّاها إلى علوم أخرى، كالرياضيات العالية التي تتجلّى مقدرته فيها بوضوح في كتابه هذا، و أخص بالذكر «كتاب الوقوف و العطايا، المطلب الثالث في الأحكام المتعلقة في الحساب»، فقد نجح إلى حد كبير في حل غوامض المسائل الرياضية الجبرية المعقدة.

و استغرقت بحوثه الرياضية أكثر من 50 صفحة بالقطع الرحلي.

و إذا عطفت النظر إلى كتاب الفرائض، فترى نظير تلك البحوث فيها.

فسبحان اللّه معطي المواهب و مفيض النعم.

ليس من اللّه بمستنكر * * *أن يجمع العالم في واحد

الرابع: مختلف الشيعة في أحكام الشريعة:

ذكره في الخلاصة و قال: ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة و حجة كل شخص و الترجيح لما يصير إليه (2).

____________

(1). قواعد الأحكام: 2/ 346.

(2). الخلاصة: 45.

12

و قال في مقدمته: إنّي لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين (رضوان اللّه عليهم)، و مقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافا في مسائل كثيرة متعددة، فأحببت إيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل إلينا من اختلافهم في الأحكام الشرعية، و المسائل الفقهية دون ما اتفقوا عليه، إذ جعلنا ذلك موكولا إلى كتابنا الكبير المسمى ب«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فانه مجمع بين مسائل الخلاف و الوفاق.

و من محاسن ذلك الكتاب انه إذا لم يجد للمخالف دليلا يحاول ان يلتمس دليلا له.

قال: ثم ان عثرنا في كل مسألة على دليل لصاحبها نقلناه و إلّا حصّلناه بالتفكّر و أثبتناه، ثم حكمنا بينهم على طريقة الإنصاف، متجنبي البغي و الاعتساف و وسمنا كتابنا هذا بمختلف الشيعة (1).

و الكتاب دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، و من مزاياه انّه حفظ آثار علمائنا السابقين، أمثال: ابن الجنيد، و ابن أبي عقيل، و الصدوق الأوّل و غيرهم و لولاه لاندثرت آثارهم.

و قد شرع في تأليفه قبل سنة 699 ه، و انتهى منه في الخامس عشر من ذي القعدة في ثمان و سبعمائة، أي قبل وفاته بثمانية عشر سنة.

و من فوائد هذا الكتاب العلم بالمسائل الخلافية و تميزها عن المجمع عليها، فربما يدعى الإجماع في مسألة، و لها مخالف أو مخالفان يعلم من الرجوع إلى ذلك الكتاب.

____________

(1). مختلف الشيعة: 1/ 173.

13

الخامس: تذكرة الفقهاء على تلخيص فتاوى العلماء و ذكر قواعد الفقهاء:

و هي موسوعة فقهية استدلالية كبيرة يذكر فيها أقوال الفقهاء من الشيعة و السنة، و يذكر دليل كل قول و يناقشه، و ربما يحاول ان يذكر للمخالف دليلا من جانبه ثم يجيب عنه، و هو تراث علمي قيم.

و إليك بعض ميزاته

أ- أثبت في تأليفه هذا انّ الفقه الإمامي الذي يرفض العمل بالقياس و الاستحسان قادر على الإجابة على المسائل الفقهية عامة مستمدا من الأدلّة الأربعة: الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و العقل.

يقول العلّامة في مقدمة الكتاب: و قد عزمنا على تلخيص فتاوى العلماء و ذكر قواعد الفقهاء على أحق الطرائق و أوثقها برهانا و أصدق الأقاويل و أوضحها بيانا، و هي طريقة الإمامية الآخذين دينهم من الوحي و العلم الرباني، لا بالرأي و القياس، و لا باجتهاد الناس، على سبيل الإيجاز و الاختصار و ترك الإطالة و الإكثار.

ب- انّه يقارن الأقوال بعضها ببعض و يحاكم بينها باسلوب متين، و يشير إلى ذلك في مقدمة الكتاب بقوله: أشرنا في كل مسألة إلى الخلاف، و اعتمدنا في المحاكمة بينهم طريق الإنصاف. (1)

ج- انّه ألّف بصورة الفقه المقارن، و المراد منه جمع الآراء الفقهية المختلفة و تقييمها و الموازنة بينها بالتماس أدلّتها و ترجيح بعضها على بعض، و هذا هو

____________

(1). التذكرة: 1/ 3 و 4.

14

المسمّى عند القدماء بعلم الخلاف.

فالمؤلف في هذا الصدد يجعل نفسه مسئولا عن فحص جميع الأدلّة و القضاء بينها و اختيار أتقنها و أوثقها بالقواعد و هو ليس أمرا سهلا، و للفقه المقارن فوائد جمة يذكرها السيد محمد تقي الحكيم حيث يقول:

أ- محاولة البلوغ إلى واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقه و أسلمها، و هي لا تتضح عادة إلّا بعد عرض مختلف و جهات النظر فيها و تقييمها على أساس موضوعي.

ب- العمل على تطوير الدراسات الفقهية و الأصولية و الاستفادة من نتائج التلاقح الفكري في أوسع نطاق لتحقيق هذا الهدف.

ج- ثماره في إشاعة الروح الرياضية بين الباحثين، و محاولة القضاء على مختلف النزعات العاطفية و إبعادها عن مجالات البحث العلمي.

د- تقريب شقة الخلاف بين المسلمين، و الحد من تأثير العوامل المفرّقة التي كان من أهمها و أقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس و ركائز البعض الآخر، ممّا ترك المجال مفتوحا أمام تسرّب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم و التقوّل عليهم بما لا يؤمنون به. (1)

و الموجود بين أيدينا من الكتاب ينتهي إلى أواخر كتاب النكاح، إلّا أنّ ثمة شواهد تشير إلى أنّ المؤلف انتهى في كتابته إلى أكثر من ذلك:

أوّلا: إنّ ولده فخر المحقّقين يقول في كتابه «إيضاح الفوائد في شرح القواعد»

____________

(1). الأصول العامة للفقه المقارن: 10.

15

في آخر شرحه لإرث الزوج: قد حقّق والدي هذه المسألة و أقوالها و أدلّتها في كتاب التذكرة (1).

و ثانيا: انّه فرغ من كتاب النكاح سنة 720 هبالحلة، فقد عاش بعده حوالي ست سنين، و من البعيد ان يهمل إنهاء ذلك الكتاب الّذي يعد من ثمرات عمره اليانعة (2).

و في الختام أود أن أشير إلى ما جاء في مجلة رسالة الإسلام لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة حول هذا الكتاب و الإشادة به حيث يقول:

من ذخائر الفكر الإسلامي كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ العلّامة الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي، هذا كتاب من أنفس كتب الفقه الاستدلالي المقارن، و قد جرت عادة المؤلّفين في الفقه المقارن من علماء السنة أن يعرضوا للمذاهب الأربعة متحدّثين عن آراء علمائها، و عن أدلّتهم دون أن يخرجوا عن نطاقها فيعرضوا للمذاهب الأخرى لا سيما مذهب الشيعة الإمامية.

و قد أوحى ذلك إلى كثير من طلاب العلم و أساتذة الفقه بمعنى فيه ظلم كثير للفقه الإمامي، و هو ان هذا الفقه ليس كفقه السنة استيعابا و استنباطا و دقة نظر، و انّه لا يستند إلى أدلّة يمكن مناقشتها و مقارنتها.

و لما اتسع نطاق الفقه المقارن في كلية الشريعة و أصبح حتما على الأساتذة و الطلاب ان يعرفوا رأي الإمامية في مسائل المقارنة و ان يوازنوا بين أدلّتهم و أدلّة غيرهم من أهل المذاهب الفقهية، كانوا يجدون كثيرا من الصعوبات في الرجوع

____________

(1). إيضاح الفوائد: 4/ 242.

(2). لاحظ الذريعة: 4/ 43.

16

إلى مصادر هذا الفقه الإمامي، و إذا عثروا على مرجع من هذه المراجع وجدوه مطبوعا طبعا حجريا على نحو غير مألوف عندنا في مصر، فلم يستطيعوا الإفادة منه على الوجه الذي ينبغي.

إلى أن قال: و كنت أعرف كتاب تذكرة الفقهاء للشيخ الحلّي و هو المعروف بالشيخ العلّامة، و له مؤلّفات كثيرة غير هذا المؤلّف، و لكن تذكرة الفقهاء بين أيدينا، و لكنه رهين محبسين: محبس من عدم معرفة علماء السنة به و عدم اطّلاعهم عليه إلّا قليلا منهم، و محبس من هذه الطبعة الحجرية الضيقة التي تجعله بعيدا عن متناول الذين يهتمون بالفقه و دراسته و أصوله المحررة.

و لذلك تمنيت لو انّ هذا الكتاب طبع طبعة حديثة حتّى يمكن لعلماء الأزهر و غيرهم أن يقرؤه، اذا لوجدوا فيه علما غزيرا، و خيرا كثيرا، و لاستطاعوا ان يملئوا جو المقارنة الفقهية بما يذكره من آراء و أدلة، و لعرفوا انّ هناك فقها لا يقل في مستواه العلمي و الفكري عن فقههم، و لما بقي في بعضهم أثر من الرغبة عن هذا الفقه استهانة به أو تعصبا عليه.

ثم إنّ صاحب المقال أخذ شيئا من كتاب النكاح فطبعه في آخر مقاله، يبلغ عدد صفحاته قرابة 31 صفحة، و بذلك حاول أن يلفت نظر الفقهاء في الأزهر و غيره إلى هذا الكتاب الثمين و ما فيه من مادة فقهية قلّما يتفق في غيره (1).

و نحن نزفّ البشرى إلى صاحب المقال، و هي انّ الكتاب قد طبع طبعة أنيقة رشيقة محققة مع تخريج مصادر الروايات و الأقوال بشكل مثير للإعجاب، و قد قام بهذا العبء الثقيل مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، و قد خرج منه

____________

(1). مجلة رسالة اسلام: العدد 51 و 52، المؤرخة عام 1382 ه.

17

لحد الآن ثمانية أجزاء و الباقي قيد الطبع.

و الحق انّ أغلب التراث الفقهي للشيعة الإمامية رهين محبسين: عدم اطّلاع علماء السنة عليه، و رداءة طبعه بل لم يزل الكثير منها مخبوءا لم ير النور.

السادس: منتهى المطلب في تحقيق المذهب:

و هو كتاب ضخم يتسم بطابعين: «الاستدلال» و «المقارنة» و هو نظير «التذكرة» و لكن اوسع و أشمل منه، و لذلك يصفه العلّامة في بعض الموارد بقوله ينتهي بانتهاء عمرنا.

و يصفه في الخلاصة: بقوله: لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، رجحنا ما نعتقده، بعد إبطال حجج من خالفنا فيه، يتم ان شاء اللّه تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ، و هو شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و تسعين و ستمائة سبع مجلدات (1).

و يصفه في مقدمة الكتاب بقوله: أحببنا أن نكتب دستورا في هذا الفن (الفقه) يحتوي على مقاصده، و يشتمل على فوائده على وجه الإيجاز و الاختصار، مجتنبين الإطالة و الإكثار مع ذكر الخلاف الواقع بين أصحابنا، و الإشارة إلى مذاهب المخالفين المشهورين، مع ذكر ما يمكن ان يكون حجة لكل فريق على وجه التحقيق، و قد وسمناه ب«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» و نرجو من لطف اللّه تعالى أن يكون هذا الكتاب بعد التوفيق لإكماله أنفع من غيره (2).

و على ضوء ذلك فقد حاز العلّامة الحلّي قصب السبق على غيره في تطوير

____________

(1). الخلاصة: 45.

(2). منتهى المطلب: 4.

18

الفقه المقارن، فتارة ألّف كتابا لبيان الخلافات في الفقه الإمامي و قارن الأقوال بعضها ببعض مثل المختلف، و أخرى لبيان الخلافات بين المذاهب الإسلامية سنّية و شيعية، بين مقتضب كالتذكرة، و مسهب كالمنتهى.

و هذا النوع من الفقه المقارن من خصائصه و لم يسبقه أحد قبله.

نعم، قام غير واحد من مشايخ الشيعة بتصنيف كتب في الفقه المقارن على النمط الثاني كالانتصار للسيد المرتضى (355- 436 ه) و الخلاف للشيخ الطوسي (385- 460 ه) و الكتاب يعدّ من ذخائر التراث الفقهي الإسلامي، و قد طبع في جزءين كبيرين بالطبعة الحجرية ينتهي الجزء الأوّل إلى آخر الصلاة، و الجزء الثاني إلى آخر الحج.

و قال في إجازته للسيد مهنا بن سنان بن عبد الوهاب الإمامي المدني قاضي المدينة المتوفّى عام 754 ه، قال: كتاب منتهى المطلب خرج منه العبادات سبع مجلدات (1).

إنّه (قدّس سرّه) يشير إلى الفرق بين التذكرة و المنتهى في نهاية كتاب تحرير الأحكام الذي سيأتي الكلام فيه.

يقول في نهاية هذا الكتاب: «هذا آخر ما أفدناه في هذا الكتاب، و هو قيّم يعرض طالب التوسط في هذا الفن، و من أراد الإطالة فعليه بكتابنا الموسوم ب«تذكرة الفقهاء» الجامع لأصول المسائل و فروعها مع إشارة وجيزة إلى وجوهها و ذكر الخلاف الواقع بين العلماء و إيراد ما بلغنا من كلام الفضلاء.

____________

(1). أجوبة المسائل المهنائية: 155؛ البحار: 104/ 147.

19

و من أراد الغاية و قصد النهاية فعليه بكتابنا الموسوم ب«منتهى المطلب في تحقيق المذهب «و اللّه الموفق للصواب منه المبدأ و إليه المعاد» (1).

و قد قام بتحقيقه و إخراجه في حلة قشيبة قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية بمشهد الرضا (عليه السلام) و خرج منه إلى الآن خمسة أجزاء.

السابع: نهاية الإحكام في معرفة الأحكام:

كتاب يحتوي على جلّ المسائل الفرعية الفقهية مع الإشارة إلى الدلائل بعبارة موجزة.

يعرّفه العلّامة في مقدمة الكتاب بقوله: لخصت فيه فتاوى الإمامية على وجه الإيجاز و أشرت فيه إلى العلل مع حذف الإطالة و الإكثار.

و خرج منه كتاب: الطهارة، الصلاة، الزكاة، البيع إلى آخر الصرف.

و قد فرغ من كتاب الصلاة في شهر شعبان من شهور سنة 705 هو قد طبع في جزءين بتحقيق السيد مهدي الرجائي (حفظه اللّه) و هو ممّن وقف عمره في إحياء التراث و نشر مآثر الشيعة.

و الفرق بينها و بين التحرير طفيف جدا، فالإشارة إلى الدليل فيه أكثر من التحرير لكن الثاني يفوق عليه بجودة الترتيب و التخريج. و اشتماله على تمام الكتب الفقهيّة.

____________

(1). تحرير الأحكام: 2/ 281- الطبعة الحجريّة-.

20

الثامن: تحرير الأحكام:

و ها نحن الآن بصدد استعراض كتاب فقهي آخر و هو كتاب تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الامامية.

و قد عرّفه العلّامة في مقدمة الكتاب بقوله: جمعنا فيه معظم المسائل الفقهية و أوردنا فيه أكثر المطالب الشرعية الفرعية من غير تطويل بذكر حجة و دليل، إذ جعلنا ذلك موكولا إلى كتابنا الموسوم ب«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فانّه قد شمل المسائل أصولها و فروعها و ذكر الخلاف الواقع بين المسلمين إلّا ما شذ، و استدلال كل فريق على مذهبه مع تصحيح الحق و إبطال الباطل و انّما اقتصرنا في هذا الكتاب على مجرد الفتاوى لا غير (1).

و عرّفه في الخلاصة بقوله: حسن جيد، استخرجنا فيه فروعا لم نسبق إليها مع اختصاره (2).

و قال شيخنا المجيز: اقتصر فيه على مجرد الفتوى و ترك الاستدلال، لكنه استوعب الفروع و الجزئيات حتّى أنّه أحصيت مسائله فبلغت أربعين ألف مسألة (3) رتّبها على ترتيب كتب الفقه في أربع قواعد: العبادات، و المعاملات، و الإيقاعات، و الأحكام؛ باديا بمقدمة ذات مباحث في معنى الفقه و فضله و آدابه و معرفته و عدم كتمانه. ثم ذكر النسخ الموجودة منه في المكتبات. (4)

____________

(1). تحرير الأحكام: 1/ 2.

(2). الخلاصة: 45 برقم 52.

(3). و لعل المراد هي الفروع لا المسائل، لان الأولى تقارب هذا المقدار دون الثانية.

(4). الذريعة: 3/ 378.

21

عصر التخريج و التفريع:

لقد تألّق نجم المذاهب الأربعة منذ منتصف القرن الرابع، فسرت روح التقليد للأئمة الأربعة سريانا عاما اشترك فيه العلماء و جمهور الناس.

لقد تلقّى الجمهور تلك المذاهب تراثا إسلاميا بلغ من القداسة كأنّها وحي من اللّه لا يمكن النقاش فيها و لا يجوز الخروج عن إطارها، فأصبحت نصوص الأئمة الأربعة كالوحي المنزل يجب استفراغ الوسع في فهم كلامهم و مؤدّى لفظهم، و قد خلّف ذلك مضاعفات حالت دون تكامل الفقه، منها:

أ- نشوء روح التقليد بين فقهاء تلك الأعصار و التعصّب لمذهب الأسلاف.

ب- كثرة التخريج و التفريع و الترجيح بين فقهاء المذاهب، فانّهم بدل أن يبذلوا جهودهم في فهم الكتاب و السنّة، انصبت جهودهم في استنباط الفروع من الأصول الثابتة عند أئمة المذاهب، و لأجل ذلك كثر التأليف و التصنيف في هذه العصور و أكثرها يحمل طابع التخريج و التفريع.

انّ باب الاجتهاد و ان اقفل في هذه الفترة لكن نشط الاجتهاد في إطار مذهب معين. فلذلك بدأ التخريج و التفريع في مسائل كثيرة فلم يكن لأئمتهم فيها نص، و بذلك ألفت كتب في هذا المضمار، أي استنتاج الفروع من الأصول و ما لا نص فيه من أئمتهم عما فيه نص منهم.

و هذا نوع من الاجتهاد المحدّد بمذهب خاص، و قد نشأ العلّامة في هذه الأجواء التي تطلب لنفسها التخريج و التفريع، فشمّر عن ساعد الجد و ألّف كتاب «تحرير الأحكام الشرعيّة» لتلك الغاية، و لو صح ما نقله شيخنا المجيز عن بلوغ

22

مسائله إلى أربعين ألف، فقد تحمل عبئا ثقيلا في جمع تلك الفروع في الأبواب الفقهية المختلفة و عرضها على الأدلّة و استخراج حكمها منها و ليست تلك المحاولة جديدة من نوعها، فقد سبقه فيها الشيخ الطوسي بتأليفه كتاب «المبسوط» و كانت الغاية من تأليفه هو الإجابة على الفروع التي لا نص فيها مستخرجا أحكامها مما نص فيه، يقول:

فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقّه و المنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية و يستنزرونه و ينسبونهم إلى قلّة الفروع و قلّة المسائل، و انّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل و لا التفريع على الأصول، لأنّ جلّ ذلك مأخوذ من هذين الطريقين.

ثم ردّ على وجهة النظر تلك بقوله: إنّ جلّ ما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا و منصوص عليه تلويحا عن أئمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إمّا خصوصا أو عموما أو تصريحا أو تلويحا (1).

و التخريج في الفقه الإمامي يختلف عن التخريج في فقه المذاهب الأربعة، فإنّ التخريج هناك على ضوء النصوص الموروثة عن أئمتهم التي لا تتجاوز عن كونها فتاوى فقهية لهم مستنبطة غالبا من الأساليب الظنية.

و أمّا التخريج في الفقه الإمامي فهو تابع لضوابط معينة، إذ يستخرج حكم الفروع من الأصول المنصوصة إمّا خصوصا أو عموما أو تصريحا أو تلويحا كما صرّح به الشيخ.

فالاجتهاد عند السنّة في هذا المجال، اجتهاد شخصي في فهم كلام إمام

____________

(1). المبسوط: 1/ 2.

23

المذهب، و لكن الاجتهاد في الفقه الإمامي اجتهاد في فهم النصوص الشرعية الواردة من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و آله المعصومين الذين تجري أقوالهم مجرى قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لحديث الثقلين.

هذه هي الكتب الفقهية الثمانية المعروفة للعلّامة الحلّي المنتشرة على نطاق واسع، و له كتب فقهية أخرى غير مشهورة، و انّ قسما منها لم ير النور.

مشكلة الاختلاف في آرائه:

من استعرض فتاوى العلّامة الحلّي في كتبه الفقهية ربما يقف على آراء مختلفة له في مسألة واحدة في مختلف الكتب، و قد أثارت هذه المسألة العديد من التساؤلات.

فربما يفسر اختلاف فتاواه بحرصه على التأليف و استعجاله في التصنيف، و انّه كان يكتب كل ما يرتسم في ذهنه بلا مراجعة إلى أقواله المتقدمة، أو انّه كان لا يفحص في الأحاديث و الأدلّة حق الفحص. فبدا له التجدّد في الرأي و التلوّن في الاجتهاد (1).

و قريب منه ما ذكره المحدّث البحراني في لؤلؤة البحرين (2).

و ربما يجاب عن الإشكال:

بأنّ فتاوى العلّامة كانت في متناول فقهاء عصره الذين بلغ عددهم في الحلّة إلى 440 مجتهدا (3).

____________

(1). لاحظ تنقيح المقال: 1/ 315، نقله عن السماهيجي.

(2). لؤلؤة البحرين: 226.

(3). رياض العلماء: 1/ 361، قال: و من الغرائب ما نقل انّه كان في الحلّة في عصر العلّامة أو غيره 400 مجتهدا و أربعين.

24

فقد كانت تنهال عليه مناقشات العلماء و المجتهدين فيما أفتى به و ذهب إليه فكان رضى اللّه عنه ينظر فيها و يبحثها معهم، فإن لم يقتنع بها ردّها، و إن رآها سديدة قبلها برحابة صدر، و غيّر فتواه (1).

و هذا النوع من الدفاع و إن كان صحيحا إجمالا و لا يختص هذا بالعلّامة و عصره، فانّ تغيير الفتاوى لأجل مناقشات المعاصرين ليس أمرا جديدا، لكن تبرير هذا النوع من الاختلاف الشاسع عن هذا الطريق غير كاف، إذ لو كان هذا هو السبب الرئيسي لأشار إليه العلّامة في طيات كتبه، و انّه رجع عمّا كان يراه فيما سبق لأجل هذه المناقشة، و لكن صياغة كتبه تأبى عن ذلك التبرير فيجب التماس وجه آخر.

و هو انّ العلّامة الحلّي قد عاش في عصر ازدهرت فيه عملية التخريج و التفريع، و كانت له صلة وثيقة بفقهاء كلا الفريقين طوال ستين سنة، و كان ذا ذكاء خارق و ذهن ثاقب، و آية في الدقة و التحقيق، فمثل هذا الفقيه الذي هو في خضمّ الاحتكاكات الفقهية من جانب و كثرة أسفاره و لقائه بعلماء كلا الفريقين أتاح له الفرصة في خلق أفكار فقهية جديدة حسب ما يوحي إليه فهمه الخلاق، و ليس هذا بعزيز.

فهذا هو محمد بن إدريس الشافعي (150- 204 ه) قد خلف فتاوى قديمة و فتاوى جديدة، فلما غادر من الحجاز إلى العراق و مكث فيه سنين طوال كانت له آراء، فلما هبط مصر بدت له فتاوى أخرى غير تلك الفتاوى القديمة، و صارت معروفة بالفتاوى الجديدة.

فمثير هذه الشبه انطلق من جمود فكري و عدم معرفة كاملة بواقع الفقه، و لو

____________

(1). إرشاد الأذهان: 160، قسم المقدمة.

25

كان من فرسان هذه الحلبة لسهل له هذا الأمر و لم ينقم على العلّامة كثرة فتاواه.

إلى هنا تم ما كنّا نرمي إليه من التقديم:

و قد آن لنا تثمين جهود محقّق الكتاب اعني العلّامة «الشيخ إبراهيم البهادري» على ما بذله من جهود مضنية في تقويم نص الكتاب و استخراج مراجع الأقوال و مصادر الروايات بأمانة و دقة كما هو دأبه في تحقيقاته السابقة التي أثرى بها المكتبة الإسلامية من خلال إحياء التراث الإسلامي، و قد صدر له تحقيق الكتب التالية:

1. الاحتجاج: لشيخنا أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي.

2. إصباح الشيعة: للفقيه الأقدم قطب الدين البيهقي الكيدري.

3. إشارة السبق: تأليف الشيخ علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل، المعروف بالحلبي.

4. جواهر الفقه: للقاضي ابن البراج.

5. الرسائل الاعتقادية: للشيخ الطوسي.

6. عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار علي بن أبي طالب (عليه السلام):

لابن البطريق.

7. غنية النزوع إلى علمي الأصول و الفروع: لابن زهرة الحلبي في جزءين.

8. المسائل الميافارقية: للسيد الشريف المرتضى.

مضافا إلى هذا الكتاب الماثل بين يديك و الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء

26

الكرام، و الكتاب بإذنه سبحانه يخرج في ستة أجزاء، و يأتي في نهاية الجزء السادس فهرس الآيات و الروايات و الأعلام و الأماكن ... و ها نحن نحيل عنان القلم إلى المحقّق كي يوضح لنا منهجية التحقيق و كيفيته.

منهج التحقيق:

1. قد قمنا بتقويم النص و تصحيحه بمقابلة الكتاب على نسختين: إحداهما مطبوعة، و الأخرى مخطوطة.

أمّا المطبوعة فهي النسخة الرائجة التي طبعت عام 1314 هق في جزءين و طبعت في مجلد واحد، و هي نسخة كاملة و رمزنا إليها بحرف «أ».

و أمّا المخطوطة فهي النسخة الموجودة في مكتبة السيد المرعشي العامة و الظاهر انّ النسخة استنسخت عن خط المؤلف كما استظهره المحقّق السيد الاشكوري (حفظه اللّه). و حكى الكاتب في الصفحة الأولى إجازة العلّامة لجمال الدين مظفر بن منصور المخلص الأنباري.

تقع النسخة في 431 صفحة في 29 سطرا، طولها 23 سم و عرضها 15 سم.

و هي نسخة كاملة مصححة. و رمزنا إليها بحرف «ب». و أثبتنا ما هو الصحيح و لم نذكر من اختلاف النسختين إلّا المهمّ. و قد سجّلت خصوصيات النسخة في فهرس المكتبة.

2. لم نقتصر في تقويم النص على النسختين، بل رجعنا إلى التذكرة و المنتهى للمؤلّف، فإنّ مادة الكتاب تستقي من هذين الكتابين في أكثر المواضع، كما رجعنا

27

إلى الخلاف و المبسوط للشيخ الطوسي، و إلى المغني لابن قدامة و غيرها.

3. تخريج الآيات و الروايات و الأقوال المنقولة من المصادر الأصلية.

4. تفسير اللغات المشكلة و إيضاح المراد من العبارة فيما احتاج إليه.

5. تبديل الترتيب الأبجدي للمسائل التي وضعها المؤلف بالترتيب العددي لسهولته، و هذا النوع من التصرف قد حدت الضرورة إليه لأجل عدم استيناس الجيل الحاضر به.

كما لا يفوتني أن أعبر عن شكري و امتناني الجزيل إلى سماحة آية اللّه جعفر السبحاني لما هيّأ لي من أسباب التحقيق كما هو دأبه مع أكثر المحققين في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، و قد أشرف على عملي و تحقيقي و أفادني في هذا المضمار.

هذا كلام محققنا، فهاك نسخة صحيحة لا تجد فيها أمتا و لا عوجا، و هي حصيلة جهود سنين طوال.

فها نحن نثمن الجهود التي بذلها شيخنا المحقّق في إحياء هذا السفر الجليل الذي كان رهين محبس رداءة الطبعة التي كانت تعيق مطالعته و مدارسته في أحيان كثيرة، فحيا اللّه شيخنا المحقّق و بيّاه و جعله خادما لفقه آل البيت (عليهم السلام) طيلة عمره، و جزاه اللّه في الدنيا و الآخرة خير الجزاء و أدام عمره بفضل منه.

جعفر السبحاني

قم المشرّفة

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

ِ الحمد للّه المتقدّس بكماله عن مشابهة المخلوقات، المتنزّه بعلوّه عن مشاركة الممكنات، القادر على إيجاد الموجودات، العالم بكل المعلومات، المتفرّد بوجوب الوجود في ذاته، المتوحّد بالاستغناء عن غيره في ماهيّته و صفاته، المنعم على عباده بإرسال الأنبياء لتعليم الشرائع و الأديان، المكمّل إنعامه بالتكليف الباقي ببقاء نوع الإنسان، ليرتقي بطاعته إلى أعلى الدرجات، و لينال بامتثال أوامره ما أعدّ له من الحسنات.

و صلّى اللّه على أشرف البشر محمد المشفع في يوم المحشر (1)، و على آله الأبرار، صلاة تتعاقب عليهم تعاقب الأعصار.

أمّا بعد: فانّ هذا الكتاب الموسوم ب«تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية»، قد جمعنا فيه معظم المسائل الفقهيّة، و أوردنا فيه أكثر المطالب

____________

(1). في «ب»: في المحشر.

30

التكليفية الشرعيّة الفرعيّة، من غير تطويل بذكر حجّة و دليل، إذ جعلنا ذلك موكولا إلى كتابنا الموسوم ب«منتهى المطلب في تحقيق المذهب» فانّه قد شمل المسائل أصولها و فروعها، و ذكر الخلاف الواقع بين المسلمين- إلّا ما شذّ- و استدلال كل فريق على مذهبه مع تصحيح الحقّ و إبطال الباطل.

و انّما اقتصرنا في هذا الكتاب على مجرّد الفتاوى لا غير، مستعينين باللّه تعالى فانّه الموفّق لكلّ خير، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و رتّبناه على مقدمة و قواعد.

31

أمّا المقدّمة

ففيها مباحث:

(1) 1. الأوّل: الفقه لغة الفهم. و اصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة،

المستدلّ على أعيانها، بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة، فخرج العلم بالذوات و الأحكام العقلية (و النقلية) (2) و التقليديّة و علم واجب الوجود و الملائكة و أصول الشريعة.

و لا يرد إطلاق الفقيه على العالم بالبعض، و كون الفقه مظنونا، لأنّ المراد بالعلم الاستعداد التام المستند إلى أصول معلومة، و ظنّيّة الطريق لا تنافي علميّة الحكم.

2. الثاني: ثبت في علم الكلام وجوب التكليف،

و لا يتمّ الامتثال إلّا بمعرفة الأحكام الشرعية الحاصلة بالفقه، فيجب العلم به، و السمع (3).

و وجوبه على الكفاية، عملا بالآية (4).

____________

(1). في «أ»: ففيها أبحاث.

(2). ما بين القوسين موجود في «أ».

(3). في «ب»: «و للسمع» و الصحيح «أو السمع» بمعنى انّه يجب تحصيل العلم أو الدليل السمعي على التكليف.

(4). إشارة إلى قوله تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122).

32

و مرتبته بعد علم الكلام و اللغة و النحو و التصريف و الأصول.

و فائدته نيل السعادة الأخرويّة، و تعليم العامة نظام المعاش (1) في المنافع الدنيويّة.

و موضوعه أفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء أو التخيير.

و مباديه من الكلام و الأصول و اللغة و النحو و القرآن و السنّة.

و مسائله المطالب المستدلّ عليها فيه.

3. الثالث: في فضيلته

و هو معلوم بالضرورة، قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (2) و قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (3).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «يا علي نوم العالم أفضل من عبادة العابد، يا علي ركعتين يصلّيهما العالم أفضل من ألف ركعة يصلّيها العابد» (4).

«يا علي لا فقر أشدّ من الجهل، و لا عبادة مثل التفكر» (5).

و عن الصادق (عليه السلام) انّه قال: «إذا كان يوم القيامة جمع اللّه النّاس في صعيد واحد، و وضعت الموازين، فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» (6).

____________

(1). في «أ»: و نظام المعاش.

(2). الزمر: 9.

(3). فاطر: 28.

(4). الفقيه: 4/ 265 و 266.

(5). الفقيه: 4/ 269 و 270.

(6). الفقيه: 4/ 284.

33

و قال (عليه السلام): «العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير من الطريق إلّا بعدا» (1).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «الأنبياء قادة، و العلماء سادة، و مجالستهم عبادة» (2).

و قال: «النظر إلى وجه العالم عبادة» (3).

و قال: «اللّهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول اللّه! و من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي و سنتي (4)، و من أكرم فقيها مسلما لقى اللّه يوم القيامة و هو عنه راض» (5).

الفصل الأوّل (6) و يحرم كتمان العلم و الفقه،

قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ (7).

و قال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا

____________

(1). الفقيه: 4/ 287.

(2). عوالي اللآلي: 4/ 73؛ بحار الأنوار: 1/ 201، الحديث 9.

(3). الفقيه: 2/ 205، الحديث 2144؛ وسائل الشيعة: 8/ 621.

(4). الفقيه: 4/ 302.

(5). بحار الأنوار: 2/ 44.

(6). تعريف الفصول و ترقيمها فيما اذا تجاوزت فصلا واحدا منّا.

(7). البقرة: 159.

34

أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النّارَ (1).

و قال (عليه السلام): «من كتم علما ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار» (2).

و قال (عليه السلام): «إذا ظهرت البدع في أمّتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (3).

الفصل الثاني [رواية زين العابدين (عليه السلام) في حق العالم]

و روي عن زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «حقّ العالم التعظيم له، و التوقير لمجلسه، و حسن الاستماع إليه، و الإقبال عليه، و ان لا ترفع عليه صوتك، و لا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتّى يكون هو الّذي يجيب، و لا تحدّث في مجلسه أحدا، و لا تغتاب عنده أحدا، و أن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء، و ان تستر عيوبه، و تظهر مناقبه، و لا تجالس له عدوّا، و لا تعادي له وليّا، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة اللّه بأنّك قصدته، و تعلّمت علمه للّه جل اسمه، لا للناس.

و أمّا حقّ رعيتك بالعلم، بأن تعلم أنّ اللّه عزّ و علا انّما جعلك قيّما لهم فيما أتاك من العلم، و فتح لك من خزائنه، فإن أحسنت في تعليم الناس، و لم تخرق بهم و لم تضجر عليهم، زادك اللّه من فضله، و إن أنت منعت الناس علمك، أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك، كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن يسلبك العلم و بهاءه، و يسقط من القلوب محلّك». (4)

____________

(1). البقرة: 174.

(2). بحار الأنوار: 2/ 78.

(3). الكافي: 1/ 54 باب البدع و الرأي و المقاييس، الحديث 2.

(4). الفقيه: 2/ 620؛ وسائل الشيعة: 11/ 134؛ الخصال: 567؛ تحف العقول: 260.

35

الفصل الثالث [في استحباب طلب العلم و وجوبه كفاية]

و يستحب طلب العلم، و يجب على الكفاية، لقوله (عليه السلام): «طلب العلم فريضة» (1).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «طلب العلم فريضة على كل مسلم ألا إنّ اللّه يحب بغاة العلم» (2).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا خير في العيش إلّا لرجلين: عالم مطاع أو مستمع واع» (3).

و قال (عليه السلام): «من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك اللّه به طريقا إلى الجنة، و انّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به، و انّه يستغفر لطالب العلم من في السماوات (4) و من في الأرض حتى الحوت في البحر، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، و انّ العلماء ورثة الأنبياء، لأنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر» (5).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «نعم وزير الإيمان العلم، و نعم وزير العلم الحلم، و نعم وزير الحلم الرفق، و نعم وزير الرفق العزة» (6).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «طالب العلم يستغفر له حيتان البحر و طيور الهواء» (7).

____________

(1). الكافي: 1/ 30، باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحث عليه، الحديث 2.

(2). الكافي: 1/ 30، باب فرض العلم و وجوب طلبه و الحث عليه، الحديث 1.

(3). الكافي: 1/ 33، باب صفة العلم و فضله و فضل العلماء، الحديث 7.

(4). في المصدر: من في السماء.

(5). الكافي: 1/ 34، باب ثواب العالم و المتعلم، الحديث 1؛ و بحار الأنوار: 1/ 164، الحديث 2.

(6). الكافي: 1/ 48، باب النوادر، الحديث 3 و فيه: نعم وزير الرفق الصبر.

(7). بحار الأنوار: 1/ 172.

36

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبّا لهم و لا تكن الخامس فتهلك» (1).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من خرج من بيته يلتمس بابا من العلم لينتفع قلبه و يعلمه غيره، كتب اللّه له بكل خطوة عبادة ألف سنة صيامها و قيامها، و حفّته الملائكة بأجنحتها، و صلّى عليه طيور السماء و حيتان البحر و دوابّ البرّ، و أنزله اللّه بمنزلة سبعين صدّيقا، و كان خيرا له ان لو كانت الدنيا كلها له، فجعلها في الآخرة» (2).

الفصل الرابع [في حرمة الإفتاء بغير علم]

يحرم الإفتاء بغير علم، و كذا الحكم، قال تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* (3).

قال تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (4).

و قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (5).

و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من عمل بالمقاييس فقد هلك و أهلك، و من أفتى الناس و هو لا يعلم الناسخ من المنسوخ و المحكم من المتشابه فقد هلك و أهلك» (6).

____________

(1). الكافي: 1/ 34، الحديث 3.

(2). بحار الأنوار: 1/ 177.

(3). البقرة: 169؛ الأعراف: 33.

(4). الإسراء: 36.

(5). المائدة: 44.

(6). الكافي: 1/ 43، باب النهي عن القول بغير علم، الحديث 9.

37

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح» (1).

الفصل الخامس [في وجوب عمل العالم بعلمه]

و يجب على العالم العمل، كما يجب على غيره، لكنّه في حقّ العالم آكد، و لهذا جعل اللّه ثواب المطيعات و عقاب العاصيات من نساء النبي (عليه السلام) ضعف ما جعل لغيرهن (2) لقربهن من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و استفادتهن العلم.

و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه حدث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناج، و رجل تارك لعلمه فهذا هالك، و انّ أهل النار ليتأذّون من ريح العالم التارك لعلمه، و انّ أشد أهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا إلى اللّه سبحانه فاستجاب له، و قبل منه فأطاع اللّه، فأدخله الجنة، و أدخل الداعي إلى النار بتركه علمه» (3).

و قال (عليه السلام): «انّ أخوف ما أخاف خصلتان: اتّباع الهوى و طول الأمل؛ أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحق، و أمّا طول الأمل فينسي الآخرة» (4).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول اللّه

____________

(1). الكافي: 1/ 44، باب من عمل بغير علم، الحديث 2.

(2). إشارة إلى قوله تعالى:

يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ... وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ ... (الأحزاب: 30- 31).

(3). البحار: 2/ 34، الحديث 31.

(4). وسائل الشيعة: 2/ 651، الباب 24 من أبواب الاحتضار، الحديث 6.

38

و ما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم» (1).

الفصل السادس [في شرافة العلم]

و العلم من أشرف الكيفيات النفسانية و أعظمها، به يتميز الإنسان عن غيره (2) من الحيوانات، و به يشارك اللّه تعالى في أكمل صفاته، و طلبه واجب على الكفاية. و مستحب على الأعيان على ما بيّنّاه. و هو أفضل من العبادة، فيجب على طالبه أن يخلص للّه تعالى في طلبه، و يتقرب به إليه، لا يطلب به الرياء و الدنيا، بل وجه اللّه تعالى.

فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «منهومان لا يشبعان: طالب دنيا و طالب علم، فمن اقتصر من الدّنيا على ما أحلّ اللّه له سلم، و من تناولها من غير حلّها هلك، إلّا أن يتوب أو يراجع، و من أخذ العلم من أهله و عمل بعلمه نجا، و من أراد به الدنيا فهو حظه» (3).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «علماء أمّتي كأنبياء بني إسرائيل» (4).

____________

(1). البحار: 2/ 36، الحديث 38.

(2). في «ب»: من غيره.

(3). الكافي: 1/ 46، باب المستأكل بعلمه و المباهي به، الحديث 1.

(4). البحار: 2/ 22، الحديث 67.

39

الفصل السابع [في أن العلم لا يختصر بما في الكتب بل يجب أخذه من العلماء]

و لكلّ علم أسرار لا يطلع عليها من الكتب، فيجب أخذه من العلماء، و لهذا قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «خذ العلم من أفواه الرجال» و نهى عن الأخذ ممّن أخذ علمه من الدفاتر، فقال (1): «لا يغرّنكم الصحفيون» (2) و أمر (عليه السلام) بالمحادثة في العلم و المباحثة فأنها تفيد النفس استعدادا تامّا لتحصيل المطالب و استخراج المجهولات.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «تذاكروا و تلاقوا و تحدّثوا، فانّ الحديث جلاء القلوب، لأنّ القلوب (3) لترين كما يرين السيف و جلاؤه (4) الحديث» (5).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ اللّه عزّ و علا يقول تذاكر العلم بين عبادي ممّا تحيى عليه القلوب الميتة، ان هم انتهوا فيه إلى امرئ» (6).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «قال الحواريّون لعيسى (عليه السلام): يا روح اللّه! من نجالس؟ قال: من يذكّركم اللّه رؤيته، و يزيد في علمكم منطقه، و يرغبكم في الآخرة عمله» (7).

____________

(1). في «أ»: و قال.

(2). مستدرك الوسائل: 17/ 311.

(3). في «أ»: انّ القلوب.

(4). في «ب»: كما يرين السيف جلاؤه ....

(5). الكافي: 1/ 41، باب سؤال العلم و تذاكره، الحديث 8.

(6). الكافي: 1/ 40، سؤال العلم و تذاكره، الحديث 6.

(7). الكافي: 1/ 39، باب مجالسة العلماء، الحديث 3.

40

الفصل الثامن [في أن أفضل العلم بعد المعرفة باللّه تعالى علم الفقه]

و أفضل العلم بعد المعرفة باللّه تعالى علم الفقه، فإنّه الناظم لأمور المعاش و المعاد، و به يتم كمال نوع الإنسان، و هو الكاسب لكيفيّة شرع اللّه تعالى، و به يحصل المعرفة بأوامر اللّه تعالى و نواهيه الّتي هي سبب النجاة، و بها يستحق الثواب، فهو أفضل من غيره.

و روي عن الكاظم (عليه السلام) قال: «دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المسجد، فإذا جماعة قد طافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علّامة. قال (1): و ما العلّامة؟ فقالوا: إنّه أعلم الناس بأنساب العرب و وقائعها و أيام الجاهلية و الأشعار العربية قال: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ذاك علم لا يضر من جهله و لا ينفع من علمه، ثم قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّما العلم ثلاثة: علم آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، و ما خلاهنّ فهو فضل» (2).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من أراد اللّه به خيرا يفقّهه في الدين» (3).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من حفظ من أمّتي أربعين حديثا ينتفعون به بعثه اللّه يوم القيامة فقيها عالما» (4)

و لنقتصر من المقدمة على هذا.

____________

(1). في «ب»: فقال.

(2). بحار الأنوار: 1/ 211، الحديث 5.

(3). بحار الأنوار: 1/ 177 و 1/ 216.

(4). الكافي: 1/ 49، باب النوادر، الحديث 7.

41

القاعدة الأولى في العبادات

و هي كتب

كتاب الطهارة

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

و فيه مقدّمة و مقاصد

أمّا المقدّمة

ففيها أبحاث:

4. الأوّل: الطهارة في اللغة النظافة.

و في الشرع ما له صلاحية التأثير في استباحة الصلاة من الوضوء و الغسل و التيمم. و هي أقسامها.

5. الثاني: العلم بالطهارة واجب،

لوجوب فعلها المتوقف عليه، و هو معلوم بالضرورة من دين النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

6. الثالث: كل واحد من الثلاثة واجب و ندب،

فالوضوء يجب للصلاة و الطّواف الواجبين، و لمسّ كتابة القرآن إن وجب، و يستحب لمندوبي الأوّلين، و لدخول المساجد، و قراءة القرآن و الكون على طهارة، و التجديد، و حمل المصحف، و النوم، و صلاة الجنازة، و السّعي في الحاجة، و زيارة المقابر، و نوم المجنب (1) و جماع المحتلم، و الذّكر للحائض.

و الغسل يجب للثلاثة المتقدّمة و دخول المساجد و قراءة العزائم ان وجبا،

____________

(1). في «ب»: الجنب.

44

و لصوم (1) الجنب إذا بقي من الليل مقدار فعله، و صوم المستحاضة إذا غمس الدم القطنة. و يستحب لثلاثين تأتي.

و التيمم يجب للصّلاة و الطواف الواجبين، و لخروج المجنب في أحد المسجدين منه، و يستحب لما عداه، و يشترك الثلاثة في وجوبها و بالنذر و شبهه.

____________

(1). في «أ» أو لصوم.

45

المقصد الأوّل: في المياه

و فصوله ثلاثة

[الفصل] الأوّل: في المطلق

و فيه ثلاثة مباحث:

7. الأوّل: المطلق هو المستحقّ لصدق الاسم عليه من غير تقييد مع امتناع سلبه.

و هو في الأصل طاهر مطهّر من الحدث و الخبث، و كذا لو مزج بطاهر ان بقي الإطلاق، و ان تغيّر الوصف. و لو زال الإطلاق فمضاف.

ثم المطلق إن كان جاريا نجس (1) بتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، لا بملاقاتها. و لو تغيّر بعضه اختص بالحكم. و الجرية مع تغيّرها لها حكم بانفرادها، و لا معه طاهرة. و لو وقفت (2) النجاسة في جانب النهر أو قراره لم ننجّس، لجريان المادة عليها. و لو كان إلى جانب النهر ماء واقف متّصل بالجاري لم ينجس بالملاقاة و إن قلّ. و لو تغيّر بعض الواقف المتصل بالجاري، اختصّ

____________

(1). في «ب» ينجس.

(2). في «ب» وقعت.

46

بالتنجّس دون الآخر. و يشترط في ذلك كلّه زيادة الجاري على الكرّ.

و حكم ماء الحمام حكمه إذا كان له مادة تزيد على الكر. و حكم ماء المطر حال نزوله حكمه. و لو استقر على الأرض و انقطع تقاطره ثم لاقته نجاسة اعتبر فيه الكرّية.

8. الثاني: الواقف غير البئر إن كان كثيرا،

و حدّه ألف و مائتا رطل بالعراقي، أو ثلاثة أشبار و نصف طولا في عرض في (1) عمق هو كرّ. فما زاد، لا ينجس بملاقاة النجاسة، بل بتغيّر أحد أوصافه بها.

و ما نقص عن الكر ينجس بملاقاة النجاسة و إن قلّت كرءوس الابر من الدّم.

و لو تغيّر أحد طرفي الكثير و كان الباقي كرّا اختص المتغيّر بالتنجيس، و لو اضطرب فزال التغيّر طهر.

و لا فرق في ذلك بين مياه الغدران و الحياض و الأواني. و لو وصل بين الغديرين بساقية اتّحدا و اعتبرت الكرّية فيهما مع الساقية جميعا. أمّا لو كان أحدهما أقلّ من كرّ، فوقعت فيه نجاسة ثم وصل بغدير بالغ كرّا، فالأولى زوال النجاسة.

أمّا ماء البئر فالأقرب عدم تنجيسه بملاقاة النجاسة، و لا خلاف في نجاسته بالتغيّر بها.

9. الثالث: تطهير الجاري المتغير بالنجاسة بإكثار الماء المتدافع

حتّى

____________

(1). في «أ»: و عمق.

47

يزول التغيّر، و الواقف بإلقاء كرّ دفعة، فإن زال تغيّره، و إلّا ألقى آخر و هكذا.

و القليل بإلقاء كرّ دفعة، لا بإتمامه كر على الأصحّ، و لا بالنبع من تحته.

و لا يطهر المتغيّر من هذه المياه بزوال التغيّر من نفسها، أو من طول المكث، أو من تصفيق الرياح، أو من إلقاء أجسام طاهرة غير الماء.

و تطهير البئر بالنزح حتى يزول التغيّر. و على القول بالتنجيس بالملاقاة تطهر بنزح الجميع إن وقع فيها مسكر، أو فقّاع، أو منيّ، أو دم حيض، أو استحاضة، أو نفاس، أو مات فيها بعير.

و لو تعذر تراوح عليها أربعة رجال اثنين اثنين يوما إلى الليل.

و ينزح كرّ (1) لموت الدابّة أو الحمار أو البقرة، و سبعين دلوا لموت الإنسان، و خمسين للعذرة الذائبة و الرطبة و الدّم الكثير، و أربعين لموت الثعلب أو الأرنب أو الخنزير أو السّنور أو الكلب، و لبول الرّجل، و ثلاثين لماء المطر المخالط للبول و العذرة و خرء الكلاب، و عشر للعذرة اليابسة، و الدّم القليل، كدم الطير و الرّعاف اليسير، و سبع لموت الطير من النعامة و الحمامة و ما بينهما، و الفارة إذا تفسخت أو انتفخت، و بول الصّبي غير البالغ، و اغتسال الجنب- و لا يطهر عند الشيخ (2)- و لوقوع الكلب إذا خرج حيّا، و خمس لذرق جلّال الدجاج، و ثلاث لموت الفارة و الحيّة. و دلو للعصفور و شبهه، و بول الرضيع الّذي لم يغتذ بالطعام.

____________

(1). كذا في النسخ الّتي بأيدينا و الظاهر انّ الأصح «و بنزح كرّ».

(2). قال في المبسوط: 1/ 12: و ان ارتمس فيها جنب نزح منها سبع دلاء و لم يطهر. (إي الجنب).

48

فروع:

10. الأوّل: لا فرق بين صغير الحيوان و كبيره،

و لا بين الذكر و الأنثى، و السّمين و المهزول، و لا بين المسلم و الكافر، خلافا لقوم (1).

11. الثاني: لا فرق بين بول المسلم و الكافر.

و الأقرب عدم الفرق بين الذكر و الأنثى.

12. الثالث: قيل: وجوب السّبع في الجنب يتعلّق بالارتماس

بحيث يغطّي ماء البئر رأسه، و الروايات غير مساعدة له، و في رواية محمد بن مسلم الصّحيحة عن أحدهما (عليهما السلام) تعليق الحكم على الدّخول (2). و الظاهر انّ نزح السّبع مع خلوّ البدن عن النجاسة.

13. الرابع: يستحبّ نزح ثلاث دلاء للوزغ و العقرب.

14. الخامس: إذا وقع فيها نجاسة لم يقدّر لها منزوح،

فإن تغيّر الماء نزح حتّى يزول التغيّر، و إلّا فلا شيء عندنا. أمّا القائلون بالتنجيس، فقال بعضهم:

ينزح منها أربعون، و آخرون أوجبوا نزح الجميع (3).

15. السادس: الدلو التي ينزح بها دلو العادة،

فلو اتّخذ دلوا عظيما تسع العدد، فالأقرب عدم الاكتفاء به.

16. السابع: لا ينجس جوانب البئر بما يصيبها من المنزوح،

و يحكم بالطهارة عند مفارقة آخر الدّلاء لوجه الماء، و المتساقط معفوّ عنه و هو تخريج،

____________

(1). لاحظ المختلف: 1/ 195- من الطبعة الحديثة-.

(2). وسائل الشيعة: 1/ 142، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

(3). لاحظ المختلف: 1/ 216.

49

و لا يجب غسل الدلو بعد الانتهاء.

17. الثامن: لا يجب النّيّة في النزح،

و يجوز ان يتولّاه الصّبي و البالغ المسلم و غيره مع عدم المباشرة.

18. التاسع: لو وجدت الجيفة في البئر فغيّرت ماءها،

حكم بالتنجيس من حين الوقوف على التغيّر، و لو لم يتغيّر لم ينجس عندنا. و عند القائلين به يحكم بالنّجاسة من حين الوجدان.

19. العاشر: لو تكثّرت النجاسة

فإن اتّحد النوع كفى المنزوح الواحد، و إلّا تعدّد على قول ضعيف.

20. الحادي عشر: الأقرب إلحاق جزء الحيوان بكلّه.

21. الثاني عشر: إنّما يجزي العدد بعد إخراج النجاسة أو استحالتها في البئر.

22. الثالث عشر: لو صبّ الدلو الأوّل في البئر

لم يجب نزح ما زاد على العدد، لكن لا يحتسب منه. أمّا لو صبّ الأخير فيها، فالأقرب إلحاقه بما لم يرد فيه نصّ إن زاد على الأربعين. و كذا لو صبّ في غيرها. و لو ألقيت النجاسة العينيّة و ما وجب لها من المنزوح في الطاهرة، فالأولى التداخل.

23. الرابع عشر: لو غار ماؤها قبل النّزح،

ثم ظهر فيها بعد الجفاف سقط النزح، لتعلّقه بالماء الّذي لا يعلم عوده بعينه، لا بالبئر، و لسقوطه عند الذّهاب، مع عدم دليل تجدّده.

24. الخامس عشر: لو سيق إليها الماء الجاري و صارت متّصلة به

فالأولى الطهارة.

50

الفصل الثاني: في المضاف و الأسآر

و فيه ستة مباحث:

25. الأوّل: المضاف،

و هو المعتصر أو الممتزج مزجا يسلبه إطلاق الاسم، طاهر ما لم تقع فيه نجاسة، فينجس و إن كثر. و طاهره لا يرفع الحدث إجماعا و لا الخبث على الأصحّ.

و لو مزج بالمطلق اعتبر في رفعهما ثبوت الإطلاق. و يستعمل فيما عداهما، فإن نجس لم يجز استعماله في الأكل و الشرب إلّا مع الضّرورة.

و يطهر بإلقاء كرّ من المطلق فما زاد عليه دفعة، بشرط أن لا يسلبه الإطلاق، و لا يغيّر أحد أوصافه.

26. الثاني: كلّ حيوان طاهر العين فإنّ سؤره طاهر،

و كلّ ما هو نجس العين فسؤره نجس، كالكلب و الخنزير و الكافر. و المسوخ إن قلنا بنجاستها فأسآرها نجسة و إلّا فلا.

و المسلمون على اختلاف مذاهبهم، أطهار، عدا الخوارج و الغلاة.

27. الثالث: يكره سؤر الجلّال و آكل الجيف مع خلوّ موضع الملاقاة من النجاسة،

و الحائض المتّهمة و الدّجاج و البغال و الحمير و الفارة و الحيّة.

28. الرابع: الأقوى أنّ سؤر ولد الزنا مكروه،

خلافا لابن بابويه (1).

____________

(1). الفقيه: 1/ 8.

51

29. الخامس: حكم الشيخ (1) بنجاسة سؤر المجسّمة و المجبّرة

و ابن إدريس بسؤر غير المؤمن و المستضعف (2).

30. السادس: يجوز للرّجل أن يستعمل فضل وضوء المرأة و غسلها،

و لا يكره و ان خلت به، و بالعكس.

الفصل الثالث: في الأحكام و الأواني

و فيه تسعة و عشرون بحثا:

31. الأوّل: إذا حكم بنجاسة الماء لم يجز استعماله في الطهارة مطلقا،

و لا في الأكل و الشرب، إلّا عند الضرورة.

32. الثاني: يستحب أن يكون بين البئر و البالوعة خمس أذرع إن كانت البئر فوقها،

أو كانت الأرض صلبة، و إلّا فسبع. و لو تقاربتا لم يحكم بنجاسة البئر ما لم يعلم وصول ماء البالوعة إليها، عند الأكثر، و عندي ما لم يتغيّر بمائها.

33. الثالث: الماء المسخّن بالشمس في الآنية، يكره الطهارة به،

و تغسيل الأموات بماء أسخن بالنّار مكروه إلّا مع الضّرورة.

34. الرابع: الماء المستعمل في إزالة النجاسة نجس،

سواء كان من الغسلة

____________

(1). المبسوط: 1/ 14.

(2). السرائر: 1/ 84.

52

الأولى أو الثّانية، تغيّر بالنجاسة أو لا. و للشيخ خلاف هنا (1) و استثنى أصحابنا عنه (2) ماء الاستنجاء، فانّه طاهر ما لم يتغيّر بالنجاسة، أو يقع على نجاسة من خارج المخرج.

35. الخامس: الماء المستعمل في الوضوء طاهر مطهّر إجماعا،

و كذا المستعمل في الغسل، و منع الشيخ من رفع الحدث به (3).

36. السادس: «روى ابن بابويه انّه يكره التّداوي بالمياه الحارّة من الجبال

الّتي يشمّ منها رائحة الكبريت» (4).

37. السابع: ماء البحر طاهر مطهّر،

و خلاف ابن المسيّب (5) و ابن عمر (6) لا اعتداد به مع إجماع المسلمين.

38. الثامن: قد بيّنا انّ ماء المطر كالجاري،

فلو سال ميزابان أحدهما بول و الآخر مطر، و امتزجا كانا طاهرين، و كذا لو وقع المطر على سطح نجس و سال ماؤه، كان طاهرا ما لم يتغير بالنجاسة.

39. التاسع: إذا مات في الماء القليل حيوان له نفس سائلة، نجس الماء،

و لا ينجس لو لم تكن النفس سائلة.

40. العاشر: قد بيّنا انّ المضاف طاهر غير مطهّر،

فلو كان معه مطلق

____________

(1). المبسوط: 1/ 36.

(2). في «ب»: أصحابنا هنا عنه.

(3). المبسوط: 1/ 11.

(4). وسائل الشيعة: 1/ 160، الباب 12 من أبواب الماء المضاف، الحديث 1.

(5). المصنف لابن أبي شيبة: 1/ 155.

(6). الاستذكار لابن عبد البر: 2/ 99؛ و المحلى لابن حزم: 1/ 221 و 2/ 133.

53

لا يكفيه للطهارة، و معه ماء ورد إذا تمّم به كفاه و لم يخرج عن الإطلاق، جاز له التتميم، و الطهارة به، و هل يجب؟ نصّ الشيخ على عدمه (1)، و عندي فيه إشكال.

41. الحادي عشر: الماء إذا تغيّر بطول بقائه، لم يخرج عن كونه مطهّرا

ما لم يسلبه التغيّر الإطلاق، لكنّه مكروه، لقول الصادق (عليه السلام) في الماء الآجن:

«لا يتوضّأ منه إلّا أن لا تجد غيره» (2).

42. الثاني عشر: الحوض الصغير من الحمام، إذا نجس لم يطهر بإجراء المادة إليه

ما لم تغلب عليه.

43. الثالث عشر: لو وجد في الكرّ نجاسة، و شكّ في وقوعها قبل بلوغ الكرّية أو بعدها،

فالأصل الطهارة.

44. الرابع عشر: لو شك في نجاسة متيقّن الطهارة، أو في طهارة متيقّن النجاسة،

بنى على اليقين. و لو وجده متغيّرا، و شك في استناد التغيّر (3) إلى النجاسة، بنى على الطّهارة.

45. الخامس عشر: لو أخبره عدل بنجاسة الماء،

لم يجب القبول و إن أسندها (4) إلى سبب. و لو شهد عدلان بالنجاسة، وجب الاجتناب، و لهذا يرده المشتري، و خلاف ابن البرّاج ضعيف (5).

46. السادس عشر: لو علم بالنجاسة بعد الطهارة، و شكّ في سبقها عليها،

____________

(1). المبسوط: 1/ 10.

(2). لاحظ الوسائل الشيعة: 1/ 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2.

(3). في «ب»: في استناد التغيير.

(4). في «أ»: و لو أسندها.

(5). المهذب: 1/ 30.

54

فالأصل الصّحة. و لو علم سبقها على الطهارة، و شكّ في بلوغ الكرّية أعاد، و لو شكّ في نجاسة الواقع، أو في كون الحيوان الميّت من ذوات الأنفس، بنى على الطهارة.

47. السابع عشر: إذا حصل الجنب عند غدير أو قليب، و خشي إن نزل فساد الماء،

رشّ عن يمينه و يساره و أمامه و خلفه، ثمّ استعمله.

48. الثامن عشر: إذا كان على جسد الجنب أو الحائض نجاسة عينيّة،

كان المستعمل نجسا إجماعا. أمّا لو خليا عنها، فهو طاهر أيضا. و في التطهير به خلاف سبق.

فلو بلغ المستعمل في الكبرى كرّا تردّد الشيخ في زوال المنع (1)، و عندنا لا إشكال.

أمّا المستعمل في الأغسال المسنونة (2) أو غسل الثوب أو الآنية الطاهرين، فانّه مطهّر إجماعا.

49. التاسع عشر: غسالة الحمام لا يجوز استعمالها.

و في رواية عن الكاظم (عليه السلام):

«لا بأس بها» (3).

50. العشرون: حيوان الماء إن كان ذا نفس سائلة كالتمساح،

ينجس الماء بموته فيه إن كان قليلا، و إلّا فلا.

____________

(1). لاحظ الخلاف: 1/ 173، المسألة 127 من كتاب الطهارة.

(2). في «ب»: في الأغسال المندوبة.

(3). وسائل الشيعة: 1/ 154، الباب 9 من أبواب الماء المضاف، الحديث 9.