حاشية كتاب المكاسب (للهمداني)

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
533 /
1

كتاب البيع

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و عترته الطّاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

[تعريف البيع]

قبل الشروع في المقصود لا بدّ من بيان معنى البيع، و أنّه هل للشارع أو المتشرّعة فيه اصطلاح خاصّ، أو هو مستعمل في معناه المتعارف عند أهل العرف؟

فنقول: الظّاهر أنّه مستعمل عند الشّارع و المتشرّعة في معناه العرفي و لا اصطلاح لهما فيه بالخصوص، فالشّارع و من تابعة يستعملونه عند المكالمة مع أهل العرف على طبق استعمالهم له فيما بينهم، مضافا إلى كون ما ندّعيه موافقا للأصل، لأنّ الأصل عدم النّقل ما لم يثبت النّقل و هذا ظاهر، و لكنّ الشّأن في معرفة معناه العرفي لكونه من الأمورات المهمّة في المقام إذ به تدور الأحكام المترتّبة عليها لكونه موضوعا لها و كونه أمّ الباب كما سيظهر فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

و لا يخفى أنّ تعريف هذا و نظائره من الألفاظ على قسمين:

تارة: يحصل بإيراد خواصّ للمعرّف بحيث تمتاز مصاديقه عن جميع ما عداه،

4

مثلا يعلم أنّ المعاملة الكذائية بيع لا إجارة أو صلح لوجود خاصيّة البيع فيها.

و تارة: ببيان معناه و شرح اسمه بإيراد مرادفه، و هذا المعنى هو المراد في المقام من بيانها.

و بعبارة أوفى: المقصود في المقام معرفة ما يفهم من لفظ البيع في المحاورات.

و هو كما حكى عن المصباح (1): أنّه مبادلة مال بمال.

و الظاهر اختصاص المال بالأعيان فلا يعمّ الحقوق.

و لا يخفى أنّ مطلق المبادلة لا تسمّى بيعا، بل المبادلة على نحو خاصّ و هي ما لو جعل أحد البدلين متاعا و الآخر قيمة له.

و بعبارة أخرى: جعل أحد المالين أصلا و الآخر بدلا بنحو من الاعتبار من دون عكس.

و أمّا المبادلة التي ليس فيها هذا الاعتبار كالمعاوضة بين شيئين حيث يصدق على كلّ واحد منهما أنّه عوض و على الآخر أنّه معوّض و بالعكس فلا يسمّى بيعا في العرف، و على هذا لا بدّ أن يحمل كلام القوم حيث قالوا: «إنّه مبادلة مال بمال» على القسم الأوّل من المبادلة لئلّا ينتقض التّعريف بالقسم الثاني، و لا يبعد إرادتهم من العبارة هذا المعنى، بل يمكن ادّعاء ظهورها في هذا القسم لمكان الباء حيث أنّها ظاهرة في مثل المقام في جعل مدخولها بدلا عن الغير من دون اعتبار جعل الغير بدلا عن المدخول، و إذا لاحظنا المالين بهذا الاعتبار يصير ذلك الغير متاعا و المدخول قيمة له و تكون الباء بدليّة. [2]

و هذا الذي استظهرناه هو المتبادر من قولهم «بعت هذا بهذا»، و لذا يجعلون

____________

[2] و توضيح الاستظهار بالفرق بين قولنا إنّ البيع مبادلة مال بمال أو انّه المبادلة بين المالين، حيث أنّ الأوّل ظاهر في كون أحدهما أصلا و الآخر فرعا بخلاف الثاني لأنّ الظّاهر منه كون المالين في عرض واحد على حدّ سواء، فافهم، (منه (رحمه الله)).

____________

(1) المصباح المنير: 1- 69.

5

الفقهاء امارة الثمن و المثمن في خيار الحيوان إذا كان كلّ واحد منهما حيوانا مع القول باختصاصه للمشتري ما كان منهما مدخولا للباء.

هذا و إن أبيت إلّا عن ظهور تعريفهم في العموم، فنلتزم بانتقاض التعريف و فساده.

و لكن الإنصاف ظهوره فيما قلنا.

ثمّ لا يخفى أنّه يشكل بما ذكرنا من عدم كون مطلق التمليك بيعا بل هو التّمليك الخاص، ما ذكره بعض من أنّ مطلق التمليك هو البيع فلو علم التمليك و شكّ في كونه بيعا يحكم بالبيعيّة، و على ما ذكرنا من ثبوت الواسطة لا بدّ من الرّجوع إلى الأصول الجارية فيه، فافهم.

و بما ذكرنا من أنّه مستعمل في معناه العرفي ظهر فساد ما قيل من أنّه «عبارة عن العقد الخاصّ الواقع بألفاظ مخصوصة»، أو «عن المعنى المعبّر عنه بألفاظ خاصّة»، بل هي عبارة عن «تمليك الغير مالا عوضا عن مال».

و اعتبار لفظ الإنشاء في المقام كما اعتبره بعض حيث قالوا: «إنّه عبارة عن إنشاء التّمليك» بظاهره لغو، ضرورة أنّ التمليك عبارة عن إنشاء الملكيّة فاعتباره غير محتاج إليه إلّا بالتوجيه، إلّا أنّ مطلق التّمليك بالعوض أيضا ليس بيعا بل التّمليك الخاص الذي أشرنا إليه و هو كونه بحيث يصدق على أحدهما أصلا و على الآخر قيمة من دون عكس.

ثمّ إنّك بعد ما عرفت من أنّ البيع مستعمل في معناه العرفي و ليس له حقيقة شرعيّة، و أنّ استعمالاته- و لو في بعض الموارد الخاصّة- كاستعمالات أهل العرف من دون تغيير في حقيقة معناه و لو حين إثبات بعض الآثار له أو سلب بعضها عنه إذ ذاك لا يستلزم تغيير المعنى، تعلم أنّ إقحام بعضهم كلمة شرعا ليس على ما ينبغي إذ ليس معناه الشرعي مغايرا لمعناه اللّغوي.

و القول بأنّه عبارة عن العقد لا وجه له، إذ ليس ذلك معناه العرفي، و الظاهر

6

اتحاد معناه العرفي مع اللّغوي أيضا، مضافا إلى كونه مؤيّدا بالأصل.

و بما ذكرنا من أنّ المراد من التّعريف شرح اسمه، و بيان ما هو الموضوع له، و ما هو المفهوم منه بإيراد ما يرادفه كما هو شأن اللّغوي، لا بيان ماهيّته و حقيقته بذكر حدّه أو رسمه بذكر بعض خواصّه، ظهر لك أنّ التعريفات الّتي ذكروها له لا تخلو عن مسامحة.

فمنها: ما نقلناه عن المصباح من «أنّه مبادلة مال بمال».

توضيح التّسامح: أنّه فسّر البيع بالمبادلة مع أنّ البيع وصف البائع فقط و هو أحد المالكين الذي بيده ما فرضناه أصلا، و المبادلة فعل الطّرفين فليس التّفسير بالمرادف.

إن قلت: كما أنّه يتّصف به مالك الأصل، قد يتّصف به مالك القيمة أيضا، أعني المشتري، فهذا يكشف عن كونه للجامع بينهما و هو مطلق المبادلة.

قلت: لو سلّم كونه حقيقة فيه فمن قبيل الصّفات الّتي وضعت للضدّين كالقرء فإنّه للطّهر و الحيض لا لكونه موضوعا للجامع بينهما، كيف و لو لم يكن كذلك لما صحّ إطلاقه في خصوص كلّ واحد، مع أنّه يستعمل في خصوص البائع أو المشتري لا في كليهما في استعمال واحد! و لو قلنا: بوضعه للجامع بينهما لا بدّ أن يكون موضوعا لجامع أعمّ من مطلق المبادلة بحيث يصدق مع كليهما و كلّ واحد منهما، و لا يخفى بعده.

و كذا تفسيره بأنّه: «انتقال ملك من مالك إلى مالك آخر».

وجه المسامحة: أنّ الانتقال صفة المبيع، و البيع صفة البائع، فليس البيع انتقالا بل الانتقال هو الأثر الحاصل من فعلهما.

و كذا تعريفه بأنّه: «نقل ملك من مالك إلى مالك آخر» كما حكي عن جامع المقاصد (1).

____________

(1) جامع المقاصد: 4- 55.

7

وجه المسامحة: أنّ النقل و إن كان فعل البائع إلّا أنّ ما يفهم من النّقل مغاير لمفهوم البيع، إذ النّقل عبارة عن تحريك شيء من مكان إلى مكان آخر و استقراره فيه، و ليس هذا معتبرا في البيع بل و لا يصحّ في البيع الكلّي إذ الكلّي غير موجود حتّى ينقل إلى المشتري، و الشّيء المنقول لا بدّ أن يكون موجودا.

إن قلت: إنّ البيع عبارة عن النّقل و ذلك لا يقتضي أن يتحقّق النّقل حين المعاملة بل يصدق لو تحقّق بعد إجراء الصّيغة بزمان.

قلت: إرادة هذا المعنى الأعمّ ينافي قوله «من مالك إلى مالك» إذ لا يصدق عليه ما دام كون المبيع كلّيا أنّه مالك إذ هو غير موجود فلا يتّصف بالملكيّة، فتأمّل، فإنّه يجوز اتّصافه بالماليّة باعتبار وجوده الذي يعرضه فان له بهذا الاعتبار نحوا من الوجود كما سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى، فبهذا الاعتبار قابل للانتقال كما لا يخفى.

فالأولى في التّعريف أن يقال: «إنّه عبارة عن تمليك الغير مالا بعوض» بمعنى صيرورة الغير ذا ملك، فيشمل بيع الكلّي إذ به يصير الغير أعني المشتري ذا ملك على ذمّة البائع و عهدته، و كذا غيره من البيوع، و المراد من المال ما يقابل المنفعة و الحقوق حيث لا يصدق عليهما المال.

و يعمّ المال الموجود الخارجي و ما في الذمّة، أعني الأموال الكلّية حيث يصدق عليها لفظ المال لصحّة قولك: «من مال زيد في ذمّة عمرو كذا».

إن قلت: الملك من الإضافات الخارجيّة، بمعنى أنّ متعلّقه لا بدّ أن يكون موجودا خارجيّا، و لا تتّصف الكليّات بالملكيّة حتّى يصحّ تمليكه.

قلت: سلّمنا نفس الكليّة لا يتّصف بالملكيّة، و لكنّه يتّصف بها بعد تحقّقها في ضمن الأفراد، فقولنا: «تمليك الغير مالا» يعني ما يتّصف بالماليّة و لو بعد البيع، و بعبارة اخرى أنّ له شأنية التمليك.

إن قلت: فليعتبر مثل ذلك في النّقل المأخوذ في التعريف حتّى لا يرد النّقص بالكلّي، لأنّ له شأنيّة الانتقال.

8

قلت: الملك و إن كان من الإضافات، لكن اتّصاف الشّيء به أمر عرفي، بمعنى أنّهم يطلقون في موارد استعمالاتهم لفظ الملك على الأعيان الخارجيّة و لا يصفون به الكلّيات من حيث كونها كلّيا، و لكنّه قد يتّصف الكلّي بالملكيّة باعتبار تحقّقها في الخارج، و ليس هذا أيضا مطلقا بل فيما إذا التزم شخص إيجاده لشخص آخر بنحو من الالتزامات فحينئذ يقولون: «إنّ له على ذمّة فلان كذا من الدّراهم» مثلا، و ظاهر أنّ معناه أنّ فلانا مالك لما في الذمّة لمكان اللام لأنّه للملك، فظهر أنّ الكلّي بهذا الاعتبار صالح للملكيّة فعلا حين المعاملة [1] لا أنّه يصير ملكا فيما بعد، بخلاف النّقل إذ الكلّي المتّصف بالملكيّة بالتّقريب المذكور لا يتّصف عند العرف بانتقاله من ذمّة البائع إلى ملك المشتري، مضافا إلى أنّ انتقال ما في الذمّة في المقام غير متصوّر و إن جاز تصويره في بعض المقامات كما في الحوالة مثلا إذ المقصود انتقال الموجود الخارجي الذي يتحقّق الكلّي في ضمنه و هو لم يتحقّق بعد، غاية الأمر أنّ النقل ملازم للبيع و هذا لا يكفي في صحّة التعريف، لأنّا قد بيّنا أنّ المراد في المقام شرح اللّفظ بإيراد مرادفه أو بإيراد ما يوجب تصوّر المفهوم الذي وضع اللفظ الذي أريد تفسيره له، بحيث يعلم أنّ الموضوع له هو هذا المعنى- كما هو شأن اللغوي- لا التحديد لماهيّة البيع سواء وضع بإزائها لفظ أم لم يوضع- كما هو الحال في حدود الماهيّات- و لا رسم الماهيّة كذلك بذكر بعض خواصّها و ما يلازمها حتّى تمتاز الماهيّة عمّا عداها، و قد عرفت أنّ النّقل من حيث المفهوم مغاير للبيع فلا يصحّ تفسيره به، بل التّفسير لا بدّ أن يكون بلفظ التّمليك على الوجه الذي ذكرنا أو ما يرادفه حتّى يتحصّل المفهوم في الذّهن، و ليس التّمليك مرادفا للبيع مع قطع النّظر عن القيودات المذكورة، و لكنّه بسبب تلك القيودات و انضمامها إليه يتصوّر الموضوع

____________

[1] و له نحو من الوجود بهذا الاعتبار، و إن شئت سمّه موجودا شأنيّا و صالحا للاتّصاف المذكور حيث أنّ الأمر بنظر أهل العرف و هم يصفون الكلّي بهذا الاعتبار بالملكيّة، فافهم، (منه (رحمه الله)).

9

له بعينه.

و هذا المقدار يكفي في تفسير اللفظي.

ثمّ انّه لا خفاء و لا إشكال في انّ لفظ التمليك ظاهر في تحقّق الملكيّة الواقعيّة و حصولها في الواقع، فلفظ «ملّكت» بظاهره يدلّ على حصول الملكيّة في الواقع المستلزم لتملّك الطّرف المقابل، نظير لفظ «التعليم» حيث أنّ تحقّقه مستلزم لتعلّم الطّرف المقابل، فلا يصدق علّمته عند انتفاء التعلّم، و كذا الملكيّة عند انتفاء التملك، و قضيّة التمليك الواقعي ثبوت التملّك الواقعي و انتفائه بانتفائه [1]، و لا ريب أنّ البيع ليس عبارة عن التّمليك بهذا النّحو أعني التّمليك الواقعي، بل البيع عبارة عن إيجاد الملكيّة و إنشائها التي هي مدلولة ل(بعت) إذا كان إنشائيّا، بخلاف الأوّل فإنّه مدلوله الأخباري، و حينئذ لو تعقّب الإنشاء القبول تحصل الملكيّة الواقعيّة، و إلّا فلا يترتّب على إنشائها أثر، و هذا هو الوجه في اعتبار لفظ الإنشاء في التّعريف حيث عرّف بأنّه: «إنشاء تمليك عين بمال»، و المراد بالعين ليس حصول العين الخارجي حتّى يخرج الكلّي، بل المراد كونه عينا لو وجد و صار مشخّصا في الخارج مقابل المنفعة و الحقوق، حتّى التحجير لعدم صدق العين عليه، بل هو صرف الحقّ و الأولويّة بالنّسبة إلى الغير، و إطلاق البيع على اجرة العبد و سكنى الدّار في بعض الروايات على سبيل التجوّز كما نطق به جمع، و لا ينافيه جواز بذل المال بإزائه فيشمل الكلّيات التي تتّصف بالماليّة بالملاحظة الّتي ذكرناها فيما سبق.

و ليس المراد منه مطلق الأعيان بحيث يشمل الخصائص التي لا ماليّة لها و لا تتّصف بالملكيّة، بل المراد منه العين الذي هو مال، ضرورة خروج ما لا يملك عن المقصود لعدم كونه قابلًا للبيع فالتّعبير بالعين المطلق مسامحة.

إلّا أن يدّعى أنّ البيع موضوع للأعمّ ممّا يترتّب عليه الأثر و ما لا يترتّب، لا

____________

[1] و إلّا لما احتاج في ترتّب الأثر و ثبوته إلى القبول كما لا يخفى، (منه (رحمه الله)).

10

خصوص الصّحيح أعني المترتّب عليه الأثر [1].

ثمّ الظّاهر أنّه لو قلنا باشتراط الماليّة في العوض لا بدّ أن نقول باشتراطه في المعوّض لعدم التّفكيك بينهما في نظر العرف، و لذا لم يورد أحد على ما في المصباح من أنّ البيع «مبادلة مال بمال» بأنّ الماليّة ليست شرطا في العوض، و من هنا مضافا إلى كلمات الفقهاء و محاورات أهل اللّسان يمكن استظهار اعتبار الماليّة في العوض، و من عبّر عنه بمطلق العين مسامحة في التعبير، فافهم.

ثمّ لا يخفى أنّ التّعريف لا بدّ أن يكون بحيث لا يشمل غيرها من المفاهيم حتّى يمتاز المعرّف عمّا عداه، فقولنا: «هو إنشاء تمليك» بمنزلة الجنس يشمل جميع الأسباب المملّكة من الصّلح و الهبة و القرض و الإجارة و غيرها.

و بقولنا: «عين» خرج الإجارة لأنّها تمليك المنافع لا الأعيان.

و بقولنا: «تمليك عين بمال» خرج مطلق المعاوضة، لو لم يجعل أحدهما أصلا و الآخر قيمة على ما عرفت.

و خرج بقولنا: «بمال» غيرها من الأسباب كالهبة و القرض و الصلح، إذ الظاهر من تمليك العين بالمال أخذ المال عوضا عن المبيع، بحيث يصدق المعاوضة و المبادلة على النّهج المذكور.

امّا الهبة: و إن كانت تمليكا إلّا أنّ المجانيّة في مفهومها معتبرة، لأنّ الهبة عبارة عن «إعطاء شيء للآخر مجّانا لا بعنوان المعاوضة» و هذا بالنسبة إلى الهبة الغير المعوّضة ظاهر، و امّا بالنّسبة إليها فيظهر بعد التأمّل في مفهوم الهبة و كيفيّة تحقّق مصاديقها، إذ هي- أعني الهبة المعوّضة- عبارة عن «إعطاء الواهب ما في يده للآخر» و يشترط في ضمن العقد أن يعطيه الآخر الشيء الذي جعل عوضا عنه لا

____________

[1] و فيه: أنّه لو كان مراده أعمّ لكان اعتبار الماليّة في العوض غير مناسب كما لا يخفى، (منه (رحمه الله)).

11

بعنوان المعاوضة بل بعنوان المجّانية، و كيف لا يكون كذلك مع أنّ المجّانيّة معتبرة في مفهومها.

و امّا الصّلح: فليس مفهومه تمليك مال بمال بل المفهوم منه «التّسالم بين الخصمين» فما به يتعلّق الصّلح ليس بظاهر عوضا عن شيء بل هو من أسباب التسالم.

و امّا القرض: فلأنّه لا يصدق عليه المعاوضة، لأنّ الظّاهر منها «أن ينتقل شيء من كلّ منهما إلى ملك الآخر و من الآخر إليه»، و ليس في القرض كذلك و إنّما هو «إعطاء المال و تثبيته في ذمّة المديون بحيث لو شاء لردّه و لو شاء يبقيه ثم يغرمه»، و إن شئت سمّه تمليكا بتغريم بالمثل.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ اعتبار لفظ العين في التعريف لإخراج المنافع و الحقوق، و لكن الشأن في إثبات الدّعوى أعني عدم صدق البيع عليها و عدم قابليّتها للبيع.

فنقول: امّا المنافع و الحقوق الغير الماليّة، خروجها عن مصداق البيع و عدم قابليتها له فظاهر، لظهور عدم اتّصافها بكلمة «بعته» في العرف.

و امّا الحقوق الماليّة، فإنّ مناط البيع و قوامه بذل المثمن و أخذ الثّمن، إذ قد عرفت أنّه المبادلة على الوجه المخصوص، و إن كان التّعبير بها لا يخلو عن مسامحة، و حينئذ فنقول إنّ الحقّ و لو كان ماليّة لا يعقل بذله للغير و أخذه منه لأنّه عبارة عن السلطنة الفعليّة أعني كونه مسلّطا عليه بحيث لا يكون للغير يد على ما في يده، لا أنّ ما في يده ملك له، و هذه السّلطنة ليست قابلة للانتقال حتّى يبذل أو يؤخذ لأنّه من الأعراض المتقوّم بذات من له السّلطنة، و العرض لا ينتقل من موضوع إلى آخر فلا ينتقل شيء من صاحب الحقّ إلى صاحبه من قبله بإزاء ما أخذه.

نعم يمكن إعدام سلطنته ممّا عليه و احداث سلطنة أخرى مماثلة لسلطنة الآخر، و هذا لا يوجب انتقال شيء منه إليه، و لا بدّ في البيع أن يكون شيء ينتقل من كلّ إلى آخر كما قد عرفت مرارا.

12

إن قلت: الملك كالحقّ ليس قابلًا للانتقال لكونه أيضا من الأعراض فيلزم على ما ذكرت أن يباع الملك أيضا.

قلت: الملك و الحقّ و إن كان كلاهما من الأعراض، إلّا أنّ الحقّ لو انتفى لما يبقى شيء ينتقل إليه، بخلاف الملك فإنّه بعد انتفاء الملكيّة ينتقل العين الخارجي إلى آخر و يحدث بالنّسبة إليها ملكيّة اخرى، و لكنّ الحقّ ليس كذلك [1].

إن قلت: كيف يبذل المال بحذائها مع انّها ليست قابلة للانتقال.

قلت: لا تنافي بينهما لجواز إعطاء المال لرفع اليد عنه و إسقاط سلطنته بالنّسبة إليه و احداث سلطنة أخرى لمن أعطاه.

فثبت ممّا ذكرناه أنّه لا بدّ أن يكون الثّمن و المثمن كلاهما مالا لا غير، كما هو صريح ما نقلناه مرارا عن المصباح من أنّه «مبادلة مال بمال».

____________

[1] توضيحه: إنّ الحقّ عرض قائم بذي الحقّ و وصف له فلا ينتقل إلى الغير، بخلاف الملك فإنّه من أوصاف العين الخارجي فيمكن انتقال العين و بعده يتصف بملكيّة اخرى دون الاولى، و السرّ في ذلك أنّ الأول من قبيل انتقال العرض، و الثّاني من قبيل تبدّل العرض، و لا ريب في جواز الثّاني كما لا إشكال في امتناع الأوّل، فافهم. (منه (رحمه الله)).

13

[تحقيق حال بيع الدين]

و اعلم انّه ذكر شيخ مشايخنا [1] طاب ثراه كلاما في باب شروط العوضين لا يخلو بظاهره عن التأمّل و هو انّه قال بعد جملة من الكلام:

«و الأولى أن يقال: ما تحقّق أنّه ليس بمال عرفا، فلا إشكال و لا خلاف في عدم جواز وقوعه أحد العوضين، إذ لا بيع إلّا في ملك، و ما لم يتحقّق فيه ذلك، فإن كان أكل المال في مقابلة أكلا بالباطل عرفا فالظاهر فساد المقابلة، و ما لم يتحقّق فيه ذلك، فإن ثبت دليل من نصّ أو إجماع على عدم جواز بيعه فهو، و إلّا فلا يخفى وجوب الرّجوع إلى عمومات صحّة البيع و التجارة و خصوص قوله في المروي عن تحف العقول: «و كلّ شيء يكون لهم فيه الصّلاح من جهة من الجهات فكلّ ذلك حلال بيعه» انتهى كلامه رفع مقامه.

ضرورة انّه كيف يمكن التمسّك بالعمومات في الشّبهات المصداقيّة الّتي منها المقام بعد أخذ الماليّة في العوضين في مفهوم البيع المشكوك بالفرض، اللهمّ إلّا أن يقال بعدم أخذه الماليّة فيها في المفهوم، لكنّه مناف لما ذكره (قدس سره) حينئذ في غير موضع

____________

[1] و هو الشيخ الأعظم الأنصاري صاحب (المكاسب) قدّس اللّه نفسه الزكيّة.

14

من كتابه كما لا يخفى على من راجع إليه، فافهم.

تنبيه: و هو أنّ الفقهاء ذكروا جواز بيع الدّين بغير من هو عليه، و كذا قالوا بجوازه على من هو عليه فلا بدّ حينئذ من صدق المبادلة عليه، و هذا لا يتمّ إلّا على فرض كون ما في الذمّة قابلًا للانتقال و لو بنحو من الاعتبار كما أشرنا إليه سابقا، و صدق مفهوم البيع على بيع الدّين بغير من هو عليه لا خفاء فيه بعد بيان اتّصاف الكلّ بالماليّة بالتّقريب المتقدّم، و امّا صدقه على بيعه على من هو عليه ففيه خفاء، لأنّ صدق البيع فرع تحقّق التّمليك و التملّك، فلا بدّ أن يكون المبيع قابلًا لأن يملّكه المشتري، و تملّك الإنسان ما في ذمّة نفسه و لو آنا ما غير متصوّر، فيشكل صدق البيع.

و يندفع الإشكال: بأنّ التملّك ملازم لإسقاط ما في الذمّة، فتمليك ما في ذمّته نفس سقوطه و لا ينفك عنه انا ما حتّى يتصوّر، و المراد بعدم تصوّره عدم إمكان تحقّقه آنا ما في الخارج لما بيّناه من التلازم بينهما، و إلّا فنفس تصوّره غير ممتنع كما لا يخفى.

و ربّما يتوهّم: عدم كون الكلّي مطلقا قابلًا للتملّك و الانتقال و لهذا حكموا بعدم جواز هبة الدّين بغير من عليه الدّين.

و لكنّه فاسد: يظهر وجهه بملاحظة صدق المال عليه في نظر العرف إذا استقرّ في ذمّة شخص خاصّ باعتبار وجوده الخارجي كما أشرنا إليه سابقا، و لهذا يجوّزون بيع الكلّيات.

و أمّا مستند الحكم بعدم جواز الهبة المذكورة فلعدم إمكان تحقّق شرطها أعني القبض و هو شرط له كما صرّح به جمع من الأساطين، لا لعدم كونه قابلًا للتّمليك، فافهم.

و اعلم أنّ ما ذكرناه في تعريف البيع من أنّه «إنشاء تمليك عين بمال» للجري على ما ذكره بعض الأعلام (قدس سره)، و إلّا فالإنصاف أنّ هذا أيضا ليس تفسيرا بالمرادف

15

و لا على نحو يتصوّر ماهية البيع بحقيقتها، إذ البيع و إن لم يكن مرادفا للنّقل، إلّا أنّ النّقل معتبر في مفهومه ضمنا، حيث أنّه عبارة عن نقل ملك عن مالك و ثبوته للآخر، فمفهومه مركّب من نقل و تمليك، فمن عرّفه بالنّقل كجامع المقاصد انّما لا حظ الأوّل منهما، و من عرّفه بالتّمليك فبملاحظة الثاني.

و بعد بيان كونه مركّبا من كليهما يعرف ما في كليهما من التّسامح، إلّا أن يدّعى إرادة اعتبار الغاية في التّعريف الأوّل أعني تعريف «جامع المقاصد» في المفهوم فيصحّ التعريف، إلّا أنّه ليس صريح الدّلالة في المطلوب، مع أنّه لا بدّ أن يكون المعرّف صريحا في بيان المراد، و المفروض أنّ اعتبار المفهومين في المفهوم على حدّ سواء، و هذا لا يفهم من التّعريف بل يشعر على عدمه، و ما ادّعينا حينئذ من اعتبارهما فيه يعلم بعد مراجعة الوجدان و تخلية الذّهن.

هذا كلّه مفهوم البيع الذي يكون مصدرا ل(باع)، أعني مفهومه المصدري، و قد ذكر له معان أخر، و الظاهر كونه مجازا فيها، و كثيرا يستعمل في الأثر الخارجي الحاصل منه، و الظاهر أنّ من هذا القبيل إطلاقهم «لزم البيع» أو «وجب» أو «لا بيع بينهما» و غير ذلك من موارد الاستعمالات، فهذا من قبيل إطلاق السّبب و إرادة المسبّب.

و من هذا القبيل أيضا قوله تعالى أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1) و المراد به هو الأثر الحاصل في نظر العرف، و معناه أنّه تعالى أمضاه و أثبتهم على طريقتهم المتعارفة لا الأثر الشّرعي، إذ المحاورات لا بدّ أن تكون في مثل المقام بلسان القوم كما لا يخفى [2].

____________

[2] مع انّه لا معنى لقولنا «أحلّ اللّه الأثر الذي جعل للبيع» إذ جعله ملازم لإمضائه و لا يفارقه فيكون الكلام مستدركا. (منه (رحمه الله)).

____________

(1) سورة البقرة: آية 275.

16

الكلام في المعاطاة

و هي على ما فسّره جماعة: «أن يعطي كلّ من اثنين عوضا عمّا يأخذه عن الآخر من غير اعتبار اللّفظ» (1).

و الكلام تارة: في تصوّر أقسامه.

و اخرى: في بيان محلّ كلمات العلماء (رضوان اللّه عليهم) من أنّها في أيّ صورة من الصور.

و تارة: في حكم كلّ واحد من الأقسام.

فنقول: قد عرفت أنّ اللّفظ غير معتبر في مفهوم البيع عرفا، و لم يثبت فيه حقيقة شرعيّة، فمقتضاه الحكم بكون المعاطاة بيعا لو قصد التّمليك عند الشكّ، و إن جاز أن يعتبره في مقام التأثير.

توضيحه: إنّ اعتبار اللّفظ في تأثير البيع مع القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة يتصوّر على أقسام ثلاثة:

أحدها: أن يقال بأنّ البيع موضوع لمطلق التّمليك، سواء ترتّب، عليه التأثير أعني التملّك أم لا، و اعتبر الشارع في ترتيب التملّك اللّفظ الخاص مثلا، فلا شبهة

____________

(1) كتاب المكاسب: 81، سطر 3.

17

على هذا في كون المعاطاة المقصودة فيها التّمليك بيعا، غاية الأمر أنّه لا يترتّب عليه الأثر، فيكون البيع على قسمين عند الشّارع، قسم يترتّب عليه الأثر، و قسم ليس كذلك، هذا لو علم اعتبار اللّفظ.

و امّا لو شكّ كما هو المفروض في المقام فمقتضى عموم «أحلّ اللّه البيع» (1) و غيره من الأصول اللّفظية، الحكم بالعدم و كونه مؤثّرا، لأنّ الشكّ في اعتبار أمر زائد مدفوع بالأصل.

ثانيها: أن يقال إنّ البيع عندهم هو السّبب المؤثّر في نظر الجاعل فيكون الوصف و الذّات كلاهما موضوعا له، فلو اعتبر الشّارع اللّفظ في مقام التأثير و حكم بعدم ترتّب الأثر على فاقده، و لو كان مؤثّرا عند العرف، يخرج ما يقع بلا لفظ عن كونه مصداقا للبيع عنده.

و لا يتوهّم: أنّ هذا الفرض أعني خروج بعض المصاديق العرفيّة عن تحتها في نظر الشّارع يقتضي القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة و المفروض عدمه.

لأنّ المفهوم على عمومه باق بحاله، لأنّه في الشّرع أيضا السّبب المؤثّر، و لا تفاوت فيهما من حيث المفهوم، و انّما الاختلاف في المصداق، و ليس منشأه الاختلاف في المفهوم، فلا ينافي كونه على معناه اللّغوي بعينه مع خروج بعض المصاديق عند بعض و دخوله فيه عند الآخرين كما لا يخفى، فلو شككنا على هذا الفرض في كون المعاطاة مؤثّرا أو غير مؤثّر يكون الشكّ في المصداق الخارجي، و لا يجوز التمسّك بالإطلاق أو العموم لتعيينه، إلّا انّك قد عرفت أنّ المراد من البيع في قوله تعالى أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (2) مثلا البيع المتعارف و الأسباب الّتي يرونها مؤثّرا لا ما هو المؤثّر عند الشّارع، و إذا كان المراد منه البيع العرفي يمكن التمسّك به لرجوع الشكّ إلى التّقيد و اعتبار أمر زائد عن أصل المفهوم في مقام التأثير، فلا مانع

____________

(1) البقرة: آية 275.

(2) البقرة: آية 275.

18

من إجراء الأصل.

ثالثها: أن يكون الموضوع له ذات السّبب المؤثّر دون مدخليّة لوصف التأثير، إلّا أنّه معرّف للموضوع له، نظير ما لو كان لجماعة متّصفة بأوصاف خاصّة اسم خاصّ يكون أوصافها معرّفات عن أساميها من غير اعتبارها في الموضوع له، و ليس ذلك ممّا كان الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا كأسماء الإشارة على قول بأن يكون كلّ فرد هو الموضوع له بخصوصه و يكون الوصف آلة اللّحاظ، بل الموضوع له هو المفهوم الكلّي الملازم في الوجود الخارجي مع هذه الأوصاف.

و هذا القسم كسابقه في صيرورة اللّفظ مجملا، و جواز التمسّك بعموم أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1) في مقام الشّك مع هذا لكونه على لسان القوم، و القوم يزعمون أنّه مؤثّر و لا مدخليّة للّفظ في التأثير.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ المعاطاة المقصود فيها التّمليك بيع، إلّا أن يدّعى ثبوت الدليل في اعتبار اللّفظ بحيث يرفع الشكّ، و سيجيء ما فيه إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) كتاب المكاسب: 81، سطر 7.

19

الكلام في تصوير المعاطاة

فنقول: انّها تتصوّر بصور:

أحدها: أن يقصد كلّ من المتعاطيين بفعله هذا التّمليك الذي يتحقّق بالبيع، و بحيث يجعل أحد العوضين ثمنا و الآخر مثمنا.

الثاني: أن يتعاطيا على وجه الإباحة، بأن يبيح كلّ منهما للآخر التصرّف فيما يعطيه من دون نظر إلى تمليكه، و هذا يتصوّر على قسمين:

أحدهما: أن يبيح أحدهما ما في يده عوض ما أباحه له الآخر.

و الثاني: أن يبيحه بشرط إباحة الآخر ما في يده له، و الفرق واضح.

الثالث: أن يقصد كلاهما الملكيّة المطلقة من غير ملاحظة الثمنيّة و المثمنيّة فيكون التّمليك على نحو المعاوضة و المبادلة، قال شيخ مشايخنا (قدس سره) في مكاسبه، بعد أن ذكر هذا الوجه:

«إنّ التمليك بالعوض على وجه المبادلة هو مفهوم البيع لا غير» (1) انتهى.

____________

(1) كتاب المكاسب: 81، سطر 7.

20

لكنّك قد عرفت فيما تقدّم أنّ التّمليك بالعوض أعمّ من البيع، و أنّ البيع هو التّمليك الخاصّ بحيث يجعل أحدهما أصلا و الآخر بدلا.

اللّهم إلّا أن يراد بالباء ما ذكرناه في التّعريف، و هو بعيد بل مناف لتأسيس الأصل الذي يبتني عليه.

الرابع: أن يتعاطيا مجرّدا عن قصدي التّمليك و الإباحة بخصوصها، بمعنى أنّ مقصودهما أن يتصرّف كلّ منهما ما في يد صاحبه و إعطاء ما في يده إليه مردّدا بين عنوان الإباحة و التّمليك.

و أورد عليه شيخ مشايخنا (قدس سره): بامتناع خلوّ الدّافع عن قصد عنوان البيع أو الإباحة و العارية أو الوديعة أو غير ذلك من العناوين الخاصّة.

لكنّ الإنصاف إمكان تعقّله، كما انّه يتعقّل إرادة الزّوج إزالة عقد نكاح إحدى زوجاته، كذلك يعقل إنشاء سبب ذلك و ان لم يترتّب عليه الأثر في الخارج، لأنّ ترتّب الأثر بيد الجاعل لا غير، و كذا فيما نحن فيه.

ثمّ الكلام في بيان مورد كلمات العلماء من الأقسام المتصوّرة، و بيان ما في أيدي الناس:

فنقول: لا شبهة لأحد في أنّ ما في أيدي النّاس من القسم الأوّل، أي المقصود التّمليك المتحقّق بالبيع، و سواء في ذلك الخطير و الحقير، نعم يداقّون في الأمور الجليلة ما لا يداقّون في الحقيرة لإحكام أمرهم لا لإبقاء قصد البيعيّة في الحقيرة، و هذا غير خفيّ على من لاحظ طريقة النّاس و راجع أسواقهم.

إذا عرفت ذلك فنقول: احتمال كون عنوان الفقهاء المسألة ناظرا إلى غير هذا القسم مع كثرة ابتلاء النّاس به بعيد في الغاية، و يدلّ على إرادتهم ما هو المتعارف أمور نشير إليها إن شاء اللّه تعالى.

21

ثمّ أنّ كلمات العلماء في المقام من حكمهم بعدم كون المعاطاة بيعا و انّما تفيد الإباحة يحتمل وجوها بعضها بعيد و بعضها أبعد:

أحدها: أن يكون المراد بيان عدم تحقّق موضوع البيع فيما بأيدي النّاس بأنّهم لم يقصدوا البيع و انّما يقصدون الإباحة، و هذا الوجه بعيد غاية البعد.

و الثّاني: حكمهم بالإباحة في مورد قصد المتعاطيين الإباحة الخاصّة كما صنعه بعض من قارب عصرنا في جواهره. (1)

و هو بعيد أيضا، مخالف لظاهر كلماتهم، بل لصريح بعض كما ستحقّق إن شاء اللّه تعالى.

الثّالث: حمل الإباحة على الملك المتزلزل كما صنعه المحقّق الثاني (قدس سره)، و هذا أيضا بعيد.

الرابع: أن يكون مورد كلماتهم امّا خصوص ما إذا قصد التمليك أو للأعمّ منه و من قصدهما الإباحة بحيث تكون كلماتهم شاملة لصورة قصد التمليك.

و هذا هو الذي يظهر من مجموع كلماتهم بعد ملاحظة المجموع و ردّ بعضها إلى بعض.

و بالجملة فالّذي ينبغي أن يقال في هذا المجال، عدم خروج صورة قصد التّمليك عن مورد كلماتهم بل امّا أن يكون المورد هو بخصوصه أو الأعمّ، فالمهمّ في المقام إثبات شمول كلماتهم لما إذا قصد التّمليك في المعاطاة، لا خصوص قصد الإباحة، سواء شملها أم لا، و بيان ما فيما ارتكبوه من البعد عن ظاهر كلماتهم، و هذا لا بدّ من إيراد كلمات بعضهم الظّاهرة في المقصود، فنقول مستمدا من اللّه تعالى:

قال المحقّق في «الشّرائع»: «و لا يكفي التّقابض من غير لفظ، و إن حصل من الأمارات ما دلّ على إرادة البيع» (2) انتهى.

____________

(1) جواهر الكلام: 22- 218.

(2) شرائع الإسلام: 2- 7.

22

و لا ريب في صراحة كلامه فيما ادّعيناه إن لم نقل بها في، خصوص قصد التّمليك، لأنّ مراده (قدس سره) أنّ البيع لا يحصل بمجرّد إيقاع الفعل في الخارج، لعدم صراحته في إثبات الملكيّة كاللّفظ، فلا يترتّب عليه الأثر في نظر الشّارع، و إن حصل من الأمارات ما دلّ على إرادة الملكيّة، و هذا ظهوره في المدّعى غير خفيّ.

و قال في «السرائر»: بعد ذكر اعتبار الإيجاب و القبول، و اعتبار تقدّم الأوّل على الثاني، ما هذا لفظه: «إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشّارب فقال أعطني بقلا، فإنّه لا يكون بيعا و لا عقدا، لأنّ الإيجاب و القبول ما حصلا، و كذلك سائر المحقّرات، و سائر الأشياء محقّرا كان أو غير محقّر، من الثّياب و الحيوان أو غير ذلك، و إنّما يكون إباحة له، فيتصرّف كلّ منهما فيما أخذه تصرّفا مباحا، من غير أن يكون ملكه أو دخل في ملكه، و لكلّ منهما أن يرجع فيما بذله، لأنّ الملك لم يحصل لهما، و ليس هذا من العقود الفاسدة، لأنّه لو كان عقدا فاسدا لم يصحّ التصرّف فيما صار إلى كلّ واحد منهما، و انّما ذلك على جهة الإباحة» (1) انتهى.

أقول: كلامه هذا و إن كان دالّا على نفي البيعيّة عنها، إلّا أنّه صريح في شموله لما لو قصد المتعاطيان الملك، و ذلك أعني عدم صدق البيعيّة لا ينافي ثبوت القصد بفعلهما بعد ما صاروا إليه من كون البيع مساوقا للعقد، و يكشف عن كونه مساوقا للعقد عنده ذكرهما في عرض واحد و تعليله لهما بعلّة واحدة من أنّ الإيجاب و القبول ما حصلا، و يعلم من هذا التّعليل ثبوت قصد الملكيّة لأنّه على فرض عدمه تعليله به أولى من تعليله بما ذكر كما لا يخفى.

ثمّ أنّ نفي البيعيّة عن المعاطاة في كلامه (قدس سره) يحتمل وجهين:

أحدهما: نفي كونه بيعا صحيحا عند الشّارع المترتّب عليه الأثر في نظره، و إن

____________

(1) السرائر: 2- 250.

23

كان بيعا في العرف، فيكون بيعا فاسدا شرعا.

و لكنّ هذا مشكل لمنافاته ما صرّح به بعد في ذيل كلامه من عدم كونه فاسدا، و عدم انتساب واحد من العلماء (رضوان اللّه عليهم) بالقول بكونها بيعا فاسدا ما عدا العلّامة (رحمه الله) في «النهاية».

الثاني: أن يكون المراد بعدم كونها بيعا عدم كونها سببا مؤثّرا عند نظر الشارع لاعتباره في مقام التأثير اللّفظ، مع كون مفهوم البيع هو السّبب المؤثّر، فحكمه بعدم كونها بيعا لخروجه عن مصداق البيع، لعدم كونها سببا مؤثّرا حينئذ، و بعد أخذ التأثير في مفهوم البيع إطلاق البيع الفاسد و كذا العقد الفاسد ليس إلّا إطلاقا مجازيّا، و تعقّبه بلفظ الفاسد قرينة على المجازيّة.

و الفرق بينه و بين الأوّل الذي استند إلى العلّامة (رحمه الله) أنّه بناء على الأوّل يترتّب عليه آثار البيع الفاسد بخلاف الثاني لعدم كونه بيعا حينئذ و انّما هو إباحة صرفة كما صرّحوا بها.

و بالجملة ظهوره في المدّعى غير محتاج إلى البيان، و إن يشكلا من جهات أخر، و هذا لا يضرّ ما نحن بصدده.

و عن الشيخ في «الخلاف»: «إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب فقال أعطني بها بقلا أو ماء فأعطاه، فإنّه لا يكون بيعا، و كذلك سائر المحقّرات، و انّما يكون إباحة له، فيتصرّف كلّ منهما فيما أخذه تصرّفا مباحا، من دون أن يكون ملكه، و فائدة ذلك أنّ البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل، أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك، لأنّ الملك لم يحصل لهما، و به قال الشّافعي.

و قال أبو حنيفة: يكون بيعا صحيحا و إن لم يحصل الإيجاب و القبول، و قال ذلك في المحقّرات دون غيرها.

دليلنا: إنّ العقد حكم شرعيّ، و لا دلالة في الشّرع على وجوده هاهنا،

24

فيجب أن لا يثبت، و امّا الإباحة بذلك فمجمع عليه لا يختلف العلماء فيها» (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و من البيّن أنّ النّزاع بينه (رحمه الله) و بين أبي حنيفة فيما إذا قصد التّمليك و إلّا فلا وجه لاستناده (قدس سره) لعدم تحقّق البيع بعدم تحقّق الإيجاب و القبول، ضرورة أنّ الاستناد إلى عدم قصد التّمليك أولى من الاستناد به.

و توهّم: كون النّزاع معه صغرويا، بمعنى أن الشيخ (قدس سره) يدّعي عدم قصد التّمليك من المتعاطيين في المعاطاة المتعارف فلا يكون بيعا، لأنّه لا بدّ فيه من القصد المذكور، و أبا حنيفة يدّعي قصده فيها فيحكم بتحقّق التبعيّة.

مدفوع: أوّلا، بأنّه بعيد عن سياق الكلام كما لا يخفى، حيث علّل بعدم تحقّق الإيجاب و القبول، و بأنّ العقد حكم شرعيّ، بل لا يمكن حملها على ما توهّم لصراحته في المدّعى و عدم قابليّته للتأويل، و حكمه بإبقاء البيعيّة في المعاطاة لأجل ما ذكرناه سابقا من [أنّ] البيع عندهم مساوق للعقد و حيث انتفى انتفى البيع.

و بالجملة ظهور كلمات العلماء فيما ادّعيناه ليس قابلًا للإنكار، و من أراد التتبّع فليرجع إلى كتبهم رحمهم اللّه.

الكلام في حكم كلّ من الأقسام المتصوّرة المقدّمة في أوّل العنوان:

و لا بدّ قبل التعرّض لها من بيان مقدّمة حتّى تظهر بها حقيقة الحال، و هي معرفة حقيقة الإيجاب و القبول، و أنّ كلّا منهما كما يتحقّق في اللّفظ كذلك يتحقّق بالفعل الكاشف عن الرّضا أم لا؟

فنقول: مستمدا من اللّه تعالى، إنّهم قد قالوا بجواز تقديم القبول على الإيجاب

____________

(1) كتاب الخلاف: 3- 41، مسألة رقم 59.

25

في النّكاح و غيرها، مثلا لو قال المشتري مشيرا إلى سلعة بعنيها فقيل له «بعتكها» صحّ العقد و لا يحتاج إلى إيجاد قبول آخر.

و قال الشيخ (رحمه الله) في «المبسوط» على ما حكي عنه في كتاب النّكاح، بعد كلام له ما هذا لفظه: «و أمّا إن تأخّر الإيجاب و سبق القبول، فان كان في النّكاح فقال الزّوج «زوّجنيها» فقال: «زوجتكها» صحّ و ان لم يعد الزوج القبول بلا خلاف» إلى أن قال: «و إن كان هذا في البيع فقال بعنيها فقال «بعتكها» صحّ عندنا و عند قوم من المخالفين، و قال قوم منهم لا يصحّ حتّى يسبق الإيجاب» انتهى.

ادّعى الشيخ (رحمه الله) عدم الخلاف في الصحّة مطلقا في النّكاح و في البيع عندنا.

إذا عرفت هذا فلا بدّ من التأمّل في أنّه هل هو قبول لفظي مقدّم على الإيجاب، أو هو كاشف عن القبول الفعلي المتعقّب للإيجاب و الرّضا على مؤدّاه؟

و الظّاهر كونه من القسم الثاني، ضرورة عدم كون الرّضا بالإيجاب المستقبل من معنى الأمر بالبيع و إن كان مستلزما له، و انّما هو استدعاء للبيع فيكون كاشفا عنه على نحو الأمارة لا الدّلالة، فليس هو قبولا لفظيّا للإيجاب المتأخّر، مضافا إلى شهادة الوجدان السّليم بعدم كون الأمر بالبيع عند النّاس إنشاء للقبول كما لا يخفى، فلو كان البيع عبارة عن التّمليك المشخّص في ضمن الإيجاب و القبول اللّفظيّين يلزم أن لا يكون هذا بيعا أصلا، مع أنّهم حكموا بكونه بيعا صحيحا، فهذا يكشف عن أنّ البيع كما يتحقّق بالقولين كذلك يتحقّق بالفعلين، فإنشاء التّمليك في تعريف البيع أعمّ من أن يتحقّق في ضمن القول أو الفعل.

و مع هذا التّعميم أيضا لا شبهة في خروج بعض أفراد المعاطاة عن تعريف البيع، حيث لا إنشاء فيها، كما إذا علم برضاء صاحب السّلعة الّتي وضعها في معرض البيع بشرائه على ثمن خاصّ، فان المشترين حينئذ يأخذونه و يضعون ثمنه في مكانه المعدّ له، و كذا يدخلون للحمّام مع العلم برضاء صاحبه و غيبته ثم يضعون أجرته في مكانه المعدّ له، و كذا في شرب الماء و أخذ البقل و غيرها، بل جرى

26

سلوكهم على هذا المنوال، و من البيّن أنّه ليس في هذا القسم من المعاطاة إنشاء لا فعلا و لا قولا من البائع أصلا لفقده، كما هو المفروض.

و توهّم: تحقّق الإنشاء الفعلي منه حين جعله عرضة للبيع، مدفوع: بأنّ الإنشاء لا بدّ له من المنشئ له المعيّن، و إلّا فلا معنى لإنشاء الملكيّة للغير مع عدم تعيين الغير، بل جعلها هكذا ليس إلّا الرّضا بالبيع و لا يدلّ إلّا عليه، و من البيّن أنّ شراء المشتري له ليس إلّا الجري على الرّضاء، بل لا يبعد ادّعاء كون أغلب أفراد المعاطاة بل جميعها من هذا القبيل، أي ممّا لا إنشاء فيها لا فعلا و لا قولا، ضرورة أنّ كلّا من المتعاطين بعد العلم برضاء صاحبه بما يقصده يعطيه ما في يده من غير قصد إنشاء التّمليك بفعله هذا، بل ليس الفعل إلّا الجري على الرّضاء.

و إن أبيت إلّا عن ذلك فاختبر من نفسك بأنّك هل ترى فرقا بين القبض و الإقباض الّذين يتعقّبان العقد أو يحصلان بدونه؟، فكما أنّ المتعقّب للعقد لا ينشأ به التّمليك ضرورة حصوله بنفس العقد، كذلك فيما نحن فيه فليس في الفعل إنشاء تمليك، و لعلّه إلى هذا ينظر من قال في وجه عدم كفاية المعاطاة في البيعيّة كالعلّامة (رحمه الله) بأنّ الأفعال قاصرة عن إفادة المقاصد.

إذا عرفت ما ذكرناه من عدم اشتمالها على إنشاء التّمليك لا فعلا و لا قولا، و لو باعتبار بعض أفرادها، تعلم عدم شمول ما ذكرناه تعريفا للبيع لها، فيخرج عن البيع بمقتضى هذا التّعريف فلا يكون إلّا إباحة صرفة، و لكنّ الحكم بعدم كونها بيعا مشكل لعدم صحّة سلب البيع عنه في نظر العرف، بل يتبادر منه هذه فيتسرّى الإشكال إلى التعريف، لعدم جامعيّته للأفراد، لعدم شموله للمعاطات، مع أنّا قد أثبتنا كونها بيعا.

فتلخّص من هذا عدم اعتبار الإنشاء في مفهوم البيع، بل ليس البيع عندهم إلّا التّراضي بالتّمليك و الجري على رضاهم و التّباني عليه و ترتيب آثار الملك، و ليس مطلق التّراضي بيعا، بل التّراضي الذي يكون كاشفة الفعل، و هذا نظير الفسخ الفعلي

27

الذي قيل إنّه عبارة عن عدم الرّضا بمقتضى العقد المكشوف بالفعل لا مطلق عدم الرّضا، و لذا لو فرض علم من عليه الفسخ بعدم رضائه من له الفسخ للزم القول بالفسخ، مع أنّا لا نقول به، و ليس نفس الفعل أيضا فسخا و إلّا لزم الحكم بتحريم وطي الجارية لو بيعت و كان الفسخ لو وطئها، لأنّ المفروض أنّ الفسخ يتحقّق بالوطي، فحين الوطي لا محالة يكون ملكا للمشتري و بعد تحقّقه ينفسخ، فهو نظير لفظ «فسخت» أو «بعت» في السببيّة، كما أنّ سببيّة اللّفظ موقوفة على الفراغ عنه كذلك سببيّة الفعل لو قلنا بأنّه السّبب، و ذلك ظاهر لتأخّر المسبّب عن السّبب في الوجود، و اللازم باطل ضرورة، فيكون الفسخ عدم الرّضاء بالبيع المنكشف بالفعل.

فتلخّص: أنّ البيع عند العرف عبارة عن التّراضي على النّحو الخاصّ المتعقّب بالفعل الكاشف عنه، و ذلك لكون المعاطاة عندهم بيعا، مع انّهم لا يقصدون بالفعل في الأغلب إنشاء التمليك، لما عرفت من عدم الفرق بين القبض و الإقباض الحاصلين عقيب العقد و ما يحصل منهما بدون العقد.

و كيف كان فنتكلّم الآن في بعض أقسام المعاطاة، أعني ما قصد فيه الإنشاء الفعلي بالتّقابض، في أنّه هل تثبت به الملكيّة أم لا؟

فنقول: إنّ ما يمكن الاستدلال به بحصول الملكيّة أمور:

الأوّل: قوله تعالى أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1).

و دلالته على المقصود انّما تتمّ بعد إثبات كونه في مقام بيان الحكم الوضعي أعني الصحّة لا مطلق الحكم التكليفي أعني الحلّية، و بعد إثبات كون الإطلاق في مقام بيان الحكم نفسه لا في مقام بيان أمر آخر، ضرورة أنّه لو كان كذلك لما جاز التمسّك به بعد ما قرّرناه في الأصول، و أنّ التمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ في مقام لو لم يقصد

____________

(1) سورة البقرة: آية 275.

28

المتكلّم من اللّفظ العموم للزم القبح عليه، و ذلك إنّما يلزم لو كان في مقام بيان الحكم و شرائطه، و امّا لو كان في مقام تشريع الحكم، أو مقام بيان بعض الأغراض التي لا ينافيها الإهمال، كقول الحكيم للمريض «لا بدّ لك من أن تشرب الدّواء» فلا يجوز التمسّك بالإطلاق.

فنقول: امّا كون المراد من حلّية البيع صحّته و جواز ترتّب الآثار المبتنية عليه و حصول الملكية به فغير بعيد، بل هو الظاهر من قول القائل: «المعاملة الكذائيّة حلال» و ذلك لإطلاقهم المعاملة كثيرا ما على المعاملة الّتي يترتّب عليها الأثر، و كذا البيع الصّادق عليها، و اتصافهم إيّاها بالحلّية باعتبار ترتّب الآثار من غير ملاحظة نفس المعاملة من حيث هي مع قطع النّظر عن الآثار، فيكون على هذا معنى قوله تعالى أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1) الذي يتوصّل أهل العرف به إلى ترتّب الآثار، و معنى حلّيته حلّية ترتّب الآثار عليه، لأنّ الظّاهر من استناد الحلّية إلى الأفعال حلّية ما يترتّب عليها من الآثار، و إلّا فالحكم بحلّية نفس الأفعال من حيث هي من دون ملاحظة الآثار و حرمتها فمستبعد غاية البعد، و حينئذ يكون معناه حلّية ترتّب الآثار عليه، و ذلك معنى الصحّة لانتزاعها من الحكم التكليفي على التّحقيق.

و امّا كون الآية في مقام بيان أحكام نفس البيع و شرائطه ففيه تأمّل بعد ملاحظة سوق الآية، و كونها في مقام دفع توهّم كون البيع مثل الرّبا، حيث زعموا أنّ البيع مثل الرّبا فلا حكم بحلّية البيع و حرمة الرّبا، فقال اللّه تعالى ردّا عليهم أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا (2) إذ معلوم أنّ تلك القضيّة صادقة بحلّية بعض أقسام البيع و لو خرج بعض أقسامه الآخر، و الغرض المأتي له الكلام يتحصّل مع إهمال القضيّة أيضا، فلو كانت مهملة في الواقع لخروج بعض الأقسام باعتبار بعض الشّرائط فيه لا يلزم على المتكلّم الحكيم تعالى قبح أصلا، لعدم كونه في معرض بيان أحكام البيع

____________

(1) سورة البقرة: آية 275.

(2) سورة البقرة: آية 275.

29

و شرائطه، إذ لو كان للبيع أحكام و شرائط في الواقع و قال اللّه تعالى أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (1) بالشّرائط المقرّرة لا يلزم القبح عليه، حيث لا يكون في مقام بيان الشّرائط كذلك لو قال أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ على نحو الإطلاق، فالتمسّك بالإطلاق و حمله على العموم غير متّجه مع عدم إحراز كونه في مقام البيان، فلو شكّ في اعتبار شرط في البيع لا يجوز التمسّك بالإطلاق ما لم يحرز كونه في مقام بيان الشّرائط حتّى يكون إطلاقه قرينة على العموم.

اللّهمّ إلّا أن يستفاد من تمسّك الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) خلفا عن سلف في أبواب البيوع عند الشكّ في الشرائط، كون الإطلاق في مقام بيان حكم نفسه، بل التمسّك به عندهم من المسلّمات كما لا يخفى على المتتبّع، فتأمّل.

الثاني: قوله سبحانه و تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ (2).

تقريب الاستدلال: إنّ الآية تدلّ على جواز أكل المال لو كان مستند حصوله تجارة عن تراض، و لا ريب أنّ جواز الأكل كناية عن جواز مطلق التصرّفات، حتّى ما كان موجبا لإتلافه، و لا ريب أنّ المعاطاة بعد الحكم بكونها بيعا و تجارة و عن تراض في نظر العرف، و لا يعدّ من الأكل بالباطل لديهم، مشمولة للآية، فالآية تدلّ على سببيّة التّجارة للحلّية الّتي من جملتها المعاطاة.

و توضيح ذلك: أنّ الظاهر كون الاستثناء في الآية منقطعا، لأنّه لو لم يكن كذلك يلزم أن تكون التّجارة أيضا من الأكل بالباطل، إلّا أنّه حكم الشّارع بحلّية هذا الأكل مع أنّها في العرف لا تعدّ أكلا بالباطل، و لذا لا يدلّ على انحصار سببيّة حلّ الأكل بالتّجارة، ضرورة جواز الأكل بالإذن و الإباحة و غير ذلك ممّا ليس تجارة قطعا، إذ لو كان الاستثناء متّصلا لدلّ على ذلك، و لكنّه لو كان منقطعا يكون

____________

(1) سورة البقرة: آية 275.

(2) سورة النساء: آية 29.

30

بمنزلة الاستدراك عن الكلام السّابق، فيكون حاصل المعنى و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، و لكن يجوز الأكل إذا كان حصل المال من التّجارة عن تراض.

و بعبارة اخرى: إنّه تعالى حرّم أكل المال بالباطل، و بيّن أنّ التّجارة عن تراض ليس من هذا القبيل، فلا يدلّ هذا الكلام أن لا شيء من الأموال جائز الأكل غير التّجارة، عن تراض بل حرمة أكل المال بالباطل و جواز الأكل بالتّجارة من غير تعرّض لغيرها إذا لم يكن أكلا بالباطل، بمعنى أنّه لا يفهم الانحصار منها.

و لكن يمكن الخدشة في دلالة الآية على المراد حيث أنّه يدلّ على جواز مطلق التصرّفات بناء على كون الأكل كناية عنه كما هو الظاهر، و لا يدلّ على حصول الملكيّة، فلا يثبت بها المطلوب من حصول الملكيّة بالمعاطات.

و يمكن أن يجاب: بأنّها تدلّ على جواز مطلق التصرّفات الّتي منها ما لا يحصل إلّا في ملك كالعتق و نحوه، حيث ورد أنّه «لا عتق إلّا في ملك» (1) و جواز هذه التصرّفات ملازم للملكيّة فيثبت بها المطلوب.

الثالث: قوله (عليه السلام) «الناس مسلّطون على أموالهم» [2].

تقريب الاستدلال: أنّ ما يحصل بالمعاطات يصدق عليه الملك، و استرداده عنه من غير رضاه مناف لسلطنته، منفيّ بالحديث.

و في هذا الاستدلال نظر (3): إذ السّلطنة انّما تتحقّق بعد حصول الملكيّة، و الكلام في أنّ الملكيّة هل تحصل بهذا حتّى تثبت له السّلطنة أم لا؟، و ليس هذا في

____________

[2] الظاهر أنّ تقريب الاستدلال بهذا النحو صدر منا غفلة عن فهم مرادهم، و هذا إنّما يناسب لإثبات اللزوم لا الملكيّة، و اما الاستدلال للملكيّة فتريبه أن يقال: إنّ المتعاملين لم يقصدا بفعلهم الّا البيع كما يشاهد بالوجدان، و عدم تأثير فعلهم في التمليك ينافي سلطنتهم كما لا يخفى، فتأمل. (منه (رحمه الله)).

____________

(1) بحار الأنوار: 2- 272.

(3) عوالي اللئالي: 1- 222، بحار الأنوار: 2- 272.

31

مقام بيان الأسباب الموجبة للتّمليك، فالتمسّك إنّما يتمّ فيما لو شكّ في ثبوت سلطنة خاصّة للمالك بعد إحراز الملكيّة، لا فيما لو شكّ في أصل الملكيّة كما لا يخفى.

الرّابع: استقرار سيرة المسلمين على معاملة المأخوذ بالمعاطات معاملة الملك في التصرّف فيه، بالعتق و التّوريث و البيع و الوطي و الإيصاء و غير ذلك من الآثار الملازمة للملكيّة، و هذه السيرة القطعيّة كاشفة عن إمضاء الشّارع، و عدم ردعه لهم، و هو حجّة قطعا، و هذه السّيرة بحيث لا يمكن لأحد إنكارها، و لذا ما ردّها القائلون بالإباحة، بل تلك السّيرة اضطرّتهم على قولهم، و ان لا ينكرون إباحته أيضا.

32

[في ملزمات المعاطاة]

قوله (رحمه الله): «في ملزمات المعاطاة على كلّ من القول بالملك و القول بالإباحة» (1).

أقول: التّعبير بالملزمات عن المقدورات إنّما يصح على القول الأوّل أعني القول بإفادتها الملكيّة، لأنّه قد ثبت بالدّليل أنّ الملكيّة الحاصلة بها جائزة، بحيث يجوز لكلّ من المتعاطيين الرّجوع إلى ما كان ملكا له بعد صيرورته ملكا للآخر بالمعاطات، و لكنّه بتحقّق إحدى المعدودات تصير الملكيّة لازمة، فهي مصيرة لمّا كانت جائزة لازمة، بمعنى أنّه لا يجوز بعد ذلك لواحد منهما إبطال المعاطاة، فكان إطلاق الملزم عليه في محلّه، بخلاف القول بإفادتها الإباحة لأنّه ليس المقصود أنّ بها تصير الإباحة الّتي كانت جائزة لازمة، ضرورة استلزام الإباحة- جائزة كانت أو لازمة- بقاء العين في ملك المالك حتّى يعقل إباحة التصرّف، و بعد إتلافها لزوم الإباحة غير معقول، لأنّه فرع تحقّق الموضوع فإطلاق الملزمات عليها في هذه الصورة مسامحة في التّعبير.

____________

(1) كتاب المكاسب: 90 سطر 34.

33

قوله (قدس سره): «لما عرفت من الوجوه الثمانية المتقدّمة» (1).

يعني بها الاستصحاب، و قوله (عليه السلام): «النّاس مسلّطون» (2)، و كذا «المؤمنون عند شروطهم» (3)، و «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (4) و غير ذلك ممّا ذكره (قدس سره) تمسّكا لأصالة اللّزوم في الملك.

قوله (رحمه الله): «و امّا على القول بالإباحة فالأصل عدم اللّزوم لقاعدة تسلّط الناس على أموالهم» (5).

أقول: إثبات الأصل المذكور بالقاعدة المذكورة إنّما يتّجه لو قلنا بأنّ الإباحة إنّما جاءت من قبل المالك، لأنّها مستندة حينئذ إلى سلطنته، فحيث شاء أمضاها، و متى أراد يرجع عنها، فالأمر موكول إليه، فإذا شككنا في جواز الاسترداد بمقتضى القاعدة المذكورة يحكم به، هذا إذا كانت الإباحة مالكيّة.

و امّا لو كانت شرعيّة- كما هو الأقوى على القول بها- فالتمسّك بها مشكل لانقطاع سلطنة المالك بها، لأنّها جاءت من جانب الشّارع من دون إذن المالك، لأنّ ما قصده المالك أعني التّمليك لم يقع، و ما وقع أعني إباحة التصرّف من غير انتقال العين لم يقصده المالك، و إنّما ثبت بحكم الشّارع، و هذا أعني جواز التصرّف في ملكه بدون إذنه مناف لسلطنته فبذلك انقطع سلطنته، فلو شكّ في ثبوتها بعد ذلك يتمسّك باستصحاب المخصّص الذي هو جواز التصرّف في ملكه من غير إذنه، إلّا أن يدّعى دلالة الأدلّة الدالّة على ثبوت السّلطنة للمالك على العموم الأزماني، فلو خرج الحكم في قطعة من الزّمان عن تحت العام لدليل يبقى العام بالنّسبة إلى بقيّته

____________

(1) كتاب المكاسب: 90 سطر 35.

(2) عوالي اللئالي: 1- 222، بحار الأنوار: 2- 272.

(3) وسائل الشيعة: 21 باب 20 ص 276.

(4) سورة المائدة: آية 1.

(5) كتاب المكاسب: 90 سطر 35.

34

على عمومه، لأنّه حينئذ بمنزلة أحكام عديدة يشمل كلّ جزء جزء كما ثبت في محلّه، فالأصل فيها على هذا القول بمقتضى القاعدة الجواز.

و لكنّ الدعوى مدفوعة: بأنّ المستفاد منها كونها حكما واحدا بسيطا مستمرّا ما دام الملك باقيا، لأنّها أحكام متعدّدة بالقياس إلى أجزاء الزّمان، إذ الظّاهر من قوله (عليه السلام): «النّاس مسلّطون» (1) و كذا غيره أنّ السّلطنة مستمرّة للمالك ما دام الشّيء في ملكه، و لا يدلّ على أنّ له في كلّ جزء من أجزاء الزّمان سلطنة مستقلّة كما لا يخفى، و حينئذ لو شكّ في بقاء الحكم المخصّص يرجع إلى ما يقتضيه الأصل فيه أعني بقاء حكمه لا إلى عموم العام، و إثبات حكم العام له بعد ذلك الزّمان يحتاج إلى دليل آخر كما تحقّق في محلّه، و لا يخفى أنّ استصحاب المخصّص لا يثبت به إلّا إباحة التصرّف في الزّمان المشكوك.

و امّا خروجه عن ملك المالك و صيرورة البدل ملكا له فلا، بل مقتضى الأصل بقاء الملكيّة في ذلك الزّمان، و يتفرّع على ذلك أنّا لو منعنا اجراء الاستصحاب في المخصّص أيضا و قلنا إنّ موضوعه ما إذا لم يثبت المنع من المالك، لا بدّ أن يرجع حينئذ إلى قاعدة أخرى كحكم العقل بجواز تصرّف المالك في ملكه، لا من جهة العموم لما عرفت من عدم جواز التمسّك بالعام في مثل المقام.

هذا، و لكنّ الإنصاف في هذه الصّورة و لو قلنا بكون الإباحة شرعيّة أيضا الجواز، لأنّ سلطنته غير منقطعة بالكلّية، بل تجويز الشّارع التصرّف مقيّد بعدم الاسترداد، و بعدم إبطال التّعاطي، فله أن يستردّ و أن يبطل، فهذه السّلطنة ثابتة للمالك و لو في زمان التّعاطي، نعم ليس له ما دام راضيا بالتّعاطي المنع عن التصرّف لإباحته شرعا، و لكن له الإبطال فمتى شكّ في اللّزوم يحكم بجواز الابطال بالاستصحاب، و لا يعارض بأصالة جواز التصرّف لوروده عليه، لأنّ موضوعه

____________

(1) عوالي اللئالي: 1- 222، بحار الأنوار: 2- 272.

35

مقيّد بعدم الإبطال.

و اعلم أنّا قد ذكرنا أنّ الأقوى على فرض القول بالإباحة كونها شرعيّة لا مالكيّة لعدم اذن المالك و إمضائه إيّاها، و لكنّه قد يظهر من بعض المحقّقين أنّ الإباحة مالكيّة حيث ذكر في وجهها أنّ التّمليك الذي قصده المتعاطيان لازمه الاذن في التصرّف لأنّه لا ينفك عن الإذن، و بعد حكم الشّارع بعدم حصول التّمليك فلا مانع من جواز التّصرف الذي فهم ضمنا بالالتزام، فجواز التصرّف مستند إلى اذن المالك لا إلى جعل الشّارع في هذا المقام بخصوصه.

و فيه أوّلا: النّقض بالبيوع الفاسدة حيث أنّهم قائلون بعدم جواز التصرّف في البيع بعد كشف حالها، فلو كان الإذن المستفاد من التّمليك موجبا لجواز التصرّف و إباحته لكان التصرّف فيها أيضا جائزا لعدم الفرق بينهما.

و ثانيا: بالحلّ، و هو أنّ اذن المالك بعد التّمليك غير معقول، إذ الفعل الصّادر من المالك انّما هو صيرورة الشّيء ملكا، و امّا جواز تصرّفه فمن آثار الملكيّة، ألا ترى أنّه ليس له المنع عن التصرّف بعد جعله ملكا له، فالإذن بعد التّمليك بمنزلة قوله تصرّف في ملكك و هذا لا يفيد شيئا.

إن قلت: هذا الذي ذكرت أنّه مستفاد من التّمليك يكفي في ثبوت الإذن.

قلنا: بعد النّقض بالبيوع الفاسدة، أنّ الاذن في التصرّف بزعم كونه ملكا للغير لا يكفي في جواز التصرّف لو كان في الواقع ملكا لمن اذن التصرّف.

قوله (قدس سره): «لو سلّم جريانها» (1).

لعلّه أراد إمكان منع إجراء أصالة بقاء الإباحة لإرجاعه إلى الشكّ في المقتضي، بأن يقال بأنّ الشكّ مستند إلى كيفيّة اقتضاء المقتضي حيث لا نعلم أنّ

____________

(1) كتاب المكاسب: 91 سطر 1.

36

سببيّة المعاطاة لإباحة التصرّف مطلقا بحيث يشمل الصّورة المشكوكة، أو انّها ما دام لم يمنع المالك؟ و لو قلنا بأنّه من هذا القبيل أعني الشكّ في المقتضي لم يجر الاستصحاب فيه على مختاره (قدس سره)، إلّا أنّ إرجاعه إليه لا يخلو عن تأمّل، لأنّ المنع على فرض تأثيره مانع عمّا اقتضاه المعاطاة و إلّا ففي كلّ مورد يشكّ في طروّ المانع يمكن إرجاعه إلى الشكّ في المقتضي بهذا التّقرير، فافهم.

قوله (قدس سره): «إنّ تلف العوضين يلزم» (1).

أي ملزم للمعاملة المعاطاتيّة التي كانت جائزة، و هذا لا ينافي كون متعلّق الشكّ في الجواز موضوع التّراد، إذ تبعيّته لو كانت متعلّقة التّراد أيضا لسرى الجواز في أصل المعاملة، و إلّا فإطلاق الملزوم مسامحة في التّعبير كما لا يخفى.

قوله (قدس سره): «لأنّ تلفه من مال مالكه، و لم يحصل ما يوجب ضمان كلّ منهما مال صاحبه، و توهّم جريان قاعدة الضّمان باليد هنا مندفع بما سيجيء» (2).

و أراد ممّا سيجيء، ما ذكره فيما لو تلف أحد العينين، من أنّ التمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلّه بعد القطع بأنّ هذه اليد قبل التلف لم تكن يد ضمان، بل و لا بعده إذا بنى مالك العين المأخوذة على إمضاء المعاطاة و لم يرد الرّجوع.

أقول: إنّ هنا أصلين على القول بالإباحة:

أحدهما: جواز تصرّف كلّ من المتعاطيين فيما بيده من مال الآخر بأيّ نحو شاء من التصرّف، الذي من جملته الأكل و الشّرب و الإنفاق و الإعطاء و البيع و غير ذلك، كما التزم القائلون بالإباحة.

و ثانيهما: قاعدة (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)، و هذه القاعدة تشمل ما

____________

(1) كتاب المكاسب: 91 سطر 1، و فيه: ملزم.

(2) كتاب المكاسب: 91 سطر 2.

37

نحن فيه لعمومها، لصدق إتلاف مال الغير لو أكل المال أو شربه أو باعه و غير ذلك، و لا منافاة بين مدلولي القاعدتين حتّى يخصّص أحدهما بالآخر، أو يكون أحدهما حاكما على الآخر، أو يرجع إلى أصل، إذ من الجائز أن يجوز التصرّف بشرط الخروج عن عهدته، إذ مقتضى قاعدة من أتلف أنّه يجب الخروج عن عهدة ما أتلف بأيّ نحو حصل، فمقتضى الجمع بين الأصلين تحقّق الضّمان بالإتلاف، و وجوب الخروج عن العهدة، و لكنّ التصرّف سائغ شرعا من غير حرمة، و قد عرفت أنّ معنى الضمان الخروج عن عهدة ما أتلف.

و بالجملة: الواجب على المتلف هو الخروج عن العهدة، و لا شبهة أنّه يجب على هذا الشّخص الخروج عن العهدة، و خروجه عن العهدة بالإجماع منحصر برفع اليد عمّا أباحه للآخر، بحيث لو لم ينعقد الإجماع على الانحصار لكان اللّازم على القائلين بالإباحة الالتزام بوجوب الخروج عن العهدة ببذل المثل أو القيمة لكونهما أقرب من التّالف، و لكن بعد قيام الإجماع علم أنّ ما في يد كلّ من المتعاطيين من مال الآخر بدل جعلي عن ماله على فرض تلفه بيد الآخر.

فتبيّن ممّا ذكرنا أعني من تعميم الخروج عن العهدة بحيث يعمّ البدل الجعلي أنّه لا داعي لتخصيص القاعدة به مع عدم التّنافي بين مدلوليها، و إلى هذا أشار المصنّف (قدس سره) على نحو الاحتمال، و سيجيء مزيد توضيح لذلك من جريان الأصل و معارضته و غير ذلك من الأحكام عند الكلام فيما لو تلف إحدى العينين إن شاء اللّه تعالى.

قوله (قدس سره): «و منه يعلم حكم ما لو تلف إحدى العينين أو بعضها على القول بالملك» (1).

أي من أنّ الأصل في الملكيّة اللّزوم، و المعلوم خروجه عن مقتضى الأصل هو

____________

(1) كتاب المكاسب: 91 سطر 8.

38

صورة إمكان التّراد، و امّا غيرها فمشكوك محكوم بحكم الأصل باللّزوم.

و توهّم: جريان استصحاب الجواز في صورة الشكّ.

مدفوع: بعدم إحراز موضوع المستصحب، لاحتمال اختصاصه بالصّورة المذكورة كما لا يخفى.

39

[في شروط البيع]

[مسألة: هل يجوز تقديم القبول على الإيجاب أم لا؟]

مسألة: هل يجوز تقديم القبول على الإيجاب أم لا؟ (1)

فيه تفصيل سيتّضح إن شاء اللّه، و لا يخفى أنّ هذه مبتنية على مذهب المشهور من عدم كفاية مطلق اللّفظ في اللّزوم، و امّا على ما قوّيناه سابقا من كفاية المعاملة العرفيّة في الملكيّة، و أنّ الأصل فيها اللّزوم، خرج منها ما خرج مثل المعاطاة، حيث أطبقوا على عدم اللّزوم فيها، فالأمر بيّن حيث نقول بالصحّة و اللّزوم لو لم يقم دليل على الخلاف، و تنقيح المقام يتوقّف على رسم مقدّمتين:

الاولى: أنّ الافتعال و كذا الانفعال لا يدلّ إلّا على حصول الأثر لا قبوله كما هو التّحقيق، بمعنى أنّ مفهوم القبول ليس جزء لما هو الموضوع له لهذا اللّفظ، نعم قد يفهم منه القبول لو تعقّب الفعل لا مطلقا، كما لو قيل ابتداء: (انكسر الكوز)، لا يفهم منه إلّا وقوع الكسر و حصوله فيه، بخلاف ما لو قيل: (كسرته فانكسر) حيث يفهم منه قبوله، و السرّ في ذلك أنّ حصول الفعل فرع قابليّته له، و ذكره بعد إيراد الفعل

____________

(1) كتاب المكاسب: 96 سطر 13.

40

ليس إلّا لبيان قابليّة المحلّ، و ذكر الفعل في هذا المقام لإفادة إيجاد الفاعل الأسباب المستندة إليه في حصول الأثر لا أنّه أوجده، و إلّا فذكر الانفعال لغو مستدرك، فحاصل معنى الكلام أنّي أوجدت سبب الكسر و حصل الكسر فيه، يعني كان قابلًا له، و لذا يصحّ أن يقال: (كسرته فلم ينكسر) يعني ما حصل الكسر فيه و لم يقبله، كما أنّه قد يقال: «علّمته و ما تعلّم»، و «حمّلته و لم يتحمّل»، و من هذا القبيل «ذكّرته فلم يذّكر» إن أريد من عدم الادّكار حقيقته فيكون المراد أنّ نسيانه بمرتبة لا يرفعه الذّكر.

و امّا إن أريد منه عدم المنفعة و عدم ترتيب آثار الذّكر، بمعنى أنّه لا يترتّب آثار الذّكر فخارج عمّا نحن فيه، نظير «و عظة فلم يتّعظ» أي لم ينفع به الوعظ، فتأمّل [1].

و لا يتوهّم: أنّه يلزمنا على هذا، القول باشتراكه بين المعنيين، إذ لا ندّعي أنّه في هذا المورد استعمل في معنى مغاير للمعنى الأوّل.

بل نقول: إنّ ذلك المعنى، أعني حصول الأثر معنى بحيث لو استعمل في هذا المورد لاستفيد منه القبول بالالتزام، فافهم.

الثانية: إنّه كما انّ للمعاملات وجودات عينيّة [2].

____________

[1] وجه التأمّل: أنّه على هذا أيضا قد استعمل في هذا المعنى، و المثال أيضا كذلك، إلّا أنّ عدم القبول و عدم حصول الفعل كناية عن عدم المنفعة حيث ذكر الملزوم أعني عدم حصول الفعل فيه و أريد منه اللّازم، أعني عدم ترتيب آثار الحصول، فافهم. (منه (رحمه الله)).

[2] لبيان توقّف صدق اللّفظ على المعاملة على اتّحاد الماهية الملفوظ بها مع ماهيتها الموجودة بالوجود الخارجي، و إلّا لا يصدق أنّه لفظ لتلك المعاملة، بل هو لفظ أجنبيّ.

توضيح ذلك: إنّ للماهيات وجودات في عوالم أربعة:

تارة: توجد بالوجود الخارجي. و اخرى: بالوجود الذّهني.

و مرّة: بالوجود اللّفظي.

و رابعة: بالوجود الكتبي.

41

كذلك لها وجودات لفظية، يعني كما أنّ لماهياتها تحقّقا خارجيّا كذلك لها تحقّقا لفظيّا، و معلوم أنّ من اعتبر اللّفظ في المعاملات يريد ماهية ملفوظة بحيث لو جرّدت عن كسوة اللّفظ و تحمّلت بوجودها العيني لكانت بعينها هي المعاملة الخارجية، فالمناط كلّ المناط بعد اعتبار اللّفظ في الصحّة في معرفتها ملاحظة الوجود الخارجي العينيّ للمعاملة الملفوظ بها، و إيجاد ماهيتها في ضمن اللّفظ، فلا تكفي الألفاظ الغير المنطبقة عليها فيها، بل لا بدّ أن تكون الألفاظ بماهيتها عين ماهية المعاملات.

إذا عرفت هذا فنقول: إنّ المعاطاة على قسمين:

قسم منها: أن تكون مشتملة على النّقل و الانتقال في كلّ من الطّرفين.

و قسم منها: ما لا يكون إلّا من طرف واحد كالهبة و القرض.

و امّا القسم الأوّل: كالبيع فان كلّا من الطّرفين أعني البائع و المشتري

____________

و قد تبيّن في محلّها أنّها بأعيانها موجودة في هذه العوالم، و حينئذ لو قلنا إنّ صحّة البيع موقوفة على أن يكون منشأ باللّفظ، معناه أنّ ماهيته الّتي لو تحقّقت في الخارج لكانت بيعا خارجيّا أن توجد باللّفظ، و معلوم أنّ تلك الماهية لو لم يعقل تقدّم بعض مقوماتها على الآخر في الوجود الخارجي، أعني القبول في الخارج الذي هو عبارة عن الأخذ الخارج لا يعقل تقدّمها في هذه الوجودات أيضا، و إلّا لم تكن هذه بعينها هي، و هذا خلف.

إن قلت: لعلّ الامتناع بواسطة الوجود الخارجي، بمعنى أنّه من عوارض ذلك الوجود، لأن لوازم الماهية نظير الإحراق للنّار، فلا مانع من الامتناع في هذا العالم و الإمكان في سائر العوالم، لاختلاف الوجودات.

قلت: انّ تأخّر القبول الفعلي الذي هو عبارة عن الأخذ عن إيجابه إنّما هو بالطبع لا بالوجود، و لذا لا ينفكّ في التصور أيضا عنه، إذ لا يعقل تصوّر الأخذ بدون تصوّر إعطاء الغير، و امّا بعض الصّور الذي قلنا بجواز تقديم القبول لو لم يكن بهذا اللّفظ بل بلفظ آخر ك(اشتريت) و (بعت) و نظائرهما فقد عرفت أنّها ليست من تلك الماهيّة حقيقة، أعني ماهية القبول، و انّما تسمّى قبولا لمناسبة أشرنا إليها، بل هي ماهية التملّك حقيقة، و قد بيّنا أنّ البيع الخارجي كما يتحقّق بالتّمليك الفعلي و القبول الفعلي كذلك يتحقّق بالتّملك و التّمليك الفعليين، و هذه التعابير لهذه الماهية، فافهم. (منه (رحمه الله)).

42

ناقل و منتقل.

أمّا البائع: فينقل المتاع و يأخذ الثمن و المشتري بالعكس، و لكنّ الظّاهر من فعل البائع انّه يملك بالعوض و المشتري يتملّك كذلك، و ذلك النّقل و الانتقال الواقع بينهما على قسمين:

تارة: يبتدء البائع بتمليك المبيع و نقله إلى المشتري.

و اخرى: يبتدء المشتري بنقل الثّمن و تملّك المبيع.

و الحاصل: أنّه كما تتحقّق المعاملة الخارجية ببذل البائع المبيع و أخذ المشتري، كذا تتحقّق بنقل المشتري الثّمن بعنوان العوضيّة ابتداء و أخذه البائع بهذا العنوان، فقوام البيع الخارجي في القسم الأوّل انّما يكون بالتّمليك من جانب البائع و الأخذ من طرف المشتري، و هو قبول فعلي، و هو كاشف عن قصد التّمليك و الرّضا بنقل العوض، و تقوّمه في القسم الثاني بالتملّك الفعلي الذي يكشف عنه نقل الثّمن بعنوان العوضيّة، و التّمليك الفعلي الذي يتحقّق بأخذ الثّمن بهذا العنوان.

و لا يذهب عليك أنّ الملحوظ أوّلا و بالذّات من فعل المتبايعين إنّما يكون تمليك البائع و تملّك المشتري، و امّا تمليك المشتري الثّمن و تملّك البائع إيّاه بعنوان العوضيّة إنّما هو ملحوظ ثانيا و بالعوض، و لهذا لا يعبّرون عن البائع بالقابل و عن المشتري بالموجب، و كفاية أخذه في القسم الثاني في البيع لكشفه عن التّمليك، لا لأنّه متقوّم بالقبول الفعلي.

و إذا عرفت ما تلونا لك من أنّ أخذ المشتري المبيع الذي هو قبول فعلي مستلزم لقصد التملّك و نقل العوض، أنّه ممّا به يتقوّم ماهيّة البيع، و معلوم أنّه لا يعقل تقدّم هذه الماهيّة، أعني على نقل البائع، علمت أنّ ما هو تعبير عنها- أعني القبول اللّفظي، و قد يعبّر عنه بالرّضا- لا يجوز تقدّمه على النّقل اللّفظي أعني الإيجاب، لما بيّنا في المقدّمة من أنّ اللّفظ لا بدّ أن يكون بحيث لو تحقّق في الخارج لكان هو الموجود الخارجي، و قد عرفت أنّه لا يجوز تحقّقه في الخارج بوصف التّقديم.

43

و ما قد يتوهّم: من جواز إنشاء القبول و الرّضا قبل الإيجاب في اللّفظ، كأن يقول المشتري: «قبلت تملّك هذا الشيء بالعوض» ثمّ قال البائع: «ملّكتك» لتحقّق الإيجاب و القبول.

مدفوع: بأنّ هذا ليس إنشاء الذي هو ركن العقد، بل الرّكن هو القبول المتأخّر نظير الأخذ، و انّما يكون هذا بمنزلة الإخبار عن القبول المتأخّر و الرّضاء به، و هذا التعبير غير مندرج في القسم الثّاني، إذ القسم الثّاني عبارة عن إنشاء التملّك، و هذا اللّفظ إنشاء الرّضا بالتملّك و بينهما فرق بيّن، و التّعبير عن القسم الثاني أعني التّملك الفعلي إنّما يكون بلفظ (اشتريت) و (ابتعت) و نظائرهما ممّا يدل على مجرّد التملّك دون القبول، و قد تبيّن في المقدّمة الاولى أنّ هذه الألفاظ من حيث هي غير متضمّنة لمعنى القبول، و لو قلنا بدلالتها عليه لكان حالها كحال سابقه في عدم جواز التّقديم، و قد بيّنا في تلك المقدّمة أنّ هذه الألفاظ لو تأخّرت لدلّت على المطاوعة أيضا، فيجوز التّعبير بها في القسم الأوّل أيضا بدلا عن لفظ القبول و نظائره، و لو لم نقل بدلالتها في هذه الصّورة أيضا على المطاوعة لا يخفى أنّه أيضا يجوز التّعبير بها متأخّرا، لما عرفت من أنّ قوام العقد بالتّمليك و التملّك و انّما صار الأخذ متقوّما لدلالته عليه.

و بما ذكرنا تبيّن أنّه لا يكفي في القبول الاستدعاء كأن يقول المشتري: «بعني هذا الشّيء»، فقال البائع «بعتكه»، بل لا بدّ له من لفظ متأخّر، فافهم.

هذا تمام الكلام في القسم الأوّل أعني ما كان النّقل فيه من الطرفين.

و امّا القسم الآخر: و هو ما لا يكون النّقل فيه إلّا من طرف واحد:

فقد تبيّن حاله من عدم جواز تقديم القبول فيها بأيّ لفظ كان، كالهبة الغير المعوّضة، و القرض، و الرّهن، إذ لا تحقّق لها في الخارج إلّا ببذل المالك العين و أخذ المتّهب له أو المقترض أو المتّهب إيّاها، و قد عرفت أنّه لا يمكن التّعبير عن الأخذ بلفظ إلّا متأخّرا، و المفروض لا نقل من طرف القابل و لو بعنوان العوضيّة حتّى يبتدء به في الوجود الخارجي.

44

و امّا الالتزام بالمقتضي و إنشائه كما في قول المرتهن: «قبلت برهن العين» قبل قول الرّاهن، فقد عرفت أنّه ليس القبول الذي هو ركن العقد، بل هو بمنزلة الإخبار عن الرّضا المتأخّر الذي هو ركن العقد فلا يجوز تقديمه.

و امّا لو قال: «ارتهنت» فهو و إن لم يكن قبولا بل إنشاء حصول ذلك المعنى و الالتزام به، إلّا أنّه ليس بهذا الاعتبار فعل خارجي بحذائها و يكون ركنا خارجا للعقد حتّى يصدق عليها أنّه لفظه، فتبصّر.

ثمّ لا يخفى عليك أنّه لا يلزم على ما ذكرناه من لزوم اتّحاد الأركان اللّفظية مع الأركان الخارجيّة من حيث الماهيّة بعد اعتبار اللّفظ في الصحّة أن نقول بكفاية كلّ لفظ هو كذلك في الصحّة، بل اللّازم الالتزام بعدم كفاية ما ليس كذلك فيها، فلا ينافي ما ذكرناه قيام دليل خاصّ على عدم كفاية بعض الألفاظ المتّصفة بالصّفة المذكورة. نعم لو ثبت دليل على كفاية بعض الألفاظ في القبول، مع عدم كونها متّصفة بالصّفة المذكورة، كورود نصّ أو قيام إجماع على كفاية الاستدعاء في القبول في بعض العقود مثلا، يكشف ذلك عن عدم توقّف ذلك العقد على القبول اللّفظي، بل يكفي فيه القبول الفعلي في الصحّة.

و يمكن أن يقال: إنّ هذا لا يدلّ على كفاية مطلق القبول، بل يدلّ على كفايته لو تعقّب لفظا يكون بهذه المثابة، أعني ما يدلّ على الرّضا بالعقد و إن لم يكن من الأركان إلّا انه من شروط الصحّة، بمعنى أنّه يمكن أن يشترط القبول الفعلي في التأثير أن يكون مسبوقا بلفظ، و ذلك اللّفظ يدلّ على الرضاء به لا لفظ نفس القبول، إذ قد عرفت عدم إمكان تقدّمه فافهم و تأمّل فإنّ المقام لا يخلو عن دقّة.

45

و من جملة شروط البيع الجزم و التّنجيز

امّا الجزم: أن يكون المتبايعان قاطعين بحصول الأثر حين إيقاع العقد، و لا يعلّقانه على شيء يوجب الجهل.

و امّا التّنجيز: بأن لا يكون معلّقا على شيء بأدوات الشرط، بأن يقصد المتعاقدان انعقاد المعاملة في صورة وجود ذلك الشّيء لا في غيرها.

و الظّاهر على ما حكي عن العلّامة (قدس سره) انّه اكتفى في الاشتراط بالجزم ثمّ فرّع عليه عدم جواز التّعليق (1).

و الظّاهر أنّ اعتبار الشّرطين- بمعنى عدم جواز التعليق في الجملة- إجماعيّ، و لكن الكلام في بيان مدرك الإجماع، أعني وجه الاشتراط و بيان مورده و كونه كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السلام)، و قبل الخوض في الاستدلال لا بدّ من ملاحظة البيع العرفي بل مطلق المعاملة العرفيّة بحيث عيّن الماهية المملّكة عندهم عن غيرها حتّى

____________

(1) قواعد الأحكام: 141.

46

يعرف أنّ هذين الشّرطين هل هما معتبران في تحقّق الأسباب المملّكة عندهم، أم اعتبارهما مختصّ بالمعاملة الشرعيّة؟، إذ لو اعتبرا فيها لما احتاج إثبات اعتبارهما في المعاملة الشرعيّة إلى دليل مغاير لما يدلّ على صحّة أصل المعاملة، لأنّ الأدلّة الشرعيّة من قبيل «أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ» (1) و غيره ممّا يدلّ على صحّة المعاملة إنّما هي ناظرة إلى المعاملة العرفيّة، فما كان معتبرا في تحقّق ماهيّاتها لا محالة معتبر في البيع الشرعي.

و الحاصل: إنّ تنقيح المقام يتوقّف على معرفة الأسباب المملّكة في أنظار أهل العرف، من أنّها هل متحقّق عندهم مع التعليق، أم يتوقّف عندهم تحقّقها على الجزم و التّنجيز، و بدونها لا يرتّبون عليها حال كونها مجرّدة عن هذين الشّرطين آثار الملكيّة، بل يعدّون ما صدر من المالك من اللّفظ مثل قوله: «هذا لك إن جاء زيد من السّفر» مجرّد الوعد على الإعطاء، و لا يحصل به- مع قطع النّظر عن إمضاء متأخّر عن حصول الشّرط- تمليك عندهم، فيكون على هذا إنشاء التّمليك على هذا منافيا للتّعليق فيه؟

____________

(1) سورة البقرة: آية 275.

47

«تفصيل» «قاعدة كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»

و الكلام فيها تارة في معناها و ما أريد منها، و اخرى في مدركها.

أمّا الكلام في المقام الأوّل فنقول: إنّ المراد بالعقد أعمّ من اللازم و الجائز، بل ما فيه شأنيّة الإيقاع، إذ المراد منه مطلق العهد، فيشمل الجعالة و الخلع و الوكالة و غير ذلك من المعاهدات، و هذا ظاهر لمن لا حظ كلمات الأصحاب و موارد ذكرها.

و المراد بالضّمان أن يكون درك المضمون فيه و خسارته في ماله الأصلي لا فيما تملّكه بهذا العقد، فاذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه منه، فمعناه كلّ عقد يترتّب عليه الخسارة في ماله الأصلي بصحيحه كذلك يترتّب فيه بفاسده أيضا كذلك، و ما لا يترتّب بصحيحه خسارة كذلك لا يترتّب بفاسده أيضا خسارة.

و توهّم: أنّ المراد منه مجرّد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكا له.

مدفوع أوّلا: بأنّ هذا ليس معنى الضّمان أصلا، إذ لا يقال أنّ الإنسان ضامن

48

لأمواله مع أنّ تلفها في ملكه.

و ثانيا: إنّ هذا المعنى يتمّ في طرف العكس، إذ لا يصدق على العين الموهوبة بعد تلفها أنّها تلفت مملوكة له، مع أنّه لا يضمن بفاسده كما سيتّضح فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

و كذا لا يستقيم هذا المعنى في طرف الفساد، إذ بعد فرض الفساد لا يكون المضمون فيه ملكا له حتّى يصدق عليه أنّه تلف مملوكا له، فلا بدّ أن يكون بالمعنى المذكور، إذ إرادة هذا المعنى في هذا الطرف قرينة على أنّ المراد في طرف الصّحيح أيضا كذلك، إذ الظاهر عدم التّفكيك بينهما في طرف في المقامين، فان المراد منهما واحد فيهما مع أنّهم استدلّوا في أمثال المقام على نفي الضّمان في فاسده لعدمه في صحيحه بهذه القاعدة، و هذا كاشف عن إرادتهم منه هذا المعنى.

ثمّ لا يخفى أنّ ظاهر العموم المستفاد من لفظ كلّ هو العموم الأفرادي، فمقتضاه الثّبوت بملاحظة كلّ فرد فرد، و لكنّه مناف لظاهر لفظ بصحيحه و بفاسده، إذ الظّاهر منهما تحقّق كلّ من القسمين في كلّ فرد مشمول لكلمة كلّ فعلا، و هو بالنّسبة إلى الفرد الخارجي الشخصي غير متصوّر، لأنّه امّا متّصف بالصحّة أو بالفساد لكونهما متقابلين لا يجتمعان في موضع واحد شخصي، فلا بدّ امّا من حمله على إرادة الأنواع من العقود و الأصناف، و لكنّ إرادة الأنواع بخصوصها مشكل لأنّ بعض الأنواع أصنافها مضمّن و بعضها غير مضمّن كالصّلح و الهبة، فهي من حيث هي عارية عن الاقتضاء و لها شأنيّة الاتّصاف بكلا القسمين بملاحظة الخصوصيّات و التّشخصات، فلا بدّ من الحمل على إرادة الأصناف، بل لا على خصوص الأصناف بحيث ينافي إرادة نوع لا يتّصف بكلا القسمين، بل يحمل على إرادة معنى كلّي قابل لتحقّق صحيح فيه و قسم فاسد بحيث يشمل الأصناف لو كانت بهذه الصّفة، و إلّا فالأنواع، فتحمل على إرادة الكلّي الأقرب إلى الأشخاص، و تعيين الحمل عليه بملاحظة هذه المقدّمة الخارجيّة أعني العلم بعدم اقتضاء بعض الأنواع في حدّ ذاتها شيئا من الضّمان

49

و عدمه، لا لكونه أقرب المجازات إذ ليس إرادة الأنواع ارتكاب تجوّز في لفظ الكلّي. غاية الأمر انّه كثيرا ما يراد منه العموم بالنّسبة إلى كلّ فرد فرد من أفراد مدخولة، لا أنّه لو أريد منه كلّ نوع نوع يكون مجازا، كما لا يخفى.

و امّا نفي الحمل على إرادة كلّ فرد فرد فبملاحظة مدلول الكلام، أعني ظهور لفظ بصحيحه و بفاسده فيما إذا تحقّق القسمان فيه بالفعل، فإرادة العموم بالنّسبة إلى أفراد العقود خلاف ظاهر القضيّة، فلا يتوهّم منه أنّ المراد منه خصوص الأشخاص، و أنّ معناه كلّ شخص من العقود الذي يضمن به لو فرض صحيحا يضمن به حين فساده، لما عرفت من أنّ ظاهرها وجود القسمين فيه بالفعل لا ما يفرض تارة صحيحه و اخرى فاسدة، مع انه لو كان المراد هذا المعنى لكان اللازم أن يقال كلّ عقد يضمن بصحّته يضمن بفساده لا بصحيحه و فاسده.

ثمّ انّ لفظة الباء في بصحيحه و بفاسده:

امّا بمعنى في، بأن يراد كلّما تحقّق الضّمان في صحيحه تحقّق في فاسده.

و امّا مطلق السّببيّة، الشّاملة للنّاقصة لا العلّة التّامّة، فإنّ صحيح العقد قد لا يوجب الضمان إلّا بعد القبض، و امّا العقد الفاسد فلا يكون علّة تامّة أصلا بل يفتقر ثبوت الضّمان به إلى القبض و قبله لا ضمان أصلا، فجعل الفاسد سببا للضّمان امّا لأنّه المنشأ للقبض على وجه الضّمان الذي هو سبب للضّمان، و امّا لأنّه سبب الحكم بالضمان بشرط القبض.

هذا مجمل القول في معنى القاعدة.

و امّا الكلام في مدركها فنقول:

انّ ما ذكروه مدركا لها أمران:

أحدهما: أقدام الأخذ على الضّمان، و هذا ما استفيد من كلام الشيخ (رحمه الله) في

50

«المبسوط» حيث علّل الضّمان في موارد كثيرة من البيع و الإجارة الفاسدين بدخوله على أن يكون المال مضمونا عليه بالمسمّى، فاذا لم يسلم له المسمّى يرجع إلى المثل أو القيمة، و تبعه في الاستدلال الشهيد (رحمه الله) في «المسالك».

و الثّاني: قوله عليه و آله السّلام «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (1).

و يرد على الدّليل الأوّل أمران:

أحدهما: إنّه أخصّ من المدّعى من وجه، إذ قد يكون الإقدام موجودا و لا ضمان كما في بيع السّلم و الصّرف قبل القبض، بل و مطلق البيع قبل القبض، و قد لا يكون الإقدام و يكون الضّمان كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري، و كما إذا قال البائع: «بعتك بلا ثمن و آجرتك بلا اجرة» على قول غير الشهيد (رحمه الله)، و هو قويّ في الأخير عدم الضّمان.

و بالجملة نقضه و لو في صورة الطّرد يكشف عن فساد الدّليل، فلا يثبت به المدّعى.

و توهّم: تخصيصه في هذه الموارد لدليل خاصّ.

مدفوع: بأنّ التّخصيص انّما هو في الأدلّة اللّفظية، و ليس في المقام عموم لفظي حتّى يخصّص، و امّا الدليل اللّبي فلا يقبل التّخصيص.

و كذا توهّم: عدم اختصاص الإقدام بالدليليّة بل هو مع القبض.

مدفوع: بأنّه إمّا أن يكون الأخذ حينئذ تمام العلّة في وجوب الضمان، فهذا هو التمسّك بقاعدة اليد، و سيجيء الكلام فيه فيكون الإقدام من قبيل الحجر الموضوع في جنب الإنسان و لا ربط له في الدّلالة.

و امّا أن يكون هو أيضا جزء للعلّة، و هذا أيضا غير تامّ للنّقض بما لو أقدم على أخذ الوديعة بشرط الضّمان حيث أنّه أقدم على الأخذ بالضّمان.

____________

(1) عوالي اللئالي: 2- 345 حديث 10.